← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36506

إعراب القرآن - إسماعيل الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (567 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأما من قرأ بالإضافة فإن بعض النحويين أنكر عليه ذلك؛ لأنَّه من إضافة الشيء إلى نفسه. وليس كذلك؛ لأنَّ (الجزاء) هاهنا مصدر، وهو غير (المثل) وإنما هو فصل المجازي. و (مثل) هاهنا بمعنى ذات الشىء كما تقول: مثلك لا يفعل كذا، وأنت تريد: أنت لا تفعل كذا، وكذلك (مثل) نحو قوله تعالى: (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ). إنما يريد كمن هو في الظلمات. وعلى هذا حمل محمد بن جرير قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، أي: ليس كذاته شيء. والواجب على القائل على هذه القراءة أن يقوم الصيد بقيمة عادلة ثم يشتري بثمنه مثله من النعم يهدي إلى الكعبة. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) قال ابن عباس وأنس وأبو هريرة والحسن وطاووس وقتادة والسُّدِّي: نزلت في رجل يقال له " عبد الله " وكان يطعن في نسبه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ - فقال: حذافة، وهو غير الذي ينسب إليه، فساءه ذلك، فنزلت هذه الآية. وقيل: نزلت لأنهم سألوا عن أمر الحج لما نزل (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، فقالوا: أفي كل عام؟ قال: لا، ولو قلت نعم لوجبت. ويروى عن مجاهد وأبي أمامة وعن ابن عباس وأبي هريرة بخلاف، ويذكر أنّ السؤال الأول والثاني كانا في مجلس واحد. * * * فصل:

стр. 107

ويُسأل عن قوله (أَشْيَاءَ) لِمَ لم ينصرف؟ وفيه بين العلماء خلاف: قال الخليل وسيبويه: أصله (شَيئَاء) على وزن (طرفَاء)، ثم قدمت الهمزة التي هي لام الفعل إلى موضع الفاء وأسكنت الشين، فقيل (أشياء) والهمزة في آخره للتأنيث فلم ينصرف لذلك. وقال الأخفش والفراء: أصله (أشيئاء) على وزن (أفعِلاء)، ثم خفف وشبهاه بـ (هيّن وأهوِنَاء) و (صديق وأصدقاء)، واختلفا في الواحد: فجعله أحدهما كهين وجعله الآخر كصديق. قال المازني: قلت للأخفش كيف تصغر (أَشْيَاءَ)؟ - فقال: أشيّئاء، فقلت: خالفت أصلك، وإنما يجب أنّ تصغر الواحد ثم تجمعه بالألف والتاء. فانقطع. وقال الكسائي: هو (أفعال) إلا أنّه لم ينصرف، لأنهم شبهوه بحمراء؛ لأنَّهم يقولون: أشياوات كما يقولون حمروات. فألزمه الزجاج أنّ لا ينصرف " أبناء " و " أسماء "؛ لأنَّهم يقولون: أبناوات وأسماوات. وقال أبو حاتم هو أفعال كبيت وأبيات إلا أنّه شذ فجاء غير مصروف. وقال محمد بن الحسن الزبيدي: توهمت العرب أنّ همزته للتأنيث فلم تصرفه. * * * قوله تعالى: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)

стр. 108

يُسأل كيف معنى هذا السؤال؟ والجواب: أنّ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ المعنى: هل يقدر، وكان هذا في ابتداء أمرهم، قبل أنّ تستحكم معرفتهم بالله تعالى، وبما يجوز عليه من الصفات، ولذلك أنكر عليهم عيسى ﵇ بقوله (اتقوا الله). والثاني: أنّ المعنى: هل يفعل، وهو قول الحسن، وهو على طريق المجاز، كما تقول: هل تستطيع أن تقوم معنا، أي: هل تفعل. والثالث: أنّ المعنى: هل يستجيب لك ربُّك. قال السُّدِّي: هل يطيعك ربُّك إن سألته؟ - فهذا على أنّ " استطاع " بمعنى، (أطاع) كما تقول استجاب بمعنى أجاب، وأنشد الأخفش: وَداعٍ دَعا: يَا مَنْ يُجيبُ إِلَى النَّدَى، ... فَلَمْ يَسْتَجِبْه عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وإنما حكى سيبويه (أسطاع) في معنى (أطاع) بقطع الهمزة وزيادة السين. وقرأ الكسائي (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بالتاء ونصب (رَبَّكَ) والمعنى في هذه القراءة: هل تستدعي إجابة ربِّك، وأصله: هل تستدعي طاعته فيما تسأل من هذا، وهذا قول الزجاج. وقيل معناه: هل تقدر أنّ تسأل ربَّك. وموضع (إذ) من الإعراب نصب. والعامل فيها (أوحيت) ويجوز أن يكون العامل: اذكر إذ قال الحواريون.

стр. 109

قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ) يسأل عن معنى سؤاله تعالى لعيسى ﵇؟ وفيه جوابان: أحدهما: التوبيخ لمن أدعى ذلك عليه. كما يُقَرر الرجلُ البريء بحضرة المدعَى عليه ليبكت المدعي بذلك، وهذا قول الزجاج. والثاني: أنّ الله تعالى أراد أن يُعرفه أنّ قومه آل أمرهم إلى هذا الأمر العجيب المنكر، وهذا على تأويل قول السُّدِّي: أنّه قيل له هذا في الدنيا. * * * فصل: ويُسأل: هل قيل له هذا في الدنيا. أو سيقال له؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنّه سيقال له يوم القيامة، وهو قول ابن جريج وقتادة والزجاج لقوله (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ). والثاني: أنّه قيل له ذلك حين رفعه الله تعالى إليه في الدنيا، وهو قول السُّدِّي، لأنّ الفعل بلفظ الماضي، ولا ينكر أن يأتي الفعل الماضي ومعناه الاستقبال في مثل هذا، وقد جاء في القرآن منه مواضع كثيرة، نحو قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) وقال (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) وقال (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) وقال (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ)، وهذا

стр. 110

إنما يأتي لصدق المخبِر فيما يخبر؛ لأنَّه يصير في الثبات والصحة بمنزلة ما قد وقع. قال أبو النجم: ثُم جزاه اللهُ عنَّا إذْ جَزَى ... جناتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلَى يريد: إذا جزى. * * * فصل: ويُسأَل عن قوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) قال الزجاج المعنى: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك. قال غيره: تعلم حقيقتي ولا أعلم حقيقتك مشاهدة. وقيل: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك التي هي نفسي. يعني التي تملكها، وحقيقة ذلك: تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تُخفي، إلا أنّه ذكر النفس على مزاوجة الكلام؛ لأنّ ما تُخفيه كأنّه إخفاء في النفس. وموضع (إذ) نصب؛ لأنها معطوفة على (إذ) الأولى، فالعامل فيهما واحد، ويجوز أنّ يكون عطف جملة على جملة. والألف في (أأنت) تسمى ألف التوييخ، وجوز فيها ثلاثة أوجه: التحقيق في الهمزتين، وتحقيق الأولى وتليين الثانية، وتحقيقهما جميعاً وإدخال ألف بينهما، وقد شرحنا ذلك في سورة البقرة. قوله تعالى: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)

стр. 111

الرقيب: الحفيظ. هذا قول السُّدِّي وابن جريج وقتادة. والمراقبة: في الأصل المراعاة. والشهيد هاهنا العليم وقيل الشاهد. وسأل عن موضع (أنْ) من الإعراب؟ وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون موضعها جراً على البدل من المضمر في (به). والثاني: أن يكون موضعها نصباً على البدل من (ما). والثالث: أنّ لا يكون لها موضع من الإعراب، ولكن تكون مفسرة بمنزلة " أي " كالتي في قوله تعالى (أنّ امشُوا). ويُسأل على الوجهين الأولين: كيف جاز أنّ تُوصل (أنّ) بفعل الأمر، ولم يجز أن يوصل (الذي) به والجواب: أنّ (الذي) اسمٌ ناقص يقتضي أنّ تكون صلته مبنية عنه كإبانة الصفة للموصوف، وفعل الأمر لا يصح فيه هذا؛ لأنَّه إنما يتبين بما علمه عند المخاطب. فأما (أنّ) فحرف لا يجب فيه ذلك كما لا يجب أن يكون في صلته عائد. * * * فصل: وسأل عن قوله تعالى: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي)؟ وفيه جوابان:

стр. 112

أحدهما: أنّه أراد وفاة الرفع إلى السماء: هذا قول الحسن. وقال غيره: يعني وفاة الموت. والأوّل أولى، لقول النبي ﷺ (لينزلن ابن مريم حَكماً عدلًا، فليقتلنَّ الدجال). ونصب (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ)؛ لأنَّه خبر " كان " و " أنت " فصل، وقرأ الأعمش: (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبُ) بالرفع. جعل " أنت " مبتدأ و " الرقيب " الخبر والجملة خبر " كان ". ومثله قول قيس بن ذريح: تُبكِي عَلَى لُبْنى وأَنْتَ تَرَكْتَها ... وكُنْتَ عَلَيْها بالمَلا أَنْتَ أَقْدَرُ فإنْ تكن الدُنيا بلبُنى تغَيرتْ ... فللدهرِ والدنيا بُطونٌ وأظهرُ ولا يدخل الفصل إلا بين معرفتين، أو بين معرفة ونكرة تقارب المعرفة، نحو: كنت أنت القائم، وكنت أنت خيراً منه. * * *

стр. 113

وَمِنْ سُورَةِ (الْأَنْعَامِ) قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)) يسأل عن العامل في الظرف من قوله (فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)؟. وفي هذا جوابان: أحدهما: أنّ (في) متعلقة بما دلّ عليه اسم الله . لأنّه وقع موقع (المدبّر) كأنّه قال: وهو المدبر في السماوات وفي الأرض. والجواب الثاني: أنّ تكون (في) متعلقة بمحذوف. كأنّه قال: وهو الله مدبر في السماوات وفي الأرض. وقوله (في الأرض) معطوف على (في السماوات). ويجوز فيه وجه آخر وهو أن يكون المعنى: وهو الله ملكه في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم، أي: ويعلم سركم وجهركم في الأرض، ولا يجوز أن يتعلق بالاستقرار؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى احتواء الأمكنة عليه والله تعالى لا تحتويه الأمكنة ولا الأزمنة. * * * قوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ) يقال كيف كذبوا مع علمهم بأن الكذب في الآخرة لا ينفعهم. وأن الله تعالى يعلم ذلك منهم؟. والجواب: أنّ الآخرة مواقف. فموقف لا يعلمون فيه ذلك. وموقف يعلمون فيه، وهو استقرارهم في النار، وقال الحسن: جروا على عادتهم في الدنيا لأنهم منافقون

стр. 114

ويجوز في (فتنتهم) الرفع والنصب: فالرفع على أنّه اسم " تكن " و (إلا أنّ قالوا) الخبر. والنصب على أن يكون خبراً و (إلا أنّ قالوا) الاسم. وهو الوجه؛ لأمرين: أحدهما: أنّ الخبر أولى بالنفي، والاسم أولى بالإثبات. والثاني: أنّ قوله (إلا أنّ قالوا) يشبه المضمر من قبل أنّه لا يوصف ولا يوصف به، والمضمرات أعرف المعارف، وإذا اجتمع في كان اسمان أحدهما أعرف من الآخر كان الأعرف اسماً لها والآخر خبراً لها وكذا المعرفة والنكرة تكون المعرفة اسماً والنكرة خبراً، قال الشاعر: وقَد عَلم الأقوامُ ما كان داءَها ... بشَهْلان إلا الخزيُ ممن يقودُها * * * فصل: وممّ يسأل عنه أن يقال: لِمَ أُنث (تكن) والاسم مذكر؟ والجواب: لأنّه وقع على مؤنث وهو (الفتنة)، وهى أقرب إلى الفعل مثل قول لبيد: فمَضَى وقَدَّمها وَكَانَتْ عَادَةً ... مِنْهُ إِذا هِيَ عَرَّدَتْ إِقْدامُها قال الزجاج: يجوز أن يكون التقدير في قوله إلا أنّ قالوا: إلا مقالتهم. فتؤنث لذلك، وهذا وجه جيد صحيح. * * * قوله تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ)

стр. 115

يقال: وقف يقف وقوفا. ووقف غيره يقفه وقفاً، وحكي عن أبي عمرو أنّه أجاز (ما أوقفك هاهنا) مع إخباره أنّه لم يسمعه من العرب، وهو غير جائز عند علمائنا. ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاز (ولو ترى) و " لو " إنما هي للماضي؟ والجواب: لأنّ الخبر لصحته وصدق المخبِر به صار بمنزلة ما وقع، وقد ذكرنا له نظائر. ويُقال: " لو " فيها معنى الشرط فلمَ لم تجزم؟ قيل: لمخالفتها حروف الشرط، وذلك أنّ حروف الشرط ترد الماضي مستقبلا، نحو قولك: إن قُمت قُمتُ معك، كما تقول: إن تقم أقم معك، و " لو " لا تفعل ذلك الفعل، فلم تجزم لذلك. ويُسأل عن جواب " لو "؟ والجواب: أنّه محذوف، وتقديره: لرأيت أمراً هائلًا، وهذه الأجوبة تحذف لتعظيم الأمر وتفخيمه، نحو قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى)، يريد: لكان هذا القرآن، ومثله قول امرئ القيس: وجَدِّكَ لو شيءُ أتانَا رسولُه ... سِواكَ ولكن لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا يريد: لو أتانا رسوله سواك لما جئنا. وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص وحمزة (ولا نكذبَ، ونكونَ) نصب فيهما جميعاً، وقرأ الباقون بالرفع.

стр. 116

وفي النصب أوجه: أحدها: أن يكون على إضمار (أنْ)، وهو الذي يسميه الكوفيون نصباً على الصرف، تقديره: وأن لا نكذبَ وأن نكونَ، وإنما احتجت إلى إضمار (أنّ) ليكون مع الفعل مصدراً، فتعطف مصدراً على مصدر، كأنّه في التقدير: يا ليتنا اجتمع لنا الرد وترك التكذيب مع الإيمان. ويجوز أن يكونوا قالوا على الوجهين جميعاً، فاكذبوا على الوجه الأول. وأجاز الزجاج أنّ تكون (الواو) بمنزلة (الفاء) في الجواب، فيصير كقولك: لو رُددِنا لم نُكذب بآيات ربِّنا ولكُنَّا من المؤمنين فاكذبوا في هذا. وهو مذهب الكوفيين؛ لأنّ أكثر البصريين لا يجيز أن يكون الجواب إلا بالفاء. وأما الرفع فعلى القطع والاستئناف، أي: ونحن لا نكذب بآيات ربِّنا رُددنا أو لم نرد. قال سيبويه: دعني ولا أعود، أي: وأنا لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني، ويدل عليه (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). ويجوز أن يكون على إضمار مبتدأ أي ونحن لا نكذب. * * * قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) الدابة: كل ما دبّ من الحيوان. ومما يسأل عنه أن يقال: لِمَ قال (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) وقد علم أنّ الطائر لا يطير إلا بجناحيه؟

стр. 117

والجواب: أنّ هذا إنما جاء للتوكيد ورفع اللبس، لأنّه قد يقول القائل: طِر في حاجتي، أي: أسرع فيها، فجاء هذا التوكيد لإزالة اللبس. وهو كما نقول مشى برجليه. ومعنى قوله: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)، أي: في الحاجة وشدة الفاقة إلى مدبر يدبرهم في أغذيتهم وكسبهم ونومهم ويقظتهم وما أشبه ذلك. ويُسأل عن قوله (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّه قد أتى فيه بكل ما يحتاج إليه العباد في أمور دينهم مجملًا ومفصلًا. والثاني: أنّه ذكر فيه جميع الاحتجاجات على مخالفيه. * * * قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) يُسأل: ما الشبه وما الشبه به في قوله (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ)؟ وفيه جوابان: أحدهما: التفصيل الذي تقدم في صفة المهتدين وصفة الضالين شبه بتفصيل الدلالة على الحق من الباطل في صفة غيرهم من كل مخالف للحق.

стр. 118

والثاني: أنّ المعنى كما فصلنا ما تقدم من الآيات لكم نفصله لغيركم. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم (وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) بالياء ورفع اللام. وقرأ نافع بالتاء ونصب اللام، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحفص عن عاصم بالتاء ورفع اللام. فمن قرأ بالياء وضم اللام جعل (السبيل) فاعلا وذكَّره وهي لغة بني تميم. ومن قرأ بالتاء ونصب اللام جعل المخاطب فاعلا ونصب (السبيل) لأنّه مفعول تقديره: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين. ومن قرأ بالتاء ورفع اللام جعل (السبيل) فاعلة وأنثها وهي لغة أهل الحجاز وقد روي في الشاذ. (وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلَ) بالياء وفتح اللام على تقدير: وليستبين السائل سبيل. * * * قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)) الأصنام: جمع صنم، والصنم ماكان مصورا، والوثن ما كان غير مصور. والآلهة: جمع إله، كإزار، وآزِره.

стр. 119

وفي (آزر) ثلاثة أقوال: أحدها: أنّه اسم أب إبراهيم، وهو قول الحسن والسُّدِّي وسعيد بن جبير وابن إسحاق. والثاني: أنّه اسم صنم، وهو قول مجاهد. والثالث: أنّه صفة عيب قال الفراء معناه: معوج عن الدين. وقيل: هو لقب له واسمه تارج. وهو في هذه الأقوال مجرور الموضع على البدل من (أبيه) ولا ينصرف لأنّه أعجمي معرفة. وأما على قول مجاهد فقال الزجاج يكون منصوبًا على إضمار فعل دل عليه الكلام، كأنّه قال: أتتخذ آزر إلهاً أتتخذ أصناما آلهة. وقرئ في الشواذ (آزرُ)، وتقديره: وإذ قال إبراهيم لأبيه يا آزرُ أتتخذ أصناماً آلهة. والعامل في (إذ) فعل مضمر تقديره (اذكر). قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ)

стр. 120

البزوغ: البروز والطلوع. يقال: بزغ يبزغ بزوغاً. والأفول: الغيبوبة. ومما يسأل عنه أن يُقال: ما في أفولها من الدلالة على أنّه لا يجوز عبادتها، وقد عبدها كثير من الناس مع العلم بذلك؟ والجواب: أنّ الأفول بعد الطلوع تغير والتغير صفة نقص ودلالة على أنّ للمغيَّر مدبرًا يدبره، وأنه مسخر محدث، وما كان بهذه الصفة وجب أنّ لا يعبد. * * * فصل: ومما يُسأل عنه أن يقال: لِمَ لمْ يقل: هذه ربِّي، كما قال (بَازِغَةً)؟ والجواب: أنّ التقدير هذا النور الطالع ربِّي. ليكون الخبر والمخبر عنه جميعاً على التذكير، كما كانا جميعاً على التأنيث في (الشَّمْسَ بَازِغَةً)، هذا الذي قاله العلماء، وعندي أنّ قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً) إخبار من الله تعالى، وقوله (هَذَا رَبِّي) من كلام إبراهيم ﵇. والشمس مؤنثة في كلام العرب، فأما في كلام سواهم فيجوز أنها ليست كذلك، وإبراهيم ﵇ لم يكن عربياً فحكى لنا الله تعالى على ما كان في لغته. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم أُنثت الشمس وذكر القمر؟ والجواب: أن تأنيثها تفخيم لها لكثرة ضيائها، على حد قولهم: نسابة وعلامة، وليس القمر كذلك، لأنّه دونها في الضياء. ويُقَال: لم دخل الألف واللام فيها وهي واحدة، ولم يدخل في زيد وعمرو؟ قيل: لأنّ شعاع الشمس يقع عليه اسم الشمس. فاحتيج إلى التعريف إذا قصد إلى جرم الشمس أو إلى الشعاع، على طريق الجنس أو الواحد من الجنس. وليس زيد ونحوه كذلك.

стр. 121

قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ) يقال لم أقسموا، وما الآية التي طلبوا؟ والجواب: أنّهم أرادوا أن يتحكموا على النبي صلى الله عليه بأقسامهم، وسألوا أن يحول الصفا ذهبا. وقيل: سألوا ما ذكره الله تعالى في الآية الأخرى من قوله: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا) الآيات. ومعنى قوله: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ) التنبيه على موضع الحجة عليهم في أنّه ليس لهم ما لا سبيل لهم إلى علمه، وقيل المخاطب بهذا المشركون، وهو قول مجاهد وابن زيد، وقيل المؤمنون، وهو قول الفراء وغيره. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (إنها) بالكسر، وقرأ عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي بالفتح، قال ابن مجاهد وأحسب ابن عامر. وقرأ حمزة وابن عامر (تؤمنون) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. فوجه الكسر: أنّ (إن) جواب هاهنا، لأنّه استئناف على القطع بأنهم لا يؤمنون، ولو فُتِحَتْ وأُعمل فيها (يشعركم) لكان عُذراً لهم. وأما الفتح فعلى أن تكون (أنّ) بمعنى (لعل)، حكى الخليل: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا، وقال عديٌّ بن زيد:

стр. 122

أَعاذِلَ مَا يُدريكِ أَنَّ مَنِيَّتي ... إِلَى ساعةٍ فِي الْيَوْمِ أَو فِي ضُحى الغَدِ والتقدير على هذا: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. وقال الفراء تكون (لا) صلة. نحو قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)، وكقوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ). وقال الأخفش التقدير: وما يشعركم بأنها إذا جاءت يؤمنون، فجعل (لا) زأندة، وجعل (أنّ) في موضع نصب على حذف الجر. * * * قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)) يقال: لِمَ جاز في صفة القديم تعالى (أعلم) مع أنّه لا يخلو أن يكون (أعلم) بالمعنى ممن يعلمه أو ممن لا يعلمه وكلاهما لا يصح فيه (أفعل)؟ والجواب أنّ المعنى: هو أعلم به ممن يعلمه. لأنّه يعلمه من وجوه تخفى على غيره، وذلك أنّه يعلم ما يكون منه وما كان وما هو كائن من وجوه لا تحصى. وأما موضع (مَن) من الإعراب: فقال بعض البصريين: موضعها نصب على حذف (الباء) حتى يكون مقابلا لقوله (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

стр. 123

وقال الفراء والزجاج: موضعها رفع؛ لأنَّها بمعنى (أي) كقوله تعالى: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) وهذه المسألة فيها خلاف. وسأشرحها في موضعها إن شاء الله. قال أبو علي: (مَن) في موضع نصب بفعل مضمر يدل عليه (أعلم)، كأنّه قال: إن ربَّك أعلم يعلم من يضل عن سبيله. وزعم قوم أن (أعلم) بمعنى (يعلم)، وهذا فاسد ولا يجوز أن يكون (مَن) في موضع جر بإضافة (أعلم)؛ لأنَّ (أفعل) لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه، وليس ربنا تعالى بعض الضالين، ولا بعض المضلين فامتنع ذلك لذلك. قوله تعالى: (النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) المثوى: موضع الثواء، والثواء الإقامة، قال الله تعالى: (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ)، قال الأعشى لقد كانَ في حَوْلٍ ثَواءٍ ثَوَيْتُه ... تَقَضِّي لُباناتٍ وَيَسْأَمُ سائِمُ والخلود: البقاء. يقال: خلد يخلد خُلداً وخلوداً، والرجل خالد. والخلد اسم من أسماء الجنة، ويقال: أخلد الرجل إذا أبطأ عنه الشيب، وخلد أيضاً، وكذلك أخلد إلى الأرض وخلد، ويقال: أصاب فلان خُلد الأرض إذا وجد كنزا. ومما يسأل عنه أي يقال: ما معنى الاستثناء في قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ)؟

стр. 124

وللعلماء في ذلك عشرة أجوبة: أحدها: قاله ابن عباس وهو أنّه قال: لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله تعالى في خلقه بأن لهم جنة ولا ناراً، وهذا الاستثناء لأهل التوحيد دون أهل الكفر، وهو منقطع على هذا القول. والجواب الثاني: عنه أيضاً وهو أنّه لأهل الإيمان، قال: الخلود البقاء فيها. ثم استثنى أهل التوحيد أنّهم لا يخلدون فيها كما يخلد أهل الكفر، وإنما يدخلونها فيقيمون فيها بقدر ذنوبهم ثم يخرجون. والجواب الثالث: وهو له أيضاً قال: قد جعل الله أمد هَؤُلَاءِ القوم في مبلغ عذابهم إلى مشيئته، والاستثناء على هذا لأهل الكفر. وهو متصل. والجواب الرابع: للفراء وهو أنّ العزيمة قد تقدمت بالخلود وهو لا يشاء تركه. والجواب الخامس: لمحمد بن جرير وهو أنّه استثنى الزمان الذي هو مدة قيامهم من قبورهم إلى أن يصلوا إلى المحشر، لأنهم حينئذ ليسوا في جنة ولا نار. والجواب السادس: للزجاج قال: أوجب لهم النار بقولها (النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا) ومقامهم في الحشر والوقوف للمحاسبة ليس هم في نار. وهو كالجواب الذي قبله. والجواب السابع: أنّه على الزمان الذي هم فيه من قيامٍ في المحشر إلى أن يدخلوا النار، وهو استثناء من الخلود فيها وهو متصل. والجواب الثامن: للزجاج أيضاً وجماعة معه قالوا: الاستثناء في الزيادة من العذاب لهم، أي: إلا ما شاء الله من الزيادة في عذابهم، والاستثناء على هذا القول منقطع، والنحويون مختلفون في تقديره: سيبويه يقدره بـ (لكن) وكذلك جميع أصحابه، والفراء يقدره بـ (سوى) وكذا من تابعه.

стр. 125

والجواب التاسع: قاله بعض أصحاب المعاني وهو أنّ (ما) في الآية بمعنى (مَن) والاستثناء منقطع، والمعنى: إلا من شاء الله إخراجه من النار، يعني الموحدين الذين يخرجون بالشفاعة. وقيل: بل هو متصل و (ما) بمعنى (مَن) والتقدير: إلا من شاء الله أن يعذبه بأصناف العذاب، يعني الكفار. والاستثناء في هذين الجوابين من الأعيان، وعلى ما تقدم قبلها من الأزمان. و (ما) قد يقع في معنى (من) قال الله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) أي: مَنْ، وقال: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) وكذلك (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) وهو كثير. وحكى أبو زيد أنّ أهل الحجاز كانوا إذا سمعوا الرعد يقولون: سبحان ما سبَّحت له. والجواب العاشر: ذهب إليه بعض المتكلمين قال المعنى: إلا ما شاء الله من الفائت قبل ذلك من الاستحقاق، كأنّه قال: خالدين فيها على مقدار مقادير الاستحقاق إلا ما شاء الله من الفائت قبل ذلك، والفائت من العقاب يجوز تركه بالعفو عنه، والاستثناء على هذا متصل. قال بعض شيوخنا المعنى: إلا ما شاء الله من تجديد الجلود بعد إحراقها وتصريفهم في أنواع العذاب معها، أي خالدين فيها على صفة واحدة إلا ما شاء الله من هذه الأحوال والأمور التي ذكرت، و (ما) على بابها على هذا القول. * * * قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

стр. 126

الشركاء هاهنا الشياطين، زينوا للمشركين وأد البنات وهو دفنهن وهن في الحياة خوفاً من الفقر والعار، هذا قول الحسن ومجاهد والسُّدِّي، وقيل: هم الغواة من الناس. وقيل: شركاؤهم في نعمتهم وأموالهم، وقيل: شركاؤهم في الإشراك والكفر وما يعتقدونه وينالون عنه، وقيل: هم قوم كانوا يخدمون الأوثان ويقومون بأمرها وإصلاح شأنها وما تحتاج إليه، وهذا قول الفراء والزجاج. وفي هذه الآية أربع قراءات: قراءة الجماعة (زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ)، ووجه هذه القراءة ظاهر. إلا ابن عامر فإنه قرأ (زُيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادَهِمْ شُرَكَائِهِمْ)، بضم " الزاي " ونصب " الأولاد " وجر " الشركاء "، فهذه الرواية المشهورة عنه. ورويت عنه روايةٌ أخرى وهي جر " الأولاد " و " الشركاء " جميعا. فهذه ثلاث قراءات. والقراءة الرابعة (وَكَذَلِكَ زُيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ)، بضم " الزاي " ورفع " قَتْلُ " وجر " الأولاد " ورفع " الشركاء " وأظنها قراءة أبي عبد الرحمن السُّلمي. ووجه قراءة ابن عامر أنّه فرق بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، كأنّه قال: قتل شركائهم أولادهم، والشركاء في المعنى فاعلون، وهذا ضعيف في العربية، وإنما يجوز في ضرورة الشعر نحو قول الشاعر: فزجَجْتُها. . . . . متمكنا. . . زجَّ القَلوصَ أبي مزَادَهْ وأما القراءة الثانية: فوجهها أنّه جعل " الشركاء " بدلا من " الأولاد " لمشاركتهم إياهم في النسب والميراث، ويقال إن الذي حمله على هذه القراءة أنّه وجد (شركائهم) في مصاحف أهل الشام بالياء.

стр. 127

وأما القراءة الرابعة: وهى شاذة، فعلى أنّه لما قال: (وَكَذَلِكَ زُيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادِهِمْ)، قِيل: مَن زينه، قيل: شركاؤهم. أي: زينه شركاؤهم، ومثله قوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ)، على مذهب من قرأ (يُسبَّحُ) على ما لم يسم فاعله. وأنشد سيبويه: لِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ... ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطيح الطَّوائِحُ كأنّه قال: ليبك يزيد. قيل: من يبكيه؟ قال: ضارعٌ لخصومةٍ. * * *

стр. 128

وَمِنْ سُورَةِ (الْأَعْرَافِ) قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ) الخلق: التقدير، والتصوير: جعل الشيء على صورة من الصور. والصورة: بنيةَ على هينةٍ ظاهرة. ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاء (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا)، والقول كان قبل خلقنا وتصويرنا؟ وعن هذا ثلاثة أجوبة: الأول: أنّ المعنى خلقنا آبائكم، ثم صورنا آبائكم. وهذا يروى عن الحسن من كلام العرب: نحن فعلنا بكم كذا وكذا، وهم يعنون أسلافهم، وفي التنزيل: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) أي ميثاق أسلافكم الذين كانوا على زمن موسى ﵇. والثاني: أنّ المعنى خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره، وهو قول مجاهد. والثالث: أنّ الترتيب وقع في الإخبار. كأنّه قال ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة، كما تقول: أنا راجل ثم أنا مسرع، وهذا قول جماعة من النحويين منهم: علي بن عيسى والسيرافي وغيرهما، وقال الأخفش: (ثم) هاهنا بمعنى (الواو)، وأنكره الزجاج. وقال الشاعر: ْسألتُ ربيعَةَ مِن خَيْرِهَا ... أُباً ثُمَّ أُمًّا فَقالت لَمهْ أي ليجيب أولا عن الأب ثم الأم.

стр. 129

قوله تعالى: (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ) الأعراف: المواضع المرتفعة؛ أخذ من عرف الفرس، وكل مرتفع من الأرض عرف، قال الشماخ: فظلَّتْ بأعرافٍ تَعادَى كأنَّها ... رِماحٌ نَحاها وِجْهةَ الريحِ راكزٌ والحجاب: الحاجز المانع من الإدراك، ومنه قيل حاجب الأمير، وقيل للضرير " محجوب ". * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: من أصحاب الأعراف؟ وفي هذا أجوية: أحدها: أنّهم فضلاء المؤمنين، وهو قول الحسن ومجاهد. وقيل: هم الشهداء، وهم عدول الآخرة. وقيل: هم ملائكة يُرون في صورة الرجال، وهو قول أبي مجلز. وقيل: هم قوم أبطأت بهم صغائرهم إلى آخر الناس، وهو قول حذيفة وقيل: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقوله: (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) قيل هم أصحاب الأعراف، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة. وقيل: هم أهل الجنة قبل أن يدخلوها، وهو قول أبي مجلز.

стр. 130

قوله تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً) واعد: فاعل من الوعد. وموسى: اسم أعجمي لا ينصرف للتعريف والعجمة. قال السُّدِّي: أصله (موشا) فـ (مو): الماء، و (شا): الشجر، قال: وذلك أنّ جواري امرأة فرعون وجدنه بين ماء وشجر، فسمي باسم المكان الذي وُجِد فيه. وقال غيره: معناه من الماء رفعتك. وجمع (موسى) (موسون) في الرفع و (موسين) وفي الجر والنصب، تحذف الألف لالتقاء الساكنين، وترك الفتحة تدل عليها، هذا مذهب البصريين. وقال الكوفيون: يقال في جمعه (موسون) مثل قولك قاضون. فأما موسى الحديد فيقال في جمعه (مواس)، قال الشاعر: عَذبوني بعذاب قَلعوا جَوهَر راسِي ثم زادُوني عَذاباً نَزَعُوا عَني طِسَاسِ بالمدَى قُطّعَ لحمِي وبأطرافِ المواسي وهي مؤنثة، قال الشاعر: فإِن تَكُنِ الْمُوسَى جَرَتْ فوقَ بَظْرِها ... فَمَا وُضِعْتْ إِلا ومَصَّانُ قاعِدُ واختلف في اشتقاقها: فقال البصريون: هي (مُفْعَل) من أحد شيئين إما من أوسيت الشعر إذا حلقته، أو من أسوت الشيء إذا أصلحته، فعلى القول الأول تكون الواو أصلية، والألف في آخره منقلبة عن ياء، وعلى القول الثاني تكون الواو منقلبة عن همزة، والألف منقلبة عن واو.

стр. 131

وقال الكوفيون: هي (فُعْلىَ) من ماس يميس، فعلى هذا القول تكون الواو منقلبة عن ياء، لسكونها، وانضمام ما قبلها، والألف زائدة للتأنيث. والإتمام: التكميل، والميقات: الموقت. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: كيف كانت المواعدة هاهنا، والمواعدة إنما تكون من اثنين؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنّ (فَاعَل) قد يكون من واحد. نحو: عافاه الله، وعاقبت اللص. وطارقت النعل، فكذلك هاهنا. والجواب الثاني: أنّ القول كان من الله تعالى، والقبول من موسى فصارت مواعدة. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ)، ولم يقل: أربعين لَيْلَةً؟ وفي هذا أجوبة: قال مجاهد وابن جريج ومسروق كانت العدة ذا القعدة وعشر ذي الحجة. وقال غيرهم: واعده ثلاثين ليلة يصوم فيها ويتقرب بالعبادة، ثم أُتمت بعشر إلى وقت المناجاة. وقيل: واعده ثلاثين ليلة، فلم يصمها موسى ﵇، فأمره الله تعالى بعشر زيادة عليها؛ ليصوم فيها لتكون مناجاته بعقب صوم؛ لأنَّ خلوف فم الصائم عند الله كرائحة المسك. ويقال: لم قال (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)، وقد دل ما تقدم على هذه العدة؟ قيل: للبيان الذي يجوز معه توهم أتممنا الثلاثين بعشر منها كأنّه كان عشرين ثم أتم بعشر فتم ثلاثون. * * * قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ)

стр. 132

الاتخاذ: افتعال من الأخذ. والحلي: ما كان للزينة من الذهب والفضة. وقيل: إن العجل عُمِل من الذهب والفضة. والعجل: ولد البقرة القريب العهد بالولادة. واشتقاقه من التعجيل لصغره. وهو " العجول " أيضاً. والجسد: كالجسم، والخوار: الصوت. ويقال: كيف خار العجل، وهو مصوغ من ذهب؟ وعن هذا أجوبة: قال الحسن: قبض السامري قبضة من تراب من أثر فرس جبريل ﵇ يوم قطع البحر، فقذف ذلك التراب في العجل، فتحول لحماً ودماً. وقال غيره: احتال السامري بإدخال الريح فيه حتى سُمِع له صوتَ كالخوار. وقيل: بل لما جمع الحلي أتى بها إلى هارون ﵇، فقال له: إني أريد أن أصنع بهذا الحلي شيئًا ينتفع به بنو إسرائيل، فادع الله أن ييسره عليَّ، فدعا الله له، فأجرى الله تعالى في العجل ريحاً حتى خار. * * * قوله تعالى: (سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) ساء: فعل ماض لا يتصرف إذا أريد به معنى " بئس ". ونصب (مثلًا) لأنّه تفسير للمضمر في ساء وبيان، وتقديره: ساء المثل مثلًا. وفي الكلام حذف آخر تقديره: ساء المثل مثلا مثل القوم، ثم حذف المثل الأول لدلالة المنصوب عليه، وحذف الثاني وأقام المضاف إليه مقامه للإيجاز ولأن المعنى مفهوم.

стр. 133

قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) الإيتاء: الإعطاء. وقرأ نافع وعاصم من طريق أبي بكر (جَعَلَا لَهُ شُرْكًا)، وقرأ الباقون (شُرَكَاءَ)، وأنكر بعضهم القراءة الأولى، وقال لو كان (شُرْكًا) لقال: جعلا لغيره شُرْكًا؛ لأنّه بمعنى " النصيب ". والجواب عن هذا أنّ الزجاج قال المعنى: ذا شرك، كما قال (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ). وقيل: هو على التفحيش، أي: كان له شركاً. والشرك: مصدر، والشركاء: جمع شريك، ككريم وكرماء. ويُسأل: إلى من يرجع الضمير في (جعلا)؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّه يرجع إلى النفس وزوجها من ولد آدم لا إلى آدم وحواء، وهو قول الحسن وقتادة. والثاني: أنّه يرجع إلى الولد الصالح، بمعنى المعافاة في بدنه، فذلك صلاح في خلقه لا في دينه، وثنى لأنّ حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى. والثالث: أنّه يرجع إلى آدم: حواء، فإنهما جعلا له شريكا في التسمية، وذلك أنهما أقاما زمانا لا يولد لهما، فمر بهما الشيطان، ولم يعرفاه، فشكوا إليه، فقال لهما: إن أصلحت حالكما حتى يولد لكما أتسماينه باسمي؟ - فقالا: نعم، وما اسمك؟ قال: الحارث، فولد لهما، فسمياه (عبد الحارث). وهذا القول بعيد ولا يجوز مثل هذا على نبيٍّ من أنبياء الله تعالى، والقول الأول أوضح الأقاويل.

стр. 134

قوله تعالى: (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ) الهمزة في قوله: (أَدَعَوْتُمُوهُمْ) همزة تسوية كالذي في قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)، و (أم) معادلة لها. وسأل على من يعود الضمير في قوله (أَدَعَوْتُمُوهُمْ)؟. وفيه جوابان: أحدهما: أنّه يعود إلى قومٍ من المشركين قد صبئوا بالكفر. وهو قول الحسن. والثاني: أنّه يعود إلى الأصنام، وهو قول أهل المعاني. ويُقال: لم قال (أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ)، ولم يقل: أم صمتم؟ والجواب: أنّه أتى بذلك لإفادة الماضي والحال؛ لأنَّ المقابلة قد دلت على الماضي، واللفظ دل على معنى الحال. قال الشاعر: سواءٌ عليك الفقرُ أم بِتَّ ليلةً ... بأهل القباب مِنْ غَيرِ بن عامرِ فقابل الفعل الماضي بالاسم المبتدأ، كما قوبل في الآية المبتدأ بالفعل الماضي، وساغ هذا فيه لأنّه جملة من مبتدأ وخبر قابلت جملة من الفعل والفاعل. * * *

стр. 135

وَمِنْ سُورَةِ (الْأَنْفَالِ) قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) يسأل عن الكاف هاهنا، ما شبِّه بها؟ عن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ المعنى: قل الأنفال لله والرسول مع مشقته عليهم، لأنّه أصلح لهم كما أخرجك ربك من بيتك بالحق مع كرامتهم، لأنّه أصلح لهم. والثاني: أنّ المعنى: هذا الحق كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. والثالث: أنّ المعنى: يجادلونك في الحق متكرهين كما تكرهوا إخراجك من بيتك بالحق. وهذه الأقوال كلها عن أصحاب المعاني. وزعم بعضهم: أنّ " الكاف " بمعنى " الباء "، أي: بما أخرجك ربك، وهذا لا يعرف. * * * فصل: ويُسأَل: بم تتعلق " الكاف "؟ والجواب: أنها تتعلق بما دلَّ عليه (قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)؛ لأنَّ في هذا معنى بنزعها من أيديهم بالحق كما أخرجك ربك من بيتك. وجوابٌ ثانٍ: وهو أن يكون التقدير: يجادلونك في الحق كما كرهوا إخراجك في الحق، لأنّ فيه هذا المعنى وإن قدم ذكر الإخراج. وجوابٌ ثالث: وهو أن يعمل فيه معنى الحق بتقدير: هذا الذكر الحق كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. ويقال: لِمَ جاز أن يكره المؤمنون ما أمر الله تعالى به من الإخراج؟ وفيه جوابان:

стр. 136

أحدهما: أنّه تكره الطباع من طريق المشقة التي تلحق. والثاني: أنّهم كرهوا قبل أن يعلموا أنّ الله تعالى - عز اسمه - أمر به، أو أنّ النبي ﵇ عزم عليه. فلما علموا أرادوه. والقول الأول أبين، وقوله تعالى: (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ). * * * قوله تعالى: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) يقال: بمَ قتلهم الله تعالى؟ والجواب: بإعانته للمؤمنين، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وجاء في التفسير عن ابن عباس والسُّدِّي وعروة: أنّ النبي صلى الله علبه وسلم قبض قبضة من التراب فرماها في وجوههم وقال: (شاهت الوجوه) فبثها الله على أبصارهم حتى شغلهم بأنفسهم. ويقال: كيف جاز نفي الفعل عنه، وقد فعل؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنّه أثبته تعالى لنفسه لقوة السبب المؤدي إلى المسبب. والثاني: أنّه أثبته للنبي ﵇ بالاكتساب. ونفاه عنه لأنّه الفاعل في الحقيقة فأثبته لنفسه تعالى. * * * قوله تعالى: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ)

стр. 137

جاء في التفسير أنّ القائل هو "النضر بن الحارث بن كلدة" ويروى ذلك عن سعيد بن جبير ومجاهد، وذلك أنّه قال: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، وأهلكنا ومحمداً ومن معه. فأنزل الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) أي: وفيهم قوم يستغفرون، يعني المسلمين، يدل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)، ثم قال: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) خاصة (وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ)، يعني المسلمين. فعذبهم الله بالسيف بعد خروج النبي ﵇. وفي ذلك نزلت: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ). وهذا معنى قول ابن عباس، وقال مجاهد في قوله: (وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) علم الله أنّ في أصلابهم من يستغفر. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم طلبوا العذاب من الله تعالى بالحق، وإنما يطلب بالحق الخير والثواب والأجر؟ والجواب: أنّهم كانوا يعتقدون أنّ ما جاء به النبي ﵇ ليس بحق من الله، وإذا لم يكن كذلك لم يصبهم شيء. ويقال: لِمَ قال (أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ)، والإمطار لا يكون إلا من السماء؟. وفي هذا جوابان: أحدهما: أنّه يجوز أن يكون إمطار الحجارة من مكانٍ عالٍ دون السماء. والثاني: أنّه على طريق البيان بـ (من).

стр. 138

وقرئ: (وإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ) بالنصب على أنّه خبر كان، و (هو) فصل. وقرئ: (إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ) بالرفع على أنّ (هو) مبتدأ، و (الْحَقُّ) خبره، والجملة خبر كان، ومثل ذلك (وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ)، وقرئ (وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمُونَ)، وكذلك قوله: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) و (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبُ) على ما فسرنا. * * *

стр. 139

وَمِنْ سُورَةِ (التَّوْبَةِ) يقال: لِمَ لم تستفتح " براءة " بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنها ضُمَّت إلى " الأنفال " بالمقاربة، فصارتا كسورة واحدة، إذ الأولى في ذكر العهود، والثانية في رفع العهود، وهذا يروى عن أبي بن كعب، ويروى عن ابن عباس أنّه قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى " براءة " وهي من المئين وإلى " الأنفال " وهي من الثاني فجعلتموها في السبع الطول، ولم تكتبوا بينهما سطر " بسم الله الرحمن الرحيم "؟ - فقال عثمان: كان النبي صلى الله عليه تنزل عليه الآيات، فيدعو بعض من يكتب له، فيقول (ضع هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) وتنزل الآيات فيقول مثل ذلك، وكانت " الأنفال " من أول ما نزل من القرآن بالمدينة، وكانت " براءة " من آخر ما أنزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهةً بقصتها فظننا أنها منها، فمن هنا وضعناها في السبع الطُّوَل، ولم نكتب بينهما سطر " بسم الله الرحمن الرحيم ". والجواب الثاني: أنّ " بسم الله الرحمن الرحيم " أمان، " وبراءة " نزلت برفع الأمان، وهذا قول أبي العباس، فلم تكتب في أولها، وروى ابن عباس ذلك عن علي ﵄. ويُسأَل عن الرافع لـ " براءة "؟ وفيه جوابان: أحدهما: إضمار المبتدأ، أي: هذه براءة. والثاني: أن يرتفع بالابتداء، وإن كان نكرة؛ لأنّه موصوف، والخبر في قوله (إلى الناس). * * * قوله تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ)

стр. 140

الأذان: الإعلام. هذا قول ابن زيد. والحج الأكبر: الوقوف بعرفة. هذا قول عطاء ومجاهد. والحج الأصغر: العمرة. وأركان الحج: الإحرام بعد الاغتسال، ثم التلبية، ثم طواف القدوم، ثم السعي بين الصفا والمروة، ثم الميت بممنًى، ثم الصلاة بمسجد إبراهيم ﵇. ثم الوقوف بعرفة، ثم المصير إلى مزدلفة والبيت بها، ثم الوقوف بالمشعر الحرام، ثم المصير إلى جمرة العقبة ورميها، ثم حلق الرأس، ثم النحر، ثم طواف الزيارة، ثم الإحلال، ثم الرجوع إلى منىً والمقام بها ثلاثة أيام، ثم العمرة لمن شاءها. وقد قيل: يوم الحج الأكبر يوم النحر، يروى هذا عن النبي صلى الله عليه، وعن علي رضى الله عنه، وعن ابن عباس ﵁. وسعيد بن جبير وعبد الله بن أوفي وإبراهيم، واختلف عن مجاهد: فقال مرة بالقولين جميعا، وقال مرة: أيامها كلها، ويروى مثل ذلك عن سفيان، وبالقول الأول أخذ أبو حنيفة، ويروى مثله عن ابن الزبير. * * * فصل: ويسأل عن قوله تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، بمَ ارتفع؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّه معطوف على " براءة ". وهو قول الفراء والزجاج.

стр. 141

والجواب الثاني: أنّه مبتدأ والخبر محذوف، أي: عليكم أذانٌ من الله، وفيه معنى الأمر، وهذا قول علي بن عيسى. والثالث: أنّه مبتدأ والخبر قوله (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، على حذف الباء. كأنّه قال: بأنَّ الله. وعلى الوجهين الأولين يكون موضع (أنَّ) نصباً على أنّه مفعول له. وقرأت القراء (وَرَسُولُهُ) بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر (وَرَسُولَهُ) بالنصب، وقرأ بعض أهل البدو (وَرَسُولِهِ) بالجر. فأما الرفع فمن وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفاً على المضمر في " بريء " وحسُن العطف عليه وإن كان غير مؤكد لأنّ قوله تعالى (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قام مقام التوكيد. والثاني: أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: ورسوله برىءَ أيضاً، ثم حذف الخبر لدلالة " أنّ " عليه. وذكر سيبويه وجها ثالثاً: وهو أن يكون معطوفاً على موضع " أنّ ". وهذا وهم منه، لأنّ " أنّ " المفتوحة مع ما بعدها في تأويل المصدر، فقد تغيرت عن حكم المبتدأ وصارت في حكم " ليت " و " لعل " فكأن في إحداثها معنى يفارق المبتدأ، فكما لا يجوز العطف على مواضعهن فكذلك موضع " أنَّ " لا يجوز العطف عليه، وإنما يجوز العطف على موضع " إنَّ " المكسورة، كما قال الشاعر: فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فإِني وقَيَّاراً بِهَا لغَرِيبُ

стр. 142

ولعل سيبويه توهم أنها مكسورة فحمل على موضعها، وقد قرئ في الشواذ (إن الله) بالكسر؛ ولعله تأول على هذه القراءة. فأما النصب: فعلى العطف على اللفظ، ومثله قول الراجز: إنَّ الربيعَ الجودَ والخريفَا ... يدا أبي العباس والضُّيوفا وأما الجر: فحمله قوم على القسم. وهي قراءة بعيدة شاذة. * * * قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) يسأل عن موضع " الَّذِينَ يَكْنِزُونَ " من الإعراب؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّ موضعه نصب؛ لأنَّه معطوف على اسم " إنَّ "، ولكون المعنى: وإن الذين يكنزون الذهب والفضة يأكلونها. والثاني: أن يكون رفعاً على الاستئناف. ويقل: لِمَ قال (يُنْفِقُونَهَا) ولم يقل (ينفقونهما)؟ وفي هذا أجوبة: أحدها: أنّه يرجع إلى ما دل عليه الكلام، كأنّه قال: ولا ينفقون الكنوز. والثاني: أنّه لما ذكر الذهب والفضة دل على " الأموال "، فكأنه قال: ولا ينفقون الأموال

стр. 143

والثالث: أنّ الذهب مؤنث، وهو جمعٌ واحده " ذهبة "، وهذا الجمع ليس بينه وبين واحده إلا " الهاء " يذكر ويؤنث. قال الله تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) وقال: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) فذكر. ثم لما اجتمعا في التأنيث، وكان كل واحد منهما يؤخذ عن صاحبه في الزكاة على قول جمهور أهل العلم جعلهما كالشيء الواحد، ورد الضمير إليهما بلفظ التأنيث. والرابع: أنّه اكتفى بأحدهما عن الآخر للإيجاز. ورد الضمير إلى الففة لأنّه أقرب إليه، وإن شئت إلى الذهب، على مذهب من يؤنثه. والعرب تكتفي بأحد الشيئين عن الآخر للإيجاز والاختصار، قال الشاعر: رَمَاني بأَمرٍ كنتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيًّا وَمِنْ أجْلِ الطَّوِيِّ رَماني ولم يقل: بريئين، وكذا قول الآخر: نحنُ بما عِندنا وأنتَ بما عن ... دَكَ راضٍ والرأيُ مختلفُ ومثله قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)، وتقدير هذا عند سيبويه: أنَ الخبر الأول محذوف لدلالة الثاني عليه، كأنّه قال: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف، وقال أبو العباس: هو على التقديم والتأخير. كأنّه قال: والله أحق أن يرضوه ورسوله. وقد قيل: إنه اقتصر على أحدهما لأنّ رضا الرسول ﵇ رضا الله تعالى، فترك ذكره لأنّه دلَّ عليه مع الإيجاز، وقيل: أنّه لم يذكر تعظيماً له بإفراد الذكر.

стр. 144

قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) هذه الآية نزلت في قوم أيأس الله تعالى نبيه من إسلامهم، وروى الحسن وقتادة أنّ النبي ﵇ قال: لأزيدن على السبعين، فأنزل الله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)، وكان النبي ﵇ يدعو لهم بالمغفرة رجاء أن يكون لله تعالى بهم لطف فيستجيب له، فلما أيأسه كف عن ذلك. ويُسأل عن صيغة الأمر في قوله (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ)؟ والجواب: أنّه للمبالغة عن اليأس من المغفرة، وخصص عدد السبعين للمبالغة. وذلك أنّ العرب تبالغ بالسبعة والسبعين، ولهذا قيل للأسد سبع؛ لأنَّهم تأولوا فيه لقوته أنها ضوعفت له سبع مرات. * * * قوله تعالى: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) هذا معطوف على قوله تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ). وسأل عن هَؤُلَاءِ الثلاثة؟ والجواب: أنّهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرار بن ربيعة، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وجابر: هؤلاء الثلاثة من الأنصار.

стр. 145

ويسأل عن قوله (خُلِّفُوا) عن ماذا خُلِّفُوا؟ الجواب: أنّ مجاهداً قال: خُلِّفُوا عن التوية، وقال قتادة: خُلِّفُوا عن غزوة تبوك. والظن هاهنا بمعنى اليقين، ومثله قول دريد بن الصمة: فقلتُ لهم ظُنُّوا بأَلْفَي مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهمُ كالفارِسي المُسَرَّدِ * * *
следующие страницы →