← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الخواتم نشرنا في الزهور (٢: ٢٤٥) مقالة عن التعليم الإجباري في مصر لحضرة الكاتبة الفاضلة السيدة هند كريمة سعادة اسكندر عمون بك المحامي المشهور. ووعدنا حينئذ بإتحاف القراء بشيء جديد من تفئات قلمتها. وانه ليسرنا أن يكون من جملة محسنات الزهور في سنتها الحاضرة سلسلة مقالات ستكتبها حضرتها في موضوع لم تطرقه مجلاتنا من قبل على ما تعلم , وهو تاريخ الحلي النسائية وعادات التحلي بها عند جميع الشعوب ولا ريب عندنا في أن هذا البحث سيروق قراءنا كثيراً - وقارئاتنا على الأخص - لاسيما وان حضرة الكاتبة قد أحاطت بالموضوع من جميع أطرافه ووفته حقه من التحري والتنقيب. وقد اختارت أن تفتح هذا الباب بمقالة عم الخواتم وهي أكثر الحلي شيوعاً: الخاتَم والخاتِم نوع من أنواع الحليّ الشرقية الأصل , اشتق العرب اسمهُ من ختَمَ , لأنه كان يُستعمل للختم , وكان العرب في جاهليتهم يتختمون لمجرَّد التحلّي , ويصوغون خواتمهم من الذهب والفضة والشبه وغير ذلك من المعادن ويرصّعها امرارءهم بالحجارة الكريمة. وفي الحديث التختم بالياقوت ينفي الفقر أي انهُ إذا ذهب مال الرجل , باع خاتمه فوجد فيهِ الغنى. وقال ابن الأثير: انهُ قد ينفي الفقر لخاصة فيهِ. وقد نهى النبيّ عن التختم بالذهب. وفي الحديث انهُ نهى عن ليس الخاتم مطلقاً إلاَّ لذي سلطان يحتاجه ليختم بهِ الكتب , وكره له أن يلبسهُ للزّينة المحصنة أو لغير حاجة. وفي الحديث أيضاً انهُ جاءَه رجل عليهِ خاتم شبَهَ فقال: ما لي أجد منك ريح الأصنام؟ - لأنها كانت تتخذ من الشَبه. وقال في خاتم الحديد: ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟ - لأنهُ كان من زي الكافرين

стр. 1122

أصحاب النار. وروي عن عمر بن عبد العزيز انهُ أتاه أن ابنهُ اشترى فَص خاتم بألف دينار , فكتب إليه: عزمت عليك إلاَّ ما بعت خاتمك بألف دينار وجعلتها في بطن جائع , واستعمل خاتماً من ورق وانقش عليهِ رحم الله امرءاً عرف نفسه ومما قاله ابن خلدون أنَّ الخاتم من الخطوط السلطانية والوظائف الملكية والختم على الرسائل والصكوك معروف للملوك قبل الإسلام وبعده. وقد ثبت في الصحيحين أن النبيَّ أراد أن يكتب إلى كسرى فقيل له أن العجم لا يقبلون كتاباً إلاَّ أن يكون مختوماً. فاتخذ خاتماً من فضة ونقش فيهِ محمد رسول الله. قال البخاري: جعل الثلاث كلمات في ثلاثة اسطر , وختم بهِ وقال لا ينقش أحد مثله. قال وتختم بهِ أبو بكر وعُمر وعثمان. ثمَّ سقط من يد عثمان في بئر أريس , فاغتم عثمان وتطيرَّ منهُ وصنع آخر مثله. واقتدى الخلفاء في صدر الإسلام بالنبي فنقشوا على خواتمهم الحكم والآيات بعد إن كانوا لا ينقشون عليها سوى الأسماء فنقش أبو بكر على خاتمهِ نعم القادر الله وعمر كفى بالموت واعظاً يا عمر وعثمان الملك لله وفي الجدول التالي ما نقشهُ بعض الخلفاء على خواتمهم: الخلفاء: ما نقش على خواتمهم الوليد بن عبد الملك: يا وليد انك ميت ومحاسَب سليمان بن عبد الملك: آمنت بالله مخلصاً عمر بن عبد العزيز: الوفاء عزيز يزيد بن عبد الملك: فنيَ الشباب يا يزيد الوليد بن اليزيد: يا وليد احذر الموت يزيد بن الوليد: يا يزيد قم بالحق

стр. 1123

إبراهيم بن الوليد: توكلت على الحيّ القيّوم مروان بن محمد: اذكر الموت يا غافل أبو العباس السفّاح: الله ثقة عبد الله المنصور عبد الله: وبهِ يؤمن المهدي: العزة لله الهادي: بالله أثق هارون الرشيد: كن من الله على حذر الأمين: حسبي الله المأمون عبد الله: يؤمن بالله مخلصاً المعتصم بن هارون الرشيد: الحمد لله الذي ليس كمثله شيء الواثق بالله: الله ثقة الواثق المتوكل على الله: على الله توكلت المنتصر بالله: على الله توكلت المستعين بالله: استعنت بالله المعتز بالله: استعنت بالله المهتدي بالله: هداني الله المعتمد على الله: اعتمادي على الله وهو حسبي المعتضد على الله: أحمد يؤمن بالله الواحد المكتفي بالله: المكتفي بالله المقتدر بالله: العظمة لله القاهر بالله: القاهر بالله الراضي بالله: الراضي بالله

стр. 1124

المتقي لله إبراهيم بن المقتدر: بالله يثق المستكفي بالله: المستكفي بالله أمير المؤمنين المطيع لله: المطيع لله الطائع لله: الطائع لله القادر بالله: القادر بالله القائم بأمر الله: العزة لله وحد المقتدي بأمر الله: من توكل عليهِ كفاء المستظهر بالله: ثقتي بالله وحده المسترشد بالله: من توكل عليهِ كفاه الراشد بالله: من آمن بالانتقال عمل للمآل المقتدي بأمر الله: كن مِن الله على حذر تسلم المستنجد بالله: من أحبَّ نفسه عمل لها المستضيء بنور الله: من فكر في المآل عمل للانتقال الناصر لدين الله: رجائي من الله عفوه الظاهر بأمر الله: راقب العواقب المستنصر بالله: العفو بك أولى وكان الخلفاء من الصحابة يتختمون في اليد اليمنى , فجعل ذلك معاوية بن أبي سفيان في اليسرى؛ واخذ الأموية في ذلك , إلى أن نقله السفاح العباسي إلى اليمنى , فبقي إلى أيام الرشيد فأعاده إلى اليسرى , واخذ الناس في ذلك وفي كيفية نقش الخاتم والختم بهِ وجوه كثيرة: فمنهُ خاتم السلطان أو الخليفة أي علامتهُ. قال الرشيد ليحيى بن خالد لما أراد أن يستوزر جعفراً ويستبدل بهِ من الفضل أخيهِ: إني أردت أن أحوّل الخاتم من يميني إلى يساري فكنى له بالخاتم

стр. 1125

عن الوزارة لمّا كانت على الرسائل والصكوك من وظائف الوزارة لعهدهم ثمَّ صاروا في دول المغرب يعدونهُ من علامات الملك وشاراتهِ فيستجيدون صوغهُ من الذهب , ويرصعونهُ بالفصوص من الياقوت والفيروزج والزمرد , ويلبسهُ السلطان شارة في عرفهم , كما كانت البردة والقضيب في الدولة العباسية , والمظلة في الدولة العُبيدية ويرون أن الخواتم أربعة: الياقوت لإرواء العطش , والفيروزج للمال , والعقيق للسنَّة , والحديد الصيني للحرز , وقيل للخوف. ومن كلام المتأخرين: من تختم بالعقيق وقرأ لعمر بن العلاء ,، وتفقه للشافعي , وحفظ قصيدة ابن زريق فقد استكمل ظرفه. أما أقدم خاتم عربي فقد وجده الباحثون في ضواحي دمشق , وعلى فصّه كتابة حميرّية , ولا يبعد أن يكون من عهد الغساسنة الأول الخواتم عند المصريين - الخواتم في مصر قديمة العهد جداً , وأجملها ما عثر عليهِ في قبور الدولة الثامنة عشرة , والدولة التاسعة عشرة , والدولة العشرين. وكانت خواتم الملوك والأمراء من الذهب الخالص , وعليها في غالب الأحيان اسم صاحبها وألقابها محفورة بحروف هيروغليفية على فص مستطيل الشكل. وكانت خواتم العامة مصنوعة من مواد أقل قيمة من الذهب , كالفضة والشَبَه والزجاج والخزف المطلي بطبقة من الزجاج الملون بأكسيدات النحاس ألواناً زاهية من الأصفر والأزرق. وكان على هذه الخواتم الخزفية كتابات هيروغليفية مطبوعة عليها قبل طبخها بالنار. وقد وجد في تلك القبور أيضاً خواتم مصنوعة من العاج والكهرباء والحجارة الصلدة , كالجزع والعقيق. وكان بعض الخواتم في زمن السلالة الثامنة عشرة مرصعاً بفصوص من الجُعَل الجعران مركبة في حلقات من الذهب تدخل في ثقوبها فيتسنى لحاملها أن يديرها كيف يشاء وقد اتخذ المصريون الخاتم عندهم رمزاً للسلطان من قديم الزمان , كما يظهر ذلك

стр. 1126

من قصة يوسف الصديق. فان فرعون ألبسهُ خاتمهُ لما قلدهُ خطة الوزارة. وكان تزوير الختم عندهم جريمة من الجرائم الكبيرة التي تتنصل النفس منها يوم المعاد. ومن الغريب أن اسم الخاتم بالمصرية مثل اسمهُ بالعربية وفي المتحف المصري خواتم كثيرة منها خاتم من ذهب على فصهِ صورة طائر من الطيور التي كان يقدّسها المصريون. وقد وجد هذا الخاتم في ناووس من الرصاص وعليهِ من النقوش ما يدل على انهُ صنع في زمن البطالة يوم امتزجت العقائد المصرية بالعقائد اليونانية وقد آثر الرأي أيضاً العلامة سايس. والغريب من أمر هذه الخواتم إن فتحاتها إهليليجية لا توافق استدارة الإصبع الخواتم عند البابليين - لم يكن الخاتم معروفاً على ما يظهر عند قدماء البابليين؛ فكانوا يتختمون باسطوانات من البلّور , أو غيره من الحجارة الصلدة في كلٍّ منها ثقب نافذ من الطرف الواحد إلى الطرف الآخر كانوا يدخلون فيه سلكاً ويلبسون الاسطوانة في المعصم كالسوار. وقد أشار الكتاب المقدس في سفر نشيد الأناشيد إلى ذلك بما نصَّهُ: اجعلني كخاتم على قلبك , كخاتم على ذراعك الخواتم عند الفينيقيين والأشوريّين - كان الفينيقيون والأشوريّون كالمصريين ينقشون على خواتمهم صور أشخاص وحيوانات ورموز أخرى. ومهروا في ذلك حتى لم بفقهم المتأخرون وكثيراً ما كان الخاتم عند الفينيقيين مرصعاً بجعل على أحد جانبيهِ اسم صاحبه وقد ركّب الجعل على محورٍ بهِ من جانبٍ إلى آخر الخواتم عند العبرانيين - كان خاتم عند العبرانيين ضرباً من كماليات الملبس وقد جاء في أخبارهم أن طوبال قايين كان أول من صاغها فاستعملها العبرانيون

стр. 1127

رمزاً إلى المقام والسلطان. وفي التوراة أن أحشو يرش ملك فارس أعطى خاتمهُ هامان الاجاجي لما فوّض إليه قتل اليهود , ثمَّ استرده منهُ وأعطاه مردخاي اليهودي. أما الإسرائيليات فكنَّ يلبسنَ خواتم كبيرة الفصوص للتحلي فقط. وقد رمز البعض من اليهود بالفتخة إلى دوام رباط الزيجة , ولعلهم اقتبسوا ذلك من قدماء المصريين لأن الدائرة عند هؤلاء رمز الدوام الخواتم عند اليونانيين والرومانيين - لم يكن الخاتم معروفاً عند قدماء اليونانيين - لم يكن الخاتم معروفاً عند قدماء اليونانيين قبل زمن هوميروس. وكان أول عهدهم بهِ في القرن السادس فبل المسيح. ثم شاع استعماله عند نسائهم ورجالهم , فكان يتحلى بهِ عظماؤهم كأرشوطاليس وذيموسطنيس. وكانت أنواعهُ كثيرة أثمنها ما صنع من الذهب ورصّع بالحجارة الكريمة كالجزع والعقيق واليشب والجمشت ولا يزال كثيراً منها محفوظاً في دور العديات إلى يومنا أما الرومانيون فلم يتختموا لمجرد الزينة كاليونانيين , بل كان الخاتم عندهم رمزاً إلى طبقة معلومة من الشعب , أو إلى منصب من المناصب. فكان خاتم الحديد رمز العبودية؛ وخاتم الذهب رمز الشرف وعلو المرتبة. وكانت لهم في ذلك شرائع وقوانين لا يتعدونها فلا يتختم العبد بخاتم السيد , ولا الأمير بخاتم العبد وقد كان أول استعمال الرومانيين للخواتم أن الحكومة كانت تمنحها للشيوخ الذين ترسلهم سفراء إلى الحكومات الأجنبية. ولما منحت هؤلاء حقّ التختم بتلك الخواتم في الاجتماعات الرسمية بعد استقالتهم من مناصبهم , أخذ غيرهم من الأشراف في أوائل القرن الخامس يقتدي بهم. وما كان الأشراف عندئذ إلاّ نفراً قليلاً

стр. 1128

من بيت تولى أحد أبنائهِ كرسيّ القضاء العاجية. وفي أوائل المئة السادسة أجازت الحكومة حمله لأعضاء مجلس الشيوخ , سواء كانوا من الأشراف أو من عامة الناس. ولم يمضِ على ذلك زمن بعيد حتى أنعمت بهِ على بعض الفرسان من أنسبائهم , وأكثرهم من الكتائب الست الأولى. ثم أذنت فيهِ شيئاً فشيئاً لفرسان الكتائب الأخرى. ثم لغيرهم من الفرسان على أن التختم لم يكن عندئذٍ إجبارياً. والأدلة على ذلك كثيرة منها امتناع ماريوس عن استبدال خاتمه الحديدي بخاتم من ذهب , إلى أن عُيّن للمرة الثانية والياً على رومه. وفي أواخر العهد الجمهوري خوَّلت الحكومة قوَّادها وولاتها حق الأنعام بالخاتم على من يشاؤون , فكانوا في أول الأمر يكافئون بهِ الأبطال والعظماء الذين يظهرون بسالة عظيمة , أو يأتون خدمة جليلة , ولكنهم مالبثوا أن تطوَّحوا , ولكنهم ما لبثوا أن تطوَّحوا في السلطة المعطاة لهم , ورأت الجمهورية أن تضع حداً لهذا الإفراط فسنت لذلك قوانين جديدة لم تأت بفائدة تذكر. ثم قامت الإمبراطورية فأعارت الأمر اهتماماً كبيراً؛ ولجأت إلى كل الوسائط لإصلاحه , لكنها لم تفلح. ومازال التختم ينتشر في البلاد إلى أن أمسى حقاً شرعياً لكل الفرسان الذين يمتلكون أربعمائة ألف سترس. وكان ذلك بأمر أغسطُس قيصر. ثم بعد سنوات قليلة أراد الأغنياء المحرَّرون , وأصلهم من سفلة الشعب , أن يضيفوا الرتب والألقاب. إلى الثروة والسعة , وأخزوا يسعون للحصول على بعضها كالتختم. فهاج الأشراف لهذه المطامع وخشي الإمبراطور طيباريوس أن تحتدم نار العداء بين طبقات الشعب , فعجل

стр. 1129

لتلافي الأمر , واقتدى بهِ ودوميتانوس وتريانوس. ولكنهم كانوا أول من خرق حرمة القوانين التي وضعوها لهذه الغاية فأنعموا بالخواتم على غير مستحقيها حباً منهم بالحصول على فوائد شخصية , أو رغبة في تنفيذ أغراض سياسية. وفي أوائل المائة الثانية بعد المسيح ألغى الإمبراطور ادريانوس كل القوانين التي وضعها سلفاؤه للتختم , وأجازه قانونياً للعبد المحرَّر , ثم جعله من شروط التحرير. وفي زمن سبتيموس سيفيروس واورليانوس , أصبح حمل الخاتم حقاً لكل عسكري , فقيراً كان أو غنياً , فصار الخاتم الذهبي بطبيعة الحال رمز الحرية فقط , كما صار الخاتم الحديدي رمز العبودية وما كان تاريخ الواحد سوى عكس تاريخ الآخر. ويقال أن الرومانيين اقتبسوا لبس الخواتم من الصابييّن الذين كانوا يقيمون في الشمال الشرقي من رومة. وكانوا يحملون لمجرد التحلي خواتم مصنوعة من الفضة والعاج والكهرباء. ويتضح من تواريخ هوراس كونتليانس ويوفنال أن استعمال هذه الحلي لم يكن جائزاً إلا لمن جازلهم حمل الخواتم الذهبية. وقد غالى الرومان في أثمانها حتى بلغ ثمن الواحد من بعضها ستين ألف دينار وأسرفوا في حملها حتى كان بعضهم يلبس خاتماً أو أكثر في كل إصبع وكانوا في أول الأمر لا يتختمون إلا في البنصر ثم أجازوا التختم في السبَّابة ففي الخنصر ففي الإصبعين الباقيتين. ومن الخواتم عندهم ما كان يحمل في الأعراس رمزاً إلى عقد الزيجة ويلبسونهُ في السبابة الخواتم الدينية - كان الأساقفة في صدر النصرانية يحملون الخواتم كسائر الناس , وينقشون عليها الرموز والآيات كالصليب والسمكة والمرساة والحمامة والسفينة وغير ذلك. وكان بعضهم يحفر فيها اسم المسيح وصوَر الرُّسل وعبارات دينية مثل عش بالله وما شاكل. أما الخاتم الأسقفي فهو الذي كان يعطى المطرانَ عند سيامنهِ إشارة إلى اتحاده بالكنيسة. في اليد اليسرى لكيلا يتبادر للأذهان أن الأساقفة إنما كانوا يفعلون ذلك تصديقاً لزعم الوثنيين أنَّ شرياناً يمتد من بنصر اليد

стр. 1130

اليسر توَّا إلى القلب. وأوجب حمله في اليمنى لأنها اليد التي تمنح البركة. وكان الخاتم الأسقفي من الذهب الخالص وله فص من الجمشت أو الياقوت الأزرق أو الأحمر أو الزمرّد غير محلّى بالنقوش. ثمَّ أجيز استعماله لرؤساء الديور على الإطلاق. أما الخاتم الكردينالي فكان فصّه من الياقوت الأزرق ومحفوراً عليه اسم البابا وشعاره. وكان البابا يحمل خاتماً عليهِ صورة القديس بطرس وهو جالسٌ في قلوب وطاوح شبكته في البحر. وحول هذا النقش اسم البابا والى جانبه رقم روماني يشير إلى منزلتهِ العددَّية بعد سلفائهِ الذين سبقوا فتسموا بنفس الاسم. فكان خلفاء بطرس الرسول يستعملونه لختم منشوراتهم بالشمع الأحمر. ثم اتخذوه بعد ذلك لدمغ لفافة الرقّ أو لختم عَصبتِه. ولما كانت هذه الطوابع تتكسر عند فتح

стр. 1131

المنشور صعبً وجود أثر سليم منها الخواتم السحريّة - ما من امة في الأرض إلاَّ وقد اعتقدت في جاهليتها بخواتم الجنّ والسَحَرة. ومن أشهر هذه الخواتم , خاتم سليمان الحكيم , وخاتم علاء الدين المشهور في إحدى روايات ألف ليلة وليلة وخاتم الراعي جيجس خاتم سليمان - كان سليمان إذا تمعن في فص خاتمهِ رأى كل ما شاء رؤيته , وإذا لمسهُ ازداد حكمةً فوق حكمة وقوة فوق قوة. زعموا انهُ دخل يستحمَُ مرةَ وقد ترك خاتمهُ في حجرة محاذية , ثمَّ تفقده فلم يجده. وكان أحد خدمه قد سرقهُ وطرحهُ في البحر. فاغتَّم سليمان لذلك كثيراً , وبلغ اليأس منهُ أشدَّه , حتى لقد كره الملك. على انهُ ما لبث أن وجد ذلك الخاتم في جوف سمكة قدَّمت له مع طعامِه , فعادت إليهِ حكمته التي طبقّت شهرتها الخافقين. ولقد شاعت هذه الرواية شيوعاً عظيماً في العصور الوسطى , واعتقد صحتها أهل الشرق والغرب الذين كانوا يميلون إلى المستغربات , ويؤمنون بالسحر والجنَ , وينسبون إلى نوابغ الرجال , كهوميروس وفرجيل وسليمان , قوة السحر ومعرفة الغيب. ومن المرجّح أن حكاية خاتم سليمان حديثة العهد فلا ترى لها ذكراً عند قدماء السلف ممن ذكروا سليمان في تأليفهم أو تناقلوا أحاديث الجن وعجائبه خاتم علاء الدين - أعطاه إياه الساحر الإفريقي الذي ادخله مغارة المصباح العجيب. والغريب من أمر هذا الخاتم انهُ كان إذا لُمس خرج مارد وانتصب وقال: لبّيك عبدك بين يديك وكان هذا المارد يأتي بالآيات والمعجزات كسائر الجن فلا يسأله صاحب الختم أمراً إلاّ استطاعهُ خاتم جيجس - نقل شيشرون عن أفلاطون أن السموات تصببت يوماً

стр. 1132

أنهراً وبحاراً , وأن الأرض زلزلت زلزالها , فانشقت بمن عليها , وزلّت بجيجيس القدم فسقط في الهاوية , فوجد جواداً من النحاس الأصفر فيه جثة أحد الجبابرة متختماً بخاتم كبير الفص مستديرة فأخذه ولما تختم بهِ اختفى عن العيان وهنالك أيضاً خواتم أخرى من شأنها أن تقطع بحاملها مسافات كبيرة في وقت قصير أو تحوله إلى حيوان أعجم. وتقسم الخواتم السحرية إلى قسمين عامين: الخواتم التي تمنح صاحبها قوّى غير مألوفة , والخواتم التي تقيده بقيود العبودية؛ وفي ذلك وجه للشبه بين معنى الخواتم السحرية والخواتم التاريخية. ألم يقلد فرعون خاتمه يوسف لما استوزره؟ ألم يلبس يوبيتير أسيره برومتيه خاتماً ليذكره بهِ كيف قيده وخذله على جبال القوقاس؟ وفي الخواتم السحرية أقوال وخرافات أخرى لا موضع الإيجاز الخواتم المجوَّفة - الخواتم المسمومة ذات الفصوص المجوَّفة قديمة العهد جدًّا. فمنها الخاتم الذي مصَّ هنيبال السمَّ منهُ بعد فشله في يوم زاما وخاتم ذيموستينس وحكايته معروفة. وقد ذكر يلينيوس الروماني أنهُ لما سرق قراسوس الكنز الذي كان تحت عرش يوبيتير في الكابيتول , خاف الحارس شرَّ العاقبة , فمصَّ سماً كان في خاتمهِ ومات لساعتهِ. وكان القتل بالخواتم المسمومة شائعاً في الأعصر الوسطى , فكان للخاتم منها فصٌّ فيه إبرة مجوفة تتحرك بزنبلك وهي متصلة بنقرة وراء الفصّ مملوءة سُماً. فإذا أراد حامله قتل عدوّ له خدش يده بالإبرة عند التسليم فتسرَّب إليها السمَُ. وفي رواية انهُ لما تعذَّر علّى الزّباء النجاة من عمرو بن عدي مصَّت السمَّ من خاتمها وهي تقول: بيدي لا بيد عمرو خواتم الزواج - لا يُعرف أول من اتخذ الخواتم رمزاً إلى عقد الزيجة. ولكن من المؤكد أن العبرانيين استعملوها لذلك قبل النصرانية بزمن طويل. وكان الجرمانيون والفرنساويون في العصور الوسطى يتغالون في ثمن خاتم الزواج. ثم تغيرت الحال فاقتصروا على فتخة من الذهب. ولكن بقي في ثمن خاتم الزواج. ثم تغيرت الحال فاقتصروا على فتخة من الذهب. ولكن بقي التأنق عندهم وعند غيرهم من الأمم في خاتم الخطبة إلى يومنا هذا. وفي المتحف البريطاني خواتم قديمة من خواتم

стр. 1133

الزواج بعضها ذهب وبعضها فضة أو حديد أو شبهَ أو رصاص أو نحاس أو صُفر أو عاج أو عظم. وعلى واحد من هذه الخواتم المصنوعة من عظم صورةُ قلب إنسان , وهو من آثار سكان في سويسرا , وعلى آخر رسم يدين متصافحتين وهو مصري الأصل , وعلى آخر من الحديد رسم يد قابضة على قلب وأصله روماني وفي القرن الرابع عشر للميلاد أشار أحد الايطاليين باختبار فصوص خواتم الزيجة على حسب الشهر الذي ولدت فيه العروس. فلشهر كانون الثاني الحجر البجادي فيزيد تعلق أصدقائها بها , ولشباط الجمشت فيقوي فيها الإخلاص ويقيها من السموم ومن النميمة , ولآذار الياقوت فيعطيها الحكمة والطاقة على احتمال أتعاب بيتها , ولنيسان اللازورد فيطهر قلبها , ولأيار الزمرد فيسعدها , ولحزيران اليشم فيحفظ صحتها ويقيها الجن والغيلان , ولتموز الألماس فيقيها غيرة زوجها , ولآب العقيق فيسعد أولادها , ولأيلول اللؤلؤ فيمنع الخصام من بيتها , ولتشرين الأول الزمرد المائي فيقوّي الحب , ولتشرين الثاني الياقوت الأصفر فيجعلها مطيعة لزوجها , ولكانون الأول الفيروز فإنه حرز العفة. وشاعت هذه الخرافة في أوروبا وعمل الناس بهاز فكان الزوج في فرنسا يهدي إلى عروسه اثني عشر خاتماً لكي تنختم بخاتم منها كل شهر. ولا يزال الجرمانيوم يرصعون خاتم الخطبة بالفيروز وعندهم

стр. 1134

إن المحبة تثبت مادام لونه ثابتاً. ومن عادات الانكليز أن يتبادلوا إهداء الخواتم في الأعراس. فادوردِ كلي أهدي إلى إحدى خادماته يوم زواجها خواتم قيمتها أربعة آلاف ليرة انكليزية. والأوربيون جميعهم يعتبرون خواتم الزيجة شديد الاعتبار. ومنهم من لا يحسبها ثابتة ما لم يكن فيها خاتم ذهب , كالارلنديين مثلاً , فالفقراء منهم يستأجرون خاتماً من أحد الصاغة لهذه الغاية. وعند بعضهم أن انكسار خاتم يدل على قرب أحد الزوجين واختلف الناس في الإصبع التي يلبس فيها خاتم الزيجة والشائع اليوم حمله في بنصر اليد اليمنى قبل الزواج , وفي بنصر اليسرى بعده. ويقال أن سبب ذلك وجود وريد في هذه الإصبع يحمل الدم إلى القلب رأساً. وورد في كتاب الطقوس الدينية الرومانية أن الكاهن الإلهي. ثمَّ يرجعه إلى الزوج مشيراً بذلك إلى أنَّ الله قد ختم بهذا الحب على قلبهِ فلا ينفتح لحبٍ آخر , فيصبح بين يدي الزوج رمز المحبة المتبادلة , وضمانةً لارتباط قلبه بقلب عروسهِ , ثمَّ يخرجه الزوج من إصبعهِ ويضعهُ في البنصر اليسرى من يد زوجتهِ. ثمَّ توسع بعضهم في معنى خاتم الزواج فرمز بهِ إلى دوام الصداقة , أو إلى دوام السلطان , أو إلى دوام العهود , وما شاكل ذلك. فكان ولا يزال بعض الانكليز يتبادلون الخواتم عندما يحلفون يمين الصداقة. وكان دوج البندقية في بحر الادرياتيك يوم خميس الصعود خاتماً ويقول: أيتها البحار إننا نتخذك زوجةً لنا إشارةً إلى تسلطنا عليك فالخاتم الذي اختلفت أشكاله , وتنوعت رموزه , وتعددت معانيه بحسب اختلاف الشعوب والأزمنة , وتنوّع العادات وتعدّد الأغراضٍ , لا يزال إلى يومنا أوفر الحلي حظاً , وأكثرها نفعاً؛ يتختم بهِ الغنيُّ والفقير معاً وإنما الفرق أن الأول يتخذه من الذهب محلَّىً بالجواهر , والثاني يكتفي بأن يلبسه من نحاس أصفر هند اسكندر عمون

стр. 1135

رسائل غرام بين نساء شهيرات ورجال عظام كان القراء في السنة الماضية ولع كبير بهذه الرسائل اللطيفة التي ينشرها في الزهور حضرة الكاتب المجيد سليم أفندي عبد الأحد. وقد نقل بعض الصحف والمجلات شيئاً منها مع إطراء صاحبها على ديباجتها. وسيوالي حضرته في هذه السنة أيضاً إتحاف قرائنا بما يختاره من هذه الرسائل اللطيفة من الشاعر سونبرن إلى سيبيل اشتن (علق الشاعر سونبرن بحب فتاة قروية تسمى سيبيل اشتن , قيل إنها كانت ذات جمال يندر مثله بين النساء. وكانت في أول الأمر تبغض سونبرن بغضة

стр. 1136

شديدة ولا تطيق مرآه. ولكن مرور الأيام حول بغضتها إلى حب مبرح أسقمها وكاد يودي بحياتها. وكان أهل سونبرن يمانعون في قرانه بها , لأنها كانت من أصل وضيع , فسمعوا جهدهم وأبعدوها عنه. ولكن الحبيبين طلا يتراسلان نحواً من أربعة أعوام , ويتعللان باللقاء. ثم انقطعا عن التراسل لسبب غير معروف. ولعل الزمان شفاهما من داء الحب، أو لعلهما يئسا من اللقاء. ولا يعلم ماذا وقع لسيبيل فيما بعد. قيل إنها ماتت في أثناء سياحة قامت بها أملاً بأن تنسى الماضي. وقيل إنها تزوجت أحد قواد الجيش , فلم تقم معه طويلاً حتى أتت , والله أعلم) . . . لا تعلمين كم أترقب ورود بفروغ صبر. كلما قرب ميعاده , يخفق فؤاد خشية أن لا يكون حاملاً إليَّ كلمة منك تعزيني في هذه الأيام المظلمة. لماذا أنت بعيدة يا سيبيل؟ ولماذا تفصل بيننا فراسخ هذا عددها؟ إن كان الله يحاول أن يفرق بيننا , فقد أساء إلينا بأن جمع بيننا قبلاً. وإن كانت الأقدار تداعبنا , فالقلوب أرقُّ من أن تحتمل مداعبات الزمِان سيبيل يا معبودتي. أراكِ من خلال رسالتك الأخيرة حزينة كئيبة النفس. لعلي أسأت إليكِ بكلمة فرطت مني؟ فهل لكِ أن تضميها إلى سيأتي العديدة التي قد سامحني عنها قلبك الطاهر؟ كلما قابلتُ نفسي بك , أراني مجموعة سيآت , لا تشفع بها إلاَّ حسنة واحدة , وهي أنني أحبك حباً يجعلني انظر إليك كما ينظر العابد إلى معبودة , بل أن حبي لكِ أسمى من العبادة يا سيبيل , لأن العبادة تخرج من الشفتين , وأما الحب فهو صادر عن القلب غداً تنطوي صفحة أخرى من صفحات العمر؛ غداً يتم لي خمسة

стр. 1137

وعشرون ربيعا من حياة لولاك لكانت خمسة وعشرين شتاء مظلما. ولكنني منذ أحببتك, صرت أرى للحياة معنى جديدا. ولئن كان أهلي يعدون على هذا الحب هفوة من هفوات الشباب, فسلام الله على هفوات كلها حسنات, وحبذا غرور أنت مبعثه أيتها الساحرة المعبودة! خمسة وعشرون ربيعا يا " سيبيل "؛ بل ثلاثة وعشرون شتاء وربيعان. فلقد مر على حبنا عامان, كنا في خلالهما عائشين في أحلام هنيئة. ولسوف يأتي يوم يرى فيه العلم أن حبنا الذي يزعمونه هفوة من هفوات الشباب, إنما هو السبيل الوحيد إلى السعادة الخالدة. وما أطمع المحبين بتلك السعادة فإنهم يرون الخلود قصير المدى لا يكفيهم للتمتع بأحلام الغرام. هل تذكرين أيامنا في " وندرمير " بقرب تلك البحيرة الهادئة؟ سلام الله على تلك الأيام يا سيبيل. إن من التذكارات ما ينبض لها الفؤاد طربا, ويطفر لها الدمع سرورا. لقد كانت إقامتنا بقرب تلك البحيرة أشبه بحلم في إشراق النهار, ما لبثنا أن استيقظنا منه, فصاح بنا داعي الفراق. إذا افسح الله في أيامنا , فسنحج إلى " وندرمير " ونجلس على شواطئها الهادئة, لأنه إذا كان للبوذي نهره, وللمسلم مكتَّهُ ولليهودي أورشليمه, فلماذا لا تكون تلك البحيرة كعبتنا المقدسة نزورها من آن ألى آن, وننم عندها فروض الغرام؟ دعيت البارحة للذهاب إلى ... فأبيت محتجا بأعذار باطلة. ولكن أختي علمت السبب, وأدركت أن رؤية ذلك الغدير وحدها كافية أن

стр. 1138

تعيد إليَّ التذكارات الماضية, وتثير في نفسي عواطف كان أولى بها أن تظل دفينة في الفؤاد. مسكينة أختي! ... هي تظن أن الغدير وحده يذكرني بك في هذه الحياة, وفاتها أن خيالك ماليء كل فكري, وأنني أتمثلك حاضرة في كل مكان؛ فلا تشرق الشمس إلا واتذكر محياك الجميل, ولا تزقق الطيور, إلا وأخالني منصتا إلى صوتك الرخيم, ولا أشاهد الأزهار, إلا واتصورني أنشق عبيرك الفياح. نعم انك تتمثلين لي بسائر مشاهد الطبيعة, لأن رسمك ماليء فكري, وشبحك ماليء الفضاء. عفوا يا سيبيل, إن كان حبي ينشيء لك آلاما, فإنني أسعى منذ الأن لإطفاء جذوته المحرقة, وإن كنت ترين السعادة لا تتفق مع حبك لي, فلماذا لا تنزعينه من قلبك وتستريحين من آلامه, وأمامك مجال الشباب الواسع كلما قطعت منه مرحلة نسيت مواقف العهد القديم. لا تظني أنني أشقى إذا رأيتك سعيدة مع غيري يا سيبيل. أليست سعادتي مستمدة منك؟ فكيف أشقى متى رأيتك تبتسمين إبتسامة السرور؟ وكيف أحزن إذا رأيتك متمتعة بأحلام لا يجوز لغيرك أن يتمتع بها في هذا العالم؟ وإن كان يعوزك موتي لإكمال سعادتك, فهذه روحي بين يديك. ضعي لها حدا, فأموت شبعانا سعادة عند موطئ قدميك ولكن ... حسن أن يحب الإنسان, وأحسن من ذلك أن يكون محبوبا ما أقصر الأيام التي نعمنا بها يا سيبيل! وما أطول فسحة هذا

стр. 1139

الفراق. . .! تلك أيام مرَّت بنا مرّ السحاب , وهذه أيام تمشي متثاقلة بنا إلى القبر , غير عابئة بما تطيل من آلام وعذابات؛ فلا تنطوي منها دقيقة , إلاَّ وتنطوي معها أنفاس. وإلا بدية محبة لذاتها تضم إلى سفرها من أعمارنا أيام السعادة , وتبقي لنا أيام الشقاء. ولولا شعاع أملِ ضئيل يحترق حجب الظلام , لكانت الحياة أعظم نقمة ينتقم بها الله من خليقة يديه لا يا سيبيل. بل الحياة كلها سعادة وهناء , لأنك أنتِ فيها. ولولاكِ لكان العالم في نظري فراغاً , وكل ما فيه ألغازاً وأوهاماً. وكثير ما أتساءَل: ترى لماذا لا يكون العالم كله سعيداً لوجودك فيه.؟ ثم أثوب إلى نفسي وأقول: بل يجب أن تكوني لي وحدي لا للعالم أجمع. لأننا إذا كنا كلانا سعيدين , فما الذي يهمنا سعد العالم أو شقيَ؛ عُمّر الكون أو خرب , ثبتت الكائنات أو زلزلت لماذا تطلبين إليّ يا سيبيل أن أحرق رسائلك؟ إنجيل الغرام المنزل تجُعل آياته أكلا للنار؟ استغفر الله أيتها القاسية. إن رسائلك تبقى إلى الأبد في مأمن من عيون الرقباء؛ فليهدأ روعكِ وليطمئن بالك. واسلمي لمن لا ينساك مدى العمر بقلم سليم عبد الأحد سونبرق

стр. 1140

في رياض الشعر في عزّ مُلك الصّبي نشرنا في الجزء الأخير من سنة الزهور الثانية أبياتاً لسعادة إسماعيل باشا صبري يعزّي بها سعادة السير يوسف سابا باشا ناظر المالية المصرية عن فقده ولده فريداً وهو في ربيع الحياة. وننشر اليوم أبياتاً في المعنى لحضرة خليل أفندي مطران الشاعر الشهير: ما في الأسى من تفتّت الكبدِ ... مثلُ أسى والد على ولدِ كم بطلٍ وهو ذو صيَدٍ ... فردَّه الثكل غير ذي صيدِ أهونُ من رزئه عليهِ أذّى ... كفاح جيش أو ملتقي أسدِ سابا لك الله وهو ألطف من ... يأسو جريحاً وأنت ذو رشدِ إن قلوباً محيطة بك من ... كرامة ساهمتك في الكمدِ لهفي على ذلك الحبيب ذوي ... منهصرَ الغصن لم ينل بيدِ ماد نسيم به فمات وفي ... معطفهِ رقة من الميَدِ مات كنُضر الفروع يلزمها ... بعد الردى حسنها إلى أمدِ في جاه أوراقه وبين حلي ... أزهاره من مبشر وندي في عزّ ملك الصبي وحاشية ... من غر آماله بِلا عددِ في منتهى مجده وصولتهِ ... إذ يقتل السعد لاهياً ويدي ويصدم المكر غير ملتفتٍ ... ويقحم الدهر غير مرتعدِ ويتركِ اللوم حائراً وجلاً ... منعقداً في لسان منتقدِ يا راحلاً في الغداة عن نعم ... تترى وعن بسطة وعن رغد

стр. 1141

وتلوكاً رسمَه لفاقده ... مصوراً بالجراح في الخلدِ لا أنكرت روحك التي أمنت ... ما فارقت من مخاوف الجسدِ وبينما كان الشاعر ينظم هذه الأبيات الرقيقة إذا استوقفت قلمهُ ألحان محزنة تصدح بها موسيقى كانت سائرة في الطريق , فإذا هو بجنازة تسير خلف طبل من عمره. فأثر هذا الموكب الكثيب السائر على نغمات الموسيقى المفجعة في نفس الشاعر وهو لا يعرف ذلك الفتى المتوفى فقال: وهذا يأخذ حصتهُ في الطريق , وكتب فيهِ الأبيات التالية: مشهدٌ سُيّر في طبل وبوقِ ... عظةٌ جُنَّت فغنَّت في الطريقِ عِظة الموت وما عهدي بها ... أن تزفَّ النعش في تدليل سوقِ لا ولا عهدي بها خاطبةً ... عن ثغور من نحاسٍ وحلوقِ ويح تلك القطع الصفراء في ... صوتها حسُّ جراحٍ وحروقِ من ترى علمها ما مزجت ... من وجيفٍ وعويل ونعيقِ ألقت الفجعة فاستولت على ... كل سمعٍ وأجفّت كل ريقِ تلك شكوَى عن فؤاد ثاكل ... صاخب الآلام رنّان الخفوقِ يا أباً يبكي ابنهُ ملتمساً ... ذلك التنبه للحس الصعيقِ واضحٌ عذرك مهما تفتنن ... للعدوّ الصلب والخدن الرفيقِ آه من نار الجوى فهي التي ... تفجر البركان من قلب رقيقِ آه من صدع النوى فهو الذي ... يرسل الأحزان كالسيل الدفوقِ أن تذيبوا هكذا أكبادنا ... يا بنينا فالردى أقسى العقوقِ خليل مطران

стр. 1142

لؤلؤ الدمع لا تذكريني فإنَّ الذكر يُرجع لي ... عاداتِ وجديّ في أياميَ الأولِ وعالجيني بيأسٍ منكِ ينفعني ... البرءُ باليأس يُنسي السُقمَ بالأملِ طاب التجافي فلا تأساكِ قسمتهُ ... إذا مللتِ فما يُشكيكِ من مللي لسائم الود أمَّا يَنصرم بدلٌ ... منهُ وليسَ لراعي الودّ من بدلِ دعي لياليَّ. أوطاني تطالبني ... بها فلا تشغلي نفسي بلا شغلِ وكفكفي الدمعَ. هذا الدمع يفتنني ... أشجى الشكايات عندي أدمعُ المقلِ هي اللآلئ تطفو في المحاجر لا ... تختار للسبحِ إلا موضعَ الكحلِ لو لم أكن شاعراً أصبحت حاسدها ... فلؤلؤ الدمع منهُ لؤلؤ الغزلِ ولي الدين يكن الخال قلتُ لخالِ بين حاجبيها ... أنت الذي تلعبُ بالسيفينِ فقال لا لكنني عنبرةٌ ... تمدُّ من دخانها قوسينِ أصونُ بالبخورِ حسن وجهها ... خوفاً عليهِ من سهام العينِ عبد الحميد الرافعي نفس الكريم مهلاً أبا الفضلِ لا تجزع فقد وُجدت ... مكدراتُ الليالي للأساطين

стр. 1143

ولا تقل عقَّني دهري فما خُلقت ... نفسُ الكريمِ لغير الصبرِ واللين فإن تجد في وداد الناس شائبة ... أو في حديثهم سمَّ الثعابين فقل سلاماً ولا تبذل لهم عَشَاً ... نصحاً فما النصحُ من عُوفِ المجانين أتبره (السودان) محمد فاضل ذات البرقع الأحمر مّرت بنا في طريق نسألها ... جاءت من الأرض أم جاءت من الأفقِ كأنها وقناع الوجه يحجبها ... شمسٌ تدلُّ عليها حمرةُ الشفقِ أمين البستاني كيف كنا ولقد كنا وما كنا سوى ... مثلما يستجمع العينين خَد أو جناحي طائر روَّعه ... شرك الصياد يوماً فشرد البرق بشارة عبد الله الخوري كان معي كان معي ثم دعاه الهوى ... فمرَّ بالحيّ ولم يرجعِ فهل إذا ناديته باسمه ... يُفيق من سكرتهِ أو يعي فأنت يا عصفورة المنحني ... بالله غني طرباً واسجعي وأنتِ يا نسمة وادي الغضى ... مّري بريّاك على مضجعي وأنتِ يا عين إذا لم تفي ... بذمة الدمع فلا تهجعي محمد سامي البارودي

стр. 1144

تربية الطفل عرف قرّاء الزهور حضرة النطاسي الفاضل الدكتور محمد أفندي عبد الحميد مما نشرناه مراراً عن مؤلفاتهِ المفيدة في الطب. وقد تفضل حضرته فوعد هذه المجلة بكتابة فصول طبية تهذيبية سننشرها على التمادي. وقد قصر مباحثه في هذه السنة على موضوع العناية بالأطفال وهو موضوع لا تخفى فائدته على أحد صحة الأم أثناء الحمل على الأم أن تعتني اعتناء شديداً بصحتها أثناء الحمل. عليها أن تلاحظ أن الأمعاء تنطلق يومياً وأن تعمل حماماً دافئاً مرة كل يوم , أو ثلاث مرات في الأسبوع على الأقل. ويجب أن يكون غذاؤها كافياً ومغذياً دون أن تتخم معدتها بالأكل فوق الشبع. وعليها أن تمتنع عن المشروبات الروحية. ويجمل بها أن، تستريح ساعةً على الأقل في كل مساء ولابد لها من أن تتأنى في كل أعمالها , فلا تُسرع فيها , ولا تجهد نفسها. ويحسن أن لا تذهب إلى الأماكن التي يكثر فيها الازدحام كالتياترات والمجتمعات العمومية. أمّا من الوجهة الأدبية فيجب أن تكون هادئة الخاطر مطمئنة الضمير , فتتحاشى كل ما يثير العواطف ويؤثر في الفؤاد.، بالإجمال يجب أن تكون معيشتها صحية ساكنة التحضير للطفل يمكن الحامل أن تشغل نفسها في أواخر أيام الحمل أي , قبل الوضع

стр. 1145

بشهرين أو أكثر , بتحضير ملابس الطفل ومهده. ويستحسن تحضير هذه المعدات في الشهر السابع لاحتمال حصول الولادة قبل ميعادها المعروف. وعلى كل حال يلزم أن تكون هذه الأشياء جاهزة تماماً قبل ميعاد الولادة المنتظر بأسبوعين وإليك قائمة بالملابس اللازمة عادةً للطفل: ٤ لفافات قياس الواحدة ٥ ٢٥ قيراطاً - ٦ صدريات من الصوف الصوف الرفيع مفتوحة من الأمام وذات أكمام طويلة - ٤ دست (دزينات) فوَط أو مناشف - ٦ مربعات فلانلا لتغطية الفوط - للرأس - ١ شال رفيع - ١ عباءَة وطاقية للرأس - جاكتتان صغيرتان من الصوف مهد الطفل لا يستحسن استعمال الأراجيح لنوم الأطفال. وخير المهود ما كان متيناً ومصنوعاً من المعدن كالحديد أو النحاس , ومرتفعاً عن الأرض بقدر قدمين ونصف وبفضل أن يكون المهد خالياً من الزركشة لسهولة تنظيفهِ ولحاجة الطفل إلى الهواء. وكل ما يلزم له كلّة (ناموسية من الشاش) ويجب أن يحتوي المهد على الأشياء الآتية: حصيرة للمهد - قطعة من الماكنتوش (المشمع) لوضعها في وسط المهد - ملاءَة سفلى - غطاء للوسادة - بطانيتان

стр. 1146

رقيقتان. ويجب استبدال الملاءَة السفلى بغيرها إذا ترطبت من البول أو البراز وصول الجنين يربط الحبل السري ثم يقطع بعد نزول الجنين. فإذا حدث التنفس بعد الولادة مباشرة , فيكون الطفل قد ابتدأ حياته الخارجية. وعلى المرضع أن تلفه بفلانلا دافئة , وتصنعه في مكان دافئ حيث يبقى إلى أن تستعد لعمل حمام له ويجب تفقد الحبل السري والفم والعينين من وقت إلى آخر المولود الجديد يصرخ الطفل عند ولادته مباشرة. ويلزم أن نعتبر صراخه هذا علامة صحية عادية. ويزن الطفل السليم الاعتيادي نحو سبعة أرطال مصرية ويبلغ طوله نحو العشرين قيراطاً وتكاد توازي حافات الأظافر أطراف الأصابع. ويوجد عادة بعض الشعر على الرأس ويكون جلده بلون أحمر مغطى بمادة شحميه يحسن إزاحتها بقدر الإمكان بلطف بقطعة قديمة من القماش قبل الاستحمام وليس الطفل في هذا الوقت بكامل العقل ليتدّبر حياتهُ فهي تتعلق بأمه أو مرضعه. فيجب عليها أن تفحصه حتى تتأكد من عدم وجود أي تشوه خلقي كالشفة الأرنبية (الفلح) والشق الحنكي , وعقدة اللسان , وضخامة الرأس أو أي شيء آخر في الجسم أو الأطراف. وعليها أن تلاحظ

стр. 1147

إذا كان من الجفون إفراز بعد فتحها وإن تتعهد التبرز والتبويل في وقتها غسيل الطفل من البديهي أنه يجب عند تحميم الطفل إقفال باب الغرفة والنوافذ والتحقق من عدم وجود أي تيار هوائي. ثمًّ يملأ الحوض (أو الطشت) المعدّ لغسيل الطفل بالماء لارتفاع ٦ قراريط. ويجب أن تكون حرارة الماء معتدلة لا تتجاوز درجة ١٠٠ (بمقياس فار نهيت) وإذا لم يكن هناك ترمومتر - مقياس الحرارة_فيكفي أن توضع اليد في الماء حتى إذا تحملت الحرارة بسهولة أمكن استعمال الماء. وعلى المرضع أن تلبس فوطة من الماكنتوش ثم تلبس بعدها فوطة أخرى من القماش. ولتنتبه إلى وضع كل ما ستحتاج إليه أثناء الغسيل في قربها لئلا تضطر إلى ترك الطفل في الماء لإحضار ما يلزم. وبعد ذلك تجلس على كرسي منخفض وتضع فوطة ناعمة على حجرها تجعل عليها الطفل موجهة وجهه إلى أعل وتضع فوطة دافئة أخرى على جسم الطفل ورجليه وتتقدم إلى غسل الطفل. ولهذا الغرض تغسل وجه الطفل أولاً وتنشفه بسرعة ثم تغسل بعد ذلك جسمه ورجليه بقطعة من القماش بالصابون وبعد إتمام هذا العمل تغمس الطفل في الماء الذي في الحوض حتى عنقه ويسند بوضع اليد اليسرى تحت العنق وذراع الطفل اليسرى وباليد اليمنى تغسل المرضع الرأس بالماء والصابون. ولا يلزم عادة غسيل الرأس لمدة أيام بعد المرة الأولى ولا يحسن

стр. 1148

أن تستعمل أي زيت لاذابة المادة الشحمية التي على جسم الطفل لأنها إذا لم تذب في الغسيل في المرة الأولى فهي لا شك ذائبة في المرة الثانية ولابد من الاعتناء في غسيل الثنايا الجلدية لاسيما التي حول العنق. ويبقى الطفل دقيقتين أو ثلاثاً في الماء قبل إخراجه ولذلك تسند المرضع الطفل بوضع يدها اليسرى تحت العنق وتمسك باليد اليسرى رجليه وبعد إخراجه من الماء تضعه على الفوطة التي على ركبتها جاعلة وجهه إلى أسفل وتنشف بفوطة أخرى دافئة بكل سرعة وبكل لطف ورفق العنق والظهر ذلك على ظهره بكل اعتناء وترفع الفوطة المبلولة التي على ركبتها وتنشفه من الأمام ويلزم تجفيف الجلد في كل أجزائه لاسيما حول العنق والأذن والإبط والأربية ويذر على هذه الجهة أيضاً قليل من المسحوق ماعدا الوجه ثم توضع عليه الملابس الدكتور محمد عبد الحميد طبيب مستشفى قليوب شيء عن الفن نشرنا في الجزء الفائت من الزهور (٥١٨: ٢) مقالة عن الفن بقلم حضرة الكاتبة الأديبة الفاضلة الآنسة مي فلما اطلعت عليها حضرة الفاضلة السيدة لبيبة هاشم تفضلت بالردّ الآتي: رأى القارئ الكريم من مقالة الآنسة مي (شيء عن الفن) حسن نصورّ هذه الكاتبة وسمو نفسها إلى أوج الجمال الفني. فهي تنظر من

стр. 1149

سماء تخيلاتها الذهبية إلى عالم الاختراعات العصرية والاكتشافات العلمية نظرة ازدراء واحتقار لأنها لا تجد فيها ما يؤثر في روحها الشريفة ولا ترى في نتائجها المادية ما ينطبق على تصوراتها الشعرية البديعة. ولاغرو فالآنسة مي من الفتيات اللواتي قلما يسمح الدهر بأمثالهنَّ أدباً وذكاء مع سعة اطلاع وحرية فكر. ولما كانت هذه منزلة صفاتها من الاحترام وكان أمر البحث في الفنون من المواضيع الجديرة بالاهتمام رأيت أن أعلق عليهِ كلمة أستأذن حضرتها بإيرادها تمحيصاً للحقيقة التي هي غرض كل عاقل أديب ذكرت الكاتبة مالا جدل فيهِ من امتياز أهل العصور القديمة بالفنون الجميلة والآثار البديعة التي لا يرجى وجود نظير لها في العصر الحاضر ولا المستقبل. على أن ذلك لا يؤخذ حجة على دناءة الفكر العصري وتقصيره عن سلفه وإنما هو دليل على أن ارتقاء الأقدمين كان محصوراً في بعض نوابغ انصرفت قرائحهم إلى بعض الصنائع كالرسم والنقش والنظم وما شاكل ذلك من الفنون الجميلة. وهذا بالحقيقة لا يعد ارتقاءً لبعده عن الفوائد العمومية المطلوبة في ترقية الاجتماع. وما دام الإنسان منصرفاً إلى هذه الوجهة الفنية مكتفياً بها عن سائر العلوم فمن المقرر أنهُ يظل مقصراً في معارفهِ وشرائعهِ وآدابهِ وسائر نظاماتهِ. وعلى ذلك بني رُسكن فلسفته ورأى المتأخرون رأيهُ فشرعوا بتعرف أسرار الطبيعة وروابطها وأحكامه واستخدموا ما فيها من القوى الكامنة لفائدتهم فقاموا البحار بقوة البخار واستخدموا الكهرباء في دفع الأمراض وتقصير

стр. 1150

الشاسع من المسافات. وعلى الجملة فقد أتوا بأعمال عظيمة واختراعات مدهشة تدل على أن النبت الذي تكونت فيهِ أفكارهم ليس أقل فضلاً وجمالاً من نبت الذي تكونت فيه فكر الفيلسوف الرياضي اسحق نيوتن. فإن هذا استنتج قاعدة الناموس الطبيعي اتفاقاً من وقوع تفاحة إلى الأرض ثم وقف عند هذا الحد. أما علماء الطبيعة فبنوا على هذا الناموس سائر العلوم الطبيعية التي بين أيدينا الآن واتصلوا بواسطتها إلى اختراع الآلات المتنوعة والجهازات الغربية التي تزعم حضرة الكاتبة أنها دليل سقوط النفس البشرية من أوج الجمال إلى هوة التجارة ط ولعمري كيف نفضل بناء الأهرام ونحت المسلات على تلغراف ماركوني وأشعة رنتجن في حين أن ذاك على عدم فائدتهِ ينطق بما كانت عليهِ الشعوب الغابرة من الذل والضغط واستعباد الكبير للصغير. أما التلغراف اللاسلكي فإن أهميتهُ وفائدته توازيان قوة الذكاء التي بذلت في سبيل إتمامهِ وهي لا يمكن أن تقل قيمة عن قوة ذكاء أصحاب الفنون الغابرين. ولا يعقل أن مجرد حب الكسب هو الذي دفع ماركوني لعمل اختراعهِ وإنما هي دواع كثيرة تجاذبتهُ بين النفع العام والرغبة في الشهرة والتلذذ بإتمام عمل عظيم وهي نفس الأسباب التي دفعت برافائيل المصور إلى قمة الكمال الفني وإني أرى رأي الآنسة مي من حيث جمال الفنون وإجلال قدر أصحابها ولكني لا أرى فضلاً للمشتغلين فيها يميزهم عن غيرهم من المخترعين والعلماء العصريين إذ أن فضل المرء يكون على قدر عظمة أعماله وإتقانها

стр. 1151

لا فرق بين أن يكون ذلك العمل تمثالاً متقن الحفر أو قصيدة بديعة النظم أو حذاء محكم الصنع مادام كل من هذه الأعمال يقتضي لإتمامه قوة عقل وإذا قسنا أعمال المتأخرين بآثار الأقدمين لا يسعنا إلا المساواة بينها فيما تحتاج إليهِ من المقدرة العقلية لإتمامها وذلك يدل على أن مدارك النوابغ متساوية قوة في جميع العصور وإنما هي تتحول أحياناً إلى ما يوافق روح العصر ويقوم باحتياجات الاجتماع. وإذا كان فضل الأعمال على قدر الفائدة الناجمة عنها كان في علوم العصريين وأعمالهم ما يزيد منزلتهم العقلية رفعة عن منزلة أسلافهم المتفننين بلا ريب إن العقل البشري كحجر الرحى يدور دائماً على نفسه طالباً ما يعمله فإذا لم يكن له من العلوم ما يصقله ويوسع نطاقه ويديره على محور الأعمال المفيدة والاكتشافات المهمة التي تشترك منفعتها بينهُ وبين أبناء جنسهِ ظل بليداً وحيداً بأفكاره يعمل لخدمة نفسه وسرورها فينصرف إلى بهرجة الفنون الجميلة ويلجأ لنظم القوافي في ظلال البنايات الضخمة صارفاً في سبيلها الوقت والتعب جزافاً في حين أنهُ متى تحول فكره إلى العلم اندفع بكليته إلى خدمته والاستفادة منه صارفاً همهُ إلى كل ما يجديهِ فائدة محسوسة من بحثهِ وجهاده. وفي هذه الحال فهو يأبى طبعاً أن يسير على خطة أجداده من تعشق الفنون وضياع العمر في سبيل إتقانها ويكفي لإثبات فضل المحدثين ما بلغ إليهِ عصرهم من الارتقاء المدهش في الزمن الأخير. فإنهُ ما أشرق فجر العلوم حتى استنار جو العقول والإفهام فتحولت الأبصار عن شفق الفنون السابح في ظلمات الخيال إلى

стр. 1152

شمس الحقائق المتلألة في أفق العمل والنشاط فشمروا عن ساعد الجد وقطعوا مسافات شاسعة في النصف الثاني من القرن الأخير لم يكن يصدقها العقل لولا ما نراه من النتائج العظمى المترتبة على جهادهم الغريب أما وهم قد بلغوا هذا الشأو من الكمال بجدهم ونشاطهم فهل يجوز بشرع ربة اللطف أن تصوّب فيهم نظر الاتهام والاحتقار بينما هم ينتظرون من يدها الجميلة أكاليل الغار؟ لبيبة هاشم في جنائن الغرب نشرنا في أجزاء الزهور الماضية تحت هذا العنوان شيئاً كثيراً من خير ما ي﴾ خذ من آداب الغربيين , لأن نقل أفكارهم وأساليبهم في التأليف لما يعود على لغتنا بالفائدة الكبرى. وسنظل فاتحي هذا الباب لنشر ما نختاره أو يختاره قراؤنا الكرام من غرر كتابات حملة الأقلام عند الأفرنج. لبيه هاشم الفرَس عنوان قصيدة فرنسوية مشهورة لناظمها أوغست بربيه (١٨٠٥ - ١٨٨٢). وكلها تورية عن قبض نابوليون على زمام الأحكام واضطراره فرنسا إلى شن الغارة على أوربا جمعاء مدة سنين طويلة , كما سيرى القارئ. وبمناسبة مرور مئة عام على الحملة التي سار بها هذا الرجل الكبير على بلاد قياصرة الروس فإننا سننشر في العدد القادم رأي الفيلسوف تولستوى في نابليون مترجماً بقلم أحد أدباء كتابنا. وإليك الآن ترجمة القصيدة الفرنسوية المذكورة: أيها القرسي! ما كان أجمل فرنسا تحت أشعة شمس مسيدور

стр. 1153

العظيمة! كانت كالفرَس الجموع الشامس الذي لم يروّضه حديد اللجام , ولم يكبح جماحه عسجد الزمام كان متين الكفل , آبداً , مضرّج الحجول بدماء الملوك , كان أبياً عتياً , يقرع بساقيه المجدولتين أرضاً قديمة عرفت الحرية لأول مرة لم تكن مرّت عليه قط يدّ بشرٍ لتسومه الضيم والإهانة , ولم تكن خواصره الضامرة قد اطمأنت يوماً إلى سرج الأجنبي كان لماَّع الوبر , برَّاق العين , مرتجّ الأرداف ينتصب على رجليه فيرتجف العالم رهبة من دوي صهيله وحينئذ برزت إلى العالم. ولما رأيتَ هيأته وخواصره اللينة أيها الفارس الكمي قبضت على ناصيته وامتطيت صهوته ولما كان هذا الفرَس ولوعاً بخوض الحروب , شغوباً برائحة البارود وقرع الطبول , جعلتَ له الأرض مضماراً , والمعامع تسليةً وحينئذ لم يبقَ له من الراحة حظ , ولا من النوم نصيب , بل هناك جريٌ مستديم , وعَدْوٌ مستمر , فيطأ دائماً أبداً أشلاء الرجال كما يطأ الثرى , وهو مضرجٌ بالدماء حتى لبانهِ خمسة عشر عاماً ظلت سنابكه القاسية في جريه السريع تطحن الأمم , وهو مطلوق العنان مصعّد الأنفاس يرو ويغدو على صدور الشعوب

стр. 1154

ثمَّ أعياه العدو دون بلوغ الغايةِ , وأنهكه الكرُّ دون طيّ الشقة , وملّ من عرك العالم بأسره وإثارة أبناء البشر كما تثير الريح الغبار فوقف , وقد خارت قواه وكاد يكبو لكل خطوة , وقف يسترحم فارسه القرسي. . ولكنك أيها الظالم لم تعره إلاّ أُذُناً صماّء بل زدتَ ضغط ساقيك على خاصرتيه. وقلّبتَ شكيمته في زَبَدِ فكيهِ لتُخمد شكواه , فحطمت نواجذه قهراً نهض الفرس من عثرته ولكنه خارت قواه في إحدى المعامع وعجز عن قرض لجامه فسقط صريعاً على فراش من الرصاص وقد قصف أضلاعك في تلك الكبوة عزيز مرزا ثمرات المطابع رباعيات عمر الخيام - عمر الخيام شاعر يمثل روح عصره ككل الشعراء وقد بات ما نظمه ألغازا ً لأبناء القرون الحاضرة لأنهم حاولوا فهمها على غير الغرض الذي وضعت له والعارفون به في الشرق نادرون وهم في الغرب كثار يكادون لا يعدون نقلت رباعياته إلى معظم اللغات الأوربية ودوّن الناقدون عنها فصولاً وألفوا كتباً وقام له اختصاصيون وقفوا أعمارهم على البحث في رباعياته وأغراضها وأصبح لأصحابها كل رأي فيه عصبية معروفة. فمعظم كتاب

стр. 1155

الألمان يعتقدونه شاعراً صوفياً وكتاب الفرنسيس يرون فيه رجلاً يهوى الخمر والنساء كما يبدو من ظاهر أشعاره. أما الانجليز والأميركان فلا رأي خاص لهم فيه بل كل أقوالهم عنه تقليدية مأخوذة عن غيرهم من الأمم وإذا كان فتس جيرولد وقد نقل رباعيات الخيام إلى لغة الانجليز شعراً بشعر وأذاع صيته في تلك البلاد وحبب لبني السكسون شاعر الفرس العظيم فليس معناه أن الانجليز هم الذين عرّفوه إلى العالم على أن أبناء اللغة العربية لا يعرفون من عمر الخيام إلا ما نقله إليهم الغرب من تأليفه ورباعياته. ولولا ما بذله الفرنج من المجهود في سبيل أحياء هذا الشاعر ما وصل إلينا خبر من أخباره حتى أن أديبات الفرس التي نحن أحق الناس بمعرفتها وتقديرها قدرها لقرب اللغة الفارسية من اللغة العربية غابت عنا محاسنها ولا نجد منا من اطلع عليها بحيث يستطيع نقلها إلى العربية ولاشك أن نقل آداب لغة إلى لغة أخرى يستلزم مواهب وصفات شتى منها الاقتدار الطبيعي في الناقل وتضلع حقيقي في اللغتين يمكنه من فهم أسرار اللغات وإدراك روحها إدراكاً تاماًّ. ومنها صفات أخرى كسبية أوجدتها فيه ظروف الزمان والمكان بحيث تسهل عليه ترجمة العواطف والإحساسات على اختلافها وتباينها ترجمة صحيحة فإذا لاحظنا كل هذه الاعتبارات ولاحظنا أيضاً أن رباعيات بن الخيام هي من أسمى ما جادت به قرائح البشر على عالم الأدب اعتقدنا أن ناقل هذه الرباعيات إلى العربية وهو وديع أفندي البستاني قد قام بعمل جليل وقدَّم للعربية وأبنائها خدمة لا تنسى. وسنبقي الكلام على مكان

стр. 1156

الترجمة في الأدب العربي إلى ما بعد الكلام على شعر الخيام نفسه إن شعر الخيام من قبيل الشعر الليريقي أو الشعر الغنائي الذي يصور عواطف النفس ويرسم أميال الفؤاد. ورباعياته من هذا النوع أيضاً غير أن عددها لا يحويه الحصر إذ أن كثيراً من الرباعيات منسوب إليهِ فلا يمكننا والحالة هذه أن نقيدها بقيد ونضعها تحت قاعدة معينة. على أن الرباعيات التي استخرجها فتس جيرولد مما نسب إلى عمر الخيام , إن صدقاً وإن كذباً , وأضاف إلى روحها الفارسية تلك الروح القلبية لا يمكننا أن نجزم بأنها رباعيات الخيام نفسها لأن فتس جيرولد كان خياماً غربياً أي أنه لما كانت أمياله كلها مشابهة لأميال عمر الخيام الفارسي , وكانت حياته شبيهة بحياة ذلك الشاعر , وكان من جهة أخرى واسع الإطلاع على أدبيات الفرس , أثرت على قلمه كل هذه المؤثرات فأخرج رباعياته خليطاً من روح الخيام ومن روح حافظ الشيرازي ومواهب السعدي بيد أننا إذا رجعنا إلى رباعيات الخيام التي ترجمها فتس جيرولد وغضضنا النظر عن بقية ما ترجمه المترجمون الآخرون من ألمان وفرنسيس يمكننا - وإن كان في ذلك شيء من الصعوبة - أن نقسمها إلى أقسام شتى كالحنين إلى الماضي واليأس من المستقبل والحث على انتهاز الفرص وتتطلب الملاذ لساعتها أني وجدت , والسخرية من الحياة , والحيرة في الوجود , والزهد الناشئ عن العجز , وامتداح الخمر , والهزؤ بالأديان , وذكرى الحبيب. وبالجملة فشعر الرباعيات كما قدمنا من نوع الشعر الليريقي الذي يعبر عما يجول في النفس لساعته بدون تقييد

стр. 1157

هذا ما تيسر من القول عن الخيام بمنتهى الإيجاز. أما رأينا في تعريب وديع أفندي البستاني فيحتوي بعض ملاحظات قليلة نرجو الصفح عنها من صديقنا المحبب الذي لا نشك في أن له من اسمه نصيباً وافراً إذ أن نقد الشيء فرع من تقديره وإبداء الملاحظات على أمر من الأمور معنى من احترامه. فأول ما نقوله عن هذه الترجمة أن المعرب خرج بالرباعيات عن شكلها الطبيعي فجعلها سباعيات والسباعيات ضرب الشعر العربي كما أن الرباعيات ضرب من ضروب الشعر العربي كما أن الرباعيات ضرب من ضروب الشعر الفارسي وقد أدى هذا بصديقنا الوديع البستاني إلى أن يقول في سبعة أسطر ما قاله الخيام في أربعة. ثم أنه قسم الرباعيات إلى نشيدين مقلداً في ذلك الطريقة اليونانية وبين الطريقتين الفرسية والإغريقي من التنافر ما بينهما لأن اليونان كانوا يقسمون قصائدهم الكبرى إلى أناشيد وكل نشيد يبين حالة من أحوال النفس أو فصلاً من فصول القصة المروية كما هي الحال في الياذة هوميروس. ولكن شعر الخيام أن هو إلا صرخات نفس متألمة حائرة لا نشيداً تمجد فيه الحروب ولا الحياة ولا القوة. هذا من جهة الشكل أما من جهة الصياغة فإن فيها مآخذ شتى اضطر إليها وديع بعامل التعريب الحرفي كقوله: واضطراراً قد جئت هذي الديارا - وسأضطر للرحيل اضطرارا - واختياري أن استطعت اختيارا على أن له حسنات كثيرة وله أعذار أكثر فإنه شاب لم يتألم وناقل عن لغة لم تكتب الرباعيات بها وكفاه فخراً أنهُ قام نحو الشعر الفارسي بما لم يقم بهِ فحول كتاب العربية من قبله وحبذا قوله في أول النشيد الثاني

стр. 1158

أقبل الفجر بهجة يتلالى - فأدِرها تزري الصباح جمالا - واعتزل حلبة الفخار اعتزالا - والأمانيَّ خلّ والآمالا - وتأمل فروع هند الطوالا - واسمع العود واطّرح عنك هما - واصف واهنأ بالكأس عيشاً وبالا محمد لطفي جمعه المحامي كتاب في التربية - لا تزال إدارة الجامعة المصرية دائبةً على توفير أسباب التعليم والتهذيب للناشئة الوطنية. وقد عهدت إلى نخبة من أفاضل العلماء وأعلام الأدباء من وطنيين وأجانب بإلقاء محاضراتٍ في مواضيع مختلفة من آدابٍ وعلوم وفنون واقتصاد إلى غير ذلك من فروع المعارف الحديثة. وقد سرّنا أنها وجهت عناية خاصة إلى تهذيب الفتاة فأناطت ببعض السيدات إلقاء محاضرات في مواضيع نسائية لا غنى للمرأة الشرقية عنها حتى تجاري أختها الغربية في مضمار الترقي. وقد تولت إلقاء هذه المحاضرات في العام الماضي سيدةُ من فضليات سيداتنا وكاتبة من أشهر كاتباتنا , عنينا السيدة لبيبة هاشم صاحبة ومحررة مجلة فتاة الشرق المعروفة. وقد جعلت موضوع محاضراتها التربية وهو الأمر الذي نحن في حاجة ماسة إليه. فتناولته من جميع أطرافه فتكلمت عن التربية الوالدية من حيث اعتناء الوالدين بالأولاد , وعن التربية البدنية من حيث غذاء الأطفال ونظافتهم وملبوسهم وترويضهم؛ وعن التربية

стр. 1159

الأدبية من حيث تقويم الأخلاق وإرهاف القوى العقلية الخ وخصت بكلامها الفتاة من حيث تعليمها تدبير المنزل وأدب المعاشرة وإعدادها لتكون أماًّ صالحة - وقد كنا إبان إلقاء هذه المحاضرات نتمنى أن يكثر عدد السيدات اللواتي يقبلن على سماع هذه المواضيع. ولكن السيدة لبيبة قد عممت فائدة هذه المحاضرات بجمعها وطبعها حدة فبات بوسع الجميع اقتناؤها ومطالعتها. فنشكر لصاحبة فتاة الشرق هذه الخدمة الجديدة التي أضافتها لإلى مآثرها الجليلة في سبيل الأدب الإنسانيَّة والتمدّن - قال اُبن المقفَّع: من حاول الأمور احتاج

стр. 1160

فيها إلى ستّ: العلم، والتوفيق , والفرصة , والأعوان ,، الأدب , والاجتهاد. وهنَّ أزواج: فالرأي والأدب زوج. لا يكمل الرأي بغير الأدب , ولا يكمل الأدب إلاّ بالرأي؛ والأعوان والفرصة زوج. لا ينفع الأعوان إلاّ عند الفرصة , ولا تتم الفرصة إلاّ بحضور الأعوان؛ والتوفيق والاجتهاد زوج. فالاجتهاد سبب التوفيق , وبالتوفيق ينجح الاجتهاد هذه الستُّ قد اجتمعت لحضرة الوجيه الفاضل عزتلو جرجس بك انطون أحد أفاضل موظفي الحكومة المصرية فاخرج للناس كتاب الإنسانية والتمدن وفيه الأدلة الناصعة على العلم والأدب والاجتهاد عنينا الصفات التي كانت أعواناً لحضرته فلزمتهُ في المباحث التي تحدَّاها في هذا المؤلف المفيد. أما الفرصة فلعلهُ كان يسترقها من أوقات فراغهِ وساعات استراحتهِ من عناء الأعمال والواجبات الرسمية. وفي ذلك أبلغ برهان على الفضل. وكأنَّ جرجس بك لم يكتفِ بالفائدة التي أرادها للناس من كتابة الإنسانية والتمدن فزاد عليها فائدةَ لا تقل قيمةً عن تلك , فوقف ثمن الكتاب على الأعمال الخيرية وإعانة البائسين. فكان في هذا العمل المجيد تطبيق محكم لاسم الكتاب ومباحثهِ على المغزى الذي رمى إليه واستفادة القراء منه. وأنَّ خير الأقوال ما اقترن بالأفعال. جزى الله حضرة المؤلف الأديب بما يجزي به العاقل الفاضل تاريخ آداب العرب - قام في مصر في السنوات العشر الأخيرة شاعر بليغ أجاد في أكثر المواضيع التي طرقها وكان لهُ المقام الرفيع بين شعراء العصر , فأخذ ينشر عاماً بعد عام ما يجتمع لديه من منظومة , وكان
следующие страницы →