Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
الترجمة في الأدب العربي إلى ما بعد الكلام على شعر الخيام نفسه
إن شعر الخيام من قبيل الشعر الليريقي أو الشعر الغنائي الذي يصور عواطف النفس
ويرسم أميال الفؤاد. ورباعياته من هذا النوع أيضاً غير أن عددها لا يحويه الحصر إذ أن كثيراً من الرباعيات منسوب إليهِ فلا يمكننا والحالة هذه أن نقيدها بقيد ونضعها تحت قاعدة معينة. على أن الرباعيات التي استخرجها فتس جيرولد مما نسب إلى عمر الخيام , إن صدقاً وإن كذباً , وأضاف إلى روحها الفارسية تلك الروح القلبية لا يمكننا أن نجزم بأنها رباعيات الخيام نفسها لأن فتس جيرولد كان خياماً غربياً أي أنه لما كانت أمياله كلها مشابهة لأميال عمر الخيام الفارسي , وكانت حياته شبيهة بحياة ذلك الشاعر , وكان من جهة أخرى واسع الإطلاع على أدبيات الفرس , أثرت على قلمه كل هذه المؤثرات فأخرج رباعياته خليطاً من روح الخيام ومن روح حافظ الشيرازي ومواهب السعدي
بيد أننا إذا رجعنا إلى رباعيات الخيام التي ترجمها فتس جيرولد وغضضنا النظر عن بقية ما ترجمه المترجمون الآخرون من ألمان وفرنسيس يمكننا - وإن كان في ذلك شيء من الصعوبة - أن نقسمها إلى أقسام شتى كالحنين إلى الماضي واليأس من المستقبل والحث على انتهاز الفرص وتتطلب الملاذ لساعتها أني وجدت , والسخرية من الحياة , والحيرة في الوجود , والزهد الناشئ عن العجز , وامتداح الخمر , والهزؤ بالأديان , وذكرى الحبيب. وبالجملة فشعر الرباعيات كما قدمنا من نوع الشعر الليريقي الذي يعبر عما يجول في النفس لساعته بدون تقييد
стр. 1157
هذا ما تيسر من القول عن الخيام بمنتهى الإيجاز. أما رأينا في تعريب وديع أفندي البستاني فيحتوي بعض ملاحظات قليلة نرجو الصفح عنها من صديقنا المحبب الذي لا نشك في أن له من اسمه نصيباً وافراً إذ أن نقد الشيء فرع من تقديره وإبداء الملاحظات على أمر من الأمور معنى من احترامه. فأول ما نقوله عن هذه الترجمة أن المعرب خرج بالرباعيات عن شكلها الطبيعي فجعلها سباعيات والسباعيات ضرب الشعر العربي كما أن الرباعيات ضرب من ضروب الشعر العربي كما أن الرباعيات ضرب من ضروب الشعر الفارسي وقد أدى هذا بصديقنا الوديع البستاني إلى أن يقول في سبعة أسطر ما قاله الخيام في أربعة. ثم أنه قسم الرباعيات إلى نشيدين مقلداً في ذلك الطريقة اليونانية وبين الطريقتين الفرسية والإغريقي من التنافر ما بينهما لأن اليونان كانوا يقسمون قصائدهم الكبرى إلى أناشيد وكل نشيد يبين حالة من أحوال النفس أو فصلاً من فصول القصة
المروية كما هي الحال في الياذة هوميروس. ولكن شعر الخيام أن هو إلا صرخات نفس متألمة حائرة لا نشيداً تمجد فيه الحروب ولا الحياة ولا القوة. هذا من جهة الشكل أما من جهة الصياغة فإن فيها مآخذ شتى اضطر إليها وديع بعامل التعريب الحرفي كقوله: واضطراراً قد جئت هذي الديارا - وسأضطر للرحيل اضطرارا - واختياري أن استطعت اختيارا
على أن له حسنات كثيرة وله أعذار أكثر فإنه شاب لم يتألم وناقل عن لغة لم تكتب الرباعيات بها وكفاه فخراً أنهُ قام نحو الشعر الفارسي بما لم يقم بهِ فحول كتاب العربية من قبله وحبذا قوله في أول النشيد الثاني
стр. 1158
أقبل الفجر بهجة يتلالى - فأدِرها تزري الصباح جمالا - واعتزل حلبة الفخار اعتزالا - والأمانيَّ خلّ والآمالا - وتأمل فروع هند الطوالا - واسمع العود واطّرح عنك هما - واصف واهنأ بالكأس عيشاً وبالا
محمد لطفي جمعه
المحامي
كتاب في التربية - لا تزال إدارة الجامعة المصرية دائبةً على توفير أسباب التعليم والتهذيب للناشئة الوطنية. وقد عهدت إلى نخبة من أفاضل العلماء وأعلام الأدباء من وطنيين وأجانب بإلقاء محاضراتٍ في مواضيع مختلفة من آدابٍ وعلوم وفنون واقتصاد إلى غير ذلك من فروع المعارف الحديثة. وقد سرّنا أنها وجهت عناية خاصة إلى تهذيب الفتاة فأناطت ببعض السيدات إلقاء محاضرات في مواضيع نسائية لا غنى للمرأة الشرقية عنها حتى تجاري أختها الغربية في مضمار الترقي. وقد تولت إلقاء هذه المحاضرات في العام الماضي سيدةُ من فضليات سيداتنا وكاتبة من أشهر كاتباتنا , عنينا السيدة لبيبة هاشم صاحبة ومحررة مجلة فتاة الشرق المعروفة. وقد جعلت موضوع محاضراتها التربية وهو الأمر الذي نحن في حاجة ماسة إليه. فتناولته من جميع أطرافه فتكلمت عن التربية الوالدية من حيث اعتناء الوالدين بالأولاد , وعن التربية البدنية من حيث غذاء الأطفال ونظافتهم وملبوسهم وترويضهم؛ وعن التربية
стр. 1159
الأدبية من حيث تقويم الأخلاق وإرهاف القوى العقلية الخ وخصت بكلامها الفتاة من حيث تعليمها تدبير المنزل وأدب المعاشرة وإعدادها لتكون أماًّ صالحة - وقد كنا إبان إلقاء هذه المحاضرات نتمنى أن يكثر عدد السيدات اللواتي
يقبلن على سماع هذه المواضيع. ولكن السيدة لبيبة قد عممت فائدة هذه المحاضرات بجمعها وطبعها حدة فبات بوسع الجميع اقتناؤها ومطالعتها. فنشكر لصاحبة فتاة الشرق هذه الخدمة الجديدة التي أضافتها لإلى مآثرها الجليلة في سبيل الأدب
الإنسانيَّة والتمدّن - قال اُبن المقفَّع: من حاول الأمور احتاج
стр. 1160
فيها إلى ستّ: العلم، والتوفيق , والفرصة , والأعوان ,، الأدب , والاجتهاد. وهنَّ أزواج: فالرأي والأدب زوج. لا يكمل الرأي بغير الأدب , ولا يكمل الأدب إلاّ بالرأي؛ والأعوان والفرصة زوج. لا ينفع الأعوان إلاّ عند الفرصة , ولا تتم الفرصة إلاّ بحضور الأعوان؛ والتوفيق والاجتهاد زوج. فالاجتهاد سبب التوفيق , وبالتوفيق ينجح الاجتهاد هذه الستُّ قد اجتمعت لحضرة الوجيه الفاضل عزتلو جرجس بك انطون أحد أفاضل موظفي الحكومة المصرية فاخرج للناس كتاب الإنسانية والتمدن وفيه الأدلة الناصعة على العلم والأدب والاجتهاد عنينا الصفات التي كانت أعواناً لحضرته فلزمتهُ في المباحث التي تحدَّاها في هذا المؤلف المفيد. أما الفرصة فلعلهُ كان يسترقها من أوقات فراغهِ وساعات استراحتهِ من عناء الأعمال والواجبات الرسمية. وفي ذلك أبلغ برهان على الفضل. وكأنَّ جرجس بك لم يكتفِ بالفائدة التي أرادها للناس من كتابة الإنسانية والتمدن فزاد عليها فائدةَ لا تقل قيمةً عن تلك , فوقف ثمن الكتاب على الأعمال الخيرية وإعانة البائسين. فكان في هذا العمل المجيد تطبيق محكم لاسم الكتاب ومباحثهِ على المغزى الذي رمى إليه واستفادة القراء منه. وأنَّ خير الأقوال ما اقترن بالأفعال. جزى الله حضرة المؤلف الأديب بما يجزي به العاقل الفاضل
تاريخ آداب العرب - قام في مصر في السنوات العشر الأخيرة شاعر بليغ أجاد في أكثر المواضيع التي طرقها وكان لهُ المقام الرفيع بين شعراء العصر , فأخذ ينشر عاماً بعد عام ما يجتمع لديه من منظومة , وكان
стр. 1161
الناس يقبلون على تلك المجموعات ويثنون على صاحبها الثناء الطيب. ثمَّ سككت ذلك الشاعر منذ أكثر من سنتين فلم نسمع له صوتاً , ولا قرأنا له شعراً إلاّ في ما ندر. وطال هذا السكوت حتى كان الشهر الماضي فإذا نحن وبين أيدينا الجزء الأوَّل من كتاب ٍ جليل الفائدة , عظيم النفع فقلنا لقد صدقت الحكمة القائلة: إذا كان الكلام من فضَّة فالسكوت من ذهب ذلك الشاعر هو أبو السامي مصطفى صادق
الرافعي , وهذا الكتاب هو تاريخ آداب العرب
قال المؤلف في الكلام على نمط الكتاب وأبوابه: وقد جعلنا أبوابه اثني عشر باباً تنطوي على جملة المأثور , ويدور عليها التاريخ كما تدور السنة على عدة الشهور وهذه سياقتها بعد فصلين من التمهيد في تاريخ الأدب، وأصل العرب:
الباب الأوَّل: في تاريخ اللغة ونشأتها وتفرعها وما يتصل بذلك
الباب الثاني: في تاريخ الرواية ومشاهير الرواة
الباب الثالث: في منزلة القرآن الكريم من اللغة وإعجازه وتاريخه , وفي البلاغة النبويَّة ونسق الإعجاز فيها
الباب الرابع: في تاريخ الخطابة والأمثال جاهليةً وإسلاماً
الباب الخامس: في تاريخ الشعر العربي ومذاهبه والفنون المستحدثة منهُ
الباب السادس: في حقائق القصائد المعلقات ودرس شعرائها
الباب السابع: في أطوار الأدب العربي وتقلّب العصور بهِ وتاريخ أدب الأندلس إلى سقوطها ومصرع العربية فيها
стр. 1162
الباب الثامن: في تاريخ الكتابة وفنونها وأساليبها ورؤساء الكتاب
الباب التاسع: في حركة العقل العربي وتاريخ العلوم وأصناف الآداب جاهليةً وإسلاماً
الباب العاشر: في التأليف وتاريخه عند العرب ونوادر الكتب العربية
الباب الحادي عشر: في الصناعات اللفظية التي أولع بها المتأخرون
الباب الثاني عشر: في الطبقات وشيء من الموازنات
فأنت ترى أن الرافعي قد ألمَّ بتاريخ الأدب من جميع أطرافه وتناول البحث فيهِ من كل جهاته. فكتابهُ , وهو الكتاب الثاني المطوَّل الذي ظهر إلى اليوم في هذا الموضوع , مشبع الأدباء ووافٍ بالغرض المقصود منه ولقد كتب إلينا أحد أفاضل الأدباء يسألنا نفسح لهُ في الزهور مجالا لنقد هذا الجزء الأوَّل على أن يكون انتقاده مظهراً لحسنات الكتاب وسيئاته معاً , إذا كان هنالك سيئات. فرغبنا إليهِ في ذلك ولعله يمكننا من نشر مقالهِ في الجزء التالي من هذه المجلة. لذلك نحن نكتفي الآن بكلمة الثناء نوجهها إلى أبي السامي الفاضل ونتمنى أن ينشط كبار الكتاب والشعراء إلى مثل عمله المجيد حتى يكون فضلهم للناس
أظهر , وشكرهم علينا أحقّ
الأدب الصغير - لعبد الله بن المقفع فضل عظيم لا ينكرهُ أديب من أدباء العربية فهو أستاذ الكتاب والمنشئين في سلامة تعابيره , وجمال
стр. 1163
أسلوبه حتى لقد أطلق علماء الأدب على إنشائهِ صفة السهل الممتنع , وما برح كتابه كليلة ودمنة إلى يومنا هذا رفيق المتأدبين. وأخرج اليوم سعادة الأستاذ العالم أحمد زكي باشا كاتب مجلس النظار كتاباً آخر لذلك المنشئ النابغة هو الأدب الصغير فعرفت فضله نظارة المعارف العمومية فقررتهُ لمدارسها الابتدائية ونعم ما فعلت. أما الكتاب فيكفي في تقريظه أن يكون كاتبه عبد الله بن المقفع , وناشره والواقف على طبعه أحمد زكي
أزهار وأشواك
عمر النساء
عمر النساء الحسابية العسرة الحل , فقد تبوح المرأة بكل شيء إلا بعمرها الحقيقي. وقد جرت لي حكاية من هذا القبيل لا أتمالك عن سردها ولو جرَّت علي سخط بعض القارئات: كنتُ منذ أيام في أحد مجالس السمر , وكان فيمن حضر أربع سيدات يتفاوتن في السن تفاوتاً كبيراً , فأولادهن في الثمانين من العمر , والثانية في الستين , والثالثة في الأربعين؛ وكان مع هذه ابنةُ أخت لها في ربيعها الحادي والعشرين. جلستُ إلى الفتاة أجاذبها أطراف الحديث , وإذا بها تقول لي: ما قولك بخالتي؟ فهي تحاول , وقد جاوزت حدّ الأربعين , أن تجلس على عرش الجمال. فقلت: عبثاً تحاول , فقد تربعتِ على هذا العرش دون سواك ثمَّ دنوت من الخالة أحدثها , فابتدرتني بالسؤال: إلاّ بربك قلْ
стр. 1164
لي ما رأيك في هذه السيدة التي أربى عمرها على الستين وهي لا تزال تقضي كلّ يوم ساعةً من الزمن أمام مرآتها؟ فقلت: تضيع الوقت سدًى , فأنَّي للمرآة توليها ما أولئك الطبيعة من الرونق؟ وبعد برهةٍ كنتُ إلى جانب ابنة الستين فسرعان ما قالت لي: انظر إلى هذه العجوز الدردبيس فهي تحاول بطلاء وجهها أ، تمحو آثار الثمانين عاماً التي تثقل كاهلها فأجبت هذا خَرَف الشيوخة قلتُ هذا وبقيتُ مدةً أُفكّر. ثمَّ عزمت على إعادة طوافي مبتدئاً هذه المرة من الكبرى إلى الصغرى: فجلستُ بقرب الثمانين سنة وقلت لها: إن هيأتك يا سيدتي أشبه شيء بهيأة السيدة التي كنتُ أحدثها الآن , فكأنكما أُختان ولدتا في سنة واحدة فتبسمت وقالت: أنت مصيب فقد ولدنا في عام واحد تركتها وعدتُ إلى الستين سنة فقلت: تراهنت واحد أصحابي على أنكِ وهذه السيدة (وأشرت إلى ابنة الأربعين) قد ولدتما في شهر واحد في سنة واحدة فأمالت رأسها إمالة الإثبات الشديد وقالت وأظن في أسبوع واحد انتقلتُ بعدئذٍ إلى جنب ابنة شقيقتكِ , فإن الناظر إليكما يظنكما تؤأمين فأجابت لا هي بالحقيقة ابنة أختي , لكنَّ أمها أختي كانت تكبرني بخمسة وعشرين عاماً , وقد أخبرتني أني ولدتُ وابنتها هذه في عام واحد. . . تقول ابنة الثمانين أنها ولدت في سنة ولادة ابنة الستين , وهذه ولدت في السنة التي ولدت فيها ابنة الأربعين. وهذه ولدت وابنة العشرين في عام واحد. فتكون العجوز
стр. 1165
الثمانينية - على هذا الزعم - من سنّ الفتاة ابنة العشرين. . .؟ آه
من عمر النساء. . .!
تمثال مويّار
لا يزال الإنسان يغالب عناصر الطبيعة , فيتغلب عليها؛ ويسترق أسرارها ونواميسها , فيستخدم قواها لزيادة قوته , أو لتوفير أسباب رفاهيته. فتوحاتٌ وانتصاراتٌ أحرزها وهي أبهى وأشرف من انتصاراته في ميادين القتال. وآخر فتح ثمَّ له من هذا القبيل , تذليله الهواء , واتخاذه إياه مطية سهلة المقاد. فصار يسافر هواءَ كما كان يسافر برًّا أو بحراً , فدانت له الطبيعة بأسرها. على أن هذا الفتح لم يتم له دون تضحية العدد الكبير من الأبطال. نخص منهم اليوم بالذكر المهندس الفرنسوي مويار الذي رفعت له شركة مصر الجديدة تمثالاً في أرضها , وجمعت الوجهاء والأدباء حوله في الشهر الغابر ليحتفلوا بذكره. هكذا يكرم الغربيون نوابغهم. . وقد أراد علاَّمتنا زكي باشا أن يكون لنوابغ الشرق نصيبهم من هذا الإكرام , فأبان في خطبةٍ ملؤُها التنقيب والبحث أن اثنين من العرب - وهما الجوهري وعباس بن فرناس - قد حاولا الطيران قبل سواهما. وقد اعترفت بذلك لجنة الاحتفال , فنقشت الأبيات الآتية على قاعدة التمثال وهي لحافظ إبراهيم:
إن يركبِ الغربُ متن الريح مبتدعاً ... ما قصّرتْ عن مداه حيلةُ الناسِ
فأن للشرق فضلَ السبق نعرفه ... للجوهريِّ وعباس بن فرناس
قد مهدّا سُبُلاً للناس تسلكها ... إلى السماء بفضل العلم وإلباسِ
стр. 1166
خصت مصر مويار دون سواه من أبطال الطيران لترفع له تمثالاً تحت سمائها , لأن مويّار الأفرنسي المولد , عاش ومات في مصر. وفي مصر كان يشتغل لتحقيق مسألة الطيران , فوضع قواعد هذا الفن كما هي معروفة اليوم؛ ولكنّ ضيق ذات يده حال دون إبراز فكرته إلى حيز العمل , فعاش فقيراً ومات فقيراً. وقام علماء آخرون فعملوا بالمبادئ الميكانيكية التي وضعها , فتمكنوا من امتلاك ناصية الهواء ومجاراة الطير في مضمار السماء. مات مويار فقيراً كما عاش ولكنه أغنى أبناء جنسه باختراعه العجيب؛ فكان شأنه شأن معظم كبار المخترعين والمكتشفين كغاليله وكولمبس , فهم لا يحيون ولا يمجَّدون إلاَّ بعد موتهم. . . خمسة عشر عاماً مرّت على وفاة هذا المخترع. فأدرك العالم سموَّ مداركه؛ وقام اليوم يجود بتماثيل البرونز والرخام , على من حُرم في حياته ما يسدُّ به الرمق. فما
أعجب مغالطات بني البشر. ويا ما أحدّ سهام اللوم التي صوّبها إليهم حكيمنا شبلي شميل إذ قال:
مُيّار أنك قد قضيت ككل منٍ ... نفع البرية وهو قد نال الضررْ
قد عشتَ بين الناس أوحد بائساً ... والعقل مقتدر وفي الأيدي قِصرْ
هم ضيَّقوا الدنيا عليكِ وأنت في ... فتح السماء لهم تحلّق في الفكرْ
ضنّوا عليك وأنت حيٌّ بينهم ... وتسابقوا للميت في نثر الدررْ
جهلوك حتى أوقعوا بك ريبةً ... وتفاخروا بك بعد موتك عن أشرْ
لو أنهم نفعوك يوم خدمتهم ... لوفوك حقاً غير حق منتظرْ
أو أنهم فهموك يوم هديتهم ... عزَّاك علمك أنهم حقاً بشرْ
يستمسك الإنسان بالبالي فإن ... عنه تزحزحه تجده قد نفرْ
стр. 1167
ما فضلك المعني وهو به الغنى ... بل جهلهم يعنون في هذا الأثرْ
سهم نافذ. . . .! ولكن الخلف الذي يعوّض عن السلف بإعلان فضل من غمط فضله يستحقُّ قسطه من الثناء
حاصد
لمن هذا الشعر
وقعنا على الأبيات التالية وهي لشاعر كبير من شعراء اليوم الذين عرفهم قراء الزهور فإذا بها تنم كثيراً عن شاعرها. فرأينا أن ننشرها غفلاً من التوقيع تاركين لفراسة القراء أن يعرفوا اسم الشاعر. ومن عرفه وكتب إلينا اسمه في خلال شهر بعد صدور هذا الجزء جعلنا لهُ جائزة كتاباً أدبياً من أفضل الكتب التي ظهرتِ حديثاً وعليه توقيع الشاعر بخط يده
نظرت إليها نظرة فتأثرت ... وبأن على الخدين من نظرتي أثَرْ
ولما تراءى الوجد بيني وبينها ... مددت له ستراً من الرأي فاستترْ
وقد كدت أنسى كبرتي فاد كرتها ... وراجعت نفسي أن يراجعها الصغرِْ
تضن بها النعمى وتبذلها المنى ... وتنأى بها السلوى وتدنو بها الفكرْ
فيجذبني وجدي وتدفعني النهى ... وينهضني شوقي ويقعدني الكبر
أرى في ديارات الأحبة أوجهاً ... فأطلب إغضاَء فيسبقني النظر
يلمُّ بها يشتار منها محاسناً ... كذا النحل يشتار العسول من الزهر
وكم ليَ في الألحاظ سرًّا مكتماً ... ينمُّ عليه اثنان شعريَ والحوَر
مضى زمن اللهو الذي لست ساخطاً ... على ما مضى منهُ وذا زمن العبر
فأسكتني ما أسكت الورق في الدجا ... وأنطقني ما أنطق الورق في السحر
كلانا له أن ردد النوحَ سامعُ ... فتسمعني كتبي ويسمعها الشجر
تمنت قلوب أن أكون دخلتها ... ولاغرو لكن آفة الِرد في الصدَرْ
стр. 1168
العدد ٢٣ - بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩١٢
الكهانة
إذا كان سعادة اسكندر عمون بك من مشاهير رجال القانون فهو أيضاً من كبار الكتاب العارفين آداب اللغة كل المعرفة. وإذا كان اشتغالهُ بالقضاء فالمحاماة قد صرفهُ عن معالجة المواضيع الكتابية , فإن له في عهده الأول آثاراً أدبية تدل على تمكنهِ من صناعتي النظم والنثر. ولقد ظفرنا ببعض تلك الآثار وسننشرها بادئين بالفصل التالي وقد كتبهُ حضرته منذ نحوٍ من خمس وعشرين سنة وهو مقتبس من مواد كثيرة كان سعادته قد اعتنى بجمعها وإعدادها لوضع كتابٍ مطوَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام:
الكَهانة في اللغة القضاءُ بالغيب. والكاهن هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان , ويدّعي معرفة الأسرار. وقد اختلف العلماءُ في وجه سبب الكهانة؛ فمنهم من قال أن نفس الإنسان إذا صفت وتغلَّبت على الجسم , اطلعت على أسرار الطبيعة. ولذلك كان أكثر الكهّان معتلّي الأجسام , بتغلب النفس فيهم على المادة , كما اتصل بنا عن شقٍّ وسطيحٍ وعمرانَ وغيرهم من الكهان المشهورين.
стр. 1169
ومنهم من قال: أنَّ وجه سبب الكهانة من الوحي الفلكيّ؛ ولعلّ ذلك خاص بالمنجمين دون غيرهم من الكهان. ومنهم من قال: إن للكاهنِ تابعاً من الجنّ , ورئياًّ يلقي إليهِ الأخبار. وهو القول المشهور عندهم , المعتمد في الإسلام. وقد جاءَ في صحيح البخاري عن النبي: أن الملائكة تتحدث في العِنان (أي الغمام) بالأمر يكون في الأرض فتسمع الشياطين الكلمة فتقرّها في أُذن الكاهن , كما تقرّ القارورة , فيزيدون معها مائة كذبة. وقال الله في كتابه: ﴿يوحي بعضه إلى بعض زخرف القول غروراً﴾. وقال: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾. وقال الأزهري: كانت الكهانة في العرب قبل مبعث رسول الله ﷺ ؛ فلما بُعث نبياًّ وحرست السماء بالشهب , ومنُعت الجن والشياطين من استراق السمع وإلقائه إلى الكهان , بطل علم الكهانة. وقال الله في كتابه: ﴿وأنّا لمسنا السماءَ فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً
وكان للكهانة في الجاهلية شأن عظيم لشدة اعتقاد القوم بها. فكان الواحد منهم إذا ضلَّت له ضالة , أو سرق له شيءً , أو همَّ بأمرٍ ذي بال أو أُصيب أحد من أهله بمرض , يذهب إلى الكاهن فيستطلع منهُ ما يحبُّ الوقوف عليهِ من مكان الضالة , أو محل السرقة , أو مال الأمر , أو داء المريض. وكانوا يقصدون الكهان بنوع أخصّ لأجل تفسير الأحلام المؤثرة , لأنهم كانوا يعتقدون أنها نبأ روحاني عما سيقع لهم من الأمور الخطيرة في
مستقبل الزمان. وكانوا يحترمون أقوال الكهان فيما يسألونهم عنه , فلا يخالفون لهم رأياً. وكان الكهان يتوخون السجع
стр. 1170
في كلامهم , لأنهُ أوقع في النفوس , فيستصغون إلى أقوالهم الإسماع , ويستميلون بها القلوب. . . أقول: وربما كان الغرض الأول من التزام السجع ترك الكلام مبهماً غامضاً , لأنَّ المتكلم إذا التزم في كلامه قافيةً , سواء كان الكلام نظماً أو نثراً , يباح له من الإبهام في أقواله مالا يباح لغيره. وكل متكهن محتاج إلى ذلك الإبهام
وقد اشتهر في الجاهلية عدد من الكهان , أكثرهم في بلاد اليمن. فكان العرب يقصدونهم من أطراف البلاد لاستطلاع الغيب منهم في الأمور العظام , غير معتمدين في ذلك على الكهان الذين بين ظهرانيهم. ثمَّ إذا صدَّقت الحوادث شيئاً من ظنونهم , وصحَّ شيءٌ من أقوالهم , تناقلتِ الألسنةُ الخبر , وزادت عليهِ الرواة من الحكايات المختلفة أضعاف أضعاف الحقيقة , فتزداد بذلك شهرتهم. وربما نسبوا إليهم أموراً في أزمنة لم يكونوا موجودين فيها , كما نسبوا إلى سطيح الكاهن أنهُ أنذر باستيلاء الحبشة على اليمن قبل الاستيلاء بسبعين سنة. ثم أوَّل رؤيا الموبذان بعد مولد النبي. ولذلك اقتضى الأمر أن يجعلوا عمره نحواً من ثلاثمائة سنة. وقد عنَّ لقوم أن يجعلوا مولدهُ قبل ظريفة الخبر كاهنة عمرو مزيقياء , لكي تنفل هذه الكاهنة في فيهِ , فينتقل إليهِ علمها ولذلك اضطروا أن يمدوا عمره إلى ستة قرون أو أكثر وسطيح هذا أشهر كهان الجاهلية. ثم يليه شقّ وكانا متعاصرين. وممن اشتهر قبلهما ظريفة الخبر كاهنة عمرو مزيقياء ملك اليمن الذي تفرقت الازد في عهده بسبب سيل العرم؛ وعمران الكاهن أخو
стр. 1171
عمرو المذكور؛ وعمران هو أوَّل من رأى في كهانته أن قومه سوف يمزَّقون كل ممزّق , ويباعد بين أسفارهم. ثم رأت ظريفة في كهانتها نبأ السيل , فأنذرت عمرواً. ومن الكهان الذين اشتهروا في آخر زمن الجاهلية سملقة وزوبعة وحارثة بنت جهينة وكاهنة باهلة وسديف بن هرماس , وغيرهم ممن يضيق بنا المقام عن ذكر أخبارهم
ولنذكر هنا شيئاً من أخبار سطيح الكاهن على سبيل الأنموذج والمثال , لاسيما وأنهُ كان عند القوم بمنزلةٍ صيرّتْهُ أمام الكهانة , فأصبحت أخباره جزءًا من تاريخ الكهانة نفسها
قالوا: هو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان , وسمي سطيحاً لعجزه عن القعود والقيام , فكان أبداً منبسطاً منسطحأ على الأرض؛ ولما
كان ذلك الرجل عجيباً عندهم في كهانتهِ , اقتضى الأمر أن يكون كل شيءٍ متعلق به عجيباً أيضاً. فكما أنهم زعموا أن شقاً كان نصف إنسان , له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة؛ كذلك زعموا انهُ لم يكن في جسم سطيح عظم سوى الجمجمة؛ ولذلك كان يدرج سائر جسده كما يدرج الثوب. وقالوا أن الجمجمة نفسها كان يلين عظمها إذا لمست باليد وأنهُ كان إذا غضب اشتدت أوصاله فينتصب قاعداً ويبقى كذلك إلى أن تسكن سورة غضبه. وذد ذكرنا أقوالهم في طول عمره. وقد زعموا انهُ خرج مع من خرج من اليمن في أيام سيل العرم ومات في أيام كسرى أن شروان
وأول ما تكهن بهِ سطيح انهُ كان نائماً مع أهلهِ في ليلة سها كية
стр. 1172
مظلمة , فإذا هو قد زعق من بينهم ورنَّ وتأوَّه وقال: والضياء والشفق , والظلام والغسق , ليطرقنَّكم ما طرق. قالوا: ما طرق يا سطيح. قال: ما طرق إلاَّ الأجلح , حين سرى الليل إليهم الأفلح , وولاهم فيهِ دح. قالوا: وما علامة ذلك يا سطيح. قال: أمر بسد النقرة ذوجية في الوجرة وحرَّة في ليلة قرَّة. فلم يكترثوا لقوله , وتعاصفت مدود من أودية هنالك , فجاءَتهم في ليلة قرَّة كما ذكر , فساقت الأنعام والمواشي وكادت تذهب بعامتهم
ومن أشهر ما يروى عن سطيح تأويله رؤيا ربيعة بن نصر ملك اليمن إذ أنذر باستيلاء الحبشة على بلاده. وذلك أن ربيعة رأى رؤيا هالته , فلم يدع كاهناً ولا ساحراً ولا عائقاً ولا منجماً من أهل ملكه إلاّ استدعاه إليه , فلما اجتمعوا في داره قال لهم أني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها , فأخبروني بها وبتأويلها. فقالوا قصَّها علينا نخبرك بتأويلها. قال إني إن أخبرتكم بها لم اطمئنَّ إلى خبركم عن تأويلها أنه لا يعرف تأويلها إلاّ من عرفها قبل أن أخبره بها. فقال له رجل منهم إن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق إذ ليس أحد أعلم منهما , فهما يخبرانه بما سأل عنه. فبعث الملك إليهما. فقدم عليه سطيح قبل شق فقال له: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها. قال: أفعلُ. حُمَمَه , خرجت من ظلمه , فوقعت بأرض تَهِمهَ فأكلت منها كل ذات جمجمة. فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئاً يا سطيح , فما عندك في تأويلها؟ فقال: أحلف بما بين الحرتين من حنَش ,
стр. 1173
لينزلنَّ أرضكم الحبش , وليمكنَّ ما بين أبين إلى جرش. فقال له الملك وأبيك يا سطيح , إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده؟ قال: لا
بل بعده بحين , أكثر من ملكهم أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين , ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين. قال: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه أرِم ذي يزن , يخرج عليهم من عدن , فلا يترك منهم أحداً باليمن. قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع , قال: بل ينقطع , قال ومن يقطعه؟ قال: نبي زكي يأتيه الوحي , من قبل العلي. قال: وممن يكون هذا النبي؟ قال: رجل من ولد غالب بن مالك بن فهر بن النضر , يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال وهل للدهر من آخر؟ قال نعم يوم يجمع فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال أحق ما تخبرني؟ قال نعم والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق. ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح وكتم ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان قال نعم رأيت حممه فخرجت من ظلمه فوقعت بين روضة وأكمه فأكلت منها كل ذات نسمة. فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقنا وإن قولهما واحد إلاَّ أن سطيحاً قال بين روضة وأكمه فأكلت منها كل ذات نسمة. فقال له الملك ما أخطأت يا شق منها شيئاً فما عندك في تأويلها؟ قال أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلنَّ أرضكم السودان , وليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن
стр. 1174
ما بين أبين إلى نجران. فقال له الملك وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده؟ قال لا بل بعده بزمان ثم يستنفذكم منهم عظيم ذو شأن ويذيقهم أشدّ الهوان قال ومن هذا العظيم الشأن قال غلام ليس بدني ولا مدَن يخرج من بيت ذي يزن قال أفيدوم سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق بين أهل الدين والفضل , يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. قال وما يوم الفصل؟ قال يوم تجزى فيه الولات تدعى فيه من السماء بدعوات يسمع منها الأحياء والأموات ويجمع فيه الناس ليوم الميقات؛ يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات. قال أحق ما تقول؟ قال أي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض أن ما أنبأتك لحق ما فيه أمض
وروى الأزهري بإسناده عن مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيهِ قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها سيدنا محمد رسول الله ﷺ ارتجس ديوان كسرى وسقطت منهُ أربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك مائة عام , وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها فلما أصبح
كسرى أفزعهُ ما رأى فلبس تاجه وأخبر مرازبته بما رأى , فورد عليهِ كتاب بخمود النار. فقال الموبذان وأنا رأيت في هذه الليلة وقصَّ عليهِ رؤياه في الإبل. فقال له وأي شيء يكون هذا؟ قال حادث من ناحية العرب فبعث كسرى إلى النعمان بن المنذر أن ابعث إليَّ برجل عالم ليخبرني عما أسأله. فوجه إليهِ بعبد المسيح بن عمرو بن نُفيلة الغساني , فأخبرهُ بما
стр. 1175
رأى فقال: علمُ هذا عند خالي سطيح قال: فأتهِ وسلهُ وأتني بجوابهِ. فقدم على سطيح وقد أشفى على الموت فأنشأ يقول:
أصمَّ أم يسمع غطريف اليمن ... أم فادَ فازلمَّ بهِ شأو العنن؟
يا فاصل الخطّة أعيت مَن ومَنْ ... أتاك شيخ الحيّ من آل سنَنْ
رسول قَيل العُجم يسري للوسَن ... وأُمه من آل ذئب بن حجَنْ
أبيض فضفاضُ الرداء والبَدَن ... تجوب بي الأرضَ علنداةٌ شزَن
ترفعني وجناً وتهوي بي وجَنْ ... حتى أتى عاري الجآ جي والقطَنْ
لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن ... تلفُّهُ في الريح بوغاءُ الدمَنْ
كأنما حُثجثَ من حضني ثكَنْ
قال: فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه فقال: عبد المسيح على جمل مُسيح إلى سطيح وقد أوفى على الضريح بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الأيوان , وخمود النيران ورؤيا الموبذان. رأى إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وبٌعث صاحب الهراوة وغاضت بحيرة ساوة , وملكات على عدد الشرفات , وكل ما هو آتٍ آت. ثم قبض سطيح مكانه. فكان ذلك آخر ما تكهَّن بهِ ونهض عبد المسيح إلى راحلتهِ وهو يقول:
شمِّر فإنك ما عُمّرت شمّيرُ ... لا يفزعنّك تفريقٌ وتغييرُ
إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوارٌ دهاريرُ
فربما ربما أضحوا بمنزلةٍ ... تخاف صولهم أسدٌ مهاصيرُ
منهم أخو الصرح بهرام وأخواتهم ... وهرمزانٌ وسابورٌ وسابورُ
стр. 1176
والناس أولاد علاّتٍ فمن علموا ... أن قد أقلَّ فمهجورٌ ومحقورُ
وهم بنو الأم لما أن رأوا نشباً ... فذاك بالغيب محفوظٌ ومنصورُ
والخير والشرّ مقرونان في قرَنِ ... فالخير متّبعٌ بالغيب والشرّ محذورُ
فلما قدم على كسرى أخبره بقول سطيح فقال كسرى: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكاً تكون أمور. فملك منهم عشرة في أربع سنين وملك الباقون إلى زمن عثمان. وكان من أمر انقلاب دولتهم ما كان
اسكندر عمون
نابوليون الأول وحرب روسيا
وضع الكونت لأون تولستوي , الكاتب الروسي المشهور , كتاباً تحت عنوان نابوليون وحرب روسيا وصف فيهِ فظائع تللك الحرب الهائلة بأسلوبٍ انتقادي خطَّأَ فيهِ مزاعم معظم المؤرخين الفرنسيس والروس الذين أسهبوا في الكلام على تلك الحرب , وسفَّه آراءَهم من مثل إيجاد مؤرخي الفرنسيس أعذاراً لعاهلهم تنصّلهُ من تبعة تلك الحملة التي هلكت فيها مئات الألوف من البشر , وانتفقت في سبيلها القناطير المقنطرة من المال , ومثل ادعاء مؤرخي الروس أن قيصرهم وقادة جيوشهِ تمكنوا بدهائهم من إلقاء الفرنسيس في تلك الورطة التي فغرت فاها وابتلعتهم. ولما كان تولستوي ينظر إلى نابليون بغير المقلة التي ينظر بها إليهِ السواد الأعظم من بني الطينة , أحببنا أن ننقل لقراء الزهور الكرام الفصل الأخير من الكتاب المذكور وننشره لهم على علاتهِ , فاسحين على صفحات هذه المجلة مجالاً لأقلامهم
стр. 1177
لعلهم يتحفوننا بما يعنُّ لهم من الملاحظات في الموضوع الذي نحن في صدد الكلام عنهُ قال تولستوي:
نابوليون واسكندر الأول
إذا جارينا المؤرخين في أن الرجال العظام يسيرون بالإنسانية إلى غايات معلومة , وأن الموازنة الأوروباوية , وانتشار الأفكار الثورية , وعمران البلدان وغير ذلك من الأغراض تتعلق بعظة الدولتين الروسية والفرنساوية , تعذَّر علينا والحالة هذه أن نفسِّر معاني الحوادث التاريخية دون أن نجعل للصدفة والدهاء شأناً فيها
ولو كانت الغاية من الحروب الأوروباوية التي شبت نيرانها في مفتتح هذا القرن (التاسع عشر) إعلاء شأن الدولة الروسية لكان من الممكن إدراك تلك الغاية بغير الحروب التي سبقتها وبغير تلك الغزوة
ولو كانت عظمة فرنسا هي الضالة المنشودة لكان من المستطاع أصابتها بغير الثورة والإمبراطورية
ولو كان الغرض الذي يرمون إليهِ نشر الأفكار الثورية لكانت الكتب أسهل منالا له من الجنود
ولو كان رفع منار العمران هو الحاجة التي يطلبونها , لسهل عليهم قضاؤها بذرائع أنجع
من إهلاك عباد الله ونهب أشيائهم
ولماذا جرت الحوادث في هذا المجرى , ولم تجرِ في غيره؟
إن التاريخ يجيب أن الصدفة أوجدت الحالة , فاستفاد منها الدهاء ولكن ما هي الصدفة وما هو معنى لفظة دهادء؟
стр. 1178
إن كلمت صدفة ودهاء لا تعبّران عن شيء موجودٍ في الحقيقة. وهذا هو السبب الذي يجعل تحديدهما متعذّراً فهما لا تدلاَّ على طريقة واحدة يستعان بها على إدراك حقائق الأمور. إني أجهل مثلاً سبب هذا الحادث , ويجري في وهمي أني أعجز عن فهمهِ , ومن جراء ذلك لا أعالج الوقوف على كنههِ , فأقول أن الصدفة هي التي أوجدتهُ إني أرى قوةً تنتج عملاً لا ينطبق على صفات البشر المألوفة , وحين تصعب عليَّ معرفة سبب تلك القوة , أقول إن هذا ضرب من ضروب الدهاء إن الخروف الذي يضعهُ الراعي كل مساءٍ في حظيرة خصوصية , ويقدم له طعاماً زائداً , يفوق من جراء ذلك رفاقهُ في السمن , ويبين لأولئك الرفاق أنَّ في أمرهِ شيئاً من الدهاء , على أن الحقيقة هي أن ذلك الخروف , بدلاً له فيها العلف. وحين يسمن ذلك الخروف , ينحر ويباع للجزار , فيؤثر ذلك الأمر في باقي الغنم , ويبين لها أنهُ نتيجة من نتائج الدهاء المقرون بسلسلة من سلاسل الصدف الغريبة ولو لم تعد الغنم تعتقد أن كل ما يجري يرمي بهِ إلى غايات تتعلق بها دون سواها , ولو زعمت الحوادث الطارئة تجري إلى غايات تجهل حقيقتها , لتجلت لها للحال وحدهٌ في العمل , وتعاقب منطقي في كل ما يطرأ على الخروف الذي يُسمّن إن الغنم وإن لم تكن تدرك الغاية من تسمينهِ , تدرك أنهُ لم يحدث
стр. 1179
شيء من الذي حدث للخروف من باب البداهة, ولا تحتاج إلى تفسير معناه إلى الالتجاء إلى الصدفة أو إلى الدهاء. أنّا لا نكتشف في حياة الأشخاص المذكورين في التاريخ تعاقبا منطيقيا للحوادث التي تقتضيها الضرورة إلا حين نعرض عن معرفة غاية الأشياء الأخيرة باعترافنا إن فهمنا يقصر عن الوصول إليها. فحينئذ يتجلى لنا سبب التفاوت بين أعمالهم ومقدرة الأشخاص العاديين ولا نعود محتاجين البتة إلى الأعتقاد بكلمتي صدفة ودهاء. وبناء عليه نقول انه يكفينا أن نعتقد أنا نجهل الغرض من حركات الشعب الأوروباوي وأنا لا نعلم إلا الحوادث الناشئة عن المجاوز التي جرت في فرنسا وبروسيا والنمسا وروسيا وأن الداعي لتلك الحوادث هو زحف الشعوب الغربية على الشعوب الشرقية وبالعكس أي زحف الشعوب الشرقية على الشعوب الغربية. وحسبنا الأعتقاد بهذه الأمور حتى لا نعود ند شيئا من الدهاء والشذوذ في صفات نابليون وإسكندر الأول ولا نعود نعتبر ذينك العاهلين إلاّ رجلين مثل سائر الجال ولا نعود فقط محتاجين إلى أن نفسر بالصدفة معنى الحوادث الصغيرة التي صيرت ذينك الرجلين في الحالة التي كانا عليها بل يتضح لنا بجلاء أن تلك الحوادث الصغيرة لم يكن بد منها.
وحين نهمل أمر المسير إلى الغاية النهائية ندري أنه كما يتعذر وجود أزهار وبذور لنبات من النباتات غير الأزهار والبذور التي له, يتعذر وجود شخصين من الأشخاص الذين ينوه عنهم التاريخ يستطيعان على مثال الأسكندر الأول ونابليون من مفتتح حياتهما إلى مختتمها أن ينهضا كل
стр. 1180
النهوض بأعباء المهمة الملقاة إليهما إن السبب الأصلي للحوادث الأوروباوية في فاتحة هذا العصر منشأة الحركات الحربية التي أجرتها في بدء الأمر الشعوب المحتشدة للزحف من الغرب على الشرق وفيما بعد من الشرق على الغرب كان بدء هذه الحركة في الغرب وكانت الأمور الآتية تدعو الشعوب الغربية إلى الإغارة على الديار الروسية والتوغل فيها حتى موسكو:
١ً - إن تلك الشعوب كانت متكاتفةً تكاتفاً حربياًّ يمكنها من تلقّي صدمة مجموع الشعوب الحربية الشرقية
٢ً - إنها نبذت كل تقاليدها وعاداتها
٣ً - إنها كانت تأتمر لإجراء تلك الحركة الحربية بأمر رجلٍ تمكن من تزكية نفسهِ ساحتها باستعاذتهِ بالكذب والنهب والقتل لإدراك غايتهِ. إن الثورة الأصلية الصغيرة المنتمية إلى الثورة الفرنساوية الكبرى تبددت من جراء صغرها. وتغيرت التقاليد والعادات فتألفت شيئاً فشيئاً جماعة جديدة ونشأت معها تقاليد وعادات جديدة وفي ذلك الوسط نهض للاضطلاع بمهمتهِ الرجل ساقتهُ الأقدار يوماً من الأيام إلى ترأُس الحركة وحمل أعباء مسئولية الحوادث التي توالت. إن ذلك الرجل الذي لم تكن لهُ مبادئ ولا عادات ولا تقاليد ولا اسم والذي لم يكن فرنساوياً هادنتهُ الأحداث مهادنةً غريبة وعرَضية فنال ما وصلت إليهِ يدهُ في أول الأمر وتدخل مع جميع الأحزاب التي كانت تلقي الشقاق في فرنسا دون أن يعتصم بحبل واحدٍ منها وكان من أمرهِ أنهم رفعوهُ إلى أعلى درجة
стр. 1181
إن جهل المحيطين بهِ وضعف خصومهِ وعدم الاعتداد بهم وإخلاصه في الكذب وضيق دائرة عقلهِ الذي تكتنفهُ الدعوى دفعت ذلك الرجل إلى تولي زعامة الجيش إن حسن لانتظام في جيش الحملة الإيطالية وما أبداهُ العدو من الرغبة عن القتال وثقة ذلك الرجل بنفسه وجرأته الوهمية كانت مرقاة إلى مجدهِ العسكري. وقد رافقتهُ في كل شيء صدف سعيدة على زعم البعض وكان أولياء الأمور في فرنسا ينظرون إليهِ شزراً إلاَّ أن تلك المعاملة كانت مساعدةً لهُ على نيل رغائبه إن المساعي التي بذلها لتغير الخطة التي توخي إنتاجها أحبط الواحد منها بعد الآخر , فالدولة الروسية أبت أن تدخلهُ في خدمتها والدولة العثمانية نبذت ما كان يعرضه عليها من الخدمة وفي حرب إيطاليا كان غير مرةٍ الخطر أدنى إليهِ من قاب قوسين بيد أن أحوالاً غير منتظرة كانت تخرجه من تلك الورطة الوبيلة إن الجنود الروسية التي كانت قادرة على تقويض أركان مجدهِ بجميع أنواع التدابير السياسية لم تطأ أوربا بأقدامها مدة بقائه فيها ولدن رجوعه من إيطاليا وجد الحكومة الفرنساوية في حالة من الانحلال تقضي على الأشخاص المتآلفة منهم بأن يتواروا أو يهلكوا. فكأنَّ الخروج من تلك الحالة المصحوبة بالخطر على نابليون قد عرض من غير سعيٍ ولا تمهيد وكان ذلك الأمر عبارة عن حملتهِ إلى أفريقيا وهي حملة لا محل لها من الإعراب تدلُّ على الحماقة
стр. 1182
وعادت الصدفة إلى خدمته بنوع عجيب فإن مالطة المعتبرة منيعةً جدًّا استسلمت إليهِ بغير حربٍ وإن عزائم نابليون التي تخلو من التغرير بالنفس كللها النجاح وترك أسطول العدو أي أسطول
الانكليز جيشاً برمتهِ يمرُّ في عرض البحر على أنهُ بعد قليل من الحين لم يعد يأذن لمركب وإن زورقاً أن يمرّ على متن اللجة وفي أفريقيا ساق كثيراً من الفظائع إلى قوم عزَّل على التقريب وكان الرجال الذين أتوا تلك المنكرات وخصوصاً زعيمهم يزعمون أن ما أجروهُ عظيم وجميل وأنهم يجنون من أدواحهِ ثمار المجد وأن مآثرهم الخطيرة تحكي مآثر قيصر والاسكندر المقدوني وأن تصورته الوهمية بالمجد والسؤدد التي لم يكن من شأنها فقط الأحجام عن اقتراف الجرائم بل الافتخار بها والنسبة إليها معنى يفوق الطبيعة والتي ستكون هادياً لهذا الرجل ولجميع مريديهِ وأشياعهِ أطلقت حريتها للاستعداد في أفريقيا وأفضى كل ما عالجه إلى الفوز فأن الطاعون تجاوزهُ ولم يُعتبر قتلهُ الأسرى جناية تلصق به وإن انطلاقه ُالمعجل الوهمي الخالي من السبب والدالّ على النذالة لتركهِ وراءَهُ رفاقهُ في حال الضيق عدَّهُ لهُ بعضهم فضيلةً وقد مكَّنهُ الأسطول الانكليزي مرة ثانية من النجاة فحينئذ انبهر من تلك الجرائم التي فتحت في وجهه باب السعادة
стр. 1183
وانتهى إلى باريس دون أن يكون له غاية مقررة. فالحكومة الجمهورية التي كانت منذ سنة من الزمان تقدر أن تهلكهُ كانت في حالة من الانحلال أوصلتها إلى شفير الدمار وكان حضور ذلك الرجل الذي لم يكن ينتمي لحزب من الأحزاب مدرجة لارتقائهِ إلى مكانة عالية. ولم يكن قد رسم له أدنى خطة بل كان يخاف كل شيء إلاَّ أن الأحزاب اعتقدت أن فيهِ نجاتها ولذلك التمست مساعدتهُ فهو وحده بما كان يجول في خاطره من أوهام المجد والعظمة وما كان يساورهُ من تلك الأحلام في ايطاليا وفي مصر وما كان فيهِ من الإعجاب بنفسهِ والجرأة على ارتكاب الجرائم والإخلاص في الكذب يستطيع أن يحقق تلك الحوادث الموشكة أن تتمّ وكان هو الشخص اللازم للحلول في المركز الذي كان يتوقعهُ وقد اشترك بغير إرادتهِ ومع فقدان الخطة الواجب الجري عليها ومع ما كان هو عليهِ من التردد ومع كان يأتيه من الهفوات في تدبير مكيدة يراد بها القبض على أزمة السلطة فكان الفوز موالياً لهُ فدفعوهُ إلى وسط جلسة كان الدير كتوار قد عقدها فذُعر وصمم على الهرب لتوهمهِ أنهُ قد هوى إلى وهدة العطب فأدَّعى انحراف الصحة وفاه بكلمات خالية من المعنى كادت تكون القاضية عليهِ ولكن الأشخاص الذين كانت حينئذ حكومة فرنسا مؤلفة منهم وكانوا قبل ذلك الحين كبار النفوس وأرجحي الحصاة شعروا في تلك الساعة بأن دورهم قد انقضى وكانوا أشد
اضطراباُ من نابليون نفسهِ ففاهوا
стр. 1184
بخلاف ما كان يجب عليهم التفوه به للمحافظة على السلطة وخذل المختلس إن الصدفة أو بالحري ملايين من الصدف ساقت إليهِ السلطة وأن جميع الناس قد اتفقوا على تثبيت تلك السلطة كأنهم قد تداولوا في ذلك الأمر. إن الصدفة أوجدت ضعف أخلاق أعضاء الدير كتوار الذي حملهم على الخضوع لنابليون إن الصدفة منحت بولس الأول تلك الأخلاق وجعلتهُ يعترف بسلطة نابوليون إن الصدفة كادت لهُ تلك المكيدة التي ثبتت صرح سلطتهِ بدلاً من أن تنقض دعائمها إن الصدفة أسلمته البرنس دنفين ومكنتهُ من الفتك بهِ بنوع لم يكن منتظراً وقد برهن هذا العمل أكثر من سواهُ للملإِ طرَّا أن لنابوليون الحق بإجرائهِ لأن القوة بجانبهِ إن الصدفة جعلتهُ يستنفد الميسور لتأليف حملة على انكلترا وهو مشروع يؤول إلى هلكتهِ ويتعذر وضعهُ موضع الإجراء بيد أنهُ وقع على غير انتظار على ماك والجيش النمساوي الذي استسلم من غير ما حرب ولا قتال إن الصدفة والدهاء جعلاهُ ينتصر في أوسترليتز وقد اعترفت بالصدفة جميع الأمم وأوربا بأسرها ما عدا انكلترا التي لم تشترك في الحوادث الموشكة أن تجري مع ما كانت جرائم نابوليون تثيرهُ في أفئدتها من النفور والفظاعة بسلطتهِ واللقب الذي انتحلهُ لنفسهِ وأوهام المجد والعظمة
стр. 1185
التي كان جميع الناس يجدونها جميلة ومعقولة وكانت قوات الغرب التي كان يبين أنها تتهيأ لإجراء حركة في المستقبل تعظم وتتثبت أركانها بعد أن كانت قد رمت بأنظارها غير مرة إلى الشرق في السنوات ١٨٠٥ و١٨٠٦ و١٨٠٧ و١٨٠٩ وسنة ١٨١١ اتحدت العصابة التي تألفت في فرنسا مع شعوب الوسط وأنشأت مجموعاً هائلاً وكان مع تعظم ذلك المجموع يتعاظم تبرئة ذلك المترأس عليهِ من تبعة المسئولية وكان أن ذلك الرجل في خلال السنوات الست التي جرى فيها الاستعداد للحركة العظيمة تولى العلاقات مع جميع عهال أوربا وملوكها وأمرائها. وإن الاقيال الذين فقدوا تيجانهم لم تكن أوهامهم المعقولة مما تقاوم بهِ الأوهام غير المعقولة التي ابتدعها نابوليون لنيل العظمة والمجد. وقد بادر الواحد منهم بعد الآخر ليبينوا لهُ أنهم ممن لا يُعتدُّ بهم وأرسل ملك بروسيا زوجتهُ الملكة إلى ذلك الرجل العظيم طمعاً بنيل الحظوة لديهِ واعتبر عاهل النمسا إن ذلك الرجل يوليه نعمةً كبرى باقترانهِ بابنتهِ وجعل البابا حارس القداسة في البشر الدين قاعدةً لتمثال مجد ذلك الرجل العظيم
الياس طنوس الحوّيك
стр. 1186
في رياض الشعر
لو يُفيد اللهف
لما نكبت الأستانة في العام الماضي بحريقها تألفت في مصر لجنة لجمع الإعانات للمنكوبين , وأنفذت ولي الدين بك يكن إلى حضرة السريّ الأمثل الخواجة حبيب لطف الله. فوفد بينهما معرفة من قبل. حدثنا ولي الدين قال: تلقَّائي ذلك الشيخ الجليل على الرحب والسعة وأدناني منهُ. ثم أعلمتهُ بحاجتي فانبسط لها نفسه وجاد بخمسين جنيهاً مرتاحاً إلى تلك الغاية النبيلة فأبقت هذه المقابلة أثراً طيباً في نفس الشاعر حتى إذا فجع الخواجة لطف الله بزوجتهِ في الشهر الماضي , رثاها بالأبيات الآتية وإنما يذكر الإنسان بحسناته:
بكتكِ عيونُ العلى ... وناح عليكِ الشرَفْ
لحى الله هذا الرَّدى ... فأيَّ الشموس كسفْ
أيعلم ماذا جنى ... أيعرفُ ماذا اقترفْ؟
ألا تلفتْ مهجةٌ ... حمتْ مُهجاً من تَلفْ
ألا جلَّ فيها الأسى ... ألا عمَّ فيها الأسفْ
بكى الناس جوداً مضى ... وكان يحاكي السَّرَفْ
تُكتّمهُ جُهدّها ... ويعرفهُ من عَرَفْ
بهِ كَلفتْ دهرَها ... فزادَ ونعم الكلفْ
تواضعُ في عزِّها ... وأرابُها في صَلفْ
وما حلَّ لطف الإل ... هـ ذا القلب إلاَّ لَطَفْ
فكمْ لبكيٍّ رثى ... وكم لأسيٍّ عطفْ
لقد شِرُفِتْ بالسَّلَفْ ... وقد شرُفَتْ بالخلَفْ
стр. 1187
وما ترفتْ نعمةً ... وإن نشأتْ في الرَفْ
أُفيضَ عليها الثنا ... ففاض إلى أن وكَفْ
ولو أنها كفكفتْ ... ثناء الورى ما استكفْ
تخالَفَ في غيرها ... ولكنَّ فيها ائتلفْ
فصار لها كالحلي ... وباتَ لها كالتُّحَفْ
وما الوصفُ مدحاً إذا ... جرى الصدقُ فيما وَصَفْ
أيا دُرَّة المجد قد ... رجعتِ لجوف الصدَفْ
فلهفاً لفقدك لو ... يُفيدُ عليكِ اللهفْ
ولي الدين يكن
إلى شاعر الأمير
هذه هي القصيدة التي وعدنا بنشرها وبها يقرظ شاعرها المجيد قصيدة شوقي بك التي يقول في مطلعها:
العام أقبل قم نحيِّ هلالا ... كالتج في هام الوجود جلالا
ويرى القراءَ في ختامها أن شاعر الفيحاء قد شاء مساجلة شاعر النيل فإذا رأى أميرُ الشعراء أن يفعل فمن حسن حظ الأدب وقراء الزهور:
حلًّق فكري في سماءِ الخيالْ ... وساحَ في سُوح المعاني وجالْ
وغاصَ والوجدُ له سائقٌ ... في أبحرِ الشعرِ لمجني اللآلْ
فلم يجدْ أبدعَ من دُرَّة ... قد صاغها شوقي بنعتِ الهلالْ
غارت لها الشمسُ وخافتْ بأن ... تُعلي على الأيام فضل الليالْ
يا شمس فاستجدي الهلال الضيا ... فإِنما حالُكِ للعكس حالْ
ألبسهُ أحمد في وصفهِ ... نوراً على نورٍ ففاق المثالْ
стр. 1188
لا تَنكروا من أحمدٍ مُعجزاً ... إِن قيل سحرٌ فهو سحرٌ حلالْ
سطورُ حسنٍ مشرقاتِ السنا ... كأنها بعضُ ليالي الوصالْ
وتارة تحكي عيونَ المها ... سواحرَ الدلِّ مواضي النصالْ
آياتها بيّنةٌ للنهى ... وقدرُها أرفع من أن يطالْ
هيهاتِ ما الإتيانُ من مثلها ... بسورةٍ إلاّ ورا الاحتمالْ
تظهرُ من أحرُفِها هيبةٌ ... تشخّصُ الضرغامَ وسطَ الِحال
فلو تحدَّي في البرايا بها ... داست على هام النهى بالنعالْ
هذا هو الشعرُ الذي تعتلي ... بمثل شأواهُ معالي المقالْ
في كل شطرٍ منهُ ثغرٌ غدا ... يفترُّ عن نظمِ اللآلئ الغوالْ
وكلُّ بيت حلَّه يعربٌ ... مطنَباً فوق الدراري العوالْ
فصاحةُ البدو على لفظهِ ... تسيل كالماءِ النمير الزلالْ
أما مغازيهِ فكم سلسلتْ ... بلاغةً فيها يهيمُ الخيالْ
سهلٌ على الأفهام لكنهُ ... ممتنع أن يُنتحى بالنضالْ
فيهِ مع الرَّقةِ روحٌ وما ال ... أرواح بالتقليدِ مما ينالْ
يُعجزُ من جاراه مهما ارتقى ... فضلاً كمن حاولَ نيلَ المحالْ
وجاذب الحسنِ لعمري لهُ ... معنىً يراهُ الذوقُ فوق الجمالْ
فيا أمير الشعر مهلاً فقد ... سلبتَ والله شعورَ الرجالْ
كم لك من عذراءِ فكرٍ زهتْ ... كالروض وافي الزهر ضافي الظلالْ
فتنتَ أهل الشام في حسنها ... وفخرُ وادي النيل فيها استطالْ
رقَّت فكانت كنسيم الصبا ... إذا تلوناها على الغصن مالْ
إيجازُها رحبُ المعاني على ... زهوٍ كغمز اللحظِ من ذي الدلالْ
стр. 1189
وجوهرُ الأطناب منها جلا ... عقود أجياد بها النور قالْ
إذا العقول العشر أبصرتها ... أصبحنَ من دهش بها في عقالْ
والملك الضلّيل لو رامها ... مُعارضاً لم يجنِ إلاّ الضلالْ
خفَّت على السمعِ وكم ضَّمنت ... معنىً بهِ استزرت رسوخ الجبالْ
لهُ على الألباب مع لطفهِ ... كالراح سلطانٌ عظيمُ الجلالْ
يخالهُ الطبعُ على أنسهِ ... ليثاً تبدَّي من كناسِ الغزالْ
لذا تراني مضمراً رهبةً ... ورغبتي تدفعني للسؤالْ
أودُّ أن تجريَ ما بيننا ... رسائلُ الشعر بملء السجالْ
وإن يكن ثمَّة فرقٌ فقد ... تُشبَّهُ البيض ببيض الرآلْ
وقصديَ الفخرُ فما أدَّعي ... أنيَ من فرسان هذا المجالْ
بل اجتلي نهجَ ابتداعٍ بهِ ... ملائكُ الشعر عليكم عيالْ
انير فكري باحتكاك الضيا ... ما يُظهرُ الافرندَ غيرُ الصقالْ
فإِن أجبتم فهو لطفٌ وما ... للُّطفِ عن أهليهِ قطُّ انفصالْ
وما عليكم حطةٌ إنما ... تواضعُ العالين عين الكمالْ
عبد الحميد الرافعي
رُسُل الثغور
وما شُربنا الدخان عيبٌ وإنما ... قصدنا بهِ مَعنى قفوا وتأملوا
أدرّناهُ فيما بيننا فَلعلَّنا ... إلى ثعرِ مَن نهوى بهِ نتوصلُ
نجيب زلزل
стр. 1190
رسائل غرام
بين نساء شهيرات ورجال عظام
الرسالة الثامنة
من توماس هود إلى روح مس كليمانسي
(توماس هود شاعر من أبلغ شعراء الانكليز عاش في النصف الأول من المئة التاسعة عشرة. توفيت أنه وتركته طفلاً لعناية رابّته فنشأ رقيق الإحساس شديد التأثر حتى بلغت به رقة الشعر حد الجنون. وكان يهوى فتاة جميلة تدعى مس كليمانسي عاهدها على الاقتران ولكن فرط الديون التي كان يُطالب بها ألجأته إلى الفرار من انكلترا فلم يرجع إليها إلاَّ بسبب موت حبيبته. وقد كتب إليها الرسالة الآتية على أثر موتها ونظم فيها قصيدة هي أرق ما تصوره شاعر في هذا الموضوع)
أيتها الروح الطاهرة:
لستُ أعلمُ أين أنتِ الآن , وأين مقرُّكِ من عالم الأبدية. لعلك ترفرفين بأجنحتكِ الذهبية في هذا الفضاء اللانهاية له , وتتنقلين بين كواكبه السابحة , كما تتنقلُ الفراشة في الحقول. وسواء كنتِ مستقرةً في رحبتهِ أو محلّقةً في فراغهِ , فلا شك أنك ترين عالمنا هذا أقلّ مما يرى النسرُ النملة من علوهِ الشاهق؛ وتتذكرين أيامكِ القليلة على هذه الأرض السابحة معكِ في فراغ غير مدركِ الحدود فإن كنتِ , وأنتِ خالعة ثوب الهولى , قد نسيتِ أيام كنا نجلس معاً على شاطئ تلك البحيرة الهادئة , فأنا لا أنسى تلك الأيام السعيدة ,
стр. 1191
بل أذكر كيف كنا نحبسُ شفاهنا عن النطق لتتكلم القلوب , ونحدق بأبصارنا في الأفق لنتفرّغ أكثر للتأمل في الحب. ولقد أذكرتني بكِ اليوم مفكراتي التي ولعت بتدوينها منذ حداثتي , وقد كان بودي لو بقيت ذكرى الماضي دفينةً في الفؤاد لأن في عودتها إلى البال فتحاً لجروحٍ لا تقبل الاندمال أيتها الروح الطاهرة. سلام الله عليكِ , كلما خفق جناحاكِ وخفق معهما فؤادي لذا كراكِ! سلام الله عليكِ , كلما برزت الشمس من وراء الأفق تنثر التبر من أشعتها الذهبية! إنْ كنتِ قد سلوتني , فإن بين جنبيّ قلباً لا ينبض إلا لذكراكِ , ولا يخفق إلاّ لخفوق جناحيكِ. وإن كان عالم الأرواح قد أنساكِ عالم الهيولى , فلا كانت الأبدية ولا عالمها! لأنَّ ساعةً واحدة بقربك أشهى من الخلود في فردوس لا تكوني في ذلك العالم الخالد
, كما كنتِ في هذا العالم الفاني؟
بل انعمي بالاً , ولتقرَّ عيناكِ بما أنتِ فيهِ من نعيم وهناءٍ! فحسبي سعادة أن تتمتعي بما تشتهين. وثقي أن قلبي الذي يودُّ لو ترفرفين فيهِ بجناحيكِ لهو فارغ إلا من رسمك؛ وقد دُفن الحبُّ في كل زاويةٍ من زواياه فهو مثقلٌ بيأس تنوءُ بثقلهِ راسيات الجبال
ايهِ أيتها الروح الطاهرة! ما الذي ترينه في ذلك العالم الواسع من أسرار الحياة؟ وما الذي شغلك عن ذكرى حبنا القديم , وذد كنتِ , وأنتِ على هذه الأرض , تصفينه بالخلود , وتقولين أنهُ مستمدٌّ من عالم
стр. 1192
الأرواح , إذ لا بد لهُ ولا نهاية. فإذا صدق قولهم أنَّ الأرواح تحلق في الفضاء , فلماذا لا ترفرفين حولي بجناحيكِ , وتسمعني ذلك الصوت الرخيم الذي عوّدتني سماعهُ وأنتِ بعد على هذه الأرض؟ سقياً لمواقف ذلك الغرام , أيتها الروح الطاهرة. قد كنتِ في الحياة خافقةَ الفؤاد , وأنتِ الآن خافقة الجناحين. وأما أنا , قلا أزال كما كنت ثابتاً على الولاء , مقيماً على العهود , وإن كان لي بعد أُمنية في هذه الحياة فهي أن أُمتَّع بنظرة منكِ في عالم الأبدية , وأظللكِ بجناحيَّ في فردوس البقاء كثيراً ما أقصدُ إلى مثواكِ وأتفرَّس في تلك الحفرة التي يرقد فيها هيكلك الجثماني رقدته الدائمة. فتضيق الدنيا في عينيَّ وتتمثل لي رحبة الفضاء الذي تحلّقين فيهِ أضيق من سُمّ الخياط. ولكم وقفتُ برمسكِ خاشعَ الطرف , حاسرَ الرأس , وعواطفي ثائرة في داخلي , فأرى الحياة حلماً , والعالم كله مجموعة شقاء. وأنَّي للحلم أن يستمرَّ نعيمهُ , إذا انتقلت النفسُ إلى يقظة رائعة؟
القبر!
هناك , حيث ينقطع كلُّ صوت , وتبطل كلُّ حركة؛ هناك , حيث تنحلّ الهيولى وتنتهي الحياة , هناك , حيث يضيع كلُّ عزاء , وتقلُّ كل مواساة
ما أتفه الحياة بدونكِ يا كليمانسي كل يوم منها أبديةٌ مملَّة؛ والنفسُ لا عزاءَ لها سوى الغد؛ ولكنَّ الغد غامضٌ كأسرارِ الأبدية , فإذا لاح فجره بكيتُ على أمسهِ
стр. 1193
نعم , هي أيامٌ تنقضي يا كليمانسي وما بقي منها أقلُّ مما عبر. ولا بدَّ أن يأتي ذلك الغد الذي تنطوي فيهِ آخر صفحةٍ من العمر , فيتثاءَب القبرُ وأصغي إلى حفيف أجنحتكِ , والنفس تائقةٌ إلى النجاة من أغلال المادة لتحلِّق معكِ في فراغٍ لانهاية له. فمتى يبزغ ذلك
الفجر المجيد؟ إنَّ أحلامنا لم تتحققْ في هذه الحياة , فهل تتحقق في العالم الآخر؟ أم تكون الأبدية أقسى من عالم الفناء , فيمتدُّ بنا الفراق , وينقطع كل أملٍ من اللقاء هو ذا أنا أنتظر ذلك الغد فسلام الله إلى حين اللقاء. . .
بقلم سليم عبد الأحد
توماس هود
شيء عن الفن
كتبتُ في مجلة الزهور مقالً تحت هذا العنوان , فتفضلت السيدة لبيبة هاشم بالردّ عليَّ مبديةً رأياً غير رأيي. فلم يذهلني ذلك لعلمي أن قيمة الفنون الجميلة في نظر السيدة لبيبة توازي قيمة خرافات العجائز وقصص الغول وعنقاء بنت الريم في نظر الفيلسوف الباحث , فضلاً عن أن حضرتها تسيء الظن في الجماعة الفّنيين وربما تحسبهم أعضاء عليلة في جسم المجموع الإنساني. فلذا أظنها مستحسنة في سرّها أن يمرَّ الطبيب آلته الكهربائية على جسم كل واحدٍ من أفراد هذه الزمرة الخبيثة: زمرة الموسيقيين والمصوّرين والنقاشين والشعراء , لعلهم يعودون
стр. 1194
من مسارح أحلامهم البليدة إلى عالم المحسوس!!! لكنَّ شيئاً آخر أذهلني في مقالها , وهو اتّهامي باحتقار العلوم. سامحها الله؛ نعم قد اتهمتني! لقد نسبت إليَّ أقوالاً لم أرِذ قولها , وصوَّرتني صور جميلة قبيحة (لكنها قبيحة أكثر منها جميلة) في وقت واحد , إذ جعلتني فتاة تنظر من سماء أحلامها الذهبية إلى عالم الاختراعات العصرية والاكتشافات العلمية نظرة الاحتقار والازدراء. فتاة غريبة الأطوار , كدت لا أعرف نفسي في هذه الصورة , ولكني لم ألبث أن فكّرتُ في أن الصديقة الفاضلة تقصد مداعبتي. ولعمري أني أُحبُّ مداعبة يدها اللطيفة وإن ظلمت وجارت
يتنازع السيادة في عالم الأفكار عنصران: العنصر الروحي والعنصر المادّيّ. فالمادّيون يقولون إن الغنى هو السعادة وأن أهمَّ واجبات الإنسان هو السعي وراء الثروة للتوصل إلى السعادة عن طريق التجارة. والروحيون يعتقدون أنَّ الإنسان خلق لغاية أسمى من الغنى , وأن سعادته الحقيقية لا توجد في التجارة ولا تتأتَّي من الأرباح الناتجة عنها , فيذهبون بتأملاتهم على ما وراءِ المحسوس معسعسين آثار هذه السعادة التي تذوب لإلى لقياها الأرواح , باحثين عن الجمال المطلق المقرون بالكمال المطلق , وهذا هو المحور الذي تتيهُ حولهُ الأنفس الملتهبة بنيران حبّ الجمال وحبّ الحقيقة. فهذه الفئة (وهي من أعلى طبقات البشر أدبياًّ) لا تجد حظوى
стр. 1195
في عيني صاحبة فتاة الشرق الفاضلة. وهي تقول في كل فردٍ من أفرادها أنه يظلُّ مقصراً في معارفهِ وشرائعهِ وآدابهِ وسائر نظاماتهِ (وا أسفاه عليه!!!) , وأنه يظلُّ بليداً وحيداً بأفكاره يعمل لخدمة نفسه وسرورها فينصرف إلى بهرجة الفنون الجميلة ويلجأ لنظم القوافي في ظلال البنايات الضخمة صارفاً في سبيلها الوقت والتعب جزافاً (يا للخسارة!!!)
يعلم الله أني لا أريد الدفاع عن الفنّ ومحبيه لأنه من المستحيل أن يُقنع أحد الطرفين خصمه , ولو كان محقاً , ولعلمي أن الحرّية الأدبية مزيةٌ غالية , وأنَّ لكل إنسان حريته في اعتقاداته وآرائه. لكني أودُّ أن أستفهم حضرة الكاتبة لماذا يا ترى يظلُّ محبُّ الفن مقصراً في معارفه وشرائعه وآدابه , كما تزعم حضرتها؟ ألأِنهُ لا يدرس المكانيك , وهل كل الناس يدرسون هذا الفرع من العلوم؟ إن لكل مخلوق خطة يسير فيها فهو لا يتقن من العلوم إلاّ الفرع الذي يستخدمه لقضاءِ حاجته والسير في خطته ومع ذلك فإننا نرى معارف محبي الفن تزيد على معارف غيرهم لأنهم يميلون طبعاً إلى البحث في كلّ مهمّ مفيد , وإلى استكشاف كل جديد ولماذا يظلُّ الغنيُّ مقصراً في آدابه؟ إن من أحبَّ شيئاً برهن على أن في روحه جوهراً يشابه جوهر الشيء المحبوب , ومن أحب الفنّ فقد أحب الجمال والكمال , لأن الفنّ صورتهما. ففي روح الشاعر إذاً شغفٌ بالجمال وميلٌ إلى الكمال , فهو والحالة هذه أقرب الناس إلى
следующие страницы →