Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
بل أذكر كيف كنا نحبسُ شفاهنا عن النطق لتتكلم القلوب , ونحدق بأبصارنا في الأفق لنتفرّغ أكثر للتأمل في الحب. ولقد أذكرتني بكِ اليوم مفكراتي التي ولعت بتدوينها منذ حداثتي , وقد كان بودي لو بقيت ذكرى الماضي دفينةً في الفؤاد لأن في عودتها إلى البال فتحاً لجروحٍ لا تقبل الاندمال أيتها الروح الطاهرة. سلام الله عليكِ , كلما خفق جناحاكِ وخفق معهما فؤادي لذا كراكِ! سلام الله عليكِ , كلما برزت الشمس من وراء الأفق تنثر التبر من أشعتها الذهبية! إنْ كنتِ قد سلوتني , فإن بين جنبيّ قلباً لا ينبض إلا لذكراكِ , ولا يخفق إلاّ لخفوق جناحيكِ. وإن كان عالم الأرواح قد أنساكِ عالم الهيولى , فلا كانت الأبدية ولا عالمها! لأنَّ ساعةً واحدة بقربك أشهى من الخلود في فردوس لا تكوني في ذلك العالم الخالد
, كما كنتِ في هذا العالم الفاني؟
بل انعمي بالاً , ولتقرَّ عيناكِ بما أنتِ فيهِ من نعيم وهناءٍ! فحسبي سعادة أن تتمتعي بما تشتهين. وثقي أن قلبي الذي يودُّ لو ترفرفين فيهِ بجناحيكِ لهو فارغ إلا من رسمك؛ وقد دُفن الحبُّ في كل زاويةٍ من زواياه فهو مثقلٌ بيأس تنوءُ بثقلهِ راسيات الجبال
ايهِ أيتها الروح الطاهرة! ما الذي ترينه في ذلك العالم الواسع من أسرار الحياة؟ وما الذي شغلك عن ذكرى حبنا القديم , وذد كنتِ , وأنتِ على هذه الأرض , تصفينه بالخلود , وتقولين أنهُ مستمدٌّ من عالم
стр. 1192
الأرواح , إذ لا بد لهُ ولا نهاية. فإذا صدق قولهم أنَّ الأرواح تحلق في الفضاء , فلماذا لا ترفرفين حولي بجناحيكِ , وتسمعني ذلك الصوت الرخيم الذي عوّدتني سماعهُ وأنتِ بعد على هذه الأرض؟ سقياً لمواقف ذلك الغرام , أيتها الروح الطاهرة. قد كنتِ في الحياة خافقةَ الفؤاد , وأنتِ الآن خافقة الجناحين. وأما أنا , قلا أزال كما كنت ثابتاً على الولاء , مقيماً على العهود , وإن كان لي بعد أُمنية في هذه الحياة فهي أن أُمتَّع بنظرة منكِ في عالم الأبدية , وأظللكِ بجناحيَّ في فردوس البقاء كثيراً ما أقصدُ إلى مثواكِ وأتفرَّس في تلك الحفرة التي يرقد فيها هيكلك الجثماني رقدته الدائمة. فتضيق الدنيا في عينيَّ وتتمثل لي رحبة الفضاء الذي تحلّقين فيهِ أضيق من سُمّ الخياط. ولكم وقفتُ برمسكِ خاشعَ الطرف , حاسرَ الرأس , وعواطفي ثائرة في داخلي , فأرى الحياة حلماً , والعالم كله مجموعة شقاء. وأنَّي للحلم أن يستمرَّ نعيمهُ , إذا انتقلت النفسُ إلى يقظة رائعة؟
القبر!
هناك , حيث ينقطع كلُّ صوت , وتبطل كلُّ حركة؛ هناك , حيث تنحلّ الهيولى وتنتهي الحياة , هناك , حيث يضيع كلُّ عزاء , وتقلُّ كل مواساة
ما أتفه الحياة بدونكِ يا كليمانسي كل يوم منها أبديةٌ مملَّة؛ والنفسُ لا عزاءَ لها سوى الغد؛ ولكنَّ الغد غامضٌ كأسرارِ الأبدية , فإذا لاح فجره بكيتُ على أمسهِ
стр. 1193
نعم , هي أيامٌ تنقضي يا كليمانسي وما بقي منها أقلُّ مما عبر. ولا بدَّ أن يأتي ذلك الغد الذي تنطوي فيهِ آخر صفحةٍ من العمر , فيتثاءَب القبرُ وأصغي إلى حفيف أجنحتكِ , والنفس تائقةٌ إلى النجاة من أغلال المادة لتحلِّق معكِ في فراغٍ لانهاية له. فمتى يبزغ ذلك
الفجر المجيد؟ إنَّ أحلامنا لم تتحققْ في هذه الحياة , فهل تتحقق في العالم الآخر؟ أم تكون الأبدية أقسى من عالم الفناء , فيمتدُّ بنا الفراق , وينقطع كل أملٍ من اللقاء هو ذا أنا أنتظر ذلك الغد فسلام الله إلى حين اللقاء. . .
بقلم سليم عبد الأحد
توماس هود
شيء عن الفن
كتبتُ في مجلة الزهور مقالً تحت هذا العنوان , فتفضلت السيدة لبيبة هاشم بالردّ عليَّ مبديةً رأياً غير رأيي. فلم يذهلني ذلك لعلمي أن قيمة الفنون الجميلة في نظر السيدة لبيبة توازي قيمة خرافات العجائز وقصص الغول وعنقاء بنت الريم في نظر الفيلسوف الباحث , فضلاً عن أن حضرتها تسيء الظن في الجماعة الفّنيين وربما تحسبهم أعضاء عليلة في جسم المجموع الإنساني. فلذا أظنها مستحسنة في سرّها أن يمرَّ الطبيب آلته الكهربائية على جسم كل واحدٍ من أفراد هذه الزمرة الخبيثة: زمرة الموسيقيين والمصوّرين والنقاشين والشعراء , لعلهم يعودون
стр. 1194
من مسارح أحلامهم البليدة إلى عالم المحسوس!!! لكنَّ شيئاً آخر أذهلني في مقالها , وهو اتّهامي باحتقار العلوم. سامحها الله؛ نعم قد اتهمتني! لقد نسبت إليَّ أقوالاً لم أرِذ قولها , وصوَّرتني صور جميلة قبيحة (لكنها قبيحة أكثر منها جميلة) في وقت واحد , إذ جعلتني فتاة تنظر من سماء أحلامها الذهبية إلى عالم الاختراعات العصرية والاكتشافات العلمية نظرة الاحتقار والازدراء. فتاة غريبة الأطوار , كدت لا أعرف نفسي في هذه الصورة , ولكني لم ألبث أن فكّرتُ في أن الصديقة الفاضلة تقصد مداعبتي. ولعمري أني أُحبُّ مداعبة يدها اللطيفة وإن ظلمت وجارت
يتنازع السيادة في عالم الأفكار عنصران: العنصر الروحي والعنصر المادّيّ. فالمادّيون يقولون إن الغنى هو السعادة وأن أهمَّ واجبات الإنسان هو السعي وراء الثروة للتوصل إلى السعادة عن طريق التجارة. والروحيون يعتقدون أنَّ الإنسان خلق لغاية أسمى من الغنى , وأن سعادته الحقيقية لا توجد في التجارة ولا تتأتَّي من الأرباح الناتجة عنها , فيذهبون بتأملاتهم على ما وراءِ المحسوس معسعسين آثار هذه السعادة التي تذوب لإلى لقياها الأرواح , باحثين عن الجمال المطلق المقرون بالكمال المطلق , وهذا هو المحور الذي تتيهُ حولهُ الأنفس الملتهبة بنيران حبّ الجمال وحبّ الحقيقة. فهذه الفئة (وهي من أعلى طبقات البشر أدبياًّ) لا تجد حظوى
стр. 1195
في عيني صاحبة فتاة الشرق الفاضلة. وهي تقول في كل فردٍ من أفرادها أنه يظلُّ مقصراً في معارفهِ وشرائعهِ وآدابهِ وسائر نظاماتهِ (وا أسفاه عليه!!!) , وأنه يظلُّ بليداً وحيداً بأفكاره يعمل لخدمة نفسه وسرورها فينصرف إلى بهرجة الفنون الجميلة ويلجأ لنظم القوافي في ظلال البنايات الضخمة صارفاً في سبيلها الوقت والتعب جزافاً (يا للخسارة!!!)
يعلم الله أني لا أريد الدفاع عن الفنّ ومحبيه لأنه من المستحيل أن يُقنع أحد الطرفين خصمه , ولو كان محقاً , ولعلمي أن الحرّية الأدبية مزيةٌ غالية , وأنَّ لكل إنسان حريته في اعتقاداته وآرائه. لكني أودُّ أن أستفهم حضرة الكاتبة لماذا يا ترى يظلُّ محبُّ الفن مقصراً في معارفه وشرائعه وآدابه , كما تزعم حضرتها؟ ألأِنهُ لا يدرس المكانيك , وهل كل الناس يدرسون هذا الفرع من العلوم؟ إن لكل مخلوق خطة يسير فيها فهو لا يتقن من العلوم إلاّ الفرع الذي يستخدمه لقضاءِ حاجته والسير في خطته ومع ذلك فإننا نرى معارف محبي الفن تزيد على معارف غيرهم لأنهم يميلون طبعاً إلى البحث في كلّ مهمّ مفيد , وإلى استكشاف كل جديد ولماذا يظلُّ الغنيُّ مقصراً في آدابه؟ إن من أحبَّ شيئاً برهن على أن في روحه جوهراً يشابه جوهر الشيء المحبوب , ومن أحب الفنّ فقد أحب الجمال والكمال , لأن الفنّ صورتهما. ففي روح الشاعر إذاً شغفٌ بالجمال وميلٌ إلى الكمال , فهو والحالة هذه أقرب الناس إلى
стр. 1196
ما هو حسن , والأدب أحسن حسنات الاجتماع. يقول صديقنا روسكن: إن روح الشرير لا تقدر أن تفهم الجمال والكمال , بل إن الأرواح الجميلة الطاهرة الشريفة تقدرهما حق القدر لأنها من أمثالها. وأودّ أن أضيفَ إلى هذا خلاصة ما قرّره علماء الفلسفة الاجتماعية وهو أن العلم شيءٌ والأخلاق شيٌ آخر. فإن لم تصدقني السيدة لبيبة فعليها بكُتب هربرت سبنر وكتب غيره من المفكّرين أمثاله الذين يقولون أنَّ مفعول العلم والدرس يتجسم في القوى العقلية , وقد يؤثر أحياناً في الأخلاق لكنه لا يؤثر دائماً أما قول صاحبة فتاة الشرق إن الشاعر يظلُّ بليداً , فهذه مسألة فيها نظر بل نظران وأكثر. فعليها ببدائع شوقي وبتأملات الخليل فإن هذه وتلك تظهر شيئاً من العظمة والجمال وغيرها من الصفات الباهرة التي تميز روح الشاعر. أما وحدة الفنيّ وميله إلى العزلة فإن الفيلسوف العصري ماترلنك ينبئها عني أن الأرواح الاعتيادية ل تفهم أسرار العزلة وفوائد مناجاة النفس , مع أن الانفراد أحياناً رياضة ضرورية للقلب والعقل. وإن الروح التي لا تشعر بالاحتياج إلى الانفراد هي روح فاسدة ثم يهتف هذا الفيلسوف نفسه قائلاً مع كارلايل الكاتب الانكليزي: يا محبي العزلة والصمت , أنتم ملح العالم , فإن لم تكونوا فيه , فسد! ثم فلتذكر حضرتها أنَّ حبَّ الذات هو محرّكُ أعمال كل واحدٍ من البشر , سواء كان شاعراً يقرض الشعر أو فلاّحاً يحرث الأرض , لكن هذه العاطفة الغريزية تظهر في كل
إنسان مظهراً مختلفاً متغيراً بتفاوت الأطباع
стр. 1197
والأميال والمدارك. وقصارى الكلام أني أؤكد للسيدة لبيبة أنَّ حبَّ الفن منحة الهية تخلق مع الإنسان وتنو فيه على التمادي كلما تقدم في السن؛ هي صفة جميلة غريزية لا اكتسابية كالعلوم واللغات والصنائع. هي نفخة من روح الله الأبدية السرمدية. وليس القصد من الفنون البهرجة , كما تظنُّ حضرتها , وإنما القصد منها تلطيف الشعائر , وإعلاء الفكر وتجريده عن الدنايا , ولمس الروح بيد الجمال ودفعها إلى ما هو عظيم شريف. القصد منها تهذيب الأميال وإفهام الإنسان أنَّ القوى الإلهية الراقدة في طيات نفسه تفرض عليه واجباتٍ؛ حبها شرف , والعمل بها مجدٌ. لا يضاهي. القصد منها تنوير الإفهام وتنبيه العواطف الكريمة في قلبه , كالشجاعة والمروءة والصدق والحزم والرحمة. ولئن عجبت من قول رسكن كل شعب يرتقي عنده الفنُّ وتمجيدهِ وتعظيمهِ , وإظهار الخطة التي يجب على كل فنيّ انباعها. ليس لرُسكن فلسفة , إن لم تكن فلسفة الانتقاد الفني , وأراهُ أعظم ناقدٍ فنّي في انكلترا بل أوربا بأسرها إذا وضعنا معهُ فاين الفرنساوي الكبير. وقد ظهر رُسكن في النصف الأخير من القرن التاسع عشر وتوفي منذ سنوات قليلة تقول حضرة الكاتبة أيضاً أن لا فرق عندها بين حذاءٍ حسن الصنعة وقصيدة بديعة النظم ما دام يجب لإتقان كل عمل قوة عقل. وا لوعتاه على درر الأفكار تنزَّل فتلامس الأحذية! فحضرتها والحالة هذه لا ترى فرقاً بينها وبين الخياطة التي تزين الثوب بالزركشة
стр. 1198
والدنتلا معاذ الله أن أقول أنا بهذا القول! الجسد عزيز بلا شك والاهتمام بهِ واجبٌ على كلّ عاقل؛ على أنَّ أهمية الروح تفوق أهميته بمراحل , فضلاً عن الدماغ ينفق من قواه في عمل عقلي في ساعة واحدة أكثر مما ينفق للعمل الجسدي في ساعات طويلة نعم إن العمل جميل , وهو شريف في ذاته مهما كان حقيراً في أعين الناس , غير أنَّ هذا لا ينفي أن لكل شيء درجات: يوجد الحسن والأحسن منهُ , والعظيم والأعظم منهُ , والغني والأكثر غنى , والفاضل والأفضل منهُ , وهلمَّ جرًّا
لقد انتقدت حضرة الكاتبة الفاضلة تفضيلي آثار الفن القديمة , وتساءَلت كيف أؤثرُ بناءَ الأهرام ونحت المسلات على أشعة ونتجن والتلغراف اللاسلكي في حين أن تلك الآثار تنطق بما كانت عليه الشعوب الغابرة من الذلّ واستعباد القوي للضعيف. هذا موضوع يطلب البحث لنعلم هل كان الذل أشد وطأةً في الماضي على العباد منهُ اليوم. أما أنا فلا
أرى الإنسانية قد تمتعت بالحرية التامة بل أراها قد استبدلت قيودها القديمة بقيود جديدة. على أن هذا بحث طويل يضيق عنهُ نطاق هذه العجالة. وأجيب السيدة على سؤالها , بأني لا أرى نسبة بين المقابلتين لأني لم أتناول المقابلة إلاّ من الجهة الفنية , فلا تجوز النسبة إلا بين كل سبيه ومشابه له , فإن وُجدتْ نسبة بين هياكل أثينا وبرج إيفل , فإن هذه النسبة تتلاشى عندما نقابل تلك الهياكل بالتلغراف اللاسلكي.
стр. 1199
ولو انتبهت حضرتها إلى هذه النقطة لا نصفتني في هذا المعنى. أما الاكتشافات العلمية فمن منا لا يقدرها حق قدرها؟ إن علماءَ الاكتشاف هم أبطال عصورنا الذين يجب أن تكتب أسماؤهم بدماء القلوب وأن تجثو الأفكار لدى ذكرهم المجيد. إني أعبد هؤلاء الأبطال وأميل بكليتي إلى العلوم التي تسير بالإنسانية إلى التقدم والارتقاء , ولم أعنِ في مقالتي السابقة إلا العلوم التجارية المحصنة التي يتمسك بها البشر طعماً بالأرباح الناتجة عنها. حسن أن يجتهد الإنسان في جميع الثرورة لأن أهمية الدرهم تزداد يوماً فيوماً , ولكنني لا أظنُّ أنَّ الارتقاء الصحيح قائم بالثروة وحدها , وأعتقد مع رسكن أن هناك تربية هي ارتقاء في نفسها وإن لم يكن صاحبها مثرياً هذا اعتقادي يا سيدتي. فاعذري تطوحي واصفحي عن هفوات قلمي. إن لكل امرئٍ أخلاقاً وأميالاً , فأنصح لكل واحدٍ أن يعمل بها , بعد استشارة ضميره. أقول للرياضي: اشتغل بأرقامك , وللطبيب اشف مرضاك , وللتاجر اضحك من زبائنك لئلا يضحكوا منك وللشاعر احلم أحلامك وأنشد أناشيدك فليعمل كل إنسان على اكتساب سعادته كما يفهمها هو , لا كما يفهمها الآخرون , ما دامت السعادة غاية الخلائق القصوى وكعبة آمال الكون
مي
стр. 1200
نوابغ مصر الأحياء
اقتراح الزهور على قرَّائها
قام في مصر في نهضتها الأخيرة رجال برهنوا على أن الشرقيّ إذا أعدَّتهُ التربية , وتوفر له العلم , لا يقلُّ نبوغاً عن الغربي. وإذا كانت مصر فقدت في السنوات الأخيرة عدداً من هؤلاء النوابغ لم يفسح لهم في الأجل فكان موتهم خسارة جلَّي , على حين أن الحجة إليهم وإلى أمثالهم شديدة , فإن فيها اليوم عدداً أيضاً ممن تصحُّ تسميتهم بالنوابغ إذا حُفظت النسبة بين النبوغ وبين النهضة الحاضرة التي تعدُّ طفلة بالنسبة إلى نهضة الغربيين في هذا العصر
فالزهور
تقترح على كل واحدٍ من قراَّئها أن يختار عشرة رجال في مصر يراهم أنهم أشهر النوابغ اليوم. وأن يبعث إليها بأسمائهم مجرَّدة عن الأسباب التي بني عليها اختياره إذ يكفي أن يسرد تلك الأسماء سرداً ولا يُعنت نفسه بالشروح والتعليقات وذكر المِهَن أو الفنون التي كان النبوغ فيها. وإنما تجب مراعاة أساسي هو: أن يكون العشرة المختارون من الأحياء
والزهور
تجمع هذه الأسماء ثم تنشرها في الجزء القادم وإلى جانب كل اسم منها عدد الذين أجمعوا على اعتباره نابغة. وتنشر بعدئذ صور أولئك العشرة النوابغ المختارين فاسحةً لكل نابغة منهم صفحةً من صفحاتها يكتب فيها للقراء ما يحلوله. إن عشر صفحاتٍ يكتبها عشرة نوابغ. تحتوي ولا ريب عشرات كثيرة من الدور الغالية.
стр. 1201
حادث في الصحافة
بعد ثلاث وعشرين سنة المؤيد
صدر الأمر العالي الخديوي في أوائل الشهر الماضي بإسناد منصب نقابة الأشراف ومشيخة الطرق الصوفية إلى فضيلة السيد عبد الحميد أفندي البكري , وبتولية سعادة الشيخ علي يوسف مدير سياسة جريدة المؤيد مشيخة السادة الوفائية لمصاهرتهِ بيت السادات المشهور وفي ١٦ منهُ جرى الاحتفال بالسيّدين في سراي عابدين العامرة , في قاعة الاستقبال الكبرى للتشريفات الرسمية , فجلس الجناب الخديوي وإلى يمينه فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر ففضيلة السيد عبد الحميد البكري فسعادة شيخ السادات الوفائية. وجلس على الجانبين بقية كبار العلماء من أعضاء مجلس إدارة الأزهر ومشايخ الأروقة ومشايخ المذاهب ورجال القضاء الشرعي وعقب أن استقرَّ المجلس بالجمع , قُدِّمت القهوة لحضرة المتشرفين بالحضرة السنية؛ ثم قال الجناب العالي: إنني مسرورٌ اليوم كثيراً إذ أرى هذا الاحتفال يجمع كبار العلماءِ حولي؛ وأحوال المعاهد الدينية على ما نرجو لها من انتظام السير وتمام الهدوّ والسير في طريق التقدم والارتقاء. ولذلك يسرّني أن أعرب لجميع رؤساء المعاهد الدينية عن الشكر والامتنان. ومما يزيد سروري
стр. 1202
أنني احتفل اليوم بهذين الرئيسين الدينيين اللذين عُهِدت إليهما المحافظة على مجد بيتين من أعظم بيوت المجد والشرف وقد سبق لي أن استقبلتُ عقبَ وجودي في هذا المركز حضرة السيد توفيق أفندي البكري , وأنا اليوم أستقبل حضرة السيد عبد الحميد البكري خلفاً له , وأستقبل معهُ حضرة السيد علي يوسف شيخاً للسادة الوفائية؛ وأراهما خيرَ أهل لما عهدتُ إليهما. وبمعونتكم إن شاء الله يقومان بوظيفتهما خير قيام
стр. 1203
ثم أمر سر تشريفاتي خديوي فألبسهما خلعتين سنيتين مصنوعتين من الجوخ الأخضر ومبطنتين بالفرو النفيس , وكانت عمامتا السادة البكرية والسادة الوفائية قد احضرتا في الجلسة , فأمر الجناب العالي سعادة السر تشريفاتي خديوي بإلباسهما إياهما وبعد انتهاء الحفلة الرسمية في سراي عابدين قصد فضيلة السيد عبد الحميد البكري سراي السادة البكرية في الخرنفش؛ وقصد سعادة السيد علي يوسف في جمع من رجال الطريقة الوفائية وقد لبسوا الأخضر وتعمموا بالعمائم الكبيرة زاوية الرباط في جهة الخرنفش أيضاً وهي الزاوية القديمة التي كان يتعبَّد فيها
سيدي علي وفا الأستاذ الأكبر الأشهر للطريقة الوفائية مدة حياتهِ , وكان يعيش في أواخر القرن الثامن للهجرة وهناك دخل شيخ السادات الوفائية الجديد كعادة كل شيخ يتولى مشيخة هذه الطريقة , فتوضأ وصلَّى ركعتين في القبلة. ثم قرأ جماعة الطريقة حزب السادة الوفائية وكَّروا شعارها وهي كلمة يا مولاي , يا واحد! يا مولاي , يا دائم! يا علي يا حكيم! وفي الساعة الأولى بعد الظهر عاد هذا الجمع إلى بيت السادة الوفائية في درب الجماميز؛ حيث جلس شيخ السادة برهة من الزمن على سجادة السادة الوفائية؛ وهي أقدم سجادة توجد في مصر إذ كان يصلي عليها سيدي محمد وفا الأكبر , والد سيدي علي وفا , الذي ولد في أوائل القرن الثامن للهجرة لوالده السيد علي وفا الذي ولد في أوائل القرن الثامن للهجرة لوالده السيد النجم الأنور الذي كان أستاذ سيدي ابن عطاء الله السكندري
стр. 1204
هذا ولما كان خروج السيد علي يوسف من الصحافة , بعد أن خدمها في المؤيد زهاءَ ثلاثة وعشرين عاماً , حادثاً ذا شأنٍ في عالم الأدب رأت الزهور أن تجمع لقرَّائها زبدة أقوال بعض الكتاب والصحافيين في زميلهم السابق؛ من حيث هو كاتب صحافيٌ فقط , وهذا ما تيسر لنا جمعهُ الشيخ علي يوسف سهلُ التأليف , شديد المضاء. هو في بيانهِ أقربُ إلى العامة منهُ إلى الخاصة. إذا غالبَ غالبَ بصوتهِ دون روحهِ؛ صحافيٌّ محنّك وليست الكتابة من عملهِ
كأنما يراعُهُ سوطُهُ ... يضربُ أن جدَّ ولا يكتبُ
لا تَدَعُ العجمةُ أسلوبهُ ... فليس في أسلوبهِ مُعرَبُ
ولي الدين يكن
لو كان غيرَ سياسيٍّ بطبيعتهِ , لما كان من الكتاب
أبو السامي الرافعي
أنظر إليهِ بعين الصحافي , فأراهُ عظيمَ البراعة , في تقليب اليراعة , وشديد الحصافة , في ميدان الصحافة؛ ولو وجد قلمهُ من عواطفهِ دعامة , لرفعهُ بيننا إلى مقام الزعامة؛ ولقد زاد فضلهُ أنه من الطبقة العصامية , وجهّال اللغات الأجنبية
يوسف البستاني
سيف لا يزال في غمده صدِئاً حتى يجلوَه القراع
مصطفى لطفي المنفلوطي
كان للإنشاء في مصر ديوان أنت رئيسه , والكتاب جميعاً عمَّاله
مصطفى لطفي المنفلوطي أيضاً
стр. 1205
له أسلوب جمع بين المتانة والطلاوة ولاسيما في الإيلام والهجاء , وقلم يطلوعهُ في الشيء ونقيضهِ على السواء. ولكنَّ علمهُ قليل فما هو من الكتَّاب الذين يبقى أثر مقالاتهم إلى حين
اسكندر شاهين
يكتب بقلم ذي أنبوبتين: أفرغ في هذه أرياً ودرياقاً , وأفعم هذه سُماً زعافاً وكلما دافَ من هذه على تلك وصلَ إلى أبعد غاية من قوة التأثير وسلامة التعبير. كتابتهُ صورة من دهائهِ وما سَلِمَ من عاب وإن كان من أقدر الكتاب
إبراهيم الدباغ
صاحبة مجلة الإنسانية
تربية الطفل
لباس الطفل
يغيّر على الحبل السري الذي ينفصل بين اليوم الخامس والعاشر , بإحدى القطع المربعة الأربع السالفة الذكر. تقطع القطعة المربعة من أحد الجانبين ومن منصفها إلى مركزها , ثم توضع القطعة بحيث يكون هذا الشرم إلى أعلى , والحبل السري في أسفل الشرم المذكور؛ ثم يثني الجزءُ الأيمن على الحبل السري وأخيراً الجزء الأيسر , ثم تقلب القطعة بما فيها من الحبل السري إلى أعلى. ومن اللازم أن يكون الحبل جافاًّ وأن يبقى كذلك , وذلك بذرّ قليل من المسحوق عليه. وعلينا أن نلاحظ الحبل السري لحدوث نزف منهُ أحياناً. وبعد انفصال الحبل السري يوضع على السرة قطعة من القطن , وتحفظ في مكانها باللفافة ويجب أن
стр. 1206
تكون اللفافة بحيث تكون السرة في منتصفها , وتلفّ جيداً من أسفل , ونلفّ لفاًّ بسيطاً من أعلى حتى لا يحدث أي ضغط على المعدة والرئتين. ثم توضع بعد ذلك الصدرية التي من الصوف وتربط من الإمام , ثم تثني لفافة لتكون بشكل مثلث فوق الصدرية , وتحكم على الطفل فوق الصدرية بالطريقة الآتية: توضع اللفّة التي بشكل المثلث بحيث تكون أطرافها العليا تحت إبط الطفل بقليل حتى لا تمتنع حركة الذراعين؛ ثم يدخل الطرف الأسفل من اللفة بين ساقيّ الطفل ويضمُّ الطرفان الآخران على جسمه الواحد فوق الآخر. ويلفُّ الطفلُ بعد ذلك بلفّةٍ مربعة أخرى , ويوضع على قدميه الحذاء المصنوع من الصوف , ثم يوضع الشال فوق رأسهِ ويشترط في ملابس الطفل أن تقيَهُ البرد , لأنهُ يتأثر بسرعةٍ لصغر سنّة؛ وإن تترك للطفل الحرّية التامة حتى يستطيع أن يحرّك أعضاءَهُ بكل سهولة , لأن ذلك يساعد على نمو الجسم نموًّا كاملاً؛ وإن تكون جافة نظيفة وتستبدل بغيرها متى ترطبت من البول أو البراز. وعلينا أن نلاحظ أثناء إلباسها للطفل أن تكون خالية من التجعدات لأنها تؤلمه
الاعتناء بالأذن والأنف والعيون والفم
وبعد إلباس الطفل يجب على المرضع أن تنظف الأذن والأنف والعيون بقطع من القماش مبللة بالماء الدافئ وتنشفها بقطعة من الفلانلا الجافة أو بفوطة ناعمة. ويلزم التأكد من عدم وجود إفراز في العينين ,
стр. 1207
لأنهُ إذا وجد يحسن غسلها بمحلول البوريك , ومعالجتها بأي
علاج حسب أمر الطبيب. وينظف الفم بإدخال السبابة ملفوفة عليها قطعة من القماش بعد أن تُغمس في الماء الدافئ ويحسن مسح اللثة واللسان وسقف الفم بقطع من القماش المبللة بجلسرين البورق
متى يحسن عمل حمَّام للطفل
يرى البعض تحميم الطفل مرتين في اليوم , ويقتصر البعض على حمام واحد في الصباح مع تغيير الملابس وملاحظة السرَّة وإحكام رباطها. ومن المهم عند تنظيف شعر الطفل (بالفرشة) أن يكون ذلك بلطف لوجود مساحة صغيرة في الرأس لم يلتئم فيها العظم تسمى باليافوخ ولا يتم التئام العظم إلا بعد ١٨ - ٢٤ شهراً والضغط على اليافوخ قد يحدث أعراضاً خطرة لوجود المخّ تحته مباشرة
الطفل في المهد
من المستحسن أن لا ينام الطفل مع أُمه في فراشها مطلقاً لما يحدث أحياناً من الخطر بنوم الأم عليه. وأفضل مكان لنوم الطفل هو المهد ويؤخذ الطفل من المهد آناً بعد آخر لإرضاعهِ. ويحسن إرضاعهِ على أثر إخراجه من الحمام ثم يصبح ميالاً إلى النوم فيجب أن يكون المهد مُعدًّا لاستقبالهِ وإذا كان الجوُّ بارداً يمكن تدفئة المهد بوضع زجاج مملوء بالماء الساخن. ولا يحسن هزُّ الطفل في مهدهِ خشية أن يتعود ذلك. وكل ما يحتاج إليهِ هو السكون والهواء المطلق دون وجود مجرى هوائي
الدكتور محمد عبد الحميد
стр. 1208
لمن هذا الشعر
نشرنا في الجزء الفائت أبياتاً أخفينا اسم ناظمها , تاركين لفراسة القراء أن يعرفوه؛ فوردت علينا أجوبة كثيرة من أنحاء مختلفة. فإذا بمعظم الكاتبين قد نسب تلك الأبيات إلى سعادة إسماعيل صبري باشا , وقد بلغ عدد هؤلاء ٥٣ , وعزاها بعضهم - وعددهم٢٧ - إلى خليل أفندي مطران. وزعم ١٦ أنها لسعادة شوقي بك. وتوزع بعض الأجوبة على حافظ أفندي إبراهيم وأبي السامي الرافعي وأمين بك ناصر الدين محرّر الصفا وعبد الحليم أفندي المصري. وقال مكاتب من السودان أنها للدكتور شدودي. واعتقد بديع أفندي الحوراني أنها لوالده الأستاذ إبراهيم الحوراني أما الأبيات فهي من نظم ولي الدين بك يكن وأما الذين أصابوا في نسبتها إليهِ فهم حضرة: عبد المعطي بك حسين عمدة الصوالح - والسيدة لبيبة عقيلة أيوب أفندي نقاش - وأندراوس أفندي حنا - واسكندر أفندي سعيد البستاني - والخواجات حنا ويوسف شيخاني - وعبد الله أفندي نادر - وأمين أفندي حمدي. وقد أرسلت إدارة مجلة الزهور جائزة لهم كتاب المعلوم والمجهول لوليّ الدين بك يكن وعليهِ توقيعه بخط يده هذا وإننا نقتطف من بعض الأجوبة التي وردت علينا الشذرات الآتية: كتب أبو اسحق الصّبي في مساجلة أستاذه الشريف الرضي قصيدته النونية الساكنة فأجابهُ الشريف بقصيدة أخرى من نفس البحر غير أنهُ أطلق الرويّ زاعماً أن هذا الرويّ الساكن مما ينافي العذوبة ويكدُّ اللسان ويضطرب في اسلتهِ. وهو رأي العرب الذين تظهر فطرتهم اللغوية في ألسنتهم لأنهم إنما يريدون الوجوه اللفظية التي نشأت بها اللغة حسناء رائعة ونمت بها هيفاء بارعة فما كان من ذلك في الشعراء فهو أثر وراثي يجري هذا المجرى
стр. 1209
ولما قرأتُ الأبيات التي نشرتها الزهور عجبت من أول بيت لهذا التقييد الذي أراه في الرويّ. ثم مررت في هزّها حتى أتيت عليها. فإذا صقال مطبوع , وإذا فكر دقيق وبصيرة نفاذة وفطنة شفافة. فراجعت رأيي متَّهماً ثم رجّعت النظر كرتين فصحَّ عندي أن تقييد الروي انطلاقٌ في حرية الشاعر وأنهُ من أفراد شعراء المعاني الذين ينبع الشعر في قلوبهم قبل أن يفيض على ألسنتهم ولا أعرف ذلك لأحد كما أعرفهُ للرجل الكبير الذي يكاد يكون قلباً كلّه وهو إسماعيل باشا صبري
أبو السامي الرافعي
الأبيات لولي الدين بك يكن. فإن أخطأ ظني فما ذلك إلاَّ لأن الشعر الحقيقي روح واحدة تتجلّى بمظاهر متعددة حسب ما توجيه قرائح الشعراء وكثيراً ما تتشابه هذه المظاهر فتعسر معرفة اسم الناظم مهما كان لأسلوبه في النظم من المميزات
اسكندر سعيد البستاني
هذه الأبيات تشابه في روحها الأبيات المنشورة تحت عنوان لؤلؤ الدمع في الجزء نفسه ولاسيما في قول الشاعر وقد كدت أنسى كبرتي فاد كرتها فإنهُ ينطبق على ما ورد في مطلع لؤلؤ الدمع لولي الدين بك يكن
لا تذكريني فإنَّ الذكر يرجع لي ... عادات وجدي في أياميَ الأول
حنا ويوسف شيخاني
هذه الأبيات ليست لشوقي لأنَّ شعره يعلو ويخفض كموج البحر؛ وليست لحافظ لأنهُ يعتني بالديباجة أكثر من اعتنائهِ بالمعاني؛ وليست لخليل لأنَّ ألفاظهُ أقلّ من معانيه؛ وليست لوليّ الدين لأنهُ على فصاحته يعوزه بعض الجزالة , وليست لإلياس فيّاض لانصرافه عن الشعر إلى سواه في الأيام الحاضرة. على أنهُ لو كان البارودي لا يزال حيَّا لنسبتها إليه لما فيها من رصانة القول وجزالة المعنى وحسن السبك. فهي في رأيي والحالة هذه لسعادة إسماعيل باشا صبري
يوسف الخوري كرم
стр. 1210
أرى في هذه الأبيات أفكار ومعاني إسماعيل باشا صبري , وفي أسلوبها وديباجتها لهجة وليّ الدين بك يكن
لمع لمع
هذه الأبيات هي للشاعر الذي نشرت له الزهور في مجلدها الأول شكوى المنفي صفحة ١٤٠ يا ليل الصب صفحة ٣٢٧ , ونفس مكرمة صفحة٤٢٨. وفي مجلدها الثاني ما كان صفحة١٩٠ والقلوب البائسة صفحة٩٧٤. وفي مجلدها الثالث لؤلؤ الدمع صفحة ٣١ فهي لوليّ الدين بك يكن
لبيبة نقاش
هي للشاعر الذي سٌمعت أنّاتهُ على ضفاف البسفور , ودوت صيحاتهُ في أرجاء يلديز. الشاعر الكاتب المجرّج عن كل تعصب إن دينيًّا أو جنسيًّا. هي لوليد الأستانة ومنفي سيواس ونزيل مصر اليوم صاحب المعلوم والمجهول عرفتهُ وأنا أطمع بأن أرى توقيعهُ على الجائزة فاحتفظ بخط الرجل الحرّ الذي علَّم الأحرار كيف يكون على الحرية. هي لولي الدين بك يكن؟
عبد الله نادر
قرأت كثيراً لولي الدين بك يكن وتشبعت من روحهِ فلم أشكَّ في أن الأبيات لهُ
أمين حمدي
وقد ورد علينا جواب مطوَّل من حضرة الكاتب المجيد الشيخ إبراهيم الدباغ صاحب مجلة الإنسانية فيهِ نقدٌ لهذه الأبيات وددنا أن ننشره لما فيهِ من الفائدة لولا أن منعنا ضيق المقام. على أن حضرتهُ أخطأ في نسبتها
هذا وأننا نشكر المكاتبين الأدباء الذين تفضلوا بالرد على اقتراحنا , ونُلفت نظر القراء جميعهم إلى اقتراح الزهور المنشور في هذا الجزء صفحة ٨٩ بعنوان نوابغ مصر الأحياء
стр. 1211
ثمرات المطابع
كتاب خالد - قرأت كتاب خالد من الفاتحة إلى الخاتمة. وكنت قد رأيتُ مؤلفه مرة في بيروت منذ ثلاث سنين في صيدلية صديقي الفاضل مراد أفندي بارودي. فلما قرأت في الكتاب وصف خالد نفسه أنهُ (حليق الشاربين , مسترسل شعر الرأس تمثلت أمام مخيلتي صورة المؤلف جليةً واضحة. والكتاب كغيره من نتائج الأفكار يجمع بين الحَسن وغير الحسن وذلك شأن كل مؤلَّفٍ على الإطلاق وقد أدهشني في هذا الكتاب ما يلوح للقارئ لأول وهلة من سعة اطلاع مؤلفه وتعمقهِ في معرفة اللغة الانكليزية وسهولة إنشائهِ وغزارة مادته. إلاَّ أنهُ قد تكلف استعمال الألفاظ الانكليزية النادرة فكأنهُ أراد أن يظهر مقدرته اللغوية ونبوغه في إدراك أسرار تلك اللغة الأجنبية والكتاب مقصود بهِ سرد سيرة خالد وما لقي في مسقط رأسه وفي بلاد الغربة من تقلبات الأيام فهو مكتوب للعامة وكان يستحب أن تكون ألفاظه سلسة كمعانيهِ لا أن يكون معجم كلمات غريبة. وقد حمل المؤلف في كتابهِ حملة شديدة على الجزويت والأتراك ولا يعنّ لنا هنا أن نخطّيءَ أو نصوّب عمله بالنسبة إلى هذين العنصرين ولكننا نقول إذا كان التقريع لا يجلب فائدة فما هو إلاَّ نفثة مصدور أو ثورة غيظ لا تروي غليلا ولا تشفي عليلاً. وأجدر بأرباب الأقلام أن يكونوا أوسع صدراً وأكثر حلماً فلا يدفعهم الغضب إلى شطة الأقلام أن يكونوا أوسع صدراً وأكثر حلماً فلا يدفعهم الغضب إلى شطة قلم تنكأ
стр. 1212
جرحاً قديماً لا يرجى شفاؤه ولكنها تزيده ألماً ومن أحسن ما ورد في الكتاب وصف الأماكن التي زارها المؤلف ووصف معيشة القرويين في سذاجتها الطبيعية حتى إنكَ إذا قرأتَ وصف الجبال والأودية وبزوغ الشمس ومغيبها , وظلال الصخور وأغصان الأشجار وخضرة الوادي وخرير الماء وهبوب النسيم وتغريد الأطيار وشذا الأزهار , تظن أنك انتقلتَ بالفكر إلى المكان الذي يصفهُ وكأنك تشاهده بعينك. وهي لا شك مقدرة للكاتب يحمد عليها وفي الكتاب مباحث فلسفية دقيقة تدلّ على ذكاء خارق وذهن متوقد , وسعة اطلاع , وإلمام بأكثر الفنون القديمة والعصرية , حتى لترى المعاني تسطع متقطعةً كوميض البروق فتبهر البصر بشدة لمعانها ثم تضمحلّ بسرعة فيعقبها ظلام دامس. بل هي شرر النار المتطاير من حديد محمي إلى البياض تحت مطرقة الحدَّاد. تراه ينبعث في كل مكان ثمَّ يختفي بمثل السرعة التي ظهر بها. ذلك أنهُ لا يرمي إلى غاية واحدة بل ينتشر في كل جهة ثم يندثر فلا تدري ما العلاقة التي كانت بين
مصدره ومرجعه ولا مشاحة في أن المؤلف شاعر أكثر مما هو كاتب. وقد بلغ بهِ الخيال إلى الحلم فيرى أنا المستقبل سينشئ دولة عربيةً في سوريا تجعلها بهجة الدنيا. وهو حلمٌ لذيذ نتمنى أن يصير حقيقةً ولكن بينهُ وبينها مراحل حتى الآن لا يبلغها إلاَّ الوهم. ومن المؤكد أن المؤلف قد استفاد كثيراً من الغربيين أدباً وعلماً وفلسفةً ولكن الفطرة الشرقية لم تزل شديدة فيهِ وهي التي تجعل الأمل يقوم عندنا موضع العمل. وهذا ما جعل
стр. 1213
الشرقيّ غارقاً في سبات منامهِ لاهياً وأحلامهِ هذه خلاصة ما تأثر به ذهني من مطالعة كتاب خالد بسطتهُ كما أرسلتهُ وما خشيت أن يسوء موقع بعض الحقائق التي فيهِ من ذلك الفكر المتقد وذلك العلم الجامع
نجيب
مختارات المنفلوطي - رأى السيد مصطفى لطفي المنفلوطي , صاحب النظرات حاجة طلاَّب الأدب إلى كتابٍ يجمع لهم من جيّد منظوم العرب ومنثورها , في حاضرها وماضيها , وفي كل فنّ وغرض من فنونها وأغراضها , ما يستعينون باستظهاره أو ترديد النظر فيهِ , على تهذيب بيانهم وتقويم لسانهم. . . فهزَّ دوحة الأدب العربي هزَّةً , تناثرت فيها هذه الثمرات الناضجة التي سمَّاها مختارات المنفلوطي. بين يدينا الآن الجزء الأول من هذه المختارات وهو يشتمل على بابي الفصاحة والبيان , والأدب والحكمة , مأخوذة فصولها عن مئة شاعرٍ وكاتبٍ تقريباً بين القديم وحديث؛ وستليهِ أجزاء أخرى تتضمن سائر أبواب الكتابة وقد برهن السيد المنفلوطي في انتقاءِ هذه المختارات عن دوقٍ سليم وإطلاع واسع , الأمر الذي لم نعجب له , لأن صاحب النظرات من كتَّابنا المعدودين ومن ذوي الخبرة التامة بالأدب والأدباء. وقد أحسن بوجهٍ عام في وصف كل كاتب من الكتاب الواردة أسماؤهم في كتابهِ , غير أننا كنا نودّ أن نرى زيادة تفصيل في هذهِ التراجم كأن يذكر لنا دائماً سنة ولادة المترجَم كما ذكر غالباً سنة وفاته ,
стр. 1214
أو على الأقل القرن الذي عاش فيهِ , ملحقاً ذلك بأسماء أشهر مؤلفاتهِ , لكي يطلبها من يرغب في زيادة الإطلاع , أو على الأقل ليكتفي بمعرفة أسمائها. وكان يُستحبُّ أيضاً مراعاة تاريخ الكتَّاب في إيراد كتاباتهم , فلا نقرأ شيئاً للمتنبي المتوفي سنة ٣٥٨هـ وبعهدَه أبياتاً لبشار بن برد الذي توفي قبله بنحو من مئتي سنة , ثم ننتقل دفعةً واحدة إلى أحد شعرائنا المعاصرين. فهذه
الأمور لا تخفي أهميتها في تنسيق المختارات وترتيبها , وقد راعاها الإفرنج قبلنا في مختاراتهم , فكانت نتيجتها تفوّق ناشئتهم في حفظ تاريخ آدابهم الأمر الذي يكاد يجهله حتى المتأدبون منا. على أن مختارات المنفلوطي تُعَدُّ من خير ما لدينا من هذا القبيل
الدولة والجماعة - عنوان لكتيّب يقع في ٦٥ صفحة وضعهُ بالتركية أحمد شعيب بك , ونقله إلى العربية محبُّ الدين أفندي الخطيب أحد محرري جريدة المؤيد , وصدَّره رفيق بك العظم بمقدمةٍ عن علم الجماعة في الشرق. الواضع من مشاهير الكتاب الأتراك , والمترجم من حملة القلم البارعين. أما رفيق بك فمنزلتهُ الأدبية معروفة لدى الجميع. إن كتاباً هذا شأنه لخليق بكل أديب أن يطالعهُ بإمعان ولاسيما أنهُ يحتوي بحثاً مفيداً قلّما عالجتهُ الأقلام العربية إلاَّ في العهد الأخير. فلمحبّ الدين الخطيب الثناءُ الوافر
стр. 1215
مصر وسوريا
لما نُكِبت بيروت نكبتها الأخيرة في ٢٤ فبراير - شباط , هزَّت الأريحية والمروءة دولة الأمير النبيل محمد علي باشا , شقيق الجناب العالي الخديوي , ونخبةً من سراة مهر وكرمائها , فتألفت لجنة رئيسها دولة الأمير , وقوامها أصحاب السعادة والوجاهة: محمد شواربي باشا , ومحمود رياض باشا , وعزيز عزت باشا , وإسماعيل باشا صبري , وخليل باشا مدكور , وإسماعيل باشا أباظة , وحسين باشا واصف , وعبد الرحمن باشا صبري , وخليل باشا خياط , ونجيب باشا شكور , وسليم بك أيوب ثابت , ورفيق بك العظم , وحبيب أفندي لطف الله , فاحتفلوا بإحياء ليلة خيرية في تياتر والأوّبرا الخديوية مساء الثلاثاء في ١٩مارس الماضي , لإعانة المنكوبين في تلك الحادثة الأليمة , فضمت الليلة أوجهَ وجهاءِ المصريين والسوريين يتقدمهم صاحبا الدولة الأميران محمد علي باشا , وحسين باشا كامل (عم سمو الجناب العالي) وصاحب العطوفة محمد سعيد باشا رئيس مجلس النظار وأصحاب السعادة النظار الكرام. فرأى الحاضرون في تلك الحفلة الأنيقة أحسن ما يُرى , وسمعوا خير ما يٌسمع ولما كانت الزهور منذ نشأتها إلى يومها الحاضر , عاملةً أبداً على إحكام الروابط الأدبية بين القطرين الشقيقين - مصر وسوريا - وقد طالما كتبت واستكتبت في هذا الموضوع المقالات والقصائد التي كانت صحف هذين البلدين تردّد صداها , وتعزّز مبدأها , رأت من الواجب عليها أن يكون لها يدٌ في تلك الحفلة التي أقامها أبناء أحد القطرين لإعانة أبناء القطر الآخر في بلواه. فتقدمت إلى اللجنة بلسان سعادة السري الأمثل سليم بك أيوب ثابت , فأُذن لها وحدها في نشر ما أعدّ لتلك الليلة فجمعتهُ في كرّاس خاص , صدّرتهُ برسم دولة الأمير الرئيس , وقدمت منهُ عدداُ كبيراً إلى اللجنة , ليلة الاحتفال , ليُضاف ثمنهُ إلى مبرات المتبرعين. وقد ارتأت الزهور ألاَّ تحرم قراءَها من تلك النفئات الشائقة , فأودعتها في هذا الجزء ليبقى لديهم أثراً لروح التآخي والتضامن , ذلك المبدأ الشريف الذي بسطهُ حضرة سليم بك ثابت الخطيب المشهور في ختام تلك الحفلة في خطبة بليغة ألقيت ارتجالاً فلم نتمكن من إثباتها.
стр. 1216
جريح بيروت
وهي أبيات تمثل حالة جريح من جرحى حادثة بيروت الأخير وضعها لهذه الليلة سعادة إسماعيل باشا صبري وحافظ أفندي إبراهيم الممثلون: الجريح البيروتي: جورج أفندي أبيض
ليلى زوجته: الست إبريز ستاني
العربي: فؤاد أفندي سليم
الطبيب المصري: عبد الرحمن أفندي رشدي
الجريح:
ليلاي ما أنا حيٌّ ... يُرجى ولا أنا ميتُ
لم أقضِ حق بلادي ... وها أنا قد قضيتُ
شفيتُ نفسي لو أني ... لما رُميتُ رَميتُ
بيروت لو أن خصماً ... مشى إليَّ مشيتُ
أو داس أرضكِ باغِ ... لدسته وبغيتُ
أو حلَّ فيكِ عدوٌّ ... منازلٌ ما اتقيت
لكن رماكِ جبانٌ ... لو بان لي لا شتفيتُ
ليلايَ لا تحسبيني ... على الحياة بكيتُ
ولا تظني شكاتي ... من مصرعي إن شكوتُ
ولا يخيفنكِ ذكرى ... بيروت إني سلوتُ
بيروت مهد غرامي ... فيها وفيكِ صبوتُ
جررت ذيل شبابي ... لهواً وفيها جريتُ
فيها عرفتكِ طفلاً ... ومن هواكِ انتشيتُ
стр. 1217
ومن عيون رباها ... وعذب فيكِ ارتويتُ
فيها لليلى كناسٌ ... ولي من العزّ بيتُ
فيها بني لي مجداً ... أوائلي وبنيتُ
ليلى سراج حياتي ... خبا فما فيهِ زيتُ
قد أطفأتهُ كراتٌ ... ما من لظاهنَّ فوتُ
رمى بهنَّ بغاةٌ ... أصبنني فثويتُ
ليلى:
لو تٌفتدي بحياتي ... من الردى لفديتُ
ولو وقاك وفيٌّ ... بمهجتي لوقيتُ
إن عشتَ أو متَّ أني ... كما نويتَ نويتُ
الجريح:
ليلاي عيشي وقرّي ... إذا الحمامُ دعاني
ليلايَ ساعات عمري ... معدودة بالثواني
فكفكفي من دموع ... تفري حشاشة فإن
ومهّدي ليَ قبراً ... على ذرى لبنان
ثم اكتبي فوق لوح ... لكل قاصٍ ودان
هنا الذي مات غدرا ... هنا فتى الفتيان
رمَتهُ أيدي جناةٍ ... من جيرة النيران
قرصان بحر تولوا ... من حومة الميدان
لم يخرجوا قيد شبر ... عن مسبح الحيتان
ولم يطيقوا ثباتاً ... في أوجه الفرسان
فشمَّروا لانتقام ... من غافل في أمان
وسوَّدوا وجه روما ... بالكيد للجيرانِ
стр. 1218
تبًّا لهم من بغاثٍ ... فرَّوا من العقبانِ
لو أنهم نازلونا ... في الشام يوم طعانِ
رأوا طرابلس تبدو ... لهم بكلِّ مكانِ
يا ليتني لم أُعاجَلْ ... بالموتِ قبل الأوانِ
حتى أرَى الشرق يسمو ... رغم اعتداء الزمانِ
ويستردُّ جلالاً ... لهُ ورفعة شانِ
وليعلم الغرب أنَّا ... كأمّة اليابانِ
لا نرتضي العيش يجري ... في ذلة أو هوانِ
أراهم أنزلونا ... منازل الحيوان
وأخرجونا جميعاً ... عن رتبة الإنسان
وسوف تقضي عليهم ... طبائع العمرانِ
فيصبح الشرق غرباً ... ويستوي الخافقان
لا هُمَّ جدّدْ قوانا ... لخدمة الأوطانِ
فنحن في كل صقعٍ ... نشكو بكل لسانِ
يا قوم إنجيل عيسى ... وأمة القرآنِ
لا تقتلوا الدهر حقداً ... فالملك للديَّانِ
ليلى:
إني أرى من بعيد ... جماعةً مقبلينا
لعلَّ فيهم نصيراً ... لعلَّ فيهم معينا
هوّن عليك تملسكْ
(يدخل الطبيب المصري ورجاله مع رجل عربي)
الطبيب:
= إني سمعت أنينا
أظن هذا جريحاً ... يشكو الأسى أو طعينا
بالله ماذا دهاهُ ... يا هذهِ خبّرينا
стр. 1219
ليلى:
لقد دهتهُ المنايا ... من غارة الخائنينا
صبُّوا عليهِ الرزايا ... لم يتقوا الله فينا
فخفّفوا من أذاه ... أن كنتم فاعلينا
الطبيب:
لا تيأسي - وتجلّدْ ... أراك شهماً ركينا
أبشر فإنك ناجٍ ... واصبر مع الصابرينا
(ثم يفحصه ويلتفت إلى أخوانه ويقول)
أوَّاه أني أراهُ ... للموت أمسى رهينا
جراحه بالغات ... تعيي الطبيب الفطينا
وعن قريبٍ سيقضي ... غضَّ الشباب حزينا
العربي:
أفٍّ لقوم جياعٍ ... قد أزعجوا العالمينا
قِراهمُ أينَ حلُّوا ... ضربٌ يقدُّ المتونا
عقّوا المرؤة هدّوا ... مفاخر الأولينا
عاثوا فساداً وفرّوا ... يستعجلون السفينا
وألبسوا الغرب خزياً ... في قرنهِ العشرينا
وألجموا كلَّ داعٍ ... وأحرجوا المصلحينا
فيا أوربّة مهلاً ... أين الذي تدَّعينا
ماذا تريدين منا ... والداء أمسى دفينا
أين الحضارة؟ إنّا ... بعيشنا قد رضينا
لم نؤذِ في الدهر جاراً ... ولم نخاتل خدينا
مسرّة الشام إنّا ... إخوانكم ما حيينا
ثقوا فإنا وثقنا ... بكم وجئنا قطينا
إنا نرى فيك عيسى ... يدعو إلى الخير فينا
стр. 1220
قرَّبت بين قلوب ... قد أوشكت أن تبينا
فأنت فخر النصارى ... وصاحب المسلمينا
الجريح:
رأيت يأس طبيبي ... وهمسهُ في فوآدي
لا تندبيني فإني ... أقضي وتحيا بلادي
العربي:
أستودع الله شهماً ... ندباً طويل النجادِ
أستودع الله روحاً ... كانت رجاءِ البلادِ
فيا شهيداً رمتهُ ... غدراً كرات الأعادي
نم هانئاً مطمئناً ... فلم تنم أحقادي
فسوف يرضيك ثأرٌ ... يذيب قلب الجمادِ
قصيدة شاعر الأمير
يا ربِّ أمرُك في الممالك نافذٌ ... والحكم حكمك في الدَّمِ المسفوكِ
إن شئت أهرقهُ وإن شئتَ احمِهِ ... هو لم يكن لسواك بالمملوكِ
وأحكم بعدلك إن عدلك لم يكن ... بالممترَي فيهِ ولا المشكوكِ
ألأجلِ آجالٍ دنت وتهيأت ... قدَّرتَ ضرب الشاطئِ المتروكِ
ما كان يَحميه ولا يُحمى بهِ ... فُلكانِ أنعم من بواخر كوكِ
هذي بجانبها السيرِ غريقة ... تهوي وتلك بركنها المدكوكِ
بيروت مُات الأسدُ حتف أنوفهم ... لم يشهروا سيفاً ولم يحموكِ
سبعون ليثاً أحرقوا أو أغرقوا ... يا ليتهم قُتلوا على طبروكِ
كل يصيدُ الليث وهو مقيّدٌ ... ويعزُّ صيد الضيغم المفكوكِ
يا مَضرِب الخِيم المنيفة لِلقرى ... ما أنصف العُجْم الأولى ضربوكِ
ما كنت يوماً للقنابل موضعاً ... ولو أنها من عسجدٍ مسبوكِ
стр. 1221
بيروت يا راحَ النزيل وأنسهُ ... يمضي الزمانُ عليَّ لا أسلوكِ
الحسن لفظٌ في المدائن كلّها ... ووجدته لفظاً ومعنىً فيكِ
نادمت يوماً في ظلالِك فتيةً ... وسموا الملائكَ في جلالِ ملوكِ
يُنسون (حَسَّاناً) عِصابة (جلّق) ... حتى يكادَ بجلّقٍ يفديكِ
تاللهِ ما أحدثتِ شرًّا أو أذى ... حتى تُراعى أو يُراعَ بنوكِ
أنت التي يحمي ويمنع عرضها ... سيف الشريفِ وخنجرُ الصعلوك
إن يجهلوكِ فإن أمّكِ (سوريا) ... والأبلقَ الفردَ الأشمَّ أبوكِ
والسابقينَ إلى المفاخر والعُلي ... بَلهَ المكارمَ والندَّى أهلوكِ
سالت دماءٌ فيكِ حولَ مساجدٍ ... وكسائس ومدارسٍ وبُنوكِ
كنا نؤملُ أن يُمدَّ بقاؤها ... حتى تبلَّ صدى القنا المشبوكِ
لكِ في رُبى النيل المبارك جيرةٌ ... لو يقدرون بدمعهم غسلوُكِ
يكفيكِ بُرَءا للجراح ومرهماً ... أنَّ الأمير محمداً يأسوكِ
لو يستطيع كرامُ مصرَ كرامةً ... لمحمدٍ بقلوبهم ضمدوكِ
هو في أبتناء المجد صورة جدّهِ ... أذكرتِ إبراهيم في ناديكِ؟
شوقي
خطبة سعادة الأستاذ أحمد زكي باشا
إن الله يأمر بالعدل والإحسان
يا سيدي الأمير النبيل , يا زهرة الربيع في روضة النبيل , يا حفيد محمد علي الكبير , وشريكة في اسمه الجليل وفعله الجميل! حيَّاك الله وبيَّاك! فأنت القدوةُ الصالحة للأكابر في حبّ قومك , وأنت
стр. 1222
أنت المتفاني في خدمة العرب بما يفيض من قلبك على قلمك! نراك تتطوّف الشرق في أقصاه , وتزور الغرب حتى منتهاه , ووطنك لا يزال نُصب عينيك لا تنساه. تجوب الآفاق كما تتنقَّل الشمس في البروج , وشعاعك الروحاني متصل على الدوام بهذه الربوع , بل بما بين الجنوب من القلوب. تلك آثار يراعك ونفثات صدرك , نراها متمثلة في مثاني السطور , وفي تضاعيف الطروس التي أملاها وجدانك على بنانك. فجاءت أسفار أسفارك خير آية شاهدة بأنك إذا ابتعدتَ عن مصر , فلا تزال نفسك تناجيك بمصر , ولا تزال روحك تحنّ إلى ساكني مصر. تلك عواطف سامية يمنحها الله من يشاء! ويمنعها عمن يشاء. عواطف شريفة تتجّلى بأظهر معانيها حين حلولك في روضة المقياس , بعاصمة أخيك العباس , وهل يخفي القمر عن أبصار الناس؟ فلا غرو يا مولاي أن جاءَت هذه الغرّاء غُرَّةً في جبين الليالي , فأنت بدرها الذي تسجد له الأهرام والبرابي. لأنك أحييتَ فيها آية من آي الفرقان , آية عائدة بالخير الحقيقي على المستحقين من بني الإنسان: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾
أيها السادة الكرام!
شكر الله صنيعكم , ووفّقكم لخير أمنكم! فبمثلكم ترفع مصر رأسها بين الأمم , وفي اجتماعكم هذا معنى شريفٌ لمن ينشدُ الوطنية الصادقة , ولمن يريد أن يتعرّف ما هو التضامن الإنساني على وجهه الصحيح. هذه مصر , وهذه الشام! صنوان , بل توأمان متلازمان , جمعتهما أواصر السُّلالة والقرابة والجِوار , ومزجت بينهما لُحمة اللغة والأدب , وربطتها ببعضهما الآمال والآلام. ارجعوا إلى التاريخ , في القديم وفي الحديث , ولا يُنبّئكم مثل خبير. فطالما
стр. 1223
كان القطران تحت صولجان واحد , وطالما كانت الأمتان كجسم علا رأسه في العلا إلى السماء , ووضع إحدى قدميه على قارَّة أفريقية , وأقرّ الأخرى على قارة آسية! تعاونت الشقيقتان , في الشدة والرخاء , ورفعتا معاً منار العرفان ,
فاستضاءت بهِ جميع الأرجاء. نعم إن كرسيّ الملك كان في أغلب الأحيان في طيبة ومنف على عهد الفراعنة في الجاهلية الأولى , ولكنهُ كان أيضاً في دمشق الفيحاء حينما بدا فجر الإسلام , ثم انتقل إلى فسطاط ابن العاص فقطائع ابن طولون فقاهرة المعز لدين الله فهل من عجيب أن يلتحم القطران ببعضهما التحاماً تاماً في الحسّ والمعنى؟ هكذا بقيت الحال في أيام الفتح العثماني الذي شمل الأختين معاً إلى اليوم وإلى الأبد الآباد , حتى ظهر أبو الرجال , وسيد الأقيال , وأمير الأبطال , أعني بهِ محمد علي الكبير والجد الأعلى لمولانا العباس وهنا أقف موقف الإجلال والإكرام , وأنحني باحترام أمام ذكرى ذلك الهمام المقدام , وأستمطر شآبيب الرحمة والرضوان , على ضريح ذلك الذي استنقذ مصر من مخالب الفوضى وعوامل الخراب , ثم أحياها ووضع لها قواعد العمران. وسعى حتى جمع بين الشقيقتين تحت الراية العثمانية مستعيناً بإبراهيم نجله الكبير , ذلك البطل المغوار , المستوي فوق صهوة الجواد , أمام رّدّهة هذه الدار. وهاهو لا يزال بإصبعه على الدوام. . . . إلى نحو الشام! دلالةَ على تمام الارتباط والاتحاد في ظلال الهلال. جاءت قناة السويس على عهد سعيد وتلاقى فيها البحران , في يوم ولا كمثله يومٌ من أيام إسماعيل. فكان اتصال الأحمر بالأبيض انفصالاً بين بَرَدَى وبين النيل , وانفصمت تلك العروة الصغرى , فيما بين الغوطة والدلتا. غير أن ذلك التفريق كان التحقيق أكبر عامل في جمع القلوب وفي ازدياد الحنين. فمصر لا تزال ترمق الشام بعيون وامقة , وقلوب خافقة؛ وأبناءُ الشام ينظرون
стр. 1224
إلى مصر. . . وكأنها لهم أرض الميعاد. فهم إليها يحُجُّون وبها يعتمرون , وفيها يعمّرون ويعمرُون. وها هي جاليتُهم قد استوطنت وادي النيل , لما تلقاه من الحفاوة التي امتاز بها المصري الكريم , منذ الزمان القديم. وكيف لا نقابلهم بهذا الارتياح , وقد جمعتنا بهم تلك العلائق , ونحن مجبولون على إكرام كل وافد من الخلائق , ولو كان بعيد الديار , وربما كان ممن يٌنكر المعروف ويغمط الفضل ويقابل الإحسان بالكفران؟ لا جَرَمَ أن في فيضان القلوب , وفي فيضان الجيوب. لذلك اشتهر بنو مصر الخصيبة بالإسراع في مدّ يد المعونة إلى كل منكوب , ولو كان ممن لا رابطة له بهم. فإنهم مشغوفون بالإحسان - لمجرد الإحسان - إلى الإنسان , مهما كان. فهذا لسان الحال لا ينطق عن الهوى , وهو شاهدُ عدلٍ على أن مصر تتألّم لكلّ من يصيبه الأذى أو يحلُّ به الردى. فإذا ما فوجئَ
الإنسان - كائناً ما كان - بقارعة من قوارع الدهر , سارع أهل مصر إلى بذل المعونة بقلوب رحيبة رحيمة , وأيْدٍ مبسوطة كريمة. وكلما دعا الداعي لعملٍ من أعمال البِرّ , كان لصوته في هذا الوادي أقوى صدى , وتسابقت عشائرنا لتلبية النداء بالندَى ولا أذهبُ بكم بعيداً في إثبات هذه القضية البديهية. غير أنني لا أجد مندوحةً عن ذكر مثالين , قريبٌ عهدها , وقد جئنا في هذه الليلة لنعزّزهما بثالث , ومعاذ الله أن يكون هو الأخير! أن أعتقد اعتقاداً جازماً أن الكثيرين من السادة السامعين وأكثر منهم ممن ليسوا في زمرة الحاضرين , قد تسابقوا منذ عامين لإغاثة المنكوبين في باريس , عندما طغَى نهر السَّيْن فجعل ذلك الفردوس الأرضي كبحيرة تتلاطم فيها الأمواج. وما ذلك إلاَّ لأن المصريين قد علَّمهم طغيان النيل في بعض الأحايين بما يتبعهُ من الكوارث والنكبات.
стр. 1225
كذلك هم أعرف الناس بغوائل النارِ. ولذا تنافسوا في تلبية الداعي الذي دعاهم لنجدة المنكوبين من أهل صقلية وقَلَوْرِية (كلابريا) من أعمال إيطاليا , وذلك على إثر ما دهاهم من نوازل وثوران البركان , منذ ثلاثة أعوام من الزمان. وقد بلغت قيمة ما جاد بهِ الخيّرون من أهل مصر عشراتٍ من ألوف الجنيهات , كان لها الأثر الطيّب في تخفيف المصائب عن بني الإنسان في تلكم الديار. ولقد اعترفت حكومة إيطاليا بهذه الأريحية , فشكرت مصر وأهدتها نَوْطاً من الذهب , هو الآن محفوظ بدار الكتب الخديوية. هذان مثالان بأن أهل مصر هم ممن يُدرك معنى التضامن الإنساني , وإن كان بعض الذين لا خَلاق لهم يُنكرون عليهم هذه الخليقة الكريمة. لا يفقَهُ المصريون معنى التضامن الإنساني , وهو متأصل في أخلاقهم منذ ثلاثة عشر قرناً؟ نعم , فهذه النظرية الجليلة يظنها قصار النظر من آيات العصر الحاضر , ومن بدائع الحضارة الغربية. وليت شعري! ماذا يقول المفتون بأوْرُوبَّة وتعاليمها إذا ما هداه الله إلى ما بين وتحت عينيهِ من آداب الإسلام ومبادئه في العمران؟ لا جَرَمَ أنهُ يرى في نظامهِ الاجتماعيّ البديع كثيراً من الحكم الباهرة ومن قواعد الأخلاق الجميلة. ولكنهُ قد حيل بينهُ وبين مآثر الأسلاف بحجابٍ , يا له من حجاب! ففي هذه الليلة الباهية , يجدر بأبناء العرب الكرام , أنْ يتدبّروا قول النبي ﵊ , في الحثّ على بثّ التضامن بين المؤمنين بوجه عام. ودونكم أيها السادة نصّ حديثه المشهور: (مَثَلُ المؤمنين في توّادهم وتراحُمهم كمثَلِ الجسد , إذ اشتكى عُضو منهُ تداعى له سائره بالحمى والسهر)
أو كما قال: (هذا هو التضامن!) وقد عرفه الشرقيون منذ أجيال طوال.
стр. 1226
هذا هو التضامن الذي جرينا عليهِ مهتدين بسنَّة السلف الصالح! هذا هو التضامن الذي جمعنا من كل فج عميق , في هذا الاحتفال الجميل البهيج!!
أيها السادة الكرام
يحلو لي ولكم في هذا الحفل المقام ترديد قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الذين يُنفقون أموالهم في سبيل الله كَمَثَل حَبَّة أنبتتْ سبعَ سنابِلَ في كلّ سُنبلةٍ مائة حبة. والله يضاعف لمن يشاء. والله واسعٌ عليم﴾ لهذه الحكمة البالغة قد تواصَيْنا بالحقّ وتواصَيْنا بالصبر , وعقدْنا الخناصر لمساعدة المنكوبين من إخواننا في الشام. ولسنا في حاجةٍ لتزكية عملنا وتبري سعينا بالأسباب التي قد يتشبَّثُ بها الإنسان في إغاثة الإنسان. وذلك لأنَّ اتحادنا مع المنكوبين في الأصلِ والسُلالة وارتباطنا وإياهم بتلك العلائق الكثيرة الثمينة , يجعلان من أقدس واجباتنا أن نبدأ بالإِسعاف لفروع دَوْحتنا وأفراد أُسرَتنا. والأقربون أولى بالمعروف نعم , فقد تعوّدنا من دهرنا على الإحسان بوجه الإطلاق , وإن كانتْ مَناحينا قد اختلفت فيهِ على ضروبٍ شتى. فمنا من يجنحُ إليه في المعاملات , وفريقٌ يستهدف إليه في المجلات , وآخرون يبتغون وجه الله. ولكلّ وِجهْةٌ هو مولّيها! فكيف لا نتسابق إلى سبيل الخير , عندما يكون أخونا في حاجة ماسّة إلى نفخة من نفخات البرّ؟ ليس المنكوب في بيروت بغريب عنا , فإنَّ الدَّمَ الذي يجري في عروقه هو الذي نستمدّ نحن منه الحياة. وكلانا من طينة واحدة , ومن مشرب واحد , وأجسامنا تنتعش بروح واحدة! هذا إلى ما أوصانا الله تعالى به من الإحسان إلى ذي القرُبى والجار الجُنُب والصاحب بالجَنْب وتلك الصفات الثلاثة قد توفّرت كلها في أبناءِ الشام , بالنسبة إلى إخوانهم المصريين فلا عَجَب إذا كنا نشاطرهم الأتراح , كما نحن نشاركهم في الأفراح. سُنةٌ قضى
стр. 1227
بها التضامن الإنساني , بل هي فريضة أوجبتها قوانين الاجتماع ونواميس العمران. والجار أولى بالشفعة , والأخ أحقُّ بالشفعة! أئذا كنا نشترك من صميم الفؤاد في تخفيف الكوارث التي حلّت بالأقوام البعيدين , في الأقطار النائية , أفيكون من شيِمَنِا أن لا نبالي بما ألمَّ بإخواننا في الشام , أولئك الذين كانوا آمنين مطمئنين , في مدينة هادئة ساكنة , وكانت قرائن الأحوال جميعها تدلّ على أنهُ ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾؟ لغيرنا أن يحدّث نفسه بالرحمة في السرّ والنجوى. وأما نحن فقد
صفحت قلوبنا بالتألم والشكوى. فلا مندوحة لنا عن المجاهرة بما تكنُّهُ جوانحنا لإخواننا من حسن الانعطاف , الذي يميله التضامن عل كل من أوتيَ مثقال ذرّةٍ من الإنصاف. فإن القلوب إذا تواثبت في الصدور , بعثت النفوس إلى الجود بالموجود , وحركت الأيدي إلى إخراج المكنوز في الجيوب والبيوت , لتخفيف المصاب الذي دَهِمَ المساكين من أهل بيروت. ﴿إن الله يحب العدل والإحسان﴾
سادتي!
لعلي أكون لسانكم الناطق , وترجمانكم الصادق , إذا قلت إنكم تتحدّثون الآن بشكر الأمير الجليل الذي دفعتهُ عواطفه البارّة بالإنسانية لجعل هذه الليلة الشريفة تحت رعايته العالية. أفليس هو الذي أوجد لجمعنا المحتشد الآن فرصةً جميلة للإعراب عنا في نفوسنا من معاني المرؤة العربية , ومن العطف على قوم هم لدينا من أعزّ الناس؟
فشكراً لك يا أخا العباس:
مولاي!
إن الذين تبارَوْا في إجابة دعوتك , واجتمعوا في هذه الساعة حول طلعتك , يتقدمون إلى ساحتك , وقلوبهم على أكفّهم , وأيديهم في الجيوب , ليبرهنوا على
стр. 1228
عظيم إخلاصهم وجليل احترامهم لشخصك المحبوب. ولا تسلْ عما سيكون في بيوت بيروت؟ هنالك آياتُ الحمد والمدح يرتّلها المغاثون في الغداة والآصال , تعرّج بها طائفةٌ من الملائكة المقرّبين , وترفعها إلى أعلى علّيّين , فيتقبلَّها ذو الجلال والإكرام , الذي وفقك لأعمال الخير وير الأعمال , بتصدُّرك في هذا الاحتفال. احتفالٌ فيه ﴿لِلذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولَدَارُ الآخرة خيرٌ ولَنِعْمَ دار المتقين﴾. ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً﴾. ﴿إن الله مع الذين اتقَوْا والذين محسنون﴾
أحمد زكي
تحية الشام لمصر
إلى مصرٍ أزفُّ عن الشامِ ... تحيات لكرام إلى الكرامِ
تحيات يفضّ الحمد منها ... فمَ النسمات عن عبق الخزامِ
نُدبت لها وجرَّ أني اعتدادي ... بأقدار الدعاة على القيامِ
إذا ما كان معروف وشكر ... مبادلة التصافي والوئامِ
فحباً أيها الوطنان إني ... وسيط العقد في هذا النظامِ
وسيط العقد. . . لا عن زهو نفس ... أقلّ الرأي يُلزمني مقامي
ولكن عن ولاءِ بي أكيدٍ ... وعن رعيٍ وثيق للذمام
أعرني ثغرَ بيروت ابتساماً ... أصغ فرض الجميل من ابتسام
ويا بحراً هناك أعرْ ثنائي ... نفيس الدرّ ينظم في الكلام
ويا غابات لبنان المفدّى ... من الدوح المجدّد والقُدام
أراكِ على الكنانة عاطفات ... وقد ذكرت أميلكِ من غرام؟
أمدّيني بأرواحٍ زواكٍ ... لأقرئها الزكيّ من السلام
стр. 1229
بلادي لا يزال هواكِ مني ... كما كان الهوى قبل الفطام
أقبّل منك حيث رمى الأعادي ... رغاماً طاهراً دون الرغام
وأفدي كل جلمود فتيتٍ ... وهي بقنابل القوم اللثام
فكيف الشبلُ مختبطاً صريعاً ... على الغبراء مهشوم العظام
وكيف الطفل لم يُقتل لذنب ... وذات الخدر لم تُهتك لذام
لعمر المنصفين أبعد هذا ... يلام المستشيط على الملام
لحى الله المطامع حيث حلّت ... فتلك أشد آفات السلام
تشوب الماء وهو أغرُّ صافٍ ... وتمشي في المشارب بالسقام
أيُقتل آمن ويقال رفّهْ ... عليك فما حِمامك بالحمام
ستسعد بالذي يشقيك حالاً ... وتنعم بعد خسف بالحمام
فأما أن تعيش وأنت حرٌّ ... فذاك من التغالي في المرام
وأما أن تساهم في المعالي ... فطائشة بمرماك المرامي
مضى عهد يجار الجار فيه ... ويؤخذ للحلال من الحرام
وهذا العهد ميدان التباري ... بلا حدّ إلى كسب الحطام
مباح ما تشاء فخذه إمّا ... بحق الرأي أو حقّ الحسام
ولا تكرثْك نوحات الثكالى ... ولا شكوى ضميرك في الظلام
أساتذةَ المطامع ما ذكرتم ... هو الناموس يقدم وهو نام
فلا يضعفْ ضعيفٌ ... لناب الليث يصلح في الطعام
فهمنا مأخذ الجاني علينا ... وأعذار السواسية العظام
وأن بديل عصر كان فيه ... عجاف القوم ملكاً للضخام
زمان ساد شعب فيه شعباً ... وأنزله بمنزلة السوام
стр. 1230
فقوم من ملوك كيف كانت ... مراتبهم وقوم من طغام
وبين العنصرين خلافُ نوع ... على كون الجميع من الأنام
أقول وقد أفاق الشرق ذعراً ... من الحال الشبيهة بالمنام
على صخب الرواعد في حماه ... ورقص الموت بين طليً وهام
أقول بصوتهِ لحماة دارٍ ... رماها من بغاةِ الغربِ رام
أباةَ الضيم من عرب وتركٍ ... نسورَ الشم آسادَ الموامي
قرومَ العصرِ فرساناً ورجْلاً ... نجومَ الكرِّ من خلف اللثام
بنا مرضُ النعيم فنسّمونا ... وغَى يشفي من الصفوِ العُقام
بنا بردُ المكوث فأدفئونا ... بحمّى الوثبِ حيث الخطب حام
لقد جئتم ببرهانٍ عظيم ... على أنّا نعودُ إلى التمام
وأنا إن جهلنا أو غلطنا ... أنفنا أن نعاتب باحتكام
وأنا حيث فاتحنا كذوبٌ ... بميعاد فطنّا للختام
فإن زينت لنا الأقوال عفنا ... تعاطيَها كما كرة المدام
على هذا الرجاء ونحنُ فيهِ ... نسير موفّقين إلى الأمام
مثولي رافعاً إجلالَ قومي ... إلى عباس الملك الهمام
إلى ملك التضامن والتآخي ... عميد الشرقِ من بعد الإمام
وجهري جُهد ما تسعُ المعاني ... بمدح شققهِ السمِ المقام
متمّ إمارة الأصلِ المعلّي ... بفضلٍ باذخٍ كالأصلِ سام
وأدعو أن يُعزَّ اللهُ مصراً ... ويوليَها السعودَ على الدوام
خليل مطران
следующие страницы →