Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
هذا هو التضامن الذي جرينا عليهِ مهتدين بسنَّة السلف الصالح! هذا هو التضامن الذي جمعنا من كل فج عميق , في هذا الاحتفال الجميل البهيج!!
أيها السادة الكرام
يحلو لي ولكم في هذا الحفل المقام ترديد قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الذين يُنفقون أموالهم في سبيل الله كَمَثَل حَبَّة أنبتتْ سبعَ سنابِلَ في كلّ سُنبلةٍ مائة حبة. والله يضاعف لمن يشاء. والله واسعٌ عليم﴾ لهذه الحكمة البالغة قد تواصَيْنا بالحقّ وتواصَيْنا بالصبر , وعقدْنا الخناصر لمساعدة المنكوبين من إخواننا في الشام. ولسنا في حاجةٍ لتزكية عملنا وتبري سعينا بالأسباب التي قد يتشبَّثُ بها الإنسان في إغاثة الإنسان. وذلك لأنَّ اتحادنا مع المنكوبين في الأصلِ والسُلالة وارتباطنا وإياهم بتلك العلائق الكثيرة الثمينة , يجعلان من أقدس واجباتنا أن نبدأ بالإِسعاف لفروع دَوْحتنا وأفراد أُسرَتنا. والأقربون أولى بالمعروف نعم , فقد تعوّدنا من دهرنا على الإحسان بوجه الإطلاق , وإن كانتْ مَناحينا قد اختلفت فيهِ على ضروبٍ شتى. فمنا من يجنحُ إليه في المعاملات , وفريقٌ يستهدف إليه في المجلات , وآخرون يبتغون وجه الله. ولكلّ وِجهْةٌ هو مولّيها! فكيف لا نتسابق إلى سبيل الخير , عندما يكون أخونا في حاجة ماسّة إلى نفخة من نفخات البرّ؟ ليس المنكوب في بيروت بغريب عنا , فإنَّ الدَّمَ الذي يجري في عروقه هو الذي نستمدّ نحن منه الحياة. وكلانا من طينة واحدة , ومن مشرب واحد , وأجسامنا تنتعش بروح واحدة! هذا إلى ما أوصانا الله تعالى به من الإحسان إلى ذي القرُبى والجار الجُنُب والصاحب بالجَنْب وتلك الصفات الثلاثة قد توفّرت كلها في أبناءِ الشام , بالنسبة إلى إخوانهم المصريين فلا عَجَب إذا كنا نشاطرهم الأتراح , كما نحن نشاركهم في الأفراح. سُنةٌ قضى
стр. 1227
بها التضامن الإنساني , بل هي فريضة أوجبتها قوانين الاجتماع ونواميس العمران. والجار أولى بالشفعة , والأخ أحقُّ بالشفعة! أئذا كنا نشترك من صميم الفؤاد في تخفيف الكوارث التي حلّت بالأقوام البعيدين , في الأقطار النائية , أفيكون من شيِمَنِا أن لا نبالي بما ألمَّ بإخواننا في الشام , أولئك الذين كانوا آمنين مطمئنين , في مدينة هادئة ساكنة , وكانت قرائن الأحوال جميعها تدلّ على أنهُ ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾؟ لغيرنا أن يحدّث نفسه بالرحمة في السرّ والنجوى. وأما نحن فقد
صفحت قلوبنا بالتألم والشكوى. فلا مندوحة لنا عن المجاهرة بما تكنُّهُ جوانحنا لإخواننا من حسن الانعطاف , الذي يميله التضامن عل كل من أوتيَ مثقال ذرّةٍ من الإنصاف. فإن القلوب إذا تواثبت في الصدور , بعثت النفوس إلى الجود بالموجود , وحركت الأيدي إلى إخراج المكنوز في الجيوب والبيوت , لتخفيف المصاب الذي دَهِمَ المساكين من أهل بيروت. ﴿إن الله يحب العدل والإحسان﴾
سادتي!
لعلي أكون لسانكم الناطق , وترجمانكم الصادق , إذا قلت إنكم تتحدّثون الآن بشكر الأمير الجليل الذي دفعتهُ عواطفه البارّة بالإنسانية لجعل هذه الليلة الشريفة تحت رعايته العالية. أفليس هو الذي أوجد لجمعنا المحتشد الآن فرصةً جميلة للإعراب عنا في نفوسنا من معاني المرؤة العربية , ومن العطف على قوم هم لدينا من أعزّ الناس؟
فشكراً لك يا أخا العباس:
مولاي!
إن الذين تبارَوْا في إجابة دعوتك , واجتمعوا في هذه الساعة حول طلعتك , يتقدمون إلى ساحتك , وقلوبهم على أكفّهم , وأيديهم في الجيوب , ليبرهنوا على
стр. 1228
عظيم إخلاصهم وجليل احترامهم لشخصك المحبوب. ولا تسلْ عما سيكون في بيوت بيروت؟ هنالك آياتُ الحمد والمدح يرتّلها المغاثون في الغداة والآصال , تعرّج بها طائفةٌ من الملائكة المقرّبين , وترفعها إلى أعلى علّيّين , فيتقبلَّها ذو الجلال والإكرام , الذي وفقك لأعمال الخير وير الأعمال , بتصدُّرك في هذا الاحتفال. احتفالٌ فيه ﴿لِلذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولَدَارُ الآخرة خيرٌ ولَنِعْمَ دار المتقين﴾. ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً﴾. ﴿إن الله مع الذين اتقَوْا والذين محسنون﴾
أحمد زكي
تحية الشام لمصر
إلى مصرٍ أزفُّ عن الشامِ ... تحيات لكرام إلى الكرامِ
تحيات يفضّ الحمد منها ... فمَ النسمات عن عبق الخزامِ
نُدبت لها وجرَّ أني اعتدادي ... بأقدار الدعاة على القيامِ
إذا ما كان معروف وشكر ... مبادلة التصافي والوئامِ
فحباً أيها الوطنان إني ... وسيط العقد في هذا النظامِ
وسيط العقد. . . لا عن زهو نفس ... أقلّ الرأي يُلزمني مقامي
ولكن عن ولاءِ بي أكيدٍ ... وعن رعيٍ وثيق للذمام
أعرني ثغرَ بيروت ابتساماً ... أصغ فرض الجميل من ابتسام
ويا بحراً هناك أعرْ ثنائي ... نفيس الدرّ ينظم في الكلام
ويا غابات لبنان المفدّى ... من الدوح المجدّد والقُدام
أراكِ على الكنانة عاطفات ... وقد ذكرت أميلكِ من غرام؟
أمدّيني بأرواحٍ زواكٍ ... لأقرئها الزكيّ من السلام
стр. 1229
بلادي لا يزال هواكِ مني ... كما كان الهوى قبل الفطام
أقبّل منك حيث رمى الأعادي ... رغاماً طاهراً دون الرغام
وأفدي كل جلمود فتيتٍ ... وهي بقنابل القوم اللثام
فكيف الشبلُ مختبطاً صريعاً ... على الغبراء مهشوم العظام
وكيف الطفل لم يُقتل لذنب ... وذات الخدر لم تُهتك لذام
لعمر المنصفين أبعد هذا ... يلام المستشيط على الملام
لحى الله المطامع حيث حلّت ... فتلك أشد آفات السلام
تشوب الماء وهو أغرُّ صافٍ ... وتمشي في المشارب بالسقام
أيُقتل آمن ويقال رفّهْ ... عليك فما حِمامك بالحمام
ستسعد بالذي يشقيك حالاً ... وتنعم بعد خسف بالحمام
فأما أن تعيش وأنت حرٌّ ... فذاك من التغالي في المرام
وأما أن تساهم في المعالي ... فطائشة بمرماك المرامي
مضى عهد يجار الجار فيه ... ويؤخذ للحلال من الحرام
وهذا العهد ميدان التباري ... بلا حدّ إلى كسب الحطام
مباح ما تشاء فخذه إمّا ... بحق الرأي أو حقّ الحسام
ولا تكرثْك نوحات الثكالى ... ولا شكوى ضميرك في الظلام
أساتذةَ المطامع ما ذكرتم ... هو الناموس يقدم وهو نام
فلا يضعفْ ضعيفٌ ... لناب الليث يصلح في الطعام
فهمنا مأخذ الجاني علينا ... وأعذار السواسية العظام
وأن بديل عصر كان فيه ... عجاف القوم ملكاً للضخام
زمان ساد شعب فيه شعباً ... وأنزله بمنزلة السوام
стр. 1230
فقوم من ملوك كيف كانت ... مراتبهم وقوم من طغام
وبين العنصرين خلافُ نوع ... على كون الجميع من الأنام
أقول وقد أفاق الشرق ذعراً ... من الحال الشبيهة بالمنام
على صخب الرواعد في حماه ... ورقص الموت بين طليً وهام
أقول بصوتهِ لحماة دارٍ ... رماها من بغاةِ الغربِ رام
أباةَ الضيم من عرب وتركٍ ... نسورَ الشم آسادَ الموامي
قرومَ العصرِ فرساناً ورجْلاً ... نجومَ الكرِّ من خلف اللثام
بنا مرضُ النعيم فنسّمونا ... وغَى يشفي من الصفوِ العُقام
بنا بردُ المكوث فأدفئونا ... بحمّى الوثبِ حيث الخطب حام
لقد جئتم ببرهانٍ عظيم ... على أنّا نعودُ إلى التمام
وأنا إن جهلنا أو غلطنا ... أنفنا أن نعاتب باحتكام
وأنا حيث فاتحنا كذوبٌ ... بميعاد فطنّا للختام
فإن زينت لنا الأقوال عفنا ... تعاطيَها كما كرة المدام
على هذا الرجاء ونحنُ فيهِ ... نسير موفّقين إلى الأمام
مثولي رافعاً إجلالَ قومي ... إلى عباس الملك الهمام
إلى ملك التضامن والتآخي ... عميد الشرقِ من بعد الإمام
وجهري جُهد ما تسعُ المعاني ... بمدح شققهِ السمِ المقام
متمّ إمارة الأصلِ المعلّي ... بفضلٍ باذخٍ كالأصلِ سام
وأدعو أن يُعزَّ اللهُ مصراً ... ويوليَها السعودَ على الدوام
خليل مطران
стр. 1231
العدد ٢٤ - بتاريخ: ١ - ٥ - ١٩١٢
كسوف الشمس
كسفت الشمس في السابع عشر من الشهر الفائت حوالي الساعة الثانية وربع بعد الظهر , فرأينا أن نذكر للقرَاء شيئاً عن هذا الحادث الطبيعي: يعرف كلُّ من له إلمام بالنظام الفلكي أن القمر يدورُ حولَ الأرض , وهو والأرض يدوران حول الشمس. وعليهِ فلا بدَّ من أن يكون القمر تارةً بين الشمس والأرض , فلا نرى منهُ إلاَّ القسم المظلم إذ أن القسم المنير يكون محاذياً للشمس , وهذا هو المحاق؛ وتارةً تكون الأرض بينهُ وبين الشمس فيمكننا أن نرى حينئذٍ القسم المنير , وذلك بعد خمسة عشر يوماً , وهذا هو البدر؛ وطوراً يكون والأرض متحاذيين على مسافةٍ واحدة من الشمس , وذلك هو التربيع. وبين المحاق والتربيع يكون التثليث وبين التربيع والبدر يكون التسديس. ولما كان القمر كالأرض غير مضيء بنفسه بل يستمدُّ كلاهما النور من الشمس , كان لا بدَّ من أن يكون وراءَ القمر ووراء الأرض في الفضاء ظلٌّ , وكل من يكون في هذا الظلّ لا يرى الشمس , فتظهر الشمس
стр. 1232
مكسوفة , عندما تدخل الأرض في مخروط ظلّ القمر , ويظهر القمر مخسوفاً عندما يكون في ظلّ الأرض لأنها تحول دون وصول نور الشمس إليهِ ويسهل عليك أن تتمثل ذلك إذا افترضت القنديل بمثابة الشمس , وجعلت يدك بمثابة القمر ورأسك الأرض فعندما تمرُّ يدك أمام المصباح يحتجب ضؤُه قليلاً عن ناظريك حتى يختفي تماماً , ثمَّ يعود فيظهر ثانية هكذا يكون كسوف الشمس
ميعاد الكسوف وأنواعه - عرفه الأقدمون باسم ساروس وهو كناية عن ١٨ سنة و١١ يوماً , يحدث فيها ٤١ كسوفاً و٢٩ خسوفاً تتعاقب في المدة نفسها كما دلّلت مراقبتهم للسماء. أما اليوم فإن لدى العلماء جداول فلكية وضعوها بعد الاختبار الطويل والكسوف إما جزئي , وإما كليّ أو تام , وإما دائري على شكل حلقة وذلك عندما تصير الشمس شبه دائرة قاتمة اللون حولها هالة منيرة. وفي الكسوف التام يكون المنظر ذا عظمةٍ مروّعة تلقي الرعب في النفوس , فتسودّ الشمس , ويخيم الظلام وتظهر النجوم في السماء ويستولي على الحيوانت نفسها رعب ذكره جميع الفلكيين الذين وصفوا هذا المشهد , فرأوا المواشي واجفةً تنقطع عن المرعى , والطيور تلجأ إلى وكناتها والكلاب مرتعشة تشُغل عن متابعة أصحابها. ولو أردنا ذكر كلّ ما كتبه علماء الفلك في هذا الباب لأستغرق الموضوع صفحات عديدة.
درس الشمس أثناء كسوفها - تروي هذه المغالطة عن فونتينل لا شيء أكثر ظلاماً في طبيعته من الشمس , فلا يتسنى لنا درسها إلاّ
стр. 1233
أثناء كسوفها وواقع الحال يؤيد هذا القول , فإن الكسوف قد أفادنا عن الشمس أكثر من جميع المظاهر الجوّية. وإذا كان وجيزاً , يكفي لأخذ الرسوم ودرس أطوار الشمس وبقَعِها. فإن التقارير عن هذه الحوادث قد أفادت العلم فائدة عظمى ومهّدت السبيل لاستخراج النتائج المهمة من هذا القبيل
اعتقادات الشعوب - قال فونتنيل نرى لدى كسوف الشمس من الخزعبلات والخرافات ما يقضي بسنّ قانونٍ يمنع العلماء من الإشارة إلى هذا الحادث قبل أوانهِ. . . وكان القدماءُ ينسبون الكسوف إلى غضب الآلهة , أو إلى حنق الشمس التي تحجب طلعتها النيرة دون فظائع البشر. وقد عزا ذلك قومٌ إلى يدٍ قوية تسدلُ ستاراً على منبع الأنوار , وآخرون إلى ضلال الأرض عن مركزها , وتوهم البعض أن الحادث الطبيعي ليس إلاَّ مفعول أعمال السحرة التي تطفئ النور. وهذا هو سبب ما كان يقدم عليهِ - حتى في أيامنا - من صراخٍ وهتاف وضرب على صفائح نحاسية زعماً منهم أنهم يبطلون بهذه الطريقة مفعول السحر أو يخيفون التنّين الذي يبتلع الكواكب. ونجد أن هذا الاعتقاد كان سائداً بين معظم الشعوب , كالهنود والصينيين واليونان والرومان والعرب وسكان أميركا. وقد رأينا مما تقدم أن هذا التنين المخيف ليس إلاَّ القمر الذي يقف بيننا وبين أختهِ الشمس فيحجب عنا نورها
زعمُ هيرودوتوس ٤٨٤ - ٤٢٥ ق م - إنَّ كتابات هذا المؤرخ
стр. 1234
الشهير تدلُّ على أن أوهام الشعب كانت ساطية على أفكره من هذا القبيل. فهو يذكر حدوث الكسوف أربع مراتٍ في كتابهِ , والألفاظ والعبارات التي يستعملها لوصف هذا الحادث تدلُّ على جهله حتى كلمة بمعنى كسوف فهو تارة يقول أظلمت السماء بغتة وتارة صار النهارُ ليلاً والنور ظلاماً ومرةً واحدة يفصلّ ذلك إذ يقول تركت الشمس مكانها في السماء واختفت عن الأبصار ولم يكن إذ ذاك لا غيم ولا سحاب , وكان الجوُّ صافياً
زَعْمُ اليونان - وكان من عادات بلاد مكيدونيا على عهد سقراط (٤٨٦ - ٤٠٠ ق م) أن تّوصد أبواب المنازل وتُحلَق شعور الأولاد حزناً وحداداً. ويروى عن الاسكندر الكبير أنه عندما كُسفت الشمس قبيل موقعة أربيل قرّب القرابيين وذبح الذبائح استرضاءً للشمس والقمر ودفعاً لغضب الآلهة وتمويهاً على الشعب
زعم الرومان - في سنة ١٧٨ ق م أثناء الحرب التي دارت رحاها بين برسه وبولس اميليوس حدث كسوفٌ ألقى الهلع في قلوب المتحاربين ولكنهُ لحسن طالع الرومان كان بين قوّادهم فلكي مشهور اسمه سلبيسيوس جالُّوس وكان قد أنبأهم عن هذا المظهر الجويّ قبل أوانه فأصاب أعداءَهم الفشل وأصابوا الظفر. ويروي المؤرخ ديون كاسيوس أن الإمبراطْور أقلوديوس لما علم أن يوم تذكار تبوّئهِ السدة الإمبراطورية يوافق يوم كسوفٍ خاف أن يتشاءم الشعب ويتطير منهُ فأمر بنشر الخبر في كل المملكة مع شرح أسبابه الطبيعية وذلك تلافياً لوقعهِ السيء
زَعمْ الهنود والصينيين - حدث سنة ١٨٧٧ كسوف في مدينة
стр. 1235
لاوس من أعمال الهند الصينية , فأحدث قلقاً عظيماً بين السكان. فكنت تراهم سائرين في الشوارع والأزقّة ينشدون الأهازيج الحربية , ويطلقون العيارات النارية نحو السماء لتهويل التنين. وفي الصين تجري احتفالات ولما كان الصينيون يعتقدون أن ملكهم ابن السماء ومملكتهم المملكة السماوية أصبحوا يتوهمون أن كلَّ خللٍ يطرأ على نظام السماء ناجمٌ عن خللٍ في نظام بلادهم , وعليهِ فهم يقيمون الاحتفالات ويقربون القرابين عند حدوث مثل هذه الأمور
الكسوف في التاريخ - إن النظر في بعض الحوادث التاريخية التي كان للكسوف دورٌ عظيم فيها يبيّن لنا ما وراء العلم من الفوائد , وإلى أي حدٍّ تبلغ الخرافات بالشعب متى سطا عليهِ الجهل أقدم كسوفٍ يرويه لنا المؤرخون مدوَّنٌ في تاريخ الصينيين على عهد الملك شو ويرتئي العلماء أنهُ حدث في الثالث عشر من أكتوبر (ت١) سنة ٢١٢٨ قبل الميلاد وأشهرُ كسوفٍ ذكره التاريخ القديم هو كسوف سنة ٥٨٥ ق م وهو جديرٌ بالذكر لسببين: الأول لأن العالمِ تالس كان قد تنبأ عنهُ , وهو أول فلكيٍّ عند الأقدمين قد شرح هذا الحادث وأدرك أسبابه؛ والثاني لأنهُ بواسطة هذا الكسوف قد توصل العلماءُ إلى تقرير بعض حوادث مهمة. وقد رواه المؤرخ هيرودوتس في معرض كلامهِ عن الحرب المنتشبة بين الفرس وأهل ليديا حيث قال ما ترجمتهُ:
стр. 1236
كانت رحى الحرب دائرة بين الأمتين منذ سنوات , ففي إحدى المواقع صار النهار ليلاً والنور ظلاماً , فدُعر المتحاربون لهذا المشهد , وكفوا عن القتال وعقدوا الصلح وكان المؤرخون مختلفين على السنة التي جرت فيها هذه الحرب , فمنهم من جعلها في سنة٦١٠ , ومنهم في سنة ٥٩٣. غير أن الأبحاث الفلكية
دلت أخيراً على هذا الكسوف كان حدوثهُ تماماً في ٢٨ مايو (أيار) سنة ٥٨٥ , وهكذا ساعد علم الفلك علم التاريخ على حبلّ هذا المشكل وغيره وقد حّث كسنوفون عن كسوفٍ آخر في كتابه آناباس لما روى وصول اليونان إلى ضفاف دجلة , قال ما ملخصه: وكان هناك مدينة قديمة مهجورة تحدق بها أسوار منيعة يبلغ علوّها مئة قدم , وهي مبنية بالأجرّ الأحمر , وكان الفُرسَ قد حاصروها دون جدوى لمناعتها , حتى ساعدتهم الأقدار على فتحها؛ وذلك أنه في أحد الأيام احتجبت الشمس عن العيان فهلع السكان وخلّوا المدينة بين أيدي العدو وقد حقق العلماء أن هذا الكسوف حدث في ١٩ كايو ٥٥٧ وفي ٣ أغسطس سنة ٤٣١ حدث كسوف تام رواه بلو ترخوس في كتابه حياة بريكلس , قال وكان الأسطول (اسطول اليونان) على أهبة السفر للحرب (محاربة أهل سبارطه) وكان بريكلس على ظهر السفينة إذ كسفت الشمس كسوفاً تاماً. فأثر ذلك في البحارة وتشاءموا
стр. 1237
من هذا الظلام غير المنتظر , وكادت همتهم تخونهم , لو لم يعمد بريكلس إلى حيلة لطيفة , وهي أخذ رداءه ووضعه على وجه أحد القواد قائلاً: ألستَ الآن , فقال بريكلس: وأي فرقٍ بين هذا الظلام وذاك سوى أن الأول ناتج عن شيء أضخم من ردائي. .؟ وجاء في توسيديد وفي ذلك الصيف عند ولادة القمر , بعد الظهر بقليل أصاب الشمس كسوف , حتى أصبحت كالهلال , وظهر في السماء بعض نجوم , لم تلبث أن عادت إلى منظرها الأول ثم كثر بعد ذلك ورود ذكر الكسوف وشرح مظاهره في التاريخ مما لا مجال لذكره الآن. على أننا نكتفي بإيراد خبر نجاة كريستوف كولمبس: كان ذلك في غرة مارس سنة ١٥٠٤ وكان الزاد فرغ من السفينة فألقت مرساتها تجاه الجزيرة المعروفة اليوم باسم جامايكا فطلب كولمبس من سكانها المتوحشين مؤونة وزاداً , فرفضوا. وكان عالماً بأن الشمس ستكسف في اليوم الثاني فاتخذ ذلك وسيلة للتهويل عليهم , فأنذرهم بمنع نور الشمس عنهم , إذا هم لم يجيبوا طلبه , ولا تسل عن رعبهم في ثاني يوم عندما رأوا كسوف الشمس , ولم يفهموا فيه إلاَّ تنفيذ ما هُدّدوا به. فتراموا على أقدام كولمبس يستعطفونه , وقدموا له كلّ ما طلب وأصبحوا ينظرون إليه نظرهم إلى إلهٍ
стр. 1238
الكهانة
قلنا فيما تقدَّم إن الكهَّان يعرفون الغيب بوحيٍ من الشيطان , فتلك هي الكهانة الأصلية عندهم , وأصحابها أوسع الكهان عاماً وأعظهم خطراً , وأسماهم مقاماً؛ ولكنَّ هنالك طرقاً أخرى لمعرفةِ الغيب تختلف عن الكهانة الأصلية في أسبابها وشروطها وكيفيتها؛ كالعرافة والعيافة والطرق بالحصى والَحزو والتنجيم وكلها ضروبٌ من الكهانة إلاَّ أن أهلها أقلُّ من الكهان علماً , وأدنى منهم رتبة , وهم نفسهم مراتب ودرجات. والعربُ يطلقون اسم الكاهن على العرَّاف , والعائفِ , والطارق بالحصى , والحازي , والمنجّم , وعلى كل متكهّن يتعاطى الخبرَ عن الكائنات في مستقبل الزمان. وربما استعمل بعضهم العرَّاف بمعنى الكاهن , فيطلقه على كل متكهن أما العرِّاف فهو الذي يعرف الأمورَ بمقدمات أسباب يستدلُّ بها على مواقعها من كلام مَن يسأله أو فعلهِ أو حاله. فعلمهُ قاصرٌ على معرفة الشيء المسروق وسارقهِ ومكان الضالة , ودواء المريض , ومواقع السحاب , ونحو ذلك وقد اشتهر من العرَّافين في الجاهلية رُباح بن كحلة عرَّاف اليمامة , والأبلق الأسدَي عرَّاف نجد , وكان كلاهما في العصر الأخير من زمن الجاهلية. وأولهما هو المقصود بقول عروة بن حزام:
فقلتُ لعرَّاف اليمامة داوني ... فإنك إن داويتني لطبيبُ
وإليهما معاً أشار الآخر في قوله:
جعلتُ لعرَّاف اليمامة حكمهُ ... وعرَّاف نجدٍ أن هميا شفياني
فقالا شفاكَ الله والله ما لنا ... بما حملتْ منك الضلوع يدان
وممن اشتهر أيضاً بالعرافة هند صاحب المستنير الذي يقول عنهُ المسعودي أنهُ
стр. 1239
كان في غاية التقدم فيها , وكذلك الأجلح الزهَري وعروة بن زيد الأسدي وأما العائف فهو الذي يتكهن بواسطة العيافة , وهي زجرُ الطير أو الوحش , والتفاؤل بأسمائهم وأصواتها وممرّها. قال الأعشى:
ما تعفيفُ اليوم في الطير الرَّوَح ... من غراب البين أو تيسٍ بَرح
وقال الفرزدق:
وليس ابنُ حمراءِ العجان بمفلتي ... ولم يزدجر طير النحوس الأشائمِ
وقال الأخطل يخاطب امرأة وسيمة تزوَّجها رجل دميم:
فهلا زجرت الطير ليلة جئته ... بضيقةَ بين النجم والدَّبرانِ
وهو كثير في شعرهم. وهذا النوع من الكهانة أشهر أنواعها عندهم: ومنشأوه اعتقادهم باليمن والشؤم. فاليمن عندهم خير , والشمال شرّ. ولذلك اشتقت لفظة التيامن واليمن والتيمن من اليمين , كما اشتقت لفظة التشاؤم والشؤم من معنى كلمة الشمال , لأن المشأمة في اللغة بمعنى الميسرة , واليد الشؤمي والجانب الأشأم , بمعنى اليد اليسرى والجانب الأيسر. فلذلك الاعتقاد كان الرجل منهم إذا أراد حاجة أتى الطير في وكره فنفّره , فإن أخذ يميناً مضى لحاجته , وإن أخذ شمالاً , رجع. وهذا هو الأصل في زجر الطير. ومن ثم استعملوا كلمة الطيَرة بمعنى التشاؤم , ثم أطلقوا الزجر على الوحش أيضاً , وتوسعوا في كيفية الزجر وأحواله , فقالوا: الزجرُ للطير وغيرها , التيمنُ بسنوحها , والتشاؤم ببروحها , والاعتبار بأسمائهم وأصواتها وممرّها. فلما صار كذلك اختلط أمره على العامة فأصبح ضرباً من الكهانة بعد أن كان اعتقاداً بسيطاً باليمن والشوم , فصار العائف , إذا عاف طيراً أو وحشاً , يتكهن فيخبر بأمور من الغيب , كما يفعل العرّاف. وربما عاف بالحدْس , وهو لم يرَ شيئاً , لاطيراً ولا وحشاً. وبقي التفاؤل والتشاؤم على بساطته الأصلية للعامة فقط ومن القبائل التي اشتهرت بالعيافة في الجاهلية بنو أسد. قيل أن قوماً من الجن تذكروا عيافتهم , فأتوهم , فقالوا. ضلَّت لنا ناقة فلو أرسلتم معنا من يعيف , فقالوا
стр. 1240
لغُلّيمٍ منهم انطلق معهم. فاستردفه أحدُهم , ثم ساروا فليتهم عقاب كاسرةً أحد جناحيها. فاقشعرَّ الغلام وبكى. فقالوا مالك؟ فقال كسرت جناحياً , ورفعت جناحا , وحلفت بالله صراحاً , ما أنت بانسيٍّ ولا تبغي لقاحا وممن اشتهر بالعيافة من الأشخاص عبيدُ الراعي حدَّث المنقريُّ عن العتبيّ قال: وقف عبيد ذات يوم مع ركب من ثقيف على نفر وكانوا يريدون استقصاء رجل من تميم , إذ سنحت ظباء سود منكَّرة ثم اعترضت الركب مقصرة في حضرها , واقفة على شأنها , فأنكر ذلك عبيد الراعي ولم ينتبه إليهِ أصحابه فقال:
ألم تدرِ ما قال الظباء السوانحُ ... أطفنَ أمام الركب والركب رائحُ
فكبَّر من لم يعرف الزجر منهم ... وأيقن قلبي أنهنَّ نوائحُ
ثم شارفوا مقصدهم , فألفوا الرئيس قد نهشتهُ أفعى فأتت عليه. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: وهذا من غريب الزجر. وذلك أن السانح مرجوٌّ عند العرب , والبارح هو المخوّف
, وأظن عبيداً إنما رجر الظباء في حالة رجوعها , ووصف الحال الأول في شعره كما أن من شرط الواصف أن يبدأ بهوادي الأسباب , فيوضح عنه فهذا هو وجه رجر عبيد الراعي في شعره أما السانح والبارح فقد اختلف أئمة اللغة في تعريفها. قيل السانح ما أتاك عن يمينك ظبي أو طائر أو غير ذلك , والبارح ما أتاك من ذلك عن يسارك وولاك جانبه الأيسر وهو انسيّه. والبارح ما جاء عن يسارك إلى يمنيك وولاك جانبه الأيمن وهو وحشيُّه وقيل. بل السانح ما مرَّ بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك , والبارح ما مرّ من يمنك إلى يسارك. ولا يخفى ما في كل ذلك من المناقصة. وكذلك قال بعضهم: السنُح الظباء الميامين. وقال البعض الآخر: السمُح الظباء المياشيم وأكثر العرب يتيمنون بالسانح , ويتشاءمون بالبارح. ومن ذلك المثل من
стр. 1241
لي بالسانح بعد البارح وأصله أن رجلاً مرّت بهِ ظباء بارحة فتطيَّر من ذلك فقيل له: عسى أن تمرَّ بك أخرى سائحة , فقال المثل: وهو يضرب في توقع المحبوب بعد الكروه. وقال أبو دؤيب:
أربت لإربتهِ فانطلقتُ ... أرجّي لحبّ اللقاء سنيحا
وأنشد أبو زيد:
أقول والطير لنا سانحٌ ... يجري لنا أيمنهُ بالسعودِ
وأنشد الليث:
جرت لك فيها السانحات بأسعدِ
وقال الشاعر:
أبا السنُح الأيامن أم بنحسٍ ... تمرُّ بهِ البوارحُ حين تجري
وقال ذو الرمّة:
خليليَّ لا لاقيتما ما حييتما=من الطيرِ إلا السانحات وأسعدا
وقال النابغة:
زعم البوارحُ أنَّ رحلتنا غداً ... وبذاك تنغابُ الغرابِ الأسود
ومن العربَ من يتيامن بالبارح , ويتشاءَم بالسانح , قال الأعشى:
أجارَهما بشرٌ من الموت بعدما ... جرَى لهما طيرُ السنيح بأشأمِ
وبشر هذا هو بشر بن عمرو بن مرثد , وكان مع المنذر بن ماء السماء يتصيد في يوم
بؤسه الذي يقتل فيهِ أول من يلقاه. وكان قد أتى في ذلك اليوم رجلان من بني عمّ بشر فأراد المنذر قتلهما , فسأله بشر فيهما فوهبهما له وقال زهير متشائماً أيضاً بالسانح:
جرت سَنحاً ققلتُ لها أجيزي ... نوّى مشمولة فمتى اللقاءُ
وقال كثيّر:
أقولُ إذا ما الطيرُ مرَّت مخيفةً=سوانحها تجري ولا أستثيرُها
وقال عمرو بن قميئة:
стр. 1242
فبيني على طيرٍ سنيح نحوسهُ ... وأشأم طير الزاجرين سنيحها
قال ابن بري: أهل نجد يتمّنون بالسانح , ويتشاءمون بالبارح , والعكس من ذلك عند أهل الحجاز. فهذا هو الأصل ثم قد يستعمل النديّ لغة الحجازي , والحجازي لغة النجدي , أقول: والظاهر من كل ذكرناه في معنى السانح والبارح لغةً. فقد رأيتَ أن السانح عند قوم الظباء الميامين , وعند غيرهم الظباء المياشيم؛ فلذلك يتايمن هؤلاء بما تشاءم بهِ الآخرون فكانوا بذلك مواقفين لهم في الحقيقة , لأن الخلاف إنما هو في الاِسم في المسمَّى قلنا إن أصل العيافة هو اعتقادهم باليمن والشؤم وإن اليمين عندهم خير , والشمال شرّ. أما تفضيلهم اليمين على الشمال , فقد جاروا فيهِ الطبيعة التي جعلت الأعضاء اليمنى من جسم الإنسان أقدر من اليسرى وأقوى. وجاراهم في ذلك التفضيل جميع الشعوب. فكان المحل الأيمن أفضل المحلين؛ وبذلك قضى الله نفسهُ إذ جعل اليمينَ لأهل الجنَّة , والشمال لأل النار , وجعل لكل رجلٍ ملكاً عن يمينهِ , وشيطاناً عن شماله. وقد جاء في صحيح البخاري أن النبيّ كان يحب التيمن ما استطاع في شأنهِ كله في طهوره وترجله وتنعلهِ وأما الطارق فهو الذي يتكهن بواسطة الطرْق بالحصى , وذلك أن يخطَّ في الأرض أو الرمل خطوطاً بإصبعين , ثم بإصبع , ويقول: ابني عيَان أسرعا البيان ثم ينبئ عما سئل عنهُ. وربما يكون النداء لابني عيان في العيافة أيضاً وفي غيرها من ضروب الكهانة. وأكثر كهان الطرق من النساء. قال لبيد:
لعمركَ ما تدري الطوارقُ بالحصى ... ولا زاجرتُ الطير ما الله صانعُ
وقيل الطرقُ إن يخلط الكاهن القطن بالصوف فيتكهن. والظاهر أن الطرقَ في الأصل كان بالحصى , ثم توسع فيهِ بعضهم إلى القطن والصوف , بقي الاِسم على أصله. ومن أمثال
العرب التي تُضرب للذي في كلامهِ , ويتفنن فيهِ ,
стр. 1243
قولهم: أطرقي وميشي. قال رؤية:
عاذل قد أُولعتِ بالترقيشِ ... إليَّ سرًّا فأطرقي وميشي
وفي لسان العرب: الطرق في الأصل هو ضرب الصوف بالعصا , والميش خلط الشعر بالصوف وأما الحازي فهو الذي يتكهن بواسطة الحرو؛ وهو أن ينظرَ في الأعضاء والغضون وخيلان الوجه فيتكهن. قال الشاعر:
وحازيةِ ملبونةٍ ومنجّسٍ ... وطارقة في طرقها لم تسدّد
قال ابن شميل: الحازي أقلُّ علماً من الطارق , والطارق يكاد كاهناً , والحازي يقول بظنٍّ وخوف والعرب يستعملون لفظة الحزو بمعنى الزجر أيضاً فيقولون: حزَونا الطير تحزوها حزواً , أي زجرناها زجراً. قال أبو زيد وهو عندهم أن يَنغق مستدبره فيقول هذا شرّ فلا يخرج وإن سنح له شيء عن يمينهِ تيمن بهِ , أو سنح عن يساره تشاءَم بهِ , فهو الحزو والزجر وأما المنجّم فهو الذي يتكهن بواسطة التنجيم. وذلك أن يرعى النجوم بحسب مواقيتها وسيرها ليعلم منها أحوال العالم. وفي كتب اللغة علم النجوم عندهم علم يبحث فيهِ عن أحوال الشمس والقمر وغيرها من الكواكب. وموضوعه النجوم من حيث يمكن أن تعرف بها أحوا ل العالم. ومسائله هي كقولهم: كلما كانت الشمس مثلاً على هذا الوضع المخصوص فهي تدلَّ على حدوث أمر كذا في العالم والأصل في هذا الضرب من الكهانة أنهم كانوا يعتقدون أن كل ما يحدث في هذا العالم من الحوادث إنما سببه النجوم من حيث سيرها ومنازلها وأنوائها واقترانها إلى غير ذلك من أحوالها ومظاهرها. فنسبوا إليها البرد والحر والصحو والمطر والخير والشر والصحة والمرض والحرب والسعد والسلم والنحس , وهو الاعتقاد الذي جعلهم يعبدونها في القِدَم. فلما وُجد عندهم ذلك الاعتقاد أخذوا يلاحظون النجوم
стр. 1244
ويراقبونها ويلاحظون سيرها ومواقيتها حتى إذا حدث في الأرض حادث ما في زمن ما , ثم عاد الفلك إلى هيأتهِ التي كان عليها حين وقع ذلك الحادث , أنبأوا بعوده أيضاً بناءَ على أن الأسباب الواحدة , في حالة واحدة , تُنتج دائماً نتائج واحدة. فهذا هو الأصل في علم النجوم. ثم اتخذه بعضهم طريقةً لكسب المال فجعلوه ضرباً من ضروب الكهانة , وصاروا يخبرون بما يخبر بهِ الكَّهان من أحوال الغيب المختصة بإفراد الناس , كتفسير الأحلام , وأدواء الأمراض , ونجاح المسعى , وما أشبه ذلك. واعتقدت عامة
الشعب إن كل شيء سرُّه في النجوم , وأن الإنسان قد يعلم الغيب بالوحي الفلكي. فمن ثم قالوا في كلامهم: نظر فلان في النجوم , بمعنى أنه فكَّر في أمر ينظر كيف يدبّره. فصار ذلك في اللغة كما تقول: بفلان جُنَّة , بمعنى أنه مختلّ العقل. وهذا من شواهد تأثير اعتقاد الشعوب في لغاتهم وهو كثير في اللغة العربية تلك هي أشهر ضروب الكهانة في الجاهلية. فإذا كان عندهم ضروب أخرى فلا عبرة بها لعدم شهرتها بينهم , فضلاً عن أنها لابد أن تكون مأخوذة من الضروب الأصلية التي أتينا على ذكرها كما أُخذ الطرقُ بالقطن والصوف من الطرق بالحصى ولم يكن للكّهان صفة دينية أصلاً , بخلاف الكهنة عند اليهود. ولعل السبب في ذلك كون وحيهم من الشيطان , ووحي كهنة اليهود من الله. وكان أهل الرتبة العليا منهم ينقطعون إلى الكهانة فا يشتغلون بعمل آخر , ولا يشتركون مع القبيلة اشتراكاً مادياً في شؤونها العمومية بل كانوا يعيشون عادة محتجبين عن إبصار العامة , إلا يخالطهم أهلهم وذووهم , ولا يقابلهم من الناس إلا مَن قصدهم ليستطلع
стр. 1245
منهم الغيب. وكان معاشهم من الهدايا التي يقدمها لهم أولو الحاجات. وكان العرب يحترمونهم لعلهم وسعة اطلاعهم , وربما احترموهم بسبب علاقتهم ذاتها بالجنّ والشياطين. وبناء على ذلك الاحترام كانوا يسمون كل صاحب علم دقيق كاهناً كالطبيب والقُناقِن وهو البصير بالماء تحت الأرض وكذلك كل حكيم بصير بالأمور. وقد جاء في الحديث أن شريحاً كان زاجراً شاعراً. وفي حديث ابن سيرين: أن شريحاً كان عائفاً. أراد أنه كان صادق الحَدْس والظن , لا أنه كان يفعل فعل الجاهلية في العيافة. ومن المحتمل أيضاً أن تكون تسميتهم للطبيب والقناقن كاهناً من قبيل الحقيقة في لغتهم لا المجاز , لأن الجهل كان مخيماً على عقول عامتهم ولا فرق عند الجاهل بين ينذر بموت رجل , حيث لا ترى العامة شيئاً من الخطر , أو ينذر بخوف قبل حصوله , وبين من يخبر بمكان الضالة , أو تفسير الأحلام , فكلا الأمرين عند الجاهل من قبيل الغيب. وبناء على ذلك لا يبعد أن يكون قد دخل عندهم في عداد الكهان كثيرون من الأشخاص الذين كان لهم إلمام حقيقي بالطب والفلك أو غير ذلك من العلوم ولم تزل الكهانة في الجاهلية إلى أن جاء الإسلام فأبطلها. وقد أوردنا كلام الأزهري في هذا الخصوص. وجاء في الحديث أنهُ نهى عن حلوان الكاهن , وعن الطيرة. وفي الحديث أيضاً من أتى كاهناً أو عرافاً فقد كفر بما أنزل على محمد. قالوا أي
من صدَّقهم وجاء في صحيح البخاري أنهُ كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه. فجاء يوماًَ بشيء فأكل منهُ أبو بكر فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر وما هو؟ قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة , إلاَّ أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده فقاء كلَّ شيء في بطنه على إننا بالرغم عما جاء به الدين , لا نزال نرى حتى الآن سوق الكهانة رائجة في كل بلاد نطق أهلها بالضاد , كأنَّ الجهل يأبى إلاّ أن يكون محفوفاً أبداً بأنواع
стр. 1246
الخرافات , أو كأن خرافات الجاهلية ملازمة للغتهم , لا تنفصل عنها , فورثناها معها. وكأني بنا قد خجلنا من وقوفنا عند الحد الذي وصلت إليه أجدادنا , فبعد أن كانت الكهانة على نحو ما ذكرناه في هذا الباب , جعلناها نحن علماً بل علوماً بأصولٍ ذات قواعد وروابط وشروط. وألَّفنا فيها الكتب العديدة , وأضعنا فيها الوقت الثمين , وزدنا عليها ضروباً وأنواعاً لم تكن معروفة في الجاهلية أصلاً فأفسدنا عقول الشعب بالأوهام والأكاذيب. وقد كان عدد الكهان في الجاهلية قليلاً بحيث لا يصيب العشر القبائل كاهن واحد , وأما الآن فلا شارع من شوارع مدننا إلاّ وفيه الرمَّال والحاسب والحازني , وباصر البخت , وضارب المندل , وكلُّ دّجال خدَّاع , يسلبون فقراء الناس أموالهم عاجلاً , ويعدونهم بالسعادة آجلاً. نعم إن الكهانة ممنوعة بأمر الحكومة في بلادنا , ومعاقب عليها في قوانيننا , ولكن أخلاق الشعب ورجال الضبط والربط بالجملة لم تزل على حالتها الأصلية؛ وربما تعجبوا من وجود مثل ذلك النصّ في قوانين الحكومة وأنكروا عليها معارضتها لأناس يعلمون الغيب ويخدمون الناس بإطلاعهم على أسرار المستقبل. ولذلك تراهم يغضون الطرف عنهم فلا يتعرضون لمنعهم. وقد رأيتُ مرَّةً أحد رجال البوليس انحراف عن قارعة الطريق قاصداً أحد الرَّمالين , فظننتُ أنهُ ذاهب لمنعه من نشر بضاعته في الشارع العمومي وإثبات مخالفته للقانون , ولم أكن أظنّ في أمثاله ذلك الترقي الأدبيّ. فأخذني العجب وأتبعتهُ بنظري؛ فإذا هو وقد جلسَ بين يدي الرمَّال , وأخذ يستطلع منهُ الغيب , ويسمع شقشقتهُ بغاية ما يكون من الجد والاحترام
اسكندر عمون
стр. 1247
رسائل غرام
بين شهيرات ورجال عظام
الرسالة التاسعة
من جوزيفين إلى نابوليون بونابرت
(لا نخال أحداً من القراء يجهل اسمَي جوزيفين وبونابرت وما وقع بينهما من النفور الذي أفضى إلى الطلاق. وكان ذلك في أواخر سنة ١٨٠٩. إلاَّ أن جوزيفين ظلت تراسل نابوليون حتى أيامها الأخيرة. ولو سمحت لها الدول المتحالفة لرافقتهُ إلى منفاه. وكان موتها في سنة ١٨١٤ أي بعيد سقوط نابوليون. وقد وصفها جميع المؤرخين بالصفات الطبية وأجمعوا على أن نابوليون كان مديناً لها بأمور كثيرة لا يسعنا الإسهاب فيها الآن. قيل أنها كانت تتشاءَم من ارتقائهِ إلى العرش وتخشى أن يحمله ذلك على طلاقها الاقتران بأميرة من أميرات الأسر المالكة. وقد تم ذلك أما الرسالة الآتية فقد بعثت بها إليهِ على أثر ولادة وليّ عهده من ماري لويز): صحوت اليوم وقرْع النواقيس يملأ الجوّ وهزيم المدافع يرنّ في الفضاء. فسألت عن السبب فقيل لي أن جلالة الإمبراطورة قد وضعت مولوداً سيرث عرش فرنسا ويضيف صفحة مجدٍ جديدة إلى تاريخ آبائهِ. وقد كنت أودّ لو بلغتني هذه البشارة منك قبل أن أسمعها من أفواه الناس فكنت أفرح لفرحك وتقرّ عيناي بأن ترى لك من يخلّد لك ذكرك ويورثه للأجيال المقبلة , فإن ساءك أنني تمنيت سماع هذه البشارة من فمك فإن ما كان بيننا من العهد السابق شجَّعني على تعليل نفسي بهذه
стр. 1248
الأمنيَّة. لعل ذكرى أيامنا الماضية تشفع بي لديكَ وتبدد عن محياك غمامة الكدر والاستياء لست أقصد يا صاحب الجلالة أن أراضيك بهذه الرسالة أو أكفّر عن سيأتي الماضية إليك. فإن تلك السيآت أعظم من أن يشفع بها ما أعانيه من مضض هذا الفراق واحتمله من أراجيف الوشاة. لاسيما وأنني لا أعرف لنفسي حسنة سوى أنني أحببتك حباً يقرب من العبادة فكان جزاء حبي لك أنك فصمت عرى مواثيقنا المقدسة بحجة أنني لم ألدْ لك من يرث عرشك من بعدك. وبلغتْ منك القسوة أن اتهمتني بأمور ما أنزل الله بها من سلطان ولست بلائمتك على تصرّفك هذا يا صاحب الصولجان. ولكن راعني ما رأيت نفسي فيه من اليأس. فرأيت أن أبسط إليك كتابي هذا واهني شعبك يولي عهدك ووارث عرشك. مع أنني
أحسبك في غنى عمن يخلد لك ذكرك لأن الذكر الذي قد خلفته ستتوارثه الأجيال المقبلة خلفاً عن سلف. ولسوف يأتي يوم يرى فيهِ العالم أن الآلهة أساءَت إليَّ أكثر مما أسأتُ أنا إليك إذ لم تقدّر لي أن أهبك من يخلد لك ذكرك من بعدك. لذلك حاولت أن تنتزع حبي من قلبك. فلجأت إلى غيري لتبلغ بها ما كانت نفسك تطمح إليه. فهنيئاً لها من إمبراطورة سعيدة وهنيئاً لفرنسا بوارثها المقبل ولقد رضيت بنصيبي هذا بعد أن احتملت منهُ في أول الأمر ما تنوء من ثقله راسيات الجبال. وكنت أقول يومئذ أن الزمان هو الطبيب
стр. 1249
الأكبر فلن يمرّ العام حتى أنسى ما بيننا من وعودٍ وعهود. وهو ذا الآن قد مرّ ذلك العام وأنا لا أزال أعاني ما كنت أعانيه يومئذٍ من غصص وحسرات والذي يحزنني أكثر من كل شيء هو أنني محرومة رؤيتك إذ تمرّ بي أيام طويلة مملّة ولا أرى لك حتى شبه خيال إلاَّ في الحلم. ولو تعلم شدة هذا العقاب لكان لي من دموعي شافع لديك. ولكنك قد أغمضت عينيك فلست ترى ما أعانيه من غصص مبرّحة. وإذا كان في العالم قوة تمنعني عن إخماد أنفاسي بيدي فذلك لأنني واقفة على عتبة الأبدية وقد غطستْ فيها ركبتاي. فلماذا أضيف إلى آثامي العديدة إنما آخر بوضع حدٍ لأنفاسي بيدي؟ وفضلاً عن ذلك فإن موتي يورثك من تأنيب الضمير مالا أطيق أن أراك معذباً به. ولأشهى على قلبي أن أراك سعيداً ولو على بعد منك , من أن تعيش معذباً وأنا قريبة إليك كان ينبغي أن أفرح لفرحك اليوم. ولكنَّ ذكرى عهودنا السالفة لم تُبقِ في قلبي مجالاً للسرور إذ كيفما ألتفتُّ أرى ما يروعني من الفرق بين الأمس واليوم. ويزيد روعي كلما تأملت في ما عسى أن يجيء به الغد وقد يتمثل لي شبح الغد بصورة تنين هائل. فيزيد بي انقباضي ولا أرى من خلال ظلمته الحالكة إلا شعاع أملٍ ضعيف هو أن أنام اليوم ولا استيقظ في الغد. ترى هل يحزنك غداً موت امرأة كنت تعبدها بالأمس؟ أم يصدق فيك المثل القائل أن البعيد عن العين بعيد أيضاً عن القلب
стр. 1250
لا يسوءُك عتابي هذا فإن اليأس الذي أنا فيهِ هو الدافع لي على النطق بكلامٍ ربما لا ترضاه. وأنني ليدهشني فرط الشجاعة التي بدت مني في خلال العام الغابر إذ لم أكن أصدّق قبلاً أن امرأةً مثلي تستطيع أن تحتمل ما احتملته من عذاب وشقاء. والذي شجعني على احتماله هو أملي أن يكون لي من ورائه كفَّارة عن هفواتي تشفع بي لديك وتنسيك كل شيء ما عدا حسنتي الوحيدة وهي أنني أحببتك حبًّا مخلصاً على رغم ما كان يبلغك عني
من الأراجيف. وليست غايتي الآن أن أدافع عن نفسي بين يديك , فإِن ما كان بيننا قد انطوت صفحته , وقضاءَك لا مرد له. وإنما أردت أن أنبهك إلى أمرٍ قد يسهو عنهُ الملوك والعظماء. وهو أن واضع الشرائع يجب أن يكون نموذجاً للعدل. وأما أنت فقد وضعت نفسك موضع الخصم والحكم , وسددت أذنيك عن سماع صوت الرحمة والرأفة لما كنت أسمع بانتصاراتك الباهرة كنت أفرح وأشعر كأنني حاملة راية النصر. لا أزال حتى الآن أتوق إلى سماع أخبار انتصاراتك وأتمنى أن تزيد منها كل يوم صفحةً جديدة إلى تاريخك المجيد وفي الختام أقبل تهنئاتي لك بوارث عرشك وأطال الله بقاءَك حتى ترى أولاد أولاده. . .
بقلم سليم عبد الأحد)
جوزفين
стр. 1251
نابوليون الأول وحرب روسيا
إن كل ما كان يحفُّ بنابوليون أوحى إليه المنهاج الذي جرى عليهِ في تمثيل دوره , وجعله يلقي على عاتقهِ عبء مسئولية الحوادث الحاضرة والمستقبلة بدلاً من أن يتهيأ لتمثيل الدور المقضي عليه تمثيله أنهُ لم يكن يأتي عملاً من الأعمال أو يقترف جريمة من الجرائم أو يباشر سرًّا من الأسرار البسيطة , إلاَّ ويبادر الناس إلى التنويه ببسالته إن الألمان لم يجدوا شيئاً بروقهُ أفضل من الاحتفال بتذكار معركتي إيانا وإرساد ولم يكن هو وحده عظيماً , بل كان أجداده وأخوته وأولاد أخوتهِ وأصهاره جميعهم عظماء. وكان كلُّ شيء يأول بسهولة إلى أن يزيل منهُ آخر أثرٍ من آثار العقل ويعدُّه لتمثيل دوره الهائل. ولما تمَّ له الأمر كانت جميع القوى مستعدَّة لمناصرتهِ وباشر غزو المشرق فانتهى إلى الغاية الأخيرة وهي موسكو , فاستولى على تلك العاصمة وساق إلى الجيوش الروسية متآلف لم يكُ قد ساق مثلها إلى الجيوش المعادية له من عهد موقعة أوسترليتز إلى اليوم الذي جرت فيهِ موقعة واغرام وعوضاً عن الصدفة والدهاءِ اللذين جعلاه يتنقل من انتصار إلى انتصار جارياً إلى الغاية المنصوبة لهُ , نلقي فجأة مجموع صدفٍ معاكسة له من الزكام الذي أصابهُ في بورودينو إلى الشرارة التي أضرمت النار في موسكو والبرد القارس في روسيا. وبدلاً من الدهاء نجد فيهِ ضعفاً وصغارة لم يذكر التاريخ شيئاً يماثلهما وكانت الغزوة تتقدم تتقدَّم ولكن بشكلٍ معاكس , وصارت جميع الصدف معادية له بعد أن كانت من أحلافهِ. وحينئذٍ شهدنا حركة مخالفةً موجهةً من الشرق إلى الغرب تشابه كل المشابهة الحركة التي سبقتها
стр. 1252
وقد أُعلنت حركة جديدة بمساعي عديدة جرت في السنوات ١٨٠٥و١٧٠٧و١٨٠٩ , فتألفت عصابة كالعصابة الماضية وجعلت تكبر حتى صارت جماهير غفيرة وتألبت شعوب أوروبا الوسطى عند تلك الحركة التي كانت معتبرة تكراراً للحركة السابقة , لأنهُ لم يكن ينقصها شيء لتماثلها مماثلة تامة من مثل التردُّد في أثناء الطريق وازدياد السرعة عند الاقتراب من الغاية. وأُدركت باريس , وهي الغاية الأخيرة لتلك الحركة , وكان من وراء ذلك انكسار نابوليون وجيوشه وأن نابليون ذاتهُ لم يُعدّ شيئاً مذكوراً وصارت أعماله الأخيرة تستثير الشفقة عليهِ والنفور منهُ. ومع ذلك بدت صدفة جديدة تعجز الإفهام عن إدراكها , فإن المتحالفين كانوا يبغضون نابليون ويعتبرونهُ سبباً لجميع نكباتهم وكان يُقضي عليهم في ذلك الحين , عند زوال مهابتهِ وتقلص ظلّ قوَّتهِ واتهام الناس له باقتراف
الجرائم والغدر , إن ينظروا إليهِ بنفس المقلة التي كانوا ينظرون إليهِ بها قبل ذلك العهد بعشر سنوات وبعده بسنة واحدة , أي أن يروا فيهِ لصاً نبذتهُ الشريعة إلاَّ أن صدفة غريبة لم تجعل الناس يعتبرونهُ ذلك الاعتبار. ولكنهُ لم يكن بعد قد أكمل تمثيل دوره. فإن ذلك الرجل الذي كانوا يعتبرونهُ لصاً نبذتهُ الشريعة أُرسل إلى جزيرة تبعد يومين عن فرنسا وأعطيْ تلك الشعوب تسكن , وهدأت الأمواج الزائرة وعقبها في ذلك البحر الساكن تموجات لطيفة ركب متنها سياسيون كانوا يتوهمون كانوا يتوهمون أن الفضل من ذلك السكون مرجعهُ إليهم وعاد البحر إلى الهيجان , فاعتقد أولئك السياسيون أن الخلاف الذي نشأ بينهم كان أصلاً لذلك الهيجان , وباتوا يتوقعون انتشاب حرب بين وإليهم وبانت لهم تلك الأحوال مأزقاً لا مخرج التي كانوا ينتظرونها , بل كانت هي نفس الأمواج الأنفة الذكر آتيةً من باريس
стр. 1253
وإن ذلك الرجل الذي ألقى فرنسا في وهدة الخراب عاد إليها وحده دون أن تصحبهُ الجنود , ودون أن يكون لديهِ خطة معروفة يسير عليها؛ وكانت حياتهُ تحت رحمة كل خفير يلقاه في طريقهِ. ولكنهُ بصدفةٍ غريبة لم يُمس بأدنى أذى. وهرع القوم لملاقاته باحتفاءِ خلافاً لما كان منتظراً منهم؛ وطبقت أصواتهم الفضاءَ بالتهليل لذلك الذي كانوا بالأمس يقذفونهُ باللعنات , والذي سيعودون بعد شهر من الزمان إلى لعنهِ. ولم يجرِ ذلك إلاَّ لأنهم كانوا لا يزالون محتاجين إلى ذلك الرجل لإتمام الفصل الأخير. انتهى الفصل وتمَّ الدور الأخير , وأُمر الممثل أن يخلع لباسهُ وينزع عنهُ خضابهُ لاستغنائهم عنهُ وهو نفسهُ أظهر للملا طرَّا بكل وضوح حقيقة ذلك الشيء الحقير الذي كان البشر يعتبرونهُ قوَّة حين كانت يد الحوادث غير المنظورة تقوده وإن مدّبر الكائنات الحقيقي عند انتهائهِ من تلك الرواية أمر أهم الممثلين فيها أن ينزع عنهُ ما كان متنكراً بهِ وأرانا إياه , قائلاً: انظروا ذلك الذي آمنتم بهِ. واعلموا الآن أني أنا الذي جعلنكم تسيرون على الطريق التي سلكتموها وليس هو! إلاَّ أن البشر الذين تعمي بصائرهم قوَّة الانجذاب لبثوا مدَّة طويلة وهم لا يدركون الحقيقة وأنا نجد أموراً كثيرة مقدَّرة في حياة الاسكندر الأول وهو ذلك الشخص الذي ترأس الحركة المعاكسة , أي تلك التي جرت من الشرق إلى الغرب. فما هي الصفات التي كان مزداناً بها ذلك الرجل لتمكنهِ من تصيير ما سواه نسياً منسياً وترؤس تلك الحركة؟ أنهُ كان ولا مراءَ قد ازدانَ بعاطفة العدالة وعُني عناية حقيقية بشؤون أوروبا
ولم يتعلق بأذيال أمور لا طائل تحتها. وكان متحلياً بصفات أدبية تفوق صفات الملوك المعاصرين له وذا أخلاق لطيفة تستميل إليهِ القلوب وقد شعر باهانة شخصية قالتهُ من نابليون
стр. 1254
أن جميع هذه الأشياء المميزة كانت متجمعة عند الاسكندر الأول , وقد حشدتها الصدف الكثيرة أو الصدف المزعومة التي حدثت في حياتهِ الماضية , وساعدها كل شيء كتر بيتهِ وإصلاحاته المبنية على أساس الحرية؛ والمستشارين الذين كانوا يؤازرونهُ بصرف النظر عن أوسترليتز وتلسيت وأرفورت وكان هذا الرجل في أثناء الحرب الوطنية لائذاً بعقوة الخمول , لأنه كان مستغنى عنهُ. ولكنهُ لما أصبحت الحرب الأوروباوية مما لا يستغنى عنها , برز في المواقف الخطيرة إلى الموقف المعدَّ له , ليضمَّ متفرَّق الشعوب الأوروباوية ويسر بها إلى الغاية المعروفة أدرِكت تلك الغاية. وبعد الحرب الأخيرة التي اتقدت نيرانها سنة ١٨١٥ كان لدى الاسكندر أعظم قوة يستطيع الإنسان أن يصيبها
وماذا فعل بتلك القوة الهائلة؟
إن الاسكندر الأول معيد السلم إلى أوروبا , الذي هبت في صدره منذ حداثتهِ نسمات الموسومة بسمة الحرية إلى بلادهِ , ذلك العاهل الذي كان قابضاً بيديهِ على عنان سلطة مطلقة كان يقدر بالحقيقة أن يعمل لخير رعيته ونجاحها. وماذا يبدو لنا الآن؟ بينما كان نابوليون في منفاه يرسم خططاً كاذبة ووهمية ليظهر السبيل الذي يمكنه أن ينتجهُ لسعادة الإنسانية لو كانت له السلطة على ذلك , كان الاسكندر الذي كانت له تلك السلطة هي من جملة الأباطيل؛ ولذلك أعرَض عنها وتركوا في أيدي أشخاص محتقرين , ولم يكن يني عن ترديد هذه الكلمات: ليس لنا المجد ولكن لك وحدَك أنا إنسان نظيركم , فاتركوني أعيش عيشة رجل بسيط لأتمكن من التفكير بنفسي وبالله كما أن الشمس أو كل ذرة من ذرات الأثير تنشئ كرة مستقلة بذاتها , مع
стр. 1255
أنها لا تؤلف إلاَّ ذرة من ذلك الكائن العظيم الذي يعجز الإنسان عن الوصول إليهِ , فإن لكل إنسان غاية خاصة وفي الوقت عينه يخدم الغاية المشتركة التي يقصر العقل البشري عن الوصول إليها إن النحلة التي تطير عن الزهرة تقع على ولد وتلسعهُ , فيصير الولد يخاف النحل ويتوهم إن غاية النحل في هذا العالم لسع الناس إن الشاعر يعجب بالنحلة التي تمتصُّ من كأس الزهرة , ويصير يتوهم
إن غاية النحل امتصاص شذا الأزهار إن المشتغل بتربية النحل يلاحظ النحلة وهي تجمع اللقاح وعصير النباتات لتغذية اليعسوب وصغار النحل ويصير يتوهم أن غاية النحل بقاء الجنس إن النباتي يلاحظ أن النحلة تنقل اللقاح من أحد النباتات إلى عضو التأنيث في زهرة أخرى لتلقيحها , فيصير يتوهم أن غاية النحل التلقيح إن نباتياً آخر يلاحظ أن النحلة تساعد على نقل النباتات من مكان إلى مكان آخر , فيصير يتوهم أن غاية النحلة نقل تلك النباتات ولكن الغاية الأخيرة للنحلة ليست في الغايات الأولى والثانية والثالثة التي مرَّ بيانها , والتي يستطيع عقل الإنسان أن يكتشفها وكلما أكثر المرءُ من البحث عن حقيقة تلك الغاية الأخيرة تجلى له أن عقله يرتدُّ كليلاً عن الوصول إليها ولا يمكنهُ إلاَّ أن يلاحظ العلاقة المشتركة بين حياة النحلة والحوادث الطبيعية الأخرى. فهو يبقى محصوراً في نفس الدائرة الضيقة للبحث عن غايات الحوادث والأشخاص الذين يذكرهم التاريخ فيظلُّ عاجزاً عن البلوغ إلى الغاية الأخيرة
عن تولستوي
إلياس الحويّك
стр. 1256
في رياض الشعر
ما برحنا انجازاً لوعودنا السابقة باذلين الجهد في زيادة عدد الكتاب والشعراء الذين يحلّون الزهور بنفثات أقلامهم حتى أصبح قرَّاؤنا يفاخرون بمن يكتب لهم مجلتهم الشهرية. وإلى جمهور كتَّاب الزهور المعروفين نضيف اليوم أدبياً كبيراً رفعهُ شعره على قلتهِ إلى منزلة سامية بين حملة الأقلام ونعني بهِ حضرة المحامي المشهور داود بك عمون فقد ظفرنا منهُ بأوراقٍ مطوّية سنوالي نشرها:
يوم فلادمير
أو دعوى الحق الإلهي
لا تلوموا تلك السيوفَ الدوامي ... جَلَتِ الشكَّ عن عقول الآنامِ
علَّمتهم أن لا حياة لشعب ... رازحٍ تحت مطلقِ الأحكامِ
أيُّ نصفٍ ترجون من حاكم يحس ... بُ هذي الرقابَ كالأنعامِ
ورث الملكَ بالرجال وبالما ... ل كأن الرجال بعضُ الحطام
فإذا اهتمَّ منةً بالرعايا ... فاهتمام الجزَّار بالأغنامِ
قيصرُ الرّوس قام بين البرايا ... ناشراً دعوةَ الهدى والسلامِ
ذاكراً أننا بنو رجلٍ فر ... دٍ خلقنا للحبِّ لا للخصامِ
موعزاً بانعقاد مؤتمر التحكيم ... يقضي في المعضلات الجسامِ
ضحكَ الضاحكون منها وعدَّوه ... اأمانيَّ نيلها بالمنامِ
رُبَّ أمرٍ صعب المنال بعيدٍ ... صيَّرتهُ العقول سهل المرامِ
стр. 1257
هبهُ حلماً فالسعي فيهِ جميل ... وجمالُ الحياة بالأحلامِ
هذه الأرض ترتجيكَ فحققْ ... ظنَّها فيكَ يا سليل الكرامِ
لكَ في منحها السلامَ أيادٍ ... خالداتٌ غرٌّ مدى الأيامِ
ولبثنا عيوننا شاخصاتٌ ... ناظرين انجلاء ذاك الغمامِ
فإذا بالسلام حربٌ عوان ... كلَّ يومٍ نيرانها في اضطرامِ
قيصرَ الروسِ لا تضيّق على الصف ... ر مداهم فالصفر أهل انتقامِ
لكَ مُلكٌ رحب الفضاء فسيحٌ ... فتعهد أجزاَءه بالنظامِ
أفمنها أوجستَ من شعبك الموتو ... رِ خوفاً دفعتهُ للصدامِ؟
لا رعاكِ الإله يا أرض منشو ... را ولا لمَّلمت ثراكِ الهوامي
ما لعقبانكِ اتخمنَ وغدرا ... نكِ أصبحنَ بالدماء طوامي
كم خميسٍ وافاكِ يمرحُ زهواً ... ثمَّ لم يبقَ منهُ غير العظامِ
شهر الحرب شاهروها وباتوا ... في أمانٍ والقتل في الأقوامِ
سئمَ الروسُ فتكها بئست العي ... شة من ذلةٍ لموتٍ زؤامِ
قال مقدامهم هلمّوا إلى الوا ... لد نشكو مظالم الحكامِ
ومشوا للمليكِ عُزلاً ومد ... لين إليهِ بحرمةٍ وذمامِ
فتلقتهمُ جنود أبيهم ... برشاش الردى وحدِّ الحسام
ملأت منهم الشوارع اشلا ... ءُ كراديس فهي كالآكامِ
стр. 1258
قيصرَ الروس إن شعبك أولا ... دكَ فاربأ واشفق على الأرحامِ
قيصرَ الروس خفْ دعاء الثكالي ... وبكاء الأطفال والأيتامِ
أفهذا الحق الإلهيُّ أن يقت ... ل شعبٌ أتاكَ لاسترحامِ
زالَ ما كنتَ تدعيهِ من الح ... قّ بما سال من دماءِ حرامِ
داود عمون
سجن الهوى
أصلُ سُقمي من العيون السقيمةْ ... وانحنائي من القدودِ القويمةْ
تلك غرَّت بالانكسار فؤادي ... ورمتهُ فما استطاعَ الهزيمةْ
وهوى لِينِ هذه قد عزَّة دعاني ... لدواعي الغرامِ لَيْنَ الشكيمة
صرتُ من بعد عزَّة وإباء ... أجدُ الذلَّ في الهوى خيرَ شيمةْ
ما غزَت أعينُ الحسان قلوباً ... قطُّ إلاَّ ومهجتي في الغنيمةْ
لا ولا شمتُ من ثغورِ الغواني ... لمعَ برقٍ إلاَّ ودمعيَ ديمهْ
علَّمتني نظمَ الفرائد لكن ... تيَّمتني منها اللآلي اليتيمةْ
أنا أبكي ومهجتي في سعير ... وهي في عذبها البراد بسيمةْ
وبروحي رشاً رخيم المعاني ... حبُّهُ حلَّ من فؤادي صميمةْ
أهَيفَ القدّ باهرَ الحسنِ يزهو ... بجبين أضحى الهلالِ خديمهْ
إن تبدَّي أو ماس تيهاً وعجباً ... لم يدعْ للهلالِ والغصن قيمهْ
وعلى خدّه من المسكِ خالٌ ... أشتهي لثمهُ وأهوى شميمهْ
غير أني أخاف نبل جفونٍ ... منهُ تولي الضنا وتوهي العزيمةْ
سامحَ الله حبّهُ كم دهاني ... دونَ صحبي بالمعتقداتِ المقيمةْ
كبَّل القلب بالقيود وألقا ... هُ بسجن الهوى لغير جريمةْ
стр. 1259
ليتهُ إذ دعا الفؤادَ أسيراً ... لم يكن صيَّر الغرام غريمةْ
تبذلُ العينُ دمعها في هواه ... ولهذا قد سُمّيَتْ بالكريمةْ
عبد الحميد الرافعي
هل الهموم قلوب
ألقى الجمال عليكَ آيةَ سحرهِ ... فغدوتَ ما شاء الجمالُ حبيبا
حتى الهموم سَمتْ إليك بودّها ... من كان يحسبُ للهموم قلوبا
خليل مطران
إلى بحمدون
عبرات البين
من دونكِ البينُ يا ليلى ومن دوني ... وبعض ما كان قبل البين يكفيني
خطأ إليَّ خُطى الآجال ساريةً ... في القلب والقلبُ لا يدري إلى حينِ
خطى كنسف الجبال الراسيات على ... نفسي وكالدمع دمع الحزن في اللين
تمشي على الأمل الزاهي فتحطمهُ ... وقد يرفُّ رفيفاً كالرياحينِ
وتغمر الحبَّ ظلاًّ بعدما صبغتْ ... مني الشباب حواشيهِ بتلوينِ
يا بينُ ما ضربات الدهر غير خطىً ... تمشي بها في المحبّين المساكينِ
شيئان مالهما في الناس تعزيةٌ ... ولا تعزّيهما يوماً بمظنونِ
قلب بأضلاع مشتاقٍ تجاذبهُ ... يدُ الفراق وعقل عند مجنونِ
يا بينُ ويحك ما أبصرت قطّ سوى ... شخصَي حبيبينِ من هذي الملايينِ
стр. 1260
رفقاً بلؤلؤةٍ في جانبَي صَدفٍ ... ضُمَّا عليها كضمّ القلبِ للدّينِ
فلو ترى الهائم المسكين مرتعداً ... من النوى كذبيحٍ تحت سكّينِ
روح ضئيل وشخص جامد وهوى ... بَرْحٌ وهمُّ سليبِ العقل مفتونِ
ملقىً لدى الناس لو أبصرت حالتهُ ... في الناسِ أبصرتَ ميتاً غير مدفونِ
ليتَ الفراق نجابي من عواذلها ... ولو إلى مطرحٍ في القبر يطويني
كأسٌ ظمئت لها حتى إذا عرضت ... شرقتُ منها بما قد كان يُرديني
مصطفى صادق الرافعي
الفتاة العمياء
سادتي إنَّ في الوجود نفوساً ... ظلمتها الأقدار ظلماً شديدا
هيَ تشقى من غير ذنب جنتهُ ... ولكم مذنبٍ يعيش سعيدا
رحم الله أعيناً لم تشاهدْ ... منذُ كانت إلاَّ لياليَ سودا
تتمنى لو فُتّحت فتملَّتْ ... من جمالِ الوجود هذا الشهودا
تتناجى حمائم الروض صبحاً ... لا نراها ونسمعُ التغريدا
ويكون الربيع منا قريباً ... فنظنُّ الربيع منا بعيدا
حين ترنو إلى الوُرود عيونٌ ... ليت شعري كم تستطيب الورودا
أبويَّ اللذين أوجدتماني ... أتريدانِ شقوتي؟ لن تريدا
عشتما في ظلالِ شملٍ جميعٍ ... أنا وحدي وجدتُ شملي بديدا
وإذا كنتُ قد ولدتُ فقيداً ... ليتني كنتُ قد فقدتُ وليدا
стр. 1261
سادتي إننا صبرنا امتثالاً ... ما ضجرنا ولا شكونا الجدودا
فانظروا نظرةَ الكرام إلينا ... وارحموا أدمعاً تخذُّ الخدودا
ولي الدين يكن
أوهى قرنه الوَعٍلُ
هذي طراباُسٌ صحراؤها جدَتٌ ... للطامعينَ ومسرى ريحها عِللُ
يذودُ عن حوضها أسٌ مقذفةٌ ... لا ينزلُ النصرُ إلاَّ حيثما نَزلوا
أشاوسٌ من بني الإعراب ما لثموا ... إلاَّ ثغورَ مواضيهم ولا نَهلوا
ما قامَ يطمعُ في أملاكهم شرهٌ ... إلاَّ تحكَّم من أعضادِه الشللُ
وضاقت الأرض عنه وهي واسعةٌ ... وأظلمتْ بمرامي عينهِ السبُلُ
كناطحٍ صخرةَ يوماً ليوهنها ... فلم يَضرْها وأوهى قرنهُ الوعلُ
شبلى ملاَّط
روعة نبأ
روى البرق منعاهُ فأصعق بالنبا ... يدكُّ من الصبر الجميل ويخربُ
بليلٍ من الأشجان ضلوٍ هلالهُ ... وعقد الثريَّا دمعُهُ المتصبّبُ
كأنَّ السماك الرامح اعتقل القنا ... لثار أخٍ والنسر في الجوّ موكب
كأن بني نعشٍ على نعش من ثوى نوائح ترثي المكرمات وتندب
كأن بشير الصبح اجفل رهبةً ... من الأرض يدنو تارةً وينكّبُ
كأن عبوس الأفق يلطم خدَّهُ ... فلاح عليهِ أحمر اللون أصهبُ
كأن الضحى قد شقَّ جلبابهُ أسى ... فلم يدرِ أنَّي بعدهُ يتجلببُ
نسيب ارسلان
стр. 1262
رواية عطيل
ترجم حضرة الكاتب الشاعر الشهير خليل أفندي مطران رواية عطيل لشكسبير؛ ومثَّلها في تياترو الأوّبرا الخديوية جوق جورج أفندي أبيض نابغة التمثيل العربي. ثمّ تمنى جمهور الأدباء على المترجم الفاضل أن ينشر هذه الرواية بالطبع , فصدَّرها بمقدمة بليغة درس فيها الشاعر الانكليزي وروايته هذه درساً جميلاً جدًّا فنقلاه عنهُ. والرواية لا تلبث أن تتداولها أيدي القراء. قال خليل: ندبَني لتعريب هذه الرواية جورج أفندي أبيض صاحب الفرقة (الجوق) المعروفة الآن باسمه , فترددتُ زمناً , ثم أتيح لي أن رأيتهُ يمثّل تجربة من أديب فأعجبني إتقانه وإتقان بعض أعوانه واستخرتُ الله في نقل عُطَيل إلى لغتنا الشريفة فلأذكرْ أولاً ما دعاني إلى اختيار اسم عطيل ردًّا على بعض المعترضين كان عُطيل في زعم القصَّاص الذي نقل عنهُ شكسبير أصل هذه الحكاية , بدويًّا مغربيًّا جلا إلى البندقية وخدم في جيشها حتى أصبح قائده الأكبر , وعقيدة في الملمَّات. والمغاربة يومئذ خليط من العرب والبربر المستعربة. فأمَّا أن يكون قد دعي منذ مولده باسم إفرنجي فغير مجتمل , وأمَّا أن يكون قد دعي باسم عربي حرَّفته العجمة , فهو الأصح عقلاً. فإذا أرددنا أو تلّلو إلى لسانهِ الأصلي , فالذي يستخرج من حروفهِ أحد اثنين: عطاء الله أو عُطيل. فأما عطاء الله فلم أتوصل إلى تحقيق أن مغربيًّا واحداً سمّي بهِ ولهذا ضربتُ عنه صفحاً , وأما عُطيل فقد اعتقدت أنهُ الأخلق بالاختيار لسببين: أحدهما أنهُ أشبه بما جرت عادة العرب على تسمية الزنوج بهِ من ألفاظ التحبيب أمثال مسعود ومسرور وزيتون ومرجان للذكور , وخيزران وضياء للجواري. ومعلوم أن عطيلا تصغير تحبّب لصفة عُطْل بمعنى عاطل أي خلوٌ من الحلية فتسمية أحد الزنوج به إنما هي محاكاة صحيحة لإصلاح العرب. وثانيهما لأن عُطيلُ بضم أوله ورفع أخره مع تخفيف التنوين أقرب إلى أوتللّو من اسم سواه
стр. 1263
بقي في هذا الصدد أن أقول مروراً للذين تمنّوا لو أبقيت اسم أوتللو كما أورده المؤلف , إنني لم أوافقهم على هذا لأنني كرهت أن أُثبت في العربية اسماً من أسمائهم على الرطانة التي حرَّفتهُ إليها العجمة لغير ما سبب سوى الشهرة التي اكتسبها على تلك الصورة , في حين أنهُ لا يتعذَّر علينا إكسابهُ مثلها وهو مردود إلى أصله التقديري أو التحقيقي من غير أن نسوم مسامعنا جراحة تحريفهِ. ذلك ما أوحى إليَّ اليقين أنهُ
خير وأولى بعد هذا التفسير الذي تقاضتني إياه بعض الصحف , ونفر من الأصدقاء ,
ارجع إلى رواية ولي فيها مبحثان موجزان , من جهة الأصل , ومن جهة التعريب
أما من جهة الأصل فأقول أن أضع هذه الرواية إنما هو نابغة الادهار في فنهِ وأعني بهِ شكسبير. وضعها لإظهار الغيرة وتأثيره في الرجل بأقوى وأصدق ما دلَّ عليهِ الاختبار من أمرها , ولذلك اختار عاشقاً أفريقياً بدوي الفطرة - ليكون وثَّاب الشعور عنيفهُ - عسكريَّ المهنة - ليكون سريع التصديق والانخداع - مكتهلاً أي في أوَّل الانحدار من سنّ الأربعين - ليكون أشدّ في التعشق كما هي شيمة أمثاله ممن يسطو عليهم الحب بعد انقضاء الشباب وليكون أيضاً في الحالة التي يتهم فيها الإنسان نفسه بفقدان أكثر الصفات التي يقتضيها الغرام ولا سيما حيثما يكون المستهام أسود البشرة من إحلاس الحروب , والمستهام بها بيضاء منعمة من قوم فسدة الأخلاق مترفين ذلك هو الغرض الأساسي العام الذي رمى إليه شكسبير فأصاب بهِ دقائق الحقائق إصابة كانت في جملة ما حمل أكابر المفكرين وأعاظم المكتبة على الشهادة له بأنهُ أخبر خبير بخفايا القلوب , وأمهر كشاف لخباياها ثم إنهُ أدار حول هذا المحور غرضين ثانيين: أحدهما إثبات أن العفة لا تنتفي من مدينة مهما فسقت بل قد تزداد تمكناً من نفس المرأة المتحصنة بمقدار ما تندر العفة بين جيرتها وفي عشيرتها , والثاني تبيين الاحتيال ونهاية ما يبلغهُ من نفس رجل
стр. 1264
ذكي مطاع خسيس أصمّ الضمير , مستبيح كل محرم , مستهين كل منكر في سبيل غايتهِ كيف صرف شكسبير قريحته العجيبة في ألوف الجزئيات التي تؤدّي إلى تصوير الغرض الكلي والغرضين الملحقين به؟ ذلك ما يقف عليهِ القارئ من مجرَّد مطالعته للرواية فإنهُ يشعر قليلاً قليلاً إن الأسماء تمحي وتستبدل بأشخاص مقوَّمين في أصلح تقويم لكل منهم ويدخل متدرّجاً من الوهم في الحقيقة فيرى وهو يسمع ويسمع وهو شاهد مَشاهد مما ألفهُ في الحياة لا يردّه إلى كونهِ قارئاً سوى انتهائهِ إلى دفة الكتاب ومن جهة هذا التصوير الأخَّاذ الذي يصوّر بهِ شكسبير الحقيقة رأى بعض جهابذة النقاد أن ذلك الأستاذ العظيم يبالغ فيهِ مبالغة قد يجاوز معها الحدود التي يرسمها الفن. صدقوا ولكن هل كانت عبقرية هذا الرجل لتحد بحدود , وهل مثل العقل الذي روقهُ كان مما يقيد بقيود؟ الشاعر الذي افتتن فكتور هوجو بغرابة شعره , ووجد عند فراسته وطلاقته وقوَّة تمثيله للمعنويات بالحسيات , مبدأ المذهب الحرّ الذي ذهب إليهِ فيما بعد هو وأضرابه وأصبح سنَّة الكتاب في العالمين الكاتب المنقّب
المتعمق في مظاهر الخلائق ومضمراتها مع قدرة على المحاكاة ومهارة في الاختيار وبراعة في التأليف وسلطة على اللفظ يستدني بهِ أبعد المعاني ويقيد أوابد الوجدانات , الذي أعجب بهِ المؤرخ الفيلسوف تاين وناهيك بألوف المعجبين غيره من قبله ومن بعده الأديب الذي تترجم مكتوباته على وفرتها إلى كل لغات الدنيا , وفي بعض اللغات كالفرنسوية تكثر تلك الترجمات وتتنوع ويجيز إحسانها المجمع الأدبي الأكبر كما أجيزت ترجمة مونتيجو وليتورنور وغيرهما فتطلع الأمم المختلفة الألسنة والأجناس والأذواق والملل والنحل على مكتوباتهِ سواء في أصلها أو في غير أصلها , وتقرّها في أعلى منزلة عندها لجمعها المُذهب والمطرب إلى المفكه والمفيد والمبكي والمضحك إلى الزاجر والمؤنس
стр. 1265
أهذا الذي يطلب منهُ أن يكون أسير اصطلاح وعبد لفظة ورقيق أوضاع سبق الاتفاق عليها خرج شكسبير عن ذلك الطوق ونعمًّا فعل. ولو أبقاه في عنقهِ لما اشرأبَّ صعداً إلى مناجاة أجرام السماء , ولا أطاق الإِكباب إلى أبعد أغوار الأسرار في الطبائع البشرية من ذلك المنجم العظيم نجمت عطيل وهي إحدى آيات مستخرجاته ولما كنت أعهده فيها من نادر المزايا وجدتُ من كلفي بها معواناً على معاناة تعريبها
فأما من جهة التعريب فأقول أن في نفس شكسبير شيئاً عربياً بلا منازعة وهو أبين فيها مما بان في نفس فكتور هوجو. أقرأ لغتنا أم نقلت إليهِ عنها بعض المترجمات الصحيحة؟ لا أعلم. ولكن بينه وبيننا من وجوه متعددة مشاكلة محيرة , فإن عنده مثلما عندنا جرأة على الاستعارة وذهاباً بضروبها في كل مذهب , وله مثل ما لنا كلفٌ بالتنقل الوثبي من غير تمهيد ولا استئذان يدفعك من القصد إلى القصد وشيكاً وعليك أن تتمهل في فكرك وتجد الرابطة , وبهِ مثل ما بنا من الهيام في المبالغة التي لا يقبلها من الكاتبين ولا يعقلها من القارئين إلاَّ الذين في تصوُّرهم حدَّة وجماح كما يكون عادة عند الشرقيين وخصوصاً عند العرب. وعلى الجملة ففي كل ما يكتبهُ شكسبير شيء من روح البداوة قوامه الرجوع الدائم إلى الفطرة الحرة تناولتُ الرواية لأعرّبها وكأنني أنوي ردّها إلى أصلها كما رددتُ اسم عطيل وقبل أن أشرع فيها تفكرت في الأسلوب الذي اختاره لها أهو ذلك الأسلوب المخرّق الذي تشف الفصاحة فيه عن رقع العامية؟ لا وأفأً لا فتا لله لو ملكتُ تلك العامية لقتلها بلا أسف ولم أكن بقتلي إياها إلاَّ منتقماً لمجد فوق كل مجد ,. نزلتْ من هيكله الذهبي الخالص
الرنان منزلة الرجلين الخزفيتين القذرتين فهو فوقهما متداعٍ وبهما مشوَّه , منتقماً لأمة كسرت العامية وحدتها وكانت عليها أكبر معوان للتصاريف التي مزَّقتها في الشرق والغرب كل ممزق ,
следующие страницы →