Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
سادتي إننا صبرنا امتثالاً ... ما ضجرنا ولا شكونا الجدودا
فانظروا نظرةَ الكرام إلينا ... وارحموا أدمعاً تخذُّ الخدودا
ولي الدين يكن
أوهى قرنه الوَعٍلُ
هذي طراباُسٌ صحراؤها جدَتٌ ... للطامعينَ ومسرى ريحها عِللُ
يذودُ عن حوضها أسٌ مقذفةٌ ... لا ينزلُ النصرُ إلاَّ حيثما نَزلوا
أشاوسٌ من بني الإعراب ما لثموا ... إلاَّ ثغورَ مواضيهم ولا نَهلوا
ما قامَ يطمعُ في أملاكهم شرهٌ ... إلاَّ تحكَّم من أعضادِه الشللُ
وضاقت الأرض عنه وهي واسعةٌ ... وأظلمتْ بمرامي عينهِ السبُلُ
كناطحٍ صخرةَ يوماً ليوهنها ... فلم يَضرْها وأوهى قرنهُ الوعلُ
شبلى ملاَّط
روعة نبأ
روى البرق منعاهُ فأصعق بالنبا ... يدكُّ من الصبر الجميل ويخربُ
بليلٍ من الأشجان ضلوٍ هلالهُ ... وعقد الثريَّا دمعُهُ المتصبّبُ
كأنَّ السماك الرامح اعتقل القنا ... لثار أخٍ والنسر في الجوّ موكب
كأن بني نعشٍ على نعش من ثوى نوائح ترثي المكرمات وتندب
كأن بشير الصبح اجفل رهبةً ... من الأرض يدنو تارةً وينكّبُ
كأن عبوس الأفق يلطم خدَّهُ ... فلاح عليهِ أحمر اللون أصهبُ
كأن الضحى قد شقَّ جلبابهُ أسى ... فلم يدرِ أنَّي بعدهُ يتجلببُ
نسيب ارسلان
стр. 1262
رواية عطيل
ترجم حضرة الكاتب الشاعر الشهير خليل أفندي مطران رواية عطيل لشكسبير؛ ومثَّلها في تياترو الأوّبرا الخديوية جوق جورج أفندي أبيض نابغة التمثيل العربي. ثمّ تمنى جمهور الأدباء على المترجم الفاضل أن ينشر هذه الرواية بالطبع , فصدَّرها بمقدمة بليغة درس فيها الشاعر الانكليزي وروايته هذه درساً جميلاً جدًّا فنقلاه عنهُ. والرواية لا تلبث أن تتداولها أيدي القراء. قال خليل: ندبَني لتعريب هذه الرواية جورج أفندي أبيض صاحب الفرقة (الجوق) المعروفة الآن باسمه , فترددتُ زمناً , ثم أتيح لي أن رأيتهُ يمثّل تجربة من أديب فأعجبني إتقانه وإتقان بعض أعوانه واستخرتُ الله في نقل عُطَيل إلى لغتنا الشريفة فلأذكرْ أولاً ما دعاني إلى اختيار اسم عطيل ردًّا على بعض المعترضين كان عُطيل في زعم القصَّاص الذي نقل عنهُ شكسبير أصل هذه الحكاية , بدويًّا مغربيًّا جلا إلى البندقية وخدم في جيشها حتى أصبح قائده الأكبر , وعقيدة في الملمَّات. والمغاربة يومئذ خليط من العرب والبربر المستعربة. فأمَّا أن يكون قد دعي منذ مولده باسم إفرنجي فغير مجتمل , وأمَّا أن يكون قد دعي باسم عربي حرَّفته العجمة , فهو الأصح عقلاً. فإذا أرددنا أو تلّلو إلى لسانهِ الأصلي , فالذي يستخرج من حروفهِ أحد اثنين: عطاء الله أو عُطيل. فأما عطاء الله فلم أتوصل إلى تحقيق أن مغربيًّا واحداً سمّي بهِ ولهذا ضربتُ عنه صفحاً , وأما عُطيل فقد اعتقدت أنهُ الأخلق بالاختيار لسببين: أحدهما أنهُ أشبه بما جرت عادة العرب على تسمية الزنوج بهِ من ألفاظ التحبيب أمثال مسعود ومسرور وزيتون ومرجان للذكور , وخيزران وضياء للجواري. ومعلوم أن عطيلا تصغير تحبّب لصفة عُطْل بمعنى عاطل أي خلوٌ من الحلية فتسمية أحد الزنوج به إنما هي محاكاة صحيحة لإصلاح العرب. وثانيهما لأن عُطيلُ بضم أوله ورفع أخره مع تخفيف التنوين أقرب إلى أوتللّو من اسم سواه
стр. 1263
بقي في هذا الصدد أن أقول مروراً للذين تمنّوا لو أبقيت اسم أوتللو كما أورده المؤلف , إنني لم أوافقهم على هذا لأنني كرهت أن أُثبت في العربية اسماً من أسمائهم على الرطانة التي حرَّفتهُ إليها العجمة لغير ما سبب سوى الشهرة التي اكتسبها على تلك الصورة , في حين أنهُ لا يتعذَّر علينا إكسابهُ مثلها وهو مردود إلى أصله التقديري أو التحقيقي من غير أن نسوم مسامعنا جراحة تحريفهِ. ذلك ما أوحى إليَّ اليقين أنهُ
خير وأولى بعد هذا التفسير الذي تقاضتني إياه بعض الصحف , ونفر من الأصدقاء ,
ارجع إلى رواية ولي فيها مبحثان موجزان , من جهة الأصل , ومن جهة التعريب
أما من جهة الأصل فأقول أن أضع هذه الرواية إنما هو نابغة الادهار في فنهِ وأعني بهِ شكسبير. وضعها لإظهار الغيرة وتأثيره في الرجل بأقوى وأصدق ما دلَّ عليهِ الاختبار من أمرها , ولذلك اختار عاشقاً أفريقياً بدوي الفطرة - ليكون وثَّاب الشعور عنيفهُ - عسكريَّ المهنة - ليكون سريع التصديق والانخداع - مكتهلاً أي في أوَّل الانحدار من سنّ الأربعين - ليكون أشدّ في التعشق كما هي شيمة أمثاله ممن يسطو عليهم الحب بعد انقضاء الشباب وليكون أيضاً في الحالة التي يتهم فيها الإنسان نفسه بفقدان أكثر الصفات التي يقتضيها الغرام ولا سيما حيثما يكون المستهام أسود البشرة من إحلاس الحروب , والمستهام بها بيضاء منعمة من قوم فسدة الأخلاق مترفين ذلك هو الغرض الأساسي العام الذي رمى إليه شكسبير فأصاب بهِ دقائق الحقائق إصابة كانت في جملة ما حمل أكابر المفكرين وأعاظم المكتبة على الشهادة له بأنهُ أخبر خبير بخفايا القلوب , وأمهر كشاف لخباياها ثم إنهُ أدار حول هذا المحور غرضين ثانيين: أحدهما إثبات أن العفة لا تنتفي من مدينة مهما فسقت بل قد تزداد تمكناً من نفس المرأة المتحصنة بمقدار ما تندر العفة بين جيرتها وفي عشيرتها , والثاني تبيين الاحتيال ونهاية ما يبلغهُ من نفس رجل
стр. 1264
ذكي مطاع خسيس أصمّ الضمير , مستبيح كل محرم , مستهين كل منكر في سبيل غايتهِ كيف صرف شكسبير قريحته العجيبة في ألوف الجزئيات التي تؤدّي إلى تصوير الغرض الكلي والغرضين الملحقين به؟ ذلك ما يقف عليهِ القارئ من مجرَّد مطالعته للرواية فإنهُ يشعر قليلاً قليلاً إن الأسماء تمحي وتستبدل بأشخاص مقوَّمين في أصلح تقويم لكل منهم ويدخل متدرّجاً من الوهم في الحقيقة فيرى وهو يسمع ويسمع وهو شاهد مَشاهد مما ألفهُ في الحياة لا يردّه إلى كونهِ قارئاً سوى انتهائهِ إلى دفة الكتاب ومن جهة هذا التصوير الأخَّاذ الذي يصوّر بهِ شكسبير الحقيقة رأى بعض جهابذة النقاد أن ذلك الأستاذ العظيم يبالغ فيهِ مبالغة قد يجاوز معها الحدود التي يرسمها الفن. صدقوا ولكن هل كانت عبقرية هذا الرجل لتحد بحدود , وهل مثل العقل الذي روقهُ كان مما يقيد بقيود؟ الشاعر الذي افتتن فكتور هوجو بغرابة شعره , ووجد عند فراسته وطلاقته وقوَّة تمثيله للمعنويات بالحسيات , مبدأ المذهب الحرّ الذي ذهب إليهِ فيما بعد هو وأضرابه وأصبح سنَّة الكتاب في العالمين الكاتب المنقّب
المتعمق في مظاهر الخلائق ومضمراتها مع قدرة على المحاكاة ومهارة في الاختيار وبراعة في التأليف وسلطة على اللفظ يستدني بهِ أبعد المعاني ويقيد أوابد الوجدانات , الذي أعجب بهِ المؤرخ الفيلسوف تاين وناهيك بألوف المعجبين غيره من قبله ومن بعده الأديب الذي تترجم مكتوباته على وفرتها إلى كل لغات الدنيا , وفي بعض اللغات كالفرنسوية تكثر تلك الترجمات وتتنوع ويجيز إحسانها المجمع الأدبي الأكبر كما أجيزت ترجمة مونتيجو وليتورنور وغيرهما فتطلع الأمم المختلفة الألسنة والأجناس والأذواق والملل والنحل على مكتوباتهِ سواء في أصلها أو في غير أصلها , وتقرّها في أعلى منزلة عندها لجمعها المُذهب والمطرب إلى المفكه والمفيد والمبكي والمضحك إلى الزاجر والمؤنس
стр. 1265
أهذا الذي يطلب منهُ أن يكون أسير اصطلاح وعبد لفظة ورقيق أوضاع سبق الاتفاق عليها خرج شكسبير عن ذلك الطوق ونعمًّا فعل. ولو أبقاه في عنقهِ لما اشرأبَّ صعداً إلى مناجاة أجرام السماء , ولا أطاق الإِكباب إلى أبعد أغوار الأسرار في الطبائع البشرية من ذلك المنجم العظيم نجمت عطيل وهي إحدى آيات مستخرجاته ولما كنت أعهده فيها من نادر المزايا وجدتُ من كلفي بها معواناً على معاناة تعريبها
فأما من جهة التعريب فأقول أن في نفس شكسبير شيئاً عربياً بلا منازعة وهو أبين فيها مما بان في نفس فكتور هوجو. أقرأ لغتنا أم نقلت إليهِ عنها بعض المترجمات الصحيحة؟ لا أعلم. ولكن بينه وبيننا من وجوه متعددة مشاكلة محيرة , فإن عنده مثلما عندنا جرأة على الاستعارة وذهاباً بضروبها في كل مذهب , وله مثل ما لنا كلفٌ بالتنقل الوثبي من غير تمهيد ولا استئذان يدفعك من القصد إلى القصد وشيكاً وعليك أن تتمهل في فكرك وتجد الرابطة , وبهِ مثل ما بنا من الهيام في المبالغة التي لا يقبلها من الكاتبين ولا يعقلها من القارئين إلاَّ الذين في تصوُّرهم حدَّة وجماح كما يكون عادة عند الشرقيين وخصوصاً عند العرب. وعلى الجملة ففي كل ما يكتبهُ شكسبير شيء من روح البداوة قوامه الرجوع الدائم إلى الفطرة الحرة تناولتُ الرواية لأعرّبها وكأنني أنوي ردّها إلى أصلها كما رددتُ اسم عطيل وقبل أن أشرع فيها تفكرت في الأسلوب الذي اختاره لها أهو ذلك الأسلوب المخرّق الذي تشف الفصاحة فيه عن رقع العامية؟ لا وأفأً لا فتا لله لو ملكتُ تلك العامية لقتلها بلا أسف ولم أكن بقتلي إياها إلاَّ منتقماً لمجد فوق كل مجد ,. نزلتْ من هيكله الذهبي الخالص
الرنان منزلة الرجلين الخزفيتين القذرتين فهو فوقهما متداعٍ وبهما مشوَّه , منتقماً لأمة كسرت العامية وحدتها وكانت عليها أكبر معوان للتصاريف التي مزَّقتها في الشرق والغرب كل ممزق ,
стр. 1266
منتقماً للفصاحة نفسها وأية فصاحة في خَشَارة لا تصيب فيها الأصل إلا وقد تلوَّثت بذريرات لا تحصى من أوضار الرطانات بأنواعها بُعداً لهذه الأسلوب إذن! ولنختر غيره. . . أنؤثر الأسلوب الجزل المتين القديم؟ لا ولا! لأن الروايات إنما تكتب ليفهمها القوم ويستفيدوا منها مغزى بجانب التفكهة. أفنعكس عليهم تلك السنَّة الشريفة التي سنها النبي القرشي بقوله (أمرتُ أن أخاطب الناس على قدر عقولهم) بعد هذا وذاك لم يبقَ إلاَّ الأسلوب الوسط وهو الذي تكون بمقتضاه الألفاظ كلها فصيحة لكن سهلة , وتفكك الجمل تفكيكاً يقرّب مراداتها من الإفهام بمحاكاته لفنون المحادثات المستجدة من غير أن يفوتنا الالتفات في ذلك التفكيك إلى أشتات ما صنع أدباء العرب من مثله لمناسبات مخصوصة وإن لم يألفهُ جمهور الكتَّاب الاحتفاليين هذا هو الأسلوب الذي آثرتهُ وأرجو أن أكون قد وفقت فيهِ بعض التوفيق فتجمع معه لهذه الرواية مزيتان: أحداهما أنها تكون عربية فصيحة لولا الإعلام ولولا تشقيق الكلِم على ترتيب المخاطبة بين الفرنجة قديماً وحديثاً , والثانية أنها تمثل أقوال شكسبير حرفاً بحرف ولفظة بلفظة مع مراعاة انطباق كل منها على الاصطلاح الديني لو الاجتماعي الذي لها عند القوم الممثَّلين فيصحُّ أن تكون هذه التجربة مثالاً للتعريب يتحداه طلبة المدارس
خليل مطران
نوابغ مصر الأحياء
لا تزال رسائل القراء ترد علينا بكثرة رداً على اقتراحنا الذي نشرناه في الجزء السابق فرأينا والحالة هذه أن نرجئ نشر النتيجة إلى الجزء الآتي
стр. 1267
تربية الطفل
الغوط - والتبرُّز
على المرضع أن تتعهدْ الطفل من وقت إلى آخر وهو في مهده , فإذا كان مستيقظاً فقد يحتاج إلى إضجاعهِ على الجانب الآخر حتى يكون مستريحاً. فإذا لم يفد ذلك واستمزَّ مستيقظاً مع صراخ يجوز أنتكون إحدى اللفافات مبلولة من الغائط أو البول ويحتاج الحال إلى تغيرها , ومن الغريب أن الطفل وهو في مبدأ حياته يكره رطوبة الملابس ولا بدَ من أن تكون الملابس نظيفة جدًّا وجافة قبل استعمالها. ولا يحسن استعمال الصودا في غسيل الملابس لأنها تحدث طفحاً في جلد الطفل لأنه يكون رقيقاً في هذا الوقت. وأما إذا كانت الصودا ضرورية لتنظيف الملابس أثناء الغسيل , فلا بدَّ من إزالة كل آثارها بتكرار غسلها بالماء الخالص. ولا حاجة إلى القول أنه يجب غسلها أو تجفيفها في مكان آخر يبوّل الطفل عادة بعد ساعات قليلة من الولادة ويتبرز في هذا الوقت أيضاً ولون البراز أسود في الأيام الخمسة الأولى وهو اللون الطبيعي. وعلى كل من يعتني بأمر الأطفال أن يلاحظ النقط الآتية: نوب التبرز في الأربع والعشرين ساعة الأولى هي اثنتان أو ثلاث , والمواد تكون بدون رائحة كريهة ولنها أصفر (فاقع) بعد الخمسة الأولى , والمواد
стр. 1268
تكون رخوة ولا تتشكل إلاّ بعد زمن طويل. وليس فيها كتل بيضاء (لأن الكتل البيضاء تدل على اللبن غير المهضوم): وأما البراز الأخضر المحتوي على كتل بيضاء فيجب استشارة الطبيب في شأنه , وكذا المواد البرازية ذات اللون الردغ سواء كانت محتوية على دم أم لا , لأن الوقاية من أمراض المعدة والأمعاء أسهل من معالجتها. وأما المواد البرازية الجامدة فتحتاج إلى علاج أيضاً خشية أن يتعوَّد الطفل الإمساك ويجب تغيير الفوطة المبولة بأخرى خشية تهييج الجلد. وعلينا أن نجفف الجلد جيداً ونذرّ عليهِ قليلا من المسحوق قبل وضع الفوطة النظيفة. وتنظف الآليتان جيداً بعد كل تبرُّز مع تجفيفهما وذرّ قليل من المسحوق عليهما. ويستحسن البعض وضع قليل من المرهم على الآليتين بدلاً من المسحوق. ولا بأس من ذلك إذا عمل المرهم من أجزاء متساوية من مرهم زنك وزيت الزيتون. وأما إذا أحمرَّ الآليتين فاستعمال المرهم المذكور واجب
لبن الأم
يختلف لبن الأمهات كمية وصفة , وعند بعض الأمهات اللبن الكافي بعد مضي ١٢ ساعة من الولادة. والبعض الآخر لا يوجد عندهنَّ اللبن الكافي إلاَّ بعد ثلاثة أيام. فإذا ظهر اللبن في ثدي الأم في الإثنتي عشرة ساعة الأولى بعد الولادة يحسن إرضاع الطفل في هذا الوقت , لأن الطبيعة قد هيأت في لبن الأم كل ما يحتاج إليهِ الطفل من التغذية
стр. 1269
وفضلاً عن ذلك فاللبن الذي يخرج من الثدي بعد الولادة مباشرة يكون له تأثير خاص في أمعاء الطفل. ويعرف هذا اللبن باللبآ , ويختلف عن اللبن الذي يظهر في الثدي بعد ذلك بكثرة المواد الذهبية فيهِ. وإرضاع الطفل من الثدي يحدث تنبيهاً ويحرض على إفراز اللبن. وأما إذا لم يظهر اللبن في اليومين الأولين فيمكن إعطاء المولود كل ثلاث ساعات أو أربع ملعقة شاي من اللبن والماء. ويحضَّر اللبن بإضافة جزء من اللبن الحديث إلى ثلاثة أجزاء من الماء النقي المغليّ جيداً في إناءٍ نظيف ويمكن استعماله بعد ذلك متى هبطت حرارته إلى درجة ١١٠ (فارنهت)
كيف يرضع الطفل
تحتاج الأم إلى قليل من المهارة حتى تستطيع أن ترفع طفلها من ثديها؛ ولإرضاعهِ من الثدي اليسرى عليها أن تضع الطفل على ركبتيها وذراعها اليسرى حتى يكون رأسه أعلى من رجليهِ وحتى يمكنها أن تجذبهُ إليها متى أراذت. وهي مع ذلك تسند جسمه ورأسه. ويحسن أن تضع الأم تحت مرفقها وسادة صغيرة , وتوضع الحلمة في فم الطفل , وتمنع الأم بسبابتها والأصبع الوسطى من اليمنى فيسند الطفل باليد اليمنى ويمنع الثدي من الضغط على أنف الطفل بأصابع اليد اليسرى. ويختلف زمن الرضاعة من ١٠إلى١٥ دقيقة وعلى المرضع أن تلاحظ أيبلغ الطفل اللبن أم لا وإذا داخلها شك في ذلك فعليها أن تزنه قبل الرضاعة وبعدها مباشرة.
стр. 1270
ومن الأطفال من يفهم عند أخذه إلى صدر أمهِ الغرض المقصود فيلتقم الثدي بسهولة , ومنهم من يحتاج إلى عناية وإغراء للإرضاع. وقد يجب أحياناً أن توضع نقطة من جلسرين البورق على الحلمة لاستغواء الطفل لالتقامها , أو ربما كان عدم بروز الحلمة هو السبب في عدم استطاعة الطفل للرضاعة , وكل ما يلزم وقتئدٍ هو أن تضغط ضغطاً خفيفاً حتى تبرز وبعد انتهاء الرضاعة يبقى الطفل ساكناً قليلاً من الوقت ثم يوضع في مهده حيث ينام نوماً هادئاً غالباً حتى يأتي ميعاد الرضاعة الثانية
وتغسل الحلمة , بعد كل رضاعة , بقليل من الماء الدافئ وتنشف جيداً , ويحسن استعمال ثدي واحدة لكل رضعة لأنه لا يحسن أن يرضع الطفل من الثديين في كل مرَّة بل يلزم أن يرضع مرَّة من الجهة اليمنى والمرة الأخرى من الجهة اليسرى وهكذا بالتناوب
الدكتور محمد عبد الحميد
إلى قراء الزهور
لدى الزهور مقالات كثيرة اضطَّرنا ضيق المكان في هذا الجزء إلى تأجيلها , فليعذرنا كتَّابها الأفاضل. وإننا نغتنم هذه الفرصة لإِعلان الذين يرسلون إلينا دائماً القصائد والمنظومات الشعرَّية على اختلافها , إنَّ الزهور لا تنشر في رياض الشعر إلاَّ ما كان من الطبقة الجيّدة منه وعبثاً يلحُّ علينا الناظمون الأدباء
стр. 1271
السيدات والقلم
مضت الأيام الطيبة على دول الشرق , دول تجاوب على أفنانها الشعراء والشاعرات , والكاتبون والكاتبات. حيث أصاخت عروشُ الملوك والملكات لكل مُسمعٍ ومُسمعة من سادة الكلام. ومضت الأيام الطيبة على دول الغرب , دول أطلعت من آفاقها وجوه المطربين والمطربات , أصحاب الفن وصاحباته. حيث تألقت التيجان على محاسن الوجوه ومحاسن النفوس. ولكن أدرك الشرق الكبرُ حتى أورثه ألَلكَن وسرَت على الغرب نسمة الحياة فجدَّ وتقدَّم ملكاتنا وولائدنا بتنَ عواقر , وملكاته وولائده أنجبنَ وأكثرنَ. فما خلَّفتْ عنان التي زعموا , ولا ولاّدة التي وصفوا , قينةً ولا أميرةً. ولقد أتت بعد مرغريت ده فالوى ومدام ده سفينيه كثيرات مثل مدام ستايل وجورج ساند. بلى أتت عقائل متوَّجات مثل ملكة الانكليز المرحومة فيكتوريا , ومعاصرتها كرمن سلفا. فباتت سماءُ الغرب حالية , وسماؤُنا عاطلة على أننا أصبحنا اليوم نرى في الشرق سيدات يبارينَ الرجال , ويجاوزنَ كلَّ سابق منهم. وكنا ظننا حقبة من الدهر أن لن أسمع ذلك الترجيع يخالطه ذياك الأنين , ولكن العصر ربيع الشباب , والميدان روض الحياة فأهلاً بالساجعات المطربات أعجبتُ إعجاباً شديداً بما نسجته أنامل الكاتبة الفاضلة السيدة هند عمون في تاريخ الخواتم. فذلك فصل أقل محاسنه أنه بلا نظير وقد تنظر عيني في هذه (الزهور) الطبيعية فترى كل زهرة كأنها ثغر الأمل فأقول لمن الزهرة , فيُقال لفلانة الفاضلة. أهلاً بالزهرات في حديقة الزهور. .!
стр. 1272
كنت قاربت الكبر. وأدركني الأعياء. وها أنا اليوم اسمع بلابل الله في ملكه فأجاوبه. ما هذا بنات هديل , وإنما هي بنات حواء. آن لأقلامنا أن تختار أحسن ما عندها من الدرر تلك الأجياد جديرة بهذه العقود. . .
ولي الدين يكن
جريدة الأخبار
بلغت الصحافة المصرية منزلة سامية من الترقي واشتغل بها في العهد الأخير جمهور من كبار الكتاب ورجال السياسة , فأصبح لها تأثير بليغ في الرأي العام , فرأينا أن نخصّ من حين إلى آخر كل جريدة بفصل يصوّرها لقراء الزهور من حيث خطتها وأسلوبها وكيفية تحريرها. ونبتدئ في هذا الجزء بجريدة الأخبار لمناسبة عودتها إلى الظهور في هذه الأثناء على أثر توقيفها شهرين بمقتضى القرار الذي أصدره مجلس النظار
الأخبار - أنشأها صاحبها سنة ١٨٩٦ بالاشتراك مع داود أفندي بركات رئيس تحرير الأهرام اليوم. وتوقفت سنة ١٩٠٠ ثمّ عادت إلى الصدور سنة ١٩٠٦ فكانت أول جريدة عربية مصرية تصدر في الصباح. وهي أصغر الصحف المصرية حجماً ولكنها من أغزرها مادَّةً بالنظر إلى الأسلوب الذي توختهُ في إيراد الحوادث. وقد كادت تقصر أبحاثها على الشؤون المحلية أو ما كان لهُ علاقة بها من الشؤون الخارجية. وأنك لتقرأ الخبر في صحف المساء ثمَّ تصبح فتقرأه في الأخبار فلا تستنكف من معاودة قراءَتهِ لأنك على يقين من أنك ستجد في طريقة إيراده شيئاً جديداً. وللأخبار على سائر الصحف ميزتان: الأولى أنها تنشر ما لها وما عليها تاركة لمن يكتب فيها الحرية التامة في إبداء فكرة ولو جاء هذا الفكر مخالفاً لمذهبها , والثانية أنها ذات اعتناءٍ خاص بعنوانات أخبارها ومقالاتها
стр. 1273
حتى لقد يجيء العنوان فيها وحدَه أبلغ من مقالة طويلة. ولقد جرى بعض هذه العنوانات مجرى المثل بين القرَّاء أما الشيخ يوسف الخازن صاحب الأخبار فهو معروفٌ بشدَّة الذكاء وتوقد الذهن. وهو من أكثر كتَّابنا حفظاً للتاريخ ونوادره وأقدرهم على الاستشهاد بها عند اللزوم , فتراه دائماً أبداً حاضر القريحة لإيراد حادثة أو نكتة يطبّقها على حوادث اليوم , يظهر لك ذلك في حديثه كما يظهر في كتابته , وقد حلَّى كثيراً بالدرس والمطالعة السليقة الانتقادية التي عرفت بها الأسرة الخازنية. وله من هذا القبيل نكت وأجوبة تروى بين الناس. والشيخ لطيف المعاشرة لا يملهُ جليسهُ.
стр. 1274
وخصومه السياسيون أنفسهم يشهدون له بخفة الروح. وفد لا تفارق الابتسامة ثغره - كما ترى في رسمهِ الذي أمامك - وهي غالباً ابتسامة استهزاء من كل شيء. . عثرنا في بعض أعداد الأخبار على مقالة نعتقد أن الشيخ قد كتب مقدَّمتها وهو أمام المرآة يصوّر نفسه إذ قال لي صديقٌ شاذُّ الأخلاق , غريب الأطوار قلما يتفق رأيهِ , مخالفاً للجمهور في حكمهِ. وليس السبب في ذلك اعتاد معظم
الناس أن ينظر إليها منهُ , فيكشف أموراً جديدة قد تخفى على الآخرين , وهو يعبّر عنها تعبيراً فكهاً لا يخلو من نكتةٍ تسرُّك فتجعلك تضرب صفحاً عن شذوذه وغرابة أطواره لاسيما وأنهُ بعيدٌ عن المكابرة فلا يحاول أن يقنعك بصواب رأيهِ بل يقول هذا رأيي والسلام وصاحبنا مزيجٌ من التعصب والتسامح بل هو بوجه عام شديد التعصب لمذهبهِ فلا يخط حرفاً إلا تأييداً لهذا المذهب أو انتقاداً للمذهب المخالف , وإن كان ذلك لا يظهر لأوَّل وهلةٍ في جريدتهِ التي أباح أعمدتها لكل المذاهب. ومن رأي السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار أن خطة الأخبار تظهر في ما تختاره من أقوال الصحف أكثر مما تظهر في مقالاتها الخاصة. وقد أثَّت أخلاق الرجل في أسلوب الكاتب أي تأثير حتى صحَّ فيهِ قول بوفون الكتابة هي الرجل فجريدته هي صورته المعنوية وهو شديد الولع بها فقد ضحى لأجلها في مراكز عديدة عُرضت عليه وأنفق في سبيلها حتى اليوم ستة آلاف جنيه من ثروتهِ. وهو كثير التأني في كتابتهِ شديد الحكم على إنشائهِ , يكتبُ ويشطب ويشذّب ويمزّق كثيراً قبل أن يدفع إلى الطبع مقالة لا تتجاوز العمود فهو من هذا القبيل أقلّ الصحافيين مقدرة على سدّ الفراغ , على أن مقالته تخرج بعد ذلك موسومةً بسمتهِ الخاصة فتُعرف بهِ ويشاركه الآن في تحرير الأخبار توفيق أفندي حبيب , ومقالاتهُ لا تخرج عن دائرة التعليق على الحوادث اليومية بأسلوب فكاهي لذيذ لا يخلو غالباً من
стр. 1275
ملاحظات دقيقة وقرصات انتقادية , وهي غالباً موقعة بإمضاء محدّث وله أبحاث حسنة في شؤون طائفتهِ القبطية؛ وقد لا تعجبك المقالة منهُ على أنك قلما تضجر أو تسأم منها. وهو كثير المطالعة , يقرأ كلَّ ما تصل إليهِ يدُهُ مما يطبع باللغة العربية , وله ذاكرة قوَّية تجعله بمثابة قاموس للحوادث المصرية على عهدهِ , ويصعب على الشيخ يوسف أن يجد مساعداً للتحرير أطوع من توفيق حبيب وأقرب منهُ لفهم أفكاره , كما أنهُ يصعب على توفيق حبيب أن يجد صاحب جريدة يترك له الحرية في الكتابة كصاحب الأخبار , ولذلك قد مرَّت عليهما بضع سنوات وهما جليسان إلى طاولة تحرير هذه الجريدة , وكلاهما راضٍ عن صاحبه
معرض الزهور السابع عشر
في الإسكندرية
في الإسكندرية جمعية زراعية أوربية النشأة , وطنية العمل , تقيم في كل سنة معرضين تشهر بهما عملها , أحدهما في أواخر شهر ابريل وتسمية معرض الزهور , والآخر في أواخر شهر نوفمبر وتسمية معرض الأقحوان والأول يطلق عليه اسمه بالغلبة لأنه يكون معرضاً للزهور وطوائف متنوعة من النباتات , وأصناف شتى من البقول والفواكه والخضروات. والثاني يطابق اسمه مسماه لأنهُ لا يعرض فيهِ غير
стр. 1276
طوائف الأقحوان. وما أكثر أشكالها وألوانها. وكلا المعرضين يفتح في وقتهِ يومين متواليين - السبت والأحد - وبديهي أن الجمعية إنما تختار هذين اليومين لأنهما يوما الراحة والتنزه في الإسكندرية , ويكثر إقبال الجمهور فيهما على مشاهدة معروضاتها الجميلة فشهر ابريل نيسان الحالي هو شهر معرض الزهور. وقد فتح هذا المعرض في يومي السبت والأحد الواقعين في ٢٠و٢١ منهُ وأقبل الألوف من الناس يتمتعون برؤية زهوره وبقوله منسقةً أبدع تنسيق وقد جرت العادة السنوية أن يحتفل بافتتاح معرض الزهور بحضر أمير البلاد أو نائب ينوب عن سموه من أمراء العائلة الخديوية , ولكن في هذه السنة كانت حفلة افتتاحه بسيطة على خلاف العادة فقد جرت بحضور أعضاء الجمعية وجماعة من أصحاب المعروضات وجمهور من الزائرين. ولم يرأسها أحد من الأمراء ولا النظار غير أن ذلك لم يؤثر في رونق المعرض ولا أنقص من جماله في نظر الجمهور
قبل أن نصف معرض الزهور يجمل بنا أن نورد لقراء الزهور نبذة موجزة عن نشأة الجمعية صاحبة هذا المعرض لأنهُ من ثمار أعمالها: كثير من الناس من يظنُّ أنَّ الجمعية الزراعية في الإسكندرية هي نفس الجمعية الزراعية في القاهرة , أو هي فرعٌ منها. والحقيقة أنها مستقلة عنها تمام الاستقلال , وعملُ هذه يختلف عن عمل تلك. ووجه الشبه بينهما , من حيث الاشتغال بالزراعة , أن الأولى هي بمثابة البستاني الفلاّح. وكلتاهما تقوم بعملها تحت رعاية الجناب العالي الخديوي رئاسة دولة الأمير حسين باشا كامل. ومصر في حاجة إليهما معاً قبل أن تنشأ هذه الجمعية في الإسكندرية منذ سبع عشرة سنة خطر لبعض وجهاء الانكليز من موظفي الحكومة المصرية والنازلين في هذه المدينة أن
يقيموا معرضاً للزهور هنا على نمط المعارض الزهرية التي تقام في انكلترا. فاستعدوا لذلك
стр. 1277
وانشأوا معرضاً صغيراً من هذا النوع في النادي العمومي الانكليزي المعروف بنادي جنود والبحر. فكان كأنهُ معرض للنزالة البريطانية في الثغر إذ لم يهتمّ بهِ غيرها من سكان الإسكندرية إلاَّ قليلاً. وبعد سنةٍ من الزمن أقاموا معرضاً آخر في نفس المكان فكان هذا أفضل من المعرض الأول سنة ١٨٩٦ رأى أولئك الغواة أن يوسّعوا دائرة عملهم ويؤلّفوا جمعيةً زراعية للمثابرة على ترقية توليد النبات والزهور في هذا القطر , وإقامة المعرض في كل سنة. وكان كذلك. فأنهم ألّفوا الجمعية برئاسة الأميرال بلامفليد الذي كان مديراً لمصلحة المواني والمنائر في الإسكندرية , وأرسلوا إلى الجناب الخديوي يلتمس منهُ أن يشمل جمعيتهم برعاية السامية , فُسرَّ سموه من المشروع وجعل الجمعية تحت رعايتهِ؛ وانتخب دولة الأمير حسين كامل باشا رئيس شرف للجمعية , والأمير عمر باشا طوسون وكيلاً لها واتفقت الجمعية مع شركة فنادق ننكوقتش على إقامة أول معرض رسميّ في تلك السنة في فندق سان ستيفانو في يومي السبت والأحد الواقعين في ٢٢٣ ابريل نيسان و٢٤ منهُ , وطلبت إلى سمو الأمير أن يفتتح هذا المعرض , ولكنَّ سموَّهُ اعتذر وقتئذٍ عن الحضور وأناب عنهُ دولة البرنس حسين باشا كامل فرأس حفلة الافتتاح كان المعرض الأول صغيراً فأقيم في قاعة البهو من بناية كازينوسان ستيفانو. ولكنَّ الجمهور هرع لمشاهدة الزهور التي تعرض في منتزه عام؛ فضربت الجمعية على الدخول رسماً قدرُهُ خمسة غروش صاغ عن كل شخص , وجمعت من تلك الضريبة مبلغاً كبيراً , لأنَّ عدد الذين زاروا المعرض بلغ نحواً من خمسة آلاف. ولا يزال هذا الرسم بعينه مورداً من موارد الجمعية. وفي سنة ١٨٩٧ تبنَّت جمعية الزراعة البريطانية في لندن جمعية الإسكندرية , وأباحت لها استعمال مداليتيتن من مدالياتها فلورا وبنكسيان - من سنة ١٨٩٧ إلى سنة ١٩٠٣. ثم استقلَّت جمعية لندن بمدالياتها , وضربت مداليات مخصوصة للجمعيات التي تستمدّ رعايتها ,
стр. 1278
ومنها جمعية الإسكندرية. ولما رأت الجمعية الزراعية الخديوية في القاهرة ترّقي جمعية الثغر في السنة التالية , أرسلت إليها أربع جوائز لتقدّمها للفائزين من العارضين. ومن ذلك الوقت صارت تمدُّها بالمساعدة المستمرّة. وكانت الجمعية تدعو لمعارضها الأولى أفواجاً من تلاميذ المدارس من ذكور وإناث , وتوزّع
عليهم باقات الزهور عند انصرافهم إلة منازلهم , ولكنها أبطلت تلك العادة عند نجاح معارضها
أما معرض الأقحوان فقد أُنشئ في سنة ١٩٠٢؛ وكان إيراده لأول مرّة أكثر من نفقاته. وكان افتتاحه في يومي السبت والأحد - ٢٩و٣٠ أكتوبر - ولا يزال يجيء في وقته تالياً معرض الزهور وقد اضطَّرت الجمعية قديماً إلى إقامة معارضها في فندق أبات القديم وبورصة البرنس طوسون دار الجمعية اليونانية في الإسكندرية , ومنذ عدة سنوات لم تعد تقيم معرضاً في غير سان ستيفانو. وإدارة الفندق المذكور لا تتناول من الجمعية أجراً على إشغالها ساحة بنايتها بخمائل الأزهار , بل تكتفي بما تستورده بسبب المعرض من أثمان المشروبات والمأكولات , وهو شيء كثير. أما إيراد الدخول فتأخذه الجمعية كما تقدّم.
كانت الجمعية عند نشأتها فقيرة تجمع من أعضائها من المال ما تستعين بهِ على القيام بعملها في الزراعة , ولكنها كانت حكيمة مقتصدة لا تشتغل إلاَّ بقيمة ما تستوردهُ. ولم تخطو خطواتٍ سريعة في ميدان العمل إلاَّ منذ سنة ١٩٠٧ , فإن الحكومة منحتها في تلك السنة إعانة سنوية قدرها ٦٠٠جنيه , فوسعت دائرة زراعتها , وعيَّنت لها سكرتيراً خاصاً هو المستر فش الذي لا يزال يشغل مركزه فيها بكل كفاءة. ثم أعطتها بلدية الإسكندرية بقعة أرضٍ في حديقة النزهة لنجري التجارب الزراعية فيها , وجعل السكرتير مكتبه في تلك الحديقة الواسعة للإشراف على العمل , ومنذ تلك السنة صارت تستغلّ زراعتها
стр. 1279
وفي سنة ١٩٠٩ استأجرت من مصلحة الأوقاف الخديوية عشرين فدانً من أرض عزبة خورشيد القريبة من الإسكندرية لمدة ثلاث سنوات , الفدان بأجرة ١٣جنيهاً في السنة. وفي سنة ١٩١١ زادت الحكومة إعانتها فجعلتها ٨٠٠جنيه وعنيت هذه الجمعية منذ نشأتها بتهذيب مغروسات البساتين وغروس ما لا يعرفهُ المصريون من أشجار الفاكهة الأجنبية , والنباتات المتنوّعة في أرض مصر. وقد توصَّلت بقوَّة تجاربها الكيماوية والفنيّة العديدة إلى إدخال بضعة أصناف جديدة على ما نراه عندنا من البقول والفاكهة والأزهار. ونذكر على سبيل الاستشهاد فيما يأتي بعض ما رأيناه من الجديد في المعرض الأخير: الليمون الحامض النباتي , وهو أشبه بالليمون البلدي والرشيدي إلاَّ أنهُ أكبر حجماً ولا نوى فيهِ , والبطاطس الانكليزي وهو نوع من أجود أنواع هذا الصنف والباميا البيضاء , واللفت
الذي يستعمل لاستخراج السكر , وأنواع كثيرة من البقول والخضروات. وكثير من أنواع الزهور والرياحين وأخصها الجيرانيوم وزهر الايرس الإسباني. وهي تشتغل الآن بتلقيح البرتقال البلدي بالبرتقال اليافاوي المعروف بالشموطي وتحسين الصنف المعروف باليوسف أفندي المصري وقد أهدت إليها إدارة الزراعة في الولايات المتحدة عدَّة أنواع من أشجار البرتقال والخوخ والدرَّاقن. استحضرت من اليابان أنواعاً من الأشجار والبقول وهي تستعمل في زراعتها السباخ الكيماوي وأخصُّ تراكيبه ما كان ممزوجاً بفوسفات حمض الكلس والبوتاس ونترات السودا. وتستخدم أحدث الأدوات الزراعية وتبيعها للطالبين. وكانت منذ بضع سنوات توزع البذور على الزراعيين مجاناً تشجيعاً لهم على إتباع خطواتها في العمل. أما الآن فتبيع البذور وغيرها برأس المال ولولا ذلك لكانت أرباحها وافرة معرض الزهور الذي أقيم في هذا الشهر هو مجموعة نموذجات متنوّعة مما تغرسهُ الجمعية في أرضها - ما ذكر وما لم يذكر - ومما يزرعهُ غواة الزراعة ورجال الحقول من شتى الأزهار والنباتات والبقول على اختلاف أنواعها وأشكالها وألوانها
стр. 1280
ساحة المعرض هي ساحة كازينوسان ستيفانو الداخلية المشرفة على البحر من الجهة الشمالية. وقد نسفت فيها أنواع المعروضات تنسيقاً هو كل جمالها الفني ولا يخفى أن الزهرة لا يعوزها شيٌ لتكون جميل: فهي جميلة في منبتها في الحق , وجميلة في يد القاطف , وجميلة في قاعة الاستقبال؛ ولكن مجموعة الزهور والنباتات
стр. 1281
يعوزها الترتيب في وضعها لتكون جميلة , ما دام الجمال في تناسب الأشياء؛ وهذا ما كان متوفراً في معرض الزهور الأخير ساحة المعرض تقسم إلى نصفين بينهما كشك للموسيقى. إذا وقفتَ في أوَّلها متجهاً إلى الشرق تجد أمامك في النصف الأوَّل خمائل الزهور , وفصائل النباتات ذات الورق الأخضر تدبّج البقعة بأشكالها الهندسية الجميلة في ثلاثة صفوف: صفّ إلى اليسار للجهة البحرية , وصفّ إلى اليمين والثالث في الوسط أما النصف الآخر فأهمُّ ما فيهِ معرض المجلس البلدي وهو بمثابة بساط من الزهر مرسوم على مربع كبير من الأرض رسماً قد لا تكوّن اليد في التصوير أجمل منهُ للعين. ولا تسل عما فيهِ من أنواع الزهور والنبات , فإن عدَّ أصنافها , إذا لم نقل لا يتيسر لغير علماء النبات - وهو العذر الحقيقي - نقول أنهُ يستغرق وقتاً ويستوجب شرحاً طويلاً وهناك ثلاثة أقسام أخرى للمعروضات: قسم
مخصوص للسيدات وهو يشتمل على أنواع الورد من أبيض وأصفر وأحمر , والأقحوان , والمنشور وغير ذلك , موضوعة كلها على موائد كبيرة في ظروف زجاجية مستطيلة بترتيب جميل. وقسم يشتمل على صنفين أحدهما للورد المقطوف والثاني لزهر الايرِس. والقسم الثالث هو محلّ البقول والخضروات والفواكه وقد خصصت له في المعرض خيمة واسعة لا تقلّ مساحتها عن ٢٠٠ذراع مربع وقد قسمت المعروضات من الوجهة الفنية إلى أربعة أقسام رئيسية ١ - معروضات الشوالي للغواة ٢ - الأزهار المقطوفة وهي تشمل الورد والايرس ٣ - أزهار الموائد ٤ - البقول والأثمار وغيرها. وقدّمت للعارضين المتسابقين مداليات وجوائز عديدة على ما امتاز من معروضاتهم المتنوّعة. والأربعة الذين نالوا الجوائز الأولى في الأقسام المذكورة هم بحسب ترتيب الأقسام: مدام شارلوت دبانه , والمستر هنري سفر , ومدموازل جشر ابنة رئيس المحكمة المختلطة , وسرهوبكنسون قرينة حكمدار بوليس الإسكندرية
стр. 1282
وللمعرض نظام معروف بمعاملته مع المزارعين والعارضين وشروط الاشتراك في المعرض وقبول المعروضات ونحو ذلك. وله لجنة عاملة دائمة تخدم الجمعية. ولجنة مؤقتة خاصة تؤلف من المحكمين عند إقامة المعارض للحكم في استحقاق الجوائز. والأولى تؤلف من١٤ عضواً تحت رئاسة المستر سندرز القاضي في محكمة الاستئناف المختلطة , والثانية تؤلف من ١٠ أعضاء بينهم سيدتان انكليزيتان على أن جمال المعرض الحقيقي مستمدٌّ من زائريه , والمُشاهِدُ يستجلي هذه الحقيقة لأوّل وهلة عند دخوله إلأى ساحة المعرض. وأكثر ما يزيد المنظر جمالاً وجود الأوانس والسيدات فيهِ متفرقات بين الأزهار والرياحين , بقبعات تستلفت الأنظار بأشكالها , وأثواب تنافس الأزهار بألوانها , ولا تنسَ جمال الصور , ومحاسن الدعج والحور , وفخامة المظهر , ولطف المعشر
(الإسكندرية)
عباس المصفى
ثمرات المطابع
تاريخ آداب اللغة العربية - لما قرَّظنا في الزُّهور (٢٧٦: ٢) الجزء الأوَّل من كتاب آداب اللغة العربية لمؤلفه جرجي أفندي زيدان العالم المؤرخ الشهير , قلنا في الختام:. . . وأننا ننتظر توفيقه إلى إظهار الجزء الثاني من كتابهِ وهو سيكون ولا ريب , أوفى بحثاً , وأتمّ بياناً , لأنهُ يتناول عصراً كثرت آثاره , وتوفرت المعلومات عنهُ وقد صدق ظنّنا اليوم , وثبَّت صاحب الهلال اعتقادنا فيهِ , فإنهُ لم يحُلِ الحول على إصداره الجزء الأوَّل , حتى وضع بين أيدي أبناء العربية الجزء الثاني الذي نحن بصدده الآن وهو أوفى بحثاً , وأتم بياناً , كما أمَّلنا أن يكون إذا طالعتَ هذا الكتاب , وأمعنت النظر في تنسيقهِ ومباحثهِ , عرفتَ كم عانى الأستاذ زيدان من التعب وكم اجتاز من المصاعب حتى توفرت لديهِ موادّهُ ,
стр. 1283
ودانت له أشتاتها , فألَّف منها ذلك الكتاب النفيس. ولكنَّ صاحب الهلال مأثور عنهُ النشاط والانكباب على الدَّرس , والرغبة في إفادة الناشئة العربية في هذا العصر , وليس كتابه هذا بأوَّل عملٍ مجيد يشكره عليهِ أبناء اللسان ويحتوي هذا الجزء على تاريخ آداب اللغة العربية في العصر العباسي من قيام الدولة العباسية إلى دخول السلاجقة بغداد , ويدخل فيهِ تكوّن العلوم الإسلامية ونقل العلوم الدخيلة إلى نضج العلم في أواسط القرن الخامس للهجرة , وفيهِ تراجم العلماء والأدباء والشعراءِ وسائر أرباب القرائح , ووصف مؤلفاتهم وأماكن وجودها أو طبعها من أقدم أزمنة التاريخ إلى الآن. فأنتَ ترى أن هذا الكتاب تاريخ لم يوضع قبله في العربية كتاب مثله , وقاموس يرجع إليهِ من طلب معرفة أدباء اللغة العربية في جميع الأمصار. ولقد كان المتأدبون منا يُقضي عليهم بالتعب والدَّرس السنين الطويلة لكي يلمُّوا إلماماً علماً بتاريخ الآداب العربية - وقد يملُّ كثيرون العمل , ويقنطهم السعي والبحث - فأصبحوا اليوم , بفضل الأستاذ زيدان , يتناولون ذلك التاريخ على أهون سبيل , وأصبح في وسعهم أن يشغلوا أيامهم بدرس علوم شتى كان ذلك السعي والبحث يحولان دونها. فكتاب تاريخ آداب اللغة العربية , وكتاب تاريخ المدُّن الإسلامي وحدهما , يحلاَّن صاحب الهلال المحلّ الأسمى من الكرامة والاحترام في نفوس أبناء اللغة العربية , وهما إلى جانب ما لحضرته من التأليف والأعمال يصِفانِ حياته بأنها حياة العمل والنفع الحقيقيَّين
تعليل النوع - إذا سمينا لقراء الزهور الدكتور محمد عبد الحميد فلا نسمّي لهم من يجهلون
, فهو الذي يتحفهم بتلك المقلات الشهرية عن تربية الطفل وهو الذي طالما أشرنا إلى كتبهِ الطبية النفسية التي لم يسبقه عالم إلى وضعها باللغة العربية. وأمامنا اليوم كتابٌ جديد له في تعليل النوع وهو يشرح نظرية النوع الجديدة المبنية على المشاهدات الإكلينيكية مع ذكر الطريقة المؤدية إلى معرفة نوع الطفل في بطن أُمه وقبل ولادتهِ وبيان طريقة الحصول على النوع المرغوب فيه من
стр. 1284
ذكر أو أنثى - وهذه المسألة من المسائل التي لا تزال مغمضة , وقد تضاربت فيها آراء الأطباء واختلفت أقوالهم. ولا مجال هنا لتأييد مذهبٍ وتفنيد آخر فضلاً عن إن ذلك من شأن العلماء الاختصاصيين على أنهُ لا يسعنا إلاَّ تجديد الثناء على همة صديقنا الدكتور عبد الحميد التي لا تعرف الملل في خدمة قومهِ وبلاده بما ينشره لهم من المباحث العلمية الجديدة. وفّقه الله إلى متابعة أعماله المشكورة التي أخذت الأمة تقدّرها حق قدرها
اللُّغة العربيَّة - وهو خطاب ألقاه في بيروت حضرة العالم الفاضل الأستاذ جبر ضومط م. ع أستاذ اللغة العربية في المدرسة الكليَّة السوريَّة. وقد بحث فيهِ بحثاً تاريخياً فلسفياً عن موطن العربية المُضَريَّة , ونسبتها إلى أخواتها من للغات السامية. ودقق النظر في تقسيم السامية إلى فرعيها القحطاني , وهو الذي كان يتكلم بالقحطانية السريانية والحميرية التي خَلفتها؛ والعادي , وهو الذي كان يتكلم بالعربية تسميةً بأشهر قبائله عَاد. ثمَّ توغل في هذه المباحث حتى إذا وفاها حقها من البرهان التاريخي والعقلي والأثري , نظر نظرةً صادقة في سبب غنى اللغة العربية واتساع دائرة ألفاظها وعباراتها واقتدارها على التعبيرات الفلسفية والاجتماعية. وما هو معروف عن الأستاذ ضومط من العلم وسعة الإطلاع يجعل لخطابه هذا منزلةً كبرى في نفوس الباحثين والمدققين من علمائنا الذين يعنون بهذا الموضوع التاريخي الفلسفي , فله الشكر الوافر
الحب الطاهر - خطرات أوحى بها الخيال إلى حضرة الكاتب الشاعر الأديب أمين أفندي حمدي وتقطرت من قلمهِ كما يتقطر الندى , فجمعها في كتيّبٍ حرصاً عليها , ولا يُحرص إلاَّ على الثمين. فحبذا لو أقبل عليها محبوّ الأدب ليروا كيف توحي الطبيعة التصورات الجميلة ديوان المصري - نشر عبد الحليم أفندي المصري الجزء الثاني من ديوانه
стр. 1285
المعروف باسمه , وفيهِ القصائد والمقاطيع الشائقة التي نظمها في خلال الثلاث السنوات
الأخيرة , وكانت الزهور قد نشرت بعضاً منها كما يذكر القراء. والذي يقارن بين هذا الجزء من الديوان , وبين الجزء الذي سبقه , يرى كيف ترّقي الشاعر في خياله , وفصاحته , وأسلوبهْ , وطلاوته , ولكنه لا يختلف عليهِ النفس الشعري لأنَّ عبد الحليم شاعر مطبوع تكاد تلمس شاعريته في كلّ قصيدةٍ لمس اليد. فنحن نثني عليه كلَّ الثناء , ونتمنى أن يقبل الأدباء على ديوانهِ فإنَّ له في ذلك أعظم تنشيط
إبراهيم أدهم باشا
في إدارة الزهور
تفضَّل صاحب العطوفة القائد الهمام الباسل إبراهيم أدهم باشا بطل الحرب الطرابلسية , وصاحب السعادة السريّ الأمثل سليم بك أيوب ثابت , فزارا إدارة هذه المجلة ,، أُصحابها لما يبذلونهُ في سبيل نشر المعارف والآداب. وقد ذكر القائد الكريم أنهُ اتصل بهِ ما للزهور من المكانة في نفوس القوم فأحبَّ أن يزور إدارتها ليعرب لنا عن إعجابهِ , وليثبّتنا في الخطة التي اتخذناها , غذ توسلنا بالزهور لإِحكام الصلات الأدبية بين الأقطار العربية. ونحن نقابل هذا الصنيع بالشكر للزائرين الكريمين , ونعدُّ ثناء القائد الهمام أكبر منّشطٍ لنا في عملنا
أزهار وأشواك
استغرقت الحفلة التي أقيمت لمساعدة منكوبي بيروت قسماً كبيراً من الجزء الفائت , فاضطرَّت إدارة هذه المجلة إلى زيارة ملزمة كاملة عليهِ. وكثرت المواد أيضاً في هذا الجزء , ولم يكن بدٌّ من نشر مقالة عن معرض الزهور الإسكندري فحرمتُ من المحادثة الشهرية مع قرائي , مع أني كنتُ أعددتُ لهم أزهاراً وأشواكاً كثيرة. . . فإلى الملتقي في الجزء القادم
حاصد
стр. 1286
العدد ٢٥ - بتاريخ: ١ - ٦ - ١٩١٢
النذل
في قاموس اللغة وفي قاموس العالم
النذل في القاموس الخسيس الساقط. فهل تعلم معنى هاتين اللفظتين؟ هما في القاموس أيضاً تجمعان في طيّهما معاني الحقارة , والسفالة والرذيلة والنقص والجبن , وما سوى هذا من المترادفات. ولكنني لا أخالك قد فهمتَ المعنى الحقيقي. إنَّ قواميس اللغة تنتقل بك من لفظةٍ إلى لفظة , وتفسّر لك كلمةً بكلمة. دعها إلى جانب , وهلمَّ بنا إلى هذا القاموس العظيم , قاموس العالم , وإليك منهُ الرواية التالية فقد حدثت وقائعها في مصر , في مثل هذه الأيام من السنة الماضية , كلفَ فتىً بفتاة. جارانِ تجاور بيتاهما , كما تحابَّ قلباهما. والحبُّ
نظرة فابتسامةٌ فسلامٌ ... فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ
وتشاكيا ما بهما. الوجد في نفسها , والنار في كبده. والقلوبُ
стр. 1287
أرقُّ ما تكون , في صدورٍ لم تنفتح للحب , ولم تدر معنى الغرام. فهي حينئذ كذلك الغشاء الرقيق من الجلاتين تُلصق على الزجاج في الآلة المُصوّرة؛ فإذا تناوله النور لمحةً أثر فيهِ , فانطبعت عليهِ صُوَر ما يمرُّ حياله في خلال تلك اللمحة وعفَّت فتأدب. ووقف لهما غرورُ الشباب وقفةَ العدوّ الغادر. يهزُّ الفتاة ويدفعها فتردّهُ بعفَّة البكر , ويهيجُ الفتى ويغالبهُ فيتّقيهِ بأدب الحبّ وأعانت الأيام على الجوى والهيام. فتلاقيا على ضفاف النيل , وتفيئاً ظلال الأهرام , وتسامرا من نافذَتي بيتيهما تحت بريق النجوم في سكون الظلام , فما زادتها الليالي إلاَّ جوًى ووجداً , وما زادته إلاَّ صبابة وهياماً ولما فاض القلبان بالحبّ , ولم يبق في قوس الصبر منزع , حدَّث الفتى أهلهُ بأمره , وقصَّت الفتاة حكايتها على ذويها. قال بأبي هذه التي أحبُّ , وقالت يا أمِّ هذا الذي أريد. أنا الأمُّ فرضيت , وأما الأب فأبى. ولكنَّ الإِباء أجَّج نار الغضا بين ضلوع الفتى , فالتظى قلبهُ بالشوق والتهب لوعةً وجوى؛ وشجَّع الفتاة من أُمها الرضي , فتمادت في الوجد وتطوَّحت في الهوى. ولم يكن للعاشقين سبيل إلى السلوى , فانقطع هو إلى القنوط , وتعلَّلت هي بالمنى. حتى إذا غلب اليأس على الرجا , وفتَّ في ساعد الفتى وقد سامهُ الشوق صبراً , اندفع مع غرور الصبي , وحببَّ اليأس إلى نفسه الردى , فهوى بهِ الغرور إلى ذلة الانتحار فهوى وما ارعوى
стр. 1288
قال: أما الحياة فقد
مرَّرها أبي ونغَّصها عليَّ فلأجعلنَّ حياته مرَّةً منغَّصة , ولأنتقمنَّ لنفسي منهُ شرَّ انتقام. إني أموت فأشقُّ قلبه حزناً عليَّ , وأفتّت كبده تفجعاً وغماًّ , فلا يعيش بعدي , ولئن عاش فلِيستنفدَ دموع عينيهِ , ولتعذّبهُ الشيخوخة حتى يجرَّه العذاب إلى القبر. . . ولكن هبني قدمتُّ , وانتقمت بموتي من أبي , فكيف أطيق أن تحيا الحبيبة بعدي؟ أأرضي لها الحياة لكي يتلاشي الحبّ في نفسها فتنساني وقد لا تلبث أن تعلق بغيري فتلقم قبري حجراً؟ إنما قلوب النساء كالعصافير تتنقَّل من غصنٍ إلى غصن , فإذا استقرَّت فريثما يقف اهتزاز الفنن الذي استقرَّت عليهِ!. . وإذا لم يكن من الموت بدٌّ , فمن الظلمِ أن يموتَ الحبيب وحده , وتعيش الحبيبة بعده!!. . ثم كاشف فاتنتهُ بهذا الرأي , وبسط أمامها أفكاره وأمانيّه , فزجرتهُ فما ارعوى وإنما أثار تأنيبها في نفسهِ نزقَ الشباب فتصلَّب وأبى إلاَّ أن يموتا معاً. وخافت الفتاة أن تتَّهم في حبّها ووفائها فقالت له: أنت لست بأشدَّ حباًّ لك , ولست بأشجع قلباً , وأشدّ بأساً. الحبُّ ساواني بك وما آثرك عليَّ في شيء. إن كنت رجلاً فأنا امرأة. إنما المرأة أرقّ شعوراً من الرجل , وأكثر تمادياً في الحبّ , واندفاعاً مع الشهوات. ولقد شئتَ لي أن أموت معك فلتكن مشيئتك فيَّ يا ربّ فمدَّ الفتى يده وشدَّ على يد الفتاة فتعاهدا على الردى. ثم افترقا على هذا العزم بغيةَ أن يضمّهما القبر , ولم يضمّهما القصر , وإرادةَ أن يجمعهما الموت ولم تجمعهما الحياة
стр. 1289
الانتحار جبن والمنتحر جبان قد ييأس امرئٌ فيرى الفرج في الموت , وقد يدفع صاحبه إلى مهواة الرَّدى تخلصاً من متاعب الحياة , وفراراً من نائبات الدهر. ولكنَّ الانتحار , مهما تنوَّعت أسبابه , واختلفت دواعيه , ليس إلاَّ دليل الخوَر والجبن , والذلَّة والصغار , فالمنتحر جباز وإن استبسل في طلب الموت. لولا الجبن لم يكن الانتحار!
شلَّت يده! صبَّ لنفسه. فالسُمُّ في كأسها , والسمُّ في كأسهِ ودنا الموت من شفتيها ,
ودنا الموت من شفتيهِ. يا ويح لحظّهما! كلاهما غضُّ الصبي , رطب الأهاب , وكلاهما والهٌ تيَّمهُ الحب , وبرَّح به الجوى!
حمل الكأس إلى شفتيهِ , فاهتزَّت بها يمناه , وارتجف لها قلبه. وأُدنت الكأس من شفتيها فما اهتزَّت يمينها , ولا خفق فؤادها
وتلاقى الناظران من النافذتين , ففي مقلتها دمعة , وفي عينهِ جمرة!!
هي فتاة وهو فتى! هي امرأة وهو رجل! هي شربت , وهو. . لم يشرب!
الفتاة شربت كأسها حتى الثمالة , والتي صبَّ كأسه على الأرض!
هل عرفت الآن معنى النذالة , ومعنى قولهم: فلان نذل؟!!
стр. 1290
القدَر والمقدّر
الاعتقاد بالمقدّر من أهمّ الاعتقادات التي أثرت في حياة البشر في الأعصر الغابرة. وهو لا يزال متملكاً على أفكار أبناء اليوم وأن اختلفت كيفية اعتقادهم باختلاف مذاهبهم وآرائهم في عواقب الإنسان. وتقسم هذه المذاهب إلى ثلاثة أقسام: المادّيون والقائلون بمذهب جمع الكائنات (الوهية العالم)
والروحيون فالماديون يعتقدون أن الإنسان ليس إلاَّ مجموع أجزاء كيماوية تنحلُّ بالموت ثم تتفرَّق دقائقها , وتنضم إلى أجرام أخرى فتصير لها ومنها. وعندهم أن لكل واحدٍ من البشر أن ينتقي لحياته غاية ترمي إليها أغراضه , وتطمح للوصول إليها أفكاره , وتوقف عليها أتعابه وآماله. أما قيمة الحياة فمتعلّقة بفضل صاحبها , وهي تقاس بما تجلبه على العالم من الخير - أو الشر؛ ولا يعبّر عنها عند الماديين إلاَّ باللذة والألم. العلم الوضعي يحسب كل ما يراه ظواهر طبيعية ونتائج حركات آليَّة تتشابه كلها في نظره , فلا تفرق ماهيّتها إلاَّ بواسطة الحسّ , فيسمي المادّيون ما يسرُّهم خيراً , ويدعون ما يؤلمهم شراًّ؛ وهم مع ذلك يؤثرون - نظرياً - خير المجموع على خير الفرد أما القائلون بالوهية العالم فيعتقدون أن كل جرمٍ من أجرام الخليقة هو شكل بارز عن الجوهر الإلهي المنتشر في طبقات الكون , وأن الروح بعد انفصالها عن الجسد تعود إلى ذلك الجوهر العظيم كما يعود
стр. 1291
الجسد إلى المادة الكلية التي تكوّن منها. وكان فيثاغورس وأفلاطون وغيرهما من فلاسفة الماضي يعتقدون بالتقمص ولا يزال الهنود والدروز إلى أيامنا الحاضرة يعتقدون هذا الاعتقاد. وسواء غرقت الروح في بحر الحياة الكلية أم سكنت جسداً آخر , فإن الشخصية الحقيقية تنتهي عند عتبة القبر. فلهم , والحالة هذه , أن يعملوا ذوي الأخلاق الكريمة منهم يسعون في نفع الجمهور ما استطاعوا والروحبّون يؤمنون بأن الروح أبدية لا تفنى , وأنها تحفظ بعد الموت ذاكرتها وسائر مميزات شخصيتها الجوهرية. هي لا تموت لأنها شعلة من روح مبدعها العظيمة , فهي تعمل الحسنات وتسير في طريق الصلاح , وتفيد وتستفيد , وتضحي من لذتها وراحتها شيئاً كثيراً بقصد الوصول إلى المصدر الإلهي السامي والتمتع بغبطة لا نهاية لها مهما تعدّدت المذاهب والمشارب فقد أجمع البشر على أن هناك قوة تدير حركة العالم , ولكنهم اختلفوا في تسميتها. يسميها بعضهم عناية أو إرادة إلهية , وينعتها آخرون بالـ وقد اصطلح الجميع على التعبير عنها بكلمة قضاء أو قدَر
وضع الأقدمون القدَر) فوق جميع الإلهة. وهو في علم أديانهم ابن العدم والظلمة وهما الإلهان الوحيدان اللذان لم يكن لهما ابتداء , ولكنهما انتهيا إذ أن العدم اضمحلّ في
стр. 1292
الخليقة كما أن الظلمة تلاشت في النور. المقدّر يقبض بيده على حظوظ البشر , ويحكم فيهم كيفما شاءَ. وفي الخرافات القديمة أن أوامره منقوشة على صفحات من نحاس , ولا قوة أرضيّة تستطيع أن تمحوَها أو تغيّر منها شيئاً. كانوا يصوّرونه شيخاً طاعناً في السن كفيف البصر , وتحت قدميه الكرة الأرضية وعلى رأسه إكليل من نجوم , دلالة على خضوع السماء له. يسراه تمسك القارورة المحتوية على حظوظ البشر , ويمناه تقبض على عصا من حديد إشارةً إلى سطوته وقدرته المطلقة , وقساوته وصلابته في أحكامه وقد جاء في الياذة هوميروس أن جوبيتير كان قد أراد إنقاذ هكتور من شر أخيل , على أنهُ لما وزن حظّيهما ورأى أن هكتور سيموت لا محالة تركه وشأنه. وكذا فعل ايولّون الذي كان يرافقه في غدواته وروحاته ويمده بالمساعدة , فإنهُ ابتعد عنه لعلمه أن القدَر لا يُعاند توالت القرون وسبحت الأفكار في فضاء واسع من الحرية العلمية فتناول الفلاسفة هذا الموضوع ودرسوه درساً مدققاً فنفوا وجود إلهة عمياء تلقي على البشر صواعق غضبها ونقمتها بحسب أهوائها , ونسبوا القدَر إلى نواميس ثابتة. وعلاَّت رياضية تأتي بالنتائج التي ندعوها قضاءً وقدراً. وقال أرسطو أن الأقدار ناجمة عن قوتين: قوة خارجية , وقوة داخلية أي آتية من نفس الإنسان. وكان جميع المفكرين الذين سبقوا ديكارت يقولون بوجود سلسلة علات آلية هي أساس النظام الكلّي. ثم جاء ذلك الفيلسوف الفرنساوي وثبَّت هذه القاعدة ,
стр. 1293
وأخرجها من دائرة المعقولات وأدخلها في دائرة الفلسفة الرياضية إذ شرحها شرحاً رياضياً , وأسندها إلى قواعد علمية رأسها القاعدة التي تستند إليها جميع العلوم الطبيعية , وهي أن لا شيء يموت بكل معنى الكلمة , ولا شيء يحيا , بل أن الموت كالحياة ليس إلا تقلب المادة من حال إلى حال بحكم النواميس الأبدية التي تديرها , وأنهُ لا بداية للكون ولا نهاية له , بل أن حركة نراها أن هي إلاَّ نتيجة حركة أخرى سبقت وهي تابعة لحركة أو لحركات تقدمتها. وفي العلوم الوضعية أن كلَّ ما في الكون حركات متتابعة متوالية , وأن كل حركة فسيولوجية تعقبها فينا نتيجة بسيكولوجية أو فسيولوجية. فالهضم مثلاً نتيجة الأكل , والغذاء نتيجة الدورة الدموية , والفكر نتيجة انتظام الدماغ. فلو لم تنتظم الدورة
الدموية في أجسام روجربايكن والبرت كريسي وشورتز ما عرفت أوروبا البارود ولا قُتل بهِ الوف الجنود وملايين المحاربين. ولو لم تنتظم حركة القلب عند مخترع التلغراف اللاسلكي لما خلصت الباخرة كرباثيا النفوس التي انتشلتها من الباخرة تيتانيك كما أنه لو أصاب مخترعي السفن مرض ما , لما سارت السفن في البحار ولا غرقت الملايين فيها. وقس على ذلك. لاشيء يستطيع الخروج من دائرة النظام العلمي وهذا النظام هو قدر الأقدمين الفلسفي بعينه
أجل إن النواميس تظل ثابتة لاتتغير. الأجرام الكبيرة تسقط
стр. 1294
إلى الأرض بقوة الجاذبية , ولا تقدر أن تسبح في الجو ما لم يكن هناك من المواد الكيماوية ما يساعدها على معادلة ميزانيتها الطبيعية. شجرة التفّاح لا تستطيع أن تحمل عناقيد العنب , كما أن الدوالي لا تثمر موزاً , وكل ما في الكون مرتب محدود. يقول فولتر: قُدّر على الإنسان أن يكون له عددٌ محدود من الأسنان والشعر والأفكار؛ وقُدّر عليه أن يأتي يوم بهِ تسقط أسنانه , ويقع شعره , وتتلاشى أفكاره. ثم يتابع كلامه قائلاً: بعض البلهاء يقول: إن طبيبي البارع قد شفي عمتي من مرضها الخطر , وزاد في حياته عشر سنوات تقول , أيها الأبلة , أن طبيبك شفى عمتك من مرضها , ولكنهُ بفعله هذا , لم يغلب إرادة الطبيعية ولم يعاكسها بل اتّبعها. وقُدّر على عمتك أن تولد في هذه البلدة , وأن تمرض في يوم كذا بمرض كذا , وقُدِّر على عمتك أن تولد في هذه البلدة , وأن تدعوَه عمتك إليها , وأن يلّبي طلبها , وأن يعطيها العلاج الذي شفاها. هكذا شاءت الظروف الجارية بأحكام الناموس الأبدي الفلاّح الجاهل يظن أن الجوَّ أمطر حقله اتفاقاً ولكن الفيلسوف يعلم أن الصدفة اسم بلا مسمّى. وأنَّ التراكيب الجوّية أوجبت وقوع المطر على تلك البقعة في ذلك اليوم من الناس من تخفيهم هذه الحقائق فيقولون أن بعض ما في الكون ضروري , والبعض الآخر ليس إلاَّ حوادث وعوارض. وأنا أجيبهم أنهُ لمن المضحك أن يكون نصف الكون مرتّباً وتابعاً لنواميس
стр. 1295
ونظامات , وأن يكون النصف الآخر مهملاً. عند ما يتأمل المفكر ويبحث في دقايق هذا الموضوع يرى أن كل مبدأِ يخالف الإِقرار بالمقدَّر لهو مبدأ مستهجن لكن حُكم على بعض الناس أن يفهموا قليلاً , وعلى آخرين أن لا يفهموا مطلقاً , وعلى غيرهم أن ينتقدوا الذين يفهمون وأن يضطهدوهم
مي
خواطر
خلق الله العالم كله واستراح , وخلق الله الرجل واستراح أيضاً؛ ثم خلق المرأة ومذ ذاك لا استراح هو , ولا استراح الرجل
رأي أميركاني
لا طريقة لإيقاف تأثير الجرائد إلا في تكثير عددها؛ وأني لمتعجب كيف أن حقيقة راهنة كهذه لا تزال مجهولة
توكفيل
خيار خصال النساء شرار خصال الرجال: الزهو والجبن والبخل
الإمام علي
أُحبُّ حرية الصحافة باعتبار ما تمنعهُ من المضارّ , أكثر مما أحبها باعتبار ما تجلبه من المنافع
سنت بري
إنما ينشئ الجريدة مشتركوها لا محرروها
جيراردين
стр. 1296
رسائل غرام
بين نساءٍ شهيرات ورجال عظام
الرسالة العاشرة
من فكتور هوغو إلى خطيبته أديل فوشه
فكتور هوغو أشهر من أن يعرَّف لأنه المجّلي في حلبة الشعر والإنشاء كما تشهد له بذلك مؤلفاته ورواياته التي بها مساوئ المجتمع العمراني بطريقة لم يسبقه إليها أحد. ومن أحسن ما نُشر له من آثاره الأدبية بعد موته مجموعة رسائله الغرامية التي كان يبعث بها إلى خطيبته أديل فوشه. وقد أخذنا منها الرسالة الآتية كتبها في ساعة يأس بلغه أن خطيبته ستقترن بغيره إطاعة لرغبة والديها في مثل هذه الأيام من السنة الماضية كنا نعدّ الأيام الباقية لنا من أمد الفراق. واليوم نعدّ الأيام الباقية لنا من حرية التراسل قبل أن تعتزلي إلى بيتكِ الجديد وتتكلفي المعيشة مع الرجل الذي قد اختاره لكِ والداكِ , وأني عالم أنهُ لا يحق لي أن أكاتبك فيما بعد , وإنما تشفع بي ذكرى غرامٍ لا تزال في النفس بقية باقية منهُ. فإن كنتُ أدعوكِ الآن رفيقة صباي فلأني لا أزال أُطرب لذكرى أيامنا الماضية وأحن إلى ربوع صبانا كما يحنّ الفطيم إلى أحصان أمه تلقّيت رسالتكِ الأخيرة مع بريد هذا الصباح فأحببت أن أُجيبكِ عنها قبل أن تنطوي آخر صفحةٍ من استقلالكِ فلا يعود يسوغ لكِ أن تبتسمي لغير زوجكِ أو تهتمي بغير مرضاته. وربما كانت هذه آخر
стр. 1297
رسالة مني إليكِ. فائذني لي ان أُخاطبكِ باللهجة التي اعتدتُ مخاطبتكِ بها قبل الآن. لأنك تقولين أن الحب الذي يضمّ قلبينا سيظل ثابتاً إلى الأبد , وإن إكراه أهلك إياكِ على الاقتران بغيري لا يمكن أن ينسيك حبنا القديم وعهد غرامنا المنصرم أراك من خلال رسالتكِ تكتمين عني هموماً ثقيلة الأعباء. فلماذا أنتِ حزينة يا أديل ولماذا تفسحين للهموم مجالاً في فؤادك المثقل بأعباء الغرام؟ إن كان الغد يروعك فإن لكِ من بعده موقفاً تنسين بهِ مواقف الأمس إذ تجدين من حب زوجكِ ما يلهيكِ عن ذكرى غرام فاض بهِ قلبك ردحاً من الدهر ثم انطوت صفحته وانطفأت شعلته , وحلَّ محلَّهُ حبٌ آخر ربما فَتحت لكِ السعادة من ورائهِ أحضاناً رحيبة لعلك تتهمينني بفتور في الحب. ولكن متى عرفتِ أن رسمكِ لا يبرح من مخيّلتي دقيقة واحدة وأن قلبي لا يزال يخفق كلما عَرَض لي ما يذكّرني بكِ , علمتِ أن اليمين التي
أقسمتها لكِ تحت تلك الصفصافة سأظلّ اردّدها حتى آخر نفس من الحياة. فافرحي ولا تحزني يا أديل. إن قلباً وقفته على حبّك لن ينفسح لغير رسمك الجميل. ومواقف حبنا هذه أرسخ من أن تعبث بها أيدي الزمان. سحابة وتنقشع يا أديل. فمتى انقشعت لا تعودين تذكرين من أيامنا هذه أكثر مما يذكر الشيخ من أيام طفولته. لأن واجبات الغد ستنسيك أحلام اليوم , ودآء الحب المستحكم فيكِ سيشفيهِ مرور الزمان. وما الذي يهمك غداً ولكِ من ثغور بنيكِ ما ينسيكِ ابتسامة حبيبٍ
стр. 1298
قديم، ومن محبة زوجكِ ما يفتح لكِ أبواب فردوسٍ كنت قد أغمضتِ عينيكِ عنهُ قبلاً لتتمتعي بأحلامٍ زائلة؟ فافرحي ولا تحزني لأنني أنا أيضاً أفرح متى رأيتكِ في سعادة وهناء. أرى الحياة مملّة يا أديل. لم أعد أطرب لشيءٍ فيها كما كنت أطرب لها من قبل. لأن الآمال التي كنت أتعلل بها في الأمس قد زالت فصرتُ أرى الحياة أشبه بدور هزلي يلعبه الإنسان في العالم ثم يفسح المجال لشقيّ آخر يجيء بعده. فما الذي يحبّبها إلينا ولا شيء يخلد فيها سوى الآمال؟ نعم إن الآمال كثيرة متشعبة , وأنعشها للنفس ما كان مبعثهُ القلب ومنشأه الحب. ولكن أية لذةٍ للحياة إذا انطوت صفحة تلك الآمال وحلّ محلّها اليأس وانتقلت النفس من حلمٍ هنيءٍ إلى يقظة رائعة. تقولين أنكِ عازمةٌ على الانقطاع عن العالم , والالتجاء إلى دير تقضين فيهِ البقية الباقية لكِ من الحياة. أفما يكفيكِ أن لكِ من قلبي ديراً ليس فيهِ سواك يا أديل؟ ألا يكفيكِ أنكِ تتحوّلين هنالك من عابدة إلى معبودة فتسمعين من مزامير الغرام وأناشيده ما يفتح لروحكِ الطاهرة فردوساً تتنعمين فيهِ؟ فإن خطرَت لكِ فيهِ العبادة فهنالك تجدينها على أسماها وإنما هي موجهة إليكِ عند مذبح الغرام. كنت البارحة في ملهى. . . وكانت عيناي شاخصتين كلَّ الوقت إلى المقصورة التي كنا فيها معاً لآخر مرّة. وكان فيها رجل ضخم الجثة وبرفقتهِ فتاة حسناء في مقتبل العمر وهما يقهقهان لنكات الممثلين ويصفقان لها طرباً. فقلت في نفسي هل هما سعيدان كما كنا في تلك
стр. 1299
المقصورة منذ أشهر خلت؟ وهل يمكن أن يبلغا من السعادة ما بلغناه منها في عهد غرامنا القصير؟ ما أطيب قلبك يا أديل! تطلبين مني أن أسامحك وأنتِ تعلمين التي لا أعرف لك سيئة غير ما أسأت بهِ إلى نفسك إذ أحببتني حباً مخلصاً كنت في غنى عنهُ. فحرامٌ عليكِ أن تستذبني نفسك الطاهرة وتنسبي إليها ما هي بريئة منهُ. وإن كانت سيئات البشر كلها من قبيل ما تستذنبين بهِ نفسك فما أقدسها ذنوباً
تفتح لمرتكبيها أحضان الآلهة , وتبلغ بهم إلى نعيم تجري من تحتهِ الأنهار. أأنتِ تذنبين يا أديل؟ إذاً من بعدك لا يخطئ في العالم؟ ولمن تبقى أبواب السماء مفتوحة إن هي أُوصدت في وجوه الملائكة؟ لي حاجةٌ إليكِ يا أديل وهي أن تسمحي لي بحفظ صورتك التي أهديتها إليَّ في عيد ميلادكِ الفائت فإنها التعزية الوحيدة الباقية لي بعد مأساتنا هذه. فإِن أنكرتها عليَّ فليس لي إلاَّ أن أُعيدها إليكِ. ولكن ثقي أنك سواء استرجعتها مني أو لم تسترجعيها فإنَّ رسمكِ منقوش في قلبي ولن يمحوه مرور الأيام أو كرور الأعوام. سلام إلى حين اللقاء وراء مرسحنا الفاني. سلام يحمله إليكِ النسيم في اليقظة , والملائكة في الحلم
بقلم سليم عبد الأحد
فكتور
стр. 1300
لقمان الدويبات
قال أرسطو طاليس يُرى على نهر هيبانيس دويبات لا تعيش إلاَّ يوماً واحداً , فالتي تقضي نحبها في الساعة الثامنة من الصباح تُحتضر , والتي تطوي أيامها في الساعة الخامسة من المساء تموت هرماً. وقف أحد كتَّاب الإفرنج على هذا القول الذي نقله شيشرون , فكتب فصلاً يتدفق زلاله حكمةً رائعة , فجاريناه فيهِ فوضعنا هذه الأسطر التالية: لنفرض أنَّ ذكراً من ذكور هذه الدويبات الهيبانية عمَّر نهاراً واحداً لمتانة بنيهِ , واندماج خلقهِ , وتوثيق آرابه , أي أنهُ وُلد مع انبثاق الفجر؛ ثم قضى عمره عاملاً بنشاطً وهمة وكدٍّ وجدٍّ مدة الثواني العديدة
следующие страницы →