Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
رسائل غرام
بين نساءٍ شهيرات ورجال عظام
الرسالة العاشرة
من فكتور هوغو إلى خطيبته أديل فوشه
فكتور هوغو أشهر من أن يعرَّف لأنه المجّلي في حلبة الشعر والإنشاء كما تشهد له بذلك مؤلفاته ورواياته التي بها مساوئ المجتمع العمراني بطريقة لم يسبقه إليها أحد. ومن أحسن ما نُشر له من آثاره الأدبية بعد موته مجموعة رسائله الغرامية التي كان يبعث بها إلى خطيبته أديل فوشه. وقد أخذنا منها الرسالة الآتية كتبها في ساعة يأس بلغه أن خطيبته ستقترن بغيره إطاعة لرغبة والديها في مثل هذه الأيام من السنة الماضية كنا نعدّ الأيام الباقية لنا من أمد الفراق. واليوم نعدّ الأيام الباقية لنا من حرية التراسل قبل أن تعتزلي إلى بيتكِ الجديد وتتكلفي المعيشة مع الرجل الذي قد اختاره لكِ والداكِ , وأني عالم أنهُ لا يحق لي أن أكاتبك فيما بعد , وإنما تشفع بي ذكرى غرامٍ لا تزال في النفس بقية باقية منهُ. فإن كنتُ أدعوكِ الآن رفيقة صباي فلأني لا أزال أُطرب لذكرى أيامنا الماضية وأحن إلى ربوع صبانا كما يحنّ الفطيم إلى أحصان أمه تلقّيت رسالتكِ الأخيرة مع بريد هذا الصباح فأحببت أن أُجيبكِ عنها قبل أن تنطوي آخر صفحةٍ من استقلالكِ فلا يعود يسوغ لكِ أن تبتسمي لغير زوجكِ أو تهتمي بغير مرضاته. وربما كانت هذه آخر
стр. 1297
رسالة مني إليكِ. فائذني لي ان أُخاطبكِ باللهجة التي اعتدتُ مخاطبتكِ بها قبل الآن. لأنك تقولين أن الحب الذي يضمّ قلبينا سيظل ثابتاً إلى الأبد , وإن إكراه أهلك إياكِ على الاقتران بغيري لا يمكن أن ينسيك حبنا القديم وعهد غرامنا المنصرم أراك من خلال رسالتكِ تكتمين عني هموماً ثقيلة الأعباء. فلماذا أنتِ حزينة يا أديل ولماذا تفسحين للهموم مجالاً في فؤادك المثقل بأعباء الغرام؟ إن كان الغد يروعك فإن لكِ من بعده موقفاً تنسين بهِ مواقف الأمس إذ تجدين من حب زوجكِ ما يلهيكِ عن ذكرى غرام فاض بهِ قلبك ردحاً من الدهر ثم انطوت صفحته وانطفأت شعلته , وحلَّ محلَّهُ حبٌ آخر ربما فَتحت لكِ السعادة من ورائهِ أحضاناً رحيبة لعلك تتهمينني بفتور في الحب. ولكن متى عرفتِ أن رسمكِ لا يبرح من مخيّلتي دقيقة واحدة وأن قلبي لا يزال يخفق كلما عَرَض لي ما يذكّرني بكِ , علمتِ أن اليمين التي
أقسمتها لكِ تحت تلك الصفصافة سأظلّ اردّدها حتى آخر نفس من الحياة. فافرحي ولا تحزني يا أديل. إن قلباً وقفته على حبّك لن ينفسح لغير رسمك الجميل. ومواقف حبنا هذه أرسخ من أن تعبث بها أيدي الزمان. سحابة وتنقشع يا أديل. فمتى انقشعت لا تعودين تذكرين من أيامنا هذه أكثر مما يذكر الشيخ من أيام طفولته. لأن واجبات الغد ستنسيك أحلام اليوم , ودآء الحب المستحكم فيكِ سيشفيهِ مرور الزمان. وما الذي يهمك غداً ولكِ من ثغور بنيكِ ما ينسيكِ ابتسامة حبيبٍ
стр. 1298
قديم، ومن محبة زوجكِ ما يفتح لكِ أبواب فردوسٍ كنت قد أغمضتِ عينيكِ عنهُ قبلاً لتتمتعي بأحلامٍ زائلة؟ فافرحي ولا تحزني لأنني أنا أيضاً أفرح متى رأيتكِ في سعادة وهناء. أرى الحياة مملّة يا أديل. لم أعد أطرب لشيءٍ فيها كما كنت أطرب لها من قبل. لأن الآمال التي كنت أتعلل بها في الأمس قد زالت فصرتُ أرى الحياة أشبه بدور هزلي يلعبه الإنسان في العالم ثم يفسح المجال لشقيّ آخر يجيء بعده. فما الذي يحبّبها إلينا ولا شيء يخلد فيها سوى الآمال؟ نعم إن الآمال كثيرة متشعبة , وأنعشها للنفس ما كان مبعثهُ القلب ومنشأه الحب. ولكن أية لذةٍ للحياة إذا انطوت صفحة تلك الآمال وحلّ محلّها اليأس وانتقلت النفس من حلمٍ هنيءٍ إلى يقظة رائعة. تقولين أنكِ عازمةٌ على الانقطاع عن العالم , والالتجاء إلى دير تقضين فيهِ البقية الباقية لكِ من الحياة. أفما يكفيكِ أن لكِ من قلبي ديراً ليس فيهِ سواك يا أديل؟ ألا يكفيكِ أنكِ تتحوّلين هنالك من عابدة إلى معبودة فتسمعين من مزامير الغرام وأناشيده ما يفتح لروحكِ الطاهرة فردوساً تتنعمين فيهِ؟ فإن خطرَت لكِ فيهِ العبادة فهنالك تجدينها على أسماها وإنما هي موجهة إليكِ عند مذبح الغرام. كنت البارحة في ملهى. . . وكانت عيناي شاخصتين كلَّ الوقت إلى المقصورة التي كنا فيها معاً لآخر مرّة. وكان فيها رجل ضخم الجثة وبرفقتهِ فتاة حسناء في مقتبل العمر وهما يقهقهان لنكات الممثلين ويصفقان لها طرباً. فقلت في نفسي هل هما سعيدان كما كنا في تلك
стр. 1299
المقصورة منذ أشهر خلت؟ وهل يمكن أن يبلغا من السعادة ما بلغناه منها في عهد غرامنا القصير؟ ما أطيب قلبك يا أديل! تطلبين مني أن أسامحك وأنتِ تعلمين التي لا أعرف لك سيئة غير ما أسأت بهِ إلى نفسك إذ أحببتني حباً مخلصاً كنت في غنى عنهُ. فحرامٌ عليكِ أن تستذبني نفسك الطاهرة وتنسبي إليها ما هي بريئة منهُ. وإن كانت سيئات البشر كلها من قبيل ما تستذنبين بهِ نفسك فما أقدسها ذنوباً
تفتح لمرتكبيها أحضان الآلهة , وتبلغ بهم إلى نعيم تجري من تحتهِ الأنهار. أأنتِ تذنبين يا أديل؟ إذاً من بعدك لا يخطئ في العالم؟ ولمن تبقى أبواب السماء مفتوحة إن هي أُوصدت في وجوه الملائكة؟ لي حاجةٌ إليكِ يا أديل وهي أن تسمحي لي بحفظ صورتك التي أهديتها إليَّ في عيد ميلادكِ الفائت فإنها التعزية الوحيدة الباقية لي بعد مأساتنا هذه. فإِن أنكرتها عليَّ فليس لي إلاَّ أن أُعيدها إليكِ. ولكن ثقي أنك سواء استرجعتها مني أو لم تسترجعيها فإنَّ رسمكِ منقوش في قلبي ولن يمحوه مرور الأيام أو كرور الأعوام. سلام إلى حين اللقاء وراء مرسحنا الفاني. سلام يحمله إليكِ النسيم في اليقظة , والملائكة في الحلم
بقلم سليم عبد الأحد
فكتور
стр. 1300
لقمان الدويبات
قال أرسطو طاليس يُرى على نهر هيبانيس دويبات لا تعيش إلاَّ يوماً واحداً , فالتي تقضي نحبها في الساعة الثامنة من الصباح تُحتضر , والتي تطوي أيامها في الساعة الخامسة من المساء تموت هرماً. وقف أحد كتَّاب الإفرنج على هذا القول الذي نقله شيشرون , فكتب فصلاً يتدفق زلاله حكمةً رائعة , فجاريناه فيهِ فوضعنا هذه الأسطر التالية: لنفرض أنَّ ذكراً من ذكور هذه الدويبات الهيبانية عمَّر نهاراً واحداً لمتانة بنيهِ , واندماج خلقهِ , وتوثيق آرابه , أي أنهُ وُلد مع انبثاق الفجر؛ ثم قضى عمره عاملاً بنشاطً وهمة وكدٍّ وجدٍّ مدة الثواني العديدة
стр. 1301
التي تنشأ منها الساعات العشر أو الإثنتا عشرة وهي مدة عمره الطويل. ما عاش هذه الساعات الطوال إلاَّ وقد حنكته التجارب , وعجم عود الزمان , وغمز قناته , فقام بين أخوته وأخواته خطيباً مصقعاً , ذرب اللسان , بليل الريق , جزل الخطاب , قوي العارضة , تخلب أقواله كل سامع. كيف لا يكون كذلك وقد ركِبَ من الأمور أكتافها , واقتعد ظهور المكاره , وحلب الدهر أشطره فأصبح طويل الفكرة , دائم التدُّبر , ولذا لا تعجب إذا قلتُ لك أنهُ غدا لقمان أوانهِ , وسبحان زمانهِ , وسليمان عصره , وقسَّ دهره أجل أنهُ لكذلك لاسيما وقد رأى أنداده ولدَاتهِ , قد اخترمتهم المنية عند الظهر , كأنهم خلائق نجت , كأنهم خلائق نجت , كأنهم خلائق نجت , كأنهم خلائق نجت , كأنهم خلائق نجت , كأنهم خلائق نجت , كأنهم خلائق نجت , كأنهم خلائق نجت , كأنهم خلائق نجت , كأنهم خلائق نجت , كأنهم خلائق نجت , كأنهم خلائق نجت , كأنهم خلائق نجت , كأنهم خلائق نجت نجاة سعيدة من مساوئ الشيخوخة , التي كانت تحلُّ بهم لو كانوا بلغوا مداها. ولهذا يحقّ لهذا الشيخ الجليل , لقمان هذه الدويبات أن يقصّ على أحفاده الأخبار المتواترة التي تروي أموراً كلها عجائب وغرائب لم تدر في خلد أصحاب التواريخ المدوَّنة. وعليهِ , جمعهم ذات يوم , وهم كلهم أقوام من جنسهِ , في مقتبل الشباب , وغض الأهاب , عمرهم ساعة. ثم قال لهم: هلمَّ أيها الشبان اسمعوا وعُوا. . . وما قال هذه الكليمات إلاَّ ورأيتهم جميعهم آذاناً صاغية , وقلوباً واعية. ثم أخذ يتكلم وهو يتحدَّر السيل , ويتدفق تدفق اليعبوب , كأنَّ الله فجَّر ينابيع الحكمة على لسانهِ , وأراه الغيب من وراء ستر رقيق شفاف. أما الجلاَّس فكانوا يطربون بغُرَر تلك الأقوال ,
стр. 1302
ويثملون بارتشاف سلاَف الحِكم التي تزري بالدرر الغوال. وكل ما كان يرويهِ عليهم كانوا يقضون منهُ
العجب العجَاب , ويطيبون لهُ نفساً , ويودّون أن يسمعوه مدى الأحقاب على أن سماعهم إياه إلى المساء ليس بقليل؛ فهو عندهم بمنزلة أعوامٍ , بل قرون. إذ الغروب عندهم من قَبيل عصر من أعظم عصور الخلق إذا بلغوه. ولنفرض الآن , إن هذه الدويبة الذكر - لقمان ذاك الأوان على نهر هيبانيس - أزمع على الرحيل ومغادرة هذه الدنيا الدنية , لأنهُ أحسّ بدنو أجله لميل شمس النهار إلى المغيب. فجمع جميع أولاده وأحفاده من صلبهِ ولفيف أصدقائهِ ومعارفهِ ليودّعهم وداع الفراق , ويوصيهم وصايا الأخيرة. فاحتشد جميعهم تحت ظل فُطرَةٍ ظليل. فأخذ الشيخ الجليل المحتضر يقول: يا أصدقائي ووطنييَّ , إني أشعر بأن لا بدَّ من نهاية هذه الحياة , لأنهُ كان لها بداءَة. ولقد حان أجلي , وقربت ساعة وفاتي , ولست متأسّفاً على زوال أيامي , وتصرُّم حبل حياتي. فلقد أصبح طول عمري عبئاً ثقيلاً على كاهلي , ولم يبقَ لي في هذه الدنيا ما يُطيّب لي فيها مرارة سُؤر رمقي. هذه الفتن والمحن وضروب النكبات أتلفت دياري , وكثرة البلايا والرزايا أمالت قناتي , وتتالي الأمراض والأدواء التي تحلّ بقومنا استفرغت قواي , وتعاقب المصائب والنوائب التي ألمَّت بأهل بيتي استنفد الدماء الباقي من حياتي. كل هذا , إذا ضُمَّ إلى ما رأيتهُ واختبرتهُ بنفسي
стр. 1303
في حياتي هذه الطويلة , تتحققون أن الزمان علمني هذه الحقيقة الثابتة الأركان وهي: ليس قارَّة دائمة على هذه الأرض ولا بإرادتنا , ولاسيما إذا كانت تلك السعادة منوطة بأمور ليست بأيدينا ولا بإرادتنا , بل بمشيئة عنايةٍ غامضة. فلقد رأيتُ طائفة من أقوامنا ماتوا عند هبوب ريح صرصر؛ وشاهدت جماعةً من شبيبتنا المتهوّرة قد غرقت في طحمة سيل جارف؛ وكنت يوماً ممن حضر فرأى مطراً مدراراً أحث طوفاناً عرمرماً اكتسح زرافات زرافت من أبناء وطننا العزيز؛ ولقد تحطمت ديارنا ذات يومٍ كل محطَّم بعد أن سقط بَرَد هائل القدر أمات ربواتٍ وربواتٍ من أخوتنا المظلومين. وزيدوا على ذلك أن قوماً منَّا إذا رأوا سحابةً سوداء قالوا في أنفسهم: إن هذه إلاَّ سحابة قوم عاد إني لقد عشَت في عصور الخلق الأولى , في زمان الفطحل؛ وحادثتُ جماعةً عظيمة من الدويبات كنَّ أطول مني قامة؛ بل كنتُ بجانبهنَّ كأحد بني ياجوج وماجوج , بجنب واحدٍ من بني عُوْج كنَّ ذوات بنيةٍ أقوى من بنيتي , وذوات حكمةٍ تزري بحكمة سليمان. ولهذا اعلموا , يا سادتي , إن كل ما أنطق وأتفوَّه بهِ , لا يشوبهُ ريب , ولا يخامره شك. وليس
في نيتي أن أخدع واحداً منكم يا قومي , صدّقوا كل ما أقوله لكم , وتأكَّدوا أن الشمس التي ترونها الآن متسترة وراء المياه , ويخيَّل إلينا أنها غير بعيدة عن الأرض , رأيتها سابقاً قد تكبّدت السماء , قاذفةً سهام أشعتها مصوّبةً إياها علينا؛ وكانت الأرض في ذلك العهد العهيد سابحةً في سبحات وجه الله , أكثر
стр. 1304
مما هي عليهِ في هذه العصور المتأخرة؛ وكان الهواء أجف من هذا السكاك , وأحرَّ منهُ؛ وكان أجدادنا الفضلاء أصحاب جدٍّ وكدٍّ وجلَد وقناعة سامية يا قومي , إن حواسّي وإن كان قد فلَّ غربها , وكلَّت شباة ذاكرتي , إلاَّ أني أؤكد لكم أن هذا النجم المتلألئ المجيد , يتحرَّك ويسير. ولقد رأيتُ بزوغهُ الأول من ورآه قمة هذا الطود الباذخ , ونشأتُ في الوقت الذي أخذ يرتفع رويداً رويداً على الأفق , ويخطو بعد ذلك في السماء خطوات جبَّارٍ عنيد من أعظم الجبابرة قوةً وحولاً وطولاً وهولاً. ولقد تقدَّم في السماء تقدُّماً حثيثاً مدة إعصار متطاولة متتالية , وهو يقذف حرارةً غريبة , وأنواراً عجيبة , لا يمكنكم أبداً أن تتصورها , إن لم تروها بعيونكم؛ بل ما كان يمكنكم أن تحتملوا أمريهِ الأمرين أما الآن , وقد قارب الأُفول , وإن يوارى في قبور المياه , أرى أن أفراد هذه الأمة كلها سائرة , بل صائرة إلى الزوال والاضمحلال الوشيك , وتسجَّى هذه الدنيا الغرور بأكفان الظلمات , في أقلّ من مائة من الدقائق واحرَباه! يا أصدقائي , واحرباه! ما أعظم ما كان غروري في سابق العهد , في عنفوان شبابي , وغضاضة إهابي! كنتُ إخالني من الخالدين المقيمين في هذه الأرض! وإن ليس من شيءٍ في هذه الدنيا يستطيع أن يتغلّب عليَّ , ويُفنى جواهر بدني , وعناصره المتركب منها! وكنت إذا نظرت إلى مساكني التي كنت قد نحتّها في الصلصال
стр. 1305
العَلك , كنت أقول: وهل يموت من يقيم في مثل هذه المباني المحكمة البنيان , التي لم يشيّد مثلها سليمان , ولا الإنس ولا الجان! فما أشدَّ ما كانت ثقتي بنفسي , وطمعي بهذه الحياة , وبقوة أعضائي , وبتراكيب مفاصلي ومواصلي , وقوة أجنحتي!!! كل ذلك أصبح كأن لم يكن , لقد عشت للطبيعة وللمجد , لقد عشت لنفسي ولمنفعتي. لقد عشت ولم استفد فائدةً تذكر لآخرتي , لقد عشت في دار الفرار ولم اتخذ عملاً فيهِ الثواب لدار القرار. ولقد أحسن من قال:
يا صاحبي أن الزما ... نَ كما علمت وما علمتُهْ
يفني الذي جمَّعتُه ... بيدي ويحصد ما زرعتهُْ
ويخون مَن صافيتُهُ ... عمداً ويعشق مَن مقتُّهْ
وجهلتُهُ فحمدتهُ ... وذممتهُ لمَّا عرفتُهْ
ولطالما عاتبتهُ ... حتى على رغمٍ تركتًهْ
ساتسنا
المودَّة
المودة بين الأخيار سريع اتصالها , بطيءٌ انقطاعها. ومثَلُ ذلك كمثَل كوب الذهب , هو بطيء الانكسار , هيّن الإصلاح. والمودَّة بين الأشرار سريع انقطاعها , بطيء اتصالها , كالكوز من الفخار يكسره أدنى عبث , ثم لا وصل له أبداً. والكريم يمنح مودَّته عن لقيةٍ واحدة , أو معرفة يوم؛ واللئيم لا يصلُ أحداً إلا عن رغبة أو رهبة
(ابن المقفع)
стр. 1306
في رياض الشعر
حنين إلى لبنان
برح عزتلو داود بك عمُّون القطر المصري إلى باريس للسعي في خدمة جبل لبنان. وقد عثرنا بين أوراقه على الأبيات الآتية فأحببنا أن ننشرها بمناسبة ذلك السعي , وهي تنمُّ على ما في نفس الشاعر من الحب لوطنه والحنين إليه , ولبنان - وهو سويسرا الشرق كما يسمّونه - ما فتئَ منذ القِدَم حتى اليوم موحى الشعر وملهَم البيان. قال:
هاج أشواقي إلى الدّمَنِ ... طائرٌ غنَّى على فننِ
ايهِ يا قمريُّ أنَّ بنا ... فوق ما يبكيكَ من شجَنِ
ولو أن الدمع منطلقٌ ... لهمي كالعارض الهتنِ
إنما بالرُّغم أحبسهُ ... خشية التلوام واللسنِ
حبذا المصطاف في جبلٍ ... ينطحُ الجوزاَء بالقننِ
موئل الأحرار من قدمٍ ... وأباةِ الضيم من زمنِ
ليس لبنانٌ لمكتسحٍ ... بضعيف العزم ممتهنِ
سل ملوك الروم كيف غدا ... عرشهم مستوهن الركنِ
علَّم الأهلون جيشهمُ ... فنّ نظم النحر باللدِنِ
فبنو لبنان أسد وغًى ... أُطلقت فيهم يدُ المحنِ
واختلاف الدين أورثهم ... عِلل الأحقاد والإحَنِ
لبتَ ذا عزمٍ يضمهمُ ... ضمة الأعضاء في البدنِ
стр. 1307
فيعيدوا السابقات من المج ... دِ والعلياء للوطنِ
يا بني أمّي إذا حضرت ... ساعتي والطبُّ أسلمني
اجعلوا في الأرز مقبرتي ... وخدّوا من ثلجه كفني
داود عمون
جرى في دمعهِ دمهُ
به سحرٌ يتيّمهُ ... كلا جفنيك يعلمهُ
هما كادا لمهجته ... ومنك الكيد معظمهُ
تعذّبهُ بسحرهما ... وتوجدُهُ وتُعدمهُ
فلا هاروتَ رقَّ لهُ ... ولا ماروت يرحمهُ
وتظلمهُ فلا يشكو ... إلى من ليس يظلمهُ
أسرَّ فمات كتماناً ... وباح فخانهُ فمهُ
فويح المدنف المعمو ... د حتى البثُ يُحرَمهُ
طويل الليل ترحمهُ ... هواتفهُ وأنجمهُ
إذا جدَّ الغرام بهِ ... جرى في دمعهِ دمُهُ
يكاد لعهده أبداً ... بعادي السقم يسقمهُ
ثني الأعناقَ عوَّدُهُ ... وألقى العذرَ لومهُ
قضى عشقاً سوى رمق ... إليك غداً يُقدّمهُ
عسى أن قيل مات هوى ... تقول اللهُ يرحمهُ
فتحيا في مراقدها ... بلفظٍ منك أعظمهُ
شوقي
стр. 1308
وداع وشكوى
جاءتنا القصيدة التالية من الولايات المتحدة وقد قالها شاعرها مودعاً بلاد الشرق شاكياً متألماً , ومستقبلاً العالم الجديد باسماً مؤملاً. والشاعر قد عرَّفتهُ الزهور إلى قرَّائها (س٢: ج٤: ص٢١٤) قال بعد مقدمةٍ وجيزة:
ولقد ركبتُ البحرَ يزأر هائجاً ... كالليث فارق شبله بل أحنقا
والنفسُ جازعةٌ ولستُ ألومُها ... فالبحر أعظم ما يُخاف ويُتقي
فلقد شهدتُ بهِ حكيماً عاقلاً ... ولقد رأيتُ بهِ جهولاً أخرقا
مستوفزٌ ما شاَء أن يلهو بنا ... مترفقٌ ما شاء أن يترفقا
متحفزٌ وكأنهُ متوقعٌ ... تحتَ الظلام سفينةَ أو زورقا
تتنازع الأمواج فيهِ بعضها ... بعضاً على جهلٍ تنازُعَنا البقا
بينا يراها الطرفُ سُوراُ قائماً ... فإذا بها حالت فصارت خندقا
(نويُوركَ) ياذات البخار بنا أقصدي ... فلعلنا بالغرب ننسى المشرِقا
وطنٌ أردناه على حبِّ العلى ... فأبى سوى أن يستكين إلى الشقا
كالعبد يخشى - بعدما أفنى الصبى ... يلهو بهِ ساداته - إن يُعتقا
أو كلما جاد الزمان بمصلحٍ ... في أهله قالوا طغى وتزندقا
فكأنما لم يكفهِ ما قد جَنوا ... وكأنما لم يكفهم أن بنيها مَوثقا
ما إن رأيتُ بهِ أديباً موسراً ... فيما رأيتُ ولا جهولا مملقا
مشتِ الجهالة فيهِ نسحب ذيلَها ... تيهاً وراح العلمُ يمشي مطرِقا
أمسى وأمسى أهله في حالةٍ ... لو أنها تعرو الجماد لأشفقنا
стр. 1309
شعبٌ كما شاء التخاذل والهوى ... متفرقٌ ويكاد أن يتمزقا
مستضعفٌ إن لم يُصب متملقاً ... يوماً تملَّق إن يُرى متملقا
لا يرتضي دين الاله موفّقاً ... بين القلوب ويرتضيهِ مفرِّقا
لم يعتقد بالعلم وهو حقائق ... لكنهُ اعتقد العزائم والرقى
ولربما كرهَ الجمود وإنما ... صعبٌ على الإنسان أن يتخلقا
وعصابةٍ ما إن تُزحزح أحمقاً ... عن رأسها حتى توّلي أحمقا
راحت تناصبنا العداَء كأنما ... جئنا فرياً أو ركبنا موبقا
بينا الأجانب يعبثون بها كما ... عبثَ الصبا سحراً بأغصان النقا
بغداد في خطر ومصر رهينة ... وغداً تنال يد المطامع جلَّقا
قيل اعشقوها قلتُ لم تسلم لنا ... معَها قلوبٌ كي نُحبَّ ونَعشقا
إن لم تكن ذاتُ البنينِ شفيقة ... هيهات تلقى من بينها مشفقا
أصبحتُ حيثُ لا تخشى أذًى ... أبداً وحيثُ الفكرُ يغدو مُطلقا
نفسي اخلدي ودعي الحنين فإنما ... جهلٌ بُعيدَ اليوم أن نتشوقا
هذي هي الدنيا الجديدة فانظري ... فيها ضياَء العلم كيف تألقا
إني ضمنتُ لكِ الحياة شهيةً ... في أهلها والعيش أزهر مونقا
(سنسناتي أوهايو)
إيليا ظاهر أبو ماضي
دموع الحبيب
دموعكَ صنها أو فغال بمثلها ... من الدُرِّ إلاَّ عن صوانٍ من الحبِّ
فإن تغلب الأشجان قلبك مرِّةً ... على أمرهِ فاذرفْ دموعكَ في قلبي
خليل مطران
стр. 1310
كرامة المرأة
يا ربَّنا أجِرِ العذارى ... من كيدِ مَن خلَع العِذارا
أجرِ الحسان الساذجا ... تِ ونجِّ الأحداثَ الصغارا
من كلّ فظٍّ في السما ... جة والوقاحةِ لا يباري
سكران سكَر جهالةٍ ... ولربما شرب العقارا
ألِفَ القبيح فما يُبا ... لي أن يجرَّ عليهِ عارا
يمشي ويثني عطفَهُ ... وكأنَّ في عينيهِ نارا
أو يغتدي متقلداً ... خُلُقاً ووجهاً مستعارا
وإذا رأى منهنَّ وا ... حدة تبسَّم أو أشارا
أو راح يتبعُها ويأ ... ملُ أن يزور وأن تزارا
حتى يطوفَ ببيتها ... ليلاً ويرصده نهارا
ما أوفرَ العثراتِ لل ... غاداتِ وُقّيت العثارا
من كل سافرة تودُّ ... لو أنها اتخذتْ ستارا
كي لا ترى سافرة ثقلاء ين ... عنهمُ الطرفُ احتقارا
وخريدة لولا الخما ... رُ حياؤها كان الخمارا
تمضي لحاجتها ولا ... ترنو يميناً أو يساراً
لا سمعَ تلقيهِ إلى ... ما قيل سرًّا أو جهارا
هي واللواتي مثلها ... يفعلنَ ذاك ولا فَخارا
يحسَبْنَ تطرئه الوجو ... هـ على محاسنها شنارا
أولاءِ ربَّات الفضا ... ئل قد رفعنَ لها منارا
стр. 1311
لكن من الغادات مَن ... لا اسما يَصُنَّ ولا إزارا
أولعنَ بالأساق فه ... ي لهنَّ ما برحتْ مزارا
يمشينَ فيها لا حيا ... َء ولا احتشامَ ولا وقارا
متأوداتٍ كالقنا ... مترنّحاتٍ كالسكارى
يُبرزنَ أجياداً كأج ... ياد الظباء ولا نفارا
وترائباً لصقَ المش ... دُّ بجانبيها واستدارا
أو يرتدنَ ملابساً ... شفَّافة عما توارى
ويُجلنَ في من حوله ... نَّ لو احظاً ترنو حيارى
خلاَّبةَ في قلب عا ... شقهنَّ يُضرمنَ الأوارا
ولقد يكنَّ عقائلا ... يُولين ذا الجهلَ اغترارا
أشكالهن المصيبا ... تُ تثير في النفس المثارا
تُغري بهنَّ المستها ... مَ فؤادُهُ والمستطارا
يامن تليقُ بها الكرا ... مة حاذري ذاك الصَّغارا
صوني جمالاً طالما ... أولاكِ تيهاً وافتخارا
لا كان حسنٌ فيكِ لم ... يكن العفاف له شعارا
نقولا رزق الله
أنين القوس
عجباً تلومُ على الجوى دَنِفاً ... أضناهُ بُعدُ حبيبهِ غمَّا
فالقوسُ لا قلبٌ ولا كبدٌ ... وتئنُّ عند فراقها السَّهما
وليم غرزوزي
стр. 1312
نقيب الأشراف
وشيخ مشايخ الطرق
نشرنا في الزهور (س٣: ج٢: ص٩٠) صورة سعادة السيد علي يوسف بمناسبة إسناد منصب مشيخة السادة الوفائية إليهِ. وذكرنا أن سمو الجناب العالي قد ولَّى سماحة السيد عبد الحميد أفندي البكري منصب نقابة الأشراف ومشيخة الطرق الصوفية؛ ولكننا لم نتمكن من نشر صورة فضيلتهِ لأننا لم نظفر بها يومئذ
стр. 1313
السيّد عبد الحميد هو نجل نقيب الأشراف المغفور له السيد عبد الباقي البكري يتتوَّجُ بالشرف النبويّ من جهة سيدنا الحسن ﵁ ويقبض بيمناه النسب الأسمى الصدّيقي , ويسراه على النسب العُمَري الفاروقي؛ فالشرف محيطٌ بهِ من سائر الأطراف , متدلٍّ عليهِ من جميع الأكناف وُلد سماحتهُ سنة ١٢٩٣هـ وتلقّى عن جماعةٍ من الفضلاء , فأخذ اللغة عن العلاّمة الشيخ محمد محمود الشنقيطي حتى برع فيها؛ وتلقّى النحو والفقه وسائر العلوم على الشيخ حسن السقَّا خطيب الأزهر؛ وتعلَّم اللغة الفرنسوية فقرأ بها الكتب الرئيسة في علم التاريخ وفلسفته وعلوم العمران حتى أصبح له في كلّ منها ملكةٌ عالية وقد رأينا أن نذكر شيئاً عن هذين المنصبين الساميين اللذين أُسندا إلى سماحتهِ لما في ذلك من الفائدة
مشيخة المشايخ الصوفية
مشيخة الطرق الصوفية من المناصب الدينية التي حدثت بع حدوث الصوفية. ولصاحبها التكلم على جميع الطرق. والشأن في هذه الطرق أن لكل طريقة شيخاً ولكل شيخ خلفاء في القرى والأمصار ولكل خليفة مريدين. فالشيخ يدير أمر الخلفاء والخلفاء , أمر المريدين من حيث إرشادهم ومراقبتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتربيتهم
стр. 1314
ونحو ذلك. ولشيخ المشايخ الولاية العامة على الجميع. ولم يكن للصوفية مشيخة عامة ترجع إليها أعمالهم وتتوحّد بها مقاصدهم بل كانت كل طريقة أو زاوية مستقلة بنفسها فكانت الفتن تكثر بسبب ذلك. فلما أنشأ السلطان صلاح الدين الأيوبي خانقاه سعيد السعداء وسماها دويرة الصوفية جعل لشيخها شبه تقدّم على غيره من المشايخ وكان لا يولّي عليها إلاَّ أعاظم رجال الدولة من الأكابر والأعيان كأولاد شيخ الشيوخ بن حموية مع ما كان لهم من الوزارة والإمارة وتدبير الدولة وقيادة الجيوش: ووليها ذو الرئاستين الوزير الصاحب تقي الدين عبد
الرحمن بن بنت الأعز وغيره. وما زالت الحال كذلك إلى أن توجّدت رئاسة الصوفية بمصر في القرن التاسع للهجرة فجعلت الولاية فيها للسيد محمد شمس الدين البكري وكان من أعظم رجال عصره علماً وديناً. قال الشعراني عنهُ (ولو قلت أنهُ أعلم أهل زمانه لم أبعد عن الصواب) ثم تولّى بعده ابنه الإمام شيخ الإسلام العلاَّمة الشهير أبو السرور والبكري وانتقلت بعده إلى ذريته ولا تزال إلى الآن في البيت البكري الصديقي بمصر
نقابة الأشراف
الشرف هو بمعنى الرفعة. وكان يطلق في الجاهلية على عظماء العرب. فلما جاء الإسلام خصَّه بيوتات قريش. وجعلهم أكفاء في النسب وما عداهم ليس بكفؤ لهم. ومن هذه البيوتات بيت هاشم وجاء الإسلام
стр. 1315
ورئيسه العباس بن عبد المطلب. وبيت تيم بن مرة وجاء الإسلام ورئيسه أبو بكر وبيت عدي وجاء الإسلام ورئيسه عمر هكذا. قال الفرزدق في هذا المعنى:
ما حملت ناقة من معشر رجلاً ... مثلي إذا الريح لفتني على الكورِ
حاشا قريشاً فإن الله فضَّلهم ... على البرية بالإحسان والخير
ولهذا نجد في كتب التاريخ والدروج القديمة فلاناً الشريف العباسي وفلاناً الشريف العلويّ ونحو ذلك. وأما حصر الشرف في ذرية الحسن والحسين ﵄ فهو بدعة حصلت في زمن الخلفاء الفاطمين. قال الإمام ابن الحاج وتخصيص الشرف بذرية السبطين ليس بشرعي اهـ وقد حرص القوم منذ الصدر الأول على حفظ أنساب تلك البيوتات فأحدثوا وظيفة نقابة الأشراف. وهي وظيفة عامة تشمل التكلم والنظر في أنساب جميع الأشراف من أهل تلك البيوتات. وربما كان تحت إدارتها عند تكاثر ذرية بعض الروع نقابات أخرى فرعية كنقابة الطالبيين ونقابة العباسيين ونحوهم أما مركز هذه الوظيفة فكان من الرفعة والجلالة في المكان المكين. وهذا الشريف الرضي نقيب بغداد يخاطب الخليفة بقوله:
عطفاً أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرُّقُ
ما بيننا يوم الفخار تفاوتٌ ... أبداً كلانا في المعالي مُعرقُ
إلاَّ الخلافة ميَّزتكَ فإنني ... أنا عاطلٌ منها وأنت مطوَّقُ
ولا يزال نقيب الأشراف في الدولة العلية يقدَّم في التشريفات
стр. 1316
الرسمية على جميع رجال الدولة حتى الصدر الأعظم وشيخ الإسلام. ولم تزل هذه الوظيفة في البيت البكري من القرن الثاني عشر إلى الآن لم تخرج منه إلا بريهات يسيرة وأول من تولاها من رجاله السيد محمد أفندي البكري
تربية الطفل
أوقات الرضاعة
يرضع الطفل في أوقات منتظمة بعد اليوم الثاني أو الثالث , وإذا كان نائماً يوقظ بلطف متى جاءَ وقت الرضاعة. ولا يمضي إلا القليل من الوقت حتى يتعود الطفل أن يستيقظ من تلقاء نفسه وقت الرضاعة , وينام بعدها. فإذا رضع الطفل في أوقات منتظمة نما النموَّ الاعتيادي , وحسنت صحته. وأما إرضاع الطفل بغير انتظام , وكلما بكى , فتلك طريقة رديئة تلبّكُ معدته فتفسد صحته. فإذا بكى الطفل , أو لم ينم وهو في مهده , وجب على الأم أن تلاطفه قليلا وأن تتحقق من بكاءه ليس بناشئ عن ألم أو قلق أو غير ذلك , فيهدأ ويرقد مطمئناً. يرضع الطفل , بعد اليوم الثالث , مرة كل ساعتين أثناء النهار , ومرتين أثناء الليل في المواعيد التالية: الساعة ٥ و٧ و٩ و١١صباحاً؛ و١ و٣ و٥ و٧ و١٠ مساء والساعة ١. ٣٠ صباحاً. وتراعى هذه المواعيد حتى يبلغ الطفل الأسبوع السادس. ووقتئذ يمكن تطويل الفترات بين
стр. 1317
الرضعتين حتى تصير الفترة ساعتين ونصفاًُ , وبذلك غذاءَ أكثر مما يحتاج إليهِ , فلا ترتيبك المعدة ولا يعسر الهضم. ولما كان لبن الأم يكثر في الثدي إلى الشهر السابع أو العاشر وجب الاحتراس من إتخام الطفل بكثرة الرضاعة. وبعض الأطفال ينام من الساعة العاشرة مساء إلى الساعة الرابعة أو الخامسة صباحاً ومثل هؤلاء الأطفال لا يلزم إزعاجهم إذا حسنت صحتهم وكان وزنهم مناسباً لعمرهم. ويحتاج الطفل عند بلوغه الشهر الثالث إلى ٨ رضعات في كل ٢٤ ساعة , ويكفي البعض ٧ رضعات , ومتى بلغ الشهر السادس يُرضع سبع مرات. ولحالة الطفل الصحيحة وكمية لبن الأم ونوعه شأن كبير في تنظيم أوقات الرضاعة. غير أننا نقول بوجه عام أنهُ يجب في الأشهر الأولى تكثير عدد الرضعات وتقليل كمية الرضاعة , وكلما تقدم الطفل في العمر يُقلل عدد الرضعات وتزداد كمية الرضاعة أعظم راحة للوالدة وأكبر فائدة للمولد. فإنهُ إذا تعوَّد أخذ غذائهِ في أوقات مقررة لا يعود يشغل والدته في كل ساعة من النهار ويؤرّقها في كل فترة من الليل فيحرمها الراحة ويصرفها عن كل عمل , بل يصير يكتفي بالمواعيد المخصصة له ويسهل على معدته القيام بوظيفتها. فلتراعِ الأمهات هذه القواعد يجدنَ راحة لهنَّ وفائدة لأولدهنَّ.
стр. 1318
الأُم وطفلها
كما أن الطفل قد استمدَّ حياته قبل ولادته من أُمه , فهو كذل يستمدُّها منها بعد ولادته إلى أن تنبت أسنانه؛ ولذلك يحسن أن تُرضع الأم طفلها بنفسها إذا استطاعت؛ ولا تتوهم الوالدات أن الرضاعة تضعفهنَّ بل هي بالعكس تزيدهنَّ صحةً ونشاطاً , ما لم يجهدنَ أنفسهنَّ في أعمال أخرى.
تأثير الغذاء والشرب والدراء في لبن الأم
يظن البعض أن الأم يمكنها أن تتناول أي صنف من أصناف الغذاء , وأن تأكل منهُ ما شاءَت دون ضرر على الطفل. ذلك رأي فاسد لأن اللبن من الدم , والدم من الغذاء والشرب , فهو يتنوّع باختلاف الغذاء. ولا يخفي كيف يكون لبن البقر حلو الطعم لذيذاً إذا اقتصر غذاؤها على البرسيم والتبن؛ وبالعكس فاللبن يكون رديئاً إذا أكلت من البصل والحشائش المختلفة. وكم تقاسي الأطفال من الأمراض الجلدية وخلافها إذا لم تحتط الأمهات اللائي يرضعنَ أولادهنَّ في غذائهنَّ. ولذا يلزم أن يكون غذاء الأم كافياً وجيداً خالياً من الخضروات والبقول التي تنفرز مع اللبن , فتغيّر طعمه وينفر منه الطفل كالجزر والبصل والجرجير والثوم والخرشوف. كما يلزم أن يكون خالياً من الفواكه غير الناضجة والتوت البدي والإفرنجي (الفريز) لأن هذه الأشياء قد تحدث مغصاً عند الطفل
الدكتور محمد عبد الحميد
стр. 1319
مصر وسوريا
إنهُ ليلَذُّ لنا كلما سنحت الفرصة أن نجمع بين هذين الاسمين العزيزين , ونذكرهما متدّحين في كل مكرمة ومأثرة. وقد عرف القراء مساعي الزهور المتواصلة في هذا السبيل , واطَّلعوا على كتابتها الكثيرة في هذا الموضوع. وإنهُ ليروقنا وإيم الحق أن نرى في هذه الأيام الفرَص سانحة للشدو بما نشاهدها من إحكام روابط الإِخاء الأدبي بين القطرين الشقيقين , والتغنّي بما نراه من التضامن بينهما. إن مثل هذا التضامن يظهر عادة بأبهى مظاهره إبّان النوائب والمحن. وقد كان لنا برهانٌ حسبيٌّ على ذلك في هذه السنة , حيث توالت النكبات على سوريا , فهبَّتْ شقيقتها مصر هبّةً واحدة تعطف عليها , وتسكب بلسم التعزية والحنان على جراحاتها. أدمت قنابل الطليان قلب بيروت , فحرّكت المروءة والإنسانية قلب الأمير النبيل محمد علي باشا , شقيق الجناب العالي , فألّف تحت رئاستهِ لجنةً من سراة مصر وأعيانها , فأقاموا في الأوبّرا تلك الحفلة الشائقة التي تُعدّ أجمل صفحةٍ في تاريخ علائق القطرين , فتجلى فيها الكرم المصري بأشرف مجاليه , وإنهال الذهب مدراراً لمؤساة المصابين. وقد خلّدت الزهور ذكر تلك الليلة البيضاء في الكُتيّب الذي أصدرته خصيصاً لهذا الموضوع فقلنا حينئذٍ: ليس لمستزيدٍ من مزيد!. وكان بعد ذلك أن نُكِبَت دمشق بحريقها الهائل , وأصابها من الخسائر ما جعل الناس يحجمون في بداية الأمر عن استنداء الأكفّ للتعويض , إذ ما عسى أن تعوّض المئات والألوف عن الملايين. ثم كتب كاتب مجهول على صفحات الجرائد يقول: كنا نودّ أن نعرف مصراً ثانية تعطف على دمشق عطف مصر على بيروت. . . فكبر مثل هذا القول على مصر , وأبتْ أن يكون هتاك مصر ثانية تُباريها في المكرمات , أو أن يكون يَدٌ تسبقُ يدها في تضميد جراح شقيقتها فهبّت لمساعدة دمشق , هبَّتها لمساعدة بيروت , وقام مقام الأمير محمد علي الموجود الآن في أميركا , أميرُ آخر من الأسرة العلويّة , فالتفّت حولهُ لجنةٌ جديدة
стр. 1320
من أكابر المصريين لإحياء أربع ليالٍ ينفق ريعها على المصابين من الدمشقيين فلم نتمالك لدى هذا المشهد من ترديد قول القائل:
نجومُ سماءِ كلما غاب كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبُهْ
وما الأمير الجديد إلاّ دولة البرنس عمر باشا طومسون الذي عدّ نفسه سعيداً في انتهاز هذه الفرصة لخدمة الإنسانية كما قال في التلغراف الذي أرسله من الإسكندرية لسغادتلو سليم
بك أيوب ثابت. فهكذا يكون التلطّف بعمل البرّ. وقد طلب إلينا كثيرون من قرَّائنا السوريين أن نزيدهم معرفة بهؤلاء السراة الأماثل بنشر صوَرهم. وهذا واجب فطنّا له يوم زينّا الزهور بصورة دولة رئيس اللجنة. ولكن حال دون رغبتنا تمنّع الكريم عن التباهي بعمله ولو عظيماً.
стр. 1321
على أننا ما زلنا بذلك حتى فزنا ببعض المرام. فمن أعضاء هذه اللجنة الكريمة صاحب السعادة عزيز باشا عزَّت , زكيل نظارة الخارجية سابقاً؛ وهو من أهل البيوتات , وله المجد المؤثّل والجاه العريض , وصلة قربى بالأسرة المالكة في وادي النيل. وقد زان ذلك المجد التالد بأخلاق غُرٍّ ومناقب عالية تسْتميل إليه كلِّ من جلسه؛ فهو ممن يصدق ما يُعبّر عنهُ لانكليز بلفظة جنتامن أما سعادة محمود باشا رياض فهو سليل أسرة رفيعة الدعائم وفرع دوحة ليس في أرض النيل من لا يعرفها ويعرف ما لها على مصر من الآثار الطيبات؛ ونعني بها أسرة الوزير الخطير ساكن الجنان رياض باشا صاحب المواقف المشهورة في تاريخ
стр. 1322
السياسة المصرية. وقد تقلَّب صاحب هذا الرسم في عدَّة مناصب سامية لم يترك أحدها إلاَّ وقد ترك آثاراً تبعث على الحاجة إليه في ما هو أسمى منها فكان مديراً لأسيوط فمديراً للمنيا فوكيلاً لنظارة الداخلية. وهو اليوم معتزل ميدان السياسة بعد أن خلد له فيها آثاراً غراء ستعيش إلى زمن طويل. أما سعادة حسين باشا واصف فإنهُ من الرجال الذين يشهد لهم تاريخهم بالفضل والتفوُّق فإنك إذا تتبعت سيرتهُ منذ عودته من فرنسا حاملاً لشهادة الحقوق العليا , إلى تولّيه منصب القضاء في المحاكم المختلطة ثم تدرجّه فيها إلى أن أصبح وكيلاً لنظارة الحقانية , تجد له في جميع تلك المناصب آثاراً غرآء , ومآثر عديدة في ترقية شأن القضاء الأهلي. ثم دخل في سلك الإدارة فتولّى مديرّيتي المنيا وقا فمحافظة
стр. 1323
السويس. ثم اعتزل المناصب بناء على رغبته ليتفرّغ للمشروعات الأدبية المفيدة. ومن آثاره الطيبة المدرسة الواصفية التي يتخرَّج فيها نفرٌ عديد من رجال المستقبل. وأما سعادة خليل باشا خياط فإنهُ من السراة المعدودين في هذه البلاد جاءها منذ عهد بعيد وله من الهمة ما ينزع بهِ إلى أسمى الذرى فجعل يعطف على كل المشروعات الكبيرة حتى عُرف ببعد الهمَّة والغيرة الوطنية وأصبح في كل مشروع يدٌ وفي كل مأثرةٍ باع. ولا نخال أحداً من القراء يجهل ما لهذا الشهم الهمام من الغرر المحمودة في سائر الوقائع التي ظهر فيها سكان هذه البلاد بما يسجل الفخر للشرقي
في بطون الأوراق. ومن ألقى نظرة عمومية على العهد الأخير من تاريخ المشروعات الخيرية النافعة في مصر تجسّمت لمخيّلته همة الخياط السامية وماله من المحسنات.
стр. 1324
ومن أعضاء هذه اللجنة سعادة الشهم الأبيّ عبد الرحيم باشا صبري المعروف بنزاهة المبدأ , والجامع بين الوقار والاتضاع والخلق الكريم مما حلّته به التربية الصحيحة , وأكسبه إياه اختلاطه بالعظماء والكبراء إبَّان وجوده في وظيفة تشريفاتي خديوي. وهي من الوظائف التي يقلّدها سموّ العزيز مَن كان كصبري باشا متحلياً بحيرة الصفات وغرر المواهب. وقد كان أمين صندوق اللجنة شابٌّ في مقتبل العمر عُرف بالجدّ والنشاط والمثابرة على العمل هو حبيب أفندي لطف الله نجل حضرة الوجيه الفاضل حبيب بك لطف الله المثري المشهور. ويرى القارئ رسمهُ بالثوب العسكري يوم كان في الجيش المصري في السودان. أو ليس في تجنّدِ هذا الشاب الذي والد وربي في
стр. 1325
النعمة والترف على بُعد همته , وفهمه معنى الحياة الحقيقي؟ ولقد أبدى من الغيرة على إنجاح مشروع اللجنة ما يخلّد له في بيروت أجل ذكر هذا ونحن نأسف لأننا لم ننوفَّق إلى صوَر سائر من بقي من أعضاء اللجنة كأصحاب السعادة محمد الشواربي باشا منشئ مستشفى قليوب الشهير من ماله الخاص , وإسماعيل باشا صبري الشاعر النابغة , وحسن باشا مدكور سرّ تجار العاصمة , وإسماعيل باشا أباظة الوطني الجريء , ونجيب باشا شكور المهندس والإداري المشهور , ورفيق بك العظم الكاتب القدير ولابدَّ لنا في هذا المقام من المجاهرة بما كان لسعادة سليم بك أيوب ثابت من المساعي المأثورة في سبيل هذا العمل المبرور , ومن الهمة في ضمّ أواصر القطرين الشقيقين , فقد كان بفضل ما أُوتيهِ من الذكاء الوقَّاد , والسياسة الحسنة , وما عُرف به من المحبة الصادقة لوطنه , روحَ هذه الحركة المؤدية إلى تلك الغاية النبيلة , وسيذكر له منكوبو حادثة بيروت مأثرته هذه بالشكر الجزيل.
стр. 1326
نوابغ مصر
كانت الزهور قد اقترحت على قرَّائها س٣: ج٢: ص٨٩ أن يذكروا أسماءَ العشرة الذين تصحُّ تسميتهم بنوابغ مصر في الأيام الحاضرة فلاقى هذا الاقتراح ارتياحاً عظيماً بدليل كثرة الأجوبة التي وردت من مصر وسوريا وأميريكا من المشتركين وغيرهم من القرَّاء , ويظهر أن هؤلاء ليسوا بالنزر واليسير , وقد استكبر البعض لفظة النابغة فرأى أننا طلبنا كثيراً بطلب عشرة نوابغ. وفهم البعض الآخر أننا إنما نعني في الحقيقة بهذه الكلمة كلَّ رجلٍ كبير فاضل يحقُّ لمصر أن تفاخر بهِ فرأى أننا ضيَّقنا النطاق بطلب عشرة فقط. ولاحظ علينا فريقٌ أنهُ كان الأجدر بنا أن نحصر الجواب على هذا السؤال ببعض الأفاضل الذين يعتدُّ بآرائهم فتجيء النتيجة معبّرة عن رأي الخاصة المفكّرين لا عن رأي العامة وجه الإطلاق. غير أننا في اقتراحنا لم نرمِ إلى كل هذه الأمور , بل أحببنا أن نجسّ نبض الرأي العام فنعرف من هم العشرة الذين يمثّلون في نظر الأمة بوجه عام الفئة الممتازة التي تُعدُّ في طليعة البلاد عقلاً وفضلاً , ولا نوافق من أنكر علينا وجود النوابغ في بلادنا. فمن جهةٍ كلُّ شيء في هذا العالم يُقاس بالنسبة ويكون الحكم عليه نسبياً. فالرابية الصغيرة تعدُّ في عين الطفل طوداً شامخاً , والأستاذ في عين تلميذه عالماً تحريراً وقس على ذلك. ومن جهة ثانية فإن في البلاد فئة تفرَّدت بصفاتها العقلية والأدبية ولو أُتيحت لها أحوال أكثر موافقةً لأعربت عن نبوغها ببراهين حسيّة
стр. 1327
ذكرنا ذلك ردًّا على ما علّق بهِ بعض المجاوبين على أجوبتهم. ولا نجزم بأن حكمهم سيكون يوماً حكم التاريخ؛ فكم من شهير عظيم في حياته , تضمحلّ شهرته , ويصبح نسياً منسياً بعد مماتهِ. هذا ما لاحظهُ البعض علينا. ومما لاحظناه نحن أنهُ كان للصحف تأثيرٌ كبير في حكم فريقٍ من المجاوبين. فإن الجرائد أكسبت قوماً منا شهرةً جعلت لهم مقاماً رفيعاً في أعين العامة. ومما يجدر بالذكر خصوصاً أن رجال القلم هم أرفع من سواهم في النفوس بدليل أن معظم نوابغنا أن لم نقل كلّهم من الكتَّاب والشعراء كما سترى. ولا يُستغرب ذلك لأن حملة الأقلام هم قادة الأفكار ويسهل عليهم أكثر من سواهم عرض مواهبهم العقلية على أبناء جلدتهم. على أن هذا الحكم في بلادنا أعمّ مما في سواها لعدم وجود نوابغ عندنا في العلوم والفنون والصنائع والتجارة. وها نحن ذاكرون نتيجة الأجوبة التي وردت على اقتراحنا , وليس في من ستقرأ أسماءَهم إلاَّ كلُّ فاضل نجيب:
أحمد بك شوقي ٣٧٠ صوتاً
السيد علي يوسف ٣٠٧ أصوات
حافظ بك إبراهيم ٣٠٥ أصوات
جرجي أفندي زيدان ٢٨٩ صوتاً
الدكتور يعقوب صرُّوف ٢٧١ صوتاً
سعد باشا زغلول ٢٦٩ صوتاً
ولي الدين بك يكن ٢٦٧ صوتاً
الدكتور فارس نمر ٢٦٤ صوتاً
أحمد زكي باشا ٢٥٩ صوتاً
خليل أفندي مطران ٢٥٤ صوتاً
هؤلاء هم العشرة الذين أحرزوا أصواتاً أكثر من سواهم. ويليهم إسماعيل باشا صبري والسيد مصطفى لطفي المنفلوطي وفتحي باشا زغلول وأحمد بك لطفي السيد وعبد الخالق باشا ثروت وعلي باشا أبو الفتوح
стр. 1328
ويوسف باشا سابا والشيخ محمد بخيت. وتوزَّعت أصواتٌ على كثيرين غيرهم وممن ذُكروا بين النوابغ جورج أفندي أبيض في فن التمثيل؛ وسمعان بك صيدناوي في التجارة؛ ونجيب بك هواويني في الخط؛ والشيخ سلامه حجازي وعبد الحي أفندي حلمي وإبراهيم أفندي القباني في الغناء والتلحين. وحسبو بك محمد في الصناعة. ولم ينسَ القراء سيداتنا الأديبات. فنالت السيدة لبيبة هاشم والسيدة ملَك ناصف باحثة في البادية والآنسة مي أصواتاً غير قليلة. وقد ذكر بعض الظرفاء على سبيل الفكاهة مَن يعدُّون نوابغ في نوعهم , كحافظ نجيب المحتال الشهير , والحاتي في شيّ اللحم الخ. . ومن هذه النتيجة يرى القراءُ مرآة للرأي العام في رجال مصر في هذا العصر. فنرجو أن يزداد عدد نوابغنا الأعلام في كل فنٍ وعلم وحرفة حتى يعيدوا للشرق مجده القديم وفخره الغابر.
أزهار وأشواك
كان سبب انقطاعي عن محادثة القرَّاء على غير إرادة مني. وها أنا اليوم عائد إليهم ببعض ما جنيت لهم. كانت الأزهار والأشواك كثيرة في هذه المدة , ولا عجب فإننا كنا في فصل الربيع. على أن بقاءها شهرين متواليين في جعبتي قد أفقد الأزهار بهجتها , وكسر من الأشواك حدّتها. فطرحتُ بكثير منها على الطريق.
غرق تيتانيك
هي الباخرة الكبرى التي أقلُّ ما يُقال في وصفها أنها كانت مدينة عائمة على
стр. 1329
وجه المياه. تفاصيل غرقها - وقد عرفها القرّاء - مما تقشعرّ له الأبدان؛ وتصوُّر الفاجعة التي حدثت في وسط الأوقيانس , بين الماء والسماء , مما تنخلع له القلوب. لا أحاول إعادة ما رددتهُ الصحف عن عظمة تيتانيك وهول نكبتها؛ بل أنا ذاكرٌ للقراء بعض خواطر دوّنتها لهم: تيتانيك نسبة إلى التيتان , وهم , في خرافات الأقدمين , طائفة من الجبابرة تمرّدوا على جوبيتر فصعقهم صعقاً. وكأن الإنسان الذي توصل بقوة ذكائه إلى تذليل القوى الطبيعية , فسخّر لخدمته الماء والهواء وسائر العناصر , قد غالى بفوزه , فأحبَّت الطبيعية أن تنتقم لنفسها: جبل من الجليد انفصل عن البحّار المتجلدة وصدم تلك الباخرة فذهب بها وبمن عليها , فيا لله من انتقام الطبيعية! وقد كان بين ضحايا هذه الفاجعة رجل من أبناء سوريا هو المرحوم إبراهيم المشعلاني. أخصُّهُ بالذكر لأنه كان يتولى إدارة الجريدة التي كانت تصدر في الباخرة يومياً , وتتلقى أخبار العالم بالتلغراف اللاسلكي. غريبٌ في السوريّ هذا الميل إلى الصحافة أينما حل وحيثما وُجد. ولا أُغالي في قولي أنهُ إذا كان في العالم الثاني جرائد ومجلات سيكون كتابها في الجنة وفي الجحيم من أبناء سوريا
حافظ بك إبراهيم
هطلت في الأسبوع الماضي على موظفي الحكومة مزنُ الألقاب والرتب السنوية , فأصابت الرتبة الثانية الشاعر الكبير حافظ إبراهيم , وكيل الكتبخانة الخديوية. فأصبح حافظ عزتلو بك. ولا تسل عن فرح الشعراءِ وزمرة الأدباء , فإنهم استبشروا بهذا الإنعام , وباتوا يؤملون من ورائه خيراً وأيقنوا أن أدبهم سيرفعهم يوماً إلى أعلى المناصب والرتب , بعدما كان عليهم مجلبةَ شقاءٍ ونصَب. لا اعتراض لي على هذا الأنعام الذي صادف محله
كما تقول الصحف عادةً. بل أني اثني مع المثنين على حكومتنا الخديوية التي أخذت تقدر الأدباء قدرهم. وسألبي الدعوة التي جاءتني من سليم سركيس وداود بركات إلى الاحتفال الذي سيقيمه في الكونتيننتال جمهورٌ من أدباء وادي النيل برئاسة شوقي بك إكراماً للشاعر إليك. غير أنني
стр. 1330
لا أرى رأي الذين يرون أن أقدر حافظ قد زاد بتبييكه فلهو , في حكمي وحكم التاريخ , مجرَّداً عن كل لقب اسمي وأشهر منه محلَّي بأعظم الألقاب , فإذا أنت قلت الشاعر حافظ إبراهيم عرفه كل الناطقين بالضاد , وإذا قلت عزتلو الوجيه الفاضل حافظ بك إبراهيم قد لا يعرفه إلاَّ بوّاب منزله وفرّاش الكتبخانة. وقد قال لي أحد الظرفاء عن الأنعام بالرتبة الثانية على شاعرنا إن شعره رفعه إلى الرتبة الأولى , ولمَّا توظف , سكت , فأنزله سكوته إلى رتبة الثانية
الرتب والألقاب
مهما أطنب الإنسان بمدح المساواة , لا يزال في فطرته ميالاً إلى علاماتٍ تميّزه عن سائر أبناء جنسهِ , مشغوفاً بألقابٍ ترفعهُ عن عامة الناس. لأن العامة تُكرم صاحب الرتبة , وتنظر إلى حامل اللقب بغير العين التي تنظر بها إلى مَن كان خلواً منه , حتى رأينا الأميركان أنفسهم , وقد حظّرت عليهم قوانين بلادهم حمل ألقاب الشرف , يسعون في تزويج بناتهم صاحبات الألوف والملايين بحملة الألقاب علّ العدوى تسير إليهم. . . على أن هذه الفئة من الناس قد تكاثر عديدها , حتى أصبح الامتياز بعدم الحصول على لقب امتياز. يذكّرنا ذلك بكلمة تُروى عن ريشليو الكردينال الوزير على عهد لويس الثالث عشر , فإنهُ لما كان يسعى إلى كسر شوكة الأشراف , أخذ ينعم بألقاب الشرف على عامة الناس حتى يساويهم بغيرهم , وقد قال مشيراً إلى ذلك: سأجود بالألقاب على معظم الرعية , حتى يصبح من العار أن يحمل الإنسان لقباً , كما يصبح من العار عليهِ أن يكون بلا لقب. وقد اتفق في الأيام الأخيرة أن كاتب إدارة الزهور أردف في عنوانٍ كتبهُ اسم أحد أعيان البلاد بلقب بك فورد على الإدارة كتابٌ من الوجيه المذكور يطلب فيهِ استبدال البكوية بالأفندية رجوعاً إلى الحقيقة. ولعمري أنها لمأثرة تُذكر في هذه الأيام حيث أصبح منتحلو البكوية والبشوية لا يحصرهم عدٌّ.
стр. 1331
قليلٌ من السياسة
يعلم الله أني لا أحب السياسة ولا أنا منها , وقرّائي أيضاً يعرفون ذلك. وإذا كان قلمي يخط عنها اليوم كلمةً فلعلاقة بينها وبين مشتركي الزهور: في بلاد السلطنة العثمانية حزبان سياسيان - الاتحاديون والائتلافيون - ولكليهما خطةٌ ورجال. وإذا كنتُ أنا - لجهلي بالسياسة - لا أرى بينهما إلاّ الفرق الذي يراه اللغويون بين اتّحد وائتلف فالظاهر أنه يوجد هناك في الواقع فرقٌ عظيم جداً , بدليل تلك الحرب الطاحنة التي شبت نيرانها إبّان الانتخابات , فدارت فيها الدائرة على حزب الائتلاف , وكانت النتيجة إقفال صحفٍ كثيرة ومحاكمة أو نفي صحافيين عديدين. أما علاقة هذه الحوادث بهذه المجلة , فهي أن للزهور في بلاد السلطنة مشتركين , وهم لا يخرجون عن أن يكونوا من رجال أحد الحزبين , لأنهم والحمد لله من قادة الأفكار وزعماء القوم. فرأيناهم , بعد انجلاء المعمعة , فريقاً منهم في مجلس النواب متربعين , وفريقاً آخر في طي السجون معتقلين.
قضية قديمة
بين الإله الخلاَّق , وجماعة العشاق , قضية قديمة: خلق الله لهم من جهة كل حسن مليح , وخلق لهم من جهة ثانية أعيناً تنظر وقلوباً تخفق. فحدث بين الفريقين نزاع - ويا له من نزاع , على ما يقول فرسان هذا الميدان - كانت نتيجته دائماً أبداً شؤماً ووبالاً على الفريق الثاني غالباً كان أو مغلوباً. فأصبح لسان حاله ينشد:
ما بين معترك الأحداق والمهجِ ... أنا القتيل بلا إثم ولا حرجِ
وقد تطوَّع الشعراء منذ القديم للدفاع في هذه القضية؛ كيف لا وهم من عبَّاد الجمال , وحارقي البخور على مذابح الحُسْن. أنا لا أحاول التحيّز إلى أحد الخصمين. بل أحافظ على موقف الحياد. فقد عرفتهُ أربح لي وأنفع. ولكني سمعتُ في هذه القضية مرافعات لطيفة دونتها لقرَّائي لأنهم يحبون الشعر الجميل , وناقِلُ الكفرِ ليس بكافر. . . من جبل لبنان جاءَنا هذان البيتان لأمين ناصر الدين:
стр. 1332
جعلتَ يا ربِّ هذا الحسن واسطةً ... نلقى بها الهمّ أشكالاً وألواناً
إن شئتَ فاخلق وجوه الغيد أجمعها ... شنعاء أو فاخلقِ الشبَّان عميانا
وفي وادي النيل أنشدنا طانيوس عبده:
لا تظلمي دَنِفاً ذابت حشاشتهُ ... فقد عطفتِ عليهِ قبلُ أحيانا
أو كان شأنكِ شأن الله متّعنا ... بكلّ ما قد نهى عنهُ وجازانا
بليغٌ والله دفاع الشاعرين! وهو جديرٌ بأن يُضمُّ إلى دفاع من تقدمهما فقال:
إلهي ليسَ للعشَّاق ذنبُ ... لأنك أنتَ تبلوا لعاشقينا
فتخلق كلَّ ذي وجه مليح ... بهِ تسبي عقول الناظرينا
وتأمرنا بغضِّ الطرف عنهُ ... كأنكَ ما خلقتَ لنا عيونا
وما دام المجال منفسحاً أمامي في هذا الجزء , لا بأس عليَّ من إيراد أبيات وردت على إدارة الزهور من ناظمها محمود أفندي الناظر , وهي لا تخرج كثيراً عن هذا الموضوع. قال موجّهاً السؤال إلى خليل مطران:
أتنجلي في النهار ... محجوبة الأقمار
أم تلك سرب ظباءِ ... كرهن سكنى القفارِ
جاءت تصولُ علينا ... بأين كالشفارِ
بالقدّ كالغصنِ لدناً ... والخدًّ كالجلّنارِ
قد كنتُ من قبل جلداً ... واليومُ عزَّ اصطباري
إن دام واللهِ هذا ... فسوف ألقى تباري
فيا خليل أجبني ... كيما يقرّ قراري
وزار خليل إدارة الزهور فعرضت عليهِ الأبيات , فكتب للحال تحتها:
محمود صبراً على ما ... لقيتَ في الأقمار
وفي الظباءِ الجوافي ... وهنَّ أنسُ الديار
لا يكمل الحبُّ ما لم ... يَجُزْ مدى الاصطبارِ
فصبراً إذن أيها المحبُّون حتى يبلغ حُبكم حدَّ الكمال
حاصد
стр. 1333
ثمرات المطابع
ليالي الروح الحائر - قرأتُ هذا الكتاب من البسملة إلى تمَّ طبعه وأنا بين أرقام أعالجها في ديوان , وصفحات أسوّدها في عزلة , فكنت أصل أناءَ نهاري بأطراف لياله , وأحار مع الروح الحائر حيرة مصطفى كامل في أمر مصر , والشاعر الحرّ في أخلاق العصر. قرأته وملء نفسي السرور والإعجاب بأسلوبه العصري الجديد الموفَّق فيه بين سموّ الخيال ودقة الشعور وشدَّة اللهجة من حيث المعاني , وبين حسن الرصف وسلاسة التركيب وانتقاء الألفاظ إلاَّ نادراً من حيث المباني. وما لاح لي فجر الليلة الخامسة عشرة من لياليه وهي الأخيرة إلاَّ وقد لاح لي أنه كتاب سياسي فاجتماعيّ فأخلاقيّ بأغراضه ومراميه ومغازيه , وديوان شعريٌّ أشبه بليالي ألفرد دي موسيه على خلوّه من بيتٍ واحد يأوي إليهِ الروح الحائر. فأسلوبه أسلوب النثر الشعري , أو الشعر المنثور , وهي طريقة جديدة تجري عليها أقلام نفر قليل من كتَّابنا العصريين , وأظن أوَّلَ من جبها إلينا الشاعر الفيلسوف اللبناني أمين الريحاني , وما (٠الأجنحة المتكسرة لجبران جبران إلاَّ شوط في هذا المضمار بعيد , أودُّ لو جاراه فيه غير واحد من المتبارين في حلبة الأدب. يقع الكتاب ١٩٢ صفحة وليلة شعر الأرواح واقعة في الصفحة
стр. 1334
المئة والخامسة أي نحو منتصفه , وتتلوها ليلة أناشيد العلا فليلة الوداع وهي مسك الختام. ومَن قرأ بسمة الربيع ص ١٠٧ وأغنية الروح الحزين ص ١١٢ فأغنية النار فعرش الجبابرة لم يشكّ في أنه يقرأ شعراً هو كل الشعر لولا أنه غير مقفَّى وغير موزون - استغفر الله - بل هو كل الشعر لأنهُ طليق من هذه القيود. ولئن كان للشاعر الناظم بحور يجتازها بما عنده من أصول سلك البحار , فإن للشاعر الناثر أجنحة يرفرف بها فوق بحار المعاني حرًّا مطلقاً , وأخلق بهِ أن يكون أقرب إلى ربَّة الشعر وأحب إليها. ولنرجع بعد هذا الاستطراد إلى أناشيد العلا فأقول أنها ستة فصول مندمجة في ليلة واحدة وأسلوبها يكاد يكون نثراً مرسلاً , لأن العبارات في الغالب طويلة وغير متقطعة كما في أناشيد الليلة السابقة , ولكنهُ يسميها أناشيد وقد أصاب في ذلك. فيظهر مما تقدَّم أن نصف الكتاب شعر نثري يجسّ فيهِ الكاتب أوتار النفس فيثير عواطفها بما يُشعرها بجمال الطبيعة فيطربها , أو بحقيقة البشر فيؤلمها. ولنرجع إلى صفحة ١٠٥ وما إزاءَها ووراءَ فننتهي حيث كان يجب أن نبتدئ لولا أن ما يتراءَى حول سطور الليلة الأولى ولو أحقها من أشواك السياسة وقتاد الانتقاد قد يخنق قلماً رطباً لم يجرِ
(ولن يجري إلى حين) إلاَّ في مثل صفحات الزهور. فإذا رجعنا إلى تلك الصفحة وهي إلى اليسار ونظرنا ذات اليمين وقعت العين على سؤال يلقيهِ صاحب الليالي على الروح الحائر وهو: وهل أحببتَ هذه؟ سؤال يتوارى
стр. 1335
الروح بدون ما جواب عليهِ , وبتواريهِ تختم الليلة الثانية عشرة وعنوانها الفاكهة المحرَّمة وموضوعها الحب. والحب موضوع الليلة السابقة أيضاً وعنوانها الأخوات الثلاث أما علاقة هذه الليلة بطريدتها فهي على ما يلوح لي حبية شعرية لأنها تبتدئ بذكر الحب بمعنى الصداقة هذه المرة والشعر عليهما مدار الليلة العاشرة وإن كان عنوانها إشراف النفس على المستقبل. أما الليلة التاسعة حيُّ الأموات بلوزان فليلة على هولها كم أودّ أن أحياها وأموت فيها أو أُحييها وتميتني , فهي ليلة في مثلها تتنبّه نفس الشاعر ويُجهد عقل الفيلسوف. وما الليلة الثامنة إلاَّ نذيرها الصادق. وأخلق بمن سيحزن أن يحزن قبل وقوع البليّة كما جاء حديث الحزن الإنساني مقدَّماً على حديث المقابر في هذه الليالي. وما قصتا الصديق علي ونرجس العمياء اللتان يقصهما الروح الحائر في ليلتين متتاليتين إلاَّ بسط آراء أخلاقية بالأكثر في أسلوب روائي لطيف. وقد خيّل إليَّ لمح فكرة سياسية خلال أسطر نرجس العمياء. أما الليلة الخامسة فعنوانها حديث الروح المجنون وهي ليلة سوادها من سواد قلب الهيئة الاجتماعية ووجها. وهي ليلة على قصرها من أجمل أخواتها. ولهجة الكاتب فيها شديدة مرّة وعباراتها تشف عن تألم وامتعاض في النفس. وكذلك الليلة الرابعة وموضوعها غرور الناس بالناس ولم يبق لنا إلاَّ ثلاث فنبيت حيث كان أن نغدو. أما الثالثة فقد أحياها الكاتب في وصف علَّة الشرق وهي كما يوحي إليهِ الروح
следующие страницы →