← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

قليلٌ من السياسة يعلم الله أني لا أحب السياسة ولا أنا منها , وقرّائي أيضاً يعرفون ذلك. وإذا كان قلمي يخط عنها اليوم كلمةً فلعلاقة بينها وبين مشتركي الزهور: في بلاد السلطنة العثمانية حزبان سياسيان - الاتحاديون والائتلافيون - ولكليهما خطةٌ ورجال. وإذا كنتُ أنا - لجهلي بالسياسة - لا أرى بينهما إلاّ الفرق الذي يراه اللغويون بين اتّحد وائتلف فالظاهر أنه يوجد هناك في الواقع فرقٌ عظيم جداً , بدليل تلك الحرب الطاحنة التي شبت نيرانها إبّان الانتخابات , فدارت فيها الدائرة على حزب الائتلاف , وكانت النتيجة إقفال صحفٍ كثيرة ومحاكمة أو نفي صحافيين عديدين. أما علاقة هذه الحوادث بهذه المجلة , فهي أن للزهور في بلاد السلطنة مشتركين , وهم لا يخرجون عن أن يكونوا من رجال أحد الحزبين , لأنهم والحمد لله من قادة الأفكار وزعماء القوم. فرأيناهم , بعد انجلاء المعمعة , فريقاً منهم في مجلس النواب متربعين , وفريقاً آخر في طي السجون معتقلين. قضية قديمة بين الإله الخلاَّق , وجماعة العشاق , قضية قديمة: خلق الله لهم من جهة كل حسن مليح , وخلق لهم من جهة ثانية أعيناً تنظر وقلوباً تخفق. فحدث بين الفريقين نزاع - ويا له من نزاع , على ما يقول فرسان هذا الميدان - كانت نتيجته دائماً أبداً شؤماً ووبالاً على الفريق الثاني غالباً كان أو مغلوباً. فأصبح لسان حاله ينشد: ما بين معترك الأحداق والمهجِ ... أنا القتيل بلا إثم ولا حرجِ وقد تطوَّع الشعراء منذ القديم للدفاع في هذه القضية؛ كيف لا وهم من عبَّاد الجمال , وحارقي البخور على مذابح الحُسْن. أنا لا أحاول التحيّز إلى أحد الخصمين. بل أحافظ على موقف الحياد. فقد عرفتهُ أربح لي وأنفع. ولكني سمعتُ في هذه القضية مرافعات لطيفة دونتها لقرَّائي لأنهم يحبون الشعر الجميل , وناقِلُ الكفرِ ليس بكافر. . . من جبل لبنان جاءَنا هذان البيتان لأمين ناصر الدين:

стр. 1332

جعلتَ يا ربِّ هذا الحسن واسطةً ... نلقى بها الهمّ أشكالاً وألواناً إن شئتَ فاخلق وجوه الغيد أجمعها ... شنعاء أو فاخلقِ الشبَّان عميانا وفي وادي النيل أنشدنا طانيوس عبده: لا تظلمي دَنِفاً ذابت حشاشتهُ ... فقد عطفتِ عليهِ قبلُ أحيانا أو كان شأنكِ شأن الله متّعنا ... بكلّ ما قد نهى عنهُ وجازانا بليغٌ والله دفاع الشاعرين! وهو جديرٌ بأن يُضمُّ إلى دفاع من تقدمهما فقال: إلهي ليسَ للعشَّاق ذنبُ ... لأنك أنتَ تبلوا لعاشقينا فتخلق كلَّ ذي وجه مليح ... بهِ تسبي عقول الناظرينا وتأمرنا بغضِّ الطرف عنهُ ... كأنكَ ما خلقتَ لنا عيونا وما دام المجال منفسحاً أمامي في هذا الجزء , لا بأس عليَّ من إيراد أبيات وردت على إدارة الزهور من ناظمها محمود أفندي الناظر , وهي لا تخرج كثيراً عن هذا الموضوع. قال موجّهاً السؤال إلى خليل مطران: أتنجلي في النهار ... محجوبة الأقمار أم تلك سرب ظباءِ ... كرهن سكنى القفارِ جاءت تصولُ علينا ... بأين كالشفارِ بالقدّ كالغصنِ لدناً ... والخدًّ كالجلّنارِ قد كنتُ من قبل جلداً ... واليومُ عزَّ اصطباري إن دام واللهِ هذا ... فسوف ألقى تباري فيا خليل أجبني ... كيما يقرّ قراري وزار خليل إدارة الزهور فعرضت عليهِ الأبيات , فكتب للحال تحتها: محمود صبراً على ما ... لقيتَ في الأقمار وفي الظباءِ الجوافي ... وهنَّ أنسُ الديار لا يكمل الحبُّ ما لم ... يَجُزْ مدى الاصطبارِ فصبراً إذن أيها المحبُّون حتى يبلغ حُبكم حدَّ الكمال حاصد

стр. 1333

ثمرات المطابع ليالي الروح الحائر - قرأتُ هذا الكتاب من البسملة إلى تمَّ طبعه وأنا بين أرقام أعالجها في ديوان , وصفحات أسوّدها في عزلة , فكنت أصل أناءَ نهاري بأطراف لياله , وأحار مع الروح الحائر حيرة مصطفى كامل في أمر مصر , والشاعر الحرّ في أخلاق العصر. قرأته وملء نفسي السرور والإعجاب بأسلوبه العصري الجديد الموفَّق فيه بين سموّ الخيال ودقة الشعور وشدَّة اللهجة من حيث المعاني , وبين حسن الرصف وسلاسة التركيب وانتقاء الألفاظ إلاَّ نادراً من حيث المباني. وما لاح لي فجر الليلة الخامسة عشرة من لياليه وهي الأخيرة إلاَّ وقد لاح لي أنه كتاب سياسي فاجتماعيّ فأخلاقيّ بأغراضه ومراميه ومغازيه , وديوان شعريٌّ أشبه بليالي ألفرد دي موسيه على خلوّه من بيتٍ واحد يأوي إليهِ الروح الحائر. فأسلوبه أسلوب النثر الشعري , أو الشعر المنثور , وهي طريقة جديدة تجري عليها أقلام نفر قليل من كتَّابنا العصريين , وأظن أوَّلَ من جبها إلينا الشاعر الفيلسوف اللبناني أمين الريحاني , وما (٠الأجنحة المتكسرة لجبران جبران إلاَّ شوط في هذا المضمار بعيد , أودُّ لو جاراه فيه غير واحد من المتبارين في حلبة الأدب. يقع الكتاب ١٩٢ صفحة وليلة شعر الأرواح واقعة في الصفحة

стр. 1334

المئة والخامسة أي نحو منتصفه , وتتلوها ليلة أناشيد العلا فليلة الوداع وهي مسك الختام. ومَن قرأ بسمة الربيع ص ١٠٧ وأغنية الروح الحزين ص ١١٢ فأغنية النار فعرش الجبابرة لم يشكّ في أنه يقرأ شعراً هو كل الشعر لولا أنه غير مقفَّى وغير موزون - استغفر الله - بل هو كل الشعر لأنهُ طليق من هذه القيود. ولئن كان للشاعر الناظم بحور يجتازها بما عنده من أصول سلك البحار , فإن للشاعر الناثر أجنحة يرفرف بها فوق بحار المعاني حرًّا مطلقاً , وأخلق بهِ أن يكون أقرب إلى ربَّة الشعر وأحب إليها. ولنرجع بعد هذا الاستطراد إلى أناشيد العلا فأقول أنها ستة فصول مندمجة في ليلة واحدة وأسلوبها يكاد يكون نثراً مرسلاً , لأن العبارات في الغالب طويلة وغير متقطعة كما في أناشيد الليلة السابقة , ولكنهُ يسميها أناشيد وقد أصاب في ذلك. فيظهر مما تقدَّم أن نصف الكتاب شعر نثري يجسّ فيهِ الكاتب أوتار النفس فيثير عواطفها بما يُشعرها بجمال الطبيعة فيطربها , أو بحقيقة البشر فيؤلمها. ولنرجع إلى صفحة ١٠٥ وما إزاءَها ووراءَ فننتهي حيث كان يجب أن نبتدئ لولا أن ما يتراءَى حول سطور الليلة الأولى ولو أحقها من أشواك السياسة وقتاد الانتقاد قد يخنق قلماً رطباً لم يجرِ (ولن يجري إلى حين) إلاَّ في مثل صفحات الزهور. فإذا رجعنا إلى تلك الصفحة وهي إلى اليسار ونظرنا ذات اليمين وقعت العين على سؤال يلقيهِ صاحب الليالي على الروح الحائر وهو: وهل أحببتَ هذه؟ سؤال يتوارى

стр. 1335

الروح بدون ما جواب عليهِ , وبتواريهِ تختم الليلة الثانية عشرة وعنوانها الفاكهة المحرَّمة وموضوعها الحب. والحب موضوع الليلة السابقة أيضاً وعنوانها الأخوات الثلاث أما علاقة هذه الليلة بطريدتها فهي على ما يلوح لي حبية شعرية لأنها تبتدئ بذكر الحب بمعنى الصداقة هذه المرة والشعر عليهما مدار الليلة العاشرة وإن كان عنوانها إشراف النفس على المستقبل. أما الليلة التاسعة حيُّ الأموات بلوزان فليلة على هولها كم أودّ أن أحياها وأموت فيها أو أُحييها وتميتني , فهي ليلة في مثلها تتنبّه نفس الشاعر ويُجهد عقل الفيلسوف. وما الليلة الثامنة إلاَّ نذيرها الصادق. وأخلق بمن سيحزن أن يحزن قبل وقوع البليّة كما جاء حديث الحزن الإنساني مقدَّماً على حديث المقابر في هذه الليالي. وما قصتا الصديق علي ونرجس العمياء اللتان يقصهما الروح الحائر في ليلتين متتاليتين إلاَّ بسط آراء أخلاقية بالأكثر في أسلوب روائي لطيف. وقد خيّل إليَّ لمح فكرة سياسية خلال أسطر نرجس العمياء. أما الليلة الخامسة فعنوانها حديث الروح المجنون وهي ليلة سوادها من سواد قلب الهيئة الاجتماعية ووجها. وهي ليلة على قصرها من أجمل أخواتها. ولهجة الكاتب فيها شديدة مرّة وعباراتها تشف عن تألم وامتعاض في النفس. وكذلك الليلة الرابعة وموضوعها غرور الناس بالناس ولم يبق لنا إلاَّ ثلاث فنبيت حيث كان أن نغدو. أما الثالثة فقد أحياها الكاتب في وصف علَّة الشرق وهي كما يوحي إليهِ الروح

стр. 1336

الحائر بُغض العظماء. وقد ذكرني قوله نحو آخرها وأقيمي يا أمم الشرق لكل كبير تمثالاً مقالات الأخبار وغيره عن تمثال مصطفى باشا كامل. أما الليلة الثانية فهي حديث بعض الأمم - أمة الهوَز - وما أدراك ما أمة الهوز , إن لم تكن أمة خيالية لو تمخضت بها الليالي لوضعتها على ضفاف النيل؟ وأما الليلة الأولى وقد كان البدءُ بها الأولى فهي رثاء مؤثر لصديق اسمه مصطفى وهو اسم كامل وإن نقصه اللقب. . . ومما أعجبني من بنات أفكار صاحب الليالي والليالي من المعاني حبالي قوله في الهرم: وأرفع ببصري مرة إلى قمة الهرم فيغلي دمي في عروقي غيظاً من رافع بنيا له وواضع جدرانه لأن صخوره دموع متحجرة أذرفها شعبٌ شقيّ انجازاً لشهوة ملك ظالم , فإنني لا أنظر إلى الأهرام إلاّ متألماً لا مُعجباً. . . ولكنني أعجب له احتلالاً قديماً كان داخليًّا فتحوَّل خارجيًّا. وقد روي لي أن عسكريًّا انجليزيًّا تسلق شرّ منقلب ولطَّخ تلك الصخور بدمه - وهل تلك الصخور إلاّ دماء - لا دموع - متحجرة استنزفها ملك ظالم من شعب شقي؟ فالكتاب بالأجمال مجموعة آراء الكاتب وخواطره وعواطفه الوطنية والاجتماعية والشخصية جميعاً أو جزء أول من هذه المجموعة لأنهُ مختوم بليلة الوداع الأول لا الأخير. فعسى أن يطول الهجر بين الروح

стр. 1337

الحائر وصاحب الليالي ليتحفنا بكتاب آخر على منواله وديع البستاني روميو وجوليت - عُطيل - لويس الحادي عشر - في مصر اليوم نهضة فعلية لا يسع هذا الفن الجليل إلاَّ الارتياح إليها والاستبشار بها. فقد توفَّق جورج أفندي أبيض - بعد أن درس هذا الفن في باريس على ايمتهِ - إلى تأليف جوقٍ عربي متقن لم ترَ مسارحنا العربية له مثيلا. وشهدت القاهرة والإسكندرية وغيرهما من مدن القطر الكبرى تلك الليالي الشائقة التي أحياها جوق أبيض فكان الإقبال عظيماً والرضي تامًّا. ولسمو أمير البلاد يدٌ على هذه النهضة تُذكر بالشكر الحميم لسموّه. وكانت نتيجة هذه النهضة في فنّ التمثيل بروز فئة من كتابنا إلى الميدان وإخراجهم لنا سلسة روايات تشخيصية أدبية تعوّض علينا بعض ما تفقدنا إياه روايات اللص الشريف وأمثالها من الحكايات التي نكتب للمتاجرة. . . يعد الروائي الانكليزي شكسبير إِماماً في فنّ الروايات التمثيلية , قلا عجب إذا تبارى كتابنا المجيدون في نقل رواياته إلى لغتنا. ومن أشهر تلك الروايات رواية روميو وجوليت التي مرّت عليها العصور , ولم تُبل جدَّتها , وبرزت على أكثر مسارح العالم ولم تفقد بهجتها. ولدينا

стр. 1338

الآن نسخة عربية منها بقلم الشاعر المجيد والكاتب القدير نقولا أفندي رزق الله؛ طالعناها فوجدناها محكمة التركيب , منسجمة الألفاظ , محلاَّة بأبيات شعرية جميلة من نظم مترجمها المعروف بحسن سبكهِ وسلاسة. معانيه , وإننا لننتهز هذه الفرصة لإِطراء رزق الله أفندي والثناء على همتهِ التي لا تعرف الكلل فهو من أكثر كتَّابنا نشاطاً وعملاً ومثابرة على مداعبة القلم. ومن روايات شكسبير المشهورة أيضاً رواية أو عُطيل وهي التي مثَّلها جوق أبيض , فنالت استحساناً جزيلاً. وقد ترجمها إلى اللغة العربية شاعرنا المشهور خليل أفندي مطران المذكور في غير هذا المكان من هذا الجزء بين نوابغ العصر في مصر. ولسنا في حاجة إلى تعريف القرَّاء بسحر قلم الخليل بل نكتفي بأن نذكر هنا ما رواه لنا أحد المتضلعين في لغة الانكليز , قال: أخذتُ رواية عطيل وقابلتها بأصلها الانكليزي فوجدتُ ترجمة مطران تنطبق على الأصل انطباقاً تاماً فهي كالحسناء وظلها في المرآة وقد نشرنا مقدمتها في الجزء الماضي من الزهور. ومن الروايات التي مثَّلها جوق أبيض أيضاً رواية لويس الحادي عشر للشاعر الفرنسي كازيمير ده لافين ترجمها له بالعربية قلم كاتبٍ متفنن وشاعر رقيق عرفه أدباءُ القطرين , عنينا به إلياس أفندي فياض الذي طالما اتحف مسارحنا العربية بكل رواية جميلة شائقة. وروايته هذه كأخواتها تمتاز بسهولة العبارة مع بلاغتها , وطلاوة التركيب مع متانته شأن السهل

стр. 1339

الممتنع. وفياض يشتغل الآن بترجمة رواياتٍ شهيرة لحوق أبيض ننتظرها بفروغ صبر. هذا ما يسمح لنا المجال بذكره عن هذه الروايات الثلاث. وإننا لنعدّها خير ما جاءَنا بهِ موسم الأدب في فصل الربيع. جواهي الأدب من خزائن العرب - لمكتبة صادر في بيروت فضلٌ لا ينكر على الأدب العربي , فهي منذ نصف قرنٍ دائبة على خدمة لغتنا بجدّ واستقامة قد كلَّلهما النجاح. وهي لا تزال تبحث عن كل نقص في كتبنا المدرسية والأدبية فتسدُّه , حتى أصبحت الكتب الصادرة من هذه المكتبة الشهيرة ومطبعتها تعدُّ بالمئات. وقد جاءنا منها أخيراً كتاب جواهر الأدب وهو يشتمل على خير ما يؤخذ من خزائن العرب من مقتطفات أدبية ومقطوعات شعرية. وقد ظهر من هذا الكتاب حتى الآن ثلاثة أجزاء وهو مضبوط بالشكل الكامل. فنثني على همة سليم أفندي ويوسف صادر ونغبطها على توفيهما في خدمة الأدب والعلم. معنى الحياة - لدينا الطبعة الثانية من هذا الكتاب النفيس لمؤلفه اللورد افبري. وقد سبق لنا الكلام مطولاً عن مؤلفاته هذا الفيلسوف الجليلة التي ترجمها إلى العربية الأديب البارع وديع أفندي البستاني فأجاد وأفاد. وإن في إقبال القراء على كتبهِ خير تقريظ له.

стр. 1340

ديوان منصور شاهين الغريب - في الشعر العامي روحٌ شعرية قد لا تجدها في دواوين الشعراء. يعرف ذلك من له بعض الإِلمام فيما يسمّونهُ زجلاً في مصر ومعنّى في لبنان. فأن الزجَّالين وقوَّالي المعنى شعراء في فطرتهم لا ينظمون إلاَّ عن شعور ولا يقيّدون طائر مخيّلتهم بسلاسل القواعد الثقيلة؛ فتجيء أقوالهم في أكثر الأحيان آخذة بمجامع اللب. ومن الذين اشتهروا بهذا الفن في لبنان منصور شاهين الغريّب. طبع ديوانه حضرة نجله أمين أفندي الغريب صاحب جريدة الحارس البيروتية. وقد طالعنا في هذا الديوان مطالع وقصائد ومحاورات تدلّ على قوة سليقتهِ الشعرية. الحياة اليومية - هذا الكتاب الصغير الحجم الكبير الفائدة كناية عن عشر مقالات كتبها في الجريدة حضرة الأديب أمين أفندي حمدي في مواضيع اجتماعية يخلق بالناشئة الإمعان فيها. وقد ختمت بكلمة طيبة من قلم الأستاذ حفني بك ناصف. الحياة القومية - هذا الكتاب الصغير الحجم الكبير الفائدة كناية عن عشر مقالات كتبها في الجريدة حضرة الأديب أمين أفندي حمدي في مواضيع اجتماعية يخلق بالناشئة الإمعان فيها. وقد ختمت بكلمة طيبة من قلم الأستاذ حفني بك ناصف. وعش خالياً - كثر إقبال قرّاء العربية في هذه الأيام على القصص الخيالية. وهذه رواية من الروايات التي تستحق إلتفاتهم. ترجمها إلى العربية الأديب إلياس أفندي منسّي الذي سبق ونقل إلى العربية أشياء كثيرة عن آداب الإفرنج. الإِقدام - جريدة يومية أدبية سياسية بدل اشتراكها ١٥٠ غرشاً في السنة تصدرها في الإسكندرية حضرة السيدة الغيورة على الأدب

стр. 1341

البرنسيسه الكسندره أفرينوه ويتولى رئاسة تحريرها صديق الزهور الكاتب الشهير ولي الدين بك يكن ويودعها من نفثاته الشائقة ما هو مأثور عنه في فني المنظوم والمنثور , فلا عجب إذا اكتسبت الأقدام على حداثة عهدها مقاماً يذكر بين الصحف الممتازة. المجلة المصرية - مجلة جديدة تصدر باللغة الفرنسوية في القاهرة لمديرها الموسيوبول تريبيه ورئيس تحريرها الموسيو جاك دوبفر جاءَنا منها العددان الأول والثاني فألفينا هما حافلين باللطائف الأدبية والمباحث العلمية مما يتعلق بمصر وشؤونها المختلفة. ولا شك في هذه المجلة ستصادف انتشاراً واسعاً لما عُرف بهِ صاحباها من التفنن في الكتابة والغيرة على الشرق والشغف بالبحث في أحواله. وهي تصدر مرتين في الشهر وبدل اشتراكها ٦٠ غرشأً صاغاً. صدى البرق - جريدة اجتماعية أدبية انتقادية تصدر في بيروت. صاحب امتيازها الشيخ اسكندر العازار , ومديرها المسؤول عزت أفندي الجرّاح , ورئيس تحريرها بشارة أفندي الخوري , صاحب جريدة البرق المعروفة في عالم الأدب والتي احتجبت عن قرّائها المولعين بها بأمرٍ من المجلس العرفي. فنحن على ثقة من أن الإِقبال الذي لاقه البرق سيلاقيه صداه بفضل محرره صاحب الجولات الصادفة في ميدان الكتابة.

стр. 1342

العدد ٢٦ - بتاريخ: ١ - ٧ - ١٩١٢ الجنايات والاجتماع إن للاجتماع أمراضاً كما للجسم الحيّ. وهي كأمراض الجسم الحيّ إما مستوطنة وتسمى جنايات وجرائم؛ وأما وافدة وتسمى قلاقل وثورات. وأسبابها كأسبابها أما متمة واصلة وهي في أحوال الأفراد الخاصة. وأما مُعدّة مهيئة وهي في نظامات الاجتماع نفسه كما هو الحال في الجسم الحي. فالجنايات كالأمراض نفسها لا تقع إلا إذا توفر لها هذان العاملان: أحوال خاصة في الأفراد , واستعدوا في جسم الاجتماع. وسياسة الاجتماع كطبابة الجسم الحي: رداعة توجَّه إلى الجاني كما يداوي الطب المريض؛ ومانعة أو واقية تمنع أسباب الجناية لوقاية المجتمع منها قبل وقوعها , كما يمنع الطبّ المرض بمقاومة أسبابه بعلم حفظ الصحة المعروف بعلم الهيجين. فسافة الاجتماع يقاومون الجنايات بالشرائع المسنونة , وهي كالطب الشافي للأمراض. ويحاولون بالنظامات الموضوعة وهي كالطب المنعي الواقي من الأمراض. وكما أن طبابة الأجسام الشافية والواقية

стр. 1343

تتوقف على تعرُّف طبائع الحي الأمراض التي تفتك بهِ ودرس الوسائل النافعة , كذلك سياسة الاجتماع الرادعة والواقية تتوقف على تعرّف طبائع الجناة ودرس الشرائع والنظامات الموافقة أيضاً. زكما أن الطب البشري لم يقُل كلمته الأخيرة في كل ذلك , كذلك الطب الاجتماعي لم يقل كلمته الأخيرة أيضاً. غير أنا إذا قابلنا بين الطبين نجد أن الطب البشري تقدم أكثر جداً مما تقدم الطب الاجتماعي. فشفاء الأمراض صار أسهل مما كان في الماضي وصارت طبائعها معروفة أكثر كذلك. وإذا كانت صناعة الطب لم تتقدم كل التقدم المطلوب في شفاءِ الأمراض حتى الساعة , لكنها تقدمت كثيراً في علم الوقاية منها. فإن علم حفظ الصحة يكاد يكون قد ألمَّ بكليات نواميس الأمراض وكيفية تولدها ووسائل منعها. وقد تمكن من حصر كثير منها. وفي بعض البلدان تمكن من منعها أصالة لأن الطب البشري سار مع العلم سيراً حثيثاً وجنباً لجنب. وإذا كان لم يتمكن من منعها بتاتاً فليس من نقص في علمهِ , بل من صعوبات أخرى تعترضهُ متأتية من نظامات الاجتماع نفسها. فالأمراض الوافدة التي كانت تنقضّ في الماضي على أوروبا وتفتك بمئات الألوف من سكانها في زمن قصير كوافدات الطاعون والجدري الأسود والهواء الأصفر والحمَّى التيفوئيدية نفسها حتى خانوق الأطفال المعروف بالدفثيريا قد قلَّت اليوم جداً وزالت منها في بعض الأماكن طبيعتها الوافدة. فإذا كانت أكثر المدن الكبرى في هذه الجهات بلغت الغاية في النظافة بعد أن كانت

стр. 1344

مجمعاً للقاذورات وصار السكان فيها أكثر اعتناءً من قبل بنظافة وآكلهم ومشاربهم ومساكنهم وملابسهم وأجسادهم , فالفضل في ذلك للطب الذي عرف كيف يستفيد حالاً من العلم. وسوف تخفّ الأمراض جداً وتقلّ ويلاتها كلما اصطلحت نظامات الاجتماع ومكَّنت الطب من العمل بقواعد علم الصحة كما هي معروفة له اليوم. بخلاف الطب الاجتماعي فإنهُ لم يتقدَّم على نسبة تقدُّم العلم اليوم فهو لم يتعرَّف طبائع الاجتماع وطبائع الجناة جيداً. وشرائعه الشافية ونظاماتهُ الواقية لا تزال قاصرةً جدًّا عن المقصود وما ذلك إلاَّ لأن نظرهُ في طبيعة الاجتماع لم يتغير كثيراً عم كان في الماضي , ولم يتيسر لهُ حتى اليوم تطبيق نظاماتهِ وشرائعهِ على النواميس الطبيعية التي اكتشفها لهُ العلم. والحق يقال أن هذا التطبيق محفوف بالمصاعب لأسباب كثيرة ناشئة عن غلبة تعاليمهِ الدينية والأدبية في شرائعهِ ونظاماتهِ وتأثيرها في طبائع أفراد المجتمع أنفسهم. فإذا كان الطب قد استفاد كل الفائدة من العلم الطبيعي فلأن موضوعها واحد فلم يكن يمكن فصل أحدهما عن الآخر بخلاف سياسة الاجتماع فهي حتى الآن لا تزال للأسباب المتقدمة باقية في واد والعلم الطبيعي يسير في واد آخر. ولا يستفاد من ذلك أن الاجتماع لم يستفيد من حركة العلم اليوم في سياساته فإن إنكار ذلك مجازفة فأمراضه الوافدة قلت جدًّا فقلت حروبه وانكسرت حدَّة ثوراتهِ وخفت وطأة قلاقله. ولا شك أن الجرائم والجنايات قد قلت كذلك عما كانت في الماضي البعيد. كل ذلك لسهولة

стр. 1345

مراسهِ اليوم أكثر من قبل لاصطلاحه نوعاً بفضل ما انتشر عليهِ من ظل العلم الحديث. غير أن القلاقل إذا كانت قد خفت وطأتها فهي لم تقلّ اليوم بل زادت واستوطنت كذلك كقلاقل العمّال. وإذا كانت الجنايات قد قلت عما كانت في القديم فهي لم تقلّ قلة مطلقة بل ربما كذلك بالنسبة إلى ما كانت عليهِ في الماضي القريب لزيادة انتشار العلم وزيادة الشعور بالحاجة معهُ مع بقاء أسبابها. لأن الطب الاجتماعي لم ينظر كثيراً في هذه الأسباب وإذا نظر فلم يهتدِ كثيراً إلى الوسائل الواقية منها أو أنهُ لم يحسن تطبيقها عليها. وأسبابها إنما هي في نظامات الاجتماع نفسها التي لا تزال حتى الآن بعيدة جدًّا عن توفير التضامن له بتوفير العمل وتوفير المنفعة المتبادلة. فالشارع لم ينظر في الجنايات إلاَّ إلى العقاب فكأن الصعوبات التي تعترضهُ في نظامات الاجتماع صرفتهُ عن ترّف طبائع العمران للبحث في الوسائل الواقية إلى تعرّف طبائع الجناة أنفسهم لتحديد العقوبة. وقد هداهُ العلم اليوم في ذلك كثيراً وخدعه أكثر لأن الاعتماد في العلم على جهة واحدة مضرٌّ جدًّا. فنظر في الأمر نظرة علمية هي في مصلحة الجاني أكثر منها مصلحة المجنيّ عليهِ. إذ نظر إلى الجاني كنظرهِ إلى المريض المستحقّ غالباً للشفقة والحنان بقطع النظر عن تأثير جنايتهِ في الاجتماع. وهو نظرٌ يوافق عليهِ العلم إذا كان الغرض منهُ توفير عضوٍ من أعضاء المجتمع لنفع منهُ لهذا المجتمع. وإلاّ فالشفقة في الطب كما في الشرائع يجب

стр. 1346

أن تشمل الأهم وهو الجسم الاجتماعي نفسهُ. ولو كانت هذه الشفقة في الشرائع اليوم ترمي إلى إصلاح الجاني لا يعتني بها كثيراً في الشرائع حتى اليوم. وكل ما تفعله هذه الشرائع لمصلحة الاجتماع هي أن تحبس الجاني وتكفَّ شره عن المجتمع إلى حين. وكثيراً ما يضيف الجاني إلى عيوبه وهو في السجن عيوباً أخرى يكتسبها من مخالطته لسائر الجناة المحبوسين معه في سجن واحد. فلا يخرج من السجن حتى يعود إلى جنايته بجسارة وتفنن لم يكونا له من قبل. فتخفيف العقوبة على الجاني لم تفد الاجتماع بل ذكر بعضهم أن القتل كان يزيد كلما قلَّ القصاص بالقتل. وليس في الأمر غرابة والدواء على ما تقدم. حتى ولا القتل نفسه يستطيع بالإرهاب أن يقلّل القتل عسى أن يستطيع الجاني أن يستغفل نظام الاجتماع وينجو من عقاب مؤجل. ولذلك رأى بعضهم أن يشغَّل الجاني في سجنه حتى يدفع ثمن جنايته فيكتسب عملاً نافعاً ويعوّض على المجنيّ عليه ويُرهَب لطول الإقامة حينئذٍ في السجن. وهو أقرب الآراء إلى العدل مهما قام عليه من الاعتراضات. ويلزم حينئذٍ أن لا يقبل عن شغله عوضاً ولو كان ذا مال ويشمل التعويض حوادث القتل التي كثيراً ما يذهب فيها التعويض المدني هدراً فيفقد الإنسان عزيزاً له ويفقد معيِّلاً كذلك. على أن الجاني نفسه مظلوم , وظالمه نظام الاجتماع نفسهُ سواء عن جهل لقلة انتشار العلم أو عن حاجة لقلة توفر العمل أو عن مرض لتطرّق

стр. 1347

ذلك إليهِ بالوراثة المكسوبة هي نفسها من الاجتماع. والشرائع التي تعاقبهُ كأنها تعاقب بهِ جهلها في تطبيق نظاماتها على حاجة العمران والتي كثيراً ما يكون الجاني العزوم فيها أنبل جداً من الذين يحرجونه ويسترون جناياتهم بالخبث؛ فما دامت تعاليم الاجتماع لا تتمشى على قواعد العلم الحديث قتضع العمران في مقامهِ الطبيعي وتعتبرهُ جسماً حيّاً كسائِر الأحياء وتطلق عليهِ نواميسها الطبيعية فمن المستحيل أن تهتدي إلى إحكام الروابط بينهُ. وما دامت نظامته لا توفّر له النفع المتبادل فيصعب جداً ضبطهُ ولقد صدق القائل: إن توفر أسباب الثروة في بلاد لمن أفضل أسباب تقليل الجنايات فيها. فالناس في كل أمورهم دنيا وآخرة إنما هم يقتتلون على رغيف. الدكتور شبلي شمبل الحزم الرجال ثلاثة: حازمٌ , وأحزم منهُ , وعاجز. فالحازم من إذا نزل بهِ الأمر , لم يدهش له , ولم يذهب قلبه شعاعاً , ولم تعي بهِ حيلتهُ ومكيدته التي يرجو بها المخرج منهُ. وأجزم من هذا , لمقدامُ ذو العدَّة , الذي يعرفُ الابتلاء قبل وقوعهِ فيعظمهُ إعظاماً , ويحتال لع حيلةً , حتى كأنهُ قد لزمهُ؛ فيحسم الداء قبل أن يُبتلى بهِ ويدفع الأمر قبل وقوعهِ. وأما العاجز فهو تردُّدٍ وتمنٍّ وتوانٍ حتى يهلك. ابن المقفَّع

стр. 1348

رجل الدم والحديد نابوليون بونابرت ذلك الجبار الطاغية! رأيته مضطجعاً ضجعتهُ الأخيرة وقد أخرس الموتُ لسانه وأبطل القبر صوته. جرَّد سيفه فأقلق الكون , وتمادى في جبرؤته فأزعج السموات. وضع قدمه اليمنى على إهرام مصر , واليسرى على كرملين القيصر , ثم صاح بأوربّا صيحة مرعبة , فكان لزئيره دويٌّ ضجَّت له الأرض , وهلعت له الكائنات. رجل الدم والحديد! كان يرى العالم كما يرى النسرُ النملة من علوّهِ الشاهق. هدم الباستيل؛ ليطلق منه الأسرى؛ ثم بنى على أنقاضه باستيلاً آخر , سجن في العالم أجمع. وكان السعد يخدمه , فنصره في أوسترلتز , وعقد له الظفر في مارنجو , وحالفه في الأهرام. فلما رأى الله طغيانه , قال: ليس حسناً أن يبني هذا النسر عشَّهُ في الجوّ لئلا يقلق السماء؛ هلمَّ ننزل ونضربه فلا يُزعج الكائنات! وكان ظلّ ذلك الجبار يُلقي رعباً على المسكونة؛ وكلما رفع يده , تتلَّمس أوربا رأسها , لترى هل هو بعد على عنقها! لو ولدت فرنسا بونابرتاً آخر لاضطرّ الله أن يتجسَّد مرة أخرى لإنقاذ العالم من شرّه وطغيانه. ألم يحفر جهنما أخرى في الأرض , ليدفن فيها

стр. 1349

أوربّا؟ ألم يستو على عرش مصنوع من عظام القتلى , ومصبوغ بدمائهم. وكان الفضاء مملوءاً بدويّ مزعج: أنين الأرامل وبكاء الثواكل , وعويل النادبات؛ من ساحة أوسترلتز إلى براري موسكو. ثم حدث بعد ذلك سكوتٌ طويل , لأنَّ الكائنات حبست أنفاسها لتنظر إلى مشبح ذلك الطاغية. ونادي المرّيخ ابنه فقال تقلدّ سيفك , أيها الجبار , ولا يغرّك نجم سعدك؛ فإن بعد أوسترلتز , موسكو؛ وبعد مارنجو , واترلو! وكانت ألبا تتثاءب , والقديسة هيلانة تفتح ذراعيها؛ وقد بدأ الشهاب المذنّب بالسقوط من علوّه الشاهق , فترك وراءه خيطاً ضئيلاً كان يضعف كلما اقترب من الأفق. ولاحت في ذلك الأفق غمامة سوداء بقدر كف اليد؛ ثم أخذت تكبر وتعلو , إلى صارت تتهدد ذلك النجم اللامع. ولمح نابوليون تلك الغمامة , فأراد أن يموت كما تموت الجبابرة. فصاح بالكائنات صيحة مرعبة من على قمة الأهرام وقال أيها الجنود , أن أربعين قرناً ننظر إليكم من قمم هذه الأهرام ثم مرّت الأيامُ , وذلك النسر يبسط جناحيه على المسكونة؛ وكان خفوقهما يقلق العمالقة في قبورها , ويلقي هلعاً في قلوب البشر. إلاّ إنّ لكل جليات داوداً في ذلك اليوم سخر نابوليون من ولنتون. فأجابه ولنتن: غداً نلتقي في واترلو!.

стр. 1350

وكان نبتون إله البحر , يٌعدّ سفينة لنقل جليات إلى جزيرة القديسة هيلانة. وتنفّست أرامل أوربا , لأن الله نهض لينتقم لدماء أزواجهنّ , ويلجم ذلك التنّين! , أما نابوليون فظلَّ يحلم. رأى كل شيء , ما عدا ألبا وواترلو وضاع عليه في الخارطة موقع القديسة هيلانة. لو درى بها يومئذٍ , لأخسفها في قعر البحر , وجعل من عليها أكلاً للتنانين العظام. ولكن لويائان كان يحرسها ويدفع عنها صدمات الجبار. ولما سقط ذلك النسر , أقلته السفينة إلى الباستيل المعدّ له واعتقله بين أزرقين - ماءٍ وسماء. وتنفست أوربّا , لأن حملاً ثقيلاً أُزيح عن صدرها؛ وأصبحت صروح اللوفر والويلري تصفر فيها الريح. هوذا اليوم يرقد زقدته الأبدية - عظيماً في موته كما في حياته - والنفس تتهيّب الأسد ولو كان جثة هامدة. ألا نمْ يا صاحب الجبروت! لقد أحسنت بموتك إلى العالم , فهل كفّرت عن ذنوبك إلى الله؟ أنت تطلب المجد حتى في القبر؛ لذلك تنام في حفرةٍ عميقة حتى يكون كل من ينظر إليك حاني الرأس: أنت في حفرةٍ ترى القوم حولي ... ها خشوعاً فكيف لو كنت حيَّا ليت شعري وقد نزلت برمسٍ ... من لُملك الدنيا تركتَ وصيَّا فسلم عليك يوم طواك ال ... قبر ميتاً ويوم تُبْعَث حيَّا سليم عبد الأحد

стр. 1351

دمعة الروح على المغرد الصامت كان لي كنار صغير أحببته بكل ما في فؤادي من الحب. دنوت من قفصه في صباح ذات يوم فوجدته ميتاً فبكيته وندبته مي ما أسرع ما تتمزق أثواب الورود , وما أتعس القلوب الشديدة التأثر! يمرّ النسيم العليل على الأزهار النضرة فتتمزق بوطئه اللطيف أثوابها وتنتثر وريقاتها. هكذا يكفي لاستمطار العبرات أن يلامس الألم بأطراف بنانه أثير الروح الموحدة. وما الدموع الهاطلة من الأجفان إلاّض حصرات قديمة كامنة في طيات الفؤاد , أوقدت شعلتها يد سوداء - يد الكذب ولافتراء , زاد الانفراد والتأمل في اشتعالها. من الرجال من يكتفون بالوهاجة والمجد والفخر , ومن النساء من لا يفهمنَ الحياة إلا بالزينة والغنى وارتفاع القدر. أما أنا فلا هذه العطايا تغرّني , ولا تلك المواهب تستهويني شي واحد في نظري وهو ما يشترك في نظري وهو ما يشترك في تركيبه قسم كبير من الفكر وقسم أكبر من القلب. شيء واحد يبنه إعجابي , وهو ما كان مترفعاً عن الصغائر والدنايا - هو زهرة نادرة المثال غرستها يد الوفاء في حدائق الإخلاص الصافي , شمس الذكاء والمعرفة تحييها , ومياه العواطف السامية العذبة تسقيها. ما أتعس القلب الحساس وما ألينه لاستحكام الجروح في ثنياته!!

стр. 1352

طائر صغير نسجت أشعة الشمس ذهب جناحيه , وانحنى الليل عليه فترك من سواده قبلة في عينيه. ثم سطت عليه يد الإنسان فضيّقت دائرة فضائه وسجنته في قفص كان بيته في حياته ونعشه في مماته. طائر صغير أحببته شهوراً طوالاً. غرّد لكآبتي فأطربها. ناجى وحشتي فآنسها. جاور روحي فآخاها. غنّى لقلبي فأرقصه , ونادم وحدتي فملأها ألحاناً. امتزج ذكره في دقائق حياتي فأصبح عندي بمنزلة صديق لا تصلني به اللغة ولا يقربني منه التفاهم الروحي؛ بل يعززه إليَّ حضوره الدائم وإن لم يبالِ هو بحضوري , وصوته الرخيم وإن لم يغرد إلاّ لأن التغريد من طبعه , وسوره الذي لا يعرف الكآبة , واصطباره على ضيق الفضاء وإقناعه بما قدّر له من النور والهواء. عندما كانت تبكيني الآلام كنت أريه منديلي مبللاً بالدموع فيعرض عني. إن الدموع تعقب ظلمة الأحزان كما يعقب الندى ظلام الليل , وروح الطيور نور مغرّد فكيف يفهم النور الظلام؟ كنت أنظر إليهِ مشيرة بأصبعي إلى الأثير البعيد لعلي أرى منهُ زفرة تنبئني عن لوعة في قلبه غير أنهُ كان يقمز على قضبان عشه الصغير غير مبالٍ بي كأنهُ يقول: النور لا ينظر إلى الشمس والقلب لا يحدق بالروح لأن كليهما واحد. أنا لا أنظر إلى الأثير لأني نقطة منهُ. إني أسكنهُ وإن بعدت عنهُ , كالشاعر الذي يظل جوهر نفسه سابحاً في سماء الجمال وإن خاله الناس جالساً بينهم مصغياً إلى أحاديثهم

стр. 1353

وإذ كنت آتيةِ بالأزهار نازعة عنها وريقاتها فارشة بها أرض القفص لعلي أرضيه كان يدوسها بإهمال متابعاً تغريده , كأنهُ فيلسوف لا يكترث للصغائر وإن كانت جميلة المظاهر , ولا يعمل في حياته إلا بما يشغل أفكاره وينبه قوى البحث وتسكره في آن واحد. كنت أجلس للدرس والتحبير فتشمئزّ نفسي أحياناً من عبوسة الكتب , ويقل قلمي في يدي كأنهُ صولجان تنازل عن ملكه , فيأخذ كناري في الزقزقة والتغريد وتأتي جماعة طير من الخارج وتضم تغريدها إلى تغريده كما تمتزج الألحان في طيات الأمواج. فتبتسم الأفكار على صفحات الكتب أمام ناظري , ويترنح اليراع بين أناملي , ويمايل تمايل الصفصاف بقرب الغدير , وتنجلي الغيوم عن فؤادي وتطرب روحي. وفي المساء كان يصمت الكنار إجلالاً لقداسة الظلام فيخفي رأسه بين جناحيه ويحمد جمود المفكّر. إذ ذاك تأتي بنات خيالي محلولة الشعر وورد الابتسام مزهر على شفتيها , ومصباح الشعر متقد في يمينها. فتعقد حلقة وتدور راقصة حول أحلامي , وتغني أناشيد على ألحان سرية كأعماق اللجج , أاشيد غريبة لم يسمعها الأخيال روحي المتموج بين تلك العذارى الراقصات , ولم أفهمها إلا بحاسةٍ سادسة تولد في قلب الشاعر في ساعات الوحدة والكآبة. بينا ملوك الجوازاء تطل من أعالي علاها ناظرة إليَّ من نافذتيّ , والكنار يرقبني بعينيه المخفقيتين تحت جناحيه الذهبيين

стр. 1354

والآن انظر إلى القفص! لقد صمت الطائر المغرد , والشماع المحيي تجمد , فلا ترى في القفص إلاّ قليلاً من الشمس المائتة! مات الصغير المغرد , مات صغير حشاشتي! مات قبل غروب الشمس وقبل انقضاء الربيع , ولا يبقى في نفسي إلاّ أثر من ذلك اللحن البديع! شعاع ذهبي أطل حيناً واختفى في كبد الآفاق ابتسامة نور أشرقت نور وما لبثت أن تبددت نور فكر ضاء ثم اضمحل في لجج العدم وردة أُثير تنفست فعطرت وأسكرت ثم ذبلت نغمة حب تموجت ساعة ثم تلاشت في هاوية السكينة صديق صغير غرد فأطربني وسكن بجوار روحي فأنسني ولما آلم قلبي العالم بدناءته وكذبه غنى طائري فأنساني قباحة البشر وغشّهم وجعلني أفكر في كل حسن بهي هذه قيثارتي فقدت أحد أوتارها فناحت بلابل أنغامها فما أتعس القلوب الشديدة التأثر! وما أكثر مرارة الجرح الصغير الذي يفتح جراحات كبيرة!! مي

стр. 1355

مشاهير علماء نجد في النهضة الأخيرة بيتنا في المقالات السابقة أن الذي أنهض العلم والأدب في ديار نجد هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب ابن سلمان بن علي بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن بعضاد بن ريس بن زاجر بن محمد بن علوي بن وخيّب التميمي النجدي الذي تضاف إليه الوهابية. والنسبة هي إلى الشيخ محمد لأنهُ هو الذي شيَّد أركان هذا المذهب دون أبيهِ لا بل خالف أباه فنسبت إلى عبد الوهاب لاشتهار الابن باسم والده , ولأن المسمَّين بمحمد كثيرون , ولأنهُ لو كان سموا بالمحمديين لوقع الالتباس بين المحمديين المسلمين وبين المحمديين الوهابيين فاختار الناس ما يزيل الالتباس. ولما اشتهر الشيخ محمد بعلمهِ وفضله وأدبهِ جاءه عدة رجالٍ ليقرأوا العلوم عليه فأتقنوها وامتاز بها وألّفوا فيها ثم أصبح هم مدرسين لغيرهم من الطلبة فانتشر نور العرفان في ربوع نجد كلها. فمنهم: ١ً الشيخ أحمد بن ناصر بن عثمان بن مُعمّر , قاضي الدرعية في عهد سعود وقد أخذ العلم عن الشيخ محمد. ٢ً الشيخ العالم الورع الزاهد عبد العزيز بن عبد الله الحصين الناصري قاضي ناحية الوشم في أيام عبد العزيز وابنهِ عبد الله ٣ً الشيخ العالم الزاهد سعيد بن حجي قاضي حوطة بني تميم في زمن عبد العزيز وابنه سعود ٤ً الشيخ الفاضل محمد بن سويلم قاضي بلد الدَلَم وناحية الخرج في عهد الأمير عبد العزيز ٥ً الشيخ الحبر البحر الزاخر عبد الرحمن بن خُميّس قاضي الدرعنية

стр. 1356

في أيام الأمير الخطير عبد العزيز وابنه سعود ٦ً الشيخ الدرَّاكة عبد الرحمن بن نامي قاضي بلد العُيَيْنة , ثم قاضي الأَحساء في زمن الأمير سعيد وابنه عبد الله ٧ً الشيخ الوقور محمد بن سلطان العوسجي قاضي المحمل , ثم قاضي الأحساء في أيام أمارة سعود ٨ً الشيخ الجليل عبد الرحمن بن عبد المحسن قاضي بلدة حريملة وبلدة الزلفي في عهد سعود وابنه عبد الله ٩ً الشيخ الغذّ حسن بن عبد الله بن عيدان قاضي حريملة في زمان عبد العزيز الأمير العزيز ١٠ً الشيخ الفرد عبد العزيز بن سويلم قاضي ناحية القصيم في أيام عبد العزيز وابنهِ سعود وحفيدهِ عبد الله. والشيخ العالم حمد بن راشد العريني قاضي ناحية سدير. فهؤلاء كلهم نبغوا في أيامهم لأنهم أخذوا العلم عن الشيخ محمد رأس الوهابيين قد طووا بساط أيامهم في عهد الأمير الذي ذكرنا اسمهُ أو ثاني الأمير بن اللذين ذكرنا اسميهما. وقد قرأ عليهِ العلم غير هؤلاء من الأفاضل والأدباءِ ممن لم يوّلوا القضاء لأنهم أخذوا على أنفسهم تدريس العلم والأدب في ديارهم وسائر ديار العرب بدون أن يتقلدوا وظيفة تتعلق بالحكومة أو الإمارة. ومن علماء نجد الذين كانوا في ذلك العهد الشيخ عبد الله بن عبد الوهاب قاضي العُييْنَة. له من التصانيف: ١ً زاد المستقنع ٢ً شرح المختصر ٣ً شرع الأقناع ٤ً شرح المنتهى ٥ً حاشية الإقناع ٦ً حاشية المنتهى ٧ً كتاب العمدة وكل هذه التأليف عن الشيخ منصور البهوتيّ شارح الإقناع والمنتهى , وعن الشيخ أحمد بن محمد بن بَسّام. ومن طبقات أولئك العلماء الشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل النجديّ المشهور في بلدة أشَقْرِ. أخذ الفقه عن الشيخ أحمد بن مشرف النجديّ , وأخذ عنهُ

стр. 1357

كثيرون منهم الشيخ أحمد بن محمد بن بَسّام والشيخ عبد الله بن ذهلان. وكان الشيخ محمد بن أحمد بن اسمعيل المذكور معاصراً للشيخ سليمان محمد بن الشيخ عبد الوهاب المذكور. ومن عداد أولئك الفُحول في ذلك الأوان العالم الفقيه القاضي الشيخ سليمان ابن علي بن مشرف جدّ الشيخ محمد بن الشيخ عبد الوهاب المشهور. وكان سليمان المذكور فقيه عصره على مذهب الإمام بن حنبل إليهِ انتهت رئاسة العلم في نجد كما سبقت الإشارة إليهِ. وجميع العلماء المعاصرين لهُ يرجعون إليهِ في حلّ المعضلات من المسائل الفقهية والتفسيرية والفرائضية وغيرها. ولهُ من التصانيف ١ً و٢ً كتابان في المفاسد , ٣ً شرح الإقناع. إلاَّ أنهُ لما وقف على شرح الإقناع للبهوتيّ أتلف شرحهُ على ما قالهُ بن بشر النجديّ. وقد أخذ العلم عن الشيخ أحمد بن محمد بن مشرف النجديّ وغيرهِ. وأخذ عنهُ جماعة من أكابر العلماء منهم: أبناهُ الشيخ عبد الوهاب والشيخ إبراهيم , والشيخ أحمد بن محمد القصير النجديّ المتوفي سنة ١٠٧٩هـ=١٦٦٨م ومن علماء نجد الذين يشار إليهم بالبنان الشيخ حسن بن سلطان القصير المشهور في بلدة أُشَيْقر. أخذ العلم عن الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد بن اسمعيل. والشيخ الفاضل سليمان بن علي بن مشرف. وأخذ عنهُ عدة من العلماء كالعالم الفاضل الشيخ عبد الله بن أحمد بن محمد بن عضيب الناصريّ النجديّ. هؤلاء هم أشهر علماء ذلك العصر. ثم حدث ما ثبَّط عزائمهم فتقهقر أمر العلم وأصحابهِ وكان ذلك في سنة ١١٣٣هـ=١٧٢٠م إذ ظهر فيها سعدون بن محمد بن عزيز الإحسائي على نجد وحاصر آل كُثيّر في العارض وأظهر المدافع من

стр. 1358

الإحساء ونزل في عُقْرُبا المعروفة وحاصر بلدة العمارية حتى هزلت مواشيهم وأصابتهم أضرار كثيرة. ثمَّ سار الدرعية ونهب بيوتها فقتل أهل الدرعية كثيراً من قومهِ وفرَّ العلماء إلى بلادٍ يجدون فيها راحتهم. ولما مات سعدون المذكور سنة ١١٣٨هـ=١٧٢٥م عُمّرت منازل بني هلال ومنازل بني سعيد وآل بني سليمان في بلدة الروضة المعروفة في ناحية سدير. فتنفس العلماء الصعداء وعاد أغلبهم من مَفَرّهم إلى مقرّهم. وبعد ذلك بمدَّة ظهر آل سعود في الدرعية واستولوا على بلاد نجد والإحساء والقطيف وعمان والعسير وجبل شمَّر (جبل طيء) وانقادت لهم القبائل والبلاد وحصل من أمرهم ما هو مشهور. ورجع العلم إلى دياره وانبعث من قبره كما سنذكره بعد ذلك إن شاء الله تعالى. شاتسنا أيها القمر الآن وقد أظلم الليل وبدأت النجوم تنضح وجه الطبيعة التي أعْيَتْ من طول ما انبعثت في النهار برشاش من النور النديّ ينحدر كأنهُ قطرات من الأمواج المتلاطمة في بحر النسيان الذي تجري فيهِ السفُنُ الكبيرة من قلوب عشاق مهجورين برَّحت بهم الآلام , والزوارق الصغيرة من قلوب أطفال مساكين تنتزعها منهم الأحلام , تلك تحمل إلى الغيب تعَباً وتَرَحاً , وهذه لعباً وفرحاً , والغيب كسجلّ أسماء الموتى تختلف فيهِ الألقاب , وتتباين الأحساب والأنساب , وتتنافر معاني الشيب من معاني الشباب , وهو يعجب من الذين يسمّونهُ بغير اسمهِ ولا يعلمون أنهُ كتاب في تاريخ عصر من عصور التراب. والآن وقد بدأت الطبيعة تتنهد كأنها تُنفّس بعض أكدارها , أو تُمْلي في الكتاب الأسود أخبار نهارها , وبدأ قلبي يتنفس معها كأنهُ ليس منها قطعة صغرى , بل طبيعة أخرى , والله ما أكبر قلباً يسع الحب من قبلة اللقاء إلى ذكراها , ومن

стр. 1359

حياة الصبي الأولى إلى ما يكون من الجنة أو النار في أُخراها , إن هذا لهو القلب الذي ترى فيه الطبيعة كتاب دينها المقدس فإذا لحق العاشق الذي يحمله بربهِ تناولنهُ وهي جاثية كأنها في صلاة الحزن ثم قبلته ثم أودعته في مكتبة الأبد لأنهُ تاريخ قلب آخر بل هو جزء من الموسوعات الكبرى التي يدوّن فيها الدهر تاريخ النفس الإنسانية على ترتيب بعينه تعلّم الناس منهُ أن يبدؤا لغاتهم جميعاً بحرف (الألف) لا لأنهُ من أقصى الحلق. . بل لأنهُ من أقصى القلب , بل لأنهُ من أقصى التاريخ , بل لأنهُ أول اسم (آدم) ذلك العلم الأول في تاريخ الحب. والآن وقد رقَّت صفحة السماء رقة المنديل , أبلَتهُ قُبَل العاشق في بعاد طويل , أو هجر غير جميل , وتلألأت النجوم كالابتسام الحائر على شفتي الحسناء الخيلة كأنهُ قطرة من الندى تلمع بين ورقتين من الورد. وأقبل الفضاء يُشرق من أحد جوانبهِ كالقلب الحزين حين ينبع فيهِ الأمل ومرَّت النسمات بَليلة كأنها قِطع رقيقة تناثرت في الهواء من غمامة ممزقة. وأقبلت كل نفس شجية ترسل آمالها إلى نفس أخرى كأنها أحلام اليقظة. ونظر الحزين في نفسهِ والعاشق في قلبهِ ونام قومٌ قد خلت جنوبهم فليس لهم نفوس ولا قلوب. وليس الكون تاجه العظيم فأشرق عليهِ القمر. والآن وقد طلعتَ أيها القمر لتملأ الدنيا أحلاماً وتشرف على الأرض كأنك روح النهار الميت ما ينفكُّ يتلمَّس جوانب السماء حتى يجد منها منفذاً فيغيب. فهلمَّ أبثك نجواي أيها الروح المعذب واطرح من أشعتك على قلبي لعلي أتبيَّن منبع الدمعة التي فيهِ فأنزفها , إن روحي لا تزال في مذهب الحس كأنها تجمُش للبكاء ما دامت هذه الدمعة فيهِ تجيش وتبتدر. ولكن إذا أنا سفحتها وتعلقت بأشعتك الطويلة كأنها معنى غزلي يحمله النظر الفاتر فلا تلقها على الأرض أيها القمر فإن الأرض لا تقدّس البكاء وكل دموع الناس لا تبل ظمأ النسيان ولو انحدرت كالسيل يدفع بعضها بعضاً. أرأيت أيها القمر هذا النهر الصافي الذي يجزي كأنهُ دموع السحر من أجفان

стр. 1360

هاروت وماروت ويطَّرد بجملته كأنهُ قطعة من السماء هاربة في الأرض. وهل ترى في شاطئهِ تلك الشجرة الناضرة الممتلئة بالأوراق كأنها مكتبة يتصفحها الهواء؟ هذه هي مثال الفلسفة الطبيعية فكل حكيم لا ينبت على شاطئ الدموع الشريفة فهو فيلسوف جافّ كأنهُ مصنوع من جلود الكتب. وما دمعتي إلاَّ النهر الذي نبتُّ في شاطئهِ وهي شيء وأصفاه لأنها مخلوقة من ثلاثة عناصر تقابل العناصر السماوية. من الحب الذي يقابل عنصر النار ومن اللين الذي يقابل عنصر الهواء ومن البكاء الذي يقابل عنصر الماء. ليس كل مَن عصر عينيهِ فقد بكى. إن البكاء لأشرف من ذلك. وكما يكون الضحك أحياناً حركة في الأفواه تبعثها العادة كحركة الحواس الغليظة فيضحك المرء وقلبه صامت كذلك يكون من البكاء ما هو حلم الأسى لأن في العين حاسة لا بد من تمرينها أحياناً تسمى حاسة الدموع. وما إن لقيت باكياً إلأَّ رأيت وجهه مقبلاً عليَّ كأنهُ يسألني: تُرى من أين يُذبح الإنسان إذا كانت دموعه هي دماء روحه؟ ذلك لأن الدموع لم تعد على طبيعتها دموعاً بل هي علامات الألم أو السخط. الألم من المخلوق والسخط على الخالق فهي ألفاظ من لغة العجز قد تكون أفصح منها كلمات السفاه والغيظ والحنق وما إليها. ولكن الباكي بها لا يجد من الجراءة ما يرفع صوته من حفرة الحلق لضعف إحساسه بالذل السياسي أو لضعف قلبه بالتقوى التاريخية فيرفع صوت روحه وهي تتكلم من العين. أريد أن أبكي أيها القمر لأنهُ يخيَّل إليَّ أن حقائق كثيرة تغتسل بدموعي وأني لا أكون في حاجة إلى البكاء إلاَّ حين تكون هي في حاجة إلى الدموع. ولقد شعرت مراراً باهتزاز عقلي في تصفح الأسفار , واضطراب نفسي في متاحف الآثار , واختلاج قلبي في معابد الطبيعة التي قامت الجبال في بنائها لأنها أحجار , فما أفدت من كل ذلك ما أفدته من دمعة تفور في صبيبها , كأنها روح عاشق

стр. 1361

يطاردها الموت يدي حبيبها , فإن في هذه الدمعة ثواب آلامي , ويقظة الحقائق من أحلامي. وما زلت حائراً في أمر مشتبه لا أُصيب الوجه فيهِ فلا أدري إذا كانت هذه الدموع المتساقطة تنقضُّ من بناء الحياة لينهدّ , أو هي تضاف إليهِ ليشتدَّ , فإني أرى أقواماً يحبون بالدموع وآخرين يموتون بها. ولعل عين الإنسان ملئت بالدموع من أصل الفطرة لتكون منها خنادق مستفيضة حول الروح فلا يقتحمها الفكر ولا يرى أبداً إلاَّ ظاهرها ولولا ذلك ما بقيت الروح من أمر الله. أو لسنا نرى الذين يبكون كثيراً يؤملون أن يدركوا من أسرار الروح كثيراً إذ يرون تلك الخنادق قد أخذت تمجُّ ما فيها فكأنهم بالماء قد غِيض وكأنهم بالأمر قد قُضِي. ولكن الإنسان ليس إله نفسه فمتى انكشفت أرض الخنادق الروحية ظهرت فيها حفرة القبر وكانت آخر دمعة تجف منها هي دمعة الموت. بَيد أن الحقائق التي تهيئ للبائسين ذلك الأمل بكثرة ما تفيض أعينهم من الدمع هي في رأي الناس علم وفلسفة لأن الجهل في الإنسان لا حد له فكل ما ظفر بهِ عده حداً علمياً. أولا ترى أن أجمل ما في الديانات والشرائع قد تحول إلى حجارة البيَع والصوامع والمساجد والأضرحة والمحاكم والسجون وكثير من مثلها حتى صارت هذه الأبنية تفهم الناس من ضروب المعاني أكثر مما تفهمهم الكتب السماوية في الأرض والأرضية في السماء. ما لي ولك أيها القمر لا أحب أن أُفيض عليك دمعتي فقد ترى فيها أشعة كثيرة من ألوان الأسرار المحتلفة. بل أنا أراها في قلبي وقد اشتمل بها الخيال الحزين. خيال هذا الأمل الذي يسميه الناس الحب وتسمية الطبيعة الحياة المعذبة لأن الناس قد مضوا على أن لا يعرفوا الحقيقة إلا بأوصافها ولا يعرفوا من أوصافها إلا ما يتعرف إليهم من ظاهرها الجميل. أما باطن الحقيقة الذي يحتوي السرَّ المحزن فهذا يعرفهُ من يفهم لغة الطبيعة وما لغتها إلاَّ أفعالها. وأنت فإذا أردت

стр. 1362

أن تدرس علم البلاغة من هذه اللغة فادرس المصائب والآلام والأحزان أنها هي أقانيم البلاغة الثلاثة: المعاني والبيان والبديع وأنك إن درستها وتدبَّرت شواهدها الصحيحة التي لم يصنعها رُواتها أصبحتَ أفصح من ينطق عنها في هؤلاء البكم الذين يقرأ أحدهم صفحة الزهر بعينين في أنفهِ. . . ولا يستحي الغبيّ أن يقول لك أن في الزهرة معنى جميلاً. فمن أحبَّ ورأى حبيبته من فرط إجلاله إياها كأنها خيال مَلك يتمثَّل له في حلم من أحلام الجنة. ورأى في عينيها صفاء الشريعة السماوية وفي خدّيها توقد الفكر الإِلهي العظيم وعلى شفتيها احمرار الشفق الذي يخيل للعاشق دائماً أن شمس روحه تكاد تُمسي. ورآها في جملتها تمثال الفنّ الإِلهي الخالد الذي يُدْرَس بالفكر والتأمل لا بالحسّ فأطاعها كأنها إرادته واستند إليها كأنها قوَّته وعاش بها كأنها روحه. فذلك هو الذي يشعر بحقيقة الحب وهو الذي يقول لك صادقاً مصدوقاً: إن كل لفظة من لغة الطبيعة في تفسير معنى الحب كأنها صَلْصَلة الملَك الذي يفجأُ الأنبياء بالوحي في أول العهد بالرسالة. ليس كل ما يعجبك يرضيك ولكن كل ما يرضيك يعجبك فالجمال الوصفي الذي يقاس بالنظر ويخرج منهُ الفكر بنسبة هندسية جمال صحيح وحريٌّ أن يكون معجباً ولكنهُ على كل حال بناءٌ جسمي كالفصر المشيد الذي يعجب الفقير المعْدَم فيتمناه فإن هو صار لهُ خالياً لم يرضه لأنهُ لا يلتحف سقوفه المموَّهة ولا يفترش أرضه الموطأة ولا يلبس جدرانه الموشاة ولا يقتات من هوائهِ الطلق. أما الجمال الذي يرضي فهو الذي يشفُّ عن صورة روحك بغير ما يخيلها لك ماء الحياة العكر هذا الذي لا يشفُّ عن شيء ولا يزال يضطرب فيجعل شبحك في اختلاطه كأشباح البهائم إذا ضربت في الماء بأرجلها. فترى من ذلك الجمال كأن ملكاً هبط عليك من السماء وفي يده مرآة فنظرتَ فإذا صورتك بعينها ولكنها في يد ملك. وقليل أن يجد الناس مثالاً من ذلك الجمال فكثير منهم يجحدونه ويرونه ضرباً من الوصف الشعري الذي يظهر في خلقهِ ولإبرازه مقدار ما في الشعراء من روح

стр. 1363

الله. وإنما يجحد مثال الجمال الكامل من لا يستطيع أن يكون مثال الحب الكامل وإذا كانت قد علاها الصدأ فكيف يعلوها الوجه الجميل. وكيف تخلص إلى روحك من طين هذه الكأس الزجاجية المرآة الصدئة نشوة الجمال ولو سكبت فيها حور الجنة كل ما في خدودها. ولقد قيل أن قوماً من العرب ترحَّلوا عن بعض منازلهم فكان من أنْسائِهم قطعة مرآة صقيلة كأنها وجه المليحة التي نسيتها فمرت بها ضبع كأشأم ما خلق الله قبح طلعة وجهامة منظر حتى كأن في وجهها تاريخ الجيف التي اغتدت بها. فوقفت عليها تعجب من إشراقها وسنائها وما كادت تنظر فيها حتى راعها وجهها ولا عهد لها برؤيته من قبل لأن الله رحيم ومن رحمته أن لا تعرف الوحوش أنها وحوش وأن لا تجد أسباب هذه المعرفة. فانقبضت الضبع وزَوَت وجهها وقالت: من شرٍّ ما اطَّرحك أهلك أيها المرآة. . .! فجمال هذه الضبع الذي جحدته المرآة كما يجحد الكافر رحمة الله وحسنها الذي أحالته قبحاً كما يُحيل الطبع اللئيم كل حسنة تتصل به هما أشبه شيء بالعقل والقلب في المحب الأخرق الذي يحب بحواسه فتجوع روحه وتشبع وتعتلّ بالتخمة أيضاً. . . وكم في الناس من مثل هذه الضبع وكم في الحسان من مثل تلك المرآة. ما أحسب الإحساس إلاَّ نكتة صافية في القلب تقابل نكتة العين التي يكون بها البصر فكل ما انطبع في هذا انطبع في تلك لكي تكون الروح بين مرآتين فيسهل عليها أن تدرس الحقيقة بالمقابلة فإذا نزل الشاعر الحسَّاس بروضة غناء أحسَّ بقلبه كأنما يخضرُّ بعد يُبس. وإذا أطلَّ في الغدير الصافي أحسَّ بمعنى الماء ينصبُّ في عروقه. وإذا نظر إلى وجه الجميلة الحسناء فلماذا لا يحس أن قلبه امتلأ جمالاً حتى كأنهُ لا يعشق إلا شيئاً في نفسه. بلى وأكثر من ذلك فإن الشاعر ليكتب عمن يحبها فيرى كأنه ينفخ في كل

стр. 1364

كلمة معنى من الحياة لأنهُ لا يكتب كلاماً بل يخط صورة قلبهِ. والعواطف الحية تبقى حية ولو كانت مرسومة لأنها لا تجتمع في شكلها الذي تنتهي إليهِ إلاَّ بعد أن تمر في أدوار الحياة فتألفها الأرواح وتصير كاللفظ ما هو إلاَّ أن يذكر حتى ترى معناه للذهن ماثلاً. بلى ولقد يخبَّل إليَّ أيها القمر الجميل حين أكتب عمن أهواها أنك لفظ في ألفاظي تطلع من المداد فإذا قلت وجهها فهل تظن هذا اللفظ الذي هو جملة الجمال إلا قمراً في الكلام. وإذا فلت ابتسامها فهل ترى الحروف إلاّ الفجر الندي وإذا قلت هي فهل ترى إلاّ ضمير الطبيعة التي تأخذ عنها الإنسانية دينها؟ أة لو تعلم أيها القمر من هي! مصطفى صادق الرافعي في رياض الشعر رأي مختبر عاقلِ عذيريَ من خُلُقٍ باسلِ ... أحدَّ وأمضى من الذابلِ صليبٍ على القسر لا يلتوي ... إذا غمزتهُ يد الناقلِ إذا شاقني الأمر صعب النوال ... مضيت ولو أنهُ قاتلي وإن حال من دونهِ حائلٌ ... مشت أخمصاي على الحائلِ حديد قوي النفس ذو همة ... تضايق في جسدٍ ناحلِ وأورثنيها فًتى أمثلٌ ... وأُورثها لفًتى ماثلِ بلوتُ الزمانَ وأهل الزمانِ ... فخذ رأي مختبرٍ عاقلِ

стр. 1365

رأيتُ الملوك إذا أُطلقوا ... أضرَّ من الجارف الغائلِ نفوس الرعايا وأعراضها ... وأرزاقها أكلة الآكلِ

стр. 1366

وُعودهمُ برقها خلَّبٌ ... وأقسامهم ضحكةُ الهازلِ ولو عقلوا قيَّدوا نفسهم ... ومن لك بالمطلق العاقلِ فتلك القيودُ ضمان العروشِ ... توطّدها في المدى القابلِ حقوق الملوك بتقديسها ... دعاوى على الحقِ للباطل همُ ميَّز الله أشخاصهم ... بشيءٍ ولكن رضي الخاملِ بني الشرق هبُّوا فقد طالما ... زحفتمُ في الدَّرّك السافلِ إلى مَ تنامون عن حقكم ... وتعبث فيكم يدُ العاملِ ويظلمكم رجلٌ واحدٌ ... وأنتم عداد الدُّبى النازلِ فدونكم العلم فهو المحرّ ... ر والرّق لازمة الجاهلِ وخلّوا الديانات طيَّ القلوب ... وكونوا عن الخلف في شاغلِ ألم تنظروها غدتْ آلةً ... لتفريقِ جمعكُم الحافلِ ولا ترهبوا الموت فالموت لا ... يؤخرُهُ وَجَلْ الواجلِ داود عمون إن في هذه الأبيات لصورةً معنوية لشاعرها الكبير. ولئن كنا قد اخترناها لهذا الجزء فلأنها أشبه شيءٍ بمرآةٍ تتجلى فيها نفس داود بك عمون. ففي الجزء الأوَّل منها وصفٌ ينطبق على الشاعر انطباقاً تاماً , وفي سائرها أفكار ومبادئ عرفها الناس في هذا الرجل المتقد ذكاءً وعزماً. فهي لمن عرفوا داود عمون ولمن لم يعرفوه صورة عنهُ وعن أفكاره طبق الأصل وإنما نشرناها مع صورتهِ لتكون متممة لها.

стр. 1367

زهرة بنفسج الدكتور نقولا فياض أشهر من أن يُعرَّف , فهو الشاعر الذي يسحر القلوب , والخطيب الذي يسترقّ الألباب. وستتحف الزهور قرَّاءَها تباعاً بما ستجود بهِ قريحة هذا الأديب الكبير. وهذه القصيدة الرقيقة باكورة ما تقدمهُ إليهم: أهوى البنفسج آية الزَّهرِ ... في الشكل والتصوير والعطرِ وأحبّهُ في الأرض مختبئاً ... وأحبُّهُ في بارز الصدرِ ولكل عذراءِ أقدّمهُ ... ما دام فيهِ حياؤه العذري لكن شجاني منهُ حادثة ... أجرتْ دموع عرائس الشعرِ هي زهرة بجوار ساقيةٍ ... نبتت وعاشت عيشة الطهرِ لم تدرِ غيرَ العشب مُتَّكأً ... وسوى عناق الماءِ لم تدرِ فا فاستيقظت يوماً كأن بها ... سكراً وقد شربت ندى الفجرِ تبكي جوًى وتقول ما أملي ... لو عشتُ خالدةً بذا القفرٍ حسناء لكن لا عيون ترى ... حسني ولا من عارفٍ قدري هلاَّ صعدتُ إلى ذُرى جبلٍ ... وبدلتُ هذا الكوخ بالقصرِ فأرى الجديد من الوجود وما ... تحوي معاني الكون من سحرِ وأشارف الدنيا وأجعلها ... تطوي مناظرها على نشري قالت وقام بها الهوى فمشتْ ... في القفر مثل ظبائهِ العُفرِ والريح تحملها وتقعدها ... وتموج بين الشعر والخصر حتى إذا صعدتْ وما ابتعدت ... وقفتْ تجيل الطرفَ عن كبْرِ فرأت بساط العشب منتشراً ... تلوي عليهِ معاطف النهرِ جاراتها في الحيّ نائمة ... حمراً على أعلامها الخضرِ

стр. 1368

فاستبشرت بالفوز وانطلقت ... تعدو ولا تلوي على أمرِ وحلا لها السفَرُ البعيد وما ... حسبت حساب الحلو والمرِّ الأرضُ مرعرةٌ ومحرقةٌ ... فكأنها تمشي على جمرِ ورفيقها هُوج الرياح وقد ... ثارت عليها ثورة الغدرِ ترمي بها كل الجهات فلا ... ترتاح من كرٍّ إلى فرٍّ حتى أصابت هضبةً فإذا ... فيها نعيم العين والفكرِ من تحتها الجنات مشرقةٌ ... بالزَّهر كالأفلاك بالزُّهرِ والناس والأشياء مائجةٌ ... كالبحر في مدٍّ وفي جزرِ قالت بدأت أرى فواطربي ... لو كنت أبلغ موطئ النَسرِ أعلو إلى قمم تحّجبها ... تلك الغيوم بحالك السترِ فأرى بديع الكون تحت يدي ... وأفضُّ منهُ غامض السرِّ يا للبنفسجة الجميلة من ... أهوال ما قاستهُ لو تدري عزَّ السبيل إلى مطامحها ... في مصعد الأشواك والوعرِ وأصاب أرجلها الضعيفة ما ... يُمني الحديدَ الصلبَ بالكسرِ فتأوَّهتْ ندماً ولو قدرتْ ... رجعتْ على أعقابها تجري لكنها داخت وصيَّرها ... خوفُ السقوط كراكب البحرِ فتشبثتْ بالأرض مفرغةً ... جهد القوى وبقيَّة الصبر حتى تسنَّمتِ الذُرى وغدتْ ... في الأوج تتلو آية الشكرِ لكنها لم تلقَ وا أسفي ... في الأوج غير جلامد الصخر لا عشب ينبت في جوانبهِ ... أبداً ولا أثرٌ لمخضرِّ

стр. 1369

والعاصفات كأنها أسُدٌ ... في الجوّ تزأر أيما زأرِ والغيم ساوى في تلبُّدهِ ... ما بين نصف الليل والظهرِ فجثت لأوَّل مرَّة وبكتْ ... كالطفل من تعب ومن ذُعرِ والبرْدُ أفسد لونها كمداً ... من كلّ مزرَقٍّ ومحمَرٍّ فاصفرَّ ذياك الحبين كما ... ذهبتْ نضارة ذلك الثغرِ من قهرها أنَّتْ وقد سُمعتْ ... وسط الزوابع أنَّهُ القهرِ يا ليتني لم أصبُ نحو عُلًى ... وبقيت بين عرائس الزهرِ قم ارتمت ضعفاً وأخرسها ... شبَحٌ بدا من جانب القبرِ وتصلَّبت أعصابُها ومضتْ ... بالموت هاويةً إلى القعر مسكينةٌ قد غرَّها شرفٌ ... هو كالسراب لكل مُغترَ ظنت بأن لها العلاء غنى ... فإذا بهِ فقرٌ على فقرِ ما كان أهناها وأسعدها ... لو لم تفارق ضفة النهرِ الدكتور نقولا فياض بين فؤادي والجوى نشرنا للسيد عبد الحميد بك الرافعي شاعر الفيحاء مقاطيع شعرَّية دلَّت على مقدرته في هذا الفن. ونحن ننشر اليوم قياماً بوعدنا صورته ومقدمة قصيدة شائقة له نظمها في مديح آل الرفاعي. وقد أعادت علينا هذه الأبيات الطيبة ذكرى شعراء البداوة المجيدين: أيُّ قلب يا غريبَ المنحنى ... ضلَّ منّي ويحكم يومَ النوى هل له يا هل ترى من ناشدٍ ... هل له من ناشدٍ يا هل تُرى

стр. 1370

أحرقَ البينُ بقاياه فمن ... لي بهِ وهو رمادٌ بالغضا كلّما هبَّت رياح الملتقى ... خلتُ في إدراجها منهُ هبا لا أبيتُ الليلَ إلاَّ شاكياً ... كرَّة السهد على جيش الكرى وإذا مرَّ خيال طارقُ ... منكِ يا ميُّ بوهمي وانثنى قامت الحرب لكِ الله على ... سوقها فؤادي والجوى والأسى ويلاه من نيرانه ... قوَّم الأضلاع مني وبرى ولقد كانت لعَمري قفصاً ... لفؤادٍ طار في جوّ الهوى
следующие страницы →