← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

يضحكوا مني إذا أنا جئتهم بمثل هذا الكلام قيصر - السبب راجع إلى إرادتي. إني لا أريد أن أذهب , وكفى بهذا سبباً للأعيان. . . على أني لا أخفي عليك أنت حقيقة الأمر لأنك تحبني. ن امرأتي كالبورنيا تمسكني عن الخروج من البيت. لقد رأت في حلمها تمثالي يتفجر الدم من جوانبه كينبوع ذي مائة عين وأهلَ رومه قادمين باسمين يغسلون أيديهم بدمي. وهي تدّعي أن في هذا نذيراً بشرّ قادم مستطير. فجثت أمامي راجيةً أن أمكث في بيتي اليوم. ديسيوس - لقد ساء تأويلُ الرؤيا. إنه لحلمٌ جميلٌ مبخوت. فما تمثالك يفجّر الرومانيون الدم من جوانبه تفجيراً ويغسلون فيه أيديهم إلاَّ رمز إلى أن رومه سترضعُ منك شبابها , وإن أعاظم الرجال يتزاحمون لينالوا منك أثراً خالداً أو تذكاراً جميلاً. ذلكم تأويل حلم كالبورنيا. قيصر - لقد أحسنتَ تأويله ديسيوس - وستزداد اعتقاداً بحسن التأويل عندما أنقلُ إليك نبأً آخر: إن المجلس قد أجمع أمرهم على أن يقدموا لك التاج اليوم! فإذا لم تذهب الآن قد يتغير إقرارهم في الغد. ومن يضمن لنا الخلاص من سخرية ساخر يقول فضّوا المجلس إلى تتناوب امرأة قيصر أحلامٌ أخرى. أولاً يهمس الهامسون بأن قيصر قد خاف. عفوك قيصر! إني أنطق بلسان حبي الشديد لك. فهو ينطقني بالحكمة قيصر - لكالبورنيا ما أضلَّ مخاوفكِ يا كالبورنيا. إني أخجل من نفسي عندما أرى كيف أنقذتُ إليكِ. إيتيني بردائي. أنا ذاهب. يدخل بوبليوس وبروتوس وليجاريوس ومتلوس وكاسكا وتريبوتيوس وسنا. ها بوبليوس آتٍ ليأخذني. بوبليوس - طاب يومك قيصر!

стр. 1507

قيصر - أهلاً بك يا بوبليوس! بروتوس , مرحباً بك أمبكرٌ أنت أيضاً بالقيام؟ طاب يومك كاسكا. وأنتَ ليجاربوس. أنت مريض؟ إن مرضك الذي أهزلك لأشد عداوة لك مني! كم الساعة؟ برزتوس - أشكر لكم أيها السادة تلطفكم واجهادكم أنفسكم بالمجيء يدخل أنطونيوس وها أنطونيوس الذي يقضي لياليه سامراً قد جاءنا مبكراً. سعدتْ أوقاتك يا أنطونيوس أنطونيوس - ولقيصر الشريف أسعدُ الأوقات قيصر - دعهم يهيئوا لي ثيابي! إني لحقيق باللوم إذ أجعل هؤلاء السادة ينتظرون. مرحباً كاسكا. مرحباً متلوس وأنتَ تريونيوس لي حديث ساعة معك اليوم. كن قريباً فلا أنسى. تريبونيوس - سأكون بقربك. لنفسه نعم سأقرب قرباً يودُّ أصدقاؤك لو كان بُعداً قيصر - ادخلوا أيها الأصدقاء , نذوق معاً شيئاً من الخمر ثم نذهب معاً كإخوان الصفاء يخرجون جميعهم المشهد الثالث شارع قرب الكابيتول يدخل ارتمييدوروس يقرأ ورقة ارتمييدوروس - قارئاً قيصر احذر بروتوس. توقَّ كاسيوس. لا تقرب كاسكا. ضع عينك على سنَّا. لا تثق بتريبونيوس. الحظ سمبر. برتوس لا يحبك. إنك قد أغضبت ليجاريوس. كلُّ هؤلاء مجمعون رأيهم على اردائك. إذا كنت إنساناً غير خالد لنفسك. الاستسلام مدعاة الفتنة. لتحرسك الآلهة القديرة محبك ارتمييدوروس

стр. 1508

سأقف هنا حتى يمرّ قيصر فأعطيه هذه الورقة على شكل عرض تظلّم. نفسي حزينة على فضيلة لا تستطيع البقاء في وجه منافسة حاسدة تحرق الأرمّ. أي قيصر إن أنت قرأت هذه الورقة سلمت. وإلاّ فتكون الأقدار قد اتخذت من الخونة ساعداً وعضداً يخرج المشهد الرابع قسم آخر من نفس الشارع أمام بيت برتوس تدخل بورسي والخادم لوسيوس بورسيا - يا غلام. ألم تذهبْ بعد؟ ركضاً إلى مجلس الأعيان! اذهب ما لك واقفاً لوسيوس - لأعلم بما تأمرينني أيتها السيدة بورسيا - ليتك تستطيع الذهاب والرجوع بأسرع مما أمرك بذلك. لنفسها تشدّدي عزيمتي! وأقيمي لي جبلاً حاجزاً بين ضميري ولساني. إن لي قلب رجل وقوّة امرأة أن تكتم سرّها. للخادم ألا تزال واقفاً أمامي؟ لوسيوس - ما مهمتي يا مولاتي؟ أأركض إلى الكابيتول وأرجع إليك؟ أليس عليَّ واجبٌ آخر؟ بورسيا - بلى اذهب وانظر أمعافى مولاك فإنه خرج متألماً. خذ بالك مما يفعله قيصر ومن الناس الذين يقتربون منه. اسمع اسمع يا غلام! ما هذا الصوت؟ لوسيوس - إني لا أسمع شيئاً أيتها السيدة بورسيا - أصغ أصغ جيداً. إني سمعتُ ضجيجاً كضجيج عراك تحمله الريح من ناحية الكابيتول

стр. 1509

لوسيوس - بالحقّ يا مولاتي لم أسمع شيئاً يدخل المنجم بورسيا - للمنجم تعال يا إنسان. من أين أنت قادنٌ؟ المنجم - من بيتي أيتها السيدة الصالحة بورسيا - كم الساعة؟ المنجم - التاسعة تقريباً أيتها السيدة بورسيا - هل وصل قيصر إلى الكابيتول أم لم يصل بعد؟ المنجم - لم يصل بعد. وأنا ذاهب لأقف فأراه مارّاً في سبيله إلى الكابيتول بورسيا - إن لديك أمراً تعرضه على قيصر. أليس كذلك؟ قل المنجم - نعم أيتها السيدة لي ما أعرضه عليه. فإذا أحسن إلى نفسه وأعارني أذنه أوصيته بأن يطاط لأمره بورسيا - ولماذا؟ هل تعلم بخطر يتهدده؟ المنجم - إني لا أجزم بوقوع الخطر ولكني أخشى حدوثه. سعدت أوقاتكِ. هنا الشارع ضيق والجمع الذي يلحق بقيصر مؤلف من أعيان وقضاة وذوي مطالب شتى يتكاثفون فيزحمون رجلاً ضعيفاً مثلي. وقد يقتلونهُ. سأذهب إلى مكان أفسح من هذا أعارض قيصر في السبيل وأكمله يخرج بورسيا - يجب أن أدخل إلى غرفتي. ويلٌ لي , ما أضعف قلب المرأة. لتُنجحِ السموات مقاصدك يا بروتوس! آه لقد سعني الخادم تقول ما يأتي لتحوّل ذهن الخادم عن الجملة الأولى فيما لو كان قد سمعها أن لبروتوس طلباً لا يستحيبه إليهِ قيصر. يكاد يُغمى عليَّ. اذهب يا غلام إلى مولاك واقرأ سلامي. قل له إني مشروحة الصدر لا أشكو ألماً ثم ارجع إليَّ وأنبئني بما يجيبك بهِ تخرج ثم يتبعها الخادم تم الفصل الثاني

стр. 1510

العدد ٢٩ - بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩١٢ البلقان والحرب ليس في الآونة الحاضرة من لا يهتم للحرب المنتشبة بين العثمانيين والبلقانيين فالناس في كل مكان على اختلاف طبقاتهم ولغاتهم وأجناسهم يتهافتون على الأنباء الواردة من ميادين القتال تهافتاً عظيماً جداً. لذلك أنشأنا الفصل التالي وهو مجمل ما طالعناه في المجلات والمؤلفات الإفرنجية وخلاصة جامعة عن هذه الحرب ومقدماتها وسياسة البلقانيين فيها وتكهن الساسة الأوروبيين عن عقباها لعلّ في ذلك كله فائدة لقراء الزهور. الولايات العثمانية الأوروبية وسكانها - للحكومة العثمانية في أوروبا ست ولايات خلا الآستانة وضواحيها. وهي: سالونيك , وموناستر , وأدِرْنَه , واشقودره , وقوصه , ويانيا. ويُطلق الجغرافيون عليها جميعها اسم مكدونيا وإن لم تشمل هذه التسمية في الحقيقة البلاد الألبانية. أما عدد سكان هذه الولايات فلم يحصَ إحصاءً دقيقاً لكثرة التباين في الأغراض والنزعات الجنسية والسياسية والدينية. ولكنَّ المأثور أنه لا يتجاوز خمسة ملايين ونصف مليون يضاف إليهم عدد سكان الآستانة وملحقاتها فيبلغ المجموع على التقريب ستة ملايين ونيّف. وهم أخلاط من السلافيين والترك واليونانيين والألبانيين. وأما عددهم بالنسبة إلى الجنس

стр. 1511

أو الدين فالمشهور أن الألبانيين يعدون ١. ٥٠٠. ٠٠٠ , واليونانيين يدّعون أنهم يبلغون ٢. ٠٠٠. ٠٠٠ في حين أنهم لا يتجاوزون مليوناً ونصف مليون في نظر سواهم. ويقول المسيحيون أن عدد المسلمين ١. ٥٠٠. ٠٠٠ فقط. وتقول غايت دي فرنكفورت الألمانية أن الإسرائيليين يبلغون ١٩٠. ٠٠٠ , والفلاخيين الرومانيين ١٠٠. ٠٠٠ والبلغاريين ٧٠٠. ٠٠٠ والسربيين ٧٠٠. ٠٠٠ أيضاً. ولكن الحقيقة غير ذلك فالجريدة المذكورة أنقصت في عدد البلغاريين والسربيين عملاً بإشارة البارون مرشال بيبرشتين المتوفي منذ عهد قريب والذي كان سفيراً لألمانيا في الآستانة ثم سفيراً لها في لندن إذ كان عدوّاً لدوداً للعنصر السلافي. ولعل حقيقة عدد البلغاريين في مكدونيا يزيد عن المليون. وكذلك السربيون فلا ريب في إنهم يعدّون أكثر من مليون أيضاً. وقد اختلف الباحثون في نسبة البلغاريين والسربيين إلأى العنصر السلافي فلم يتبينوا الحقيقة حتى كانت معاهدة برلين في سنة ١٨٧٨ إذ انضمَّ على أثرها كلُّ جنس إلى جنسه وكل قطيع إلى حظيرتهِ. معاهدة برلين والبلقان - قضى البند الثالث والعشرون من معاهدة برلين المشهورة بأن يكون لمكدونيا نوع من الاستقلال الإرداي يضمن حقوق المسيحيين من أهاليها تحت سيطرة الحكومة العثمانية ومشارفتها. غير أن الباب العالي سوَّف المكدونيين كثيراً تنفيذ ما تضمنهُ هذا البند , ولم يكترث قط لالحاح دول البلقان عليهِ في ذلك. فأخذت هذه الدول حينئذ بإثارة رأي الأهالي على الآستانة مستعينة بنفوذها في

стр. 1512

مكدونيا ورغبة المسيحيين في الاستقلال؛ فبلغاريا , كانت تحرّض البلغاريين , واليويانيين , والسرب السربيين , حتى أصبحت البلاد ميداناً للدسائس , وأمست جبالها معتصماً للثوار وغاباتها ملجأً للصوص , وقُراها عرضة للنهب والحريق , وبات أهلها أعداءً بعضهم لبعض فانتشرت الفوضى , وعمَّ الخوف , وتعاظمت الويلات والشرور. وإنما أتت دول البلقات كل هذا إقلاقاً للحكومة العثمانية , وعرقلةً لسياستها في مكدونيا لأنها كانت ترمي من وراء تلك الفتن إلى ثلاث رغائب شديدة الأهمية في نظرها وهي: حمل الباب العالي على تنفيذ مضمون

стр. 1513

البند الثالث والعشرين من معاهدة برلين , ولفت أنظار أوروبا إلى حالة المسيحيين في مكدونيا , واستمالة الشعوب المسيحية في تلك البلاد كل شعبٍ إلى الدولة التي تضمُّ إخوانهُ تحت رايتها. على أن الغاية القصوى الحقيقية لم تكن إلاَّ التربص لتركيا وتحيُّن ضعفها للاستيلاء على مكدونيا واقتسامها فتكون لكل دولةٍ حصة تُعطاها بمقدار عملها وأهميتها: فالبلغاريون العثمانيون ينضمون تحت جناحي بلغاريا , والربيون تحت لواء السرب , واليونانيون إلى اليونان. أما رومانيا التي يميل إلأيها أبناؤها الفلاخيون الرومانيون المتشتتون في مكدونيا في كل ناحية وصوب , والذين يصعب جدّاً اجتماعهم معاً في جزء واحد منها , فتعتاض من حصتها هنالك جزءاً غير يسير في ما يحاذي أملاكها من أملاك ومكافأة لها من أجل وقوفها على الحياد. وكانت بلغاريا أشد دول البلقان سعياً إلى الفوز بأمانّيها فلم تدع وسيلةً من الوسائل إلاَّ تذرَّعت بها , وساعدها إهمال الحكومة العثمانية نفسها وأغضاؤها عن مساعيها فمكَّنت محبتها من نفوس البلغاريين العثمانيين بما كانت تبديه لهم المدارس وعمَّمتها في قراهم حتى لقد بلغ مجموع المعلمين الذين يبثون روحها بين الأهالي نحواً من أربعة آلاف معلم لخمسين ألف تلميذ بلغاري عثماني. ولم تكتفِ بذلك كلهِ فأوعزت إلى شباب بلغاري نبيه يدعى يوسف تعلَّم في باريس ونال شهادة دكتور في الحقوق بأن ينصرف عن المحاماة وينتظم في

стр. 1514

سلك الاكليروس. وما زالت ترقّيه بسرعة حتى عيّن اكسرخوساً للبلغاريين فكان موضع ثقة دولته بما أظهره من الكفاءَة والحذق والدهاء فبثَّ الروح البلغارية في نفوس رعيته ونشّأ الشعب على التعصب لقوميته وعلَّمه أن بلغاريا إنما هي أمه الحقيقية وأما تركيا فعدوَّتهُ اللدودة. ولما تمادت العصابات المكدونية في غيّها وشرورها وقابلها العثمانيون بالمثل , وأصبحت مكدونيا من أقصاها إلى أقصاها مسرحاً تمثّل عليه الفظائع , وتلعب فيه كرات الديناميت , ويتطاير فوقه رصاص البنادق تململت أوروبا في نومها وفتحت عينيها على تلك البلاد , وأصاخت بمسمعها إلى استغاثة البلقان بها فأقدمت حينئذٍ على العمل وسعت حتى أنشأت في سنة ١٩٠٣ رقابةً أجنبية على إدارة تلك البلاد.

стр. 1515

الرقابة الأجنبية - تألفت هذه الرقابة في البدء من مفتش عثماني ومندوَبين أحدهما روسي والآخر نمساوي , ومن ضابطين أوروبيين قُصرت مهمتهما على مشارفة الأمن العام إذ رضيَ الباب العالي بانتظامها في الجندرمة المكدونية من أجل هذه الغاية. وكان حسين حلمي باشا الذي وليَ الصدارة في عهد الدستور المندوبَ العثماني في الجنة السالف ذكرها. فلما كانت سنة ١٩٠٥ رأى المندبون شدة الحاجة إلى توسيع اختصاص الرقابة فتألفت حينئذٍ لجنة خاصة لتنظيم الشؤون المالية. ثم رمَت روسيا والنمسا في أواخر سنة ١٩٠٧ إلى إنشاء نظام خاص بالقضاء فلم تفلحا. وحدث بعد شهور أن ملك انكلترا وإمبراطور روسيا تلاقيا ملاقاتهما المشهورةة في ريفال واتفقنا على المسئلة المكدونية. فهاج اتفاقهما رأي أحرار الضباط العثمانيين فأرغموا السلطان عبد الحميد على نشر الحكم الدستوري ففعل , وهدأ بال أوروبا والبلقان حيناً من الدهر. وكان إعلان الدستور في تركيا بعد تلاقي الملكين في ريفال بخمسة وأربعين يوماً فقط مؤبداً لقول نيازي بك في خواطره عن الثورة العثمانية: لولا اجتماع ريفال لم يُعلن الدستور العثماني في سنة ١٩٠٨. عهد الدستور - وكان في مكدونيا على أثر الثورة العثمانية وفوز الأحرار العثمانيين ما كان في جميع السلطنة فإن الشعب تناسي لأول وهلة أغراضه ومنازعاته حبّاً بالدستور؛ فتصافح المسلم والمسيحي , وتراضي الأرمني والكردي , وتفاهم التركي والعربي. غير أن تلك العواطف الشريفة كانت أشبه بشغلة القش لم تتقد حتى عاجلها الخمود فانطفأت

стр. 1516

وتحولت إلى رماد ثم تبددت ذراتها في الهواء. وأصاب أوروبا من الدستور ما أصاب العثمانيين أنفسهم منهُ فرضيت بإلغاء الرقابة الأجنبية من مكدونيا مقتنعة بأن العهد الجديد في تركيا يعوّضها منها خيراً لأن الدستور من شأنه أن يساوي بين الرعية ويهبها الحرّية والعدل. غير أن السياسة العثمانية التي ساسها الاتحاديون لم تُرضِ دوَل البلقان وأسخطت عليها المسيحيين في مكدونيا وهم الأكثرية العظمى هنالك فعادت الحالة إلى شبه ما كانت عليهِ من قبل ورجعت العصابات الثورية إلى أعمالها وشرورها كما كانت أبَّان سلطنة عبد الحميد. وما برحت مكدونيا قلقةً مضطربةً حتى أواخر ستة ١٩١٠ فاختلَّ الأمن كثيراً , وعاد البلغاريون إلى أوروبا يستنجدونها ويستحثونها على العمل

стр. 1517

الصحيح. أما الحكومة العثمانية الاتحادية فلم تكن تعبأ بمساعي هذه الدوَل الصغيرة لأنها كانت تعتقد باستحالة اتفاقهنَّ على العمل معاً. وما كان أشد دهشتها حين رأت بلغاريا تصافح اليونان , واليونان , واليونان السرب , والسرب الجبل الأسود , بعد أن كان اليونانيون أعدى أعداء البلغاريين , والسربيين أنداد الجبليين. فكان انفرادها أمام دوَل أربع متحدة تناوئها وتتطلَّبنَ خذلها وفشلها دافعاً لها إلى الاتفاق مع رومانيا ولكنها لم تنجح لأن بلغاريا أفهمت جارتها أن تقف على الحياد فتنال ما تطمع بنيله بدون أن تسفك نقطة دم أو تبذل قبضةً واحدة من المال. ولما تمَ لهذه الدوَل هذا الأمر اتفقنَ فيما بينهنَّ الاتفاق الذي ولَد الحرب الحاضرة. الحرب - نكتب هذه السطور والبلغاريون على بضعة عشر كيلومتراً من الآستانة , وأدرنه مطوقة بالجنود ومضيَّق عليها الخناق , ومشدودون في حصارها , والطريق قد خلت لليونانيين فتمشوا إلى سالونيك واحتلوها على أهون سبيل , والعثمانيون واقفون في شطلجه معتصمين بحصونها ومحتمين بقنابل الأسطول على شواطئ البحرين بحر مرمره والبحر الأسود , والوباء يفتك فتكاً ذريعاً بالعسكرين العثماني والبلغاري , والقتلى يُعدُّون كالجرحى بعشرات الألوف , وليس في بلغاريا والسرب

стр. 1518

والجبل الأسود واليونان غير الشيوخ العجَّز , والنساء الضعيفات والأطفال الرُضَّع , وقد اكتظت قصور الآستانة وجوامعها ومستشفياتها بالمصابين من العساكر , والمنكوبين من الأهالي يشكون الجوع والعري , ويتلمَّسون القوت , ويرُّون من البرد , ويئنون من الأوجاع , وعلى طرُق بلاد الأناضول عشرات الألوف من المساكين نبذتهم بلدانهم , فتشتتوا في القفار لا منازل تؤاويهم , ولا قوت يشبعهم ولا غياث لهم من غير السماء؛ وجرائد العالم تحمل إلينا أنباء هذه الفظائع , وتقص علينا أخبارها المؤلمة حتى لنكاد نسمع بآذاننا دويّ البارود , وأزيز الرصاص , وصليل السيوف , وأنين الجرحى , وحشرجة النفوس , ونبصر بعيوننا مجاري الدماء , وتراكم الجثث , ونلمس بأيدينا فقر الفقراء , وبؤس البؤساء , فما

стр. 1519

نجيء على هذا أو بعضه حتى يعرض لنا خبر ينسينا فظائع ما قرأنا من قبل كأن يقف بنا الكاتب أمام عانةٍ من الذئاب تفترس أشلاء القتلى بل قد تصيب جريحاً منسياً فتنشب أنيابها فيهِ وهو لا يجد بعض القوة ليدفعها عنهُ , أو قبالة مئات من الغربان والعقبان والثعالب وبنات آوى يتألبن على الجثث , وينقرنَ الصدور , ويبقرنَ البطون , بل قد يقعنَ أيضاً على الأحياء في النزع الأخير فيمثّلن بهم تمثيلهنَّ بالموتى , ثم ينقل إلينا البرق مختصر الآراء , وملخص السياسة , وموجز الأنباء عن التحام الجيوش وتفانيها في القتال فنكاد لا نعي من الصباح إلى المساء غير أخبار الحرب , وأحاديث الطعن والضرب. تلك هي الحرب اليوم فواهاً لها من صورة للمدنية في القرن العشرين!! وتلك هي عاقبة السياسة التي يسمونها سياسة تنازع البقاء!. قوتل الإنسان ما أكفره!! عقبى الحرب - قد تنتهي هذه المجازر البشرية عن قريب فإذا ختمت بفشل العثمانيين أضاعت الدولة التركية أملاكها في أوروبا وفقدت بفقدها نحواً من ستة ملايين نفس من رعاياها , وإذا تمَّ لها الفوز أو بعضه قبل أن تضع الحرب أوزارها كانت الخسارة أقلّ والأضرار اللاحقة بها أخف غير أن انتصار الدول البلقانية المتحدة سيؤدي على الأرجح إلى مشكلةٍ كبرى بينهنَّ تكون عقدتها في كيفية اقتسام البلدان المكتسبة لهنَّ. وقد ظهرت بوادر هذه الأشكال من خلال احتلال اليونانيين لسلانيك ومصادرتهم دخول البلغاريين إليها , ومن سياسة السرب مع الألبانيين

стр. 1520

وإصرارها على امتلاك ميناء على بحر الأدرياتيك ومقاومة النمسا لها , ومن إلحاح رومانيا بتوسيع منطقتها في أملاك بلغاريا حتى ثغر فارنه على البحر الأسود أيضاً جزاء وقوفها على الحياد ورغبة هذه في التنازل لها عن بعض أجزائها من الجهة الأخرى فقط وهلمَّ جرّاً , أما الأيام فستكشف ما انطوى وإن غداً لناظره قريب. جمال الدين الأفغاني في نظر الدكتور شبلي شميّل يشتغل الدكتور شميل في هذه الأثناء بوضع كتاب كبير عنوانه حوادث وخواطر أو هو مجموعة مذكراته كما بدل عليه الاسم. وقد اقتطعنا منه الفصل التالي جمال الدين الأفغاني الشهير. قال عفا الله عنه: . . . أما جمال الدين فكان من نوابغ عصره عالماً واسع الإطلاع في علوم الأقدمين وفلسفتهم ذا ذكاءٍ مفرط وأدب رائع مع شجاعة في القول لا تصدر إلاَّ عن نفوس مستقلَّة كريمة وكان ذا حديث طلي شهي لا يمل منه سامعه مع فصاحة عربية في التزام القواعد واختيار الألفاظ ولكنها ممزوجة ببعض لكنةٍ أعجمية تنمُّ عن أصله الغريب وإنما وقعها على الأذن كان محبوباً. ونظره كان جذاباً وله عينان إلى السواد غائرتان قليلاً تتقدان ذكاءٍ. وهو لم يكن يعرف لغةً من لغات الإفرنج الحافلة بالأفكار الجديدة والعلوم الحديثة ولكنهُ كان مقدرة عجيبة في التحصيل

стр. 1521

حتى أنهُ ليستفيد منك الشيء الجديد ويصبهُ في قالب المعلوم المختمر فيه ويوهمك أنهُ معروفٌ له منذ زمان طويل. وجمال الدين لم يكتب في ما أعلم شيئاً وإنما كان يلقي على آخرين مقالات ضافية تنشر في جريدة مصر تحت أسمائهم. ولولا الشيخ محمد عبده يده الكاتبة لما كان لصوته صدى ولبقيت تعاليمه في صدور أكثر الذين تلقوها عنه وماتت معهم إذ كانت كل تعاليمه حديثاً يلقيه بحسب مقتضى الحال. فهو فيلسوف من الفلاسفة المشائين أو بالجري الرواقيين ورواقه كان رواق القهوة التي بجنب قهوة البورصة القديمة المتقدم ذكرها. ولعلَّ تلاميذه لا ينسون في مستقبل الأيام إن يحيوا ذكره بينهم في ذلك المكان. وقبل جريدة مصر كانت شهرة جمال الدين مقتصرة على الأخصاء وأعماله محصورة في دائرة مريديه وأما جريدة مصر فكانت سبباً كبيراً لإذاعة صيته ونشره في الآفاق. ولما عرَّفت أديب بجمال الدين كانت معرفتي بهذا الأخير حديثة العهد. فقد كنتُ أسمع بهِ وأنا في الإسكندرية فلما أتيتُ إلى مصر وددتُ أن أتعرَّف بهِ. وكان يتردد كثيراً على بيت حنا عيد قنصل دولة البلجيك. فلما أبديت رغبتي هذه لعيد المذكور ضرب لي موعداً للاجتماع به عنده في إحدى السهرات. ولما تعارفنا أخذنا ننتقل من حديث إلى حديث إلى أن ابتدرتهُ بالسؤال الآتي ولم يكن سبق لي كتابة أو تصريح في هذا الموضوع بعد. قلت: ما قول سيدي الشيخ لفظة الأستاذ

стр. 1522

لم تكن قد جرت بعد على الألسنة كما هي اليوم في المعبود الأول الذي اتخذه الإنسان من بين أشياء هذا الوجود؟. وكأني لحظتُ أنه أُخذ بهذا السؤال عى غرَّة كأنه لم يخطر له ببال من قبل. فتقلقل قليلاً كأنه يريد أن يتمكن في مجلسه ولم يطل به ذلك حتى دخل في مقدمة مستفيضة أغنتهُ ومتله الصمت طويلاً وأعانتهُ على تصوير الحكم بما فسحت له من الوقت ومتله لم يكن يلزم له أكثر من ذلك لما له من سرعة الخاطر وحدَّة الذهن. ولا أذكر شيئاً من هذه المقدمة وإنما أذكر أنه

стр. 1523

انتهى بها القول إن المعبود الأول للإنسان الأول كان يقتضي أن يكون في ثنايا الغيوم المتلبدة أو هي نفسها أما أنا فلم أكن من رأيه وكأني نظرت إلى الإنسان نظراً أعرق في الحيوانية. فاعتبرتُ الإنسان الأول لاصقاً بأرضه يتخبط في ما أمامهُ متخوفاً من كل شيء إذ كان يجهل كل شيء فاتخذ معبودة الأول من أشيائها ولم يرتفع بصره إلى ما فوق إلاَّ بعد ذلك بكثير. واعتبرت حينئذ العبادة الفتيشية أول عبادات الإنسان وجعلتها في الغابات الكثيفة ذات الشأن في الميثولوجية القديمة وفي الأشجار الكبيرة المنفردة القائمة في العراء يُستظلُّ بها من الرمضاء كما تدل عليهِ بقايا ذلك فيهِ حتى اليوم. وهذا الحكم لم يقم بي اعتباطاً من دون تفكير سابق بل قام في نفسي على أثر زيارتي لمدينة بعلبك في سنة ١٨٧٠ حين رجوعي من أنطاكية وكنت قد أرسلتُ إليها في بعثة من قبل المدرسة الكلية حين كنتُ أدرس الطب لإغاثة منكوبيها في الزلزال الذي نكبت بهِ تلك المدينة في تلك السنة. وكان رفيقي في هذا السفر ذهاباً وإياباً أدورد فاندَيْك المعروف عند المصريين ابن الشهير كرنيليوس فاندَيْك صاحب الفضل الأكبر على سورية وسائر الأقطار العربية في نهضتها العلمية الحديثة. فلما وصلنا بعلبك بعد سفر أربعة عشر يوماً في مروج خصيبة يتعالى فيها الحشيش الطبيعي إلى إقامة الإنسان ولكن يد حكامها الطغاة أقحلتها وتركتها قفراء من السكان لم نشأ أن تقيم في المدينة وفضَّلنا أن نبيت ليلتنا في قلعة بعلبك نفسها وكان القمر بدراً والسماء صافية فبين الآثار الكثيرة

стр. 1524

المتهدمة توجد أعمدة من الغرانيت ذات علوٍّ شاهق لا تزال قائمة صقّاً واحداً في ساحة منبسطة. فلما وقفتُ أمامها في ضوء القمر الصافي وفي وسط ذلك السكون الرهيب والشباب غضٌّ والعواطف شديدة التأثر شعرتُ في نفسي بتهيب من منظرها الفخم لا يزال أثره بي حتى اليوم كدت أجثو منهُ على ركبتيَّ من شدة الخشوع. فكأن هذا الشعور بي كان لي موضوعاً للتفكير بعد ذلك في أمر العبادات وإن منشأها في الإنسان إما تهيب عن إعجاب أو خوف عن ضعف. وأحرِ بالإنسان الأول اللاصق بأرضه أن يكون معبوده الأول منها على نحو ما تقدَّم. قلت أن جمال الدين كان من الفلاسفة الرواقيين أي أنهُ كان ينشر

стр. 1525

تعاليمه في طي المحادثات الاعتيادية ولكنها كانت محادثات خلاَّبة في لذَّة المعنى وحسن الانسجام ولم يتهيأ له أن وقف خطيباً في قوم إلاَّ مرة واحدة أظهر فيها أنه خطيب مفوَّه أيضاً وكان ذلك بمسعى أديب إسحاق وفي تياترو زيزينيا على محضر من جمهور غفير من علية القوم من رجال ونساء من السوريين والمصريين. فألقى خطبة اجتماعية سياسية أبدع فيها معنى ومبنىً وجرأةً وبقي يرتجل الكلام نحو ساعتين من دون أن يبدو عليهِ أدنى تعب أو يتلعثم حتى خلب العقول وأقام الناس وأقعدهم كأنه رابطهم بسلاسل كلامه يلعب بهم كما يشاء. وقد أعجبني منه قوله فيها وهو يتكلم عن استبداد الملوك واستماتة الشعوب قال كأن الناس ليسوا شيئاً والملك هو كل شيء إن قام قاموا وإن قعد قعدوا!. ولما بلغني أن جمال الدين بعد أن نفي من مصر ببضع سنين كتب رسالةً باللغة الأفغانية في نفي مذهب الماديين ترجمها الشيخ محمد عبده إلى العربية دُهشت لعلمي بأن الرجل لم يكن من المتدينين. على أن جمال الدين كسائر الفلاسفة الأقدمين لم يكن يستطيع بمبادئة النظرية وفلسفته المجرَّدة أن يجزم جزم الطبيعيين في استنادهم إلى العلوم الحديثة اليوم فلم يكن يستطيع إلاَّ أن يكون من الشكوكيين أمثال المعرّي وأمثال فولتير الذين ينكرون الأنبياء ولكنهم يقفون مترددين في أمر الخلق هل هو حادثٌ أو قديم فيكونون تارةً من الإلهيين وطوراً من اللاأرديين لعدم تمكنهم من ضابط علميّ محسوس يضبط أحكامهم ويقوّي حجتهم في تردُّدهم اللهم إلاَّ أن يكونوا من الحصافيين النفعيين الذين يكونون في

стр. 1526

اعتقادهم على هوى جليسهم تارةً أقرب إلى المعطلين وطوراً أقرب إلى المؤمنين أي أنهم يكونون كما وصفهم الإمام الغزالي حين قال: إن الآراء ثلاثة أقسام: رأي يشاركه فيهِ الجمهور فيما هم عليه. ورأي يكون بحسب ما يخاطب به كل سائل ومسترشد. ورأي يكون بين الإنسان ونفسه لا يطلع إلاَّ من هو شريكه في اعتقادهم اهـ ويصعب عليَّ جداً بعد اختياري الرجل بنفسي من جهة ثم سماعي عنه بعد دلك أن أبدي فيه حكماً جازماً ولكني أرجح جداً أنه لم يكن من المؤمنين. الدكتور شميل

стр. 1527

نشيد نهر الصفا عين زحلتا قرية لطيفة يعرفها أكثر الذين اعتادوا الاصطياف في جبال لبنان؛ وألطف من القرية نفسها غابات الصنوبر التي تحيطها وأجمل من هذه وتلك منظر نهر الصفا المتدفّق عند قدم الجبل , وعلى بعد أمتار قليلة منهُ يركض نهر القاعة. كلٌّ من النهرين يسرد حكايته الأبدية على الأشجار المصغية إليهما بحللها السندسية. ويظلُّ النهران في اندفاع وشكوى , وروح الوادي تئن في أثرهما إلى أن تائم مياههما مياه البحر العظيم في الصيف المنصرم زرت عين زحلتا لأول مرة. هنا سالت صور الكون الهيولية وذابت ذرات الأثير؛ هنا اجتمعت بلابل أرفيوس لتعيد ذكرى أوريديس ذات القلب الكسير؛ هنا تنهدت العطور تنهداتها الغرامية , وتحولت الورود إلى أشعة سحرية؛ هنا اغتسل قوس القزح , فترك في الماء من ألوانه ألحاناً فضية؛ ومن دماء الأحلام المتجمدة استخرج قوس قزح ألوانه السرمدية؛ هنا بعث الأفق بأسراره إلى الأرض مع خيوط من الأثير ذهبية؛ هنا نامت الأشباح بين أجفان بنات المياه , فامتزج النور بالظلام وتلاشت اليقظة بالمنام؛ هنا ناحت حمائم الشعر , وغنَّت أطيار الأنغام؛

стр. 1528

هنا لثمات النسيم شوقٌ وهيام؛ ومداعبة الموجة تبادلُ نظرةٍ وابتسام؛ وجمود الشاطئ حقد على فتور الليالي ومعاكسات الأيام؛ هنا ارتعاش الأوراق على الغصون تحية همت من مُقل الكواكب وسلام؛ وتمايل الأفنان ودلالها نجوى ملك الوحي والإِلهام؛ هنا ليلةُ أنوارٍ وفجرُ ظلام. وألغاز ملامسٍ وألوان وأنغام؛ حينما يمرُّ الفجر على قمم الجبال يرى صورته في هذه المرآة البلورية , يرى رمز الشبيبة مع ما يتبعها من جماهير الآمال النضرة كالأزهار , والأميال المتنقلة كالأطيار. ثم يأتي الغروب ساكباً في أعماقها كلَّ ما في أحزانه من المرارة مع ما يرافقها من النظرات المتحوّلة والابتسامات المتغيبة والجباه الكئيبة والشفاه المتحركة بالصلوات , الساكنة بالتأملات. هنا عيدان الأشجان تبكي - تبكي بقلبٍ جريح. وفي كلّ لحظةٍ يخيل أنها تُسَلِّم نَفَسَها الأخير بشهيقٍ فيهِ من اللوعة والكتمان والتجلد بقدر ما فيهِ من المجد والعظمة , من البسالة وعزة النفس الأبية. لكنّ المياه لا تموت ولا تحيا , بل تردد ذكرى الماضي , وتهمس خفية نبؤتها في المستقبل , وتُرادف أصوات الأفراح وتُعدد آهات الانراح. هنا لغزٌ من ألغاز الحياة وليلة من ليالي الزمان. وأنا لغز أمام هذا اللغز , وليلة إزاء هذه الليلة. أهيم وحيدةً على الشاطئ الحزين , أنظر ولا أرى , أسمعُ ولا أفهم , أفكّر ولا أجد , أستعلم ولا أعلم. . .

стр. 1529

فؤادي يخفق مع فؤاد النهر الخفي , ونفسي قيثارة الأحلام والألحان. لكني لغزٌ حيٌّ تائه في ظلّ الغصون , ينظر مستفسراً إلى لغز آخر , فلا يجد فيهِ إلاَّ صورته , فيودّ تمزيقها وسحقها وإن أحبها! عند احتضار النهار ذهبتُ إلى رأس النبع وجلست على صخرةٍ قائمة في وسط المياه المتسلسلة من صدر الصخرة الكبيرة. جلست وأرواح الخيال تستنشق الأريج العطري المعانق لشعور بنات المياه. وآلهة الأهوية الأربعة يتلاعبون بدقائق الشفق سابحين على أمواج الظلام , وحول أشباحهم تلتفّ أكاليل البنفسج وقلائد الياسمين , وفي ثغورهم يلمع فتيت النجوم , بينا أبكار الشعر تسرّ لأخواتها خفايا اليأس والرجاء تحت أشجار الصنوبر , وعذارى الطرب تستخرج من عناقيد باخوس خمراً تسكر بهِ ألباب الآلهة , ومن سكر الآلهة يولد الشعراء والأنبياء. على هذه الصخرة حيث أنا أحلم ثملةً بما شرَبتهُ مشاعري من رحيق الخيال العلوي , كان يجلس الأمير بشير الشهابي الكبير. كثيرون من بعده ومن قبلي جلسوا هنا وفؤاد كلٍّ منهم منقبض تهيباً وخشوعاً أمام أنفاس الطبيعة وأصوات الخلود. ما يجول بخاطري الآن كان يجول بخاطرهم لأن الأفكار تتشابه في المصدر وفي النتيجة على رغم تعدّد شُعبها وفروعها , والرغائب الكثيرة اللاصقة في أعماق النفس البشرية هي في كل آن ومكان. جميعنا طرح على النهر السؤال الذي انثر تموجاته الآن على الأمواج

стр. 1530

المتراكضة: هو سرّ الأسرار الغاضة الذي يردّده صدى الهياكل العميقة التي تشيدها المدارك في أقداس البشرية: من أين وإلى أين؟ من أين وإلى أين؟؟ من أين تأتين أيتها المياه وإلى أين تذهبين؟ من أين أتينا وإلى أين نذهب؟. . . المياه تتدفق في أثر المياه مهللةً مكبرة؛ وقد أفاضت أصواتها في الغناء والنحيب , ودمدمت العناصر فيها أسرار الوارد الإلهي , ورفرفت على جوانبها أجنحة الخلود. . . من أين وإلى أين. . .؟ ثقل دماغي بأفكار لا أدركها , وضاق مني الصدر لهموم لا أعرف ماهيتها فنزعت عن ساعدي ساعة وُضعت في أسورة ذهبية ونظرت إليها قائلة: - أيتها الساعة! أنتِ رمز الوقت الجاري في نهر الزمان فيسير قاصداً بحر الأبدية. ها أنا أغطسك في هذه المياه. . . عسى أن تحفظي في حياتك المعدنية أثراً لرموز معنوية. ثم جمعت بعض الحصى الجميلة الكثيرة الألوان الراكدة في أعماق النهر , قائلة: أيتها الجواهر! سأحملك معي إلى وادي النيل لتذكريني بالعواطف الكثيرة التي تلاطمت في فؤادي أمام نهر الصفا. . . أنتِ ذكر الأبدية التي حييت فيها لحظة وإذ رفعت عيني إلى الأفق رأيت مقلة الزهر ترقب يد ملك الظلام الراسمة على رداء الليل صوَر الهيئات السماوية. فغادرت رأس النبع مرددة: أنهر الصفا! من أين وإلى أين؟

стр. 1531

أنهرَ الصفا! جئتك تعبة الروح والجسد معاً. قرأت خلاصة الأحوال الحاضرة فدوت في جوانب مخيلتي أصوات المدافع , وتمثلت لناظري صوَر الحرب المريعة. ثم قصدت الاجتماعات فملأ أذني ضجيجها التافه. وضجرت نفسي من معانيها السطحية - إن لم تكن خبيثة. عجبت من بلاهة الإنسان ومن ركاكة أمياله وفتور همته. إذ ذاك سمعت اسمك الموسيقي فأحببته لأن فيهِ جمالاً وعذوبةً وسلاماً. لقد أحرقت قدميَّ الرمال الحارة , ومزَّقت يدي أشواك الحياة , فجئت إليك لاستخلص من أعشابك بلسمّاً لجروحي. تعلَّقَ بأهدابي غبارُ المادة محاولاً إخفاء الجمال المعنوي عن عينيَّ , فأتيت لأغسل أهدابي بمياهك المقدسة. جئت لأرطب يديَّ وعينيَّ برضا بك العذب ثقل فؤادي عليَّ , فأسرعتُ لأبعث به معك إلى روح البحر العظيم الذي يناديك إليهِ من عمق أعماق زرقتهِ البعيدة أنت ابن الغيوم , وألعوبة الحرارة الهوائية , وضحكة المادة الدائمة , وقهقهة الجوّ بين الهضاب والأدوية. أنت قبلة الشمس للبحر. أنت أنشودة الجبل في الوادي. أنت الروح الصغيرة المسرعة إلى أحضان الروح الكبيرة أنت جميل كأسرار الجنان. عذب كنظرات الولهان وفي اسمك ألوان وألحان

стр. 1532

أنت تهلمم بي , أيها النهر , فخذني معك بعيداً عن الحياة وضوضائها خذني معك. . . لكن , ما هي نسبتي إليك؟ أنت مجموع سوائل لا وجدان لها , ولا قلب يخفق بين أجزائها. وأنا. . . أنا شئءٌ آخر. أنت لغز بين البحار والآفاق , وأنا لغز بين الحياة واللانهاية. أنا أعرف إني لا أفهمك , وأشعر بجهل الإنسان وشقائهِ , أما أنت. . . مالنا ولك؟ سيري , أيتها المياه , سيري واتركيني. أسقي النباتات والأعشاب , ضعي لآلئ في أفمام الورود , رطّبي صدر الأرض الملتهب , ترنمي في وحدة الوادي , اسردي حكايتك التي لا تنتهي , اندبي , هللي , اصرخي , اهمسي , انشدي , أنحبي , اطربي , احزني. كل هذا ننسبه إليكِ نحن أبناء الطرب والكآبة سيري , أيتها المياه , ودعيني ابكي. لقد تلبَّد جوّ فكري بالغيوم القاتمة. وقلبي - ما لكِ ولهُ! - منفرد حزين. . . . مي الشكوكيُّون ليس شيء من أمور الدنيا إلاّ وهو معرَّض للشك حتى قال بعض الفلاسفة: إن كل شيء يقبل الشك حتى قولي هذا: إن كل شيء يقبل الشك ومن بين الفلاسفة طائفة يعرفون بأهل الشكوك يشكون في كل شيء حتى في وجود ذواتهم محمد المويلمي

стр. 1533

الرتب والنياشين ذكرنا في الجزء الماضي شيئاً عن الرتب والنياشين وتاريخها عند القدماء ورأينا تكلمةً للبحث إيراد نبذة مستقلة عن الرتب والنياشين في الدولة العثمانية لأنها تهم القراء أكثر من سواها. وقد كتب هذه النبذة خصيصاً للزهور حضرة الكاتب الفاضل حقي بك العظم. قال: تقسم الرتب في الدولة العثمانية إلى ثلاثة أقسام: عسكرية وملكية وعلمية. الرتب العسكرية - وضعت الرتب العسكرية الحالية في أواخر زمن السلطان سليم الثالث المشهور بميله إلى الإصلاح والتمدن الغربي الحديث , وقد كان بدأ قبل كل شيء بالإصلاح العسكري , ولكن الظروف لم تساعده , وحال دون إتمام مقاصده جهل الأهالي وسوء نية زعماء الجيش الانكشاري , فذهب شهيد التعصب. وقد أتم خلفهُ السلطان محمود مشروعهُ العسكري ونظم الجيش العثماني على الطراز الأوربي وأشأ معظم الرتب العسكرية الحالية وإليك بيانها بالترتيب: الرتبة يقابلها عند الإفرنج لقب صاحبها راتبه الشهري مشير دولتلو أفندي حضرتلري إذا كان قائداً ١٥٠ليرة في الاستيداع ٧٥ ليرة فريق سعادتلو أفندم راتبه الشهري ٦٠ ليرة ميرلوا عزتلو أفندم راتبه الشهري ٣٠ ليرة ميرالاي عزتلو أفندم راتبه الشهري ٢٠ ليرة قائمقام عزتلو بك راتبه الشهري ١٠ ليرة

стр. 1534

بكباشي ومعناها رأس الألف رفعتلو بك أو أفندي راتبه الشهري ١٢ ليرة يوزباشي ومعناها رأس المائة فتوّ تلو بك أو أفندي راتبه الشهري ٨ ليرة ملازم أول حمّيتلو بك أو أفندي راتبه الشهري ٥ ليرة ملازم ثاني حمّيتلو بك أو أفندي راتبه الشهري ٤ ليرة ولكل من أصحاب هذه الرتب العسكرية ما يكفيه ويكفي عائلته من المؤن والذخائر مثل الخبز والسمن واللحم والفحم والسكر والشعير والتبن وما أشبه يأخذها كل شهر وذلك حسب رتبته فللملازم الثاني مثلاً أربعة أرغفة خبز في اليوم ومقدار من اللحم في الشهر وثلاث أقات سمن ويزيد ذلك كلما ترتقي الرتبة. وهناك غير هذه الرتب العسكرية الحربية رتبةٌ أخرى في الجيش خارجة عن الصفوف الحربية مثل رتبة أمين الاى تقابل البكباشي ورتبة كاتب الطابور تقابل اليوزباشي ومعاون كاتب الطابور يقابل الملازم الأول. وينقطع أصحابها للأعمال الكتابية والحسابية فقط. ومفتي الاى يقابل البكباشي , وإمام طابور يقابل اليوزباشي , وكلاهما يقوم بالطقوس والشعائر الدينية في الأورط والالايات. الرتب الملكية: وضعت هذه الرتب في أواخر حكم السلطان محمود بعد إبادة الانكشارية. وقد كانت وقتذاك عزيزة لصعوبة نيلها حتى كان يشار بالبنان إلى من ينال الرتبة الخامسة , وهي أصغر رتبة ملكية كما هو معلوم واستمر الحال على هذا المنوال إلى زمن السلطان الخليع. وتقسم

стр. 1535

هذه الرتب إلى قسمين. قلمية وسيفية. فالقلمية خصت بمكافأة عمال الدولة والسيفية خصت بمكافأة الولايات وإشرافها. وهذا بيان الرتب الملكية وألقاب أصحابها مع ما يقابلها من الرتب العسكرية: العلمية منها السيفية منها ألقاب أصحابها في الكتابة ما يقابلها من الرتب العسكرية وزير. . . دولتلو أفندم حضر تلري مشير وصاحب الوزارة مقدم عليه بالا. . . عطوفتلو أفندم حضر تلري فريق أول أولى صنف أول روم ابلى بكلر بكى سعادتلو أفندم حضر تلري فريق أولى صنف ثان ميرميران سعادتلو أفندم حضر تلري مير لواء متمايز متمايز عزتلو أفندم ميرالاي ثانية ثانية عزتلو بك أو أفندم قائمقام ثالثة ثالثة رفعتلو بك أو أفندي أة آغا بيكباشي رابعة رابعة فتوّتلو بك أو أفندي أو آغا يوزباشي خامسة خامسة حميّتلو بك اة أفندي أو آغا ملازم أول ويوجد رتب أخرى من نوع الرتب السيفية هي: رتبة أمير الأمراء ورتبة مدير الاصطبل العامر , يقابلهما من الرتب القلمية الرتبة الثانية ويلقب صاحب الأولى منهما بلقب باشا ويكتب إليه عزتلو باشا ورتبة قبوجي باشى الركاب السلطاني , تقابلها الرتبة الثالثة. وهذه الرتب خاصة برؤساء القبائل والأميين من أشراف البلاد لاسيما القاضية منها. وقد كانت الدولة تراعي هذا الترتيب , فلا تنعم مثلاً بالا على أحد أشراف الولايات مهما كان مقامه عظيماً بل تخصهُ برتبة روم ايلي بكلربكي

стр. 1536

أو ميرميران أو أمير الأمراء إذا شاءت أن تكافئه. واستمرَّت هذه القاعدة معمولاً بها إلى أوائل حكم السلطان الخليع حيث أخذ رجاله يبيعون الرتب بيع السلع دون الالتفات إلى التقاليد المتبعة في منحها. والرتب الملكية , قلمية كانت أو سيفية , لا تعطي أصحابها لقب بك ماعدا رتب روم ايلي بكلركي وميرميران وأمير الأمراء فإن أصحابها يلقبون بلقب باشا كما مرّ ذكره لذلك تجد كثيراً من أصحاب رتبة بالا - وهي أعلى رتبة بعد رتبة الوزارة - يلقبون بلقب أفندي أما لقب بك فإنه خاص أولاً بأولاد الأسَر والعائلات الكبيرة في الولايات من أصحاب الزعامات والمقاطعات الممنوحة لهم من قبل الدولة في الأزمنة السابقة , ثانياً بأولاد الباشوات فقط. وقد وقعت هذه التقاليد في فوضى عظيمة في عهد السلطان عبد الحميد حتى أصبح الإنسان يرى ابن الفراش والخادم والفقير في الآستانة يلقب بك. الرتب العلمية - لا تمنح هذه الرتب إلا للعلماءِ الدينيين من المسلمين ورجال باب المشيخة في الآستانة والقضاة الشرعيين في الولايات. ولبعض هذه الرتب , خصوصاً الكبيرة منها , رواتب قليلة تسمى آريه لق أي ثمن شعير لخيل تاريخه إلى مئات من السنين , وهذا بيانها وبيان ألقابها مع ما يقابلها من الرتب الملكية: الرتب العلمية ألقاب أصحابها في الكتابة ما يقابلها من الملكية قاضي عسكر روم ايلي سماحتلو أفندم حضرتلري وزير

стр. 1537

قاضي عسكر أناضول سماحتلو أفندم حضرتلري وهي بين الوزارة وبالا قاضي استانبول فضيلتلو افندم حضرتلري أولى من الصنف الأول مولوية الحرمين الشريفين فضيلتلو افندم حضرتلري أولى من الصنف الثاني مولوية البلاد الخمسة فضيلتلو بك أو افندي متمايز مولوية المخرج فضيلتلو بك أو افندي ثانية رتبة كبار مدرسين مكرمتلو بك أو أفندي ثالثة رتبة موصلة سليمانية مكرمتلو بك أو أفندي وهي بين الثالثة والرابعة ثم هناك رتبة تسمى رؤوس استانبول ليس لصاحبها لقب تقابلها الرتبة الرابعة. وأمات القضاة الشرعيون غير الحائزين على رتبة فيكتب إليهم مودَّتلو بك أو أفندي ويكتب للصدر الأعظم فخامتلو دولتو أفندم حضرتلري ولمعزول الصدارة دولتلوا بهتلو أفندم حضرتلرى ولشيخ الإسلام دولتلو سماحتلو أفندم حضرتلرى ولمعزومه دولتلو فضيلتلو أفندم حضرتلرى وللأصهار السلطانية عطوفتلو أفندم حضرتلري وللسردار دولتلو عنايتلو أفندم حضرتلري ولآغا القصر السلطاني دولتلو عنايتلو أفندم حضرتلرى وللبطاركة رتبتلو أفندم حضرتلرى وللملوك الأجانب حشمتلو وللسفراءِ الأجانب اصالتلو أفندم حضرتلرى النياشين - أقدم نشان في الدولة العثمانية نشان الافتخار , وليس له إلاَّ درجة مرصعة بالحجارة الكريمة وقد أنشأه السلطان محمود

стр. 1538

الثاني , ثم أهمل أمره إلى أواخر زمن السلطان عبد الحميد الخليع الذي أحياه وصار ينعم به على العظماء من الأجانب فقط. وهذه بقية النياشين العثمانية قِدَمها مع أسماء السلاطين الذين أنشأوها النشان اسم السلطان عدد درجاته ملاحظات الافتخار السلطان محمود الثاني ١ مرصع فقط المجيدي السلطان عبد المجيد ٥ وله درجة مرصعة بالأحجار الكريمة العثماني السلطان عبد العزيز ٤ وله درجة مرصعة بالأحجار الكريمة الشفقة خاص بالسيدات السلطان عبد الحميد الثاني ٢ وكلاهما مرصع بالأحجار الكريمة امتياز السلطان عبد الحميد الثاني ١ مرصع وله نمطان الواحد ذهبي والآخر فضي خاندان آل عثمان السلطان عبد الحميد الثاني ١ مرصع بالأحجار الكريمة الأسرة المالكة أرطغرل السلطان عبد الحميد الثاني مرصع بالأحجار الكريمة ثم هناك مداليات أنواط مثل مدالية التخليص تمنح لكل من ينجي حياة شخص من الغرق في البحر أو من حريق وما أشبه ومداليات الزراعة والافتخار أنشأها جميعها السلطان عبد الحميد الثاني. هذا غير أنواط حربية وقتية قديمة أسست عقب الحروب الماضية كحرب الروس واليونان وكريد واليمن وغيرها منحت لكل من حضرها من الجند والضباط والقواد. حقي العظم

стр. 1539

في رياض الشعر ردّوا على الأوطان عزَّا خلا يحيي بك علمي شاب خبرة الفتية العثمانية المصرية جامع إلى شرف المحتد علوّ الهمة , وإلى الذكاء النادر براعة وافتناناً في ضروب الأدب والموسيقى. رزق في هذه الأيام غلاماً سماه مصطفى. وقد فرح أصدقاء هذا الفاضل بما أتمه الله عليه من نعمة الخلف ورأى صديقه خليل أفندي مطران أن يتحفه لهذا المناسبة بقصيدة فيها التهنئة وفيها العظة. فيها وصف بعض الحالات التي يكون عليها الأطفال وفيها ما هو جار من الأمور العتيدة التي أفضت بالشرق إلى هذا الانحطاط وإشارة إلى المستقبل وما يرجى منه على أيدي رجال الغد. ولقد وفق الشاعر إلى كل ما قصد وأخرج للناس ضرباً جديداً من الشعر فيه تفكهه ودرس مفيد قال: يا سبط يحيي وسليلَ العلي ... حيّي الرضي طالعك المجتَلي وسلّم الله الوليدَ الذي ... هلَّ فما أبهى وما أجملا كأنَّ ذوب العاجِ صلصاله ... وأنَّ معنى الحبّ ما مثّلا ناهيك بالعينين من قوّتيْ ... ذهن ومن نورَيْ حجيً أرسلا كحسنهِ الحسن إذا ما غفا ... وذيدت الأعينُ إن تغفلا محركاً في نومهِ ثغرَهُ ... كأن في الرؤيا رضاعاً حلا لا الحلل الغراء من همهِ ... ولا يبالي باهراتِ الحلي جذلانُ من نشوة أحلامهِ ... وأين منها نشواتُ الطلي تراه قرباً وكأنَّ الكرى ... يحمله فوق السُهى محملا كطائر يظهر تحليقهُ ... بمظهرِ الترجيح مما علا فإن صحا فالدهر عبدٌ لهُ ... يرضيهِ مطواعاً وإلاّ فلا وكل حميّ فمنوطٌ بأن ... يفهم ما يهوى وإن يفعلا سيان في اللطف وفي الظرف ما ... أساء من أمرٍ وما أجملا

стр. 1540

له ولا للناس علمُ الذي ... يرى ويستحسن أن يُعملا وحولهُ الحولُ فإن يفتننْ ... فسحره السحر ولن يُبطلا أنلهُ ما شئت فكيف اشتهى ... تحويلهُ من فورهِ حُوّلا فليكن المفتاح ثدياً جرى ... بالكوثر العذب كما أمّلا ولتكن الساعة جنّيّةً ... تدير في داخلها مقولا ولتكن الأكتافُ أفراسهُ ... لكنَّ شرط الأنس أن تصهلا وليكن الكرسيُّ أن حثّهُ ... قطارة ينساق مستعجلا وكل ما شكّله فليكن ... مهما عصى الطبعَ كما شكّلا يا ولداهُ أسعدْ وعش واغتنم ... من السرورِ المغنمَ الأجزلا لكنَّ دهراً جئتَ فيهِ أبى ... عليكَ أن تركب مستسهلا أدبرَ بالشرق ولا يبتغي ... إلاّ بأمثالك أن يُقبلا اليوم لا تعقلُ لكن غداً ... تكون ممن سلفوا أَعقلا ما اليوم ما القابل؟ هذا مضى ... بنا ولم نشعر وهذا تلا اسمع شكاتي فهي إن لم تفد ... حالاً ففيها النفع مستقبلا كان لنا مجدٌ نزلنا بهِ ... من السماوات العُلى منزلا وكان لا ينكر منا إذا ... قلنا غداة الفخر نحن الأولى وكان منّا كلُّ ذي مرّةٍ ... إن صال كسر الجحفلا وكان منا كل ذي فطنةٍ ... يكاشف الوحيَ ويهدي الملا وكان منا كلُّ حامي حمىً ... لا تطرقُ العصمُ لهُ معقلا وكان مُلك الأرض ملكاً لنا ... وحكمنا في الأمم الفيَصلا لكنّهُ عزٌّ مضى وانقضى ... بذنب مَن خانَ ومن أهملا

стр. 1541

تراكمت أغلاطُنا آخذاً ... بعضٌ ببعضِ فانتهينا إلى. . . ولا اسمّي منتهانا فقد ... يُؤثر بعضُ الشيء أن يُغفلا واحربا بتنا وما شأننا ... إلاّ اعتذارٌ يُشمت العُذّلا وما تبقّي غيرُ أبنائنا ... تعزيةً للنفس أو مأملا عساهم أن يُصلحوا بعدنا ... ما أفسد الظلاّمُ منا. . . ألا. . . أي نجلَ يحيي عهدكم ... ردّوا على الأوطان عزّاً خلا إنا نرجيّ جيلكم كلّهُ ... إن يَترَ المجدَ ولا يخملا فمن دعا يومئذ واجدٌ ... فينا عديد الخير مستكملا الراجلَ الجلدَ الذي لا يهي ... عزم له والفارسَ الأبسلا والعالمَ المثمرُ تعليمهُ ... أجملَ ما علّم أو فصّلا والوالدَ البرّ بأبنائهِ ... يرخص في تأديبهم ما غلا والحرّة الهيفاَء لا تنثني ... عن عوج الأغراس أو تعدِلا والصانعَ البارعَ في صنعهِ ... يتقن مفتنّاً ومسترسلا والزارعَ الحاذقَ في شأنهِ ... يعافُ أن يجمدَ أو يكسلا بمثل هذا الجمع من ولْدِهِ ... تشفي جراح الوطن المبتلي أي نجل يحيي كنْ إذا حقّقوا ... آمالَنا ندَبُهم المفِضَلا بالعلم والحزم اعتضدْ واعتددْ ... لتغدوَ الأرشدَ والأمثلا إنا معدُّوكَ ليومٍ بهِ ... تكونُ ذاك السيّدَ الموئِلا في ذلك العهد وقد صرت في ... أترابك الأمكنَ والأرجلا تذكّر الطفلَ الذي كنتهُ ... وحاشِ ذاك الخُلق أن يُبدلا

стр. 1542

إذ كنتَ في مهدكَ لا تتقي ... لو أنَّ طوداً راسخاً زُلزلا ولا تراعي طاغياً قادراً ... ولا تحابي بَطلاً مُبطلا ولا تني بالسؤل حتى ترى ... محققاً ما عزَّ إن يسألا وتجهل الإثمَ بأنواعه ... كما ترى العفةُ إن تجهلا عظائم الدنيا تحبّ الفتى ... في أكثر الأخلاق مستطفلا تلك مُنايا يا بنينا فإن ... تمَّت محوتم ذنبَنا المخجلا هيّا أعيدوا المجد فينا إلى ... ما كان من سيرتهِ أوَّلا خليل مطران غانية فقيرة شكتْ فقرها فبكتْ لؤلؤءًا ... تساقط من جفنها فانتثر فقلتُ مشيراً إلى دمعِها ... أفقرٌ وعندكِ هذي الدُرَرْ بشارة الخوري قساوة التشفّي رأيتهُ يستخرجُ الشَّوك من ... كفّين كالبلُّورِ والآسِ فقلتُ في نفسي له شامتاً ... ذُقْ بعض ما تفعلُ بالناسِ نجيب شاهين حظي كشَعري بُليتُ بحظٍ مثلَ شَعريَ لو حوَى ... دُجاه الدُّجى لمَ يبدُ في أفْقهِ فجرُ وأعجبُ مِن صبري عليهِ سلامتي ... فقُبّحَ حظّي والسلامةُ والصبرُ أمين

стр. 1543

أزهار وأشواك توارد الخواطر توارد الخواطر أمرٌ معروفٌ بين الناس عامةً , وكلٌّ يروي من هذا القبيل الشيء الكثير مما حدث له شخصياً أو اتصل بهِ عن الغير. على أن توارد الخواطر بين الأدباء كثيراً ما جاء بصورة مدهشة غريبة , فتقرأ الشطرة الواحدة من الشعر , أو الفقرة الواحدة من النثر , لشاعرين أو لكاتبين مختلفين , حتى لتكاد تتصوَّر الواحد قد اقتبس قول الآخر مع أنه لم يتفق له الإطلاع على شيء منهُ؛ وتاريخ آداب العرب حافل بمثل هذه النوادر. وإلى القراء حادثة من هذا القبيل جرت في مصر , واتصل خبرها بحاصد الزهور وهو ينقلها تفكهة للقراء: وضع أحد الأدباء كتاباً عنوانه العرب وأطوارها وأحبَّ أ، يهديه إلى العالم العربي أحمد زكي باشا , فسأل الأديب محمود أفندي عماد أن يصوغ له كلمة الإهداء في بيتين من الشعر , وطلب مثل هذا الطلب أيضاً من شاعر الأمير شوقي بك. فجاءه من الأول هذا البيتان: إيهٍ ذكيَّ النفس تحيا نسبةٌ ... تنمي إليك ويستحيلُ سرارها وكذا أرددتُ لما عرضتُ فهذهِ ... عربُ النجادِ وهذه أطوارها ونظم له الثاني البيتين الآتيين: أذكيُّ يا ربَّ الفضائل والنهى ... وأجلَّ من يُعزَى إليهِ فخارُها إن شئتَ تعجبُ بالرجال فهذه ... عربُ النجادِ وهذه أطوارها

стр. 1544

فيرى القارئ كيف أنفق الشاعران في الشطر الأخير حتى في اللفظ فجاء واحداً عند كليهما. ولقد ذكرتكِ نهر الصفا وصفته مي في هذا الجزء بشعر منثور , ووصفه من قبلها في أحد أجزاء السنة الأولى من الزهور الأمير نسيب أرسلان بشعر منظوم قال في مطلعه: يا صاحبيَّ قفا على نهر الصفا ... نهر لدينا بات أشهر من قفا وقد وقف عليه في الصيف الماضي أديب مصري لا أعرف من هو , وأديب لبناني هو رشيد بك نخله الشاعر الذي يعرفه قرَّاء الزهور أنقل محضر تلك الوقفة عن جريدة الشعب اللبنانية فقد جاء للرشيد فيها قوله:. . . فتناشدَنا الأديب المصري وتناشدناهُ من قديم الشعر وحديثه إلى أن أنشد: ولقد ذكرتك والرماحُ نواهلٌ ... مني وبيض الهندِ تقطرُ من دمي فوددتُ تقبيلَ السيوف لأنها ... لمعتْ كبارقِ ثغركِ المبتسم فقلنا رحم الله فارس بني عبس إن صحَّت النسبة أوَ تذكر ما يقول الرشيقُ على خد ذلك: ولقد ذكرتكِ في السفينة والردى ... متوقَّعٌ بتلاطمِ الأمواج وعلتْ لأصحاب السفينةِ ضجةٌ ... وأنا وذكركِ في ألذِّ تناجي فقال واذكر للظفراوي قوله: إني لأذكركم وقد بلغ الظما ... مني فأشرق بالزلال الباردِ

стр. 1545

وأقولُ ليتَ أحبتي عانيتهم ... قبل الممات ولو بيومٍ واحدِ ولا أنسى ما يقول أبو الحسن الوزير: ذكرتُ سُليمى وحرُّ الوغى=بقلبيَ ساعةَ فارقتها وشاكل سمرُّ القنا قدَّها ... وقد ملنَ نجوي فعاقتها قلتُ حسن ولكنك تبدَّلت الوزن وغيَّرت المطلع. فقال إذاً اسمع للحلّي: ولقد ذكرنكِ والعجاجُ كأنهُ ... مطلُ الغنيّ وسوءُ عيش المعسرِ فظننتُ أني في صباحٍ مسفرِ ... من ضوء وجهك أو سناءِ مقمرِ قلتُ جيّد وأطرقتُ بقدر ما تقرأ وقلت: ولقد ذكرتكٍ عند آخر نظرة ... مني لقومي والحِمامُ مهدّدي فبكى الجميعُ وكنتُ أبسم بينهم ... أملاً بأنكِ حولَ نعشي في الغدِ فارتجف المصري وتدارك دمعتين جالتا في حدقتيهِ وقال: بربك البيتين فأعدتهما له فاستظهرهما قائلاً: سأردّدهما مدى العمر. قلت: ولو انفق لي حضور ذلك المجلس لختمت مذاكرة الأديبين ببيتٍ فردِ ينسيهما ما تناشداه , وهو لشاعر ظريف ذكر محبوبته في موقف لم يقفه عنترة بن عبس ولا أقرانه الشعراء , فقد دهمه القطار الحديدي الإكسبرس وهو على صهوة برذون حرون فأيقن بالهلاك فهاجته الذكرى , فأنشأ يقول من فؤاد متبول: ولقد ذكرتكِ والحمارُ معاندي ... فوق الشريطِ وقد أتى الوابورُ. . .!
следующие страницы →