Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
تراكمت أغلاطُنا آخذاً ... بعضٌ ببعضِ فانتهينا إلى. . .
ولا اسمّي منتهانا فقد ... يُؤثر بعضُ الشيء أن يُغفلا
واحربا بتنا وما شأننا ... إلاّ اعتذارٌ يُشمت العُذّلا
وما تبقّي غيرُ أبنائنا ... تعزيةً للنفس أو مأملا
عساهم أن يُصلحوا بعدنا ... ما أفسد الظلاّمُ منا. . . ألا. . .
أي نجلَ يحيي عهدكم ... ردّوا على الأوطان عزّاً خلا
إنا نرجيّ جيلكم كلّهُ ... إن يَترَ المجدَ ولا يخملا
فمن دعا يومئذ واجدٌ ... فينا عديد الخير مستكملا
الراجلَ الجلدَ الذي لا يهي ... عزم له والفارسَ الأبسلا
والعالمَ المثمرُ تعليمهُ ... أجملَ ما علّم أو فصّلا
والوالدَ البرّ بأبنائهِ ... يرخص في تأديبهم ما غلا
والحرّة الهيفاَء لا تنثني ... عن عوج الأغراس أو تعدِلا
والصانعَ البارعَ في صنعهِ ... يتقن مفتنّاً ومسترسلا
والزارعَ الحاذقَ في شأنهِ ... يعافُ أن يجمدَ أو يكسلا
بمثل هذا الجمع من ولْدِهِ ... تشفي جراح الوطن المبتلي
أي نجل يحيي كنْ إذا حقّقوا ... آمالَنا ندَبُهم المفِضَلا
بالعلم والحزم اعتضدْ واعتددْ ... لتغدوَ الأرشدَ والأمثلا
إنا معدُّوكَ ليومٍ بهِ ... تكونُ ذاك السيّدَ الموئِلا
في ذلك العهد وقد صرت في ... أترابك الأمكنَ والأرجلا
تذكّر الطفلَ الذي كنتهُ ... وحاشِ ذاك الخُلق أن يُبدلا
стр. 1542
إذ كنتَ في مهدكَ لا تتقي ... لو أنَّ طوداً راسخاً زُلزلا
ولا تراعي طاغياً قادراً ... ولا تحابي بَطلاً مُبطلا
ولا تني بالسؤل حتى ترى ... محققاً ما عزَّ إن يسألا
وتجهل الإثمَ بأنواعه ... كما ترى العفةُ إن تجهلا
عظائم الدنيا تحبّ الفتى ... في أكثر الأخلاق مستطفلا
تلك مُنايا يا بنينا فإن ... تمَّت محوتم ذنبَنا المخجلا
هيّا أعيدوا المجد فينا إلى ... ما كان من سيرتهِ أوَّلا
خليل مطران
غانية فقيرة
شكتْ فقرها فبكتْ لؤلؤءًا ... تساقط من جفنها فانتثر
فقلتُ مشيراً إلى دمعِها ... أفقرٌ وعندكِ هذي الدُرَرْ
بشارة الخوري
قساوة التشفّي
رأيتهُ يستخرجُ الشَّوك من ... كفّين كالبلُّورِ والآسِ
فقلتُ في نفسي له شامتاً ... ذُقْ بعض ما تفعلُ بالناسِ
نجيب شاهين
حظي كشَعري
بُليتُ بحظٍ مثلَ شَعريَ لو حوَى ... دُجاه الدُّجى لمَ يبدُ في أفْقهِ فجرُ
وأعجبُ مِن صبري عليهِ سلامتي ... فقُبّحَ حظّي والسلامةُ والصبرُ
أمين
стр. 1543
أزهار وأشواك
توارد الخواطر
توارد الخواطر أمرٌ معروفٌ بين الناس عامةً , وكلٌّ يروي من هذا القبيل الشيء الكثير مما حدث له شخصياً أو اتصل بهِ عن الغير. على أن توارد الخواطر بين الأدباء كثيراً ما جاء بصورة مدهشة غريبة , فتقرأ الشطرة الواحدة من الشعر , أو الفقرة الواحدة من النثر , لشاعرين أو لكاتبين مختلفين , حتى لتكاد تتصوَّر الواحد قد اقتبس قول الآخر مع أنه لم يتفق له الإطلاع على شيء منهُ؛ وتاريخ آداب العرب حافل بمثل هذه النوادر. وإلى القراء حادثة من هذا القبيل جرت في مصر , واتصل خبرها بحاصد الزهور وهو ينقلها تفكهة للقراء: وضع أحد الأدباء كتاباً عنوانه العرب وأطوارها وأحبَّ أ، يهديه إلى العالم العربي أحمد زكي باشا , فسأل الأديب محمود أفندي عماد أن يصوغ له كلمة الإهداء في بيتين من الشعر , وطلب مثل هذا الطلب أيضاً من شاعر الأمير شوقي بك. فجاءه من الأول هذا البيتان:
إيهٍ ذكيَّ النفس تحيا نسبةٌ ... تنمي إليك ويستحيلُ سرارها
وكذا أرددتُ لما عرضتُ فهذهِ ... عربُ النجادِ وهذه أطوارها
ونظم له الثاني البيتين الآتيين:
أذكيُّ يا ربَّ الفضائل والنهى ... وأجلَّ من يُعزَى إليهِ فخارُها
إن شئتَ تعجبُ بالرجال فهذه ... عربُ النجادِ وهذه أطوارها
стр. 1544
فيرى القارئ كيف أنفق الشاعران في الشطر الأخير حتى في اللفظ فجاء واحداً عند كليهما.
ولقد ذكرتكِ
نهر الصفا وصفته مي في هذا الجزء بشعر منثور , ووصفه من قبلها في أحد أجزاء السنة الأولى من الزهور الأمير نسيب أرسلان بشعر منظوم قال في مطلعه:
يا صاحبيَّ قفا على نهر الصفا ... نهر لدينا بات أشهر من قفا
وقد وقف عليه في الصيف الماضي أديب مصري لا أعرف من هو , وأديب لبناني هو رشيد بك نخله الشاعر الذي يعرفه قرَّاء الزهور أنقل محضر تلك الوقفة عن جريدة الشعب
اللبنانية فقد جاء للرشيد فيها قوله:. . . فتناشدَنا الأديب المصري وتناشدناهُ من قديم الشعر وحديثه إلى أن أنشد:
ولقد ذكرتك والرماحُ نواهلٌ ... مني وبيض الهندِ تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيلَ السيوف لأنها ... لمعتْ كبارقِ ثغركِ المبتسم
فقلنا رحم الله فارس بني عبس إن صحَّت النسبة أوَ تذكر ما يقول الرشيقُ على خد ذلك:
ولقد ذكرتكِ في السفينة والردى ... متوقَّعٌ بتلاطمِ الأمواج
وعلتْ لأصحاب السفينةِ ضجةٌ ... وأنا وذكركِ في ألذِّ تناجي
فقال واذكر للظفراوي قوله:
إني لأذكركم وقد بلغ الظما ... مني فأشرق بالزلال الباردِ
стр. 1545
وأقولُ ليتَ أحبتي عانيتهم ... قبل الممات ولو بيومٍ واحدِ
ولا أنسى ما يقول أبو الحسن الوزير:
ذكرتُ سُليمى وحرُّ الوغى=بقلبيَ ساعةَ فارقتها
وشاكل سمرُّ القنا قدَّها ... وقد ملنَ نجوي فعاقتها
قلتُ حسن ولكنك تبدَّلت الوزن وغيَّرت المطلع. فقال إذاً اسمع للحلّي:
ولقد ذكرنكِ والعجاجُ كأنهُ ... مطلُ الغنيّ وسوءُ عيش المعسرِ
فظننتُ أني في صباحٍ مسفرِ ... من ضوء وجهك أو سناءِ مقمرِ
قلتُ جيّد وأطرقتُ بقدر ما تقرأ وقلت:
ولقد ذكرتكٍ عند آخر نظرة ... مني لقومي والحِمامُ مهدّدي
فبكى الجميعُ وكنتُ أبسم بينهم ... أملاً بأنكِ حولَ نعشي في الغدِ
فارتجف المصري وتدارك دمعتين جالتا في حدقتيهِ وقال: بربك البيتين فأعدتهما له فاستظهرهما قائلاً: سأردّدهما مدى العمر. قلت: ولو انفق لي حضور ذلك المجلس لختمت مذاكرة الأديبين ببيتٍ فردِ ينسيهما ما تناشداه , وهو لشاعر ظريف ذكر محبوبته في موقف لم يقفه عنترة بن عبس ولا أقرانه الشعراء , فقد دهمه القطار الحديدي الإكسبرس وهو على صهوة برذون حرون فأيقن بالهلاك فهاجته الذكرى , فأنشأ يقول من فؤاد متبول:
ولقد ذكرتكِ والحمارُ معاندي ... فوق الشريطِ وقد أتى الوابورُ. . .!
стр. 1546
سؤالٌ من الهند
آل إبراهيم في الهند قومٌ كرام جمعوا إلى شرف المحتد وعريض الجاه أدباً جمّاً وظرفاً وافراص , ولهم على الأدب والأدباء في الشرق مآثر غير دوائر. قدَّرت الأيام لوديع أفندي البستاني - وهو الفتى النشيط الأديب المعروف لدى قراء العربية بكتبهِ المفيدة النافعة - أن يكون بين هؤلاء القوم الأمجاد , فكاد ينسى بينهم في الهند أرقى مجتمعات وادي النيل لما يدور بينهم من المذاكرات الشعرية والأبحاث الأدبية. . . وكدتُ أنا أيضاً أنسى الموضوع الذي من أجله اكتب الآن , وأستطرد إلى ذكر ما يرويه لي صديقي عن الهند وعن مكارم من حلَّ بينهم على الرحب والسعة , فأهمل السؤال الذي كلفني أن أنشره على صفحات المجلة. قال البستاني الصغير: هذان بيتان من الشعر رواهما الشيخ أحمد آل إبراهيم قال:
لقي نبلنا العوارضِ فانثنوا ... لأوجههم منها لحىً وشواربُ
خلقنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيوناً لها وقعُ السهام حواجبُ
فلمن هذا الشعر؟ وأنا أقول: من عرف الشاعر وكتب إليَّ عنهُ ضمنت له جائزة تجيئه عن طريق الهند. . .
كرمه ابن هاني
سبق لي حديث قديم مع القرَّاء عن كرمة ابن هاني - أو منزل شوقي بك - وقد كانت هذه الكرمة في الشهر الفائت مسرحاً أقيمت فيهِ معالم الأفراح والحفلات الأدبية. وكل حفلة تقام في ذلك الصرح
стр. 1547
يقتصر عنها الوصف مهما كان بليغاً. فأمير الشعر متفرّدٌ في حفلاتهِ كما هو متفرد في أشعاره. . . لا يعنيني من هذه الاحتفالات إلاّ ذاك الذي أقامهُ أكبر شاعر عربي إكراماً لأكبر ممثل في الغرب ولصنوه في الشرق عنيتُ بالأول مسيو سلفان وبالثاني تلميذه جورج أبيض , وإلى جانب كلٍّ منهما جوقته , وفي صدر الحفلة حشمت باشا ناظر المعارف الغيور , فتصافح تحت رعايتهِ الأدبان العربي والغربي. وشكر الوزير لنابغة التمثيل في فرنسا اعتناءَه بتلميذه أبيض حتى أخرجهُ نابغة الممثلين في الشرق , كما شكر سلفان للوزير تنشيطه لهذا الفن وأمَّل أن يبلغ التمثيل العربي من النجاح ما بلغهُ التمثيل الفرنسوي منه. وكان بين المدعوين إلياس أفندي فياض الكاتب الشاعر العربي
المعروف ومترجم أشهر الروايات التي يمثلها جوق أبيض , فهمس في أذن جاره داعياً الآمال. . .
حاصد
ثمرات المطابع
حديث القمر - نشرنا في الجزء الخامس من هذه السنة ص ٢٤٩ مقالةً خيالية عنوانها أيها القمر من قلم الشاعر المشهور السيد أبي السامي مصطفى صادق الرافعي. ثمَّ أخذ حضرته هذه المقالة وتوسع فيها بما أوحى إليهِ أمير الليل من خطرات أفكار شعرية وغزَلية وأدبية واجتماعية فجاءت سلسلة فصولٍ شائقة تتناول مباحث شتى في الحب والجمال والزواج والإلحاد والطبيعة بأسلوب خيالي وقالب
стр. 1548
شعري تعمدهُ حضرة الكاتب البليغ وهو يرمي من ورائهِ إلى تربية ملكة التخيّل في الناشئة , لأنَّ الخيال هو أساس الإنشاء وركنه الركين , فلا يمتلك الذين يحاولون الكتابة أعنّه هذه الصناعة إلاَّ إذا حبتهم الطبيعة نصيباً من الخيال , وعملوا هم على تربية هذه القوة بالمطالعة والملاحظة والاقتداء. وقد قال حضرة المؤلف في مقدمة هذا الكتاب: البلاغة التي حار العلماء في تعريفها , على كثرة ما خلّطوا , لا تعدو كلمتين: قوة التصوُّر والقوة على ضبط النسبة بين الخيال والحقيقة. وهما صفتان من قوى الخلق تقابلان الإبداع والنظام في الطبيعة , وبهما صار أفراد الشعراء والكتَّاب يخلقون الأمم التاريخية خلقاً , وربّ كلمةٍ من أحدهم تلدُ تاريخ جيل إلى أن يقول في ختام المقدمة المذكورة: فالبلغاء هم أرواحُ الأديان والشرائع والعادات , وهم ألسنةُ السماءِ والأرض. وإذا شهد عصرٌ من العصور أمةَ ليس فيها فيها بليغ فذلك هو العصر الذي يكون تاريخاً صحيحاً لأضعف طبائع الأمم
ونحن نحمد الله كثيراً على أن مصر لا تخلو من أمثال أبي السامي الفاضل , فعصرها الحالي ليس بعصر الضعف وخمول الطبائع.
مفكرة المعارف أصدرت مطبعة المعارف الشهيرة مفكرتها أسنة ١٩١٣ وهي حاوية التواريخ العربية والإفرنجية والقبطية وفيها ذكر الأعياد الدينية والمدنية وتواريخ أشهر الحوادث السياسية وختامها
стр. 1549
جدول لتحويل العملة وجدولان آخران للمقاييس والموازين وقد اعتنى بها حضرة نجيب أفندي متري منشئها الفاضل اعتناءً خاصّاً في هذه السنة فانتقى لها أجود أصناف الورق وأجمل شكل للغلاف فجاءَت غاية في الإتقان كسائر ما تخرجه مطبعة المعارف فنوجه إليها الأنظار.
- عهد الرشيد والمأمون من أجمل صفحات تاريخ العرب , ونكبة البرامكة على يد الفضل بن الربيع من أشهر حوادث ذلك العهد , وأعظمها وقعاً في النفوس. وقد سبك هذا
الموضوع جورجي بك زيدان منشئ الهلال في قالب رواية تداولتها أيدي قراء العربية فنالت شهرة بعيدة. وشاء حضرة الأديب ميشال أفندي بيطار , المدرّس في جامعة اللغات الشرقية في باريس , أن يعرّف الأفرنج بشيء من آداب لغتنا , فنقل هذه الرواية إلى اللغة الفر نسوية بمساعدة مسيو شارك موليه , فبرزت الغادة العربية الشرقية بحلةٍ غربية جميلة , وصادفت بين القوم إقبالاً وإعجاباً. فنهنئ زيدان بك باشتراك الغربيين مع الشرقيين في تقدير كتاباتهِ , ونشكر لصديقنا بيطار أفندي هذه الخدمة للغتهِ , وندعو له بالتوفيق في هذا السبيل.
المنطاد - جردية أسبوعية حرَّة لصاحبها ومحررها الأديب زوين أفندي يوسف زوين تصدر في ريودي جانيرو , فيها مباحث حسنة ولها نزعة وطنية محمودة.
стр. 1550
بوليوس قيصر
رواية تمثيلية من أشهر الروايات , وأحكمها وضعاً , وأعظمها وقعاً في النفوس لمؤلفها نابغة هذا الفن شكسبير الروائي الانكليزي الشهير. نقلها إلى العربية بعبارة مطابقة تماماً للأصل الانكليزي حضرة الكاتب المجيد سامي الجربدني المحامي وسننشرها تباعاً ابتداء من هذا الجزء بمناسبة النهضة التمثيلية الحديثة.
الفصل الثالث
المشهد الأول
رومه. أمام الكابيتول. مجلس الشيوخ مجتمع فوق في الكابيتول. جم
جمع غير قليل بينهم أرتيميدوروس والمنج. هتاف
يدخل قيصر وبروتوس وكاسيوس وكاسكا وديسيوس ومتلوس وتريبونيوس وسنَّا وأنطونيوس ولبيدوس وبوبوليوس وبوبليوس
قيصر - مخاطباً المنجم ها قد جاء اليوم الخامس عشر من شهر مارس
المنجم - نعم قيصر. ولكنهُ لم يذهب بعد
أرتيميدوروس - السلام قيصر. اقرأ هذه الورقة
ديسيوس - مقدماً له ورقة أخرى أن تريبونيوس يرجوك أن تعيد قراءة هذا العرض إذا رأيتَ من وقتك متسعاً
أرتيميدوروس - أي قيصر. اقرأ ورقتي قبل؛ فإنها تمسُّ نفسه. اقرأها يا قيصر العظيم.
قيصر - يجب تأخير ما يمسنّا عن سواه
أرتيميدوروس - إياك والتأخير! اقرأها حالاً
قيصر - ما هذا؟ أجُنَّ الرجل؟
بوبليوس - تنحَّ يا هذا جانباً
كاسيوس - أفي الأسواق تتهافتون على عرض مطالبكم؟ تعالوا إلى الكابيتول يصعد قيصر إلى المجلس يتبعهُ الآخرون
стр. 1551
بوبوليوس - مخاطباً كاسيوس أتمنى لغرضكم أن ينجح اليوم
كاسيوس - أيّ غرضٍ عنيت؟
بوبوليوس - طب نفساً يقربمن قيصر
بروتوس - مخاطباً كاسيوس ما قال لك بوبوليوس؟
كاسيوس - تمنى لنا نجاح غرضنا. إني أخشى افتضاح أمرنا
بروتوس - أنهُ يقرب من قيصر. انظر. ارقبهُ
كاسيوس - مخاطباً كاسكا كاسكا. كن سريعاً في العمل , فإننا نخشى الكشاف الأمر. ما العمل يا بروتوس؟ إن افتضح أمرنا قتلتُ نفسي. فواحدٌ منا ليس براجع إلى أهله اليوم: إما أنا , وإما قيصر!
بروتوس - تشدد! انظر إلى بوبوليس. أنهُ لا يتكلم عنا فهو يبتسم وملامح وجه قيصر لم يعلُها تغيُّرٌ أو انقلاب.
كاسيوس - قام تريبونيوس بمهمتهِ خيرَ قيام. لقد اصطحب انطونيوس وخرج بهِ خارجاً. يخرج انطونيوس وتريبونيوس
ديسيوس - أين سمبر؟ ليذهب في الحال يقدّم شكواه إلى قيصر
سنّا - كاسكا! أنت أوَّلُ من يرفع يده
قيصر - أمستعدون جميعاً؟ من عرف منكم اعوجاجاً فلينئ بهِ , فإ، قيصر ومجلسه يقوّمانه تقويماً.
سمبر - أي قيصر الرفيع العظيم كليَّ الاقتدار! إن سمبر يطرح أمامك قلبه الوضيع. . . يركع
قيصر - منعتك هذا. قد يفعل التملّق وتعفير الجباه فعله في صغار الناس فيثيرُ عاطفة نفوسهم , فينسخون شرائع وأوامر أصدروها , يغيّرون فيها ويبدلون شأن الأطفال. لا تعرّتك نفسك فتحسب أنّ بين جنبي قيصر دماً كدم البهل يذيبه
стр. 1552
الكلام اللين والانحناء الواطئ والتملّق السافل المعوّج , فيثنيهِ عن عزمهِ. لقد صدر الأمر ونفي أخوك. فإذا أنت ركعت وداهنت وتضرعت لأجله , انتهزتك وطردتك كالكلب من أمامي. أن قيصر لا يقاصُّ بلا سبب , وكذلك لا يعفو بلا سبب
سمبر - أما من صوت أكرم من صوتي يستعذبهُ قيصر فيصغي إليهِ ويعفو عن أخي المنفي؟
بروتوس - أي قيصر. أُقبّل يدك غير مداهن , وأرجوك أن تهب أخا سمبر حريته
قيصر - متعجباً ماذا؟ بروتوس؟
كاسيوس - عفوك قيصر عفوك! أني أترامى على قدميك وأتسوَّلُ منك عفواً عن سمبر
قيصر - لو كنتُ نظيركم لتأثرتُ؛ أو لو كنتُ ممن يرجو الغيرَ لتحوَّلتُ عن عزمي مرضاة رجائهم. ولكني ثابتٌ في عزمي ثبوتَ نجم الشمال الذي لا يضاهيهِ في الفلك نجمٌ ثبوتاً. السماءُ ملأى بكواكب لا تعدُّ ولا تحصى. كلها تحترق ضياءً وليس بينها سوى واحدٍ لا يحول ولا يتزعزع. كذا الدنيا مملوءةٌ رجالاً. رجالها من لحم ودم ذوو عقول ذكية , ولا أعرف فيهم غيرَ واحدٍ راسخاً لا ينازع ولا يتحرَّك. فلأرينكم أني ذلك الرجل. إني نفيتُ سمبرَ حازماً , وسأبقيهِ في منفاه حازماً
سنّا - أواه قيصر. . .!
قيصر - عني! أتحاوِلُ أن ترفع جبال الأولمب؟
ديسيوس - يا قيصر العظيم!
قيصر - ألا ترى بروتوس يركع على غير جدوى؟
كاسكا - أيتها الأيدي تكلمي عني! يطعنهُ كاسكا أولاً وبعده بقية
стр. 1553
المتآمرون ثم يطعنهُ بروتوس في الآخر
قيصر - وأتتَ أيضاً يا بروتوس؟ فليسقط قيصر! يلتفّ بردائه ويسقط ميتاً
سنّا - يا للحرية! يا للخلاص! لقد مات الاستبداد! اركضوا ونادوا بالأمر في الأسواق.
كاسكا - ليذهب بعضكم إلى المنابر ويهتف يا للعتق! يا للحرية! يا للنجاة!
بروتوس - مخاطباً الأعيان والشعب المختلط بنابلهم خوفاً لا تخافوا أيها الأعيان وأنتم أيها الشعب اطمأنوا بالا. قفوا لا تهربواز لقد وفى الطمع دَينه
كاسكا - اصعد إلى المنبر يا بروتوس
ديسيوس - وكاسيوس أيضاً
بروتوس - أين بوبليوس؟
سنّا - هنا وقد أضاع رشدهُ
سمبر - خذوا حذركم. فقد يفاجئنا أحد أصدقاء قيصر. اعتصموا بالاتحاد
بروتوس - دعوا الحذّر والاعتصام جانباً. وأنتَ بوبليوس تشجَّع. أننا لا نريد بك شرّاً , ولا نريد بأحدٍ من الرومانيين شرّاً
كاسكا - ابتعد عنا يا بوبليوس لئلاّ يهجم علينا ويلحقون بشيبتك أذًى
بروتوس - نعم اذهب. فلا يحملُ عبء هذا الأمر إلاّ فاعلوه. يرجع تريبونيوس
كاسيوس - أين أنطونيوس؟
تريبونيوس - فرَّ إلى بيتهِ رُعباً الرجال والنساء والأولاد يصيحون ويصخبون كأنهُ يوم النشر
بروتوس - إيهٍ أيتها الأقدار ها نحن مترقبون أمركِ فينا. كلنا يعلم أن مصيره إلى الموت ولكنهُ يجهل ميعاد قدوم الساعة
стр. 1554
كاسيوس - من يقتطعُ عشرين سنة من ثوب حياتهِ , فإنهُ يقتطعها من خوف الموت لا من الحياة نفسها
بروتوس - إذن. الموت دواءٌ وما نحن إلاّ أصدقاء قيصر إذ اختصرنا له خوفه من الموت. فلننحنِ أيها الرومانيون ولنغسل أيدينا في جراح قيصر نخضبّها حتى الأكواع. غمسوا فيها سيوفكم , وهبّوا بنا إلى الساحة نرفع سلاحنا الأحمر فوق روسنا وننادي يا للسلام ويا للعتق ويا للحرية!
كاسيوس - انحنوا واغتسلوا. ستعيد الأجيال المقبلة تمثيل دورنا هذا بألسنٍ مجهولةٍ وفي بلدان لم تخلق بعد
بروتوس - نعم وسُيدمي مراراً قيصرُ خذن الترابِ المطروح الآن عند تمثال بومباي
كاسيوس - وعلى عدد تلك المرار سيلقّبنا المستقبلُ بالقوم الذين أنالوا وطنهم الحرية
ديسيوس - أتذهبون؟
كاسيوس - نعم. بروتوس يقودنا , وأحسنُ قلوب رومه وأشجعها تسير على عقبهِ يدخل خادم
بروتوس - سكوتاً: مَن القادم؟ صديق لأنطونيوس
الخادم - راكعاً أي بروتوس. بذا أمرني أنطونيوس: أخرُّ ساجداً وأعفّر وجهي وأقول إن بروتوس نبيلٌ حكيم شجاعٌ وأمين وكذلك كان قيصر قديراً جسوراً محبّاً وعظيماً. إني أحبُّ
بروتوس وأكرمهُ وقد خفتُ قيصر فأحببتهُ وأكرمتهُ. فليسمحْ بروتوس وليؤمنْ لي سبيل قدومي إليهِ أستفسرهُ سبب قتل قيصر , وله عليَّ العهد إني لا أحبُّ قيصر ميتاً بأكثر ما أحبُّ بروتوس حيّاً؛ بل أتبع بروتوس في سبيله غير المطروق بقلب مؤمن صادق بذا نطق سيدي انطونيوس
стр. 1555
بروتوس - لنعَم الرومانيُّ الحكيم الشجاع سيدك. ما ظننتهُ بأقلَّ مما هو عليهِ قط. أبلغهُ يحضر إلينا إذا شاء , فنقنعهُ ثمَّ بنقلبُ إلى أهله آمناً.
الخادم - سآتي بهِ في الحال يخرج الخادم
بروتوس - سيكون منّا. أنا واثق من ذلك
كاسيوس - حبذا لو تمَّ ذلك. فإني أوجس في نفسي خيفةً منهُ , وما خانتني فراستي وتشاؤمي قط.
بروتوس - ها قد جاء انطونيوس. يدخل انطونيوس أهلاً بماركوس انطونيوس
انطونيوس - ينظر جثة قيصر ملقاة , يركع إلى جانبها أي قيصر ذا السلطان! أيطرحونك أرضاً؟ أتتكمش فتوحاتك وانتصاراتك وغزواتك إلى مثل هذا القدر الصغير؟ وداعاً ينهض إني أجهل مآربكم أيها السادة فلا أعلم من تستسمنون بعد قيصر فتدمون. إن كنتم إياي تقصدون , فلستُ بواجدٍ زمناً للموت أليق من زمنٍ مات فيهِ قيصر. ولا آلةً على نصف شرفِ آلةٍ أغناها أنبلُ دمٍ في هذه الدنيا. إن كنتم تضمرون لي العداء فأتوسل إليكم أن تظهروه الآن وسواعدكم الحمرُ تتبخر وتدخّن. لو عشتُ ألفاً ما لقيتُ نفسي بأجدر بالموت مني الآن مطروحاً إلى جانب قيصر ترديني الأسياد نخبة رجال هذا العصر
بروتوس - لا ترجُ موتك على أيدينا يا أنطونيوس. إنك تنظر إلى هذه الأيدي وما جنتهُ فتخالنا قساة سفّاحين , ولكنك لا تعلم ما انطوت عليهِ قلوبنا. إنك لو استطعت النظر إليها لرأيتها ملآى بالحنان والرأفة. نعم فإننا ما فتكنا بقيصر إلاَّ شفقةً على اضطهاد رومه. فالشفقة على هذه طردت من قلوبنا الشفقه عليهِ وابتلعتها كما تبتلع النارُ ناراً أقلّ منها التهاباً. أما أنت يا أنطونيوس فإنّا نرحب بك
стр. 1556
ونقبلك بيننا على الرحب والسعة. نفتح لك قلوبنا ونحميك بسواعدنا , فترجع سيوفنا مفلولةً عنك
كاسيوس - وسيكون لك الرأي الأعلى في تدبير مهام المُلك الجديد
بروتوس - صبرَك حتى نسكّن روع الجمهور الذي يكاد يجنُّ خوفاً ثم أخبرك لما أقدمتُ على قتل وأنا صديقه الصادق
أنطونيوس - لا أشكُّ في حكمتكم. هاتوا كلٌّ منكم يده الحمراء. هاتها أنت أولاً يا بروتوس ثم أنت يا كاسيوس. وأنت ديسيوس وأنت متلوس وأنت سنّا. يدك أيها الشجاع كاسكا. وأنت يا تريبونيوس هاتها الآخر في دورك ولكنك لست بالآخر في درجة حبي لك. ماذا أقول أيها السادة؟ إن قدميَّ تكادان تزلاّن بي عن موطئ الشرف فما أنا في أعينكم إلاّ واحداً من اثنين - أما جبان أو منافق. مخاطباً قيصر حقاً لقد أحببتك يا قيصر. فما الذي تقوله لو أطلّت علينا روحك الهامدة؟ أليس الأمر أشدَّ وقعاً عليك من قتلهم إياك؟ ليت لي عدد جراحك عيوناً تذرف الدمع كالدم المتدفق من جسدك. لذلك موقفٌ أليق بي من تبادل عبارات الوفاق مع أعدائك. عفوك يوليوس. هنا اصطادوك أيها الوعل الجسور. هنا سقطت , وهنا يقف صيادوك مخضبين بدمائك. ايه أيها العالم إنك كنت غاباً لهذا الوعل وكان الوعل أعزَّ أبنائك. يا لك من غزالٍ تكاثرت عليهِ أمراء الصيد فأردوه!
كاسيوس - أنطونيوس
أنطونيوس - عفوك كاسيوس. إن أعداء قيصر لا يقولون فيهِ أقلَّ مما قلتُ فما بالك بأصدقائهِ. إن قولهم لتواضع بالغ حدّه
كاسيوس - لا ألومك على مدحك قيصر , ولكني أودُّ أن أعلم أصديق أنت
стр. 1557
فترجي , أم عدوّ فيذهب كلٌّ سبيله!
أنطونيوس - لو لم أكن صديقاً ما وضعتُ يدي بأيديكم. إنما لقد أضلّتني شجوني حينما نظرتُ قيصر ملقى. إني صديق كلٍّ منكم , وكصديق أرجوكم أن تقنعوني بأن قيصر كان خطِراً
بروتوس - إن لم نقنعك بذلك كان عملنا وحشيّاً لا مسوّغ له. أي أنطونيوس أنَّ الذي دعانا إلى قتل قيصر لكافٍ لإقناعك ولو كنتَ ابناً له
أنطونيوس - هذا كلما أطلب. وأتوسل إليكم أن تسمحوا لي أنا صديقه أن أذهب بجثتهِ إلى الساحة العمومية , وأقول كلمتي في جنازتهِ
بروتوس - ليكن لك ما تريد
كاسيوس - لي كلمة أقولها لك يا بروتوس يكلمه على جانب إنك لا تعلم ما تصنع. لا تسمح له بذلك. إنك لا تعلم أي التأثير يكون لكلامه في الشعب
بروتوس - لا. لا إني سأقف فيهم خطيباً أولاً وأُبيّن لهم أسباب قتل قيصر , وأذكر أن أنطونيوس سيقيم له الاحتفال اللائق بدفنهِ بإذن منا. ذلك أشفع لعملنا وأضمن
كاسيوس - لا أعلم ما سيكون. ليس الأمر من رأيي
بروتوس - لأنطونيوس هاك جثة قيصر. خذها! إنك ستتكلم بعد أن أكون قد انتهيت , فإذا تكلمت قل إنك تفعل ذلك بأمرنا. امدح قيصر ما شئت ولكن لا تذمنا , وإلاّ فلا يكون لك شأن في الجنازة
أنطونيوس - إني لا أطلب أكثر من هذا
بروتوس - هيئ الجثة واتبعنا يخرج الجميع عدا أنطونيوس
أنطونيوس - مخاطباً جثة قيصر غفرانك أيها التراب الدامي! غفرانك أن نظرتني أتبادل الودَّ والأدب مع هؤلاء الجزارين! إنك لبقية أشرف رجل عاش
стр. 1558
في الدنيا. ويلٌ لليد التي سفكت هذا الدم الثمين! إنّ جروحك يفتح شفاهها العقيقة كالأفواه الخرساء تستنطقني نبوةً هي لعنةٌ تكرسف الناس. ستمتلئ جوانب ايطاليا حروباً. وسيقوم الأخ على اخيهِ والابن على أبيهِ والمملكة شعبها بعضهم بعض عدوّاً. سيأمن الناس الدم والدمار والخوف فتبسم الأم أن رأت أولادها تتخطفهم أيدي الحروب. ستزول الشفقة من قلوب الناس لتعودها رؤية الفظائع. وثمَّ روح قيصر تزأر ثائرة يصحبها إله الشرّ الجهنمي منادياً بالويل والثبور على هذه البلاد فتنطلق كلاب الحرب تعدو وراء فرائسها تنهش بلا رحمة حتى تملأ جوانب الأرض جيفاً ليس من يدفنها. يدخل خادم أخادم أوكتافيوس قيصر أنت؟
الخادم - نعم يامولاي
أنطونيوس - أن قيصر أرسل يستقدمه لرومه
الخادم - نعم. وهو قادم. وقد أمرني أن أقول لك. . يرى جثة قيصر ويلي! قيصر!
أنطونيوس - لقد تأثر قلبك. در جانباً وابكِ. أن الحزن مجلبةً للحزن وها عيناي أدمعتا إذ رأتا الحزن يجول في عينيك. . . أقادمٌ مولاك؟
الخادم - سيبيت الليلة على بعد سبعة فراسخ من رومه
أنطونيوس - عُد إليهِ مسرعاً وأرو له الرواية. ليست رومه بالبلد الأمين لاكتافيوس بعد , أنها نابحة ملآنة خطراً. عُدْ. عُدْ. قلْ له يلبث مكانه ولا يأتي. لا. قف قليلاً. لا تذهب قبل أن أحمل الجثة إلى الساحة العمومية. سأرى هناك أثر خطابي في الناس , وعلى أيّ محملٍ يحملون فعلةَ هؤلاء الرجال السفاحين , ثم نذهب ونروي الأمر لاوكتافيوس. هات يدك ساعدني. يخرجان بجثة قيصر
стр. 1559
المشهد الثاني
يدخل بوتوس وكاسيوس ولفيف من الأهالي
الأهالي - صارخين هاتوا برهانكم. اقنعونا اقنعونا
برتوس - اتبعوني ودعوني أقف فيكم خطيباً أيها الأصدقاء. كاسيوس!
اذهب إلى الشارع الآخر وفرّق الجماعات. ليبقَ الذين يودُّون سماعي هنا. أما الذين يبغون اللحاق بكاسيوس فليتبعوه. إنّا سننبئكم عن سبب قتل قيصر جهاراً
العامي الأول - أنا سألبث مكاني واسمع بروتوس
العامي الثاني - وأنا سأسمع كاسيوس ثو نقابل برهان هذا ببرهان ذاك يخرج كاسيوس يتبعه بعض الأهالي ويصعد بروتوس إلى المنبر
العامي الثالث - اصبروا حتى النهاية. اسمعوا أيها الرومانيون مواطنيَّ وأصدقائي. اسمعوا لي دعواي. وأنصتوا حتى تتمكنوا من السماع. إذا قلت فصدّقوني , لأن لي من شرفي ما يحملكم على الثقة بي فإن وثقتم بشرفي آمنتم بكلامي. زنوني بميزان حكمتكم واشحذوا عقولكم حتى تقيموا الميزان مستقيماً. . . هل في هذا الجمهور صديق لقيصر؟ إن كان بينكم صديق حميم , فإني أرفع صوتي وأُناديه قائلاً: إن محبتي لقيصر لم تكن بأقل من محبتكم. . . سيقول هذا الصديق: إذن لمَ قتلت قيصر؟ ها كم جوابي: ما قتلت قيصر كرهاً لقيصر , بل قتلته حباً برومه! أوددتم لو متم أرقاء وبقي قيصر حياً؛ أم إن يموت هو لتعيشوا جميعكم أحرارً. . .؟ إنَّ قيصر أحبني , فأنا أبكيه , إنهُ كان حظاً مبخوتاً. فأنا أفرح له؛ إنهُ كان شجاعاً , فأنا أكرمهً؛ م \ نعم , ولكنهُ كان مطماعاً فقتلته. ها دموعي جزاء محبته إياي , ها فرحي وسروري لطالعه المسعود , ها إكرامي وإجلالي لشجاعته , وها كم الموت جزاءً
стр. 1560
عدلا لطمعه؟ هل بينكم من انحط فصار يودُّ لو كان عبداً رقيقاً؟ إن
وجدت فيكم الرجل فقد وجدت خصمي. هل بينكم من لا يودّ أن يكون رومانيّاً؟ إن وجدت فيكم الرجل فقد وجدت خصمي. هل بينكم من سَفُل فصار لا يحب وطنه؟ إن وجدت فيكم الرجل فقد وجدت خصمي. . . هانذا واقف انتظر الجواب. . .
الجميع - إنه غير موجود. إنه غير موجود يا بروتوس!
بروتوس - إذن فليس لي فيكم خصم. إني لم أفعل بقيصر غيرَ ما كنتم تفعلونه أنت به. لقد دُوّنِ خبر موته في سجل الكابيتول وذّكِرت معه مفاخره وانتصاراته غير مبتورة ولا مقتضبة! وكذلك ذكرت معايبه التي استحقّ الموت من أجلها غير مُبالغ فيا ولا مُغالي. يدخل أنطونيوس وآخرون يحملون جثة قيصر ها جثة قيصر قدمت يبكيها أنطونيوس الذي سينال بعد موت صديقه محلاً رفيعاً في الحكومة وإن لم تكن له يد في قتله. إليكم ختام القول. إني كما قلت أعزَّ أصدقائي إيثاراً لأمر رومه , كذلك قد خبأت الخنجر نفسه أغمده في صدري إذا دعاني إليه داعي حبّ وطني.
الجميع - ليحيي بروتوس! ليحيي! ليحيي!
العامي الأول - احملوه على الأكتاف إلى بيته!
العامي الثاني - أقيموا له تمثالاً مع أجداده!
العامي الثالث - أحلّوه محل قيصر!
العامي الرابع - أنهُ قد جمع محاسن قيصر , فلنتوّجه!
العامي الأول - سنسيرُ وراءه إلى بيتهِ هاتفين منادين
بروتوس - يا بني وطني!
العامي الثاني - سكوتاً. أن بروتوس يتكلم
العامي الاول - سكوتاً يا قوم
стр. 1561
بروتوس - دعوني أذهب وحدي أيها المواطنون الصالحون. امكثوا أنتم واسمعوا ما يقوله لكم أنطونيوس عندما يمدح قيصر. لقد سمحنا له أن يقوم مؤبناً فالبثوا مواضعكم ولا تلحقوا بي. دعوني أذهب وحدي يخرج
العامي الأول - امكثوا يا قوم ودعونا نسمع أنطونيوس يخرج
العامي الثاني - ليصعد إلى المنبر فنسمعهُ. اصعد يا أنطونيوس النبيل
أنطونيوس - إني مدين لكم من فضل بروتوس. . . يصعد إلى المنبر
العامي الرابع - ماذا يقول عن بروتوس؟
العامي الثالث - إنهُ يحسب نفسه مديناً لنا وذلك من فضل بروتوس
العامي الرابع - لقد أحسن صنعاً. فخير له أن لا يشير بكلمة سوء إلى بروتوس
العامي الأول - تالله لقد كان قيصر عاتياً!
العامي الثالث - أكيد. مباركٌ لنا خلاص رومه منهُ
العامي الثاني - اسكتوا. دعونا نسمع ما يقول أنطونيوس
أنطونيوس - أيها الرومانيون الكرماء!
الجميع - اسكتوا. دعونا نسمعهُ
أنطونيوس - أيها الرومانيون مواطنيَّ وأصدقائي. أعيروني سمعكم. لقد جئتُ لأدفنَ قيصر لا لأؤبّنهُ. إن الشرّ يعيش بعد فاعله أما الخير فيدفن إلى جانب رفاتهِ. فليكن حال قيصر كذلك. . . .! خطب فيكم بروتوس النبيلُ فأراكم أن قيصر كان يطمح ببصره إلى الملك. إنْ صحَّت التهمة فأنها لبيرة على قيصر , وقد نال عليها جزاءهُ كبيراً. ها أنا واقف لديكم الآن أقول كلمتي في قيصر. لقد سمح لي بذلك بروتوس النبيل ورفاقه النبلاء. إن قيصر كان صديقي - صديقا عادلاً أميناً - ولكن بروتوس يظنه كان مطماعاً , وليس بروتوس بالرجل المشكوك
стр. 1562
في كلامهِ. لقد جاءَ قيصر من فتوحاتهِ بأسارى لا يحصى عددهم , فإذا ما فداهم القادون ملأ بالأموال خزائن رومه فهل كان ذلك من قيصر طمعاً؟ كان قيصر يذرف الدمع أن رأى فقيراً باكياً. واللهِ أن للطمع غير هذه الأخلاق! أما رأيتم يوم لوباركال وقد قدَّمتُ له التاج ثلاثاً فردَّني خائباً ثلاثاً؟ أهذا ما يسمونهُ طمعاً؟ ولكن بروتوس يقول أن قيصر كان مطماعاً , وليس بروتوس بالرجل المشكوك في كلامهِ. ما أنا مفنّداً بروتوس ولكنني أسرد الرواية كما أعلنها. إنكم قد أحببتموه كلكم فيما مضى وحاشا لحبكم أن يكون بلا سبب. فماذا الذي يقبضكم عنهُ الآن فلا تندبونهُ. ايهِ أيها الإدراك. أين أنتَ. أتركتَ رؤوس بني آدم وفررتَ إلى الوحوش الضارية؟ عونك. عونك إن قلبي فارقني ولحقَ بقيصر في هذا التابوت. حنانيك قلبي عُدْ إليَّ
العامي الأول - نأرى معظمَ كلامه معقولاً
العامي الثاني - لو تدبرت الأمر لوجدتَ أقيصر قد ظُلِم
العامي الثالث - إذن فسيظلم غيره بعده
العامي الرابع - هل تنبهتَ إلى ما قال عن التاج؟ أنهُ لم يقبل التاج. إذن لم يكن طامحاً إلى الملك
العامي الأول - إن صحَّ القول فسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون
العامي الثاني - مسكين أنطونيوس! لقد احمرَّت عيناه كالنار من البكاء
العامي الثالث - أنهُ لأنبل رجلٍ قام في رومه
العامي الرابع - اسمعوا. لقد عاد يتكلم
أنطونيوس - بالأمس كنّا وكلمةُ قيصرَ تقفُ في وجه العالم كله لا تردّ واليوم نحن وها هو ملقى إلى الحضيض أوضعَ من أن يُرمق بنظرةِ إكرام. . . أيها السادة!
стр. 1563
لو أردتُ أن أحرّك عاطفة قلوبكم وأفكاركم. أو أن أثيرَ غضبكم لخطّأتُ بروتوس ولخطأتُ كاسيوس ولخطأتُ غيرهما كثيرين. ولكنني لا أفعل ذلك أبداً أنهم نبلاء أشراف. كيف أجسر أن أخطّئهم. إني أوثر أن أخطّئ الميت وإن أخطّئ نفسي وإن أخطئكم جميعاً على أن اسبَ الخطأ لرجالٍ كرام مثل هؤلاء. أرأيتم هذه الوثيقة بيدي. إنها مختومة بخاتم قيصر. وجدتها في خزانتهِ. هي وصيتهُ لو سمع أهلُ رومه مضمونها. عفوكم فلستُ بقارئها لكم. لو سمع أهلُ رومه مضمونها لجأوا إلى قيصر يلثمون جراحهُ , ولخضّبوا مناديلهم بدمهِ الكريم , لا بل لتسوَّلوا شعرة من شعرهِ يحفظونها أثراً خالداً أبناؤهم من بعدهم
العامي الرابع - اقرأ الوصية. اسمعنا الوصية يا أنطونيوس
الجميع معاً - الوصية! الوصية! اسمعنا وصية قيصر!
أنطونيوس - صبراً أيها الأصدقاء الكرام. فلستُ بقارئها. لا يلبق أن تعلموا كم كان قيصر يحبكم. ما أنتم من خشب. ما أنتم من حجارة. إن أنتم إلاّ رجال - خير لكم أن لا تعرفوا مضمونه. خير لكم أن لا تعلموا أنه أوصى لكم بما ملكتْ يداه! أهٍ ما أوخم العاقبة لو علمتم!
العامي الرابع - اقرأ الوصية. لا بد من سماعها يا أنطونيوس. محتمٌ عليك أن تقرأ وصية قيصر
أنطونيوس - أتصبرون على ذلك؟ أتستطيعون إن تمكثوا بعد؟ لقد جاوزت الحدَّ غذ ذكرتها لكم. إني أخشى إغضاب هؤلاء النبلاء الذين أغمدوا خناجرهم في صدر قيصر. إني أخشى
ذلك كثيراً
العامي الرابع - قل خونة. لا تقل نبلاء!
الجميع - الوصية! الوصية!
стр. 1564
العامي الثاني - تباً لهم من قتلة. سفكة! الوصية! اقرأ الوصية!
أنطونيوس - لقد أحرجتموني فجبرتموني على قراءتها. دونكم جثة قيصر. التفّوا حواليها ودعوني أنزل إليكم فأريكم الرجل الذي كتب الوصية. هل تسمحون لي بالنزول؟
الجميع - انزل. انزل
العامي الثاني - انزل
العامي الثالث - سنفسح لك مجالاً بيننا
العامي الرابع - التفوا على شكل حلقة
العامي الأول - ابعدوا عن الجثة
العامي الثاني - افسحوا مجالاً لهذا النبيل أنطونيوس
أنطونيوس - لا تقربوا مني كثيراً. افسحوا لي قليلاً
كثيرون - لا تضيّقوا عليهِ. افسحوا المجال. ارجعوا
أنطونيوس - إن كان في مآقيكم دمع فاذرفوه الآن يشير إلى رداء قيصر كلكم يذكر هذا الرداء. هو رداء قيصر ارتداه ليلة صيفٍ وجلس في قباب مضروب على أثر عودته من نصرٍ مبين على أعدائكم. انظروا. هنا مرَّ خنجر كاسيوس. تبينّوا طعنة كاسكا الحاقد. إنها مزَّقت الرداء تمزيقاً. وهنا طعن بروتوس المحبوب طعنتهُ. بروتوس حبيب قيصر وملاكه الحارس. حدّقوا في طعنتهِ انظروا كيف نزع النصل المشومَ ففتح باباً خرج منهُ الدم يجري ليتحقق القارع القاسي. ايهٍ أيتها الآلهة! قولي كم كان قيصر يحب هذا الطاعن! إنها لأشدُّ طعنة أصابت قيصر. فإنهُ عندما رأى بروتوس يطعنهُ , التفَّ بردائه وخبأ وجهه وسقط إلى جانب تمثال بومباي قتيلَ الغدر ونكران الجميل أكثر منهُ قتيلَ السيوف والخناجر. بالسقوط
стр. 1565
قيصر من سقراط! أي مواطنيَّ الأعزاء أنّا سقطنا كلنا بسقوطه , أنا وأنتم وكل الرومانيون. أما الغدر والخيانة فانتصرنا وعلثتا على ظهورنا. أراكم تذرفون الدمع كقطر الندى. لقد مسّت الرحمة قلوبكم. كلُّهذا وقد شاهدتم الرداء ممزَّقاً فما تصنعون لو نظرتم إلى
الجسد مهشماً يرفع الرداء عن جسد قيصر ها كم قيصر. ها جسده شوَّهتهُ أيدي القوم الخائنين
العامب الأول - يا لهول المنظر!
العامي الثاني - يا لقيصر النبيل!
العامي الثالث - يا لشؤم هذا اليوم!
العامي الرابع - أه أيها الخونة السافلون
العامي الأول - إنهُ لمنظر دمويٌّ فظيع
العامي الثاني - سننتقم له
الجميع - الانتقام! الانتقام. هلموا ننتقم. اركضوا. احرقوا. اقتلوا. اذبحوا. لا تدعوا خائناً يفلت
أنطونيوس - قفوا , قفوا أيها المواطنون
العامي الأول - سكوتاً. اسمعوا لأنطونيوس النبيل
العامي الثاني - تسمعهُ. نتبعهُ \. نموت معهُ.
أنطونيوس - حلمكم أيها الأصدقاء الصالحون. حلمكم أخواني الأعزاء. ما قصدتُ أن أحرّك طوفان ثورتكم. إنَّ الذين أقدموا على هذه الفعلة لأقوامٌ نبلاء حكماء قد يكون لهم من أنفسهم عذر لا أعلمهُ يبرّرهم في أعينكم. لم أتِ لأحوّل قلوبكم عنهم فلست بالخطيب المفوّه مثل بروتوس. ما أنا إلاّ ذاك الرجل الساذج الذي يحب صديقه. والذين سمحوا لي بالكلام ذلك حقَّ العلم. ليس لي فهم ولم أتعلم الحكمة ولم أُعط موهبة الخطابة لأثيرَ فيكم دمكم. إني أهرفُ بما أعرف
стр. 1566
العدد ٣٠ - بتاريخ: ١ - ١ - ١٩١٣
العام الجديد
صدَّ عني ولا عجَبْ ... كلُّ شيءٍ لهُ سببْ
ذهبتْ ساعةُ الرضي ... وأتتْ ساعةٌ الغضبْ
مستبدٌّ بحكمهِ ... فأنا مثيل ما أَحبْ
تارةً صاحبُ المنى ... تارةً صاحبُ الكُرَبْ
فلقاءٌ بهِ الهنا ... وفراقٌ بهِ التعبْ
كلُّ ذنبي لأنَّ لي ... فيهِ صدراً قد التهبْ
ولأني عشقتهُ ... باردِ القلبِ والشَّنبْ
أيها العامُ مرحباً ... بالمنى فيكَ والأربْ
قلْ فما أنتَ حاملٌ ... بين بُردّيك من عجبْ؟
رايةَ السلم أم تُرى ... رايةَ الحرْبِ والحرَبْ
فائتلافاً بهِ المنى ... أم خلافاً بهِ العطَبْ
стр. 1567
أترى الترك أم عُدا ... تهمُ تكسبُ الغلّبْ
وهل الشرقُ بعد ذا ... ك بأمنِ من النوَب
أم هي النار في رُبى ال ... غرب يعلو لها لهَبْ
وقوى العالمين في ... معرك الخُلفِ والصَّخَبْ
فالسما مكفهرَّةٌ ... والفضا اهتزَّ واضطرَبْ
كلُّ هذا لأجل شب ... رٍ من الأرض يكتسبْ
يا عقول الآنام ما ... زلتِ في أوضعِ الرتب
ايهِ سوقَ الوغى لقد ... هزَّني نحوكِ الطرَبْ
لا فما حدَّث الروا ... ةُ ولا كاتبٌ كتبْ
مثلما عنكِ قد رُوي ... فهو أعجوبةُ الكتبْ
رحِمَ اللهُ أنفساً ... غالها عندكِ العطبْ
وجيوشا تدافعتْ ... صُعداً فيك أو صَببْ
بل أسوداً تقحَّمتْ ... غمرةَ الموتِ لم تهبْ
ساقها الحكم للهلا ... كِ فماتت كما وَجبْ
يا رفات الأسود فَاْ ... تنثني عندكِ الركبْ
أيا العام هل أرى ... راحةً فيك أم نَصَبْ
أصديقاً فترتجي ... أم عدوّاً فتجتنبْ
كن كما تشتهي فلا ... رغبةٌ فيك أم رهَبْ
الياس فياض
стр. 1568
المرأة المترجلة
الرجل المتأنث كالمرأة المترجّلة: كلاهما متصنع لا يطاق! وددت احتقار زيد فقلت زيد امرأة , وشئت تكريم هند فقلت هندٌ رجل. أنا أحتقر الرجل إذا تأنث وإكراهه جهدي , وأعتبر قليلاً المرأة إذا ترجَّلت ولكنني أكرهها كثيراً. للرجولية أخلاق , وللأنوثة أخلاق وكل خلُق حسن في صاحبه. القوة تستَحب في الرجل , والضعف يستملح في المرأة. فإن تعدّت القوة إلى النساء فسدت , وإن تخطَّى الضعف إلى الرجال كان ذلاً! المرأة إذا ترجلت خير من الرجل إذا تأنث. هي تطمع بأن يكون لها شرف الرجولية. وأما هو فليكون له ماذا؟ ولكنه لأيسر في نظري أن يتأنث الرجل من أن تترجل المرأة. الويل كل الويل من الضعيف إذا قدر , والمظلوم إذا احتكم. ليس الشرَ في أن يتحول الذئب إلى حمل , ولكن الشرّ كل الشرّ في أن تصير النعجة ذئباً. وليس الرجل ذئباً من طبعهِ ولكن المرأة إذا ترجلت تحوَّل ضعفها إلى شراسة فكانت شرّ الذئاب! هي مخلوقة ضعيفة لا تفهم معنى القوة فإذا وجدَت القوة اتخذَتها سلاحاً ذا حدَّين! قبيح في الرجل الضعف , وأقبحُ منه القوة في المرأة. التصنّع في
стр. 1569
الأخلاق كالترقيع في الأثواب. تالله أن التصنّع والتكلّف لا يحتملان ولو كانا من المشخصين أنفسهم وهم على المسرح! كرهتُ الرجل يدّعي لنفسهِ ما لغيره لأنني لا أحب الرياء. ولكنني إذا أدهشني الرياء في الرجل لأنهُ حادثٌ فيهِ , فليس يدهشني الرياء في المرأة لأنهُ خلُقٌ فيها. ذلك أن الصدق من طبائع القوة والكذب مع القوة , ويجيء الصدق مع الضعف فيكون مجال للدهشة حينئذٍ. وإن شرّ ما ولَّده الضعف الفطري في المرأة الكبرياء والدعوى! ألا ترى أن الضعيف تسهتويه القوة فيريدها لنفسه فلا يستطيعها , فيتطلبها بالوهم لباطل؟ أوَ ليست الكبرياء والدعوى مجرد توهم في الإنسان للقوة والفضل؟ الكبرياء في المرأة الرذائل فيها , والإدعاء أقبح خلالها. والكبرياء في الرجل رذيلة ولكنه ليس شرّ الرذائل فيه , والإدعاء ضعف وخلل فيهِ ولكنهُ ليس بالضعف والخلل الأعظمين. قد يتكبر الرجل ويكثر من الإدعاء ولكن قوته تجيز له هاتين الخليتين وتستر عليهِ قبحهما بعض الستر. أما المرأة فلست أرى فيها ما يجيز لها الكبرياء ويسامحها على الدعوى إلاَّ إذا استجزنا ضعفها واستسمحناه وحينئذٍ تظهر فيها بشاعة هاتين الرذيلتين بكل مظاهرها المستقبحة!
стр. 1570
خيرٌ لك أن تعادي امرأة تحب منك التملق وتتطلبه لنفسها من أن تتملَّقها. شرّ خطأ يرتكبه الإنسان أن يتملق المرأة؛ لأن المرأة على ضعفها ورغبتها في
القوة تتناسى التملق وتحسبه حقيقةً واقعية وثناءً صحيحاً فتكون حينئذٍ كالمهرة الجموح لا تردّها شكيمة , ولا يُمسك بها رسن! أحسنتِ يا سيدتي! ولكنه لأهون عليك لو قطعت لسانك وكسرت قلمك فلم تقل لها هاتين الكلمتين. إن البرهان في التجربة لو شئت! هذّب المرأة على معرفة نفسها فذلك خير مؤدب لها , أولاً فكن أصمّ فلا تسمع , وأحمق فلا تفهم. المرأة كالقلعة أعدى أعدائها في داخلها. إذا هي قويت على المؤثرات الخارجية فلن تقوى على عواطفها الداخلية. وأنهُ لأيسر على قلعة يحاصرها العدو أن تتجيَّش عليها الجيوش حواليها , من أن يخونها جنديٌّ واحد في داخلها. المرأة لا تستطيع أن تكون قاضياً لأن عواطفها تتغلب دائماً على عقلها. لا تسألها العدل فإنها لا تستطيعه. قلبها الذي يحكم , وعقلها الذي يطيع! عبثاَ تحاول منها أن تكون غير ذلك!
стр. 1571
تاريخ الجندية العثمانية
كانت نظارة المعارف العمومية في الآستانة قد أدخلت في برنامج المدرسة الملكية العليا - قبل تسعة عشر عاماً - درس قانون التجنيد واختارت لتفسيره وتدريسه المرحوم رفيق بك مانياسي زاده الذي صار في زمن الدستور وزيراً للعدلية والمذاهب ثم توفاه الله إليه. وهذا الفصل مقدمة لتلك الدروس وهو يتناول تاريخ الجندية العثمانية نقله إلى العربية صديقنا الكاتب الفاضل محب الدين أفندي الخطيب:
لم تكن أمور الجندية في أوائل سلطنة آل عثمان مؤسسة على أساس متين , وإنما كان أفراد الأمة القادرون على معاناة الحرب والنضال يتقلدون أسلحتهم يوم الزحف ويتقدمون للدفاع عن الدين والوطن. وكانت الجنود في عهد السلطان عثمان مؤسس السلطنة وفي عهد أرطغرل والده تسمى فرساناً لأنهم كانوا يؤدون وظيفة الجندية يومئذٍ ركباناً. وكان السلطان عثمان ينشر المنادين في المدن والقرى عندما تصحُّ عزيمته على الحرب , فينادي هؤلاء بالناس إلى دارة الإِمارة. ومع ذلك فقد كان ثمة - غير هؤلاء المتطوعين - عساكر خاصة وأتباع ورؤساء يوجدون دائماً حيث يوجد مركز الحكومة. وبعد سنة من استيلاء مجاهدي الإسلام على مدينة بروسه أصبحت هذه المدينة عاصمةً , وصار للحكومة العثمانية مكانة خاصة بين ملوك الطوائف. وهذا ما حمل العمانيين على العناية بوضع للإدارة وسن القوانين التي لا بد منها للسير في مضمار الحضارة والارتقاء. وكان في جملة ذلك أن نالت الجندية ونظاماتها حظّاً من هذه العناية , فتولى الوزير المدبر علاء الدين باشا أخو السلطان أورخان اختيار الأقوياء من أبناء الترك وخصهم بمقدار كاف من العلف وعهد إلى قره خليل الشندرلي وهو قاضي بلاجك إن يزيد في عدد الجند وتنظيمه. أما مولانا القاضي خليل فقد بذل همةً فائقة في هذا السبيل , حتى كثر عدد هؤلاء الأبطال , فرتب لكل واحد منهم مرتباً يومياً بقيمة أقجة ربع درهم شرعي تعطى لهم إبان الحرب حتى إذا انقضت قطع العلف اليومي عنهم وإذن لهم
стр. 1572
بالعودة إلى أشغالهم الخاصة. ومن هذا يستدلّ على أن الجنود كانوا مكلفين بوظيفة الجندية لمدة غير محددة. أخذ يزداد عدد هؤلاء الجنود وهم فريق المشاة ثم كثرت وظائفهم فدفعهم الطمع المركوز في فطرة البشر إلى ما أفسد نظامهم , فخطر للسلطان حينئذٍ أن يؤسس جنده على طراز آخر , لا سيما وقد تبين أن خروج هؤلاء الجنود المشاة عن طاعة السلطان نتيجة طبيعة لنظامهم القاضي بأن لا
يكونوا جنوداً موظفين تماماً , بل هم نوع من الجند المأجور للخدمة في زمن الحرب ليس إلاّ. ولما تداول رجال الدولة في هذا الأمر وضع قرة خليل الشندرلي لائحةً قال فيها أن استقلال العثمانيين يظلُّ مهدداً بالخطر ما دام الجيش مؤلفاً من التركمن الرومانيين ومن هؤلاء المشاة. وهو يرى أن خير دواء لهذا الداء أن يؤخذ من الفتيان المسيحيين الذين دخلوا في الرعاية العثمانية مقدار ألف شاب في بضع سنوات وتصرف لهم علف وتعينات كافية باسم وظائف الحضر والسفر. فوقع اقتراح قرة خليل من رجال الدولة أسن وقع. وعلى هذا سنوا نظام دويشرمهْ للوصول إلى هذه الغاية. قضى نظام الدويشرمهْ بأن تأخذ الدولة في كل سنة ما استطاعت من الأطفال المسيحيين وأن تعني بتربيتهم وتهذيبهم إلى أن يبلغوا سنّ التجنيد , وعندئذٍ يرسلون إلى الثكنة العسكرية في العاصمة , ويُصرف لكل واحد منهم في كل يوم أقجة واحدة ربع درهم شرعي. وقد اقترح الحاج بكتاش ولي أجد رجال الصوفية على السلطان أورخان أن يطلق على هؤلاء اسم يني شري بمعنى الجندي الجديد فأجاب السلطان مقترحة. ذلك هو أصل الجنود الانكشارية وهذا سبب تسميتهم بهذا الاسم. ولم تكن أوروبا يومئذ قد ابتدأت بتأسيس الجندية النظامية , إذ أن فرنسا نظمت جيش لمشاة في زمن شارل السابع سنة ١٤٤٧م وأطلقت عليهم اسم فرنك أرتير في حين أن العثمانيين نظموا جيش الانكشارية سنة ١٣٢٦م. وعلى هذا
стр. 1573
فالعثمانيون سبقوا أوروبا إلى تأسيس الجيش النظامي بأكثر من مائة سنة. ونحن نرى مؤرخي أوروبا يعزون شرف تأسيس الجنود النظامية الدائمة إلى شارل السابع مع أن العثمانيين أجدر بأن يعزى إليهم هذا الشرف , ولا ندري كيف نوفق بين ذلك وبين أنصاف هؤلاء المؤلفين. كان عدد الجنود الجديدة قليلاً فاضطرَّ رجال الدولة إلى تجنيد الأسراء ومع ذلك فقد ظلَّ الجيش ناقصاً فأكل عددُه بالتبعة المسلمين. أما الأسراء والأطفال المسيحيون فكانوا يسمون الغلمان الجهلة. وقد اعترض هذا المشروع في بدايته بعض عوارض وذلك أن القسس جعلوا يبثون في النفوس ما أحدث الضغينة بين المسيحيين المتجندين ولكن هذا لم يلبث أن زال أثره بارتقائهم في درجات الوظائف العالية وبالإنصاف الذي كانوا يعاملون بهِ حتى دعي ذلك إلى إقبال الجميع على التجند وأصبحت الحكومة في غنى عن متابعة سيرها في مشروع الدويشرمه وأحدثت في جنديتها صفاً جديداً سمتهُ صف المتطوعين.
سار الانكشاريون بنظام من مبتدأِ أمرهم إلى يوم جلوس السلطان محمد الفاتح للمرة الأولى. ولما عاد السلطان من وقعة وارنه الكبرى وارتقى عرش السلطنة للمرة الثانية أخذ الرعب من خليل باشا مأخذه لأنهُ كان سبب استقالة السلطان من الملك. فأخذ خليل باشا يدس الدسائس في صفوف الانكشاريين , ويحثهم على التمرد والعصيان , فكان ذلك مدعاةً لشرور ومفاسد كثيرة. وأول شيء توسلوا به للمجاهرة بالتمرد والعصيان مطالبتهم السلطان محمد الفاتح بالإحسان بقشيش على أثر وفاة السلطان مراد الثاني وجلوس لسلطان الفاتح وذلك بعد حرب القرمان. حاول السلطان الفاتح والسلطان سليم والسلطان وغيرهم من المصلحين الذين قلما تظفر الأمم في كل زمان بأمثالهم أن يعيدوا روح النظام إلى هذا الجيش الذي ما حارب إلاّ ظفر , ولكن ذهبت عبثاً كل مساعيهم وظلَّ الشر والفساد ممزوجاً بتلك الشجاعة والهمم. وكذا ظلّ الانكشاريون يجنون ثمار النصر في
стр. 1574
الحروب فيزيدون في شرف دولتهم ومجدها. ويحدثون القلائل والفتن الداخلية في زمن السلم فيضعون بنين البلاد. ولما كان عهد السلطان محمود الثاني بلغت الروح التراق وجاوز الحزام الطيبين فأدرك السلطان إن لم يبقَ لوجود هذا الجيش فائدة تذكر وكان قد أحس منذ كان وليَّ العهد بمسيس الحاجة إلى جيش معلّم فشرع سنة ١٢٤١ بتأليف جيش دعه اشكنجي وأبلى في هذا السبيل بلاءً حسناً ثم نجح في محو اسم الانكشارية من الجود , أولئك هم الانكشاريون الذين رفعوا مجد الدولة إلى هام العلى وأسمى الذرى ثم دخل بينهم خليط من السفلة والأدنياء فأفسدوا تربيتهم وبدلوهم من النظام اضطراباً ومن الطاعة والامتثال تمرداً وعصياناً فتجاوزوا حدودهم وطوحوا بالبلاد إلى مهاوي الهلكة ومدارج الانحلال حتى أدركهم السلطان محمود لثاني فدمرهم وأنقذ البلاد من شرورهم. وسنّ قانوناً جديداً كان مقتضاه إن جمعت جنود جديدة باسم العساكر المحمدية المنصورة وكان السلطان جديراً إن يدعى باسم مجدد القوانين العثمانية.
ولما جلس السلطان عبد المجيد على سرير الملك أيد مشروع أبيه بنصّ الخط. السلطاني الذي قريء في الكلخانة وكان فيما جاء عن الجندية في الخط السلطاني ٠٠غن طريقة الجندية حتى الآن لم يكن يلاحظ فيها عدد نفوس كل بلدة بل يطلب للجندية من بعض البلاد ما يزيد عن درجة احتماله ومن البعض الآخر أقلّ مما يجب , وهذا أمر ينافي العدل من
جهة ويضرَّ في شؤون الزراعة والتجارة من جهة ثانية , وفوق ذلك فإن استخدام فريق من الناس في الجندية طول العمر يبعث في نفوسهم الملل واليأس وينتج قلة النسل - من أجل ذلك تفضلنا بإبطال هذه الطريقة العميقة والجري بعد الآن على طريقة خير منها يكون من شأنها أن يطلب للجندية من كل بلدة مقدار معين لزمن معين. ولهذا تفضلن في هذا الخط السلطاني بوضع طريقة القرعة العسكرية وسننا لذلك نظامات خاصة
стр. 1575
ولما كان الدفاع عن الدين والذبّ عن حياض الدولة فريضة على كل مسلم صحيح الجسم فقد أصبح من المحتم على كل من أصابتهُ لقرعة من المسلمين المقيمين في البلاد العثمانية أن يطيع أمر لنظام ويدخل في سلك الجندية , إلاّ من كانت لهم موانع شرعية أو امتيازات خاصة. يتبين من هذا أن فريضة الدفاع عن الدين والوطن خاصة بالأفراد المسلمين وأما المسيحيون المتوطنون في بلاد السلطنة والمتجنسون بجنسيتها فقد أسقطت عنهم فريضة الجندية في مقابل ضريبة خاصة معينة يدفعونها باسم البدل العسكري وأكثر الدول المتمدنة اتخذت طريقة القرعة في جنديتها بعد تاريخ قراءة ذلك الحين في مدارج الإصلاح والتعديل وأهم هذه الإصلاحات النظام الذي أعلن يوم ٢٧ صفر سنة ١٣٠٤ فإن بذلك بلغت جنديتنا ارتقاءها الحاضر.
خطرات
لكار من سيلفا - ملكة رومانيا الحالية
المرأة الساقطة تنتظر إلى المرأة الشريفة كما تنظر إلى المرأة التي تربطها شناعة خَلقها فهي لو حطّمتها.
كثرة الكلام تذهب بجوهر الأفكار وما تبرح تحوّل ذهبها إلى دراهم زائفة حتى يظهر صاحبها فقيراً ويقرب من مغزاه في العربية المثلث السائر: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب)
العقل كالملِك يسكن كوخاً , فإن مجرَّد وجوده يحوّل ذلك الكوخ إلى قصر
الديانات أوحت الفن ولكنه قلما كان أصحاب الفنون قديسين!
стр. 1576
في رياض الشعر
الملك المظلوم
هدية إلى الفاضلة البرنسيس الكسندر أفيرينوه فيزنيومكا
مكانك الأفقُ فما أنزَلكْ ... بُدلِتَ عنهُ الأرض أمْ بَدَّلتْ
يا مَلَكَ اللهِ أيرضي الملَكْ ... مثلك الثرى من بعد مُلك الفلكْ؟
كلاّ. فلنْ تألفَ هذا الأنامْ ... خُلقتَ من نورٍ وهُمْ من ظلامْ
أين جناحاكَ؟ متى فارقاكْ ... قد سقط في الأرض أمْ في السِّماكْ؟
إنك أوْلى بمجد ذاكَ المقامْ ... مِثلكَ لا يهنأُ فوقَ الرَّغامْ
مَنْ عندنا يفهمُ هذا الجمالْ؟ ... أيُّ أمريءِ يهوي صفاتِ الكمالْ؟
أنتَ خيالُ الحبِّ نِعمَ الخيالْ ... حَذارٍ , اتدخلْ قلوبَ الرجالْ
تِلكَ قلوبٌ دَهْرها في اضطرامْ ... كأنها موقدَةٌ بالآثامْ
إن تُؤتَ خيرا بينهم يحسدوكْ ... وإن تجُدْ بالفضلِ لا يحمدُوكْ
دانَيْتَهمْ لكنهم أبعدُوكْ ... لو صرتَ ربَّ القوْم لم يَعبدوكْ
أُفّ لخَلقٍ ليسَ فيهِ كرامْ ... هَلْ كرَمٌ يسكنُ هذي العظامْ
تَبقى لياليكَ وتفنى المنى ... بين الهمومِ الكثْرِ بينَ الضنى
ويَلي فكم تحملُ هذا العنا ... كمْ تشتكي أنتَ وأبكي أنا!!
стр. 1577
قدْ نفدَ الدَّمعُ فهلْ للغمامْ ... كدمعي إن زاد فيهِ الهيامْ
تفتنُ لكنْ لستَ تدْري الفِتنْ ... كذاك يؤذي كلُّ شيءٍ حسنْ
بهذهِ الروح وهذا البدَنْ ... تلقي مِنَ الناسِ سهامَ الضِغَنْ
لله ما أظلمَ تِلك السهمْ! ... ألم تُصب غيرَ فؤاد الغرامْ؟
تغفرُ جُرْمَ الناس إن أجرَموا ... منهم ولوْ تعلمُ ما أعلمُ
قد غنموا منكَ ولا تغنَمُ ... منهم ولوْ تعلمُ ما أعلمُ
خاصمتَهم عدلاً وإنَ الخصامْ ... أعدلُ ما يحبو الكرامُ اللئامْ
أبكيكَ أمْ أرثيكَ هلْ نافعُ ... دَمعٌ ونَوْحٌ والقضا واقعُ؟
هذا شقاءٌ ما لهُ دافعُ ... اسمعْ فإنَّ الله لي سامعُ
قلْ أيها الأرضُ عليكِ السلامْ ... تحية بالدَّمع لا بالكلامْ
ولي الدين يكن
صدى نشيد نهر الصفا
نشرنا في الجزء الماضي من الزهور شعراً منثوراً للكاتبة الفاضلة مي عنوانه نشيد نهر الصفا وفي الأبيات التالية صدى لذلك النشيد لشاعر ليس أنين الصفا بأحن من أنينه:
هلْ دَرَتْ ميُّ واللآليءُ تجري ... بحفيفِ النسيمِ بين الغصونِ
وهي في عالمِ الخيالاتِ سكري ... بمعاني فينوس أو أَبُّلونِ
أنَّ ورقاء ذلك النهرِ سرّاً ... سرقت كُنهَ سرِّها المدفونِ
ودَرَتْ ما وراءهُ من دموعِ ... ودرَتْ ما وراءهُ من شؤونِ
واستقلّت تُذيعُهُ من بلاد ... لبلادٍ حتى انتهت في الصين
стр. 1578
هاجها شجوُ أُخته وهي تُصغي ... لأنينِ الأرواحِ ريّاً الجفونِ
فهمتْها وقد تلاشت وتاهت ... روحُها بينَ نشوةٍ وحنينِ
ورأَتها تخطُّ أنيَ لغزٌ ... في ضمير الوجودِ غير مبينِ
فأَرفَّت بالجانحينِ وحنّت ... وأسرَّت إلى فتاةِ الشجونِ
لستِ لغزاً بعد الوجودِ ولكن ... كنتِ لغزاً من قبلما أن تكوني
غَيلان
هدية رأس سنة
جذبتني يومَ الخميسِ وقالتْ ... بعد يومين. . . قلتُ إنيَ أدري
بعد يومين يقبلُ العيدُ قالت ... والهدايا بين الأحبةِ تجري
قلتُ ذي عادةٌ فقالت وهل ... تفكرُ فينا؟ أجبتُ أنتِ بفكري
سوف أُهدي إليكِ من خالص الجو ... هرِ عقداً مرصعاً بالدرِّ
سوف أهدي إليكِ قرطاً ثميناً ... وبُروشاً مذهّباً للصدرِ
سوف آتيكِ بالخواتم عشراً ... تزدهي منكِ في أصابعَ عشرِ
سوف. . . قفْ قالت الفتاةُ وقد ... مالتْ بغضنٍ يزهو بطلعةِ بدرِ
مازحٌ أنتَ أو تقول إذن مِن ... أيّ أرضِ غنمتَ أو أي بحرِ؟
فتبسمتُ ثمَّ ملتُ قليلاً ... نحوها والهوى يشدُّ بأزري
وبلا إذنٍ قد نثرتُ بأذني ... ها كلاماً كأنهُ نثر زهرِ
إنما هذهِ الآلي ولا أن ... كرُ يا هندُ من خزائنِ شِعري
عند ذا افترَّ ثغرها ثمَّ قالت ... إن هذا اللسانَ آلةُ سحرِ
بشارة الخوري
стр. 1579
السيف والقلم والمحراث
كان محمد توفيق أفندي علي ضابطاً في الجيش المصري وهو شاعر من أكابر الشعراء فكان إذا خلا لنفسه من مهام الجندية استيقظ الشاعر الرقيق في صدر الجندي الباسل , وحلّ القلم في يمينه محل السيف فنظم تلك الدرر التي كان يهديها إلى الزهور ففي السودان آثر جنديته وفي الزهور آثار شاعريته. ولقد جاءنا منه أنه استعفي من الجيش وانقطع إلى مزرعة له مؤثراً صحبة المحراث على صحبة السيف والقلم فكتبنا إليه نستطلع أمره فكان جوابه أبيات الآتية:
لا السيفُ في مصر يرضيني ولا القلمُ ... كلاهما في يمين الحرِّ منثلمُ
جرَّدتُ سيفي وأقلامي وبي أملٌ ... واليومَ أغمدُها يأساً وبي ألمُ
نُريد بي الدهر لا تمَّتْ إرادتهُ ... ذلاًّ وفقراً ويأبى العزُّ والكرمُ
سأصرفُ العمرَ حُرّاً لا يقيّدُوني ... إلاّ التقى والنهى والمجدُ والشممُ
وأطلبُ المالَ لا زهواً ولا سرَقاً ... فإنما المالُ في أهل النهى ذممُ
وخيرُ ما يَقتني المصريُّ مزرعةٌ ... يشقى بها الفأسُ والمحراث والنَّعمُ
باللهِ يا سيفُ هل ضُمَّت عليك يدٌ ... في الرّوع مثلُ يدي والهولُ يحتدمُ
وهل سواي فتىً زانتك صحبتهُ ... يغشى بك الموتَ مختالاً ويقتحمُ
ألستَ كنت ترى جقَّ الرئاسة لي ... إن راحَ يخفقُ فوق الفيلقِ العلمُ
لكنَّ للدهرِ جيشاً من حوادثهِ ... إذا رآنيَ ولّي وهو منهزمُ
ويا يراعيَ أنَّ الصمتَ من ذهبٍ ... لا يسمعون وفي آذانهم صممُ
قد يسجنُ البلبلُ الغرّيد في قفصٍ ... وينعب لبومُ في الآفاقِِ والرّخمُ
للهِ بهجةُ حقلي ما يماثلها ... في حسنها السيفُ مصقولاً عليهِ دمُ
ويا سطوراً بمحراثي أدبجها ... لا يستقلَّ بها القرطاسُ والقلمُ
تفتّح الزهرُ منها عن مباسمهِ ... وراح يرتع فيها مقلةٌ وفمُ
هذا هو الخير معسولاً مواردُهُ ... هذا هو العيشُ إلاّ أنهُ حُلمُ
محمد توفيق علي
стр. 1580
أُولاه وأُخراه
ويَلي لحالة صبٍّ شطّ مغناهُ ... عن الأحبة لا بل ألف ويلاهُ
مضني الحشا والهٌ زاد الغرامُ بهِ ... ودمعهُ من دم الأحشاء مجراهُ
كم ليلةٍ باتَ يرعى النجمَ ناظرهُ ... طوراً وطوراً نجوم لأفق ترعاهُ
ذا مقلة للقا الأحبابِ ساهرةٍ ... يا حبذا لو ترى الإِغماضَ عيناهُ
لعلَّ طيفَ خيالٍ من أحبّته ... يزوره سَحَراً إن عزَّ مسراهُ
الله في مغرمٍ ذابت حشاشتهُ ... والسهدُ برَّحهُ والوجدُ أضناهُ
يهيمُ في كل وادٍ بادّ كاركمُ ... منهُ فؤادٌ لقد طارتْ شظاياهُ
رفقاً بمهجةِ صبٍّ ما له ولكم ... هجرتموه فزادت بعدُ بلواهُ
شكاكمُ بثّهُ مما ألمَّ بهِ ... من الغرامِ ولم تُصغوا لشكواهُ
ما أقبح الموت إلاّ في هوى رشإِ ... يهواكَ في الحبّ إخاصاً وتهواهُ
مُنايَ يا دمتَ في عزّ وفي سعةٍ ... وفي جنابٍ مربع طابَ مثواهُ
لو كنتَ تعلمُ في حالي وشقوتها ... وما أقاسيهِ من قومي وألقاهُ
أُدعي غريباً وإني بين أظهرِهم ... ولي بذي الحال في بغدادَ أشباه
فكلما قمتُ أدعوهم لنهج هدًى ... قاموا ينادونَ إياكم ودعواهُ
هذا هو الكافر المرتدُّ مذهبهُ ... أتى بدينٍ جديدٍ ما عرفناهُ
محرَّم ما وجدنا السالفين على ... منهاجه وعن الآبا أخذناهُ
إذاً عذرتَ فتىً وافى بمعذرةٍ ... والحبّ أولاهُ معروفٌ وأخراهُ
بغداد
كاظم الدجيلي
следующие страницы →