Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
المشهد الثاني
معسكر قرب سارديس. أمام خيمة بروتوس
يدخل بروتوس ولوسيليوس وجنود. يقابلهم تيتينيوس وبنداروس
بروتوس - يا هو! قف!
لوسيليوس - كلمة المرور! قف!
بروتوس - أي لوسيليوس. هل صار كاسيوس قريباً منا
لوسيليوس - قريب وها بنداروس قدم يبلغك تحيات مولاه
بروتوس - طابت تحياته. إن انقلاب حال مولاك يا بنداروس وسوء مشورة أتباعه جعلاني أندم على فعل ما قد فعلنا. أما وقد صار بالقرب منا فسأري غليلي الإكرام
لوسيلوس - جلملني وأكرمني ولكنهُ احتاط لنفسه في الحديث وتكتم على خاف عادتهِ
بروتوس - لقد وصفتَ صديقاً أخذت حرازةُ مودّته بالبرود. فإذا مرض الودُّ وسرى في عروقهِ الفساد لبس لباس الكلفة والمجاملة المفتعلة أما الحب الصحيح الفطريّ فخلوٌ من هذه الحيل. مَثل الفارغ من الرجال مَثلُ جود يجمح قبل إطلاق العنان فتتخيلُ القوة وراء طغيانهِ وزهوهِ فإذا ما أدميتَ جنينهِ ضرباً بالركاب ذَبل عرفُهُ وتبين لك عند التجربة برذوناً خدَّاعاً. أقادمٌ جيشهُ معه؟
لوسيليوس - الفرسان قادمون معهُ وهم معظم الجيش أما البقية فيبيتون الليلة في سارديس صوت مشي جيش عن بعد
стр. 1612
بروتوس - اسمعوا. إنهُ لقادم. هلموا لملاقاته يدخل كاسيوس بقوَّاته
كاسيوس - يا هو. قفوا
بروتوس - قفوا. يا هو. كلمة السرّ
الجندي الأول - قفوا
الجندي الثاني - قفوا
الجندي الثالث - قفوا
كاسيوس - لقد أسأتَ إليَّ الأخ النبيل
بروتوس - احكمي أيتها الآلهة بيننا. أيسيءُ إلى أصدقائهِ رجلٌ لا يقدر أن يسيءَ إلى أعدائهِ
كاسيوس - إن تحت ظاهرك الوقور كثيراً من الخطايا. فإذا ما اقترفها. . .
بروتوس - مقاطعاً رويدك كاسيوس رويدك وابدِ شكواك سرّاً لا جهراً فإني أعرفك حق المعرفة. لا يليق بنا أن نظهر أمام جيشينا بمظهر المتنافرين المتخاصمين لنمنعنّهم رؤية غير الألفة فيما بيننا. مُرْهم يتفرقوا ثمَّ تعال إلى خيمتي وأطل في وصف شكلويك فإني لكَ من السامعين
كاسيوس - بنداروس! مر القواد يرحلوا بجيوشهم قليلاً عن هذا المكان
بروتوس - افعل فعله يالوسيليوس. واحم خيمتنا عن كل قادم إلى أن نتمَّ حديثنا. دعْ لوسيوس وتيتينيوس يحرسا الباب يخرجون
المشهد الثالث
خيمة بروتوس. يدخل بروتوس وكاسيوس
كاسيوس - هاك ما أسأتَ إليَّ بهِ: إنك حقرتَ لوسيوس بيلاّ وعاقبتهُ على رشوةٍ أخذها من أهل سارديس فكتبتُ أشفع فيهِ إليك لأني أعرفهُ قازدريتَ الكتبَ وطرحتها جانباً
стр. 1613
بروتوس - أنتَ المسيء إلى نفسك إذ دافعتَ عن مثل هذه القضية
كاسيوس - لا يجمل بنا في مثل هذه الأحوال الحرجة إن تعاقب على مثل هذه الجرائم التافهة
بروتوس - بل أنتَ خليق بالعقاب يا كاسيوس لأجل يدك ذات الحكة ولأجل بيعك المناصب لغير الأكفاء
كاسيوس - أمثلي توصف يده بذات الحكة؟ وايمِ الآلهة لو لم يكن القائلَ بروتوس لكان هذا القول آخر كلامهِ
بروتوس - إن اسم كاسيوس يُلبس الرشوةَ لباساً من النبل فيغطّي القصاصُ رأسهُ ويتوارى
كاسيوس - القصاص!
بروتوس - اذكرْ شهر مارس. اذكرْ اليوم الخامس عشر منه. أما سال دم يوليوس الكبير انتقاماً للعدل؟ مَن مِن طاعنيه سَفُل فضرب إكراماً لغير الحق؟ ايهِ لكَ. أواحدٌ منا نحن الذين أردوا أعظم رجال العالم لتأييده الصوص يدنس يده برشوةٍ سافلة ويبيع شرفه الواسع الضخم بشيء زريٍّ يمسك بين الأصابع هكذا؟ إذن لتمنيتُ إن أكون كلباً يطاول القمر نباحاً ولا أكون ذلك الروماني
كاسيوس - لا تهيجني يا بروتوس فلن احتمل هذا منك. إنك تنسى نفسك فتحملني فوق طاقتي. أنا جنديّ أكثر منك اختباراً وأعظم كفاءةً وأحرى منك باشتراط الشروط
بروتوس - اذهب فما أنت بكاسيوس
كاسيوس - بل أنا هو
بروتوس - قلت لك لا
كاسيوس - لا تستفزَّ غضبي أو أنسى نفسي. احترس لنفسك ولا تبالغ في تحريضي
стр. 1614
بروتوس - عني أيها الرجل الخفيف
كاسيوس - لم يعد بالإمكان. . .
بروتوس - أصغِ لكلامي. فما أنا بحاسب حساباً لغضبك الطائش. أو أخاف تحديق رجلٍ مجنون؟
كاسيوس - ايهٍ أيتها الآلهة. أأطيق بعد كل هذا صبراً
بروتوس - نعم وأكثر من هذا. أرغ وأزبد حتى تشقَّ قلبك المتعجرف. اذهب إلى عبيدك أرِهم غضبك ودع أرقّاءك يرجفون خوفاً. أتظنني أكترث لك فأتهيبك أو أقف أمامك ذليلاً في حالة غضبك؟ وايم الآلهة إنك ستبتلع سُمَّ كيدك ولو أرداك. أما أنا فسأسخر بك بعد الآن وأجعلك أضحوكتي كلما اشتدّ غضبك
كاسيوس - أإلى هذا الحد انتهينا؟
بروتوس - أرِني إنك ذلك الجندي الذي يفوقني. أيّد دعواك بالحجة فاسرّ لك وأفرح. نعم إني أحب أن أتعلم من رجال النبل
كاسيوس - إنك تسيء إليَّ من كل الوجوه. ما ادَّعيتُ بأني جندي أفضل منك بل قلت إني
أكبر منك. هل قلت أفضل منك؟
بروتوس - وما يهمني لو قلت
كاسيوس - ما كان قيصر في حياته ليجسر على إغرائهِ
كاسيوس - لا أجسر؟
بروتوس - لا
كاسيوس - لا أجسر على إغرائه؟
بروتوس - لا. لم تجسر خوفاً على حياتك
كاسيوس - لا تحمّل صداقتي فوق وسعها فقد أفعل ما أندم عليهِ
стр. 1615
بروتوس - إنك قد فعلت ما يستوجب الندم. أي كاسيوس , تهديدك لا يخفيني فإني لا بس من أمانتي درعاً قويّة تردّه عني فيمرُّ بي الريح لا اعبأ بهِ. لقد أرسلت أطلب منك ذهباً فمنعته وأنا أعجز من جمع المال بطرقٍ سافلة. فو السماء! لأوثر أن أصكَّ فؤادي نقوداً وأسبك من دمي دراهم على أن أنزع من أيدي الفلاحين الخشنة أموالهم الزرية بغي حق. أرسلت أطلب منك مالاً أوزعه على جنودي فمنعت ذلك عني. أيليق هذا بكاسيوس: هل كنت أجيبه بهذا الجواب أنا؟ ايهٍ أيتها الآلهة. أرسلي زوابعك ومزّقيني إرباً إرباً إن كنت طمّاعاً أجلس عن أصدقائي مالاً حقيراً
كاسيوس - ما رددت طلبك
بروتوس - بل رددته
كاسيوس - لم أفعل. إن الذي نقل إليك الخبر لمجنون. قد مزَّقتَ فؤادي على الصديق ستر مساؤى صديقه أما بروتوس فيبالغ في ذكرها ويعظّم
بروتوس - لا. لا. بل أردها ردّاً إذ أراك توجهها إليَّ
كاسيوس - لم تعد تحبني
بروتوس - بل ذنوبك لا أحبّ
كاسيوس - عين الرضا كليلة عن كل عيب
بروتوس - بل عين للمداهن كليلة لا ترى الذنوب ولو علت علوّ الأولمب
كاسيوس - ايهٍ أنطونيوس. ايه أوكتافيوس. هلما انتقما من كاسيوس وحده الآن فقد ملَّ
الدنيا وعافتها نفسه. ها صديقهُ يكرههُ وأخوه لا يعبأ بهِ بل يسترقّهُ كالأسير يعدُّ هفواتهِ يسجلها عليهِ ويعيد ذكرها ويكررها فترسخ في ذهنهِ فيرمي بها وجه صديقه. ليتني أستطيع أن أذرف حياتي دمعاً. هاك خنجري. هاك صدري
стр. 1616
العاري صدراً يضمُّ قلباً أعزَّ من مناجم بلوتوس وأثمن من الذهب فانزعهُ مني إن كنتَ رومانياً فإن الذي أبى عليك الذهب يجود لكَ بقلبهِ. اطعّني كما طعنتَ قيصر فلقد كان في أشدّ ساعاتِ كرهك إياه أحبّ مني
بروتوس - ردَّ خنجرك إلى غمده. اغضب متى شئت فسأفح لك المجال. افعل ما تريد فإني أعدُّ مساوئك سليقةً فيك. ويحك كاسيوس. إن مثل نفسك الساذجة مثل حجر القدح يطير شراره إذا حُكَّ ثم يهمد ويبرد
كاسيوس - رجلاً سخرةً لصاحبه صرت. فالحزن وسرعة الغضب هيّجاني
بروتوس - أي كاسيوس. وأنا أيضاً كنت سريع الغضب عندما خاطبتك بتلك اللهجة
كاسيوس - أتعترف بذلك. هات يدك
بروتوس - وقلبي معها
كاسيوس - آه يا بروتوس
بروتوس - مالك؟
كاسيوس - أليس لي عندك ذرةُ حبّ تشفع بي عندما يشط بي خلقي الموروث عن أمي فأنسى نفسي
بروتوس - نعم. فإذا ما أسأتَ إليَّ بعد اليوم حسبتُ السببَ توبيخ أمك لك فأتركك حتى تهمد
الشاعر - ينادي من الخارج دعني أدخل لأرى القائدين. يلوح لي أن شقاقاً وقع بينهما فلا يجدر أن نبقيهما معاً
لوسيليوس - من الخارج لستَ بداخل عليهما
стр. 1617
الشاعر - من الخارج لا يمنعني إلاّ الموت. يدخل الشاعر يتبعهُ لوسيليوس وتيتينيوس ولوسيوس
كاسيوس - ما بالكم؟ ما الأمر؟
الشاعر - يا للعار أيها القائدان! ما تقصدان؟ كونا صديقين وليحب أحدكما الآخر فذلك أليق
بأمثالكم وأجدر. صدقاني. فإني عشتُ ورأيت سنين كثيرة
كاسيوس - هازئاً بهِ ما أرطن تلحينك يا مخالف سنن الناس!
بروتوس - اخرج يا غلام. اذهب أيها الوقح!
كاسيوس - رفقاً بهِ يا بروتوس فإنها لعادة بهِ
بروتوس - قد أرفق بهِ في غير هذا المكان فلكل مقم مقال وما شأن هؤلاء المجانين المتشاعر في الحرب؟ اخرج يا هذا
كاسيوس - اخرج. اخرج. اذهب يخرج الشاعر
بروتوس - مخاطباً لوسيليوس وتيتينيوس قولا لقواد الفرق يهيئون مراقد لجيوشهم الليلة
كاسيوس - ارجعا إلينا حالاً واحضروا مسلا معكما يخرج لوسيليوس وتيتينيوس
بروتوس - لوسيوس! إليَّ بكأسٍ من الخمر. يخرج لوسيوس
كاسيوس - ما ظننت الغضب يبلغ منك ما بلغهُ لآن
بروتوس - أي كاسيوس أسقمني كثرة أحزاني
كاسيوس - إن جعلت ليأس يتغلب عليك فقد أضعت حكمتك
بروتوس - ما حمل رجلٌ حزنه حملي. . . ماتت بورسيا
كاسيوس - بورسيا؟ آخ
بروتوس - ماتت
كاسيوس - وكيف نجوت أنا من القتل عندما أغضبتك. يا لفقد جارح غير محمول! كيف ماتت؟
стр. 1618
بروتوس - ماتت قلقاً لطول غيابي وحزناً على انتصارات أوكتافيوس وأنطونيوس. عندما علمت بالنصر أحرزاه أضاعت رشدها قم اغتنمت فرصة غياب خادماتها فذهبت إلى نار موقدة وابتلعتها
كاسيوس - أهكذا ماتت؟
بروتوس - هكذا
كاسيوس - رحماكِ أيتها الآلهة الخالدة يدخل لوسيوس بالخمر وبالمشعال
بروتوس - لا تعد لي ذكرها. أعطني كأساً من الخمر أدفن بها كلَّ غمّ وهمّ نخبك يا كاسيوس يشرب
كاسيوس - ما اظمأ قلبي لشرب نخبك النبيل. املأ يا لوسيوس حتى يفيض الخمر من الكأس فإني لا أرتوي مهما شربت حبّاً ببروتس يشرب
بروتوس - ادل يا تيتينيوس. يخرج لوسيوس ويدخل تيتينيوس ومسلّا أهلاً بمسلاّ تعالوا نجلس حول هذا المشعال نبحث في شؤوننا
كاسيوس - أكذا تذهبين يا بورسيا؟
بروتوس - رجوتك لا تزد. أي مسلاّ لقد تلقّيت كتباً تنبئ بزحف أنطونيوس وأكتافيوس علينا بجيشٍ عظيم ووجهتهم فيلبي
مسلاّ - جاءَني مثل هذه الكتب
بروتوس - ألم تزد لك شيئاً عن كتبي؟
مسلاّ - إن أوكتافيوس وأنطونيوس ولبدوس قتلوا مايةً من أعضاء مجلس الشيوخ واحد منهم
بروتوس - هنا اختلفت الرسائل. فعندي إنهم حكموا على سبعين بالقتل وشيشرون واحد منهم
كاسيوس - أشيشرون منهم؟
стр. 1619
مسلاّ - نعم قثتل شيشرون بأمرهم. هل أرسلتْ لك امرأتك كتاباً يا مولاي؟
بروتوس - لا يا مسلاّ
مسلاّ - ألم يرد ذكرها في الكتب التي جاءتك
بروتوس - لا. لم يرد شيء
مسلاّ - هذا غريب
بروتوس - ولما تسأل؟ هل جاءك نبأ عنها؟
مسلاّ - كلا يا مولاي
بروتوس - أستحلفك برومانيتك أن تصدقني الخبر
مسلاّ - فاسمعْ وتلقَّ الخبر الحقَّ كروماني. إنها ماتت وكان موتها غريباً
بروتوس - وداعاً يا بورسيا وداعاً. كلنا مسوقون للموت يا مسلا ولا يعزيني عن فقدها إلاّ اعتقادي بأنهُ لم يكن لها عن الموت مندوحة
مسلاّ - وكذا يتحمل عظماء الرجال المصائب العظام
كاسيوس - ليس في استطاعتي احتمال مثل مصابك رغم تسليم عقلي وعلمي بصحة أقوالك
بروتوس - دعنا من هذا. وهيوا بنا إلى العمل! ما تقولان في زحفنا على فيلبي في الال
كاسيوس - لا أظنهُ صواباً
بروتوس - والسبب؟
كاسيوس - هاكهُ: خيرٌ لنا أن يتولى العدوُّ خطة الهجوم فتهك قوى جنده
стр. 1620
وتُبدَّد ذخيرتهُ ويصيبهُ الضرّ. أما نحن فنتربص مكاننا متوفرة لنا أسباب الراحة والدفاع وسهولة الحركة
بروتوس - أفضل من هذا الرأي الصائب رأيٌ أفضل منهُ. إن الأهالي القاطنين بين فيلبي وبيننا لا يضمرون لنا الودّ الصحيح بل حاقدون علينا للضرائب التي ابتززناها منهم فإذا ما سار العدوُّ فيهم قادماً إلينا انضموا إليهِ فيزداد بهم عدداً وقوةً وإقداماً. أما إذا سبقنا العدوَّ إلى فيليبي فإننا نمنع عنهُ هذه الميّزة ونحول بينه وبينهم
كاسيوس - سمعك يا أخي
بروتوس - اذكرْ إننا قد جمعنا كلَّ ما يمكننا جمعهُ من جيشَ وعدَّة وبلغ استعدادنا مداه فلم يبقَ لنا بعد هذا الصعود إلاّ النزول. أما العدوُّ فيزداد يوماً بعد يوم. إن أعمال الناس مدّاً إذا ركبوه في أُبانهِ سار بهم إلى الفلاح أما إذا تباطئوا وأهملوه فإنهم يبقون كلَّ رحلتهم في رقراقٍ من التعاسة. نحن الآن عائمون في أعلا مدّ البحر فلنسر مع التيار في سبيله وإلاّ أضعنا فرصتنا
كاسيوس - فليكن ما تريد ولنذهب لملاقاة الأعداء في فيليبي
بروتوس - زحفَ علينا سواد الليل ونحن غارقون في الكلام. لابدَّ للطبيعة إن تأخذ مجراها فلنرضها بقليل من النوم. هل لكم من كلامه تقولونهُ؟
كاسيوس - لا. طاب ليلك. سنبكّر غداً في القيام ثم نرحل
بروتوس - (منادياً الخادم لوسيوس! يدخل الخادم أعطيني جلبابيّ. يخرج الخادم وداعاً مسلاّ. طاب ليلك يا تيتينيوس. وأنتَ أيها النبيل كاسيوس أتمنى لك نوماً هنيئاً
كاسيوس - لقد بدأنا ليلتنا بالخصام أيها العزيز بروتوس فإياك أن تدع مثل ذاك الشقاق
يحول بيني وبينك بعد الآن
стр. 1621
بروتوس - عادت الأمور إلى مجاريها
كاسيوس - مُسيت بالخير
بروتوس - وأنت أيها الأخ العزيز
تيتينوس ولوسيليوس - طاب ليلك أيها المولى بروتوس
بروتوس - وداعاً جميعاً يخرج لجميع عدا بروتوس يدخل لوسيوس بالجلباب
بروتوس - هاتِ الجلباب. أين آلةُ الطرب؟
لوسيوس - هنا في الخيمة
بروتوس - ما بالك تتكلم ناعساً. مسكين لا لوم عليك فقد أضناك الوقوف للحراسة. ادعُ كلوديوس وادع معهُ غيره يناموا هنا على فُرشٍ في خيمتي
لوسيوس - فارو! كلوديوس! يدخلان
فارو - هل نادي مولاي؟
بروتوس - اضطجعنا في الخيمة فقد أنهضكما عما قليل وأرسلكما إلى أخي كاسيوس
- عفوك. بل نبقى واقفين نتلقى أوامرك
بروتوس - لا. لا أريد ذلك بل اضطجعنا وإلاّ غيّرتُ فيكما ظني مخاطباً لوسيوس ها الكتابُ الذي طلبتهُ منك يا لوسيوس فإني في جيب جلباني. يضطجع كلوديس وفارو
لوسيوس - أكدتُ لمولاي أنهُ لم يعطينه قط
بروتوس - لا تؤاخذني يا غلام فإني كثير النسيان. هلاّ فتحتَ عينيك المتثاقلين قليلاً وعزفتَ على الآلة أو دقتين
لوسيوس - أمرك مطاع يا مولاي
بروتوس - إني أتعبك فوق طاقتك ولكنك مطواع
стр. 1622
لوسيوس - ذلك واجب عليّ
بروتوس - يجب ألاّ أسألك فوق ما تستطيع فإن دم السباب يتطلب الراحة
لوسيوس - لقد نمت منذ هنيهةٍ يا مولاي
بروتوس - حسناً فعلت وستنام عما قليل أيضاً فلست بممسكك طويلاً. وسأحسن إليك إن
عشتُ عزف على الآلة لحنٌ منوّم ينام الخادم يا لك من نعاسٍ قتّال. هل لمست غلامي بعصاك الثقيلة فأنمتهُ على أوتاره. هنيئاً لك النوم يا غلام فلست بمزعجك وموقظك. إن كبوتَ لوجهك كسرت آلتك. سآخذها منك. طاب ليلك يا غلام يعود للقراءة في كتابه الم أطوِ الورقة عندما انقطعت عن القراءة. دعني أرَ. ها هي يدخل خيال قيصر ما أردأ نور هذه الشمعة. ها! من القادم؟ إن ضعف عينيَّ يصوّر لي هذا الخيال المزعج لقد جاء عليّ. من أنت؟ آله؟ أم مثلك؟ أم شيطان؟ فقد برّدت الدم في عروقي وأوقفت شعر رأسي. يتكلم من أنت؟
الخيال - ولمَ أتيت؟
الخيال - لأخبرك أنك ستراني في فيليبي
بروتوس - أأراك مرةً أخرى؟
الخيال - نعم في فيليبي
بروتوس - إذن سأراك في فيليبي يخرج الخيال لقد هدأ روعي إذ اضمحليت سيكون لي معك شأن أيها الخيال المشوم
لوسيوس! يا غلام! فارو! كلوديس! انهضوا جميعاً
لوسيوس - الأوتار رديئة يا مولاي
بروتوس - يظن أنهُ لا يزال يضرب على الأوتار. أفق يا لوسيوس
стр. 1623
لوسيوس - مولاي
بروتوس - هل كنت تحلم عندما صرخت في نوك؟
لوسيوس - ما علمت إني صرخت يا مولاي
بروتوس - نعم صرختَ. هل رأيت شيئاً؟
لوسيوس - لا يا مولاي
بروتوس - عد إلى نومك يا لوسيوس. كلوديس! وأنت يا غلام انهض!
فارو - مولاي
كلوديس - مولاي
بروتوس - لماذا صحتما في نومكما؟
الاثنان معاً - هل فعلنا ذلك يا مولاي
بروتوس - نعم. هل رأيتما شيئاً
فارو - لم أرَ شيئاً يا مولاي
كلوديس - ولا أنا يا مولاي
بروتوس - اذهبا لكاسيوس بلّغاه سلامي وقولا له يُعدّ جيوشه ويتقدمنا فسنلحق بهِ
الاثنان - سنفعل يا مولاي
стр. 1624
الفصل الخامس
المشهد الأول
سهول مدينة فيليبي. يدخل أوكتافيوس وأنطونيوس بعساكرهما
اوكتافيوس - ها قد تحققتْ اوكتافيوس وأنطونيوس. قلتَ إن الأعداء لا ينزلون لملاقاتنا بل يلازمون المرتفعاتِ والتلال فخاب ظنك. ها كتائبهم تقترب وغرضهم مفاجئتنا القتال قبل أن ندعوهم إليهِ
أنطونيوس - اسكت. أنا في ضمائرهم وأعلم لأي غرض يرمون. يودّون لو أتيح لهم الذهاب إلى غير هذه الأماكن ولكنهم ظنوا أنهم يخيفوننا بهذه المظاهرات الهائلة فنتوهمهم على شجاعةٍ وقوةٍ عظيمتين. ساءَ ما يخمّنون يدخل ساعٍ
الساعي - تهيأا أيها القائدان فالعدوُّ قادم بمظهر فخمٍ رافعاً راية حربه الحمراء فبداراً إلى العمل
أنطونيوس - اوكتافيوس! تقدَّم بجيشك على مهلٍ وكن على يسار الميدان
اوكتافيوس - بل سألزم الميمنة وألزم أنتَ الميسرة
أنطونيوس - أتقاومني والموقف حَرج
اوكتافيوس - لا أقاومك ولكني سأفعل ما قلتُ سير جنود في الخارج
صوت طبلز يدخل بروتوس وكاسيوس بعساكرهما ولوسيليوس وتيتينيوس ومسلاّ وآخرون
بروتوس - ها هم واقفون وأظنهم يرغبون في المداولة
كاسيوس - ألبث مكانك يا تيتينيوس فسنخرج إليهم ونكلمهم
اوكتافيوس - هل نبدأ القتال يا أنطونيوس؟
أنطونيوس - لا بل نلزم خطة الدفاع. تقدّم فإن قوادهم يرغبون في المداولة
стр. 1625
اوكتافيوس - لا تتحركوا وانتظروا إشارة القتال
بروتوس - الكلام قبل امتشاق الحسام. أليس كذلك بني وطني؟
اوكتافيوس - ليس لأننا مثلكم نفضل الكلام على الحسام
بروتوس - الكلام الطيب خير من الضرب الخائب يا اوكتافيوس
أنطونيوس - إنك تلحق ضرباتك الخائبة بكلامٍ طيب يا بروتوس فبينا أنت تنادي ليحي قيصر إذا بك تطعنه الطعنة النجلاء قلبه
كاسيوس - أما شرباتك يا أنطونيوس فلم نعلم وجهتها بعد ولكننا نعلم عن كلامك أنهُ يسرق من النحل شهدها
أنطونيوس - لكنه يُبقي على إبَرها
بروتوس - نعم ويحرمها طنينها فأنك سرقتهُ منها وانتحلتهُ لنفسك فصرت تتهدد قبل أن تلسع
أنطونيوس - أنا أنتم أيها الأنذال فلم تتهدوا قيصر قبل أن تكسّرت نصالكم بعضها على بعض في جسده. بل كشرتم عن أسنانكم كالقردة وتذللتم كالكلاب وانحنيتم تقبلون أقدامه كالعبيد بينا كاسكا اللعين كالكلب من الوراء يضربه في عنقه. يا لكم من مداهنين!
كاسيوس - مداهنون؟ أحمد نفسك يا بروتوس الآن فلم يكن هذا اللسان ليسيء بمثل سللت سيفي على المتآمرين فمتى تظنونه يرجع إلى غمده؟ ليس براجع قبل أن يثأر جراح قيصر الثلاثة والثلاثين أو يسقط قيصر آخر بسيوف الخائنين
بروتوس - أي قيصر إنك لن تموت بيد الخائنين إلاّ إذا كنت قد أتيت بهم في صحبتك
стр. 1626
اوكتافيوس - صحيح فإني لم أخلق لأموت بسيف بروتوس
بروتوس - لو كنتَ خيرَ من قام في عشيرتك أيها الشاب لما لقيتَ موتاً أشرفَ من موتٍ يجيئك على يدي
كاسيوس - ولدٌ غرٌّ طائش لا يستأهل الشرف يصحبهُ مراء منغمسٌ في الملذات
أنطونيوس - لا تزال كما كنتَ كاسيوس الأحمق السفيه
اوكتافيوس - هلمَّ بنا يا أنطونيوس. وأنتم أيها الخونة إن أعجبكم القتال اليومَ فانزلوا إلى
ساحتهِ أو تربصوا تى تميلَ إليهِ نفوسكم يخرج اكتافيوس وأنطونيوس وعساكرها
كاسيوس - اعصفي أيتها الرياح الآن وأزبدي أيتها الأمواج ولتشقَّ السفينةُ عبابكِ. ها قد اشتدت الأنواء وصار القول الفصل للأقدار
بروتوس - لوسيليوس! تعال. لي كلمة أسرّها إليك
لوسيليوس - مولاي يتهامسان
كاسيوس - مسلاّ
مسلاّ - أمرك أيها القائد
كاسيوس - اسمع يا مسلاَّ هذا يوم ميلادي. في مثل هذا اليوم وُلد كاسيوس هات يدك واشهد أني مثل بومباي قد أُرغمتُ على خوض غمار معركةٍ فاصلةٍ يتوقفُ عليها كياننا
إنك تعرفيني تلميذاً لا بيقورس ولمذهبه. أما الآن فقد تغيّرتُ وصرت اعتقد بنبؤات الأشياء فأنّا عندما رحلنا عن سارديس في طريقنا إلى هنا تبعنا نَسرانِ قويّان وسقطا على قوائم راياتنا الأمامية وظلاّ يرافقاننا ويتناولان طعامهما من أيدي
стр. 1627
عساكرنا حتى بلغنا فيليبي فطارا واختفيا عن الأبصار وجاءتنا بدلاً منهما العقبان والغربان والأصقر تحوم على رؤوسنا كأنها ترقب فينا فريسة هالكة وتمدُّ لنا من ظلال أجنحتها كنفاً مخيفاً يبيت جيشنا تحته متأهباً للموت
مسلاّ - لا تصدق هذه الأمور
كاسيوس - لا أصدّقها إلاّ بعض التصديق فإني عقدت النية على ملاقاة الأخطار بصدر رحيب
بروتوس - وهو كذلك يا لوسيليوس
كاسيوس - أي بروتوس كليّ النبل ليت الآلهة تقف في صفوفنا وننتصر فنعيش ما بقينا بسلام متحابين. ولكنَّ أعمالنا في سرّ الغيب فقد يقع لنا شؤم الانكسار وهذا آخر كلام بيننا فما الذي عزمتَ عليه أن انكسرنا
بروتوس - أتمسك بالمبدأ الحكيم الذي لمتُ كاتو على مخالفته إذا انتحر , وأتدرّع بالصبر مترقباً أحكام القوى العليا في شؤوننا الدنيا لأني أرى من الجبن والدناءة تعجيل امرئ في القضاء على نفسه فراراً من وقوع ما يخشاه
كاسيوس - فإذا دارت علينا الدائرة رضيت لنفسك أن يقودك المنتصرون في شوارع رومه؟
بروتوس - لا يا كاسيوس. لا يا ابن رومه. إن بروتوس لن يساق إلى رومه أسيراً. إنهُ أأبى من ذلك نفساً. اليوم خاتمة أعمال بدأنا بها في خامس عشر مارس ولست أدري إن كان يُتاح لنا لاجتماع بعد. لذلك أودعك الوداع الأخير. الوداع , الوداع يا كاسيوس. إن قُدّر واجتمعنا فسيكون اجتماعنا محظوظاً وإلاّ فأكون قد ودعتك وداعاً جميلاً
стр. 1628
كاسيوس - الوداع. الوداع يا بروتوس إن قدّر واجتمعنا فسيكون اجتماعنا محظوظاً وإلاّ فأكون قد ودعتك وداعاً جميلاً
بروتوس - هلمَّ بنا. آه لو استطعنا علم ما يكنّه لنا هذا اليوم قبل مجيئه. إنما حسبنا أنهُ سينقضي وحينذاك تعلم النتيجة. هيا بنا يخرجان
المشهد الثاني
ساحة القتال. صوت بوق. يدخل بروتوس ومسلاّ
بروتوس - أسرع يا مسلاّ. امتطٍ جوادك واذهب بأوامري إلى الجنود المرابضة على الجانب الآخر. ليهجموا في الحال فإني ألحظ الضعف بادياً على جناح اوكتافيوس فإذا فاجأناه بصدمة قوّية تضعضع وتشتت شمله. اركب وأسرع يا مسلاّ دع الجميع يهجموا يخرجان
المشهد الثالث
ناحية أخرى من ساحة القتال. صوت بوق. يدخل كاسيوس وتيتينيوس
كاسيوس - ويل لهم يا تيتينيوس. ويل لهؤلاء اللئام كيف ولّوا الأدبار , هاك حامل رايتي رأيتهُ يتأهب للفرار فانقلبت عدوّاً له فقتلتهُ وخلصتُ الراية
تيتينيوس - لقد تسرَّع بروتوس بالهجوم وعندما رجحت كفّتهُ كفّة اوكتافيوس توغل جيشه في السلب وتخلّفوا عن نجدتنا تاركين أنطونيوس يحيق بنا. يدخل بنداروس
стр. 1629
بنداروس - فراراً مولاي. ابتعد عن هذا المكانز أنطونيوس في خيامك أسرع أيها النبيل كاسيوس وابتعد
كاسيوس - إننا بُعد كافٍ. انظر تيتينيوس. أخيامي هذه التي أرى النار مشبوبةً فيها
تيتينيوس - خيامك يا مولاي
كاسيوس - إن كنت تحبني يا تيتينيوس فاركب جوادي واغمد مهمازيك في جنبيهِ إلى أن يبلغ بك تلك الكتائب المقبلة. تبيَّنها وعد إليَّ واخبرني أمِن الأصدقاء أو من الأعداء هي
تيتنيوس - سأعود إليك بأسرع من مرّ الفكر يخرج
كاسيوس - وأنتَ يا بنداروس أرقَ قمة هذه الرابية وارقب تيتينيوس في سيره وانقل إليَّ ما تراهُ في ساحة القتال فإني لم أكن حادَّ البصر قط. يصعد بنداروس إلى الرابية ويبقى كاسيوس وحده في مثل هذا اليوم ولدتُ. دار بي دولاب الزمان دورته فحقَّ لي أن أنتهي حيثُ ابتدأتز لقد أكمل جواد حياتي شوطه. ما الخبر يا غلام؟
بنداروس - من عل الرابية آه يا مولاي!
كاسيوس - ما الخبر؟
بنداروس - أرى فرساناً تسرع لتحيط تيتنيوس ولكنهُ لا يزال جادّاً نحوهم كادوا يأخذونهُ. لقد ترجل بعض منهم. ترجل هو أيضاً. لقد أسروه. اسمع. إنهم يهتفون فرحاً هتاف في الخارج
كاسيوس - انزل وكفَّ عن النظر. ما أجبنَ قلبي. أأعيش لأرى أعزَّ أصدقائي يؤخذ أمامي؟ ينزل بنداروس اقترب يا غلام. إني أخذتك أسيراً في بارثيا ولكي أبقي على حياتك جعلتك تغلط لي الإيمان أن لا تخالف لي أمراً. تعال
стр. 1630
واوفِ بقسمك الآن وكنّ حرّاً. اطعن صدري بهذا السيف الذي مزَّقتُ بهِ أحشاء قيصر. لا تتردَّد. خذْ مقبضهُ في يدك فإذا ما غطّيتُ وجهي سدّدْ ساعدك واطعن. (يطعنه العبد ها قد تُئرتَ يا قيصر الآن بنفس السيف الذي أرداك يموت
بنداروس - لقد أصبحتُ حرّاً. فو اللهِ لآثرتُ العبودية لو استطعتُ عصيان أمرهِ. واكاسيوه! سيرحل بنداروس عن هذه البلاد إلى حيث لا تراه عينُ رومانيّ يخرج
يدخل تيتينيوس مع مسلاّ
مسلاّ - الحرب سجال يا تيتينيوس فقد قهر بروتوس اوكتافيوس وفازت جنود أنطونيوس على كاسيوس
تيتينيوس - ستسرّ هذه الأنباء قلب كاسيوس
مسلاّ - أين تركته
تيتينيوس - في يأس شديد مع عبده بنداروس على هذه الرابية
مسلاّ - أليس هو ذاك المضطجع على الأرض؟
تيتينيوس - ما هكذا تضطجع الأحياء. واهٍ يا قلبي
مسلاّ - أهذا هو؟
تيتينيوس - بل ما كان هو. لم يعد كاسيوس بموجود. ايهٍ أيتها الشمس الغاربة لقد غاب كاسيوس في دمه القاني كما تغيبين أنتِ وسط أشعتك الحمراء. غربت شمس رومه وتبدّل نهارنا بغيوم وأمطار وأخطار. قضي الأمر. إن تيقّنه اندحاري دفعه إلى هذا العمل
مسلاّ - بل شكُّهُ في الانتصار قد دفعه إلى هذا العمل! ويحك أيها الخطأ المبغوض يا ابن اليأس؟ لِما تضع تصورات مكذوبة في عقول الناس السليمة؟
стр. 1631
ويحك ما أسهل مجيئك! إنك لا تغشى السرير مبشراً بميلاد مبخوت حتى تنذر بموت الوالدة!
تيتينيوس - بنداروس! أين أنت؟
مسلاّ - ابحث عنه ريثما اذهب لملاقاة بروتوس أخرق أذنيه بهذا النبأ الأليم. نعم أخرق أذنيه. فوقع السيوف القاطعة والسهام المسمومة أسهل على بروتوس من خبر هذا المنظر
تيتينيوس - أسرع يا مسلاّ أما أنا فسأبحث عن بنداروس يخرج مسلاّ واكاسيوس الشجاع! لما بعثتني رسواً؟ إني لقيت أصدقاءك فضفروا لي إكليل النصر أحمله إليك! أما سمعت هتاف فرحهم؟ ويحي إنك أسأت تأويل كل شيء! هاك الإكليل. ضعه على جبينك. أخوك بروتوس أمرني أن أعطيكه وها أنا منفذ أمره. تعال يا بروتوس وانظر كيف توجّتُ كاسيوس. غفرانكِ أيتها الآلهة الآن! إن واجباً رومانياً قد دعاني. تعال يا سيف كاسيوس فتش عن قلب تيتينيوس ينتحر
صوت بوق. يدخل مسلاّ ومعهُ بروتوس وكاتو الشاب وستراتو وفولمنيوس ولوسيليوس
بروتوس - أين أين جثتهُ يا مسلاّ؟
مسلاّ - هناك يندبها تيتينيوس
بروتوس - أرى تيتينيوس مستلقياً على ظهره!
كاتو - ميت!
بروتوس - أي يوليوس قيصر! ألا تزال قديراً. أيطوف بنا خيالك فيحدّد سيوفنا لنمزّق بها أحشاءنا؟ صوت بوق ضعيف
كاتو - لله درُّك يا تيتينيوس الشجاع! انظر كيف كلّل رأس كاسيوس
стр. 1632
بروتوس - أبلقٍ في الرومان اثنان كهذين؟ وداعاً يا آخر أبناء رومه! إن رومه لضنينة بمثلك! أي أخواني. إني مدين لهذا الراقد بأكثر مما تروني أذرف من الدمع. سأفيك حقك يا كاسيوس سأفيكه. هلموا الآن وأرسلوا جثته تدفن في ثاسوس فإني أخشى انحلال عزيمتنا إن نحن أقمنا مأتمه بيننا. تعال يا لوسيليوس وأنت يا كاتو هلمَّ إلى ساحة القتال. أعدَّا كتائب الجيش يا لابيو وفلافيوس فإنما الساعة الثالثة الآن ولا بد من خوض غمار معركة ثانية قبل حلول الظلام يخرج الجميع
المشهد الرابع
ناحية أخرى من ميدان القتال. صوت بوق. يدخل جنود من الفريقين يتحاربون ثم يدخل بروتوس وكاتو ولوسيليوس وآخرون
بروتوس - اثبتوا قليلاً بعد يا أبناء وطني. ارفعوا رؤوسكم وانشطوا
كاتو - لقيطٌ لئيمٌ من يتخلَّف! مَنْ يتبعني؟ سأكرُّ منادياً باسمي في ساحة الطعان وأنتسب! أنا ابن ماركوس كاتو! عدوُّ الظالمين وصديقُ وطني! أنا ابن ماركوس كاتو! أنا هو! يهجم على الأعداء
بروتوس - وأنا بروتوس! ماركوس برتوس أنا! بروتوس صديق رومه الحميم! اعلموا أني بروتوس! يهاجم قسماًَ من جنود الأعداء فيفرّون ويتبعهم. ويتكاثر الجمع على كاتو. يطعنهُ أحدهم فيقع ميتاً
لوسيليوس - أسقطتَ يا كاتو الشابّ النبيل؟ ما أشبهَ موتك بموت تيتينيوس الشجاع! إننا سنكرمك يا ابن كاتو
جندي - يهجم على لوسيليوس سلّم وإلاَّ متَّ!
стр. 1633
لوسيليوس - إني أسلّم كي أموت. يعطينه نقوداً هذا كلهُ لك إن أنتَ عجَّلت في قتلي! اقتل بروتوس فتنال شرفَ قتله!
الجندي - لا نقتله , بل نأخذه أسيراً
جندي أخر - افسحوا مجالاً. بلّغوا أنطونيوس أسر بروتوس
الجندي الأول - سأنقل الخبرَ. ها قد جاء القائد يدخل أنطونيوس لقد أسرنا بروتوس يا مولاي. لقد أسرنا بروتوس!
أنطونيوس - أين هو؟
لوسيليوس - في حرزٍ أمين يا أنطونيوس. إن بروتوس لأمنعُ من أن يقعَ لكم. ما من عدوٍّ يستطيع أخذه حيّاً. لتحرسهُ الآلهة من مثل هذا العار العظيم فإذا ما لقيتموهُ إن حيّاً أو ميتاً تلقونهُ هو وأشبهَ الناس بنفسهِ!
أنطونيوس - لجندي ليس هذا بروتوس يا صاح ولكنهُ لا يقلُّ عنهُ قيمةً. احتفظوا بهِ وقولوا له قولاً ليناً. ليت مثل هؤلاء الرجال أعواني لا أعدائي. اذهبوا ابحثوا عن بروتوس. أحيٌّ هو أم ميت. ثم تعالوا قصّوا علينا الخبر في خيمة اوكتافيوس يخرج الجميع
المشهد الخامس
ناحية أخرى من ميدان القتال
يدخل بروتوس ودارنيوس وكليتوس وستراتو وفولمنيوس
بروتوس - تعالوا يا بقيةَ إخواني نجلس إلى هذه الصخرة
كليتوس - لاح لنا ستاتيليوس بمشاله ولكنهُ لم يرجع بعد فقد يكون أُسر أو مات
بروتوس - لقد راج الموتِ اليوم وأصبح لفظهُ مألوفاً. اقعد يا كليتوس
стр. 1634
وأصغ لي قليلاً يكلمهُ همساً
كليتوس - ماذا؟ أنا يا مولاي؟ لا ولو أعطيتُ ملك العالم!
بروتوس إذن فاسكت. اسكت لا تتكلم
كليتوس - بل أوثر قتل نفسي
بروتوس - اسمع يا داردانيوس يكلمهُ همساً
داردانيوس - أأنا أقدم على هذا العمل؟
كليتوس - داردانيوس!
داردانيوس - كليتوس!
كليتوس - أيّ شرٍّ طلب منك بروتوس عمله؟
داردانيوس - أن أقتله. انظر إنهُ شارد الفكر
كليتوس - لقد طفح هذا الإناء الشريفُ حزناً ففاض من عينيهِ
بروتوس - تعال أيها الطيب فولمنيوس. لي كلمةٌ أقولها لك
فولمنيوس - ماذا يريد مولاي؟
بروتوس - هاك ما أريد. لقد زارني طيفُ قيصر مرتين في الليل مرةً في سارديس وأخرى الليلة هنا في فيليبي. لقد جاءت ساعتي
فولمنيوس - لا. لا يا مولاي
بروتوس - بل أنا واثق من قربها. قد انقلب الزمانُ علينا ودحَرَنا الأعداء حتى حافةِ الهوَّة فصار الأليقُ بنا أن نثبَ نحن إليها من أن نتربص حتى نُقذفَ قذفاً. أنتَ رفيقي يا فولمنيوس وقد كنا معاً في المدرسة. فبحقِّ الوداد القديم هلاّ أمسكتَ سيفي فأرتمي عليهِ
فولمنيوس - ما تلك بمهمة صديق يا مولاي صوت بوق
كليتوس - الفرار الفرار يا مولاي! لا مقام هنا بعد
стр. 1635
بروتوس - الوداع يا كليتوس. الودع يا داردانيوس. الوداع يا فولمنيوس. ستراتو! أكنت مستغرقاً في النوم كل هذه المدة؟ وداعاً لك. أي أبناء وطني! إن قلبي ليطرب عندما أراجع كل تاريخ حياتي فلا أرى رجلاً لم يكن يخلص لي ولذلك حقَّ لي الفخر هذا اليوم مع الانكسار أكثر من اوكتافيوس وأنطونيوس بالانتصار. الوداع الوداع فقد نطق لساني بكل ماضي حياتي. إن الظلام يغشى عينيَّ وعظامي تتنطلب الراحة التي كانت تسعى لنيلها
صوت بوق وأصوات اهربوا اهربوا
كليتوس - أهرب يا مولاي أنجُ
بروتوس - اخرجوا أنتم سألحق بكم يخرج كليتوس وداردانيوس وفولمنيوس
ابقَ أنت يا ستراتو بقرب مولاك. إنك لعبدٌ بارّ اصطبغت حياتك بصبغة الشرف. أدر وجهك عني وأمسك لي سيفي أقع عله \ يهِ. افعل يا ستراتو
ستراتو - هات يدك أولاً. الوداع يا مولاي
بروتوس - الوداع أيها الطيب ستراتو يقع على سيفه نم مستريحاً يا قيصر الآن فإني لم
أقدم على قتلك بنصف العزم الذي أقدمتُ بهِ على قتل نفسي يموت
صوت بوق. يدخل اوكتافيوس وأنطونيوس ومسلاّ ولوسيليوس والجند
اوكتافيوس - من الرجل
مسلاّ - هو عبد مولاي. أين مولاك يا ستراتو؟
ستراتو - حرٌّ من مثل العبودية التي أنت فيها مسلاّ. فلن يستطيع المنتصرون إلاّ إحراقهُ الآن فقد انتصر على نفسه ولم يدع لغيره شرف القضاء عليه
لوسيليوس - وكذا كان رجاؤنا فيهِ. شكراً لك يا بروتوس فقد حققت قولي فيك
اوكتافيوس - سأُلحق بي كلَّ من كان في خدمة بروتوس. أتبذلُ سعيك لي يا غلام؟
стр. 1636
ستراتو - أقبل إذا شفع مسلاّ بي لديك
اوكتافيوس - اشفع بهِ يا مسلاّ
مسلاّ - كيف مات مولاي يا ستراتو؟
ستراتو - مسكتُ له السيف فوقع عليهِ
مسلاّ - خذه إليك يا اوكتافيوس خذ إليك من قام بآخر خدمة لمولاي علته بقيصر العظيم لحسدٍ وغيرة. أما هو فانضمَّ إليهم ابتغاء مصلحة الأمة وإرضاءَ لمعتقده الشريف. ما أكرم حياته وما أشرف عنصره. إن الطبيعة نفسها تنادي بأعلى صوتها وتقول ذلكم رجل كامل
أنطونيوس - فليكن إكرامنا له على قدر فضيلته وندفنهُ باحترام عظيم. أما الليلة فستبيتُ جثتهُ في خيمتي موضوع الإكرام العسكريَ نادوا بالجيوش تسترحْ وهلموا بنا نتقاسم مفاخر هذا اليوم السعيد يخرجون
стр. 1637
العدد ٣١ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩١٣
الجمهورية الفرنساوية
رئاسة ريمون بوانكاره
رجلٌ من الشعب صار ملكاً. لم يصر إليهِ الملك بالإِرث عن والديه , بل صار هو إلى الملك بجدّه واستحاقه. هنيئاً للشعب الذي يفسح المجال لكلّ كفوءٍ أن يكون ملكاً. ولدت فرنسا ملوكاً عظاماً. بل لعلَّها ولدت أعظم ملوك التاريخ الحديث. ما كانت قط عاقراً , ولا دبَّ إليها العُقم في الزمن الأخير. غير أن تمدّنها كان يمشي حثيثاً إلى الكمال مشيةَ أخلاقها إلى السموّ , وعلمها إلى الارتقاء. وإن يكن قد قام فيها قَتلهُ لويس السادس عشر وماري أنطوانت , فقد قام فيها بعدهم محرّر والأمم من الرق , ومطلقو الممالك من قيود الملوك , ومعلّمو الشعوب حقوق الشعوب. هذه الحكومة التي استهلّت الأمة رئاستها برجل كتياريس لم يولد ملكاً , ولا ورث الملك وراثةً؛ ثم تنقلت بها من رئيس إلى رئيس ,
стр. 1638
حتى وضعتها بين يدي بوانكاره إنما هي النموذج الأول لما سيصير إليه حكم الأمم في المستقبل البعيد. إن شعبناً استطاع أن يكون في يومهِ , مثال جميع الشعوب في غدها , لهو الشعب الذي يجب على العالم أن ينحني أمامه باحترام.
في السابع عشر من شهر يناير ك٢ الماضي انعقد المجلس الوطني الفرنساوي في قصر فرسايل على مقربةٍ من باريس , وانتخب مسيو رَيمون بوانكاره رئيس مجلس النظار وناظر الخارجية , رئيساً للجمهورية بدلاً من مسيو ارمان فاليير الرئيس الحالي الذي تنقضي رئاسته في السابع عشر من هذا الشهر.
دستور سنة ١٨٤٨ - كان الدستور الفرنساوي الذي سُنَّ في سنة ١٨٤٨ يقضي بانتخاب رئيس الجمهورية انتخاباً شعبياًّ محضاً؛ أي أنه كان لكل فرنساوي لم يفقد صفته السياسية , حق الاشتراك في ذلك الانتخاب. غير أن هذا الشكل الدستوري كان خطراً محيقاً بكيان الجمهورية؛ فأن الرئيس الذي تجمع الأمة على ترئيسه , أو ترئُسهُ عليها بأغلبية آرائها , يتأيد بقوة ذلك الإجماع , أو بدعامة تلك الأغلبية على الأقل , تأييداً إذا عزَّزه الطمع , دفعهُ إلى قلب الحكومة من شكل إلى شكل , والاستئثار بها لنفسه , كما فعل في سنة ١٨٥١ لويس نابوليون المعروف بنابوليون الثالث. لذلك قام رجال الجمهورية على قانون سنة ١٨٤٨ وأبدلوه بآخر جعلوا فيهِ الرئيس منتَخَب منتخَبي الأمة: نوَّابها وشيوخها.
стр. 1639
يريدون
بهذا إضعافَ تلك القوة المستعدة من الأمة بوضعها أولاً بين أيدي النواب والشيوخ , ثم بتدرّجها من هؤلاء إلى الرئيس. قالوا: وإن في تدرّج القوة من الأصل إلى الفرع , ثم إلى فرع آخر , تجزئةً لها , وإن في هذه التجزئة , على هذا النمط , اتقاءً للخطر المشار إليهِ؛ فالرئيس الذي يجمع عليه النواب والشيوخ أضعف شوكة , وأقل صولةً من الرئيس الذي تجمع عليهِ الأمة على بكرة أبيها.
المجلس الوطني - يُطلق اسم المجلس الوطني , أو الجمعية الوطنية , على مجلسي الشيوخ والنواب , متى اجتمعنا معاً , في قصر فرسايل , لانتخاب رئيس الجمهورية. وينعقد هذا المجلس بأمر سامٍ يصدره رئيس الجمهورية قبل انقضاء رئاسته بشهرٍ على الأقلّ. فأن لم يفعل , لأمرٍ ما , انعقد المجلس لنفسه قبل انتهاء تلك المدة بخمسة عشر يوماً. على أنه إذا خلا منصب الرئاسة , قبل الأجل المقرر , وذلك إما بموت الرئيس , وإما باعتزاله وإما بخلعه بعد الحكم عليه , ويجب انعقاد المجلس الوطني على الأثر , بدعوة من رئيس مجلس الشيوخ , لانتخاب رئيس جديد. والرئيس المنتخَب حينئذٍ إنما ينتخب إلى سبع سنوات جديدة وليس لتكملة السبع التي لم تتمّ. ويئس هذا المجلس في جميع الأحول , الرئيس الأول لمجلس الشيوخ؛ فيقصر العمل على الانتخاب وحده , وتحظر المناقشة والجدَل
طريقة الانتخاب - كل فرنساويّ , متمتع بحقوقه السياسية، يصحّ أن يكون رئيساً للجمهورية. ولكنّ المجلس الوطني لم ينتخب إلى اليوم غير مَن كان من أعضائه. أما الانتخاب فإلى سبع سنواتٍ ,
стр. 1640
وبالأكثرية المطلقة , على طريقة الاقتراع السريّ. ويجوز تجديد رئاسة الرئيس وتكرارها , وإن يكن لم تجدَّدْ لأحد من الرؤساء السابقين؛
مرتب الرئيس - ليس لرئيس الجمهورية مرتّب معين يتقاضاه كموظف في الحكومة. فإن النظام الذي وضع في سنة ١٨٧٥ , ولم يزل معمولاً به إلى يومنا الحاضر , أغفل هذا الأمر تاركاً لمجلسي الأمة تقريره سنوياً في ميزانية نظارة المالية. وقد جعلته هذه في العهد الأخير مليوناُ ومئتي ألف فرنك: خصّت الوظيفة منها بستمائة ألف فرنك , وعينت لنفقات القصر ثلاثمائة ألف , وتركت الثلاثمائة الألف الأخرى لنفقات الأسفار والاحتفالات.
حقوق الرئاسة - إذا كانت الجمهورية في فرنسا قد قامت على أكتاف رجال الثورة , فلأن
تلك الأكتاف كان قد أرهقها استبداد الحكم المطلق , وناءَ بها حمل الحاكم الفرد. وإذا كان الدستور الفرنساوي قد جرَّد رئاسة الجمهورية من معظم حقوق الملكية , فلأن الدستور يقضي أبّى كان , بأن تكون الأمة حاكمة نفسها بنفسها بكل معنى الحكم. لذلك كانت السلطة المخوّلة لرئيس الجمهورية ضيقةً , محدّدةً , تكاد تخلو من كل مسئولية , وذلك أيضاً ما اهتم لإحراز هذا المقام العالي - بعد تيارس وقبل بوانكاره - أحد الساسة النابغين. كل ما لرئيس الجمهورية من الحقوق لا يتعدى حقّاً تشريعيّاً محصوراً في قليل من السلطة على مجلسي الأمة , ويسير من التدخل في سنّ القوانين , واشتراع الشرائع؛ وحقّاً آخر تنفيذيّاً مقيداً بقيودٍ
стр. 1641
ضيقة الحلقات يتحمل مجلس النظار كل مسئولية فيه
الحق التشريعي - أناط الدستور برئيس الجمهورية حق إشغال مجلسَي الأمة؛ فهو يجمعهما للعمل أو يؤخر اجتماعهما إلى أجل. وهو يحل مجلس النوَّاب إذا وافقهُ على حله مجلس الشيوخ. غير إن الرئيس لا يستخدم هذا الحق , حسب مطامعه وأهوائه , ولكن في ا؛ وال معينة نصَّ عليها القانون؛ كأن يتعذر , على جملة وزارات متعاقبة , تسييرُ الأعمال , والقيام بالواجبات , لإصرار مجلس النواب على المشاكسة في أمرٍ ما , واستمراره على رأي رآه , لأول مرة , في ذلك الأمر ثم لم يتحول عنه. حينئذٍ يقرر الشيوخ وجوب فضّ المجلس فيعمل الرئيس بذلك القرار. وللرئيس أن يشترك بالرأي مع وزرائه في التشريع , وإن يحمل مجلس الأمة على إعادة البحث , وإطالة النظر في كل قانون طرحتهُ الوزارة في المجلس على بساط الجدل والبحث. وعلى مجلس الأمة أن يفعل بمشيئة الرئيس.
الحق التنفيذي - يشمل هذا الحق الأمور التالية:
١ً أن يتوِّجَ الرئيس باسمه جميع القوانين , ويراقب تنفيذها
٢ً أن يسامح وأن يعفو
٣ً أن يستأثر بقيادة الجيش
٤ً أن يعيّن في الوظائف المدنية والعسكرية
٥ً أن يرئس المجتمعات الوطنية
٦ً أن يمثل الأمة في علاقاتها السياسية الخارجية
стр. 1642
أعطيَ الرئيس حق المسامحة والعفو معاً , ولكنَّ الدستور أطلقه في الأول وقيده في الثاني
إذ جعله ميسوراً له فقط بموجب قانونٍ يصدّقه مجلسا الأمة , لأن العفو في عرف السياسة غيرُ المسامحة. هذه لا تمحو الجرم الأصلي بل تمحو جزءًا من عقابه , أو عقابه كله , وذاك يلغي الجريمة نفسها كأنه لم تكن جريمة فلم يكن عقاب. وخُولّ الرئيس قيادة الجيش العليا بمعنى أنه رئيس الحكومة الأكبر. غير أن هذا الحق لفظي لا فعلي. فالدستور الذي جعل الرئيس غير مسئول لدى الأمة , وضع كل مسئولية في أعماله على وزرائه. فمن الصعب جداً أن يعمل الرئيس بهذا الحق ناظر الحربية المسئولية عنه. بل الأصعب أيضاً أن يضع مجلس النواب ثقته في ناظرٍ يأخذ على نفسه تبعة هذا الأمر.
مسئولية الرئيس - ليس رئيس الجمهورية بمسئول لدى مجلس الأمة بل المسئول عنهُ في جميع أعماله إنما هو رئيس الوزارة , ومجلس الوزراء. غير أن الدستور الفرنساوي قال بوجوب محاكمة الرئيس إذا ارتكب الخيانة الكبرى؛ ولكنهُ لم يفسر هاتين اللفظتين بل ذكرهما مجرَّدتين. ثم أعطى مجلسَ النواب حق الاتهام , ومجلسَ الشيوخ حق الحكم. ونصَّ بوجوب تطبيق القواعد نفسها في جرائم الرئيس المدنية كما في جرائمه السياسية.
ريمون بوانكاره - وُلد في بارلدوك من أعمال فرنسا سنة ١٨٦٠
стр. 1643
فهو اليوم في الثانية والخمسين من مره. أما حياته فهي سلسلة جدّ ونشاط , وأما تقدّمهُ فهو السائر في مراحل الترقي بالسرعة التي يمشي بها كبار الرجال , فكانت كل درجة من درجات الارتقاء التي وطِئَها قذَّافةً بهِ إلى درجة أعلى حتى لقد أصبح في كهولتهِ في أعلى القمم التي يمكن أن يحلم بالصعود إليها إنسان: في الثانية والعشرين من عمره كان سكرتيراً لمؤتمر المحامين؛ وزيراً للمعارف؛ وفي السابعة والأربعين عضواً في مجلس نقابة المحامين؛ وفي الثامنة والأربعين عضواً في الأكاديمي؛ وفي الحادية والخمسين رئيساً لمجلس النظار؛ وفي الثانية والخمسين رئيساً للجمهورية. هذا هو ملخص حياته المجيدة , وتقدمهِ المدهش. ولا تكون مثل هذه الحياة إلاَّ لرجلٍ نابغة متفرّد بصفاتهِ. وأهمّ تلك الصفات إرادة شديدة , وفكر نيّر , وثبات في العمل , وقد زانتهُ الطبيعية بصفات قلما اتفق اجتماعها في نفس واحدة فبينا تراه كاتباً بليغاً إذا بك تراه عالماً مدققاً , وبينا تقرأه فيلسوفاً مفكراً , إذا بك تجده شغفاً بالفنون الجميلة , وبينما تسمعهُ خطيباً تهتز له أعواد المنابر , إذ بك تراه هادئاً ساكن الجأش. قال الأب مرشال أستاذه الأول وقد اتصل به صدى خطبه الرنانة: لو كنت أعلم أن بوانكاره
سيستعمل لسانه بمثل هذه الزلاقة ما كنت عاقبتهُ مراراً على الثرثرة في خلا الدروس هذا وأما انتخابه لرئاسة الجمهورية فقد كان له أعظم وقع في فرنسا
стр. 1644
خصوصاً وفي العالم كله عموماً. واستقبلتهُ الجرائد على اختلاف نزعاتها ولغاتها بكلمات الإجلال والاحترام. قالت جريدة التيمس عنهُ: إن فوزه يعدُّ فوزاً لمبادئ الجمهورية العاقلة المعتدلة. وقالت الدايلي مايلي: لم يرئس الجمهورية الفرنساوية بعد تيارس رجل ذو تفوُّق حقيقي , ومحاط باحترام عام مثل بوانكاره. وقالت عنهُ غازته ألمانيا الشمالية: إن لهُ الفضل الأعظم في حفظ لسلم في أوربا أبَّان الأزمة البلقانية
اقتراح على شعرائنا - لم تترك صحف أوروبا إلاَّ ذكرته عن الرئيس الجديد. فأمامنا الآن أول مقالةٍ نشرها في الجرائد , وأول مرافعة له في المحاكم , ومأثورات جمة عن صباه وجميع أطوار حياته. ومما قراناه له أبيات شعرية نظمها يوم انتقل من حضن الحياة العائلية إلى ميدان العمل والجهاد. وهذه هي ترجمة تلك الأبيات لعلَّ بين شعرائنا من يسبكها في قالب النظم. قال بعنوان الفراق الأول إن الذي أتأسف عليهِ هنا ليس الصفاءَ ولا الراحة المضرَّة. ونفسي القلقة ما كانت لتتكدر من أجل دواعي الأفراح والملذات التي أُغادرها إن الذي أتأسف عليهِ هو نارٌ مدفئة في الشتاء , وسماءٌ صافية في الصيف
إن الذي أتأسف عليه هو أخٌ وصديقٌ ووالدٌ محبوب. هو أمٌّ ساهرة أبداً على ولدها
انتقضت الأيام الجميلة. فالذي أتأسف عليه - ويا له من أسف لا يجدي - لن يرجع أبداً. . .!
стр. 1645
حرفة الأدب
للشيخ أبي السامي مصطفى صادق الرافعي
لا أريد من معنى هذه الحرفة ما يتجوز به المتكلمون من إملاق أهل الأدب وسوء أثر الزمان عليهم كسوء أثره على بعض الكتب القديمة. . . ولا ما يترسلون به من جفاء الأديب واطرحه دون منزلته وتقديره بما ليس من كفايته , وذهابهم إلى أن الأقدار ما برحت تنصرف بسعادته إلى غيره , وبشقاء غيره إليه , كأنه في لغة الأقدار باب من الطرد والعكس. . . ولا ما يتمثلونه من قبح مكافأة كل أديب لنفسه , وجنايته عليها وابتغائه بها المراميَ في كل ما أجرى إليه من قصد , واستهدف له من غرض , كأنها غير نفسه أو نفس غيره , فما إن يزال ينصب ويتهالك فيما يعاني من أمر الأدب لا يرفق بها ولا يستجمّ لها , حتى تسترخيَ جوانبها , وتتناثر بما فيها من قوة , فيحتف عليها كل بلاء , ويمكّن منها لكل قضاء , وهو يرى أن لا بأس على نفسه من شيء ولو كان الموت ما دام قد استيقن أن لا بأس في لبه. لا أريد ذلك وما إليه مما عسى أن تبلغ به بلاغة القوم في تفضيل هذه الحرفة إذا هم جمعوا أطراف لبيان وأخذوا في متاحي القول؛ وإنما أشير إلى معنى الحرفة على الحقيقة , وأريد أن أصف شيئاً من أخلاق جماعة يحترفون من الأدب صناعة كسائر المهن؛ والصناعات التي بها قِوام
стр. 1646
العيش لهؤلاء المستأكلين والمتكسبين من السوقة والمرتزقة لا على جهة ما تحتاج إليه الحرفة من نفاق السوق , وتحرّك اصناعة , وتوفير الغلّة مما تزكوه به الثروة ويستطيل النَّماء , وتتصل أسباب الفائدة , وكن على جهة الحاجة اللازمة في كل حرفة إلى الأدوات والآلات , وإلى التمرّس بالأسباب والوجوه ثم إلى نزعه اللؤم التي البدّ منها في كثير من أهل الحرف والصناعات عندما يعرض من اهتضام الحق وبخس المماكسة؛ وعند تقليب النظر في أحوال الحرفاء وما أفاء الله عليهم من خير وبسط لهم من سعة؛ وعند اهتمام القلب بكساد إن وقع في الحرفة , وقوتٍ عن فات من الربح , وضعف إن أخذ في أطراف العمل , وصداع إن ضرب في رأس المال؛ وعند نصب البدن واستفراغ الدَّرع وترميق الصبر؛ فهذا كله وما يكون من بابه ويتصل بأسبابه رأيناه بكثير من أهل الأدب الذين اتخذوا من الأدب حرفة يُعرفون بها دون أن تعرف بهم , وذهبوا يتجرون في أخلاقهم على الناس , ولعل أحدهم أن يكون اسبوا من
الحمق , واذمّ من الحسد , وأقبح من الجهل؛ ثم لعله أن يكون مع ذلك أضعف مَن أنت واجد ممن يدَّعي الفهم , ويتنبل بالعلم ويتنفق بالأدب , ولكنه يمضي ممدوداً لع في غيّه , وينطلق منفّساً له في باطله , ولا يزال قد ملكه السرف ونزت به الضراوة , وبعث منه التسلط , حتى يأخذ في كل فنّ من الحمق , ويضرب في كل ناحية من السخف , زرايةً على هذا ونفاسة على ذلك وتربصاً بغيرهما. ثم هو في جماع ينزع إلى لؤم الحرفة ويتسكع في كل وجه من السفه منتحلاً ما شاء أن يتنحل
стр. 1647
من الأسماء يصنع منها المعاذير , ويستر بها على نفسه فضيحة من الأخلاق كان الرأي أن يتوقاها قبل أن تظهر , لا أن يحاول سترها وقد ظهرت؛ فربما زعم أنه منتقد أو متصفح أو هو يصلح عيباً أو يبغي مرمة ولابدَّ في هذا ومثل هذا بزعمه من سورة حمق ونزوة غضب ومن كلمة كزجرة المؤدب , وأخرى كغمزة المثقف , ونحوها مما يكون انتقاماً ويسمى في الرجل من الحملقة وفساد الأخلاق بحيث يرى سوء الأدب أدباً , والجنف عن الحق الواضح قصداً , والتنطع فيما يجهل علماً , وبحيث لا يرى له حجة ظاهرة على أحد إلاّ في العناد وركوب الهوى والمخاطرة , لا يرى أن أحداً يقوم له في الحجاج أو يثبت معهُ في الخصام , أو يرجح بالحق عليه وعلى باطله وهو ما هو؟ غبي فَدْمٌ إلى الجفاء والغلطة وإلى السجف والغسولة وتراه على ذلك يجمع إلى ضعف الرأي قوة العجب وإلى قلة الصواب كثرة التخطئة وإلى بطء الفهم سرعة الحكم ويرى كأن الله لم يخلق لأحد من الناس عقلاً إلاَّ على قياس من رأسه. . . فإن أنت جئته بما يعلو عن فهمه ويخرج عن طاقته بادر فقطع فيهِ برأيه وجزم عليهِ بالركاكة والإِحالة والإِفساد وسوء التعبير. ولِمَهْ؟ لأنه هو لا يفهمه فلا يوجد من يفهمه البتة إذ كان ما زاد عن قياس رأسه لم يكن إلى العقل بل إلى الجنون. . . وإن أراد أن يبتَّ الرأي في كلام من الكلام ويتعسف في الجزم عليهِ بأنهُ مال لا يستقيم , فسد لا يضح , مضطرب لا يتماسك , زعم
стр. 1648
لك بلا حياء أنهُ لا يفهم. عليك أن كون ذكيّاً بالوراثة منطقياً بالفطرة لتنتهي من هذه المقدمة المسلمة. . . إلى النتيجة الطبيعية. . . فتقطع بأن ما لا يفهمهُ هو بتةً إذ لا يوجد من يستبطن حقيقته في الجيل كله ما دام علم الهستولوجيا الأنسجة لا يقيم عليهِ البرهان بأن رأسه غير ذلك الرأس الذي نصبهُ الله في أرضهِ مقياساً للعقول. . .! وبعد فإن من لؤم هذه الحرمة أن ترى صاحبه ساقط الحرمة ذمر المرؤة , زريَّ
النفس بذيئاً متعهراً فحَّاشاً في هجائه أستغفر لله بل في انتقاده. . . يضع لسانه حيث شاءَ من عرض أو خلُق أو صيغة لا يبالي في كل ذلك أن يكون صدق وبرَّ أو كذب وفجرَ , بل همهُ أن يكون قد أوجع وأمضَّ , وطبَّق المفصل الذي يحزُّ فيهِ لا ينكر من ذلك على نفسهِ نكيراً ولا يغير منهُ تغييراً. ولا بدع فإني رأيت أن أحداً من الناس لا يخلو من الفضيلة إلاَّ كان فيهِ ما يعتدُّه في رأي نفسهِ فضيلة وأن فضيلة اللئيم التي يراها أن لا يخله لؤمه دون الاستطالة والتمكن؛ فلو كذب وعقَّ وكفر النعمة , وغمط الحق , وجاءَ بكل مخزية ومندية , ثم كان له أن يستطيل ويغلب , لقام ذلك عنده مقام الصدق والمبرة والشكر والإِقرار والإحسان , لكان عند نفسهِ أفضل أهل الفضائل جميعاً؛ فهو لذلك لا يتورَّع عن قول بذيء ولا يتنزه عن فعل دنيء ولا يأبى أن يكون أسخف الناس عند الناس إذا كان من نفسهِ ما عرفت. والغرور نعوذ بالله فهو ألأم اللؤم في محترفي الأدب خاصة قلما يؤتى أحدهم إلاَّ من جهته , ولا يعرض له لشيطان إلاّ من قبله؛ وأنه
стр. 1649
لجنون هؤلاء العقلاء إذا كان لكل امرئ شعبة من الجنون. فلو رأيت ذلك المغرور , وَرِم أنفه , أن يكون أحد أولى منه بالحق أو أحق بالصوت فلجّ في العناد , وجنح إلى الباطل , وأصرّ واستكبر استكباراً! ولو رأيته قد زيَّن له الغرور وسوّلت له نفسه الخبيثة أن يهتف بأحد هتفه مشؤمة أو يقوم فيه مقاماً مشهوداً فجعل يفتري الكذب ويصنع الباطل وينقض الحق ويحيل الصدق حتى يصف لك أفضل خلق الله فلا تراه في ألفاظه إلاّ غثاً بارداً سمجاً , وأكرم خلق الله فلا تعرفه إلاَّ كزّاً لئيماً متوقحاً , وأعلم خلق اله فلا تصيبه إلاّ جاهلاً غبياً فدْماً , وأفصح خلق الله فلا تجده إلاّ عيّاً بكيئاً حصِراً؛ وهذا لا يزال يجترئ على الله , ويمثل بخلقه هذا التمثيل , ويمسخ منهم هذا المسخ حتى لكأن الله إله المخلوقين وهذا المغرور إله الأخلاق , وكأن لله جلَّ شأنه قوة الخلق ولهذا الأحمق في معارضتها قوة الاختلاف. ولو قيل لي إن في أديب من الأدباء مائة فضيلة وفيه لغرور , لما صدّقت أن تكون فيه مع هذه الرذيلة فضيلة؛ فإن الغرور لا يكون إلاّ من سوء تقدير المرء لنفسه وتقدير نفسه للناس , وهما خصلتان لا غاية لهما إلاّ تجاّور غاية المدح وغاية الذم؛ وما أسرف امرء في مدح إلاّ كاذباً ولا أفرط في ذمّ إلاَّ كاذباً ومتى كانت مع الكذب فضيلة؟ ولولا هذا الغرور ما استنكف المخطئ أن يفيء إلى الصواب , والضال أن يثوب إلى الحق والجاهل أن ينزل إلى حيث يتعلم ,
والناقص أن يخرج إلى طلب الكمال من غيره وهذا كله تراه على أهوانه وأقله في عوام الناس وطغامهم
стр. 1650
وحثالهم من لا يثبتون على الباطل إلاَّ بمقدار ما يفهمون الحق؛ ولكنه على أعظمه وأتمه في هؤلاء الذين يحترفون الأدب لأنهم أهل زلاقة ولَسَن وصنعة من الكلام , وإنما قلوبهم عند النضال في حصون من وراء أفواهم فلا تزال تصرع دون قلوبهم كل حجة , أو ترد على أعقابها مهزومة أو كالمهزومة وهيهات أن تصل إليها مطلقة , أو تنزل فيها إن نزلت إلاَّ موثقة. وصفة المغرور أن يكون لسانه فوق عقله , وتكون نفسه تحت لسانه , فكيف تراه يكون لو تمت له مع هذه الصفة قوة اللسان وشرعة البديهة وشدّة العارضة واستجابة المعاني وهي أخصّ أدوات حرفة الأدب؟ على أني يعلم الله ما رأيت كالغرور من هؤلاء الأدباء يذم لك الغرور وينتفي منه ويعتده السيئة المجترحة التي لا تكفّر عنها الحسنة بالغةً ما بلغت , ثم لا تجده إلا أشدّ الناس كلفاً بأن يكون كل ما يؤثر عن المغرورين مسند إليه , متظاهراً عنه وأن تفشوَ له بذلك فاشية في الألسنة وتذهب عنه القالة في المجالس ليكون مرهوب الجانب , متقى اللسان , مخشيَّ المعرَّة مستعاذاً بالله منه , وليُعرف أنه لا يضع جانبه لخصم , ولا يغتمز فيهِ عدوّ غميزة , وليس أحد معه أبداً إلا على خطأ , وليس هو مع أحد أبداً إلا على الصواب؛ وأنه على ذلك سريع الباردة قبيح الإزراء موجع القذع حاصد اللسان؛ وأن من حمل نفسه عليه فقد حملها على التهلكة وأخطرها لما لا يملك له دفعاً دفعاً , وطلب بها ما إنَّ المعجزة كلها في أيسره؛ وأن من أخلد إليهِ وشدَّ بهِ يده والتمس مناصرته , فذلك
следующие страницы →