Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
العيش لهؤلاء المستأكلين والمتكسبين من السوقة والمرتزقة لا على جهة ما تحتاج إليه الحرفة من نفاق السوق , وتحرّك اصناعة , وتوفير الغلّة مما تزكوه به الثروة ويستطيل النَّماء , وتتصل أسباب الفائدة , وكن على جهة الحاجة اللازمة في كل حرفة إلى الأدوات والآلات , وإلى التمرّس بالأسباب والوجوه ثم إلى نزعه اللؤم التي البدّ منها في كثير من أهل الحرف والصناعات عندما يعرض من اهتضام الحق وبخس المماكسة؛ وعند تقليب النظر في أحوال الحرفاء وما أفاء الله عليهم من خير وبسط لهم من سعة؛ وعند اهتمام القلب بكساد إن وقع في الحرفة , وقوتٍ عن فات من الربح , وضعف إن أخذ في أطراف العمل , وصداع إن ضرب في رأس المال؛ وعند نصب البدن واستفراغ الدَّرع وترميق الصبر؛ فهذا كله وما يكون من بابه ويتصل بأسبابه رأيناه بكثير من أهل الأدب الذين اتخذوا من الأدب حرفة يُعرفون بها دون أن تعرف بهم , وذهبوا يتجرون في أخلاقهم على الناس , ولعل أحدهم أن يكون اسبوا من
الحمق , واذمّ من الحسد , وأقبح من الجهل؛ ثم لعله أن يكون مع ذلك أضعف مَن أنت واجد ممن يدَّعي الفهم , ويتنبل بالعلم ويتنفق بالأدب , ولكنه يمضي ممدوداً لع في غيّه , وينطلق منفّساً له في باطله , ولا يزال قد ملكه السرف ونزت به الضراوة , وبعث منه التسلط , حتى يأخذ في كل فنّ من الحمق , ويضرب في كل ناحية من السخف , زرايةً على هذا ونفاسة على ذلك وتربصاً بغيرهما. ثم هو في جماع ينزع إلى لؤم الحرفة ويتسكع في كل وجه من السفه منتحلاً ما شاء أن يتنحل
стр. 1647
من الأسماء يصنع منها المعاذير , ويستر بها على نفسه فضيحة من الأخلاق كان الرأي أن يتوقاها قبل أن تظهر , لا أن يحاول سترها وقد ظهرت؛ فربما زعم أنه منتقد أو متصفح أو هو يصلح عيباً أو يبغي مرمة ولابدَّ في هذا ومثل هذا بزعمه من سورة حمق ونزوة غضب ومن كلمة كزجرة المؤدب , وأخرى كغمزة المثقف , ونحوها مما يكون انتقاماً ويسمى في الرجل من الحملقة وفساد الأخلاق بحيث يرى سوء الأدب أدباً , والجنف عن الحق الواضح قصداً , والتنطع فيما يجهل علماً , وبحيث لا يرى له حجة ظاهرة على أحد إلاّ في العناد وركوب الهوى والمخاطرة , لا يرى أن أحداً يقوم له في الحجاج أو يثبت معهُ في الخصام , أو يرجح بالحق عليه وعلى باطله وهو ما هو؟ غبي فَدْمٌ إلى الجفاء والغلطة وإلى السجف والغسولة وتراه على ذلك يجمع إلى ضعف الرأي قوة العجب وإلى قلة الصواب كثرة التخطئة وإلى بطء الفهم سرعة الحكم ويرى كأن الله لم يخلق لأحد من الناس عقلاً إلاَّ على قياس من رأسه. . . فإن أنت جئته بما يعلو عن فهمه ويخرج عن طاقته بادر فقطع فيهِ برأيه وجزم عليهِ بالركاكة والإِحالة والإِفساد وسوء التعبير. ولِمَهْ؟ لأنه هو لا يفهمه فلا يوجد من يفهمه البتة إذ كان ما زاد عن قياس رأسه لم يكن إلى العقل بل إلى الجنون. . . وإن أراد أن يبتَّ الرأي في كلام من الكلام ويتعسف في الجزم عليهِ بأنهُ مال لا يستقيم , فسد لا يضح , مضطرب لا يتماسك , زعم
стр. 1648
لك بلا حياء أنهُ لا يفهم. عليك أن كون ذكيّاً بالوراثة منطقياً بالفطرة لتنتهي من هذه المقدمة المسلمة. . . إلى النتيجة الطبيعية. . . فتقطع بأن ما لا يفهمهُ هو بتةً إذ لا يوجد من يستبطن حقيقته في الجيل كله ما دام علم الهستولوجيا الأنسجة لا يقيم عليهِ البرهان بأن رأسه غير ذلك الرأس الذي نصبهُ الله في أرضهِ مقياساً للعقول. . .! وبعد فإن من لؤم هذه الحرمة أن ترى صاحبه ساقط الحرمة ذمر المرؤة , زريَّ
النفس بذيئاً متعهراً فحَّاشاً في هجائه أستغفر لله بل في انتقاده. . . يضع لسانه حيث شاءَ من عرض أو خلُق أو صيغة لا يبالي في كل ذلك أن يكون صدق وبرَّ أو كذب وفجرَ , بل همهُ أن يكون قد أوجع وأمضَّ , وطبَّق المفصل الذي يحزُّ فيهِ لا ينكر من ذلك على نفسهِ نكيراً ولا يغير منهُ تغييراً. ولا بدع فإني رأيت أن أحداً من الناس لا يخلو من الفضيلة إلاَّ كان فيهِ ما يعتدُّه في رأي نفسهِ فضيلة وأن فضيلة اللئيم التي يراها أن لا يخله لؤمه دون الاستطالة والتمكن؛ فلو كذب وعقَّ وكفر النعمة , وغمط الحق , وجاءَ بكل مخزية ومندية , ثم كان له أن يستطيل ويغلب , لقام ذلك عنده مقام الصدق والمبرة والشكر والإِقرار والإحسان , لكان عند نفسهِ أفضل أهل الفضائل جميعاً؛ فهو لذلك لا يتورَّع عن قول بذيء ولا يتنزه عن فعل دنيء ولا يأبى أن يكون أسخف الناس عند الناس إذا كان من نفسهِ ما عرفت. والغرور نعوذ بالله فهو ألأم اللؤم في محترفي الأدب خاصة قلما يؤتى أحدهم إلاَّ من جهته , ولا يعرض له لشيطان إلاّ من قبله؛ وأنه
стр. 1649
لجنون هؤلاء العقلاء إذا كان لكل امرئ شعبة من الجنون. فلو رأيت ذلك المغرور , وَرِم أنفه , أن يكون أحد أولى منه بالحق أو أحق بالصوت فلجّ في العناد , وجنح إلى الباطل , وأصرّ واستكبر استكباراً! ولو رأيته قد زيَّن له الغرور وسوّلت له نفسه الخبيثة أن يهتف بأحد هتفه مشؤمة أو يقوم فيه مقاماً مشهوداً فجعل يفتري الكذب ويصنع الباطل وينقض الحق ويحيل الصدق حتى يصف لك أفضل خلق الله فلا تراه في ألفاظه إلاّ غثاً بارداً سمجاً , وأكرم خلق الله فلا تعرفه إلاَّ كزّاً لئيماً متوقحاً , وأعلم خلق اله فلا تصيبه إلاّ جاهلاً غبياً فدْماً , وأفصح خلق الله فلا تجده إلاّ عيّاً بكيئاً حصِراً؛ وهذا لا يزال يجترئ على الله , ويمثل بخلقه هذا التمثيل , ويمسخ منهم هذا المسخ حتى لكأن الله إله المخلوقين وهذا المغرور إله الأخلاق , وكأن لله جلَّ شأنه قوة الخلق ولهذا الأحمق في معارضتها قوة الاختلاف. ولو قيل لي إن في أديب من الأدباء مائة فضيلة وفيه لغرور , لما صدّقت أن تكون فيه مع هذه الرذيلة فضيلة؛ فإن الغرور لا يكون إلاّ من سوء تقدير المرء لنفسه وتقدير نفسه للناس , وهما خصلتان لا غاية لهما إلاّ تجاّور غاية المدح وغاية الذم؛ وما أسرف امرء في مدح إلاّ كاذباً ولا أفرط في ذمّ إلاَّ كاذباً ومتى كانت مع الكذب فضيلة؟ ولولا هذا الغرور ما استنكف المخطئ أن يفيء إلى الصواب , والضال أن يثوب إلى الحق والجاهل أن ينزل إلى حيث يتعلم ,
والناقص أن يخرج إلى طلب الكمال من غيره وهذا كله تراه على أهوانه وأقله في عوام الناس وطغامهم
стр. 1650
وحثالهم من لا يثبتون على الباطل إلاَّ بمقدار ما يفهمون الحق؛ ولكنه على أعظمه وأتمه في هؤلاء الذين يحترفون الأدب لأنهم أهل زلاقة ولَسَن وصنعة من الكلام , وإنما قلوبهم عند النضال في حصون من وراء أفواهم فلا تزال تصرع دون قلوبهم كل حجة , أو ترد على أعقابها مهزومة أو كالمهزومة وهيهات أن تصل إليها مطلقة , أو تنزل فيها إن نزلت إلاَّ موثقة. وصفة المغرور أن يكون لسانه فوق عقله , وتكون نفسه تحت لسانه , فكيف تراه يكون لو تمت له مع هذه الصفة قوة اللسان وشرعة البديهة وشدّة العارضة واستجابة المعاني وهي أخصّ أدوات حرفة الأدب؟ على أني يعلم الله ما رأيت كالغرور من هؤلاء الأدباء يذم لك الغرور وينتفي منه ويعتده السيئة المجترحة التي لا تكفّر عنها الحسنة بالغةً ما بلغت , ثم لا تجده إلا أشدّ الناس كلفاً بأن يكون كل ما يؤثر عن المغرورين مسند إليه , متظاهراً عنه وأن تفشوَ له بذلك فاشية في الألسنة وتذهب عنه القالة في المجالس ليكون مرهوب الجانب , متقى اللسان , مخشيَّ المعرَّة مستعاذاً بالله منه , وليُعرف أنه لا يضع جانبه لخصم , ولا يغتمز فيهِ عدوّ غميزة , وليس أحد معه أبداً إلا على خطأ , وليس هو مع أحد أبداً إلا على الصواب؛ وأنه على ذلك سريع الباردة قبيح الإزراء موجع القذع حاصد اللسان؛ وأن من حمل نفسه عليه فقد حملها على التهلكة وأخطرها لما لا يملك له دفعاً دفعاً , وطلب بها ما إنَّ المعجزة كلها في أيسره؛ وأن من أخلد إليهِ وشدَّ بهِ يده والتمس مناصرته , فذلك
стр. 1651
الذي يضرع كل عدو إلى أمانه , ويخرُّ كل قلم ساجداً يطلب المغفرة من لسانه. إلى صفات أخرى من أمثال هذه لا يكون الغرور بدونها غروراً , ولا تكون هي في أحد إلا بخذلان من الله. فما أشأم حرفة الأدب على أهلها وعلى الناس من أهلها. . . على أنه من خير إلا وفيه جهة من الخير تحيله كله خيراً؛ فالأمور بأسبابها , والآداب بأخلاق أربابها , وقلما نبغ أديب إلا كان إنساناً فوق الإنسان , وإذا اعتبرتَ أخلاقه لا تراه إلاَّ أقرب إلى الملَك أو أقرب إلى الشيطان.
كيف نقيس الزمان
الزمان! ما هو الزمان؟
يمرُّ بنا ونمرُّ به , يُحيينا ونحييه , يلاشينا ونلاشيه , ولا نعرف ماهية كيانه. ويعبر جسر الحياة تاركاً بين جوانب الأحياء جروحاً , ناثراً على سواد الشَعر بياض القِدَم , طابعاً على الجباه الوضّاحة تجعدات المجاهدة والملل , دون أن نحاول إرهابه أو الاقتصاص منه: الشيخوخة قبلةُ الزمان للبشر. لكن ما هي الشيخوخة , وما هو الإرهاب , وماذا يعني العقاب؟
والزمان. . . ما هو الزمان؟
أراد لبنتز تحديده فقال فيه أنه تتابع الأشياء المتواردة. وسواءٌ
стр. 1652
كان هذا التحديد كافياً أو غير كافِ على الإطلاق , فهو دائماً يعبر نوعاً عن أهم أحوالنا البسيكولوجية والفيسيولوجية المنقسمة إلى ثلاثة ظروف هي سلسلة حياة الإنسان: الماضي والحاضر والمستقبل. ولكلٍّ من هذه الظروف علاقة كلية بالآخر يستحيل فيها الحذف والإلغاء لأنها إن لم تكن تلاشي الظرفان وتلاشى الزمان , وهذا من ضروب المحال. فالحاضر بمفهوميتنا هو ما يقع تحت إدراك الحواس اللمسيّ أو المعنويّ , في آن كائن بين خطين وهميين كل منهما أكثر أو أقلّ وضوحاً: خط الذكرى وخط الأمل , أي خط الماضي وخط المستقبل؛ والحاضر مزيج من الاثنين , وفي الوقت نفسه لا هو هذا ولا هو ذاك. بيدَ أن العلم المجرَّد يكاد يلغي هذه الأزمنة الثلاثة , وليس الزمان في نظره إلاَّ تتابع أشياء وأوقات لا بداية فيها ولا نهاية , كما أن الفضاء مسافة لا تحدّ , ولا أعالي فيها ولا أداني وجميع أجزاء الوقت التي انعيها كساعات النوم وساعات الغيبوبة تمتزج بعضاً ببعض وتتيه في هاوية الزمان كانت
فالزمان - كالمسافة - كائن وإن لم تتوارد فيهِ أشياء متتابعة ولأن ما لا نراه نحن يراه غيرنا , وما لا يراه غيرنا يستعد من الطبيعة قوةً , ويتبادل مع أنواع متشابهة متضادة حركته الحيوية الدائمة. وفروغ الزمان - كفروغ المسافة - كلمة لا تعني شيئاً , ويتعذَّر على الإنسان تصوُّر مسافة أو زمن خاوٍ خال من كل ما يقع في دائرة الحواس: فهناك دائماً
стр. 1653
هواءٌ ونور أو ظلام؛ وذرّات صغيرة هي عالم بذاتها , ودقائق أثيرية إن هي إلاَّ جرائيم الحياة. أما قياس الزمان مجرداً كما هو فأمرٌ مستحيل لأن إدراكنا متناهٍ والزمان غير متناهٍ ,
فضلاً عن أن القياس يستوجب مشابهة حجم إلى حجم من نوع ثان. فكيف نقيس الماضي وهو انقضى ولم يبقى منهُ إلاَّ الذكر - أي أمانة في الحواس - بالمستقبل الذي لا نتلمس خياله إلاَّ في دوائر الرموز والتقادير؟ على أنّا وإن لم نقوَ على قياس الزمان طولاً وعرضاً فتأثيراتنا النفسانية ميزان بخله وكرمه , ولا قيمة إلاَّ بما يورثه إلينا من السعد والشقاء. أرواحنا ملك مشيثته ولا ينفك جائلاً فيها - حتى يرضى. وهل يعرف الزمان معنى الرضي؟ وهناك أقيسة علمية رياضية آلية تترتب عليها حركات الاجتماع وقد اصطلح البشر على استعماله والسير بموجب قواعدها.
منذ فجر الوجود كانت الحوادث الفلكية الطبيعية أساس تقسيم الزمان , وأهم هذه الحوادث لدينا هي دورة الشمس ودورة النجوم. والأوقات في علم الهيئة السماوية ثلاثة: يوم شمسي , ويوم متوسط , ويوم نجميّ. وكلٌّ من هذه الأيام ينقسم إلى أربع وعشرين ساعة , وكل ساعة تتركب من ستين دقيقة كما أن كل دقيقة تتألف من ستين ثانية. فالوقت الشمسيّ يقاس بمرور الشمس تتابعاً في مكان غير ثابت
стр. 1654
وهو أطول من اليوم النجميّ. وأطول يوم شمسيّ هو ٢٣ ديسمبر , وأقصر يومٍ يومُ ١٦ من الشهر نفسه. والوقت المتوسط أوجده الفلكيون لإصلاح الوقت الشمسي , وذلك باختراع شمسين آليتين تدوران على محورهما. أولهما تجتاز القوس السمتية بحركة متعادلة متوازنة , بنوع أنها تصلح حركة الشمس الحقيقية المتباطئة بسيرها من البعد الأدنى إلى البعد الأقصى , المتسرعة بسيرها من البد الأقصى إلى البعد الأدنى. والشمس الثانية أو المتوسطة , تجتاز خط الاستواء السرعة التي تجتاز بها الشمس الأولى القوس السمتية , فتمران في آن واحد في خط معادلة الليل والنهار. حركة هذه الشمس المتوسطة اليومية هي اليوم المتوسط وهو أصلح جميع الأيام الشمسية على تعددها واختلافها. والوقت النجمي يقاس بمرور نجمةٍ تتابعاً في مكان واحد في ساعة معينة , والمسافة بين المروو والمرور هي اليوم النجميّ وهو أقصر قليلاً من اليوم الشمسي , ذلك لأن بينا الأرض تدور دورة تامة على محورها تتبع الشمس في القوس السمتية انحناءً ملائماًَ لحركتها الخصوصية غير انه نقيض حركة النجوم اليومية. وأعظم فرق بين اليوم الشمسي واليوم النجمي هو ٢٣ ديسمبر وقدره ثلاثون ثانية. وأقصر فرق بينهما في ١٦ من الشهر نفسه وقدره ٢١ ثانية. واليوم النجميّ هو في ٢٣ ديسيمبر
وقدره ٢١ ثانية. واليوم النجميّ أقص قليلاً من اليوم المتوسط. إن كانت حركة الفلك أساس قياس الزمان فالساعات والمقاييس
стр. 1655
تدوّن تلك الحركة. وأول آلة كان يستخدمها الأقدمون هي بناية حجرية أو خشبية تحدد الساعات وتقيس ارتفاع الشمس بموجب اتجاه الظل نحو الشرق والغرب , نحو الشمال والجنوب. ويقال أن الأهرام شيدت لهذه الغاية أيضاً. ففي أهرام مصر إذاً درس مهم من هذا القبيل. وأعقبت الساعة الشمسية هذا النوع من قياس الوقت. وأقدم ساعة شمسية يذكرها التاريخ هي ساعة أشار ملك أورشليم سنة ٧٤٠ قبل المسيح وردَّد ذكر هذه الساعة صدى الأجيال ناقلاً خبر أعجوبة النبيّ أشعيا الذي أخّر الظلّ في الساعة عشر درجات. أما الآن فلا نرى أعجوبة في مثل هذا الفعل لأنه يتجدد يومياً في ساعة تنعت بالرجعية من اختراع فلاماريون في مدينة جوفسي. ووجدت أول ساعة ثمينة في أثينا في سنة ٤٣٣ قبل المسيح , وأول ساعة في روميه في سنة ٣٠٦ ق. م. هذه كانت أقيسة النهار. وكانوا في الليل يستعملون ساعة الماء أو الساعة الرملية وهذه الساعة عبارة عن حوض صغير وفي قعرهِ ثقبٌ يسيل منه الماء - أو الرمل - نقطة فنقطة في أنبوب ذي درجات محصاة تدلُّ الملآنة والفارغة منها على عدد الساعات. وكانت هذه المقاييس مصطلحاً عليها بين جميع فلكييّ الشرق من كلدان وصينيين ويونان. وقد أهدى هارون الرشيد إلى شارلمان ساعة ماء قيل أنها أجمل ساعات ذلك العصر. وكان ذلك بمناسبة اتفاقهما
стр. 1656
ضدّ يونان الآستانة ومسلمي أسبانيا. وأول من أوجد حركة ساعاتنا الحالية راهبٌ عاش في القرن العاشر يدعى الأب جربر وقد صار بعد ذلك بابا روميه وسمي سلفسترس الثاني. واشتغلت الشعوب على اختلافها في تحسين الآت الساعة وضبط حركتها الدقيقة , وبرع في ذلك ألمانيا وفرنسا فأوصلتا قياس الزمان إلى حدّ قصيّ من الدقة الصناعية والإتقان الذي لا إتقان بعده. أما أشهر ساعة أوروبية فهي ساعة ستراسبورج وقد استمرّ أساتذة الصناعية على الاشتغال بها مدة جيلين ونيف وألا تزال باقية إلى أيامنا هذه. غير أن حكومة ستراسبورج اضطرت إلى تغيير بعض عقاربها وتبديل بعض آلاتها في القرن الماضي.
لم يكتف زعماء التقدم الآليّ بقياس الزمان بل أرادوا قياس الارتقاء في الكون بواسطة الآلات. فما أكثر دعوى الإنسان! فقد اخترع هاينرتش شميد تلميذ هيكل ساعة لا تعدّ
الساعات بل الأجيال , وتدل عقاربها إلى الدرجة التي وصلتها الإنسانية في سلم الارتقاء. كل ساعة في هذه الآلة التاريخية عبارة عن عشرين ألف عام , وكل دقيقة تمثل ثلاثة أجيال , وكل ثانية تعني خمس سنوات. فليس ما يذكر في النهار الإنساني قبل الساعة العاشرة صباحاً - أي العصور الميثولوجية. وقبل الظهر بعشرين دقيقة تدل العقارب على ظهور آثار الارتقاء الأولي في مصر وبابل. ومنذ سبع دقائق - بالنسبة إلينا - تجلت شمس
стр. 1657
الفلسفة اليونانية وانتشرت مبادئ العلوم. ولم يمض بعد أكثر من نصف دقيقة على ظهور الآلات البخارية , كذا ولم ننتبه غيبوبة الجهل إلى عالم المعرفة إلاَّ منذ دقيقة وبعض الثواني. هذه فكاهة علمية فلسفية. لكنها كجميع الفكاهات تضمر تهكماً ودعوى , وتمكن في أعماق معانيها مرارة في رغبة المعرفة , وألماً في استكشاف ما أغمض عن العقول في ضمير الوجود. فيا ليت شعري لماذا كانت الأيام ولماذا كنا؟ ألندوّن حركات النجوم بعقارب معدنية , أم لنقابل نبضات القلب في الصدر بحفيف الأفلاك في الأثير؟ ألنرى الزمان تائهاً في دوائره الأبدية التي لا مجال للمدارك فيها , أم لنشعر بأقدام خياله دائسة على الأرواح فتطبع عليها ما شاءت من آثار حاسة مجهولة بذاتها , نسميها ألماً أو سروراً بحسب ما تُسر به إلى أعصابنا من الاهتزازات المريحة أو المضنية. . .؟
أم كانت الأيام وكنا لنرتقي بها وتتعظم بنا.
ميّ
خطرات
لكارمن من سيلفا - ملكة رومانيا الحالة
ما يُخجل في الصبى , تُبكي في الكهولة , ويُضحك في الشيخوخة
النار تغلي الماءَ والماء تطفئها؛ لا تكرم الجحود لئلا يطفئك
البيت لا أولادَ فيه كالجرس لا مطرقة له!
غيرة الخاطب محمدة , وغيرة الزوج إهانة
الحب قويّ السلاسل , ويكسر القيود , ولكنه يقتله تثاؤب بسيط!
стр. 1658
فر رياض الشعر
الشعر والشعراء
هل عرفتم لعاشقٍ نُظراَء ... عشقَ الأرضَّ قلبهُ والسماَء
تقطعُ البَرَّ منهُ لحظةُ عينٍ ... حين يجتاز فكرُهُ الجوزاَء
يُصلح الحسنُ عندَه كلَّ خلقٍ ... فيسوّي الأحياء والأشياَء
شبَّ مذ شبَّ عاشقاً لا يبالي ... حكمةً كان عشقهُ أم خطاَء
عشقَ الروضَ والغياضَ وأزها ... رَ الروابي والأغصنَ الخضراَء
وصغارَ النجوم تبدو وتخفي ... والدراري والقبَّة الزرقاَء
وفضاَء البحار والسحبُ تحكي ... سُفناً تحتها تشقُّ الماَء
وسكون الدجى كأنَّ الكرى أأ ... قي عليهِ مع الظلامِ غطاَء
هامَ بالغاب زانها الشجرُ العا ... لي وزانَ الفضاَء والصحراَء
يسمعُ الوحشَ والطيورَ فيهوي ... كلَّ صوتٍ كأنَّ فيهِ غناَء
أيُّ تاجٍ يتوِّجُ الغابَ في ك ... لّ صباحٍ يُزالُ عنها مساَء
دررٌ من أشعة الشمسِ صيغت ... ملأتها مهابةً وبهاَء
وإذا الشمسُ بالحجابِ توارتْ ... تكتسي الغابُ حلةً سوداَء
تحتها تنضوي الطيورُ فتمسي ... دونها كلُّ جنةٍ غَّناَء
إنَّ في الغاب للقوافي عروساً ... جمَّة الحسنِ تفتنُ الشعراَء
تتراءى فلا يَراها سواهم ... وَهيَ ليستْ لغيرهم تتراَءى
ولذا يرتجي من الزمنِ الشا ... عرُ لو أنهُ يجيبُ رجاء
عيشةً في الخلاء لا عيب فيها ... غيرَ أنْ ليس يسمعُ الضوضاَء
стр. 1659
حيثُ لا خبثَ في الهواء ولا في ال ... تربِ والماءِ يجلبُ الأدواَء
حيث لا رزقَ كلما ركض المر ... ءُ مجدّاً وراَءهُ يتنادى
فهوَ ما بينَ خوفِ سبقٍ وكدٍّ ... كغريقٍ يصارعُ الأنواَء
لا تطيبُ الحياةُ إلاَّ لمن يه ... ربُ منها ويهجرُ الأحياَء
ليت شعري متى أرى شعراء ال ... شرقِ يوماً بفضلهم أغنياَء
ورثوا مَن تقدَّموهم فنالوا ... شرَّ إرثٍ مذلةً وشقاَء
بين هجوٍ كالسبِّ أو هوَ أدنى ... ومديحٍ تعدُّهُ استجداَء
عُوِّدوا الذلَّ فالكبيرُ كبيرٌ ... فيهمِ حينَ يسألُ الكبراَء
ليس كالمال للقرائح سمٌّ ... حين يلهو بيعاً بها وشراَء
إنما الشعرُ للنفوس غذاءٌ ... أفسدوهُ فصيَّروهُ هُذاَء
يتبعُ الشعرُ أهلهُ فامتهاناُ ... وابتذالاً أوْ عزَّةً وإِباَء
أيها الشاعرُ اتَّقِ الله واذكرْ ... أنَّ للشعرِ حكمةً علياَء
كن دليلاً إلى سبيلٍ سويٍّ ... ومناراً يبدّدُ الظلماَء
ثمَّ لا تنسَ موطناً كان يوماً ... لكَ كالأمّ نسبةً ونماَء
فاحترم عهدَهُ وعهدَ بينهِ ... ثمَّ علّمهمُ كذاكَ الوفاَء
علّم الشعبَ إنَّ للشعب ديناً ... يمنحُ النفسَ قوةً ورجاَء
قلْ لهُ إنهُ كذلك حرٌّ ... يعبدُ الله مطلقاً كيف شاَء
خُلِقَ الدينُ رحمةً غير أنَّ ... الناس كانوا لبعضهم أعداَء
هدموهُ سرّاً وشادوهُ جهراً ... وأقاموا منهم لهُ رؤساَء
فانبرى بعضُهم عدوَّا لبعضٍ ... يخدعون الجهَّال والبسطاَء
стр. 1660
عمرَك اللهَ ليس أجب أمراً ... من رؤوسٍ تهشّمُ الأعضاء
ليس هذا القريض إلاَّ حديثَ ال ... روح أوحت بنظمهِ إيحاَء
فتملّكْ بهِ العواطف وأملأ ... كلَّ نفس فضيلةً وعلاَء
واتخذه إلى القلوب سبيلاً ... وتلطَّفْ تصطدْ بهِ العنقاَء
لا تهاجم بهِ عفافَ العذارى ... لا تُضلَّ الأحداثَ والضعفاَء
لُذْ برأي الجمهور في كلّ صعب ... وَصُنِ العدلَ وارحمِ البؤساء
لا تصفْ أيّ حالةٍ قبل أن تد ... رسَ منها الأفعالَ والأسماَء
لا تقلّدْ فيهِ ولا تتكلفْ ... في المعاني مشقةً وعناء
قلْ سلامٌ على القديم ودعهُ ... فكفانا نقلّدُ القدماء
وتعلَّمْ إذا رأيتَ دعيَّا ... كيف تعمى عن أن ترى أدعياء
وتجلّدْ لصنعةٍ مَنَح الل ... هُ ذويها تجلداً وعزاء
لهوَى في نفوسهمْ زاولوها ... وكذا اللهُ يخلقُ الأهواء
عشقوها فأسكرتهمْ زماناً ... ثم ماتوا من سكرهم فقراء
فهمُ كالشموعِ تفنى احتراقاً ... وهمُ كالشموعِ تلقي ضياء
رحمَ الله مَن مضى ولنفاخرْ ... أن للعلمِ عندنا شهداء
نقولا رزق الله
شكوى شاعر
يا شميمَ الشيح إن جزتَ حمىً ... يستقي الدمعَ على البعدِ رَهاما
أبلغِ المحبوب عني سلوتي ... قبلَ أن تُبلغهُ عني السلاما
علّهَ يبلو أناساً بعدنا ... فيرى مَن ذا على العهدِ أقاما
стр. 1661
ربما أعلنتَ مرضاةَ الهوى ... سرَّ من تهوي فقطَّعتَ الذماما
أيها الباذِر حَبّاً في الرُّبى ... جئتَ تصطادُ فطيَّرتَ الحماما
قد سكرنا فوجدنا دولةً ... وصحونا لم نجد إلاَّ المُداما
وبَذرْنا العمرَ حُبّاً ومُنىً ... وحصدناهُ انشقاقاً وانقساماً
ولقد عشنا كِراماً في الهوى ... فإذا مُتنا بهِ مُتنا كِراما
عبد الحميد المصري
نظرة بعيدة
ويح العيونِ أكلّ شيءٍ أبصرتْ ... أغرى بها ألماً وهاجَ شُجونا
القبحُ يقذفها وتسبلُ دمعها ... غرُّ المحاسنِ حسرةً وفتونا
فانظر كأنك حين تنظرُ لا ترى ... أو عِشْ معنًّى في الحياةِ حزينا
أو قلٍْ لغاويةِ العيونِ تقدَّمي ... عهدَ الملاحةِ والشبابِ سنينا
إن الذي يسبيكِ سوف ترَينهُ ... قوساً ولكنْ لا تُصيبُ طعينا
قد كان يُذكركِ السماء فقد غدا ... حَدِباً يحنُّ إلى الترابِ حنينا
الدهرُ أغرى بالجمالِ جنودَهُ ... لولاهُ جُنَّ العاشقونَ جنونا
إن أبدعتْ أيدي الطبيعة صورةً ... جاء الزمانُ فأفسدَ التلوينا
فأعاد نضرتَها البهيةَ سُفعةً ... وأحالَ سوداء الغدائرِ جُونا
حاشايَ أشمتُ بالجمالِ وإنما ... أجدُ الخيالَ على الخيالِ معينا
عباس محمود العقاد
стр. 1662
فرسايل
اتخذ الإنسان الحروف , والأنغام , والألوان , والأحجار ليعبر عن أفكار عقله وعواطف قلبه. فنشأ عن ذلك فنُّ الكتابة وفنُّ الموسيقى وفنُّ التصوير وفنّ الهندسة. وكل فنٍّ من هذه الفنون يُعدُّ مظهراً من مظاهر العقل البشري , وشكلاً من الأشكال التي تجلى بها في خلال الأجيال والعصور؛ فنبغ الكتَّاب البارعون , والموسيقيون المطربون , والمصوّرون الحاذقون , والنقاشون الصانعون. وكانت درجة نبوغهم بنسبة حذقهم في استعمال المادة الأوَّلية - من ألفاظٍ وأنغامٍ وألوانٍ وأجار - في إبراز مولّدات أفكارهم وبنات قرائحهم. إن البصير المتأمل يقرا تاريخ الفكر البشري تارة مدوّناً في كتاب , وطوراً موقّعاً في لحن , وحيناً ممثلاً في رسم , وآوانة منقوشاً في بناء , حسبما كتبهُ القوم بحروف أو نغم أو لون حجر. وما أهرام مصر , وبعلبك الشام , وحدائق بابل , واكروبول آثينا , وكابيتول رومه , وإيوان كسرى , والخوزيق والسدير , وبرج إيفل , وجسر بروكلين إلاَّ صفحات كبيرة من ذلك الكتاب العظيم المدوَّن فيهِ تاريخ البشر القديم والحديث بحروف من حجارة وحديد. فنقرأ بنتاؤور وهوميرس وفرجيل وامرئ القيس وغيرهم , أو كما نسمعها في نغمات
стр. 1663
الموقّعين ونراها في ألوان المصوّرين منذ القِدَم حتى اليوم.
من أجمل فصول هذا التاريخ المكتوب بالحجر المنحوت قصر فرسايل الشهير. وإذا كانت نصف هذا القصر بأبلغ وصف إذا قلنا أنه قلنا أنه أثرٌ من آثار لويس الرابع عشر الكبير الذي ازدهرت قلماً عرفتهُ من قبل ومن بعد , حتى أُطلق عليهِ اسم الملك - الشمس وعلى عصره اسم العصر الذهبي وهذا القصر قائم في البلدة المعروف باسمها , وهي واقعة على مسافة ثمانية عشر كيلومتراً من باريس جنوباً بغرب , وقد ورد ذكرها لأول مرة في التاريخ في النصف الأول من القرن الحادي عشر. ولم تكن في بداية عهدها سوى مزرعة قائمة في ظهرانيّ العاصمة , يقصدها ملوك فرنس - وأخصهم هنري الرابع ولويس الثالث عشر - للصيد والقنص رجال الفنون والصنائع حتى أقاموا فيها ذلك الصرح الشاهق , فقام تحفّ به العظمة والجلال , ويكنفهُ الذوق والجمال , مثل كل ماتمَّ على عهد هذا الملك المجيد من الأعمال. وقد بدأ العمل في بناء العمل في بناء القسر سنة ١٦٦١؛ وظلَّ البنَّاؤون والرسامون والمصوّريون يعملون فيهِ مدة إحدى وعشرين سنة متوالية , وكان الملك يطَّلع على كل الرسوم والمقايسات ويراقب بنفسه تنفيذها. ويبتدئ تاريخ بلدة
فرسايل في الحقيقة من ذلك العهد.
стр. 1664
لأن الملك أمر أن تقام حول قصره منازل لضباط بلاطه ورجال حاشيته. وأخذ الأمراء يتسابقون لتشييد القصور لهم حتى يكونوا على مقربة من سيدهم ومولاهم. فاتسع نطاق البلدة وزاد عمارها. ولم يسمح لأحد أن يزيد بناء داره عن دور واحد. وشذَّ عن هذه القاعدة قصر كلانيي الذي أراده الملك مضاهياً لقصره رونقاً وجمالاً , وأُعدَّ لسكنى مدام ده مونتسبان؛ على أنه هُجر فيما بعد وهدم بأمر الملك سنة ١٧٦٩. وظلت البلدة في عمار متواصل على عهد لويس الخامس عشر. وفي ٢٢ فبراير شباط سنة ١٧٨٧ عُقدت فيها جمعية الأعيان , فكانت بداية الثورة الفرنسوية الكبرى , لأن هذه الجمعية قررت تقسيم البلاد إلى مقاطعات تديرها مجالس محلية. وهذا أشبه باللامركزية التي يطلبها العثمانيون اليوم. وجاءت سنة ١٨٨٩ فكانت فرسيال ميداناً لحوادث خطيرة يطول تفصيلها لأنها صفحة كبيرة من تاريخ الثورة. ففي ٥ مايو من تلك السنة كان انعقاد الجمعية العمومية في فرسيال؛ وفي ٢٠ يونيو اجتمع فيها مندوبو الأمة وأقسموا ألاَّ يتفرقوا قبل أن يسنّوا للبلاد نظاماً دستورياً تسير عليه؛ وفي ٥ أكتوبر هجم شعب باريس على فرسيال , ودخلوا لقصر عنوةً , وعادوا ثاني يوم بالملك والملكة أسيرين إلى باريس. وظلت المدينة في هدوٍ وسكينة بعد انتقال مقرّ الحكام منها حتى سنة ١٨١٤ إذ احتلها جيش المتحالفين المهاجمين فرنسا , وقد أحلَّبها البروسيان في السنة
стр. 1665
التالية الخراب والدمار. ولكن الملك لويس فيليب أعاد لفرسيال سنة ١٨٣٧ رونقها وبهاءَها بإقامة متحفٍ فيها جامع لكل آثار فرنسا المجيدة؛ على أنه أبى أن يسكنها كما أبى ذلك أيضاً نابوليون الثالث بعد تبوّئهِ عرش الإمبراطورية , كأن ذكرى ما حلَّ بلويس السادس عشر ظلت تخيف الرؤوس المتوّجة فلم يؤمن رأس منها أن يستظلَّ سماء ذلك المكانز وفي الحرب السبعينية احتلت جيوش بروسيا مدينة فرسيال , وظلَّ معسكرهم العام فيها من ١٨ سبتمبر سنة ١٨٧٠ إلى ٧ مارس سنة ١٨٧١ وفي القصر الذي بناه لويس الرابع عشر ملك فرنسا الأكبر , نودي بغليوم الأول ملك بروسيا إمبراطوراً على ألمانيا. وبعد جلاء الجيش الألماني عن أرض فرنسا قامت في البلاد حرب أهلية , فتألفت حكومة لمقاومة الثورة وجعلت مركزها فرسيال. وفي ٥ مايو سنة ١٨٨٩ أقيمت في فرسيال احتفالات باهرة بمناسبة التذكار المئوي للثورة الفرنسوية الكبرى. وفي ١٨ أكتوبر سنة ١٨٩٦
استقبلت حكومة فرنسا إمبراطوراً وإمبراطورة روسيا استقبالاً رسميّاً.
أما القصر القائم في مدينة فرسيال والمعروف باسمها فهو من أفخم آثار فرنسا وأجملها. فهو فخمٌ جميلٌ بنفسه , فخمٌ جميلٌ بما جرى فيه من الحوادث , فخمٌ جميلٌ بما يضمّ الآن من الآثار النفسية وطرَف الفنون والصنائع التي يندر أن يوجد لها مثيل.
стр. 1666
وفي الجزء الأوسط من القصر قاعة السلام , وقاعة الحرب وقاعة ديانا , إلاهة الصيد , وقاعة أبولون , وغيرها كثيرو وهناك أيضاً حِجَر الملك وفيها سريره وهو أشبه شيء بعرش للملك لا بسرير للنوم. وفي المؤخر قاعة المرائي الشهيرة وطولها ٧٢ متراً زانها المصوّر لبرون برسوم بديعة الصنع. وإلى جانبي باحة الرخام الكبرى ينبسط جناحا القصر , كل جناح على طول ١٢٠ متراً. وكان الأيسر منها خاصاً بسكنى ماري انطونيت التي قيدت من تلك المقاصير الفخمة إلى ساحة العاب إبان الثورة المشهورة. ولا تزال إلى اليوم حجرتها الخاصة كما تركتها في ذلك العهد. وكان الجزء الأسفل مسكناً لوليّ العهد. أما الجناح الأيمن فكانت فيه مخادع الملك الخاصة. وفيها نافذة محجوبة يطلّ منها الملك على باحة الرخام الكبرى فيرى ولا يُرى. وبعد أن حوّل الملك لويس فيليب القصر إلى متحف في سنة ١٨٣٧ جعل من الجناح الأيمن معرضاً لرسوم الحوادث والوقائع العسكرية ومن الجناح الأيسر معرضاً لصور ورسوم ونقوش تتعلق بتاريخ فرنسا وآثارها المجيدة. وكان في طرف الجناح الأيسر المصّلى وهو آية في جمال الهندسة ورونق الزخرفة , وفي طرف الجناح الأيمن الملعب الذي اتخذه المجلس الوطني مكاناً لاجتماعه من سنة ١٨٧١ إلى سنة ١٨٧٥ ثم تحوّل إلى مجتمع لمجلس الشيوخ إلى سنة ١٨٧٩. وفي سنة ١٨٧٥ أعدت الحكومة في
стр. 1667
الجزء الأوسط مكاناً فسيحاً نوّاب الأمة واليوم مجتمع المجلسين النوّاب والشيوخ عند انعقادهما معاً كاجتماعهما في أواسط الشهر الماضي لانتخاب رئيس الجمهورية , كما رأى القارئ ذلك مفصَّلاً تفصيلاً في صدر هذا الجزء. وفي جنبات القصر وفسحاته وحدائقه تماثيل عديدة من الرخام أو البرونز لمشاهير رجال التاريخ الفرنسي يتوسطها في الباحة الكبرى تمثال بأني القصر لويس الرابع عشر ممتطياً جواده. ومَن ذَكر فرسايل , فقد ذكر قصرَي التريانون بأمر من لويس السادس عشر وأهداه إلى الملكة ماري انطوانِت. أما حدائق فرسايل , فعند وصفها يقف القلم واجماً واللسان عييّاً.
أهي جنة الله في أرضه؟ أم هي إحدى الجنان التي ورد ذكرها في أقاصيص ألق ليلة وليلة؟ فسماؤها وأرضها , وهوائها وماؤها , وأشجارها وغياضها , وأطيارها وأزهارها فتنة العقول والعيون , وأية من آيات الجمال والإبداع.
وبعد هذا - وما هو إلاّ يسير من كثير - ألا يصلح القول بأن مثل هذه الآثار صفحات حية من تواريخ الأمم تقرأ فيها آيات مجدها , وأسفار عظمتها.
стр. 1668
في جنائن الغرب
ضريح الشاب
للشاعر الروسي الشهير بوشكين
هبّتْ سموم الحياة فأذوت وردة الربيع. قصفتها قبل أن يفوح شذاها العطر؛ نزعتها عن الغصن ووارتها التراب. حُجب , فاعتاض عن المحبة والمسرات سكوناً وبرداً مخيفين. كان يحب العذارى عندما كنَّ يجتمعنَ أيام الربيع تحت الأشجار؛ والآن لا صوت له في مجتمعاتهنَّ. كم حسدته أعين الشيوخ , وكم خفقت لمرآة قلوب العذارى؛ كم وكم تهامس الشيوخ عند مرآه كنا نحن أيضاً شباناً , وكان فينا نضارة ونشاط. ستتوالى السنون وتصبح أيها الشاب مثلنا. وآسفاه ألم يصبح مثلكم؟ إنه ذوي قبل أن يجني ثمر الحياة. لم يكد ينشأ حتى قصفته يد المنية. كان بالأمس ففقد. كما تتلاشى أنوار النجوم أمام عظمة الشمس تلاشت حياته أمام ملاك الموت. لا يزال الشيوخ في قيد الحياة وهو ذوي في ربيعها , وصديقات الشاب عاكفات على المسرات كأنه لم يكن. وقلّ إن يرد ذكره في الأحاديث. ولعلّ واحدة هنالك من اللواتي أحببنه تسكب الدمع على ضريحه. هنالك الشاب في آخر الطري - حيث نبتت السروة تتمايل أسفاً على زهرة الحياة الذابلة - عبثاً ترسل أشعتها , ويسبح البدرُ
стр. 1669
في أوقيانوس الفضاء , وتنساب الساقية قرب الضريح مرددةً أنينها المنسجم! عبثاً تتمايل أغصان الغابة , وعبثاً تأتي الحسناء في طلب الأثمار وتضع رجلها وجلة في المياه الباردة. . . لن يوقظه من ظلمات قبره شيء!
عبده أبو حجره
الزهور
الزهور أحلى خلائق الله التي نسيَ أن يضع فيها نفساً ناطقة
هـ. و. بتشر
الزهور شِعرُ الأرض المطرب
إن الزهور كتاب مفتوح قد وضعهُ الخالق لتعليم الإنسان اللطف والتسامح في كل شيء؛ وأحسن برهان على ذلك أن الإنسان يدوسها تحت قدميه , أما هي فترفع رأسها وعلى وجهها ابتسامة جميلة , وإذا أدناها من أنفهِ اشتمَّ رائحة ذكية وهذا معنى الآية ﴿أحسنوا إلى مبغضيكم﴾
دي مونتغميري
خلق الله الزهورَ لزينة الأرض وجمالها , ولتعزية الإنسان؛ ولكنَّ أغبط البشر وأسعدَهم من يجمعُ آيات الحكمة السماوية من زهرة واحدة.
وورد ورث
الزهور تعزية الإنسانية , وكنز القروي الحقير
رسكن
إن العالم بلا زهور كوجهٍ بلا ابتسام , ووليمة لا يرحب أصحابها بالمدعوين؛ بل يقابلونهم بكل عبوسة. أليس الزهور كواكب الأرض , والكواكب زهور السماء؟
مسز بلفور
الخرطوم تعريب بباوي غالي
стр. 1670
قصر سان جيمس
مرّ بالقارئ في غير هذا المكان شيء عن قصر فرسايل كتبناه بمناسبة الجمعية التي عُقدت فيهِ لانتخاب رئيس الجمهورية الفرنسوية. ورأينا بمناسبة اجتماع المندوبين العثمانيين والبلقانيين في قصر سان جيمس بلندن أن ننشر كلمةً عن هذا القصر كتبها خصيصاً لمجلة الزهور كاتبٌ أديبٌ فاضل زاره في العام الماضي قال: سرْ كيفما شئت في شوارع عاصمة الانجليز , لا تجد فيها من عظمة البناء ما تشاهده في غيرها من عواصم الغرب. وما ذلك إلاَّ لأن الانجليز أبعد الناس عن الأبّهة الظاهرة , وأشدهم تمسكاً بالعظمة الحقيقية. فإذا نظرت إلى قصور اللوفر وفرسايل والنويلري؛ ولكنك إذا دخلت إليها وقفت عندها حاسر الرأس خاشع الطرف , مما يتمثل لك من عظمة الملك ورفعة السؤدد. ولعلَّ الانجليز أحرص الناس على آثار ملوكهم , وقصور عظمائهم. والعبرة عندهم بما وقع في تلك القصور من الحوادث التاريخية الخطيرة. ولذلك تراهم ينظرون إلى قصر سان جيمس مثلاً , فتطربهم ذكرى ما وقع فيه وطرأ عليه. مررتُ بهذا القصر لأوَّل مرة , فوجدته ذا منظر حقير من الخارج , حتى ظننتني واقفاً أمام بيت رجل من طبقة العامة. ولولا صديق لي
стр. 1671
كان معي ولفت نظري إليهِ ما صدَّقت أنني واقف أمام قصر من أعظم قصور الانجليز. بني هذا القصر في عهد الملك هنري الثامن الذي اتخذه مسكناً له. إلا أن ملوك انجلترا الذين جاءوا بعده لم يتخذوه مقرّاً خاصّاً حتى عهد الملك وليم الثالث. ويظهر أنه لم يبقَ اليوم من بنائه الأصلي إلا آثار قليلة , فإن ناراً هائلة التهمت معظمه في سنة ١٨٠٩ , فدمرت جناحه الشرقي. ثم أُعيد بناؤه بالنسق الذي هو عليهِ اليوم. أما الدخول إليه فيقتضي طلب إذن خاص إلا في بعض المواسم التي يعرض فيها الجيش في فناء القصر إذ يستطيع الزائرون الدخول إلى الباحة الكبرى ليشاهدوا حفلة العرض. ولهذا القصر تاريخ يترنح له الانجليز لذكراه. فإن اسمه مقرونٌ عندهم بذكر ملوك وملكات وساسة وعظماء تركوا بعدهم ذكراً مجيداً. فهو القصر الذي سكنه الملك هنري الثامن وادورد السادس والملكة اليصابات. وإليه لجأت الملكة ماري عند غياب زوجها , وأقامت به حتى وفاتها. وكان هذا القصر مقرّ الملك شارلس في أهنأ أيام ملكه , وفيه ولد معظم أولاده. ولما حُكمِ عليه بالموت صلّى صلاته الأخيرة في البيعة التي في داخله , ثم خرج منها واجتز في حديقتهِ محاطاً بثلةٍ من الجند الذين اقتادوه إلى المشنقة كما هو معروف عند دارسي التاريخ. وقد ودَّعهُ أولاده في
ذلك اليوم وداعاً اتخذه كثيرون من الرسَّامين موضوعاً تفنَّنوا بهِ وأبدعوا ما شاءَ لهم الفنَ. وكان القائد مونك الشهير
стр. 1672
يعقد موآمرته السياسة في هذا الصرح ويسعى لإعادة الملك المخلوع. وفيهِ أيضاً وُلد البرنس جيمس فردرك ادورد الذي كان مطالباً بعرش انجلترا. وكان البعض يعتقدون أنهُ لم يكن ابناً شرعياً بل نقل إلى غرفة أمهِ الملكة بطريقة الخداع. ومن أدلتهم على ذلك أن السرير الذي وُجد فيهِ الطفل مقمطاً كان إلى مؤخرة الدَّرج التي في داخل القصر بعيداً جداً عن أنهِ. على أن هذا الزعم لم يبقَ من يؤيدُه اليوم في انجلترا. ومن الحوادث الخطيرة التي وقعت في هذا القصر أن الملك جيمس الثاني نام فيهِ في الليلة التي سبقت تتويجهُ. ومن هناك هرب ولم يرجع إلى انجلترا قط. ولما جاء وليم أوف أورنج اتخذه مقرّاً له ريثما يستتب له العرش. وبلغ قصر سان جيمس ذروة شهرتهِ على عهد الملكة حنة وزوجها؛ فإنهُ أصبح منذ ذلك الحين مركزاً لسائر الحفلات والمقابلات الرسمية. وسكن فيهِ جورج الأول والثاني والثالث والرابع. ولما جاءَ وليم الرابع اتخذه هو والملكة أدلائيد مقرّاً لهما؛ وأقاما كثيراً من الحفلات الرسمية؛ إلاَّ أن شمس سعده آذنت بالأفوال عند ارتقاء الملكة فيكتوريا إلى العرش فأنها أهملتهُ ووقفتهُ على بعض الحفلات الرسمية فقط. وربما كان آخر الحفلات التي جرت فيهِ حفلة اليمين التي أقسمها المرحوم الملك ادورد السابع عند ارتقائهِ العرش , ثم حفلة اجتماع المندوبين الأتراك بمندوبي البلقان للبحث في شروط الصلح كما يعلم القراء.
س. ع
стр. 1673
في حدائق العرب
الانتقاد
انتقادُ الخنساءِ لشعر حسَّان بن ثابت مشهورٌ؛ والخنساءُ من شهيرات شواعر العرب , وهي تماضر بنت عمرو بنت الحارث بنت عمرو بن الحارث بن الشريد المضريّ. والخنساءُ لقبٌ غلب عليها , وكنيتها أمُّ عمرو. وقد ضرب بها المثل في حزنها على أخيها الآخر. قيل لجرير: مَن أشعرُ الناس؟ تبيّن الضعفُ فيهِ. قيل: أوَ كذلك الخنساء؟ قال: تلك فوق الرجال. أما انتقادها الذي أشرنا إليهِ فإليك خبره: أنشدت الخنساء النابغةَ قصيدةً في أحد المواسم. فقال لها إنكِ أشعر من كل ذات ثديين وكان حسَّان بن ثابت ممن أنشدوا في ذلك الموسم , فغضب من إطراء النابغةَ الخنساءَ , وقال أنا أشعر منكَ ومنها فقال النابغة خاطبيهِ يا خنساء فقال لحسان ما أجوَد بيت في قصيدتك قال: هذا البيت
لنا الجفناتُ الغرُّ يلمعنَ بالضحى ... وأسيافنا يقطرنَ من نجدةٍ دَما
فقالت: ضعَّفتَ افتخارك , وأنزرتهُ في ثمانية مواضع من هذا البيت؛ فقد قلتَ لنا الجفنات والجفنات ما دون العشر , ولو قلتَ الجفان لكان أكثر؛ وقلتَ الغرُّ والغرَّة بياض في الجبهة , ولو قلتَ البيضُ لكان أكثر اتساعاً؛ وقلتَ يلمعنَ واللمع شيءٌ يأتي بعد شيء , ولو قلت يشرقنَ لكان أفضل؛ وقلتَ بالضحى ولو
стр. 1674
قلتَ (بالدجى لكان أكثر طراقاً؛ وقلتَ أٍسيافنا والأسياف ما دون العشرة , ولو قلتَ سيوف لكان أكثر؛ وقلتَ يقطرنَ ولو قلتَ يسلنَ لكان أكثر؛ وقلتَ دَماً والدِماء أكثر من الدم. فسكت حسان ولم يحر جواباً.
ثمرات المطابع
حديث عيسى بن هشام
لمحمد بك المويلحي
كلفتني الزهور أن أنتقد حديث عيسى بن هشام لمحمد بك المويلحي. فكرهت في أول الأمر أن أضع نفسي بين الأدباء في موضع يحقُّ لهم أن ينكروه عليَّ , لأنني ما كتبت قبل الآن فكيف بهم إن رأوني دسست نفسي بينهم لانتقد كتاباً أنشأه كبير من كبارهم , والمنتقد مكروه عندهم ولو كان ذا إطلاع واسع ومادة غزيرة. ولكنني آنست من اسم المويلحي فائدة للناس كالفائدة التي عادت علينا جميعاً من ما هنالك للمرحوم أبيه , فقرأت كتاب الابن متيمناً باسم الوالد. كنت إذا أتاني كتاب عربيٌّ أُلقي عليه نظرة لأرى حجمه؛ فإن كان غليظاً ثخيناً قرأت اسم المنشئ , فإن كان ذلك الكتاب أول عهد المؤلف بالتأليف قلت أن في الرجل بعض الغرور لأني لا أتوسم خيراً في رجل لم روّض نفسه على التأليف من قبل , ثم هو يرمي إلى القراء كتاباً
стр. 1675
ضخماً لا يقدم عليه إلا كل محنَّك في هذه الصناعة؛ لأن الإنشاء كبقية الصنائع يجب على الإنسان إن أراد التفوّق فيه أن يمارسه كثيراً , ويجهد نفسه في كل يوم لتقويم إعوجاجه , وتصحيح هفواته. وخير طريق للمرء تبلغه ذلك , الاقتداء بكبار المنشئين , والمقارنة اليومية بين عمله وعملهم , وأسلوبه وأسلوبهم , ي مؤلفات صغيرة ينشئها من حين إلى آخر. فإن ارتاحت نفسه إلى المقارنة , وآنس منها الفلاح , جازله بعد ذلك التعرض للمواضيع الواسعة المؤلفات الضخمة. أذف إلى ذلك أن من عرّض نفسه للتأليف وجب عليه أن يضع نصب عينيه التفوّق فيه , ذلك أولاً لأن المؤلف حرّ في أن يظهر كتابه متى شاء فأحر به أن لا يظهره إلا بعد أن يكون أتم بنيانه وأحكمه , ومحص كلياته وجزئياته. فإن أظهره قبل ذلك عدَّ مغروراً أو محتاجاً , والقارئ لا يغتفر له غروره وليس عليه سدّ احتياجاته , ثانياً لأن المنشئ يعلل نفسه بأن كتباه سيعمرّ طويلاً , والعمر الطويل في البنية الصحيحة. وهناك قاعدة أخرى أشير إليها إشارة خفيفة لأنها لا تحتاج إلى بيان كبير , وهي تنحصر في أن كل مؤلف يعتمد على جهل قرائه في عدم كشف خطأِه لهو شرُّ المؤلفين.
هي قواعد أولية , تكاد تكون بديهية؛ ويسؤني ويسوء كل مجتهد أن ترى بعضاً من جماعة
المؤلفين العربيين أغفلوها فانكبّوا عليها. ولا غرابة
стр. 1676
في ذلك لأن حبَّ الكمال والجمال طبيعة في الإنسان يهتز له فيسعى إليه من كل صوب. خذا أكثر الكتب العربية التي أنشئت في هذه السنين الأخيرة وأنا الكفيل لك أن ترى فيها إحدى الخلال الآتية: إما أن يكون الكتاب متين اللغة تافه الموضوع , وأما تافه الموضوع وركيك اللغة معاً , وقلما وجدت كتاباً متيناً لغة وموضوعاً. موضوع حديث عيسى بن هشام أو فترة من الزمن بسيط. وخلاصته أن عيسى بن هشام , رأى في المنام , أنه بينما هو سائر بين القبور يحدث نفسه بغرور الإنسان إذا برجّةٍ عنيفة من خلفه. فرأى قبراً قد انشقّ وخرج منه دفين كان في حياته أحد البلشاوات المعاصرين لمحمد علي باشا , وطلب إليه أن يسير معه في أنحاء القاهرة. وعند خروجهما من المقبرة تعرض لهما مكاريٌّ مكَّار وأراد خدعهما , فتشاجروا فأدَّت بهم المشاجرة إلى تداخل البوليس فقاد الجميع إلى القسم , ومن القسم إلى النيابة فالمحكمة. وبعد انتهاء المحاكمة أراد الباشا التطواف في القاهرة فسار يصحبه عيسى بن هشام وزار منتدياتها وحوانيتها ومحال اللهو فيها إلى غير ذلك. وغرض الكاتب من هذا كله انتقاد كل شيء وقع النظر عليه من الحمَّار المكار إلى الهرم الكبير. والكتاب يقع في ٤٤٧ على هذا المنوال وكل ما جاء فيها رآه عيسى بن هشام في المنام.
стр. 1677
قبل كل شيء أرى أن محمد بك المويلحي أخطأ في تسمية كتابهِ حديث عيسى بن هشام لأن عيسى بن هشام هذا يعرفهُ صغار التلاميذ وكل ناطق بالضاد أنهُ رجل بديع أزمان الهمذاني عزى إليهِ البديع رواية المقامات التي ابتدعها. وإني لأخاف أن يرى المجتهدون في هذه التسمية حيلة على ترويج الكتاب. عجبت من هذه التسمية كما يعجب محمد بك المويلحي نفسه لو رأى كتاباً لي ومن وضعي اسمهُ كليلة ودمنة أو سقط الزند. وزاد تعجبي أيضاً عندما رأيت أن المنشئ اقتصر في إهداء كتابه إلى أرواح أبيهِ الأديب , وجمال الدين الأفغاني الحكيم , ومحمد عبده العالم , والشنقطيطي اللغوي , والباردوي الشاعر , وأغفل عمداً أو عن غير عمدٍ بديع الزمان. ليس من العدل أن يؤخذ اسم رجل شهرهُ البديع حتى صار كنار على علم ويزان به كتاب توخي فيه أسلوب البديع في الإنشاء والتسجع ثم يضنّ عليهِ بهدية معنوية لا قيمة لها.
حدث عيسى بن هشام أنهُ رأى في المنام القبور تفتح ويخرج منها دفين , وحمَّاراً يخدع
الدفين , وشرطيّاً يحابي الحمار , ومأموراً يحابي الشرطي , ومفتشاً يحابي القاضي , وناظر حقانيه يحابي لجنة المراقبة , ومحامياً يخدع الجميع. كل هذا رغبة منهُ في انتقاد الحمَّار والعسس والمأمور والمفتش
стр. 1678
والنيابة والقاضي ولجنة المراقبة والحقانية والمحامي ولكنهُ لم ينتقد شيئاً فيهم بل طعن عليهم , والانتقاد شيء والطعن شيء آخر. ويجب على المنتقد أن يأتي بالبرهان الصادق , والبرهان مشقة عقلية , فاختار المؤلف الطعن لكي لا يتكلف البرهان. المنتقد يصف الدواء والطاعن لا يصف شيئاً. نظامنا الحالي أرقى نظام وجد إلى الآنز فيهِ إضرار وفيهِ منافع ولكن منافعه أكثر من ضرره. فمسخهُ على هذه الصورة , وعرضهُ على الناس بهذا الشكل القبيح ليس من العدل في شيء ولا من حسن الإنشاء أيضاً. زار الباشا يصحبهُ عيسى بن هشام القسم فقلم السوابق فغرفة التحقيق فمحكمة أول درجة , فمحكمة الاستئناف فمكتب المحامي , فلم ير سوى الرشوة والإهمال والنصب والكسل والمحاباة والاغتيال والسرقة إن هذا التعميم تحامل معيب لا يصدقهُ فيهِ أحد وأني أنكره عليه وادعوه إلى دار المحكمة الأهلية يوماً لينظر بعينيه كيف يعامل المتقاضون ويسمع بأذنيهِ الأحكام التي يصدرها القضاة. وسار الباشا يصحبه عيسى إلى الحانات والفنادق وأندية المقامرين وقال فيهم ما قال مالك في الخمر. فلا أرى بأساً؛ غير أن كلامه عليهم أصبح مبتذلاً يعلمه الخاص والعام وقد ردده الناس منذ أبينا نوح أول من سكر إلى اليوم فلم يأتنا المؤلف بشيء جديد من عنده. ثم تحامل المؤلف على هيئتنا الاجتماعية تحاملا لا يبرره شيء حتى أن الباشا تعامى عن كل عمل صحيح فيها. سار الباشا ما سار وطاف ما
стр. 1679
طاف , فلم ير خط التراموى ولا أوتوبيلاً ولا تلفوناً ولا نوراً كهربائياً , وإن رأى شيئاً من ذلك عرضاً لم يسأل عنهُ ولم يتعجب منه , ذلك أما أن يكون لضعف في التأليف وأما لغرض في نفس المؤلف لكي لا يسوقه الكلام في ذلك إلى مدح مدنيتنا التي قد لا تروقه. وسمع عيسى بن هشام ما سمع ورأى ما رأى وطاف ما طاف , في منام واحد لم يستيقظ منهُ لحظة واحدة لا فزعاً من الدفين الخارج من القبر , ولا على صياح الباعة وضوضاء المدينة , ولا من شيء آخر. وكنت قد أمَّلت أن المؤلف سيوقظه في آخر بعد ٤٤٧ صفحة فخاب ما أمَّلت وأظنه لا يزال نائماً إلى اليوم. لا بل ذكر المؤلف أن عيسى بن هشام رأى في المنام أنهُ دخل إلى غرفتهِ ونام صفحة ٤٤٣. تالله لم يبق
للتعجب موضع.
لو أردت أن أتتبع المؤلف في كل خطواته لاضطررت إلى إنشاء كتاب أضخم من كتابه انتقاداً ليه وأني ما اعتدت الكتابة إلاّ قليلاً فأحجمت عن ارتكاب خطأ وقع هو فيه. ولكني لا أختم هذه المقالة قبل أن أذكر للقراء شيئاً من حسن ذوق المؤلف في التأليف , واختياره البرهان الصحيح على ما يقدمه من المقدمات. قال: كان محمد علي باشا الكبير معجزة دهره وآية عصره في الدهاء وعلوّ وبعد النظر. . . . وإني أعرف قصة في حسن
стр. 1680
الإجمال والإدماج وذلك أن صدر أمره إلى المرحوم حسن باشا الانجير كويلي بتعيينه حاكماً على السودان فامتنع الرجل وأظهر عجزه لجهله باللغة العربية وقال كيف يمكني أن أتولى أمور قوم لا أعرف حرفاً واحداً من لغتهم فدعاه محمد علي وقال: ليست معرفة اللغة مما تقضيه ولاية الأحكام ولا أن تكتفي بمعرفة كلمتين اثنتين في اللغة العربية يجري بهما لسانك وهما فلوس كرباج ويحه ألم يخجل من خديوينا حفيد ذلك الرجل الكبير. إنها فرية على محمد علي باشا وهو معجزة دهره وآية عصره في الدهاء وعلو الهمة وبعد النظر إن من كان ذلك الرجل لا يقول هذا القول
ا. ي
التصوير الشمسي والزنكوغراف - لشكري أفندي صادق ولعٌ خاص بالفنون الجميلة والصنائع. وقد أتحف قرّاء العربية بأبحاث جليلة في هذا الباب. والكتاب الذي نحن بصدده الآن يبحث في صناعة التصوير الشمسي والحفر على الزنك من الوجهتين العلمية والعملية , وهو مزين بصور ورسوم كثيرة تساعد القارئ على تفهّم ما فيه من القواعد والشرور. ولا غنى لطلاب التصوير الشمسي من اقتناء مثل هذا الكتاب الحافل بالفوائد.
تاريخ الفنون الجميلة اليونانية - هذا الكتاب أيضاً للشاب
стр. 1681
النشيط الأديب شكري أفندي صادق. ومن عرف الشأو البعيد الذي بلغته الفنون عند قدماء اليونان يعرف الفائدة التي يمكننا أن نجنيها من درس تاريخ الفنّ اليوناني الذي عبرّوا عنه بكلمة واحدة وهي الجمال فنقني على شكري أفندي الثناء الجميل ذاكرين له اعتناءَه بالفنون الجميلة على قلة المعتنين بها اليوم في الشرق.
قانون الزواج - هو أكبر كتاب علمي فيسيولوجي صدر في بابه في اللغة العربية. وضعه
حضرة الكاتب الفاضل إلياس أفندي الغضبان صاحب تاريخ الإنسان الطبيعي وضمَّنه نواميس الزواج الطبيعية وشروطه الصحية والأدبية وأهم ما توصل إليه العلم والاستقراء فيما يتعلق بتعليل الجنس والحمل والولادة والمولود والأمراض الناشئة من الإفراط وغير ذلك. وقد عمد حضرته في وضع هذا السفر الكبير إلى أحدث ما كتبه علماءُ الغرب في هذا الباب وإلى ما جمعه من كتب العرب مراعياً في ذلك الأنسب لعاداتنا وللمحيط الذي نحن فيه , فجاءَ كتابه ملأنا بالفوائد والملاحاظات الطبية التي يهم المتزوجين وطلاّب الزواج أن يطلعوا عليها , فيستفيدوا مما فيها من النصائح والإرشادات التي كثيراً ما يتوقف عليها هناء الزوجين مادياً وأدبياً. والكتاب مزين برسوم كثيرة وهو مكتوب بعبارة سهلة منسجمة.
روض الرياحين - أو الجزء الأول مما كتبه حضرة الأديب
стр. 1682
ظاهر أفندي الريس قبل الثلاثين. وهو مجموعة الرسائل التي نشرها في جريدة المقطم. ولما كانت هذه الرسائل تتناول مواضيع شتى من أدبٍ وسياسة وفكاهة واقتصاد , فإنها لم تفقد جدتها بفوات الحوادث التي كتبت بصددها. ولذلك يمكن القارئ أن يجد فيها لذة وفائدة لاسيما وإن كاتبها الفاضل بعيد عن الدعوى يروي الحقائق كما يراها ليستفيد منها وليشاركه غيره في الفائدة. وهذه صفة من أجلّ صفات الكتّاب والمنشئين.
تاريخ الصحافة العربية - أنجز حضرة الفاضل الفيكونت فيليب دي طرازي كتاب تاريخ الصحافة العربية ومثل للطبع على ورق صقيل بحجم كبير. وهو يبحث عن مجمل أخبار صحافتنا الشريفة وآدابها منذ ظهورها حتى الآن في العالم كله. ويشتمل أيضاً على حوادث كل جريدة أو مجلة أو نشرها موقوتة بلا استثناء واحدة منها مع رسوم أصحابها والمحررين فيها. وقد أضاف إلى ذلك تراجم مشاهير الصحافيين حرصاً على صيانة آثارهم وتنويها بفضلهم وتخليداً لذكرهم في القرون اللاحقة. ولا شك أن مثل هذا العمل المجيد قد اقتضى من حضرة الكاتب عملاً شاقاً , وجلداً كبيراً. فنحن نثني على همته كل الثناءِ , ونتمنى لكتابه الرواج الكبير.
الصحة والآداب - كتاب وضعه الدكتور بول جود من أطباءِ البحرية الفرنساوية وعرّبة حضرة الأديب الفاضل فريد أفندي يوسف
стр. 1683
بزري. وقد عرف العلماءُ مزية هذا المؤلَّف فنقلوه إلى لغات شتى وجعلوه بين أيدي الناشئة ليتعلموا منه ما يجب عليهم لحفظ صحتهم
وآدابهم فللمترجم الأديب الشكر الوافر.
مواليد شهر فبراير شباط
يزعم الكثيرون أن لليوم والشهر اللذين يولد فيهما الإنسان تأثيراً في أخلاقه وحياته. وها نحن ناشرون على سبيل الفكاهة شيئاً من ذلك عن شهر فبراير شباط
١ منه ثوريّون يحبون الحرية وينزعون إليها
٢ منه من عشاق الثوب العسكري , تطربهم فخفخة الألقاب وصليل السيوف
٣ منه سيئو الأخلاق , محرمون من لذة المعيشة العائلية
٤ منه يحبون التنقل في الأعمال , ويوفّقون في الغالب إلى وجودها
٥ منه معسرون في شبابهم وعزوبتهم ويثرون بزواجهم
٦ منه أفكارهم سامية , ويميلون إلى الاجتماعات
٧ منه أخلاقهم شيئة ويحبون الانفراد
٨ منه كبار العقول مفكرون ولهم بالمصائب أعظم درس ويميلون إلى الأشغال الرياضية
٩ منه ذوو رزانة وحزم , بطيئو الحركة , معتدلون في طلباتهم
١٠ منه حسَّاد كسالى , يتمنون ولا ينالون
١١ منه حمقاء يحبون الخصام سريعو الغضب سريعو الرضي
١٢ منه سيئو الإدارة معرضون دائماً إلى خطر الفقر
стр. 1684
١٣ منه قساة القلوب , متصلبوا الرأي عديمو الحركة أمام مصائب الزمان
١٤ منه ذوو أمزجة حادة , يتأثرون لأقلّ الأمور وينظرون لكل شيء بعين الاستغراب
١٥ منه يطرون الانتحار ويلجأون إليه متى تعسرت أمورهم
١٦ منه يميلون إلى الاشتغال بالزراعة , وأمامهم مستقبل حسن
١٧ منه طائشون تتملكهم العادات الشريرة ولا ينجون منها إلاَّ بصعوبة في أيام كهولتهم
١٨ منه سريعو الخاطر , جريئون ويفوزون بالمناصب العسكري
١٩ منه ذوو أفكار عالية وآراء صائبة وينالون الشرف والثروة
٢٠ منه لينو العريكة ذوو صدور رحبة يوفقون إلى سعادة المعيشة العائلية
٢١ منه بطيئو الحركة يجلبون لأنفسهم الخسائر المالية
٢٢ منه ميالون إلى الأشغال الإدارية ويصلحون للمراكز السامية
٢٣ منه سعداء في حياتهم قانعون بما يلغوا إليهِ
٢٤ منه ضعفاء العقول متقلبو الرأي مع شيء من الحمق
٢٥ منه يُحيطهم الشقاء كيفما اتجهوا ولكنهم صبورون ويفوزون في النهاية
٢٦ منه يتزوجون من غير جنسهم طمعاً بالثروة ويعيشون بهناء
٢٧ منه أسفارهم محفوفة بالمخاطر
٢٨ منه مهددون بالخراب ويوقفون لتربية أبنائهم تربية صالة فيسعدون بهم.
أ. غ
стр. 1685
رأي في اللغة
قلنا كلمة في جزء سابق عن حديث القمر وهو الكتاب الذي وضعه حضرة الكاتب المجيد مصطفى أفندي صادق الرافعي. وكان إن انتقد المؤلف أحد الكتاب وآخذه ببعض ألفاظ قال أنها من استعمال العامة. فنشر الرافعي رداً على ذلك نقتطف منه ما يأتي , قال:. . . كأننا لا نزالُ نحتاجُ كلّ حرفٍ ووضع كل كلمة إلى نصوص هؤلاء أصحاب الصحاح واللسان والقاموس وكأنّ هذه اللغة لا تجري على قواعد يمكن أن تنزل منزلة السنن الطبيعية في الحياة , بحيث لا تأبى في عصر من العصور أن يُضافَ إليها شيءٌ من المستحدثات الزمنية. وإلاَّ فكيف وضعها العرب إذن , وكيف تبسطوا فيها حتى بلغت بهم ما بلغت بهم من السعة , كيف جاء القرآن الكريم من ألفاظهم نفسها وأجراه فيما لم يستعملوه ولا هم بهِ عهد , وهو مُعجزة القوم , وكيف فصحت الألفاظ المولَّدة وأسماء المستحدثات العلمية حتى ألحقت بمادة اللغة؟؟
إنَّ القول بأن هذه فصيحة , وهذه مولّدة قد مضى زمنه. فإنما كان الباعث عليهِ قرب عهد الرُواة من فصحاء الأعراب في الصدر الأول , ثم تقليد علماء اللغة من المتأخرين لأولئك الرواة تحقيقاً بشروط هذا العلم الذي يحملونهُ وبآدابه التاريخية إذا كنَّا في كلّ نقول: نصَّ الجوهري وابن مكرم والمجد وفلان وفلان , ونغفل عما وراءَ ذلك مما تنصُّ عليهِ طيعة اللغة من أوزانها وقواعدها وطُرُق الوضع والاستعمال فيها , فما نحن بأهل هذه اللغة ولا بالقائمين عليها , ولا هي لغة عصرنا , إنما هي لفة الجوهري وابن مكرم والمجد وفلان وفلان.
لستُ أتردّد في القول بأن سبب الضعف الذي طرأ على هذا اللسان إنما هو في هذه العقول الضعيف الذي طرأ هذا اللسان إنما هو في هذه العقول الضعيفة التي تقوم عليهِ أسوأ القيام , لا بالنظر ولكن بالتقليد الأعمى , فلا نزال نرجع بكل لفظة إلى حدود البادية , كأنَّ هذه البادية العربية هي جغرافية اللغة , وإنما يستقيم مثل هذا إذا كانت اللغة , وإنما يستقيم مثل هذا إذا كانت اللغة ميتة ليس فيها قوة النموّ كهذه العقول التي يغني عنها كلها كتابٌ واحد كلسان العرب.
أبو السامي الرافعي
следующие страницы →