Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
النشيط الأديب شكري أفندي صادق. ومن عرف الشأو البعيد الذي بلغته الفنون عند قدماء اليونان يعرف الفائدة التي يمكننا أن نجنيها من درس تاريخ الفنّ اليوناني الذي عبرّوا عنه بكلمة واحدة وهي الجمال فنقني على شكري أفندي الثناء الجميل ذاكرين له اعتناءَه بالفنون الجميلة على قلة المعتنين بها اليوم في الشرق.
قانون الزواج - هو أكبر كتاب علمي فيسيولوجي صدر في بابه في اللغة العربية. وضعه
حضرة الكاتب الفاضل إلياس أفندي الغضبان صاحب تاريخ الإنسان الطبيعي وضمَّنه نواميس الزواج الطبيعية وشروطه الصحية والأدبية وأهم ما توصل إليه العلم والاستقراء فيما يتعلق بتعليل الجنس والحمل والولادة والمولود والأمراض الناشئة من الإفراط وغير ذلك. وقد عمد حضرته في وضع هذا السفر الكبير إلى أحدث ما كتبه علماءُ الغرب في هذا الباب وإلى ما جمعه من كتب العرب مراعياً في ذلك الأنسب لعاداتنا وللمحيط الذي نحن فيه , فجاءَ كتابه ملأنا بالفوائد والملاحاظات الطبية التي يهم المتزوجين وطلاّب الزواج أن يطلعوا عليها , فيستفيدوا مما فيها من النصائح والإرشادات التي كثيراً ما يتوقف عليها هناء الزوجين مادياً وأدبياً. والكتاب مزين برسوم كثيرة وهو مكتوب بعبارة سهلة منسجمة.
روض الرياحين - أو الجزء الأول مما كتبه حضرة الأديب
стр. 1682
ظاهر أفندي الريس قبل الثلاثين. وهو مجموعة الرسائل التي نشرها في جريدة المقطم. ولما كانت هذه الرسائل تتناول مواضيع شتى من أدبٍ وسياسة وفكاهة واقتصاد , فإنها لم تفقد جدتها بفوات الحوادث التي كتبت بصددها. ولذلك يمكن القارئ أن يجد فيها لذة وفائدة لاسيما وإن كاتبها الفاضل بعيد عن الدعوى يروي الحقائق كما يراها ليستفيد منها وليشاركه غيره في الفائدة. وهذه صفة من أجلّ صفات الكتّاب والمنشئين.
تاريخ الصحافة العربية - أنجز حضرة الفاضل الفيكونت فيليب دي طرازي كتاب تاريخ الصحافة العربية ومثل للطبع على ورق صقيل بحجم كبير. وهو يبحث عن مجمل أخبار صحافتنا الشريفة وآدابها منذ ظهورها حتى الآن في العالم كله. ويشتمل أيضاً على حوادث كل جريدة أو مجلة أو نشرها موقوتة بلا استثناء واحدة منها مع رسوم أصحابها والمحررين فيها. وقد أضاف إلى ذلك تراجم مشاهير الصحافيين حرصاً على صيانة آثارهم وتنويها بفضلهم وتخليداً لذكرهم في القرون اللاحقة. ولا شك أن مثل هذا العمل المجيد قد اقتضى من حضرة الكاتب عملاً شاقاً , وجلداً كبيراً. فنحن نثني على همته كل الثناءِ , ونتمنى لكتابه الرواج الكبير.
الصحة والآداب - كتاب وضعه الدكتور بول جود من أطباءِ البحرية الفرنساوية وعرّبة حضرة الأديب الفاضل فريد أفندي يوسف
стр. 1683
بزري. وقد عرف العلماءُ مزية هذا المؤلَّف فنقلوه إلى لغات شتى وجعلوه بين أيدي الناشئة ليتعلموا منه ما يجب عليهم لحفظ صحتهم
وآدابهم فللمترجم الأديب الشكر الوافر.
مواليد شهر فبراير شباط
يزعم الكثيرون أن لليوم والشهر اللذين يولد فيهما الإنسان تأثيراً في أخلاقه وحياته. وها نحن ناشرون على سبيل الفكاهة شيئاً من ذلك عن شهر فبراير شباط
١ منه ثوريّون يحبون الحرية وينزعون إليها
٢ منه من عشاق الثوب العسكري , تطربهم فخفخة الألقاب وصليل السيوف
٣ منه سيئو الأخلاق , محرمون من لذة المعيشة العائلية
٤ منه يحبون التنقل في الأعمال , ويوفّقون في الغالب إلى وجودها
٥ منه معسرون في شبابهم وعزوبتهم ويثرون بزواجهم
٦ منه أفكارهم سامية , ويميلون إلى الاجتماعات
٧ منه أخلاقهم شيئة ويحبون الانفراد
٨ منه كبار العقول مفكرون ولهم بالمصائب أعظم درس ويميلون إلى الأشغال الرياضية
٩ منه ذوو رزانة وحزم , بطيئو الحركة , معتدلون في طلباتهم
١٠ منه حسَّاد كسالى , يتمنون ولا ينالون
١١ منه حمقاء يحبون الخصام سريعو الغضب سريعو الرضي
١٢ منه سيئو الإدارة معرضون دائماً إلى خطر الفقر
стр. 1684
١٣ منه قساة القلوب , متصلبوا الرأي عديمو الحركة أمام مصائب الزمان
١٤ منه ذوو أمزجة حادة , يتأثرون لأقلّ الأمور وينظرون لكل شيء بعين الاستغراب
١٥ منه يطرون الانتحار ويلجأون إليه متى تعسرت أمورهم
١٦ منه يميلون إلى الاشتغال بالزراعة , وأمامهم مستقبل حسن
١٧ منه طائشون تتملكهم العادات الشريرة ولا ينجون منها إلاَّ بصعوبة في أيام كهولتهم
١٨ منه سريعو الخاطر , جريئون ويفوزون بالمناصب العسكري
١٩ منه ذوو أفكار عالية وآراء صائبة وينالون الشرف والثروة
٢٠ منه لينو العريكة ذوو صدور رحبة يوفقون إلى سعادة المعيشة العائلية
٢١ منه بطيئو الحركة يجلبون لأنفسهم الخسائر المالية
٢٢ منه ميالون إلى الأشغال الإدارية ويصلحون للمراكز السامية
٢٣ منه سعداء في حياتهم قانعون بما يلغوا إليهِ
٢٤ منه ضعفاء العقول متقلبو الرأي مع شيء من الحمق
٢٥ منه يُحيطهم الشقاء كيفما اتجهوا ولكنهم صبورون ويفوزون في النهاية
٢٦ منه يتزوجون من غير جنسهم طمعاً بالثروة ويعيشون بهناء
٢٧ منه أسفارهم محفوفة بالمخاطر
٢٨ منه مهددون بالخراب ويوقفون لتربية أبنائهم تربية صالة فيسعدون بهم.
أ. غ
стр. 1685
رأي في اللغة
قلنا كلمة في جزء سابق عن حديث القمر وهو الكتاب الذي وضعه حضرة الكاتب المجيد مصطفى أفندي صادق الرافعي. وكان إن انتقد المؤلف أحد الكتاب وآخذه ببعض ألفاظ قال أنها من استعمال العامة. فنشر الرافعي رداً على ذلك نقتطف منه ما يأتي , قال:. . . كأننا لا نزالُ نحتاجُ كلّ حرفٍ ووضع كل كلمة إلى نصوص هؤلاء أصحاب الصحاح واللسان والقاموس وكأنّ هذه اللغة لا تجري على قواعد يمكن أن تنزل منزلة السنن الطبيعية في الحياة , بحيث لا تأبى في عصر من العصور أن يُضافَ إليها شيءٌ من المستحدثات الزمنية. وإلاَّ فكيف وضعها العرب إذن , وكيف تبسطوا فيها حتى بلغت بهم ما بلغت بهم من السعة , كيف جاء القرآن الكريم من ألفاظهم نفسها وأجراه فيما لم يستعملوه ولا هم بهِ عهد , وهو مُعجزة القوم , وكيف فصحت الألفاظ المولَّدة وأسماء المستحدثات العلمية حتى ألحقت بمادة اللغة؟؟
إنَّ القول بأن هذه فصيحة , وهذه مولّدة قد مضى زمنه. فإنما كان الباعث عليهِ قرب عهد الرُواة من فصحاء الأعراب في الصدر الأول , ثم تقليد علماء اللغة من المتأخرين لأولئك الرواة تحقيقاً بشروط هذا العلم الذي يحملونهُ وبآدابه التاريخية إذا كنَّا في كلّ نقول: نصَّ الجوهري وابن مكرم والمجد وفلان وفلان , ونغفل عما وراءَ ذلك مما تنصُّ عليهِ طيعة اللغة من أوزانها وقواعدها وطُرُق الوضع والاستعمال فيها , فما نحن بأهل هذه اللغة ولا بالقائمين عليها , ولا هي لغة عصرنا , إنما هي لفة الجوهري وابن مكرم والمجد وفلان وفلان.
لستُ أتردّد في القول بأن سبب الضعف الذي طرأ على هذا اللسان إنما هو في هذه العقول الضعيف الذي طرأ هذا اللسان إنما هو في هذه العقول الضعيفة التي تقوم عليهِ أسوأ القيام , لا بالنظر ولكن بالتقليد الأعمى , فلا نزال نرجع بكل لفظة إلى حدود البادية , كأنَّ هذه البادية العربية هي جغرافية اللغة , وإنما يستقيم مثل هذا إذا كانت اللغة , وإنما يستقيم مثل هذا إذا كانت اللغة ميتة ليس فيها قوة النموّ كهذه العقول التي يغني عنها كلها كتابٌ واحد كلسان العرب.
أبو السامي الرافعي
стр. 1686
العدد ٣٢ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩١٣
السنة الرابعة
للزُّهور
يبتدئ في هذا الشهر فصل الربيع، فتتفتّح الأزهار، وتتزَّين الطبيعة بأبهى حلُاها، وفي هذا الشهر أيضاً تبتدئُ الزهور السنة الرابعة من حياتها، ولزهور الأدب أسوة بأزهار الرياض. وها نحن اليومَ آخذون، مع أنصار هذه المجلة من أفاضل الكتاب والشعراء، بجمع باقةٍ جديدة نقتطفها للقراءِ من جنان الأدب والمعارف، لتُضمَّ إلى أخواتها السابقة. ونحن على رجاء أننا قد أحسنّا في عملنا الماضي، وعلى أمل أن نحسنَ العمل في الأتي.
стр. 1687
القسطنطينية
بناها قسطنطينُ على أنقاض بيزنطية. كانت عاصمةً لمملكة الرُّوم الشرقية، كما كانت رومة قاعدةً للإمبراطورّية الغربية، أختان تشابهتا بالعزّ، وعاشتا زمناً، لكلٍّ مجدها المؤثل، وجلالها المهيب. وهي كرومة قائمة على سبع تلالٍ مرتفعات، في مثل شبه جزيرة مثلَّثة الزوايا يحيطُ بها الماء من جهاتٍ ثلاث: تطلُّ على بحر مرمره من الجنوب، وتُماشي البُسفور من الشرق، وتلمس خليجَ قرن الذهب من الشمال، ثمَّ ينبسط إليها من الغرب سهلٌ يقف حذاءَها، متهيّباً جلالها، فتُشرف عليهِ من مكانها العالي كالنسر باسطاً جناحيهِ. حصَّنها الرُّوم منذ القِدَم ردّاً لغارات الأعداء، وعزَّزها الترك على أثرهم صدّاً لهجمات الطامعين. فبني الأوَّلونَ سورها وأبراجها، وشادَ الآخرون حصونهم وقلاعها. ولكن الطبيعة بزَّت أولئك وهؤلاءِ في كل ما بنوهُ وشادوهُ، فمنَّعت موقعها بالهضاب المتسلسلة، والبواغيز الضّيقة، فإذا هي كعقاب الجوّ، لا تؤخذ، وإذا هي، كحلقِ الليث، لا تباح أرادها العرب، يوم كانوا يستطيعون ما يريدون، ففشلوا، وحاصروهم حين لم تكن مدافع ولا قنابل، فارتدّوا عنها عاجزين، وظلت تردُّ بمنعتها غوائل الأعداء، وتدافع بعزَتها كوارث الأيام؛ الملك عزيز بها، وسلالة بانيها تتوارث مجدها وتتنعَّم بجاهها، حتى دبَّ الضعف إلى الرُّوم، وتغلغلَ الوهَن في نفوسهم، يوم أبطرتهم نعمة العيش،
стр. 1688
وأسكرتهم غبطة السلطان، فمشى عليها محمد الفاتح، وحاصرَها من البحر والبرّ، ثم أخذها عنوة واقتدراً في سنة ١٤٥٣.
محمدُ! كسرتَ جناحَ النسرِ، فأهوى من سمائه، واقتلعتَ ناب الليث، فاستبحتَ حماه!
بناها قسطنططين، واستأثرتَ بها أنت؛ كانت للرُّوم فصيَّرتها إلى الترك؛ ما خفق عليها الصليب، حتى رفعتَ فوقها الهلال؛ بينا هي قاعدة الإمبراطورية، إذا بها دار الخلافة!
فتحتَها ببأسك، وصنتها بحولك ومجدك، ثمَّ تَوارثها أبناؤُك من بعدك!
ما نمتَ عنها ولكن نامَ بنوك!
عجباً نام الترك، وعيون الروم يقظى عليها!
أمغتصبَ الروم ملكهم، قمِ انظر إلى بقايا ملكك العظيم
النسرُ الذي اصطدتَهُ قد استنسرت أفراخهُ؛
والليث الذي اقتنصتَهُ قد استأسدتْ أشبالُه،
البلغارُ على أبوابِ فروق، والرومُ أمام الدردنيل!!
ليست فروقُ عروسَ الشرق وحدَه، بل هي عروس الدنيا جميعها. خُلقت صورة مكبَّرة للجمال، ومثالاً مصغرَّاً لجنان النعيم! هي إنجيل الطبيعة أُنزلت فيهِ آيات الحسن، ونمَّق الدهر صفحاتهِ
стр. 1689
بطراز البديع! فيهِ وحيُ الحب , وإلهام الشعر؛ وكلّ لفظةٍ يحتويها , تحتوي ألف مغنىً من معاني العظمة والجلال!
فَرُوقُ درَّة في فمِ البُسفور , ولؤلؤة في عُنق الدردنيل؛ هي عقد من الماسِ يصل بحر مرمره بالبحر الأسود؛ هي تاجٌ من الجوهر على مفرقِ آسيا وأوروبا؛ هي كوكب وقَّاد أطلعتهُ الطبيعيةُ بين الشرق والغرب! ربِّ إن سمحتَ بأن نَعْبُدَ الجمال فلِفروق السجودُ والعبادة!
وقفتُ على البوسفور حيث تمشَّى من البحر الأسود , وماشيتهُ إلى حيث التقى ببحر مرمره , فلم أجد منظراً أعظم تأثيراً في النفس , من مشية ذلك البوغاز الضيق , العميق , الطويل , المتلوّي في مسيره , كما تتلوّى الأفعى في زحفها.
أحاطت بهِ من على ضفَّتيهِ: الأسيوية والأوروبية , ربوع خضراء زاهية , ومغانٍ مشجَّرة تعانِق سهولها الماءَ في ذلك الوادي , ثم تتدرَّج في الصعود حتى تراها تلالاً عالية , قريبة المآخذ , متصلة الرؤوس بالكعاب كالزمح أنبوبٌ على أنبوب. وأطلَّت مآذن الجوامع على قرنهِ الذهبي فتماوجت خيالاتها سابحةً في مُياههِ الرائقة؛ وتراكضت أشعة الشمس إليهِ , فانعكست عنهُ إلى جانبيهِ , فتلهَّى النسيم يلعب بها , كما يتلهَّى وليدٌ يلعبُ بانعكاس النور عن المرآة. ورأيتهُ , ليلةَ عيد الدستور , في أوائل الصيف , وقد راق الجوُّ
стр. 1690
وصفا أديمُ السماء , وتلألأت الأنوار على ضفَّتيهِ , ومشت فيهِ البواخر مشعشعةً بالأضواء , ونزلت إليهِ نجوم الفلك تغتسل فيهِ إلى جانب الأشعة المتحدرة إليهِ من برَّي آسيا وأوروبا , في وسط الأنوار المتدفقة عليهِ من تلك البواخر السارحات والرائحات؛ فأخذ هذا المنظر بمجامع قلبي , وسكتُّ مخافة أن يشغلني الكلام بوصفهِ , عن التمتع لحظةً بجمالهِ؛ غير أني أسررتُ إلى نفسي هذه الكلمات:
طوبى لمن دفنهُ عبد الحميد في البُسفور فقد ذهب إلى الجنة من أقرب طريق!
أكان البسفور طريقَ الأحرار إلى الجنة , كما كان طريقَ وليّ الدين بك يكن إلى سيواس؟؟؟ لست أدري! غير أن وليَّ الدين نفسهُ يقول في وداع فروق يوم نفيَ منها:. . .
وإذا نحن نسير بين منظرين ما تفتحت الأعين على أحسن منهما: شطَّي آسيا وأوروبا , يتناغيان بالمصابيح. عاشقان ضنَّت عليهما الأقدار بالتلاقي. مررنا بهما أم مرَّا بنا. لا أعلم. صحائف أجاد الحسن فيها منمقهُ. نشرت فانطوت. زلت عنها الأبصار وضاقت عنها الفهوم. فرائيها متخيّل وعارفها متوّهم. ما شكَّ ناظر إلى السماء وإليها أن تلك المصابيح كواكب سقطت عليها. عهدي بها في حالتيها , بينا هي عرين إذا بها كناس. يخالط فيها كل زئير ليث عندلةُ عندليب. تتجاور بها مسارح آرام ومصارع كرام. تسقي من ماء معين , ومن دم مهراق. تطالعها
стр. 1691
وجوه ضاحكة , وأخرى مجهشة. تقسمتها مواسم الصبا فهي تارة مشتىً , وآوانةً مصيف , وحيناً مربع. جنة يحرسها حارس جهنم. فروق يا ظلوم. خذي روحي فما هبطت عليَّ إلاَّ فيكِ. كان بكِ مهدي. وأريد أن يكون بكِ لحدي. الوداع الوداع يا فروق. وسلام الله عليكِ وعلى بنيك كلهم. هذا طريد جديد. مظلوم يلحق بمظلومين. يخرجونني منكِ ليلاً لأراك في ثوب حدادك. أمن أجلي كل هذا؟ كلا. بل حدادكِ على أختكِ الغزالة. أنا أضْيَعُ فيك من دمعة على خد مهجور. أنا أهون على الدهر من ذرّة من ذراتك ضلّت بين ثنيات الأثير. . .
ما هذهِ بلاغة الواصف , إنْ هيَ إلاَّ حقيقة الموصوف!
رويداً رويداً أيها الدَّهر! ترفَّقْ بفروق؛ أقصر خطوَبكَ عنها. فروقُ بنت الأجيال الطويلة؛ مدينة الإمبراطرة , وكرسيّ السلاطين. أفي كلّ يومٍ نكبةٌ تروعها , وفي كلّ ساعةٍ كارثة تساق إليها؟ بنوها يتآمرون على بنيها؛ وشعوبها تقاتل الشعوب دفاعاً عنها. لوثوا محاسنها بالدمِ المسفوك على مذابح المطامع والأنانية؛ ضجَّت الأرض لهول ما تلقاهُ من فظائع حربهم , واتخمت ذئابُ الفلاةِ من أشلاءِ قتلاهم!
رويداً أيها الدهر! هل أتعب مرورُ الأجيال كاهل بيزنطية؟
خذ بيدها! إن أنقاضها تتحرّك تحت فروق!!
стр. 1692
مدينة المصريون الأقدمين
تقتطف الصفحات التالية من كتاب في تاريخ مصر القديم والحديث لحضرة الكاتبة الفاضلة السيدة هند كريمة سعادة اسكندر عمون بك المحامي الشهير. وقد بحثت حضرتها بحثاً دقيقاً في مدينة مصر , في أزمنتها الأولى , فتكلمت عن الديانة والشرائع والعلوم والآداب والصنائع والكتابة كلاماً كثيراً الفائدة ولكننا اقتصرنا على نقل ما ورد فيهِ عن ديانة المصريين وشرائعهم. قالت: سبق قدماءُ المصريين شعوبَ العالم قاطبةً في مضمار التمدُّن والترقي , وأدركوا من العلوم والمعارف والآداب ما لم تبلغ إليهِ أُمةٌ في تلك الأعصر الخوالي , حتى أنه ليصحُّ أن تُعدَّ المدَنيةُ المصرية أمّاً لمدَنيات شعوبٍ كثيرة أخذت عنها واقتدت بها. وقد خلّف لنا المصريون من الآثار المجيدة ما ينطق بما كانوا عليهِ من التقدُّم الأدبي والمادي والصناعي؛ ولا يزال علماءُ العاديات يكتشفون في أيامنا هذهِ أدلةً على ازدهار المدَنية المصرية القديمة. وفي ما يلي شيءٌ مما كانت عليهِ حالةُ مصر الدينية والأدبية والمادية:
الديانة المصرية - كان قدماءُ المصريين من أشدّ الأمم تمسكاً بالدّين؛ يدلُّ على ذلك المعابد والهياكل الكثيرة التي لا يزالُ معظمها قائماً حتى يومنا. وأصلُ دينهم مجهول , ولعلهم أتوا بهِ من آسيا عندما هاجروا منها إلى مصر. وكانوا في بداية أمرهم موحدين يؤمنون بإلهٍ واحدٍ أزليّ مبدع الأرض والسماء , تعجز العقول عن إِدراك جوهرهِ. ثم أَخذوا
стр. 1693
يعبدون ذلك الإلهِ في مظاهرهِ المتعدّدة؛ فرمزوا إلى كل صفة من صفاتهِ بتمثالٍ أو حيوانٍ أو نباتٍ أو غيرِ ذلك؛ فأدّى بهم هذا الشركِ والوثنية؛ وقسموا الآلهة إلى ثلاث طوائف: آلهة الموتى , والآلهة الشمسية , وآلهة العناصر. ومن أعظم آلهة الموتى أوزيريس إلهُ الخير ورمزُهُ النيل , ووإيزيس إلاهة الخصب والحياة ورمزُها التربةُ السوداءُ , وأنوبيس حافظ الموتى ورمزُهُ ابن آوى. ومن أعظم الآلهة الشمسية رع الإلهُ الأكبر ورمزهُ الشمس , وتم إلاهة الغروب ورمزها العجل منيفس. أما آلهة العناصر فأعظمها نو إلهُ الماءِ ورمزُهُ المحيط , وتيفون إلهُ الشر والفاقة ورمزُهُ الصحراءُ. وقد تختلف أسماءُ هذهِ الآلهة باختلاف الأعصر والأماكن التي عُبدت فيها. وكان قدماءُ المصريين يعتقدون أن آلهتهم تتزاوج , وتتألم , وتموت , وترعى حقوق الجوار , وتأكل وتشرب , فكانوا يقرّبون لها القرابين والضحايا من الحيوان والحبوب والأثمار. وكانوا يعتقدون أيضاً أن مقام الإلهِ بالنسبة إلى
سائر الآلهة هو مقام البلد المعبود فيهِ بالنسبة إلى سائر البلدان؛ فعندما سيطرت طيبة مثلاً على وادي النيل , جعلت إلهها أمون سيداً لجميع الآلهة. ولما دالت دولتها , أصبح أمون في المرتبة الثانية بين الآلهة. . . ومن أشهر الرموز التي أُلّهت وعبدت ابن آوى رمز أنوبيس , والعجل أبيس والجُعَل وكلاهما رمز فتاح وغيرها من الحيوانات كالقرد والهرّ والتمساح وفرس الماءِ والبازي والجعَل أي الجعران. وكانوا يعبدون العجل مدة ٢٥ سنة فإذا لم يمت بعد هذهِ المدة أخذوهُ في مهرجان عظيم
стр. 1694
وأغرقوه في النيل , ثم أخرجوهُ وحنَّطوه ودفنوهُ في مدفن العجول بقرب سقارة ولبسوا عليهِ شعائر الحداد إلى أن ينتقوا لهم عجلاً آخر يعبدونهُ. وكانوا يحزنون حزناً شديداً عند هبوط منسوب النيل ويقدمون لهُ القرابين استرضاءَ. وفي إبّان فيضانهِ كانوا يطرحون فيهِ فتاة عذراءَ يسمونها عرس النيل وقد بقيت هذهِ العادة متّبعة حتى نسخها عمرو بن العاص لدّن فتح مصر. وعيد وفاءَ النيل من المواسم التي يحتفل بها حتى اليوم في البلاد. ولما دخل مصر اليونانيون ثم الرومانيون أخذ كل فريق عن الآخر بعض معبوداتهِ؛ وصار المصريون يؤمنون بوحي أبولّون ومينزفا وديانا وجوبيتر المشتري ومارس. ثم ظهرت النصرانية وانتشرت في العالم فاعتنقها فريق من المصريين. وظلت تنشر في البلاد حتى أصبحت دينها الرسمي , واضمحلت الوثنية في مصر بنهي طيودوسيوس عنها. وفي سنة ٦٤١ فتح عمرو بن العاص مصر فدخلها معهُ الإسلام. وقد اعتقد قدماءُ المصريين بالخلود والثواب والعقاب. وكان الإِلهُ الديان أوزيريس , وكانت مملكتهُ الجديدة حقول الفول إشارة إلى خصبها. وكان قومهُ هناك متمتعين بالسعادة التامة والملذات على اختلاف أنواعها , يطوفون مع الإله الشمس في زورقهِ ولا ينالهم أذًى. ولم يكن ينمكن من الوصول إلى مملكة الأموات هذهِ إلاَّ من حنّطهُ وأقاموا له بعض الطقوس الدينية. فمن تمَّ لهُ ذلك بُعث من
стр. 1695
قبرهِ وسافر إلى حقول الفول , فإن كان عاقاً شجاعاً تغلب على ما يلاقيهِ من المصاعب , وبلغ سالماً مملكة الأموات حيث يمثل بحضرة الديان أوزيريس وأعضاء مجلسهِ الاثنين والأربعين. فيسمع المجلس اعترافهُ , ثم يزن الإِلهُ توت قلبهُ بميزان الحق , فإن كان صالحاً أجازوا لهُ الإقامة معهم وإلا حكموا عليهِ بالنفي المؤَبد والتعذيب الأليم. وكان المائل بحضرة الديان ينفي عن نفسهِ أولاً ارتكاب المحرَّمات , فيقول: لم أُعذّب الأرملة , ولم أخدع أحداً , ولم أكذب قط , ولم أعبث بالحق
, ولم أعرف الخيانة ولا الكسل ولا التعجرف , ولم أُدنس الأشياءَ المقدسة , ولم أسعَ إلى ضرر العبد لدى مولاهُ , ولم أُبكِ أحداً , ولم افتك بأحد غدراً أو ظلماً , ولم أحمل أحداً على ارتكاب اللبن من فم الرضيع , ولم أشهد زوراً , ولم أسرق خبز المعابد , ولم أُحرز مالاً حراماً الخ ثم يعدّد بعد ذلك الحسنات التي أتاها فيقول: لقد عشت بالعدل , وتغذيت بالحق , ونشرتُ الأفراح في كل صوب , وأطعمتُ الجياع , وسقيتُ العطاش , وكسوت العراة , ومددتُ للغرقى يد النجاة
شرائع المصريين وآدابهم - من أمعن النظر في الذنوب والآثام التي تتنصل منها الموتى وفي الصالحات التي تدَّعيها يوم المعاد , أدرك ما كان عليهِ المصريون من الأخلاق الراقية والمناقب الحميدة. وقد عثر الباحثون في الآثار المصرية على كتابات عن شرائع المصريين وآدابهم نقتطف منها ما يلي:
стр. 1696
كان يُعاقَب بالقتل كلُّ من يحلف يميناً كاذبة أو يحنث بيمينهِ؛ ومن يرى رجلاً يعتدي عليهِ معتدٍ ولا يغيثهُ وهو قادرٌ على ذلك؛ فإن لم يقدر ولم يرفع أمر المعتدي إلى أولياء الأمر عوقب بالجلد ومنع عنهُ الطعام ثلاثة أيام. ويُعاقب بالقتل أيضاً كل من يرفع إلى قاضٍ وثيقةً كاذبة؛ ومن يقتل عمداً سواءٌ كان المقتول عبداً أو حرّاً؛ وكذلك من يقتل حيواناً مقدساً. وكان يعاقَب بقطع اللسان كل من نُفشي أسرار الحكومة للأعداء؛ ومن لم يكن لهُ عملٌ أو حرفة يحترفها لتحصيل رزقهِ؛ ومن شرائعهم أيضاً أن ناكر الدَّين يُصدَّق بيمينهِ إذا لم يكن عند المدَّعي سندٌ يؤيد دعواهُ؛ وإن للدائن حقّاً على ممتلكات المدين لا على شخصهِ , فلا يجوز للدائن أن يسجن المدين أو يمسَّهُ بأذى لأنهُ تابع لوطنهِ يخدمهُ في الحرب والسلم. ولم يكن يجوز لأحدٍ أن يحترف حرفةً غير حرفة أبيهِ فكانوا بذلك يتوارثون الصنائع والحرف. وكانت المرآة المصرية حرة كنسائنا اليوم , نصيبها من الإرث نصيب الرجل , وقد أباح لها شرعهم أن تتصرف بإرثها بعد زواجها كيف شاءَت , ولقبوها وهي مزوجة بسيدة البيت
هند عمون
стр. 1697
انتقام النسيم
من أرباب النظيم
لسعادة سليم بك عنحوري الدمشقي شهرة واسعة في الأدب. فهو شاعر قدير وكاتب مجيد , وله من الآثار في هاتين الصناعتين ما تناقلته المجلات والصحف العربية من كل مكان. وقد أراد حضرته - وهو نزيل مصر اليوم - ألاّ يحرم الزهور من نفثاته , فبعث إليها بالمقال التالي. قال: لستُ أدري وأبيك ما سرُّ هذه الصحبة القديمة القائمة بين الشعراء والنسيم منذ عهد امرئِ القيس فآتياً , ولا ماهية تلك العلاقة الرابطة بين هذه النسمات الرقيقة , بين رصفائي أمراء الكلام , فإنه لم يكفهم , وهم أرباب الذوق , وسادة اللطف , بل هم وحدهم الناس على مذهب شاعر الأمير الذي يقولك
جاذبتني ثوبي العصيَّ وقالت ... أنتم الناس أبها الشعراءُ
أنهم يتنسمون النفحات الهابة من مواطن الأحبة , فيتبردون بأنفاسهم التي توليهم طيباً , وهم يكسبونها من زفراتهم المتوهجة بالوجد شرراً ولهيباً. ولهم يرضهم إن يتخذوا النسيم بريداً ورسولاً يحملونه السلام , ويستقضونه لبانات الغرام , وهم يكلمونهُ بصيغة الأمر كأنهُ بعض الخدَّام كما فعل صاحبنا ابن زيدون في قوله يتغزل بولادة الأندلس:
ويا نسيم الصَّبا بلّغ تحيتنا ... من لو على البعد حيَّا كان يُحينا
بل يعرّضونه بسبب هذه الرسائل السمجة للخزي والطرد والحجاب كما فعل ابن ماني , بحسب إقراره عن نفسه إذ قال:
стр. 1698
حجبوها عن الريا لأني ... قلتُ يا ريح بلّغيها السلاما
لو رضوا بالحجابِ هانَ ولكن ... منعوها عند الوداع الكلام
فإنهُ لولا رسالتهُ تلك ما حجب الرياح أحد عن الاستمتاع بملامسة ذلك المحيَّا الفتان , ولم يقنعهم إنهم يبثّون تلك النسمات الشكوى , فتقاسهم البلوى , وتشاطرهم الكمد , وتعتلّ لاعتلالهم , وترثي لحالهم , ما جرى لابن هاني القائل:
ومرَّ بيَ النسيمُ فرَقَّ حتى ... كأني قد شكوتُ غليه ما بي
أي نعم , لم يكفهم ولم يغنِهم كل هذا حتى زادوا - على ما اشتهر من رقتهم - غلطةً , وتمادوا بفضولهم حرصاً وأنانية , فطفقوا يسومون تلكم النفحات الطيّبات حملَ ما تتقاصر
دونهُ هممُ الرجال وتنوءُ ببعضهِ قلل الجبال. فقد زيَّن , للوزير مجد الدين الطغرائي , الغرورُ بما نال من شرف الوزارة , مضافاً إلى مزية اللسن , وحلاوة النظم , وشدة العارضة , أن يسخّر الريح لتي يلوح من تضاعيف كلامهِ أنهُ طالما استخدمها في قضاء أغراضهِ الغرامية , وحاجات نفسهِ السرية , بأن تقيم بين الأصداغ والطرر وتشوشها , وتنتهز الفضلات , وتتحين الفرص لتحوم حول الثغور وتقبّلها. ثم تسلك بين الأجسام والغلائل , وتستبضع من ذلك الحانوت الحافل بكل شائقٍ رائق , ما يطيب بهِ خاطر الوزير , وترفرف عليهِ أمانيُّهُ , ثم تأتيه على مهلٍ , مستترة بأجنحة الليل الهادي , فتنبههُ من نومهِ اللذيذ الهنيء وتنتفض عليهِ انتفاضاً , لعل نفحة الطيب المستمدة من ذلك البدن خصيب الرطيب تقضي لبانات فؤادهِ المعنى الكئيب. وإن كنت ,
стр. 1699
أيهذا القارئُ اللبيب , في شكٍّ مما أقول توهماً منك أن رجلاً كالطغرائي الذي يقولك
أصالة الرأي صانتني عن الخطَلِ ... وحلية الفضل حلّتني لدى العطلِ
لهو أعقل وأدهى وأمتن وأرصن من أن يسترسل على مثل هذا الهذر والفضول , فإليك أبياتهُ بحرفها الواحد تقرأها فتزداد يقيناً:
بالله يا ريح إن مُكّنتِ ثانيةً ... من صدغهِ فأقيمي فيهِ واستتري
وراقبي غفلةً منه لتنتهزي ... لي فرصةً وتعودي منه بالظفرِ
وباكيري وِرد عذبٍ من مقبّلهِ ... مقابل الطعم بين الطيب والخصرِ
ولا تمسّي عذاريهِ فتفتضحي ... بنفحة المسكِ بين الوِرد والصدرِ
وإن قدرتِ على تشويش طرَّتهِ ... فشوشيها ولا تبقي ولا تذرِي
ثم اسلكي بين برديهِ على مهلٍ ... واستبضعي وانثني منهُ على قدرِ
ونبهيني دون القوم وانتفضي ... عليّ والليل في شكٍّ من السحرِ
لعلَّ نفحة طيب منكِ نائبةٌ ... تقضي لبانة قلب عاقرِ الوطرِ
ولقد صار - جنابهُ العالي - مثالاً حسناً جرى عليهِ بعدهُ كثيرون , وفي جملتهم المرحوم فرنسيس مراش الحلبي. بل زاد هذا على طنبوره نغمة أخرى إذ قال:
نسيم الصبَّا عن سرتِ بين نهودها ... خذي ليَ غرفَ الياسمين وعرّجي
وإن ترفعي ذاك اللثامَ فتلثمي ... لماها فبالله اذكري قلبيَ الشجي
ومن العجيبِ أنَّ أحد هؤلاء المتنطسين تمادى في تمادى في تحامله , وزاد في غلوائهِ , حتى أتهم تلك النمساتِ الطيبات بارتكاب الجنايات إذ قال:
خطراتُ النسيم تجرحُ خدَّي_هِ ولمسُ الحرير يُدمي بنانَهْ
стр. 1700
كأنَّ الرياح ذات سيوفٍ ورماح , تجرح من تحبُّ , وتقتل من تريد بلا حساب , وما عليها من جناح. بل أضاف بعضهم على ذلك فحسبها ممن يحبلنَ ويلدنَ فقال:
قد رقَّ حتى خلْتُهُ ... بحشي النسيم تخلَّقا
فهل سمعت بربّك أو رأيت مثل هذه الصقاعة والرقاعة؟؟؟ والانكى من كل هذا أن تلك الحالة على بردها وثقلها , وانتقادها الشديد على أصحابها , قد لجّ بنا داعي التقليد والحرص على التحدي , أن نتلبس بها , ونزاولها فقلنا , ونحن نتوب إلى الله من هذه الوصمة:
يا نسيماً يأوي الغداة جنانا ... حُورها العِيْن يستلبنَ الجَنانا
مازَجتْهُ أجسامنا وهي قَتلى ... فاستردَّت أرواحها موتانا
وسرى في مسامّ صرعي الغواني ... فاغتدى الكلُّ ناشطاً جذلانا
هل تموَّجتَ فوق سوسَن خدٍّ ... ضمّ ورداً يجاور الأقحوانا
أو لمست النسرينَ حول جبينٍ ... ألبستهُ ألبابنا التيجانا
أو تسللتَ بين بُردٍ ونهدٍ ... فوق صدرٍ رمَّانهُ قد رمانا
أو تطرَّقتَ الأعضاد تمشي الهوينا ... وحللتَ العروش والأيوانا
وسرقتَ الشذا المعّطرَ منه ... وانتشقتَ الخزام والسيسبانا
وأتيتَ الرفاقَ تختال عُجباً ... ثملاً من أنفاسها نشوانا
تتهادى ما بين نفحٍ وطيبٍ ... صيَّر العقل صاحياً سكرانا؟
أي وربي فعلتَ هذا وإلاّ ... من تراه أولاك ما أحيانا؟
ثم انظر ناشدتك الله إلى التحكم البادئ من شاعرٍ آخر يخاطب نسيماً جاءَهُ من نجد:
стр. 1701
ألا يا صبا نجدٍ متى جئتَ من نجدِ ... لقد زدتني واللهِ وجداً على وجدِ
ومن تراهُ خوَّل الشعراءَ هذا الحق فيسألون النسيم كيف راح , ومتى جاءَ , ثم يقترحون عليهِ أموراً , ويتهمونهُ بأمور , ويعنتونهُ أعناتاً طالما شكا إلى الله منهُ في هذا العصر ,
عصر الحرية والنور , وهم عنهُ متغافلون , وفي طغيانهم مستدرجون. وهل يعجب أهل مصر بعد هذا اليوم - وهي كعبة الشعراء ومنبت البلغاء - أن يأتيهم النسيم في شهر ابريل نيسان سموماً , لا بارداً ولا كريماً , فيجعل جناتهم جحيماً , وماءَ نيلهم حميماً , وهو موتور من أهل النظام , مظلوم يطلب الانتقام؟؟
سليم عنحوري
أقوال في المرأة
المرأة أكمل المخلوقات كنفوشيوس
المرأة تعلّمنا الظرف والأدب فوليتر
ليس لروايات شكسبير أبطال بل بطلات رسكن
المرأة أفقدتنا الفردوس وهي وحدها قادرة أن تعيدنا إليهِ هوتير
تكون المرأةُ على أكملها عندما تكون على أتمتها تأنثاً غلادستون
المرأة آخر من بقي عند الصليب , وأول من أسرع إلى القبر باريت
المرأة الجميلة جوهرة. والمرأة كنز سندي
تجد المرأة في بدء كل شي دمرتين
أعذبُ ما في الحياةِ تحية الزوجة المحبة ولز
أيُّ شِعرٍ يفوق عيني المرأة في السحر شكسبير
إن السماء لا تعرف شيئاً أرقَّ من قلب المرأة الذي تسكنهُ الشفقة لوثير
стр. 1702
الأدب في العراق
السيد محمد سعيد حبّوبي العراقي
ولد في النجف , وبها نشأ وحصل. وقضى شطراً من شبيبته في بلاد نجد حيث تشتغل أسرته بالتجارة. ثم هو في النجف يعد في صدور العلماء المجتهدين , وعمره ستون سنة ونيف.
تأثير الإقليم - للإقليم ولنوع المعيشة أثر كبير في تكوين أخلاق الإنسان وملكاتهِ النفسية. وإذا التفتنا إلى من تترجم اليوم رأينا الشاهد على ذلك. الوسط الذي وُجد فيهِ الرجل , أول ما وُجد , كان مباءَة علمٍ وأدبٍ وشعور , والسماءُ التي رمقها , أول ما رمق , وضَّاءَة جميلة , الحرارة شديدة الوقع , ولون النور ناصع بياضه. فأهّلهُ ذلك , فوق ما في فطرتهِ من الاستعداد , لأن يكون ملك الشعر والشعور , وربَّ الفصاحة والبلاغة , الساحر بيانه , الفاتن عيانهُ. ولم يكن ذلك كلَّ ما جعل الرجل كذلك؛ بل إنه وُجد في مهد البساطة , وتمكنت من نفسه آداب الفطرة الصحيحة , فصفا ذهنه , واتَقد خاطرهُ , وقد انتشق نسيم بلاد العرب الجافّ المعتدلة حرارته , وشاهد الأودية والجبال والشعاب النضرة , فانعكست في لوح باطنهِ صوَر تلك المشاهدات الغريبة , وطالع رياض الجزيرة وأرباضها , فأجال طرفه هناك في بساتين الطبيعة العامرة؛ هناك في موطن الحب والعواطف , موطن الدموع , وفي مهبط الشعر والعشق والحياة الخفيفة
стр. 1703
الهنية , وفي محطّ رحال الكلَف والهيام , والضلال والحيرة. في النجف وُلد , وفي نجدٍ والحجاز وُجد؛ فجاءَ آيةً في الشعراء الحقيقيين الذين لم يوجدوا إلاَّ ليكونوا أمثلة للروح الإِلهية المقدسة , وأشباحاً للنفس الملكوتية الطاهرة. أولئك هم أنوار العالم , وهم متمّمو نقصان الوجود.
كلمة في شعره - فسدت معاني الشعر العربيّ , قبل فساد ألفاظه , بزمنٍ طويلٍ عهدهُ , فخرج بالشعر كثير من ذوي القرائح عن غايتهِ , وانقلبوا خرَّاصين قوَّالين ما لا يفعلون , غالينَ في المدح , وتأليهِ العظماء , وإكبار الجبَّارين. وقد أكتسبهم بالمال عشّاق الشهرة والمجد الباطَلين , فأفسدوا فطرتهم. على أنه لم تخلُ تلك الفَتَرات من نبيٍّ للشعراء يرسل كأبي العلاء ابن المعرّة. وقد كانت ألفاظ ذلك الشعر عامرةً على فساد معانيه. ثم جاءَ دور الألفاظ فأفسدها ابن نباتة والقيراطي وابن حُجة والصفدي والحّلي صفي الدين , بصناعتهم
اللفظية؛ فعاد الشعر العربي , من جهة المعاني , مدحاً ورثاء كلهما كذب وإغراق , ومن جهة الألفاظ , كلماتٍ مهملة أو معجمة , يتأمل كيف يضع الشاعر بعضها إلى بعض , أو كيف يقابل بعضها ببعض , ناسياً أن ليس الشعر إلاَّ لحناً جميلاً تؤلفهُ الأرواح الشاعرة , أو أنهُ ليس إلاَّ روحاً تبعثها ألحان الضمائر , وهي منقطعة إلى مناجاة الله والطبيعة. ويمتاز شعرُ مَن نحن بصددهِ , برجوعهِ إلى حقيقة الشعر في الأكثرِ إن من جهة الألفاظ , وإِن من جهة المعاني. أما الألفاظ فإنها السهلة
стр. 1704
الجزلة , تجمع إلى الرقة المتانة , ونظمها يحوز إلى فخامة التأليف , وجلال التركيب , جمال الأساليب. وأما معانيهِ فإنها في الأغلب وصفٌ وتصوير , وتجسيمٌ للخواطر , ونعت الطبيعة , ولهجة شديد في العشق , وفي الحب والأحباب. وإذا تصفحتَ مجموع شعره رأيتَ سفرَ دموعٍ وعواطف , ووجدت ثمة ديانة الشعراء , وأهازيج الأرواح , وتهليلاً وتسبيحاً يتضاعد من عالم النفس , إلى عالم الحس؛ ويشهد على سلوكه ومذهبه في المحبة الخالصة مثلُ قوله:
والحبّ من دون البريةِ كلّها ... ديني الذي وشجتْ عليهِ عروقي
وقوله:
إني اتخذتُ هواهمُ حَسبَاً ... أُعزى إليهِ , وحبَّهم شَرعا
وقوله في موشح:
ليت دين الحبّ لما عرَفا ... لم تقُم بيعتُهُ في عُنُقي
وقوله:
لستُ أنسى عهدكَ الماضي وإنْ ... مرَّ بالعينِ خيالاً لستُ أنسى
طفتُ سَبعاً حولَ مغناك كما ... قمتُ أقضي الصلواتِ الخمس خمسا
فها أنت ترى نوعاً من عبادة السالكين الذين تجردوا عن الاتصال بالمادَّة , وأصبحوا أرواحاً محصنة حائمة حول سراج الحقيقة , حيامَ الفراش على النار. ولماذا تودّ اللحاق بالحقيقة؟؟ لأنها للحقيقة خلقت , ومن الحقيقة بدأت , وإلى الحقيقة تعود. ولست أدري ماذا كان يلمُّ بهذا الشاعر حين ينقطع إلى التأمل في
стр. 1705
جمال الطبيعة؛ أكانت الطبيعة تنقطع إلى شهوده , فتجدهُ مظهراً من مظاهرها الجميلة , وتكاشفهُ , فتفيض أسرارها الغامضة على لسانه؟ بلى! وأنهُ لسانٌ ناطق للطبيعة , فقد كان مرأى الأزهار يؤثر فيهِ , وخطرانُ
الغصون الميس يعبث بلبّه , فيحملهُ على أن يقول:
يا بانة الجزعِ , لا والنازلين بهِ , ... ما كنتِ عارفةً لولاهمُ الهيفا
ويقول:
مالتْ فقلتُ لها يا بانةُ اعتدلي ... وإن جُبلت على التعطافِ والميَلِ
ويقول:
وذكرت في ذي البان ميسَ قدودِهم=فطفقتُ من شغفٍ أضمّ غصونَهُ
ويظهر من لهجتهِ في شعره , إنهُ كان شديد التمسك بمبدإهِ الحب تمسكاً يمثّل له أن الهلاك والحيرة منجاة وهدًى فيهِ , وإن طغيانه عليهِ عدل وإنصاف تلزم معهما الطاعة. فتراه يقول:
منَح الصبابةَ أضلُعاً وفؤادا ... وعصتُهُ سلوة مُقصرٍ فتمادى
وطغى عليهِ الحبُّ وهو أميرهُ ... فأطاعَ جامح قلبه وانقادا
وربما أصيب , كدأب الحائرين من هذه الطائفة المعذبة , بمن لا عاطفة , بل لا قلب له , فيطعن في سلوكهِ , فيضطران أن يواجه هؤلاء بمثل قوله:
يا عاذِليَّ في الهوى تورَّعوا ... واطَّرِحوا نفسي ومَن تيَّمها
قالوا الغرام مهلكٌ قلتُ لهم ... ما عيشتي إن لم أكن مغرمَهَا
وقوله:
يا لائميَّ ليومَ في حُبّهِ ... مهلاً فما شانكما شأني
стр. 1706
هاموا هيامي فيكَ لو أنهم ... قد عرفوا مَعناكَ عُرفاني
شعره - وقد آن لنا أن نُثبت شيئاً من شعره؛ فهو الذي يقول:
لُح كوكباً , وامشِ غصناً , والتفتْ ربما ... فإِنْ عداكَ اسمُها لمَ تعدكَ السيما
وجهاً أغرَّ وجيداً زانهُ جيَدٌ ... وقلمةً تخُجلُ الخطّيَ تقويما
يا مَن تجلُّ عن التمثيلِ صورتهُ ... لأنتَ مثَّلتَ روحَ الحسنِ تجسيما
لو أبصرتك النصارى في كنائسها ... مُصوَّراً ربَّعتْ فيكَ الأقانيما
نطقتُ بالشعر سحراً فيكَ حين غدا ... هاروتُ طرفكَ ينشي السحرَ تعليما
إذا سفرتَ تولّى المتقي صنماً ... وإن نظرتَ توقّى الضيغمُ الريما
من لي بألمي , نعيمي بالعذاب بهِ ... والحبُّ أن تجد التعذيبَ تنعيما
ألقى الوشاحَ على خصرٍ توهَّمهُ ... وكيف وشّحَ بالمرئيِّ موهوما
أشيمُ برقَ ثناياه فيوهمني ... تألّق البرقِ نجديّاً إذا شيما
يا نازلي الرمل من نجدٍ أُحبكُم ... وغن هجرتم ففيما هجركم فيما
هل توردون ظماَء عذبَ مائكم ... أم تُصدرون الأماني حُوَّماً هيما
لي بَينكم , لا أطالَ اللهُ بينكُم , ... غضيضُ طرفٍ يردُّ الطرف مسجوما
أنا رضيعُ هواهُ منذ نشأتهِ ... ونشأتي لن تروني عنهُ مفطوما
يا جائراً وعلى عمدٍ أحكّمهُ ... أعدلْ وجُرْ بالذي ولاّك تحكيما
حرَّمتَ وصلي كما حلَّلتَ مقتلتي ... صدَّقتُ شرعكَ تحليلاً وتحريما
ولهُ:
دموعي وهيَ حمرٌ مُرسَلاتُ ... وشت بي عند أهلِكَ لا الوشاة
أتنكرُ يا أخا القمرين لثمي ... وفي شفتيكَ من شفتيِ سماتُ
فلو نزعتْ لحاظُك عن قسيٍّ ... لما اختارتْ سواهنَّ الرماة
стр. 1707
فسلْ كبدي ففي كبدي سهامٌ ... بأهدابِ الجفون مُرّيشاتُ
وسلْ عطيفكَ كم طعنا فؤادي ... إذا علمتْ بموقعها القناةُ
أتحكي السمرُ قدَّك باعتدال ... وما ثُقّفتَ وهيَ مثقَّفاتُ
وله:
يا غزالَ الحِمى , وقلتُ غزالاً , ... حين أبصرتُ في ضلوعي كناسا
حسبوا غنجَ مقلتيكَ نعاساً ... ومن الغنج ما يكونُ نُعاسا
مَن كسا خدَّك الشقيق كساني ... من بَهارِ الضَّنا عليكَ لباسا
فاسقني , لا عطشتَ , ثغراً وريقاً ... يومَ تسقي النديمَ خمراً وكاسا
وارعَ لي ذمةً لديكَ وعهداً ... يومَ تنسى العهودَ أو تتناسى
هبْ جميع الورى أحبّتك حبي ... غير أني قاسيتُ ما لا يقاسي
وله:
خطرتْ فجدَّ وشاحُها بخفوق ... فكأنها اتشحتْ بقلب مشوقِ
وعلى الدلالِ تماسكتْ فتلاعبتْ ... كفُّ الصِبّي بقوامِها الممشوقِ
شربتْ بوجنتِها دمي واستخدمتْ ... لخضاب أنملها دَمَ الراووقِ
قمنَ الولائدُ إذ تهبُّ من الكرى ... من حولِ واضحةِ كنارِ فريقِ
وضفرنَ جثلاً من أثيتِ عتاكلٍ ... نُضّدنَ فوق المتن نضدَ عذوقِ
الحسنُ حوزتُها ولكن غيرُها ... بالمستعار أتى أوِ المسروقِ
والحبّ من دون البريةِ كلّها ... ديني الذي وشجت عليهِ عروقي
يا أسمَ جادكم السحابُ إذا سرى ... متجلّلاً برواعدٍ وبروقِ
جون إذا احتلب المهبّ ضروعَهُ ... هدرتْ رواعدُهُ هدير فنيقِ
إني وثقتُ بحبكم فتكاثرت ... عللٌ تُقلّلهُ فقلَّ وثوقي
стр. 1708
وله:
شمس الحميَّا تجلّت في يَدِ الساقي ... فشعَّ ضوءُ سناها بين آفاقِ
سترتُها بفمي كي لا تنمَّ بنا ... فأجَّجت شعلةً ما بين آماقي
خُذْها كواكب أكوابٍ ويشفعُها ... ما يحتسي الطرفُ من أقداحِ أحداقِ
وبتُّ أُسقي وباتتْ وهيَ ساقيتي ... نحسو الكؤوسَ ونسقي الأرض بالباقي
ضممتُها فتثّنت وهي قائلةٌ ... بالغنج مهلاً لقد كسَّرتَ أطواقي
مسودَّةُ الشعر لولا ضوءُ غُرّتها ... لما هدتني إليها غيرُ أشواقي
يهدي غليكَ بمرآها ومسمعِها ... جمال يوسف في ألحانِ إسحاق
وقال:
للهِ يومَ وداعِهم من عُصبةٍ ... وقفتْ وقد سَرتِ الجمالُ وخادا
وَقفتْ بهم أقدامُهم إن يركضوا ... أثرَ النياقِ فاركضوا الأكبادَا
فوق الركائبِ أنجمٌ لا تجتلي ... ورياض حسنٍ تمنعُ الرُّوادا
عَربٌ , معاطفُ غيدِهم ورماحهم ... سيَّانِ , كلٌّ ينثني ميَّادا
بعثوا الخيالَ , وما رقدتُ , وليتَهم ... بعثوا إليَّ مع الخيالِ رُقادا
أُحيي الدُّجى أرَقاً كأنَّ نواظري ... خُلقتْ محاجرها قذى وسُهادا
بذمامِ ذيَّاكَ الغزالِ حشاشةٌ ... أُسرتْ ولم يَقبل فدىً فتُفادى
يا غارساً بالجزع روضة حسنهِ ... ومخيفَ رائدها قناً وصعادا
كَنّيتُ عنكَ بمن سواك مُوريّاً ... بهوى سعادَ وما هويتُ سُعادا
أعرضتَ عني وادَّعيتَ مودّتي ... أرأيتَ إعراضاً يكون ُ ودادا
إني لأسترُ عِفتي بخلاعةٍ ... وأرومُ فيما أنتحيهِ مُرادا
والضدُّ قد يبدو بمظهرِ ضدِّهِ ... أوَ ما ترى نورَ العيونِ سوادا
يا رَبعَ لذَّاتي ومربعَ جيرتي ... حيَّا معاهدَك الغمامُ وجادا
стр. 1709
لا أبتغي للوصلِ فيكَ نهايةَ ... أبداً ولا للعيشِ فيك نَفادا
لا والذي سَمَكَ السمواتِ الغلي ... وأقامهنَّ وما أقامَ عمادا
لا أرتضي غيرَ الأكارم معشراً ... يوماً ويوماً ولا غير العراقِ بلادا
وقال:
ومودّعٍ للركب ودَّ بأنهُ ... لو قد أسألَ عن الفؤادِ شؤونَهُ
لم تقطع الإظعان ميلاً في السُرى ... إلاّ وكحّل بالسُهادِ جفونَهُ
قطعتْ بهم سهلَ الغميم وَحزَنهُ ... فسقى الغميمُ سهولَهُ وحزونَهُ
فترى الدموعَ تخالُها بحراً طمي ... وترى الحمولَ تخالهنَّ سفينهُ
يا قلبُ حسبكَ بالغرامِ رهينةً ... شطَّ الغريمُ ومما قضاكَ ديونهُ
فلأُنهكنَّ القلبَ من حسراتهِ ... يوم الترحّل أو يُجنَّ جنونهُ
قالوا أشابَ البينُ مفرقَ رأسهِ ... كلاّ ولكن قد أشابَ عيونهُ
وذكرتُ في ذي ألبان ميسَ قدودِهم ... فطفقتُ من شغفٍ أضمُّ غصونهُ
وقال:
يا ساكني الزوراءِ حسبُكُم النَّوى ... فلقد وهي جلدي بكم وتجلّدي
أمُرَ ضْتموني بالبعادِ وإنما ... أقصى شقائي أن أراكم عُوَّدي
كثرتْ عليَّ النائحاتُ صوارخاً ... إن لم أكثّرْ في هَواكم حُسَّدي
موَّهتُ عنكِ بلَعلعٍ وبحاجر ... ولأنتِ من تلك العبارة مقصدي
فليحلُ بالزوَراء عيشُكِ سائغاً ... إني أغصُّ بكلّ عيشٍ أرَغدِ
وليهنِ أعينَكِ الرُّقادُ فإنَّ لي ... عيناً إذا رَقد الملا لم ترقدِ
إِن أسلمتكِ يدُ الغرام فإِنني ... مُلقىً بقبضتهِ أروحُ وأغتدي
وله من قصيدة:
أجدّك علّمني لوصلك حيلةً ... فأنتَ الذي علَّمتني الهيَمانا
стр. 1710
وهبْ أنَّ سمعي قانغٌ بحديثكم ... أللعينِ مَعنىً أو تراكَ عيانا
إلى النزوانِ العيسُ تلوي أعنَّةً ... وهيهاتِ ليست تملكُ النَّزوانا
وليست تشيم البرقَ من أبرق الحمى ... بلى! قد تشمُّ الشيح والعَلَجانا
فيا أخويَّ المدَلجينِ كليهما ... إذا جزتما الجرعاء فانتظرنا
ويا صاحبي لا تلوِ عنها مُعرِّجاً ... هلمَّ لنَلقى من نحبُّ كِلانا
وقمْ نجتلي النارَ التي قال خابطٌ ... من الناس حسبي أن رأيتُ دخانا
وإن لمعتْ فاقصد لمشرقِ ضوئها ... وأمَّ شروقَ الضوءِ لا اللمَعانا
وله:
وإن أقضي بحبكِ مستهاماً ... فكم قبلي قضى صبٌ معَّنى
قضى القيسَانِ قبليّ: قَيسُ ليلى ... من الهجِ الطويلِ وقيسُ لبنى
هذا وقد أثبتُّ كل ما مرّ إشارة بذكر أديب دقَّ خطرُه , وتطلَّس أثرُه , لنبوغه بين قومٍ لا يحتفون بنابغة , ولا يحتفلون بنبيل , فحَمله استخفافهم بالشعر وذويه على الإشاحة عنهُ بوجهه , ودعاهُ اهتضامهم للأدب وأهله , إلى الإضراب عن معاناته , فانصرف منذ عهدٍ بعيد عن قرض الشعر , لولا ذلك لعُدَّ اليوم في صفّ المتفوّقين من غواة هذا الفنّ الجميل , وقليلٌ ما هم
النجف
محمد رضا الشبيبي
الزهور رأى القراء في شعر الشيخ الحبوبي وفي ما نشرته هذه المجلة سابقاً عن أدباء العراق أن تلك الأصقاع شعراء مجيدين يذكروننا بأسلافهم فحول شعراء العرب. فنشكر لكاتب هذه المقالة أنه عرّف على أدبائنا اليوم واحداً من هؤلاء الشعراء النابغين.
стр. 1711
الزهور
المرء روح خفيٌّ لست تنظره ... إلاَّ بمرآتهِ من هذه الصوّرِ
غن المرء ظاهره عنوان باطنه ... فهاكُم عن فؤادي أصدقَ الخبرِ
عبد الحميد الزهراوي
للسيد عبد الحميد أفندي الزهراوي شهرة في الأدب لا تقلَ عن شهرته في السياسة. ولئن كانت سوريا قد عرفته سياسياً ماهراً , ومبعوثاً غيوراً على مصلحتها , فإن مصر عرفته من قبل كاتباً مجيداً , وصحافياً قديراً. على أن شواغل السياسة لم تصرفه عن الكتابة فقد طالما أنشأ المقالات الضافية , وكتب الفصول الشائقة في جريدته الحضارة الغراء. ولقد اغتنمنا فرصة وجوده في هذه الأثناء في مصر , فسألناه أن يزين بعض صفحات الزهور بفصل يكتبه خصيصاً لهاو فتفضل بالمقال التالي , قال:
стр. 1712
رغبتم , أيَّد الله بكم دولة العلم والأدب , أن أضع بين زهوركم ورقة يتمثل عليها شيء من تفكراتي , ولو أطلعتم على قلبي , وعرفتم كم أقدر الزهور حق قدرها , وكيف أتهيَّب أن أضع بينها مثل هذه الورقات , لما سمحت مكارمكم الأدبية أن تضعوني بين مشكلَين من تلبية هذه الرغبة الشريفة , والأحجام عنها. أما وقد قضى حظّي أن تخفي عليكم حالي , مع وضوحها وقوة فراستكم , فإن الأقدام رجح عندي على الأحجام , وشجعني على ذلك أنَّ فوضى الأقلام قد تستطيع تعاريجها أن تخفي مثل هذه الورقات فلا تنفذ إليها أعين الحذاق. ولا أكتم عنكم أن ما شغل الأفكار هذه الأيام من هبوب عواصف السياسة من الغرب على الشرق , ومن الشرق بعضه على بعض , قد حال بيننا وبين مجالات الكتابة؛ لأن المجال إن كان في السياسة , فهي قاضية أن ليس كل ما يعلم فيها يقال , وإن كان في الأدب , فمعلوم أنه لا محل للموسيقى حين تكون المدافع قائمة بدورها على أبواب البلاد , وإن كان في الفلسفة , فلها رجال لا أرى غني من طبقتهم , ولا تسمح نفسي إن تحشر في زمرة الطبقة التي لا تستحق في نظر الناس إلاَّ أن توسم بالتقليد؛ فلأجل هذا كله وقفت طويلاً أمام تكليف صديقي صاحب الزهور وقفة الحائر , ثم انطلق لساني يقول: كيف الخلاص من الزهور. ولما قلت هذه الكلمة وجدت ضالتي؛ فإن ذهني انتقل إلى موضوع يصح أن نسميهُ جليلاً. ذلك أن لاحت لي العلاقة العظمى التي البشر والأزهار , ورأيت أن هذا النوع بأجمعه غير
مستغنٍ عن الأزهار. فلما
стр. 1713
رأيت الناس تربطهم بها هذه الرابطة العظمى , بحيث لا ينفكّون كلهم عن طلابها , والخضوع لتجلياتها - لما رأيت هذا المرأى الغريب الذي يقلّ التنبه له , هان عليَّ عدم إمكان التخلص والتملص من أمره الزهور وسهل عليّ الدخول في موضوع قد يصح ن يأوي إلى هذه الرياض لأنه متعلق بالزهور.
العلاقة التي بيننا وبين الأزهار
قلت أن العلاقة بيننا وبينها عظيمة والآن أزيد فأقول: هي عظيمة جداً. وهذا أراه يحتمل شرحاً كثيراً , وأبدي أسقي على أني لم أجد من الوقت , ومن تفرّع الفكر ما استخدمه في هذا الشرح على مقدار ما يحتمل الموضوع , فأنا أكتفي بإشارات قليلة فإني لا أخال أن للزهور قرّاء من غير الأذكياء , وأولئك تكفيهم الإشارة. إن العلاقة بيننا وبين الأزهار هي علاقة التربية؛ أي أننا نحن نرّبيها وهي تربينا , وهي مساعدة في حفظ نوعنا , ونحن مساعدون في حفظ أنواعها. ولما كان من حكمة ذي العناية أن يكون طلبنا لما نحتاج إليه من الأشياء الضرورية بسوائق طبيعية , وضع فينا سوائق جمة متنوعة بتنوع ما نحتاج إليه؛ وأعظم السوائق حبّ الجمال. ووضع سبحانه فيما نحتاج إليه , ويحتاج إلينا , جواذب جمة متنوعة أعظمها الجمال. ففي الأزهار قوى تجذبنا , ووفينا قوى تسوقنا إلى محبتها. ولست أدري أشاعرة تلك الحبائب بهؤلاء المحبين , وأتربّينا لجواذب فينا تجذبها ,
стр. 1714
وسوائق فينا تسوقها إلى ذلك؟ نعم لا أدري هذا فتركه لسبح خيال بعض الفلاسفة. . .
كيف تربّينا الأزهار
أما تربة الأزهار إيانا فعلى أساليب شتى , بعضها شديد الظهور. فمن ذلك: تربيتها أبداننا؛ ذلك أن قسماً عظيماً من أغذيتنا يتمثل في أهم أدواره زهراً , ثم ينقلب حَبّاً , أو فاكهةً , أو لبّاً. ولا ينبغي أن ننسى أن الأعشاب هي الأساس في تربية أبدان جمهور الحيوانات؛ لأن أو أكل اللحوم منها , إنما تتغذى بلحوم أو أكل الأعشاب في الغالب , ولأنها أعني أو أكل اللحوم إذا وجدت في اللحوم غذاءها , لا تجد فيها شفاءها إذا أصابها مرض , بل تلتمسه في الأعشاب كما ينقله المشاهدون. وإذا كانت الأعشاب هي الأساس في التغذية , ومن الحبوب والفواكه والألباب قسم كبير من الأغذية والأدوية , كان واضحاً معنى تربية الأزهار أبداننا. أما تربيتها لأفكارنا وعواطفنا فهذا الذي يحتاج إلى الشرح؛ ولعله يكفي أن
نقول: أن أعظم أسباب رقيّ الإنسان إنما هو حب الجمال وأن أعظم حامل للواء الجمال هي الأزهار التي لا يستطيع أبلغ البلغاء أن يدخل في تفاصيل بهائها وازدهارها وتشكلها بالألوف من الألوان التي يفرق بعضها عن بعض امتيازات في غاية الدقة. فكلما ألف الإنسان المزيد من التمتع بجمالها وعُني بتربيتها وترتيبها ازداد ذوقه سلامة , وطبعه لطفاً , وروحه نشاطاً.
стр. 1715
وهناك أسلوب آخر من تربيتها إيانا يذوقه الصوفيون , والفلاسفة الروحيون؛ فلا نتعرض له ههنا.
كيف نرّبي الأزهار
هذا المطلب من الموضوع نترك بعض جهاته لعلماء الزراعة , ونأخذ نحن بجهة واحدة منه؛ وهي أن التقليد الذي يدخل في كل شيء قد دخل أيضاً في تربية الأزهار التي اعتاد الناس أن يزينوا بها حدائق البيوت. ذلك أننا رأينا أكثر الحدائق إنما تحتوي على أصناف من الأزهار معهودة عند الكل في الغالب , في حين أن الأزهار التي تحتوي عليها أرض الله الواسعة تكاد لا تحصى. هذا التقليد قد يذكّرنا بجمود أكثر الأفكار على ما عرف الأولون , من غير تأمل , في ذلك الذي عرفوه خطأَ أو صواباً؛ وإذا انتقل الفكر من الجمود في تربية الأزهار , إلى الجمود في تربية العقول والنفوس , يرجف القلم ويستعفي من الخوض فيه؛ فليعذره القارئ إذا أراد أن لا يترك لذة الوقوف مع الزهور , وقفة الذاكر جميلها وجمالها , المتعلم من حكمة التي تتجلى لي كلما رأيتها تزين الرياض والحدائق , وهي أن تسبيح بديع الأكوان كلها يكون بالروح والجنان , كما يكون باللسان , وإنْ مِنْ شيءٍ إلاَّ يُسَبّحُ بحَمْدِهِ ولكنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحهُم.
عبد الحميد الزهراوي
стр. 1716
أي الرجال تفضله النساء
من كان طويلاً القامة , قوي البنية , جميل الطلعة , ذا ذكاء لا يباهي به , لين العريكة , متسامحاً بالجزئيات , غيوراً في الحب , رؤوفاً بالضعيف , يركن إليه في كل الأحوال ويمكن خداعه أحياناً. وإني وإن كنت أرى صعوبة التعميم في أمور كهذه , فلا ريب عندي أن أكثر النساء يملنَ إلى الرجل الذي يستأثر بالسلطة , وإن يكن بعضهنَّ يفضلن الاستبداد على الإهمال , لأن المستبد شرس الطباع , مكروه في الغالب
وردت هذه الجملة في آخر رواية كتبتها آدا ليفرسون , فلفتت نظر مدير مجلة الستراند , فاتخذها موضوعاً اقترحه على أديبات الانكليز فوردته الأجوبة التالية: لا يصح التعميم في قضية كهذه؛ فإن لكلٍ من الناس في الحبّ مذهباً ولولا ذلك لساد في الأرض الشقاء. وأنا أوافق السيدة ليفرسون على كره الرجل المستبدّ , وحب الرؤوف. أما رأيي الخاص فإني أقدّم الحيطة والرعاية على باقي الصفات , إذ لا شيءَ عندي أبغض من الإهمال وعدم الاكتراث. ولستُ أُعلّق على المنظر الشخصي كبير أهميةٍ , فإني أعشق في الرجل أخلاقهُ لا أسنانهُ البيض وشاربهُ المفتول.
مود. أنسلى
إن وصف آدا ليفرسون يصدق بالإجمال على النوع الذي تفضّله النساء. غير أنَّ بعضهنَّ يفضّلنَ ذا النفس الكريمة , ولو كان قبيح الصورة , والقويَّ على الضعيف. أما المستبدُّ الشكِس الطباع فلا يُطاق. وقد أصاب هزلت في قولهِ: عن المرأة تعشق الرسم الذي اعتادت تصويرهُ في مخيلتها.
أدلا بيد أرنولد
ليس أبغضُ لديَّ من الشاب الجميل. غير أني اشترط في من أحب إن يكون منظرهُ مقبولاً. ذا عينين لطيفتين , وذقن تدلُّ على القوَّة , وإن لا يكون
стр. 1717
في وجهه ما يدلُّ على الدناءَة؛ يحب الأولاد والكلاب قادراً على استمالتهم إليه. وأفضّل من زادَ على هذا الذكاء , وسعة الإطلاع , وكرم النفس , والقوة الحقيقة. فإنَّ القويَّ لا يظلم ولا يستبد. وإكراهُ الجبان الغيور. ومن الحكمة أن لا تفحص المرأة عن ماضي رجلها. وإن تثق بهِ كل الثقة.
مسز اسكيو
إنّ الاستبدادَ في الرجل كثيراً ما يكون عنوان الضعف؛ فالمرأة الحكيمة تعرف كيف تحصل على السلطة الحقيقية , بإظهارها الطاعة واللين , ويمكنها الفوز بأكثر رغائبها إذا تظاهرت بعكس ما تروم. أما الرجل الرؤوف الذكيّ , الثقة , فهو عطية الآلهة. وإني استغرب ممن تفوز ببعلٍ كهذا يخطر لها خداعه في بال
كاترين بايتس
يستحيل على امرأة واحدة أن تجيب على هذا السؤال المهم؛ فإن لكلّ امرأة ميلها. وبصفة كوني عظواً من الجنس اللطيف أجيب: أنني أفضّل الرجل الذي ينزع للسلطة , وإكراه الرجل الضعيف النفس , كما تكرهُ الكثيرات منا ضعيف البنية , واحتقر الرجل البسيط الذي يُخدع. أما الخصال التي لها الميزة عندي فهي الشجاعة والذكاء والمواساة وخفّة الروح. وإن أضفت إليها دماثة الخلق والكرم بلغت حدّ الكمال.
مارجري بون
إن قلنا إننا نفضّل الرجل الطويل الجميل الذكيَّ القوي , فلا نضلّ؛ إذ نكون قد اخَترنا أفضل النوع المذكر. ومن منا لا تميل إلى الرجل المتسامح في صغائر الأمور؟ غير أني أرى اللواتي يفضّلنَ محبَّ الأثرة , على ضلالٍ مبين؛ فهنَّ يستحسنَّ منهُ مظاهر القوة في زمن الخطبة , ثم لا يلبثنَ أن يسمينها استبداداً مشيناً بعد الزواج. ومما لا يُعارض فيهِ أنَّ المرأة تحبُّ الغيرة في الرجل , لأنها لا تريد أن يُشرك فيها. وأما من يمكن خداعهُ أحياناً فهذا شرط يستغني عنهُ لأنَّ الرجل الذي لا تقدر المرأة على خداعهِ لم يولد حتى الآن.
صوفيا كول
стр. 1718
إن الزمان الذي كانت تميل المرأة فيهِ إلى ذوي السيادة والأثرة من الرجال قد مضى مع الجيل الغابر , فإننا بنات القرن العشرين نودُّ أن نرى في الرجل العصريّ المجاملة والمروءة التي ينبغي أن تكون بين القوي والضعيف؛ أما إذا وجدت المرأة رجلاً نقدر أن تثق بهِ ثقةً دائمة , فينبغي أن تخجل من أن تُقدِم على خداعهِ.
مسز كرسبيني
إن رأي مسز ليفرسون هو رأي ناضج ناشئٌ عن خبرةٍِ وتدبر. وهذا لا يتم إلاَّ لمن قضت
في الزواج أو العزوبة عقداً طويلاً. أما الفتيات اللواتي يهمهنّ في الدرجة الأولى , ما نحن في صددهِ , فإنهنَّ يملنَ مع القلب وليس مع العقل. وإني أرى الصفة الفضلى في ما يسمونهُ بالسمر والغزَل؛ فإن كل بنات جنسنا مهماكنَّ متعقلات يُرضيهنَّ من أزواجهنَّ أمور في الحقيقة صغيرة كمثل نظرةٍ أو قبله عند الوداع , أو حديث رقيق , أو لمسة تحبب , أو باقة زهر. والرجل الذي يحسن هذه المجاملات البسيطة تغتفر لهُ المرأة ذنوباً كثيرةز ويسرُّها أن ترى الغيرة فيهِ ما دامت ترى فيهِ آثار الحب الصادق إذ لا تقدر أن تعيش بلا حبيب.
ماي أرجنتون
ليس لي رأي خاص في هذه المسئلة سوى أني اعتقد أن جنسنا ينقسم إلى قسمين كبيرين: قسم يميل إلى التحكُّم , وقسم يرغب في أن يكون محكوماً. ولكل منهما فئةٌ تقابلهُ من الجنس الآخر. واعتقد أيضاً بالمبدأ القائل شبيهُ الشكل منجذبٌ إليهِ وإن شذَّ بعض الأحيان.
ألينور غلن
لو عُرض الأزواج في السوق كالبرانيط الجديدة ما ترددت النساء في اختيار أجملهم صورةً , وأطولهم قامةً , وأقواهم بنيةً. ولكنها ترى في من تحب الكمال ولو كان على عكس ذلك. ومما يدهش أن بعضاً من الرجال الذين تفتتن بهم كثيرات من النساء , ليسوا على شيءٍ من المواهب الطبيعية. وأنا أحتقر المرأة التي ترضى باستبداد زوجها , ولا أحب الغيور فهو لا يطاق كرفيق العمر؛ ومن كان هذا طبعهُ فلا يسهل عليهِ تغييرهُ. وإليك ما أفضّلهُ في الرجل: أن يكون محباً
стр. 1719
سليم الذوق , كريم الطباع , سريع الفهم , خفيف الروح , محباً للمجون. فإن المجون يخفف أثقال الحياة.
مسز بنروز
تختلف النساء في الذوقِ اختلاف الرجال فيهِ؛ وما يقضي بالعجب أن صنفاً من النساء والرجال لا نرى فيهِ من الميّزات ما يكتفي بأن يجعله الفائر بالشهرة في الحب. إنما السر أن هذا النوع لا يشعر بالحب الحقيقي؛ وهو ذو العواطف الهادئة , من إذا رأى امرأة تعرض عنهُ يقدر أن يظهر لها وكأنه يقول أني أستغني عنكِ أنتِ بكل سهولة لأن من يهزّه الحبُّ الصادق لا يمكنهُ أن يعلق بأكثر من شخصٍ واحد. وإذا تصفحتَ التاريخ تجد أنَّ
الرجال الذين اشتهروا بشدةِ سلطتهم على قلوب النساء , والنساء اللواتي كنَّ يلعبنَ بقلوب الرجال , كانوا بلا استثناء , فاتري العاطفة , شديدي الأنانية.
مسز بايلي
أميل إلى من كان يرمي إلى غرضٍ معلوم في الحياة , وهو قويٌّ ثابت؛ من يتكلُ على نفسهِ , ويقتصر في مظاهراتهِ الخيبة على ما يكفي أنهُ يفهِمَ زوجته أنهُ يُحيها. وأريدُه طويل الأناة دِمتَ الأخلاق
أن مُعظم النساء يعبد القوة , ويكرهُ في الرجل التأنُّث. ولذا فلا يهمّ الجمال هذا الفريق؛ لأن الرجل الجميل يغلُبُ أن يكون معجباً بجمالهِ , وهو محتقر ومرذول من النساء. يلذُّ للمرأة أن ترى الغيرة في من تحب , ولا تكره سلطة الرجل , وإن كانت لا تعترف بذلك جهرا حتى ولا لنفسها.
مسز ستانلي
كصديق أفضلُ الرجل المجوني الحلو الطباع , المتوسطَ الذكاء , من يقدران يجعل المرأة تعتقد بأنها أجمل وجهاً , وأبهج عشرةً , وأفخر زينةً من كل امرأةٍ سواها , فتصيدّقهُ وترضي عنهُ ولو قال نفسَ الكلام لكثيرات غيرها. ولكن كحبيب وزوج أشتهي المفكّر في غيره الرؤوف الرقيق. مَن يحب الأولاد والحيوانات إليكم ومَن يَحسُن الاتكال عليهِ دائماً
مود يارلي
ع. ع
стр. 1720
الرسميات
لم يكَدْ انتخاب المسيو يَذيع حتى أعلن رغبتهُ في خلع نير الرسميَّات وميله إلى حرية المعيشة. فهو يريد أن يؤمَّ هذا المكان , أو يختلف إلى ذلك الموضع بغير عين ولا رقيب. وهو يبتغي أن يثابر على مشاطرة المجمع العلمي الفرنساوي أعمالهُ. وأن يتناول الطعام عند أصدقائهِ إيانَ شاءَ دون أن يحاذر لومة لائم على مخالفتهِ لقواعد العادات المرعية في الرسميات. إن الرغبة التي أبداها المسيو بوانكاره على أثر انتخابهِ لرئاسة الجمهورية الفرنساوية تدلُّ على عواطف ديموقراطية حقيقة كامنة في صدر ذلك الرجل العظيم الذي أجمعت الكلمة على استحسان انتخابهِ لذلك المنصب الرفيع. وهي لعمر الحق عواطف لا يسع كلَّ ذي عقل سامٍ إلاَّ إطراؤها. أجل أن الرسميات المقضي على رئيس الجمهورية الفرنساوية التقيّد بها في هذه الأيام , لم تعد معدودة شيئاً مذكوراً بالنسبة إلى الرسميات الكثيرة التعقيد التي كان العمل جارياً بموجبها في العصور الماضية في قصور ملوك فرنسا. ومع ذلك فإن المسيو بوانكاره أنف من الخضوع لها. وهبْ سلّمنا بوجوب العمل بمقتضي قواعد الرسميات في بعض الحفلات التي تقتضي تصدُّر رئيس الجمهورية فها , كالأعياد العمومية واستقبال رؤساء الحكومات الأجنبية وسفرائهم , فلا يمكننا التسليم بضرورة بقاء ذلك الرئيس مقيداً بتلك القواعد في معيشتهِ البيتية. ففي جلسة عقدت في ٢١ سبتمبر أيلول سنة ١٧٩٢ اقترح مانويل أن يقيَّد زعيم الجمعية العمومية بقواعدَ رسميات تُعيد إلى الذهن ذكرى بعض القواعد التي كانت مرعية في عهد الملكية الملغاة. فللحال ارتفعت أصوات الاعتراض على اقتراحه وأُقيم النكير عليهِ بالصوت الحيّ. وكان من جملة مقال تاليان في ذلك الصدد: إني ليدهشني تباحثكم في أمر الرسميات. فلا يمكن أن يوضع موضع المناقشة
следующие страницы →