Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
أي الرجال تفضله النساء
من كان طويلاً القامة , قوي البنية , جميل الطلعة , ذا ذكاء لا يباهي به , لين العريكة , متسامحاً بالجزئيات , غيوراً في الحب , رؤوفاً بالضعيف , يركن إليه في كل الأحوال ويمكن خداعه أحياناً. وإني وإن كنت أرى صعوبة التعميم في أمور كهذه , فلا ريب عندي أن أكثر النساء يملنَ إلى الرجل الذي يستأثر بالسلطة , وإن يكن بعضهنَّ يفضلن الاستبداد على الإهمال , لأن المستبد شرس الطباع , مكروه في الغالب
وردت هذه الجملة في آخر رواية كتبتها آدا ليفرسون , فلفتت نظر مدير مجلة الستراند , فاتخذها موضوعاً اقترحه على أديبات الانكليز فوردته الأجوبة التالية: لا يصح التعميم في قضية كهذه؛ فإن لكلٍ من الناس في الحبّ مذهباً ولولا ذلك لساد في الأرض الشقاء. وأنا أوافق السيدة ليفرسون على كره الرجل المستبدّ , وحب الرؤوف. أما رأيي الخاص فإني أقدّم الحيطة والرعاية على باقي الصفات , إذ لا شيءَ عندي أبغض من الإهمال وعدم الاكتراث. ولستُ أُعلّق على المنظر الشخصي كبير أهميةٍ , فإني أعشق في الرجل أخلاقهُ لا أسنانهُ البيض وشاربهُ المفتول.
مود. أنسلى
إن وصف آدا ليفرسون يصدق بالإجمال على النوع الذي تفضّله النساء. غير أنَّ بعضهنَّ يفضّلنَ ذا النفس الكريمة , ولو كان قبيح الصورة , والقويَّ على الضعيف. أما المستبدُّ الشكِس الطباع فلا يُطاق. وقد أصاب هزلت في قولهِ: عن المرأة تعشق الرسم الذي اعتادت تصويرهُ في مخيلتها.
أدلا بيد أرنولد
ليس أبغضُ لديَّ من الشاب الجميل. غير أني اشترط في من أحب إن يكون منظرهُ مقبولاً. ذا عينين لطيفتين , وذقن تدلُّ على القوَّة , وإن لا يكون
стр. 1717
في وجهه ما يدلُّ على الدناءَة؛ يحب الأولاد والكلاب قادراً على استمالتهم إليه. وأفضّل من زادَ على هذا الذكاء , وسعة الإطلاع , وكرم النفس , والقوة الحقيقة. فإنَّ القويَّ لا يظلم ولا يستبد. وإكراهُ الجبان الغيور. ومن الحكمة أن لا تفحص المرأة عن ماضي رجلها. وإن تثق بهِ كل الثقة.
مسز اسكيو
إنّ الاستبدادَ في الرجل كثيراً ما يكون عنوان الضعف؛ فالمرأة الحكيمة تعرف كيف تحصل على السلطة الحقيقية , بإظهارها الطاعة واللين , ويمكنها الفوز بأكثر رغائبها إذا تظاهرت بعكس ما تروم. أما الرجل الرؤوف الذكيّ , الثقة , فهو عطية الآلهة. وإني استغرب ممن تفوز ببعلٍ كهذا يخطر لها خداعه في بال
كاترين بايتس
يستحيل على امرأة واحدة أن تجيب على هذا السؤال المهم؛ فإن لكلّ امرأة ميلها. وبصفة كوني عظواً من الجنس اللطيف أجيب: أنني أفضّل الرجل الذي ينزع للسلطة , وإكراه الرجل الضعيف النفس , كما تكرهُ الكثيرات منا ضعيف البنية , واحتقر الرجل البسيط الذي يُخدع. أما الخصال التي لها الميزة عندي فهي الشجاعة والذكاء والمواساة وخفّة الروح. وإن أضفت إليها دماثة الخلق والكرم بلغت حدّ الكمال.
مارجري بون
إن قلنا إننا نفضّل الرجل الطويل الجميل الذكيَّ القوي , فلا نضلّ؛ إذ نكون قد اخَترنا أفضل النوع المذكر. ومن منا لا تميل إلى الرجل المتسامح في صغائر الأمور؟ غير أني أرى اللواتي يفضّلنَ محبَّ الأثرة , على ضلالٍ مبين؛ فهنَّ يستحسنَّ منهُ مظاهر القوة في زمن الخطبة , ثم لا يلبثنَ أن يسمينها استبداداً مشيناً بعد الزواج. ومما لا يُعارض فيهِ أنَّ المرأة تحبُّ الغيرة في الرجل , لأنها لا تريد أن يُشرك فيها. وأما من يمكن خداعهُ أحياناً فهذا شرط يستغني عنهُ لأنَّ الرجل الذي لا تقدر المرأة على خداعهِ لم يولد حتى الآن.
صوفيا كول
стр. 1718
إن الزمان الذي كانت تميل المرأة فيهِ إلى ذوي السيادة والأثرة من الرجال قد مضى مع الجيل الغابر , فإننا بنات القرن العشرين نودُّ أن نرى في الرجل العصريّ المجاملة والمروءة التي ينبغي أن تكون بين القوي والضعيف؛ أما إذا وجدت المرأة رجلاً نقدر أن تثق بهِ ثقةً دائمة , فينبغي أن تخجل من أن تُقدِم على خداعهِ.
مسز كرسبيني
إن رأي مسز ليفرسون هو رأي ناضج ناشئٌ عن خبرةٍِ وتدبر. وهذا لا يتم إلاَّ لمن قضت
في الزواج أو العزوبة عقداً طويلاً. أما الفتيات اللواتي يهمهنّ في الدرجة الأولى , ما نحن في صددهِ , فإنهنَّ يملنَ مع القلب وليس مع العقل. وإني أرى الصفة الفضلى في ما يسمونهُ بالسمر والغزَل؛ فإن كل بنات جنسنا مهماكنَّ متعقلات يُرضيهنَّ من أزواجهنَّ أمور في الحقيقة صغيرة كمثل نظرةٍ أو قبله عند الوداع , أو حديث رقيق , أو لمسة تحبب , أو باقة زهر. والرجل الذي يحسن هذه المجاملات البسيطة تغتفر لهُ المرأة ذنوباً كثيرةز ويسرُّها أن ترى الغيرة فيهِ ما دامت ترى فيهِ آثار الحب الصادق إذ لا تقدر أن تعيش بلا حبيب.
ماي أرجنتون
ليس لي رأي خاص في هذه المسئلة سوى أني اعتقد أن جنسنا ينقسم إلى قسمين كبيرين: قسم يميل إلى التحكُّم , وقسم يرغب في أن يكون محكوماً. ولكل منهما فئةٌ تقابلهُ من الجنس الآخر. واعتقد أيضاً بالمبدأ القائل شبيهُ الشكل منجذبٌ إليهِ وإن شذَّ بعض الأحيان.
ألينور غلن
لو عُرض الأزواج في السوق كالبرانيط الجديدة ما ترددت النساء في اختيار أجملهم صورةً , وأطولهم قامةً , وأقواهم بنيةً. ولكنها ترى في من تحب الكمال ولو كان على عكس ذلك. ومما يدهش أن بعضاً من الرجال الذين تفتتن بهم كثيرات من النساء , ليسوا على شيءٍ من المواهب الطبيعية. وأنا أحتقر المرأة التي ترضى باستبداد زوجها , ولا أحب الغيور فهو لا يطاق كرفيق العمر؛ ومن كان هذا طبعهُ فلا يسهل عليهِ تغييرهُ. وإليك ما أفضّلهُ في الرجل: أن يكون محباً
стр. 1719
سليم الذوق , كريم الطباع , سريع الفهم , خفيف الروح , محباً للمجون. فإن المجون يخفف أثقال الحياة.
مسز بنروز
تختلف النساء في الذوقِ اختلاف الرجال فيهِ؛ وما يقضي بالعجب أن صنفاً من النساء والرجال لا نرى فيهِ من الميّزات ما يكتفي بأن يجعله الفائر بالشهرة في الحب. إنما السر أن هذا النوع لا يشعر بالحب الحقيقي؛ وهو ذو العواطف الهادئة , من إذا رأى امرأة تعرض عنهُ يقدر أن يظهر لها وكأنه يقول أني أستغني عنكِ أنتِ بكل سهولة لأن من يهزّه الحبُّ الصادق لا يمكنهُ أن يعلق بأكثر من شخصٍ واحد. وإذا تصفحتَ التاريخ تجد أنَّ
الرجال الذين اشتهروا بشدةِ سلطتهم على قلوب النساء , والنساء اللواتي كنَّ يلعبنَ بقلوب الرجال , كانوا بلا استثناء , فاتري العاطفة , شديدي الأنانية.
مسز بايلي
أميل إلى من كان يرمي إلى غرضٍ معلوم في الحياة , وهو قويٌّ ثابت؛ من يتكلُ على نفسهِ , ويقتصر في مظاهراتهِ الخيبة على ما يكفي أنهُ يفهِمَ زوجته أنهُ يُحيها. وأريدُه طويل الأناة دِمتَ الأخلاق
أن مُعظم النساء يعبد القوة , ويكرهُ في الرجل التأنُّث. ولذا فلا يهمّ الجمال هذا الفريق؛ لأن الرجل الجميل يغلُبُ أن يكون معجباً بجمالهِ , وهو محتقر ومرذول من النساء. يلذُّ للمرأة أن ترى الغيرة في من تحب , ولا تكره سلطة الرجل , وإن كانت لا تعترف بذلك جهرا حتى ولا لنفسها.
مسز ستانلي
كصديق أفضلُ الرجل المجوني الحلو الطباع , المتوسطَ الذكاء , من يقدران يجعل المرأة تعتقد بأنها أجمل وجهاً , وأبهج عشرةً , وأفخر زينةً من كل امرأةٍ سواها , فتصيدّقهُ وترضي عنهُ ولو قال نفسَ الكلام لكثيرات غيرها. ولكن كحبيب وزوج أشتهي المفكّر في غيره الرؤوف الرقيق. مَن يحب الأولاد والحيوانات إليكم ومَن يَحسُن الاتكال عليهِ دائماً
مود يارلي
ع. ع
стр. 1720
الرسميات
لم يكَدْ انتخاب المسيو يَذيع حتى أعلن رغبتهُ في خلع نير الرسميَّات وميله إلى حرية المعيشة. فهو يريد أن يؤمَّ هذا المكان , أو يختلف إلى ذلك الموضع بغير عين ولا رقيب. وهو يبتغي أن يثابر على مشاطرة المجمع العلمي الفرنساوي أعمالهُ. وأن يتناول الطعام عند أصدقائهِ إيانَ شاءَ دون أن يحاذر لومة لائم على مخالفتهِ لقواعد العادات المرعية في الرسميات. إن الرغبة التي أبداها المسيو بوانكاره على أثر انتخابهِ لرئاسة الجمهورية الفرنساوية تدلُّ على عواطف ديموقراطية حقيقة كامنة في صدر ذلك الرجل العظيم الذي أجمعت الكلمة على استحسان انتخابهِ لذلك المنصب الرفيع. وهي لعمر الحق عواطف لا يسع كلَّ ذي عقل سامٍ إلاَّ إطراؤها. أجل أن الرسميات المقضي على رئيس الجمهورية الفرنساوية التقيّد بها في هذه الأيام , لم تعد معدودة شيئاً مذكوراً بالنسبة إلى الرسميات الكثيرة التعقيد التي كان العمل جارياً بموجبها في العصور الماضية في قصور ملوك فرنسا. ومع ذلك فإن المسيو بوانكاره أنف من الخضوع لها. وهبْ سلّمنا بوجوب العمل بمقتضي قواعد الرسميات في بعض الحفلات التي تقتضي تصدُّر رئيس الجمهورية فها , كالأعياد العمومية واستقبال رؤساء الحكومات الأجنبية وسفرائهم , فلا يمكننا التسليم بضرورة بقاء ذلك الرئيس مقيداً بتلك القواعد في معيشتهِ البيتية. ففي جلسة عقدت في ٢١ سبتمبر أيلول سنة ١٧٩٢ اقترح مانويل أن يقيَّد زعيم الجمعية العمومية بقواعدَ رسميات تُعيد إلى الذهن ذكرى بعض القواعد التي كانت مرعية في عهد الملكية الملغاة. فللحال ارتفعت أصوات الاعتراض على اقتراحه وأُقيم النكير عليهِ بالصوت الحيّ. وكان من جملة مقال تاليان في ذلك الصدد: إني ليدهشني تباحثكم في أمر الرسميات. فلا يمكن أن يوضع موضع المناقشة
стр. 1721
استئثار رئيس الجمعية بميزةٍ خاصة حين لا يكون مزاولاً لأعمال منصبهِ. وهو حين يكون خارج هذه الردعة يعتبر فرداً من جملة أفراد الأمة وكأننا بالمسيو بوانكاره يرغب , حين هو لا يزال أعمال الرئاسة في أن يكون حرّاً يتصرف في أعماله كفردٍ بسيط من أفراد الأمة. فكأن روح أجدادهِ قد تقمصت فيهِ فدعتهُ إلى إجراء ذلك العمل الذي استوجب له الثناء. يرجع أصل الرسميات في فرنسا إلى الملك فرنسيس الأول ١٤٩٤ - ١٥٤٧ وقد كان ملوك فرنسا قبله على غاية من البساطة في معيشتهم. فأراد هذا الملك أن يفتدي بُمناظرهِ العاهل شارل الخامس في الأبهة والعظمة الموروثتين عن أجدادهِ
دوقات برغونيا. هذا كان بدء إدخال الرسميات إلى بلاط فرنسا. وقد زادها هنري الثالث تعقيداً. وأما هنري الرابع فإنهُ بذل المجهود لجعلها بسيطة. وعالج مناوأتها غير مرة. غير أن ماري المديشية زوجتهُ كانت من قوم شديدي الاستمساك بأهداب الرسميات فانتصرت لها , وزادتها تعقيداً على تعقيد. وكانت الرسميات ف بلاط لويس الرابع عشر من أصعب الأمور المقضي على الإنسان العمل بها. فلم يكن الملك يُجري حركة أو إشارة إلاّ ويبادر إلى قضاء أمره شخص من الأشخاص المعينين لتلك المهمة بموجب قانون الرسميات. فإذا نهض الملك من السرير , قضت الرسميات على بعض الأشخاص إن ينهضوا بأعباءِ خدمتهِ. فهذا يقدّم له قميصهُ , وذاك سراويلهُ. وإذا جلس إلى المائدة , قام على خدمتهِ جمهورٌ من رجال البلاط يقدمون له بالتناوب ألوان الطعام وأنواع الشراب. فكانوا يأتونهُ بالشواءِ في حفلة منظمة؛ فيسير في المقدمة جنديان يحمل كلٌّ منهما رمحاً على كتفهِ. ويتلوها خادم يحمل الشواءَ يتبعهُ أربعة من الحراس يحملون البنادق على أكتافهم. وكل ذلك لأجل قطعة من اللحم المشوي. ولو كانت هذه
стр. 1722
الحفلة تزيد في لذة الطعام لكانت مغتفرة. ولكنها كانت تذهب بلذتهِ لأن الطعام كان يبرد في أثناء ذلك. وظلت تلك الحفلات الرسمية المستهجنة معمولاً بها حتى اتقدت نيران الفتنة الكبرى فأخذت الملكة ماري انطوانت , زوجة الملك لويس السادس عشر , منذ قدومها إلى الديار الفرنساوية , تتذمر من تلك الرسميات برسائل كانت تخطها إلى والديها. ولما زُجّت في السجن بعد الثورة قالت: إني استفدتُ شيئاً من الثورة فقد تخلصتُ من الرسميات فليحكم القارئ من الحادثة الآتية عما إذا كانت الملكة مصيبة أو مخطئة في قولها هذا: حدث ذات يومٍ من أيام الشتاء أن الملكة ماري انطوانت كانت تغيّر ملابسها وقد تعرّت , وأوشكت أن تلبس قميصها. وكانت عقيلة كامبان قيّمة غرفة الملكة حاملة القميص مطويّاً. فدخلت إحدى نساءِ الشرف , ونزعت قفازيها , وتناولت القميص من القيّمة - ولا بدَّ من أن يعلم القارئُ أن الرسميات كانت تقضي على كل شخص يقدّم شيئاً ما إلى الملك أو الملكة بأن يكون عاري اليدين - فأخذت سيدة الشرف القميص وهمت بإعطائهِ إلى الملكة. وإذا بالباب يُحكُّ - وينبغي للقارئ أن يعلم أيضاً أنهُ لم يكن يجوز لأحد أن يقرع باب الملك أو الملكة , بل كانت الرسميات تقتضي أن يُحكُّ الباب قبل فتحهِ - فتح الباب ودخلت دوقة أورليان - وهنا تبدو صعوبة
أخرى وهي أن قواعد الرسميات كانت تقضي بأنهُ إذا دخل على الملك أميرٌ من الأسرة المالكة , أو دخلت على الملكة أميرة من بيت الملك , حين يكون الملك أو الملكة يلبسان ثيابهما , كان من حقّ الأمير أو الأميرة أن يقوم مقام السيد أو السيدة المنوط بهما أمر تقديم الملابس للملك أو الملكة. دخلت دوقة أورليان ونزعت قفازيها , وهمت بأخذ القميص من سيدة الشرف. ولكن الرسميات لم تكن تجيزه لهذه السيدة إعطاءَها القميص فأعادتها إلى
стр. 1723
عقيلة كامبان وهذه ناولتها للأميرة. وبينا هنَّ على تلك الحالُ حكَّ الباب مرة أخرى , وولجت كونتة بروفانس؛ ولما كانت هذه الأميرة سلفة الملكة كان لها الأفضلية على دوقة أورليان فسلمت القميص إليها. وفي أثناء ذلك كانت الملكة العريانة ترتجف من شدة البرد. وكل ذلك كان لئلا تتخطى حدود قواعد الرسميات. ولما رأت عقيلة كامبان أن الأمر قد طال. وأنهُ يُخشى أن تصاب الملكة بزكام من ذلك البرد , وإن قواعد الرسميات لا تدفع عنها غوائله الذميمة , تناولت القميص وبادرت إلى إلباس الملكة دون أن تنزع قفازيها , ودون أن تحترم قبّة الشعر العالية المبنية فوق رأسها. فتبسمت الملكة لعمل عقيلة كامبان , وإن يكن قد ساءَها من جهةٍ خرق حرمة الرسميات. قال الكاتب بولس لويس كوريه: إن الرسميات تصيّر الملوك عبيداً للبلاط. ولقد أصاب وايم الحق هذا الكاتب في قوله , لأن أولئك الملوك لم يكونوا يستطيعون أن يخطوا خطوة واحدة , أو يبدوا أدنى إشارة , دون أن يتدخل للحال في أمرهم إنسان ليس منهُ فائدة. ومما هو أغرب من ذلك أن هذه الرسميات مع صرامتها في بعض الشؤون العادية كانت في غالب الأحيان مهملة في أمور كثيرة عظيمة الأهمية. كان للملك لويس الخامس عشر عدد كبير من الخدام القائمين على خدمته في لبس ثيابهِ وعلى المائدة وغير ذلك. ولكنهُ لم يكن لديهِ خادم يوقد النار في غرفتهِ ليدفئها. وقد قال لعقيلة دي باري أنهُ كان غير مرة في فصل الشتاء يضطرّ بذاتهِ إلى إيقاد النار في غرفتهِ ليصطلي عليها. أقبح ما في الرسميات أن المقرّبين من الملك كانوا يضربون حولهُ نطاقاً يحول دون وصول الحقائق إليهِ؛ فيبقى بينهُ وبين الشعب حاجزٌ حصين , فالرسميات التي كانت تحجب حاجات الشعب وأمانيهُ عن علم الملك , كانت داعياً إلى إضرام نيران الفتن. فقد حدث في اسبانيا من الفتن ما لم يحدث في غيرها من البلدان
стр. 1724
ويعزى ذلك الأمر إلى الرسميات التي يُعمل بها في تلك المملكة أكثر مما يُحافظ
عليها عند سواهم من الشعوب. وقد نظم فيكتور هوغو الشاعر الفرنساوي المشهور عقد رواية حسناء سماها روي بلاس أدار رحى الكلام فيها على قطب الرسميات , وما يتخللها من العادات التي يمحُّها الذوق السليم , دون أن يركب مركب المغالاة , أو يتمادى في المبالغ بهذا الموضوع. ولما كان بالشيءِ يذكر , نورد هنا نكتتين لطيفتين تأتيان مصداقاً لما نحن في صددهِ: أمر ملك اسبانيا في خالي الحين أن يقدّموا للملكة جياداً من كرام الجياد الأندلسية لتختار منها فرساً كريماً. فانتقمت منها جواداً مطهماً وركبتهُ. ولم تكد تمتطي صهوتهُ حتى جعل يرفس , فهوت إلى الأرض وبقيت رجلها معلقة بالركاب. فأجفل الحصان جامحاً , وجرّ وراءَه الملكة. وكان ذلك الأمر في عرصة القصر والملك ينظر من الشرفة , والاضطراب والقنوط بالغان منهُ. وكان في العرصة عدد غير قليل من الخفراءِ ورجال البلاط ينظرون إلى الملكة ولا يجسرون على الدنو منها لتمليص رجلها من الركاب لأنهُ كان محظوراً على أيٍّ من الناس أن يمسّ شخص الملكة ولاسيما رجلها. وكان ثمت فارسان اسبانيوليان , فدفعتها الحمية إلى إنقاذ الملكة ولو سامهما ذلك الأمر إلى اقتحام غمرات الحمام. فقبض أحدهما على لجام الحصان وأوقفهُ , وملص الآخر رجل الملكة من الركاب. ثم أنهما برحا القصر لساعتهما مسرعين إلى منزلهما , وأسرجا جوادين , وتركا المدينة هاربين من غضب الملك. وفقد في اسبانيا أيضاً أحد الملوك حياتهُ بسبب تمسكه رجال بلاطهِ بالرسميات. وذلك أنهُ كان للملك فيليب الثالث موقد في غرفتهِ أضرمت فيه النار وارتفع لهيبها. فاندلع لسانها اندلاعاً كاد يحرق وجه الملك. وحدث أن الشخص الموكول إليه أمر العناية بتلك النار كان غائباً. فلم يدر في خلد أحدٍ من الحضور في حضرة الملك أن يقوم مْقامهُ. وظن الملك أن كرومة مقامهِ تمنعُ الابتعاد عن تلك
стр. 1725
النار أو أبعادها عمهُ. ولذلك ظلّ قاعداً على عرشهِ حتى أثرت بهِ النار تأثيراً أحرق وجههُ , وكان سبباً لوفاتهِ بعد بضعة أيام. أما الملكة فكتوريا الانكليزية فقد كانت أعقل من ملك اسبانيا من هذا القبيل؛ فإن في عملها والكلمات التي فاهت بها في الحال التي سنبينها , انتقاداً مرّاً لتلك الرسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان. كانت الملكة فكتوريا ذات ليلةٍ جالسة في ردهة من ردهات قصرها وقد التفَّت حولها عصابة من الأمراء والأميرات وكبار رجال المملكة. فجعل المصباح يدخّن. فنهضت الملكة وخفضت الذبالة. وكان من وراء عملها هذا
دهشٌ شديد استولى على الحاضرين. فصاحت إحدى سيدات الشرف: أو مثل جلالتك تتنازل بذاتها. . . فأجابتها الملكة: نعم فلو إني قلت أن القنديل يدخّن , لكانت سيدة من سيدات الشرف قالت للحاجب: ألا ترى يا حضرة السيد أن قنديل الملكة يدخّن؟ وحينئذٍ كان هذا الأخير ينادي خادماً لإصلاحهِ. ولا يخفي أن هذا الأمر يستغرق وقتاً من الزمان يمكن أن يلتهب القنديل في خلاله. ولذا قد آثرت تولّي إصلاحه بذاتي. . . وقد انتسخت الرسميات أو كادت في عصرنا نت قصور الملوك في بلدان أوروبا الشمالية. ففي كوبنها أو ستوكهولم أو كريستيانا لا يتعجب أحد من رؤيتهِ الملك يتنزه وحدهُ في الشوارع حاملاً عصاه بيده , أو يركب الترامواي كأنهُ من سوقة الناس. وأما الرسميات في بلدان أوروبا الجنوبية فإنها لا تزال مرعية كما كانت في الماضي. وهي تعتبر إرثاً اتصل بالشعوب اللاتينية من بيزنطة. وعندنا أن أفضل شيء هو ما جرى عليهِ القوم في أوروبا الشمالية من البساطة في المعيشة. والتحرر من قيود الرسميات الثقيل. ورحم الله مرمونتل القائل فلنهزأ بالرسميات , وبالتربة التي أنبتها.
إلياس طنوس الحويّك
стр. 1726
يوسف شكور باشا
أيها السادة!
عادة الاعتذار عن التقصير أصبحت من مبتذلات العادات في مستهلّ كلام الخطباء. غير أنكم تغتفرون لخطيب اليوم أن يجري عليها , إذ لا يرى مندوحة عنها , فيسألكم المعذرة إذا بقيَ دون المقام الذي يجب أن يكون فيهِ. كيف لا ويحقُّ لأيّ دون المقام الذي يجب أن يكون فيهِ. كيف لا ويحقُّ لأيّ خطيبٍ أن يتهيَّب هذا الموقفَ أمام مثل هذا الحفل الحافل بوجوه البلاد أدباً وعلماً ومقاماً. ويُحجمَ إزاءَ الموضوع الخطير الذي دُعيت للكلام فيهِ. بل إنني أمام
стр. 1727
هذا الجمع الموقَّر , وفي تكريم فقيدنا الجليل , لا أرى أجدر من ذلك الفقيد نفسهِ بالوقوف مؤبناً وخطيبً , يجول جولاته المعروفة , ويتدفق بفصاحتهِ المشهورة. على أنه إذا كانت يد الموت قد عقلَتْ ذاك اللسان الزلق , وأخمدت ذلك الصوت العالي , وأبلت ذيّاك الصدر الرحب , فلا أقلَّ من أن تسمعوا الهممَ صوتاً - ولو ضعيفاً - يندبُ تلك المناقبَ الغراء , ويرثي هاتيك الهممَ الشماء , فيترامى هذا الصوت الضئيل إلى مسامعكم , كما يترامي الصدى محمولاً على تموجات الهواء.
أيها السادة
عقدت الجمعية الخيرية هذه الحفلة , ودعتكم إليها , قياماً بالواجب عليها نحو رجل تفتخرُ بأن تعدَّه من أعضائها , وإحياءً لذكر فردٍ تعتزّ أمتهُ بأنهُ كان من أفرادها. ولستُ أدَعي الإتيان على سرد حياة فقيدنا الكبير , وحياته كانت حياةً عمومية عرَفها القاصي والداني؛ كما أنني لا أبغي تعدادَ مناقبهِ وخلاله , وأنتم أعرَف بها , وما فيكم إلاَّ القريب والصديق والرفيق. ولكنَّ في إعادة ذكر السلف تنشيطاً للخلف , وفي تمجيد فضائل السابقين إرشاداً وعظة للاَّحقين. وما أحوَجنا , شبيبة اليوم , إلى مثل هذه الأمثال الناجعة , تستفزُّ هممنا ساعة الخمول , وتبعث فينا روحَ الإِقدام وقتَ اليأس , وتضيءُ طريقنا إبَّان الظلام , وترفعُ رؤوسنا إلى العلى في عصر الماديات. وما أجمل المثل الذي يتجلى لنا من هذا القبيل في حياة ابن شكور , وهي الإخلاص والنزاهة , وعفة
стр. 1728
النفس ورحابة الصدر , والإِقدام والذكاء والهمة العلياء. تاللهِ! إِن من كانت هذه حياته , يحق لأسرتهِ , بل لأمته , أن يعظُم في عينها مماته , فتقدرَهُ حقَّ قدره , وتذرف العبرات على قبره. وهذا ما تفعله اليوم أسرته , وطائفته , وأمته. بل يبكيه وطناه: وطن سلالته , ووطن شأته. فيحقُّ أن
يُقال فيهِ ما قال شوقي في موت أحد نوابغ رجالنا:
حلَّ بالأميتن خطبٌ جليلُ ... رجلٌ مات والرجالُ قليلُ
أيها السادة!
من الصفات الكثيرة التي عُرف بها فقيدنا , يلذُّ لي أن أقف عند اثنتين وهما: نزاهتهُ وهمته اللتان لم يختلف فيهما اثنان. وقد ورث هذه المناقب عن النبعة الكريمة التي يتحدَّر منها , وسهر على هذا الإرث الأدبي الثمين سهرَ الحريص على درهمهِ. فلم يسمح بأن تمتد إليه يدٌ , أو أن تشوبه شائبة. فجمع بين تليد ذووه من قبله. فإن جده الأكبر , شكور كنعان , هاجر من جبل لبنان - وكم أنبت هذا الجبل الأشم من الفروع الكريمة! - وجاء مصر مع أخيه يوسف كنعان شكور. فدخل هذا في خدمةِ الطبيب الذكر الخالدِ الأثرِ , محمد علي باشا الكبير. فعرف ذلك النابغة قدر ابن شكور اللبناني - ومن أعظم مزايا كبار الرجال معرفة قدر الرجال - فدرَّ عليه نعماءه , وولاَّة إدارة دار الضرب , ثم
стр. 1729
عهد إليهِ تنظيم جمارك دمياط , ولا تزال آثار همته ونزاهته مدوَّنة في تاريخ مصر. وقد توارث أبناؤه تلك الهمة والنزاهة؛ وياما أجملَ ما تجلتا بهِ في شخص حفيدهِ - فقيدنا , منذ درج من مهده , حتى أُدرج في لحده. فكان هماماً نزيهاً , وهو يوسف شكور التلميذ؛ وكان هماماً نزيهاً , وهو يوسف أفندي شكور الموظف بالمالية؛ وكان هماماً نزيهاً , وهو يوسف بك شكور المراقب في الأموال غير المقرّرة؛ كما عرفه الجميع هماماً نزيهاً وهو يوسف بشا شكور مدير بلدية الإسكندرية؛ كما ظلَّ هماماً نزيهاً في خطبه وكتاباته: خلتان عرف بهما يافعاً وشاباً وكهلاً وشيخاً. وغنيٌّ عن البيان أنّ هاتين الخلتين لا تنتجان إلاَّ عن فضائل جمة مستكنة في الصدر؛ كما أنهما تُنتجان فضائل جمة تتجلى بها النفس: فالنزاهة تفرض الإخلاص وسلامة النية وطهارة الطوية؛ والهمة تفرض الذكاء وعزة النفس والميل الغريزي إلى الأمور السامية. ومن هذه وتلك يتولد شرف المبدأ والترّفعُ عن الدنايا والرمي إلى عظائم المقاصد. وقد برهن فقيدنا الكريم على ذلك في كل طورٍ من أطوار حياته وشهد له بذلك كلُّ من عرفه من رئيس ومرؤوس. ففي مدرسة ليون الكبرى , حيث تلقي دروسه , كان آيةً في الذكاء والاجتهاد , حتى بزَّ أقرانه , ونال قصبات السبق في لغة الأجانب على أبناءِ تلك اللغة , فعاد مكللاً بأكاليل الغار , حاملاً شهادة البكالوريا العلمية. وفي نظارة
المالية , أظهر من المقدرة على العمل والدراية في الأمور ما لفت غليهِ نظر رؤسائهِ , ففتحوا له باب التقدم سريعاً. فولجه , وهو
стр. 1730
على تمام الاستعداد , وأخذ يصعد في درجات الترقي قفزاً , حتى صار مراقباً في الأموال غير المقررة. وعرف رياض باشا ونوبار باشا الطيبا الذكر قدر ذلك الموظف النزيه النشيط , فولّياه أمور مالية صعيد مصر. ولما صحت العزيمة على إنشاءِ بلدية الإسكندرية المختلطة سنة ١٨٩٠ , رأت الحكومة أن تعهد بهذه المهمة إلى رجل كفوءٍ للقيام بها , فوقع اختيارها على يوسف شكور بك. فنظّم تلك البلدية أحسن تنظيم , واشتهرت مقدرته ودرايته بين الوطنيين والأجانب , حتى رأت الحكومة أن تعين مديراً لأول بلدية مصرية دولية ذاك الذي أنشأها ورتب شؤونها. فذلل ما كان هناك من الصعاب , وأزال ما كان من العقبات. وظلّ في تلك الوظيفة عاملاً مجتهداً , مدة اثنتي عشرة سنة. وخرج منها طاهرَ الذيل , ناصع الجبهة , مخلّفاً في تلك المدينة - وهي مسقط رأسه - مآثر غير دوائر تنطق إلى الأبد بجليل عمله وعظيم نزاهته وإخلاصه. وقد يطولُ بي تعداد ما أتاه هناك من الأعمال الخطيرة والإصلاحات الجليلة , حتى بات لا يذكر اسم الإسكندرية والإصلاح فيها إلا ويُقرن باسم شكور باشا. وقد رأت تلك البلدية بعد موتهِ أن تُطلق على أحد شوارع المدينة اسم رجلها الكبير ومصلحها العظيم. ويا نعم ما فعلت! وفي سنة ١٩٠٣ غادر خدمة الحكومة نهائيّاً. على أن تلك النفس الكبيرة الناهضة أبت التمتع بالراحة التي استحقتها بعد جهادٍ طويل؛ فتولى شكور باشا إدارة شركات مالية مختلفة. أزهرت على يده وأثمرت؛ وكانت برهاناً جديداً على علوّ همة الرجل , ومضاءِ عزمه , وثاقب فكره.
стр. 1731
ورأى من الواجب عليهِ أن يخدم مصر , حتى آخر رمق من حياتهِ؛ فعكف على خدمتها بقلمه ولسانه. فكان ذلك لا يباري. فشغل ساعات فراغهِ بتحبير تلك المقالات الشائقة في مواضيع اقتصادية وعمرانية ومالية. وكم كان له في هذا الميدان من الجولات الصادقة , والآراء الصائبة , التي تناقلتها صحف البلاد. وكم سمعناه في المحافل العمومية قارعاً أعواد المنابر يتدفق كالسيل الجارف , بفصاحته السلاّبة , وبلاغتهِ الخلاّبة. فكانت شباة قلمه كنصل الرمح أو أقوى , وحدُّ لسانهِ كحدِّ السيف أو أمضى. وقد أخلص في خدمته سموّ أميرنا العباس , كما أخلص جدُّه من قبل في خدمة جد الأسرة الخديوية الكريمة. شهد له بما سردتُ وعددت من جليل الأعمال وباهر الصفات كل من عرفه - وما
هم بالنزر اليسير من وطنيين وأجانب. وقد ذكره الورد كرومر في تقاريره الرسمية أكثر من مرة بالخير والثناء. ومما قاله فيه - ومثل هذه الشهادة لا يستهان بها: إن مدير عموم بلدية الإسكندرية , يوسف شكور باشا , رجلٌ سوري ذو نشاط كبير ودراية عظيمة. ولا شك في أن إصلاحات خطيرة قد تمت على عهده في مدينة الإسكندرية , ويجب عليّ أن أجاهر بأن تحريات لجنة التحقيق لم تتمكن من وجود ما يشين نزاهة شكور باشا. على أن تلك النزاهة لم تكن قط موضوع الريب هذا قليلٌ من كثير , أيها السادة , مما عرف به فقيدنا الكريم.
стр. 1732
ولكنت استوقفكم طويلاً , لو شئت أن أدرس حياته كموظف وكرجلٍ وكمفكر. ولذلك أكتفي بأن أقولَ بالإجمال: أن تلك الحياة كانت صفحة ناصعة البياض , لم تخط فيها إلاَّ سطور الهمة والنزاهة والشهامة والمرؤة. وإني لأذكر أبداً آخر مرة قابلته فيها , وكان يُعد مقالاتٍ ضافية في بعض المواضيع الاقتصادية الوطنية , ولا أزال أرى ذاك الذكاءَ اللامع , ومع ذلك الإخلاص المجسَّم , وهو يشرح نظريته ورأيه في ذاك الموضوع الحيوي. كما أنني لا أزال أذكر آخر مرةٍ سمعتهُ فيها خطيباً , وقد وقف يؤبن أحد عظماء رجالنا , فكان ينادينا بأعلى صوته إلى العلى! إلى العلى. . .! وكأني الآن بروحه الطاهرة تشرف علينا من الأخدار العلوية وتنادي بنا إلى العلى! إلى العلى. . .! إلى العلى! يا سادتي. فلتكن هذه الكلمة شعاراً لنا. . إلى العلى! يا شبيبة الشرق الناهضة. فلتكن هذه الآية السامية العظة التي نستخلصها من حياة ذلك الرجل الكبير. إلى العلى , في أقوالنا وأعمالنا! إلى العلى , في مقاصدنا وآمالنا!. . . .
النهر
ونهر حالَفَ الأهواَء حتى ... غدا طوعاً لها في كلّ أمرِ
إذا سرقتْ حُلى الأزهارِ ألقتْ ... إليهِ بها فيأخذُها ويجري
عبد العزيز الأنصاري
стр. 1733
ثمرات المطابع
ديوان الكاشف - أحمد أفندي الكاشف شاعرٌ من شعراءِ
стр. 1734
مصر المعدودين , يشهد له حافظ إبراهيم بأنه مستقلٌّ في بيانهِ ومبدأهِ ووجدانهِ ويرى شوقي في شعره روح الإخلاص كما يرى إسماعيل صبري أن في ذلك الشعر ما يستحقُّ أن يقف له القارئ إِعجاباً وإجلالاً , ويقول خليل مطران أن الكاشف يلقي إليك أبياتاً شائقة اللفظ , شريفة المعنى , متينة القوافي ويرى السيد المنفلوطي أن الكاشف الشاعر الوحيد الذي عرف الناس من أمره أنه إذا نطق فإنما ينطق بلغة نفسهِ , وإذا حدّث فإنما يحدّث عن حسهِ وينعته أحمد محرّم بأنه صادق الأسلوب , واضح السنن , صافي العبارة ويقول فيهِ صاحب المنار أنه ينظم الشعرَ للذة نفسهِ وإمتاع وجدانه وقد شهد للكاشف بذلك كل من قرأ شعره , ودرس نظمه. ولكننا أوردنا أقوال مشاهير شعرائنا وكتّابنا لنزيد القراء معرفة بالشاعر الذي ننشر اليوم رسمه بمناسبة إهدائهِ إلينا الجزء الثاني من ديوانه. وقد امتاز الكاشف على معظم الشعراء بأنه يرمي في قصائده إلى تأييد آراء خصوصية ومذاهب له في السياسة والدين , فهو يدعو إلى الجامعة الإسلامية , وتحرير الشرق , وتأييد الخلافة في بني عثمان , وقد يحدو بهِ ذلك أحياناً إلى الغلوّ والتشيع , مما يجعله شاعر فئةٍ مخصوصة , يطربُ لشعره بعض الأفراد , لا شاعراً اجتماعيّاً تهتزّ لأقواله أمة بأسرها لما تتضمنه من الدروس العمرانية , والأبحاث النفسية كما هي حقيقة وظيفة الشاعر. ولكن في إخلاص الكاشف لأكبر شفيع له. وهو من هذه الوجهة أكبر وأسمى في القسم الثاني من ديوانهِ منهُ في القسم الأول
стр. 1735
وقد أهدي الكاشف ديوانهُ إلى سمو عزيز مصر , فكانت هذه الهدية من جملة الأدلة على إخلاصه المأثور للأريكة الخديوية التي طالما نظم فيها القصائد الغراء.
علم الاقتصاد - الثروة ركنٌ من أهم أركان المدنية الحديثة , بل قاعدة من أثبت القواعد التي قامت عليها أمم اليوم وعليها طبّقت قوانينها ونظاماتها. ولذلك أصبحت حياة البلاد في علم الاقتصاد الذي يبحث في تلك الثروة وكيفية استحصالها وتقسيمها وتداولها واستهلاكها. ولا يزال هذا العلم الذي وجّهت إليه أوروبا عنايتها متقهقراً بل معدوماً في بلاد الشرق , مع ما يتعلق عليه من الفوائد الجلّي. وقد سرّنا أن رأينا حضرة الحقوقي الفاضل رفيق أفندي رزق سلوم يتناول هذا الموضوع
стр. 1736
الجليل ويدرسهُ درساً جليّاً وافياً في كتابٍ وضعهُ لهذا الغرض , أورد فيه زبدة أقوال العلماء الاقتصاديين وأرائهم فيما يتعلّق بالثروة
والتجارة والصناعة والزراعة ورأس المال والعمّال والاحتكار والشركات الخ. وأننا نبتهج بأن نرى ناشئتنا التي تتلقى العلوم العالية في أوربا تعود ينا وهي حاملة بذور العلم الصحي فتبذره في ربونا لتعدّ للغد حصاداً طيباً. فهنيء رفيق أفندي ونثني على عمله واجتهاده. والكتاب مهدي إلى حضرة السيد عبد الحميد أفندي الزهراوي.
التربية والتعليم - مهما كثرت الأبحاث في هذا الموضوع الجليل لا نزال في حاجة إلى المزيد , ولاسيما إلى ما كان منها وافياً بالمقصود قائماً على نظرية صحيحة ومن هذا النوع كتاب التربية والتعليم لحضرة الباحث الفاضل محمد أفندي أمين , وقد شخّص فيه علّة امة ووصف لها الدواء الناجع ف جميع أطوارها: في البيت , وفي المدرسة , وفي المجتمع. والتربية البيتية هي أساس التربية. وعماد البيت المرأة ومن أقوال المؤلف: أرأيت بيتاً يتلألأُ ضوءُ السعادة بين حيطانهِ , وتحطّ السكينة والطمأنينة بين جدرانهِ , ويبزغُ نور الهدى من خلال بنيانهِ , وتحفُّ بهِ لملائكة صفاً صفاً , ثمَّ لم يكن مركز دائرتهِ امرأة صالحة! ونحن نشكر لمحمد أفندي أمين توفيقهُ في هذا البحث المفيد , ونرجو لمؤلَّفهِ كل رواج. ومقدمة الكتاب مدبّجة بيراع حضرة الأستاذ أحمد لطفي بك السيد مدير الجريدة.
مذكرات حي - هي صفحة من حياة أحد شبان العصر المتألمين , لصاحبها الأديب إلياس أفندي منسي , وقد أملاها عليه قلب جريح يشكو من الزمان وأهلهِ مرّ الشكوى , وكتبها بقلم كثيراً ما مزج الدموع الحارة بمدادهِ , فجاء الكتاب من أوله إلى آخره زفرات متصاعدة , وأنفاساً متحرّفة , وأنيناً مؤلماً. على أنه إذا كانت القلوب قلقة في الصدور في سن الشباب , لأنها تتغذى بالأحلام التي يصعب تحقيقها , أو لأنها تنبض خفّافة كلما مست يدُ المصائب أوتارها , فلا يحسن بها أن تستسلم إلى اليأس , وتضيع في وهاد القنوط. بل يجب أن يكون للعقل سلطة
стр. 1737
على العواطف فلا تجمح بصاحبها جموحاً قد يضرّ به. ونحن نأمل لمذاكرات حيّ إقبالاً من القراءِ يمهد لمؤلفها السبيل إلى نشر مذكرات أخرى تكون ثورة العواطف فيها قد سكنت واضطراب الفؤاد قد هدأ.
ذكرى الحبيب - هي مجموعة المرائي التي قيلت في الأديب المرحوم حبيب الجمّال , وقد جمعها أخوه الآسف حضرة القانوني الفاضل إبراهيم أفندي جمّال صاحب جريدة؟ الحقوق وأودعها شيئاً مما نظمه وكتبه في فقيدهِ الحبيب , فنسال لرصيفنا العزاء ولشقيقه الرحمة.
الزَّهرات - للأستاذ يوسف أفندي الفاخوري مقام كبير بين حَملَة القلم سوريَّا. فهو كاتب شاعر عُرف بالإجادة في هاتين الصناعتين. والزهرات , وهي مختارات من نظمهِ ونثرهِ تؤلف باقة جميلة جمعت من روضة أدب غضّ.
أزهار وأشواك
درس في الجغرافيا
قرأت الفصل الجغرافي الآتي في جريدة البيان النيويركية , أورده كما هو , تاركا لذكاء القارئ معرفة البلد المقصود. قال الكاتب:. . . . بلاد من بلاد الله يحدَّها شمالاً بحر حب الوظائف؛ وجنوباً مملكة الذُّل؛ وشرقاً نهر التعصب؛ وغرباً جزيرة الزعامة؛ وفيها بحيرة تدعى بحيرة الأحزاب؛ ويخترق تلك البلاد جبال شامخة تدعى
стр. 1738
جبال المواربة؛ وفيها سهول اختلف الجغرافيون في تسميتها فبعضهم يسميها سهول الخبث , والبعض الآخر يطلق عليها اسم سهول الخداع , ومن مدن هذه البلاد مدينة الكذب والتدليس , والخضوع للحاكم.
تجارة تلك البلاد النفاق والشقاق - ولكن الأهلين وجدوا أن هذه التجارة كادت تذهب بأموالهم فتركوها , وهم الآن يتجارون بالحرية والمساواة والصدق - وأصبح عندهم بورصة هي بورصة الحب والسلام. أما مزروعات هذه البلاد فمخصبة جداً؛ زرعوا في الماضي الجهل فحصدوا الاختلافات , هم الآن يزرعون العلم لأنهم وجدوا أن غلالهُ أجود غلة ومبيعاته في الداخل كثيرة وللخارج أكثر. وفي هذه البلاد معادن كثيرة , منها معادن اللطف والظرف والجمال , ومنها معدن العفاف والكرم , وقد بدأوا باستخراج هذه المعادن من عهد قريب.
المرأة والمرآة
لي حديثٌ اتجاذب وقارئي أطرافه وذيولهُ من حين إلى حين , فتارةً يرضيهنَّ , ويُغضبهنَّ تارةً , وأنا على كل حال أجدُ فيهِ بعض اللذَّة , لأن معاكسة الأصدقاء , أو مداعبة الصديقات - تحلو كما تحلو المسامرة والمجاملة. وهذا الحديث هو عن المرأة. - وحديثها أو حديثٌ عنها يطربني. حديثي عن المرآة والمرآة - ولو كنت من علماء الاشتقاق والنحت لوجدت بين اللفظتين قرابةً لغوية فوق القرابة المعنوية.
стр. 1739
والمرأة بطبيعتها ميَّالة إلى المرآة , وقد اختراعها منذ عهدٍ بعيد. فإنَّ أُمنا حوّاءَ - عليها أشرف السلام - قد اتخذت لها من مياه النهر الصافية مرآةً تستشيرها في معاني جمالها ودلالها , وكذلك فعلت بناتها وحفيداتها , قبل أن يخترع علماء الكيمياء - إرضاءً للمرآة - ذلك الطلاء الذي طلوا به الزجاج فجعلوه يعكس ما يُعرَض أمامه من الصوَر. والمرأة أمينة لمرآتها , ثابتة على
صداقتها. ودليلي على ذلك الإحصاء الذي وضعهُ أحد الثقات قال , والأرقام لذلك الرجل الثقة , والتعليق لي: تقضي الفتاة بين السادسة والعاشرة من عمرها ٧دقائق كل يوم أمام مرآتها؛ وبين العاشرة والخامسة عشر ١٥دقيقة؛ ثم تشتدّ روابط الصداقة بين هذه تلك , فتقضي الصبية بين الخامسة عشر والعشرين ٢٢ دقيقة , وتزداد هذه العاطفة بين الخامسة والعشرين والثلاثون , فتبقى في المرأة يومها أمام المرآة نصف ساعة؛ ثم تأخذ العلاقة بالتراخي , فتنزل الجلسة اليومية أمام المرآة إلى ٢٤دقيقة بين الثلاثين والخامسة والثلاثين , وإلى ١٨ دقيقة بين الخامسة والثلاثين والأربعين وإلى ٦ دقائق فقط فيما بعد حتى الستين. فمن هذه الدقائق من حياة المرآة أمام المرآة يتألف مجموع ٣٤٩٥٧٤ دقيقة , أي ٢٤٢ يوماً ونيف. أليس في هذا الثبات أكبر تفنيد لمن يتهم الأنثى بعدم الثبات , وينسب إلى بنات حواء التقلب في أميالهنَّ وعدم الأمانة. . .؟
стр. 1740
العدد ٣٣ - بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩١٣
أدرنه
هيَ عاصمةُ التركِ الأولى في أوروبا. آخر أثر في البلقان لمجد بني عثمان. أخذها فردينانُ بالأمس كما أخذها مرادُ الأول من قبل كلاهما بذل في سبيلها ثمناً غالياً من مالٍ ومن رجال. روضةٌ غنُّاءُ في منبسطٍ ريَّان الصدر , مخضرّ الأديم. تترامى حولها سهول فسيحة يتسلل فيها نهر أردَهْ وينساب في غياضها نهر تُوندجه , حتى إذا هما بغاها لأقامها أمامها نهر ماريتزا فعانقاهُ وتمشَّى الثلاثة معاً إلى خليج إينوس. هيَ بنتُ القِدَم , وأمُّ الحوادث الجسام. بناها أدريان إمبراطور الرُّومان , بناءً مثلَ همَّتهِ وطيداً , فكانت من بعدهِ معقِلَ الملوك , وأبعد غايات الجيوش , وأجلَّ هموم الفاتحين. هيّ رواية التاريخ: مرَّت بالأجيال الوسطى وشهدت مطامع أقوامها.
стр. 1741
كم خميسٍ لَجَبٍ صادَمها , وكم ملكٍ همام زحف عليها. لا هيَ ناسيةٌ وقائع قسطنطين وليسينيوس , ولا مجازرَ الغوط وقومِ. الإمبراطور فالانس مَلِكان تلاقيا أمامها وتَناجزا على مرأًى منها طمعاً فيها. فلمَّا تغلَّبَ قسطنطين فتحت لهُ صدرَها , ومدَّت إليهِ ذراعيَها. وشعبانِ تطاحنا عندها رغبةً في حيازتها , فلما قهر الغوط فالانس نبذت هذا , وأباحت حماها لقاهريه. هي تحبُّ الغالب , وتزدري المغلوب! ثم حاضَرَها البلغار , ورموها بالحجارة والنار , فدفعتهم بمنعتها وردَّتهم عنها خاسرين؛ حتى إذا ضيَّقوا عليها الخناق , وأرهقوها بالجوع , تمكَّنوا منها , فدخلوها مهلّلين مكبّرين. مَن استطاع أخْذَها عنوةً فقد استطاع شبهَ المستحيل. هيَ سبيلُ الغربِ إلى الشرق: آوتِ الصليبيين في طريقهم إلى بيت المقدس , والطريق إليهِ يومئذٍ نار ودم , وجمعت في ذراها إمبراطور الروم , وفردريك بَربَروس , فتعاهدا تحت ظلِّها وتحالفا , وكانت لهما الشاهدَ العدل. ثم مشى بها الدهر أو ماشتهُ. لا صروفهُ هيّنة , ولا عزائمها واهنة. كما أنشبَ فيها ظفراً أنشبت فيهِ ناباً وظفراً. لاقت بهِ طاغية عتيَّا. ولاقى بها صبوراً حمَّالةً للخطوب. قوَّتان متكافئتان. هي الحلقة الأولى من سلسلة الفتوحات العثمانية في أوروبَّا. فتَحها
стр. 1742
مراد الأول واتخذها عاصمة للسلطنة. متى تغلَّب فاتحٌ عليها فقد تغلَّب على سائر البلقان. ربَّ حلَقةٍ إذا سقطت , سقطت وراءها حلقات. حينئذٍ مدَّ النصرُ لها يدهُ فصافحتهُ بيدِ بايزيد الأول , ثم حالفَتهُ بيد مراد الثاني؛ فتمشَّت هيبتها في طليعة جيوشها , فملَك قومها مقدونيا وبعضَ بلاد الروم , واكتسحوا ألبانيا , ودوَّخوا الفَلاخَ , وفتحوا بلغراد. ثم مشى منها محمد على فروق حيث بنى عرشهُ على بقايا عرش قسطنطين , ووطَّد الخلافة على
أنقاض الإمبراطورية. أسعدَها بنو عثمان يوم كان نجمهم زاهراً ملء دائرته في سمائه , والهلال خفَّاقاً بالنصر على رؤوس الترك؛ فبني فيها سلُيم الثاني جامعهُ الشهير رافعاً قبَّتهُ على أعمدة من المرمر مباهياً بنها قبة آيا صوفيا في على أربعين هي وقبورُ بعض السلاطين كلُّ ثروتها من الآثار. عزٌّ مضى ومجدٌ تولَّى. لا حالٌ إلاَّ تحول , ولا دولةٌ إلاَّ تدول. عجباً لها! بينا هي سبيل السلاطين إلى الغرب , إذا هي طريق القياصرة إلى الشرق: مرَّ بها سليمان الثاني إلى فِيَنَّا , ومرَّ بها اسكندر الثالث إلى فروق! كُرَةٌ لصَوالجة الفاتحين يتراماها ملوكٌ , ويتلَقَّفُها ملوك. ما دخلها القائد بوسكيه أبَّانَ حرب القرم حتى خرج منها عقيبَها. تؤخذ اليوم
стр. 1743
بالسيف , وتنتزع غداً بالسياسة. فتَحَها جورجو قائدُ الروس , وانتزعتها منهُ معاهدةُ سان استفانوس! جوَّادةٌ بما لا تملك. لم تتحرَّر قط , ولكنها وهبت الشعوب الحرية , ولم تنعم بالاستقلال حقبةَ من الدهر , ولكنها أنعمت بهِ على جاراتها. لو استطاعت لأخذت مثل ما وهبت! سِجِلٌّ يكتبُ فيهِ القلم كما يكتبُ فيهِ السيف. لهذا صفحة تنطوي على دمٍ وعلى نار , ولذاك صفحة تنفتحُ على عهودٍ ومواثيق. ما كانت الأولى غير أسبابٍ , وما كانت الأخرى سوى نتائج. كذلك وقَّع فيها السلطان محمود معاهدةَ صلحهِ مع قيصر الروس , تلك المعاهدةَ التي وسعَّت منطقة روسيا في آسيا , وكتبتْ للسرب ورومانيا فاتحة عهدها بالاستقلال , وكذلك دُوّنَ فيها اعتراف التركِ بتحرّر الرُّوم , ذلك الاعترافُ الذي أعزَّ هؤلاء , وأطلقهم من ربقة الاستعباد. مَيدانٌ للحرب , لا ميدانٌ للعقل. ضرَبت فآلمتْ , وقاتلت فقتلتْ , ما أنكر أحدٌ بأسَها , ولا استخفَّ ملكٌ حملها. ليتها كانت ربَّةَ رأيٍ مثلما كانت ربَّة حسام. للقوَّةِ شأنٌ , وللسياسةِ شأن. ما وفَّقت بينهما , ولا استفادت من جمعها. فالبلادُ التي أغارت عليها عادت إليها مكتسحةً مُغيرة , والقومُ الذين أراقت دماءَهم , قويَ ساعدهم عليها فأراقوا دمها. وإنما الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك. مَن استفاد من نِعَم الأوَّل هوَّن عليهِ شرورَ الثاني.
стр. 1744
أدِرْنَه أخت بلافنا. كلتاهما كانت عريناً للأسود , ومعقلاً لأبطال لتاريخ أختانِ شقيقتانِ حمى عرضَيهما أخوانِ شريفان. ما تسلَّم قيصرُ الرُّوس الأولى إلاَّ مغموسةً بدماء الألوف من عساكرهِ , ولا بلغ قيصر البلغار الأخرى غلاَّ مشياً على جثثِ جنوده. ملكانِ ابتليا بملِكَين. ذانِكَ أعزَّهما تاجاهما , وهذان شرَّفهما سيفاهما. رَبَّ سيفٍ ردَّهُ فردينان إلى شكري احتراماً وإكراماً. غازيان لكلٍّ حقهُ من
الشرف والجاه. لتعتزّ أدرنه بفاتحيها. أسودٌ اقتنصتها من أسود! أيها الفاتحون أدِرنه المغتصبون حماها. هل فتحتم مدينةً أعزَّ أمِ اغتصبتم حمىً أجلَّ. أما واللهِ لو لم تكونوا لها أهلاً , ما ملكتم منها قِيدَ شبر , ولا تطلعتم إلى أسوارها إلا عن كثب. لم يبعها الترك رخيصة القدر , ولا اشتريتموها بخسة الثمن. فإذا وقفتم بقبور السلاطين فيها , قفوا خاشعين لذويها. الكريم مَن يعرف قدر الكريم. أولئك ملوك كبار أجلَّهمُ من قبلكم ملوك كبار. مَن ذا يقول لهم عنَّا: سلامٌ عليكم سلاطين عظاماً , وسلامٌ عليكم فاتحين أعزَّاء. هذا آخرُ عهدنا بكم. لتبقَ قبوركم مزارَ الأبطال وذكرى خالدةً لمجدكم الخالد. مباركةٌ هي تلك القبور , ومباركة حولها قبورُ حماتها البواسل. في ذمَّةِ البلغار ما في أدِرنه من رفات كريمة!! سلامٌ عليها وواهاً على عهدنا بها!!
стр. 1745
الجريحة الأبدية
قطرةُ الندى العالقة بغض الشجرة , عندما تنعكسُ عليها أشعةُ الشمس المشرقة تكون أشبه شيء باللؤلؤة الصافية. تلك القطرةُ اللؤلؤية , إذا هبَّ عليها النسيم الخدَّاع فأسقطها إلى الحضيض , امتزجت بالتراب , فتحوَّلت إلى وحلو ولكن يكفي أن يُصيبها شعاعٌ من الشمس المنعشة , حتى يُبخرها فيطهرها مما لحق بها من الأقذار , ويعيدها إلى صفلئها الأول. . . كذلك قل عن المرأة الطاهرة. فإن قلبها هو أشبهُ شيءِ بتلك اللؤلؤة الجميلة قبل سقوطها من على الغصن , بل هو أبهى وأسنى , فإذا هبَّت عليهِ لوافح الشهوات والأهواء , أسقطتهُ إلى وهدة الرذائل , فمرَّغتهُ في حمأة الدنايا , ولكن يكفيهِ شعاعٌ من الحب الطاهر حتى يخلصهُ من كل شائبة ويعيده إلى ما كان عليهِ من الجمال والبهاء. مسكينة المرأة , وتِعس حظّها في هذه الحياة. نفحتها قريحة الشعراء بألطف الأسماء , وجادت عليها مخيّلة العشاق بأجمل الألقاب:
سموها الشمس والقمر , وهي مسكينة المظلمة الفؤاد
رأوا فيها الغزال الشارد , وهي الرازحة المثقلة بتقاليد هذه الحياة
شبهوها بالزهرة النضرة , وهي المهشمة القلب الدامعة العينين في بلائها الشديد
لقّبوها بالحمامة البيضاء السابحة في الفضاء , وهي العصفور المقصوص الجناحين في قفص الحديد
стр. 1746
صوَرٌ وتشابيه , وأسماء وألقاب , هيهات أن تنطبق على حقيقة الواقع وواقع الحال. وليس من اسم ينطبق على هذا المسمى المسكين أحسن من الاسم الذي وضعهُ ميشله المؤرّخ الفرنسوي الشهير لما سمى المرأة الجريحة الأبدية كيف لا وهي جريحة ابنةً وزوجةً وأماً. . . .؟
بل كلها جروح دامية إذا تناولها إعصار هذه الحياة فتلاعب بها كما يتلاعب بأوراق الخريف , وطرحها أخيراً في مواخير البغاء , فتصبح ثغراً ضحوكاً باسماً , وقلباً خفوقاً دامياً؛ تغازل بالعين , وتبكي بالأخرى؛ وتداعب باليد , وباليد الثانية تسند فؤاداً تُصدّعهُ الذكرى. جمع أحد مشاهير المصوّرين حياة إحدى هذه التعيسات في خمسة رسوم بديعة الوضع والصنع. ففي الأول: صورة فتاة طاهرة ساذجة عند وصولها من قريّتها إلى المدينة؛ وفي الثاني: وقوعها بين مخالب أحد الذئاب البشرية؛ وفي الثالث: نزولها إلى
بيوت الفحشاء؛ وفي الرابع: نزولها في السجن , لأن الفاقة ساقتها إلى السرقة؛ وفي الخامس: امرأة ناحلة جرداء , عليها أسمال بالية , وهي تمدُّ يدَها إلى المارّين تستعطيهم هاتفةً: أعطوني حفظ الله أبناءكم من بناتي. . .! هذه هي صورة أكثر النساء اللواتي وُصمنَ بوصمة العار وهي صورة غنية عن الشرح والتعليق. ولكنَّ هناك فرضاً واجباً يتحتم علينا قضاؤه. فقلب هذه المرأة المسكينة كان ضحية الهيأة الاجتماعية. فعلى الهيأة الاجتماعية أن تضمد جرحه , وهي أدمتهُ؛ وتداوي قرحة , وهي أحدثتهُ. فتسكب عليهِ بلسماً , لا خلاًّ يزيده ألماً.
قال فيكتور هوغو: أيها الرجل - وكلنا هذا الرجل - لا تحتقر أبداً امرأة سقطت , لأنك لا تعرف تحت أي حمل ثقيل رزحت نفسها المسكينة
стр. 1747
أجل لا يليق بالإنسان أن يزدري تلك المخلوقة التي أعيتها أثقال هذه الحياة فسقطت إلى الحضيض , بل يجب عليهِ أن يمدَّ إليها كريمة فينتشلها من سقطتها ويرفعها من كبوتها. في فرنسا جمعية يرئِسُها الموسيو ليون بورجوا الوزير الفرنساوي السابق , هي أفضل من الجمعيات الخيرية , وأسمى غاية وأنبل مقصداً من سائر الأعمال المعروفة بالأعمال الإنسانية؛ خصص أعضاؤها ذواتهم بزيارة تلك المنازل النتنة التي دُفنت فيها الأنفس الحية فصارت تشبهُ القبور المكلَّسة: ظاهرها الرونق والبهاء , وداخلها التعاسة والشقاء. يزرون تلك الخبايا المظلمة , فيزورها معهم شعاع الحياة والرجاء فينعش الأفئدة الذابلة ويحيي القلوب المائتة. يزرون تلك المنازل فيأخذون من طُرح فيها من سفالة البشرية , ويضعونهُ في كير التنشيط ويدنونهُ من نار الأمل , فتُطهره ويصوغون منهُ نفساً جديدة طاهرة لا عيب فيها ولا دنس. ونحن في حاجة ماسة إلى مثل هذه الجمعية التي تخدم البلاد أجلّ خدمة فتعلّم السعيدات ما هي الشفقة والرحمة , وتعلّم التعيسات ما هو الصبر والرجاء.
أقوال مأثورة
كن على حذر من الكريم إذا هوَّنتهُ. ومن الأحمق إذا مازحتهُ ومن العاقل إذا أغضبتهُ. ومن الصديق إذا أفشيت بسرّه
ابن عبد ربهِ
قال بعضهم: انظر إلى المنتصح فإن أتاك بما لا ينفعك ويضرُّ غيرك فإنهُ شرّير. وإن أتاك بما ينفعك ويضرُّ غيرك فإنهُ طامع. وإن أتاك بما ينفعك ولا يضرُّ غيرك. فأصغِ إليه وعوّل عليهِ
الراغب الأصفهاني
стр. 1748
روسيا وبنو رومانوف
سبق للزهور أن نشرت صورة الشيخ يوسف الخازن صاحب الأخبار المحتجبة. وهو الكاتب المجيد الذي طالما طرب القراء لمقالاته الشائقة وأبحاثه الدقيقة. ويسر أن تقدم اليوم لقرائنا المقالة التالية منه , قال: في أوائل الشهر الماضي خُتِم القرن الثالث لجلوس مخائيل رومانوف على عرش روسيا , وهو جَدُّ الدولة المالكة فيها اليوم , فاحتفل الروسُ بذلك احتفالاً باهراً توفّرت فيه مظاهرُ الأُبهة والعظمة على ما يليق بالدولة التي تظلّلُ رايتها سدس بلاد الله مساحةً وعُشر عباده عدداً. فحجَّ القيصر إلى بيت جدهِ في موسكو , حيث يُحفَظُ المهد الذي ضمَّهُ واللعَب التي لها بها وسائر الذخائر المتروكة عنهُ , مما يحفظهُ الأبناءُ برّاً بالأبناءِ وافتخاراً بهم؛ وأقيمت الصلوات الحافلة في عاصمة روسيا تذكاراً للأموات ودعاءً للأحياء , بحضرة ستة عشر مطراناً يتقدَّمهم بطريرك أنطاكية , وقد جيءَ به خصيصاً من الديار الشامية لهذه الغاية؛ ووزّعت الصدقاتُ وأطلق السجناءُ وعفي عن كثيرين من المنفيين , ووردت على القيصر التهانئ من الملوكِ وروساءِ الحكومات وذوي الحيثيات , على ما فصََلت ذلك الجرائد اليومية. ولا غرابة إذا احتفلت روسيا مثل هذا الاحتفال بذكرى مخائيل رومانوف فإن لأبنائهِ فضلاً عظيماً عليها , ومآثر عديدة تخلّدُ ذكرى كثيرين منهم في التاريخ وتسوّغ الافتخار بهم: فإنهم تولّوا روسيا , ومساحتها ثمانية ملايين كيلومتر مربع بما فيها سبيريا؛ والبحران البلطقي والأسود مقفلان في وجهها , فلا منفذ لها إلاّ على البحر الأبيض حيث الجليد يكاد يجعل كلَّ منفذ والهواء سواء؛ وأسوج على كتفها قوية الساعد شديدة البأس , تضطرها إلى التنازل لها عن بعض الولايات؛ وبولندا حاجز قويٌّ بينها وبين دول الغرب تعزلها عنها , ولا تدع لها رأياً في مجالسهنَّ؛
стр. 1749
وفتوحات الترك تقصر نصيبها من إرث السلطة الرومانية الشرقية على لقب وشعار؛ والعنصر السافي , بوجه الإجمال , ضعيف الشأن , خامل الذكر لا يُعبأ بهِ , ولا يكترث له. وها هي الآن بعد ثلاثة مئة سنة من حكمهم على ما ترى: فإنهم ما اكتفوا بالمحافظة على ما ورثوه واسترداد ما اضطرّتهم الأحوال إلى التنازل عنهُ في بداية ملكهم , بل زادوه كثيراً بما ضموا إليهِ من الأملاك الواسعة في أوربا وآسيا وأميركا. على أنهم عادوا فباعوا ولا يتهم الأميركية للولايات المتحدة , كما باعت فرنسا من قبل ولاية لويزيانا , ومع ذلك فمساحة روسيا الآن تناهز ثلاثة أضعاف ما كانت عليهِ في أوائل القرن السابع عشر , عدا
الإمارات المستظلة بظلها والمناطق الداخلة في نفوذها. ومما يزيد هذه المساحة قيمة كونُها قطعة واحدة من الغرب إلى الشرق. فإن روسيا , من هذا القبيل , لا يضارعها سوى الصين والولايات المتحدة. أما الصين فانحطاطها لم يدع لها شأناً بين الدول ولسنا نظن أن مستقبلها يكون خيراً من ماضيها إذا اقتصرت عوامل الإصلاح على تغيير هيئة الحكومة ونظاماتها فإن مثل هذا التغيير ما كان يوماً دواءً شافياً لأمراض الضعف والانحطاط. وكفى بمصير البلاد العثمانية اليوم شاهداً. وأما الولايات المتحدة فمساحتها تسعة ملايين كيلومتر حال كون مساحة روسيا اثنين وعشرين مليوناً. نعم أن الولايات المتحدة مزية عظيمة على روسيا بالنظر إلى الموقع الجغرافي ووحدة الأمة وقابلية البلاد للعمران ولكن ما دامت دفة السياسة في يد أهل القارة القديمة فشأن روسيا أعظم وأرجع. أما البحر الأسود فقد أصبح بحيرة روسية لا ينازعها فيهِ منازع بفضل كاترين التي بسطت يدها على ساحله , ونقولا الذي دافع عتهُ دفاع الجبابرة , واسكندر
стр. 1750
الذي فك القيود وجدد فيهِ المعاقل والحصون رغم الأنوف. وما قيل عن البحر الأسود يقال عن البحر البلطيقي وقد قامت عاصمة الروس على ساحلهِ تفاخر رصيفتها الأسوجية فتفخرها على حداثة عهدها وترسل إليها مع كل موجة ذكرى بطرس الأكبر قاهر كرلوس الثاني عشر ومؤسس عظمة الدولة السلافية على أنقاض الدولة السكندينافية. أما بولندا فقد أمّحت من سجل الدول وكاد الانتصار لها لا يتعدَّى حركات كحركة المسيو فلوكه الصائح في وجه الإمبراطور اسكندر الثاني على سبيل الاحتجاج عند زيارتهِ باريس: لتحي بولندا يا مسيو! على أن فلوكه هذا هو نفسه الذي تغدى فيما بعد على مائدة الإمبراطور نقولا الثاني في بطرس برج ناسياً بولندا والبولنديين. لكن كيف كانت الحال فالأولى بالاحتجاج أن يوجّه إلى النمسا لأنهُ إذا كان اغتصاب الروس لبولندا ينم على الطمع فاغتصاب الساسة النمسويين لها لا ينم عن الطمع فقط بل عن قلة الوفاء ونكران الجميل أيضاً فإنهُ لا يخفي على أحد أنهُ لولا بولندا لباتت فيانا مرتعاً لخيل الترك ونالها منهم ما نال غيرها من العواصم التي فتحوها , ولا يزال النمسويون يحفظون حتى اليوم في بعض متاحفهم جمجمة يزعمون أنها جمجة قره مصطفى وهو الوزير الذي وقف عند وعيده لولا المعونة التي جاءتهم من بولندا. وقد أكبر النصارى كلهم يومئذٍ عمل البولنديين وتغنّوا بهِ في كل مكان وكلَّف البابا نقّاشاً من خيرة
النقاشين ان يخلد ذكراه على الرخام ويزّين بهِ كنيسة ماري بطرس في رومية. أما الترك فقد حقدوا على بولندا من أجل ذلك فكانوا أو من فكَّر في تقسيمها واقترحوه على روسيا قبل أن يخطر ذلك ببالها ولم تقدم عليهِ إلاّ فيما بعد بإلحاح النمسا وبروسيا. أما الهواجس التي جاءت من جانب الترك فما لبثت حتى زالت وتلاشت ولم
стр. 1751
يبقَ لها أثر في الصدور. نعم أن الترك أحرجوا بطرس يوماً فاضطر إلى توقيع معاهدة بروت على شروط لا ترضيهِ ولكن خلفاءَه انتقموا له أيما انتقام: وهذو معاهدة قينارجه - وقد أبت كاترين أن يوقعها الروس إلاَّ في مثل اليوم الذي وقعت فيهِ معاهدة بروت - ومعاهدة أدرنة ومعاهدة سان ستفانو كلها تشهد بأن نجم بني رومانوف كان أعلى من نجم بني عثمان وتبين الأسباب التي جعلت كلمة روسيا في الأستانة فوق كل كلمة. أما العنصر السلافي فقد كان ارتقاء روسيا وصعود نجمها في العالم السياسي خير منشط لهُ فدبت فيهِ روح جديدة وأخذ أبناءُ السلاف في كل مكان يحولون أنظارهم إليها والاتحاد معها وأن الاستظلال بظلها وأثبتت الأيام أنهُ لا تقوم لهم قائمة إلاَّ بالانضمام إليها والاتحاد معها وإن خالف ذلك منهم عاد بصفقة المغبون. وما كان بنيامين السلاف ليقف وقفتهُ اليوم ويخاطب النمسا ومن يشد مشدَّها بلهجة تحجم عنها الدول الكبرى لولا أن روسيا من ورائهِ تثبت عزمه وتشدّ أزره , وبيض القطا يحصنهُ الأجدلُ. والحق أن روسيا قد فعلت في سبيل أبناءَ جنسها ما لم يفعلهُ غيرها في القرون الحديثة وربما كان السبب في ذلك أن أبناءَ جنسها أكثر حاجة من سواهم إلى المساعدة والتعضيد. ولم تنحصر عناية الروس بأبناءَ السلاف فقط بل تناولت جميع الذين على مذهب الأرثوذكسية أيضاً فكان لليونان والسوريين حظ وافر منها والمشهور أنهُ لولا الروس ما قُرع جرس في سوريا ولا ارتفع صليب في جنازة مسيحية ولذلك كنت ترى المسيحيين العثمانيين بوجه الإجمال ضالعين مع روسيا في حربها مع اليابان ولم يخرج عن هذه القاعدة سوى نفر من تلاميذ المدارس الأميركية لم تبلغهم عبر الماضي أو ظنوا أن الانتصار لدولة غير مسيحية على دولة مسيحية يعد دليلاً على
стр. 1752
الارتقاء وسعة الحلم والتنزه عن التعصب. على أن الارتقاء الاجتماعي في عهد بني رومانوف لم يبلغ في روسيا شأوَ الارتقاء السياسي وربما كان السبب الأكبر في ذلك أن الارتقاء السياسي يكفي للقيام بهِ أفراد معدودون تتوفر لهم الأسباب اللازمة وجلها مادية وذلك ميسور في كل آن
حال كون الارتقاء الاجتماعي لا بدَّ له من ارتقاء الأمة نفسها وهو أبعد بأوقات معينة قلما يمكن تعجيلها بلا ضرر. لذلك إذا صحَّ أن ينسب فضل الارتقاء السياسي إلى بني رومانوف لا يصح أن ينسب إليهم التأخر الاجتماعي. ومع ذلك فقد أخذت روسيا تخطو خطوات واسعة في ترقية الشؤون الاجتماعية نظرياً وعملياً. هذا ما صارت إليهِ روسيا في عهد أربعة عشر قيصراً وأربع قيصرات تولوها مدة ثلاث سنة وقل منهم من لم يترك مأثرة يعرف بها في التاريخ: فمخائيل رومانوف منظم الشؤون الداخلية , وألكيس ضابط القوانين ومنقح الكتب المقدسة , وفيودور ممهد سبل الاتفاق برفع أسباب النزاع والشحناءَ بين الأعيان والأمراءَ , وبطرس الأكبر مؤسس روسيا الحديثة , وكاترين الأولى منقذة زوجها وجيشه برباطة جأشها وحسن فطنتها , واليصابات ماحية عقوبة الإعدام جابة لنداء المروءة , وكاترين الثانية الملقبة بسميراميس الشمال , واسكندر الأول صديق نابليون وخصمهُ , ونقولا الأول أمين الملوك على حقوقهم الإلهية , واسكندر الثاني محرر الفلاح , واسكندر الثالث حليف فرنسا. على أننا إذا رجعنا إلى التاريخ نجد أن العائلة المالكة اليوم في روسيا ليست من بني رومانوف حقيقة ولا بربطها بها إلاّ رابطة الرحم فأنها من سلالة بطرس
стр. 1753
الثالث وهو أمير الماني ارتقى عرش روسيا بعهد من حالته القيصرة اليصابات وقد انقرضت بها دولة رومانوف في روسيا كما انقرضت بسميتها دولة ثيودور في انكلترا , وكاترين نفسها ليست من بني رومانوف ولا هي روسية مطلقاً. فالعائلة المالكة في روسيا من هذا القبيل كالعائلة المالكة في النمسا فإنها تنسب إلى بني هبسبورج مع أنها ليست منهم إلاَّ من جانب النساء فلن جدها الإمبراطور فرنسيس الأول من بيت لورينّ ولكنهُ تزوج ماريا تيريزا ابنة الإمبراطور كرلوس السادس آخر بني هبسبورج وبواسطتها اتصل الملك بزوجها وأولاده منها ولكنهم ظلوا ينتسبون إلى عائلة أمهم. فروسيا والحالة هذه من جملة الممالك التي تحكمها دولة ألمانية كأنكلترا وبلغاريا ورومانيا. ويتصل نسب بني رومانوف من جانب النساءَ أيضاً ببني روريك وهم الدولة التي تولّت روسيا منذ أواسط القرن التاسع للميلاد وقد أدركوا في عصرهم شأناً عظيماً وصاهروا بني بليولوج أصحاب الأستانة وبني كآبه أصحاب فرنسا. ومن النوادر التي تذكر عن مصاهرتهم لملوك فرنسا أن بسببها سمي ابن هنري الأول ملك فرنسا فيليب: وذلك أن امرأة هنري الأول كانت من بني روريك
وكانت تتصل بني بليولوج من جانب النساء وهم يزعمون أنهم من سلالة فيليب المقدوني فسمت ابنها فيليب أحياءً لاسم أبي الاسكندر جدها المزعوم. ومما يجدر ذكره أيضاً عن بني رومانوف في هذا الباب أنهُ بينما كانت معظم الدول الأوروبية تتهافت على نابليون الأول لتزوجه بناتها بعد تطليقه جوزفين أبي بنو رومانوف أن يصاهروه. نعم أن نابليون لم يطلب مصاهرتهم صريحاً ولكن بدا من سفيرهِ في بطرس برج ما يدل على رغبة مولاه في أخت اسكندر الأول فبادرت والدتها وزوجتها زوجاً آخر حتى تسد السبيل في وجه نابليون. ولا يبعد أن يكون ذلك من الأسباب التي زادتهُ حنقاً على روسيا.
стр. 1754
ومن عادة بني رومانوف أنهم يشترطون بقاء بناتهم على المذهب الأرثوذكسي إذا تزوجنَ بغير أرثوذكسي ويشترطون عند زواجهم بغير أرثوذكسية أن تدخل زوجتهم في المذهب الأرثوذكسي أولاً وهي عادة تدل - بقطع النظر عن العقيدة - على رفعة الأخلاق وكرامة النفس فإن الدين كالعرض لا يتاجر بهِ.
يوسف الخازق
المرء ودنياه
عرف القراء أننا نرمي في ما ننشره لكتاب مختلفين من أصقاع مختلفة إلى جعل هذه المجلة مرآة تتجلى فيها حالة اللغة والأفكار في جميع الأمصار العربية. وفي مقالة الآتية التي جاءتنا من دار السلام وفي نشرناه قبلها لكتاب الزهور في العراق ما يصح أن يكون نموذجاً للأسلوب الإنشائي والحركة الفكرية في تلك الربوع التي عاشت اللغة العربية فيها عصرها الذهبي:
حياة المرءِ في دنياهُ ركبٌ ... يجوب الأرضَ في طولٍ عرضِ
فتغويرٌ لهُ في أرض قومٍ ... وتعريسٌ له في غير أرضِ
وأيام الشهور هي المطايا ... تحثُ السيرَ بعضٌ إثرَ بعضِ
وما عيشُ الفتى إلاّ غرورٌ ... كظل زائلٍ أو خفق ومضِ
يعيش ابن آدم في الدنيا وهو مغرور بزهوها , وزهرتها. مشبوب الفؤاد بحبها , طائر القلب إليها , مشغول الخاطر بقطعها ووصالها؛ يطلب منها الوفاء وهي تغدر بهِ ويتوسل إلى قربها بكل وسيلة وهي تخدعهُ , وتمنّيه بالوعد. وما مواعيدها إلاّ الأباطيل! ولو علم الإنسان - أن الدنيا غادة عطبول , وعاشق ملول. إن وصلت قطعت , وإن أعطت منعت. نعينها بؤس , وحلوها مرٌ , وراحتها تعب , وبقاؤها فناء , وعمارها خراب , وأهلها في خطر منها - ما ركن إليها بكله , وما سعى لها كلَّ
стр. 1755
السعي , وما بات وليس له من شغل شاغل سواها , ولا ذكر إلاّ ذكراها. . . أيها الإنسان الذي غرّه من الدنيا زخرُفها , وأطمعته أمانيُّها , واستغوته زينتها وطلاوتها , وانطلى عليهِ محالها. أصخ السمع , وعِ القلب , إلى وصف حال الدنيا وسيرتها مع أهلها ولا أظنك بمصغٍ ولا بواع! أيها الإنسان إن الدنيا كما جاء وصفها في القرآن المجيد ولا أبلغ من ذلك الوصف شيء كما أنزلناه من السماء , فاختلط بهِ نبات الأرض , فأصبح هشيماً تذروه الرياح؛ وكان الله على كل شيء مقتدراً بينما تراها مقبلةً عليك بنضرتها , وبهجتها , ليس لها بعل غيرك , ولا دار سوى منزلك , ولا نظرة إلاّ إليك , تراها بأسرع من لمح البصر قطعتك الوداد , ومنحتك الصد والبعاد , فانقلب سرورك حزناً , وحلو عيشك مراً , وصفو شرابك رنقاً كدراً , وتركتك وحيداً فريداً , في مفازة من ضنك العيش , ووحشة الفقر , لا مؤنس لك ولا متوجّع , ولا ناصر لك ولا معين , كمن جاءه الموج من كل مكان , جفاك بجفائها الأصحاب , وأنكرك
الأقارب والأباعد والأهل والجيران. وصارت كل خلة كانت لك في الغنى مدحاً ذماً. فأضحى الذي يوّد أن تكون لك حاجة عنده , فيتقرب إليك بها وبتشرف بقضائها يتشاغل عن ردِّ سلامك إذا ما سلمتَ عليهِ لا لشيء هناك بل وفاءً منك بالودّ له! فهو يترك واجباً ويفعل محرماً , حذراً من أن تقول له قد بتُّ البارحة أنا وزوجي لنا سوى الماءِ والهواء , فهل لك أن تكرم عزيز قوم ذلّ , وشريفاً حسبه الجاهلون غنياً من التعفف؟ وأمسى الذي يوسط الواسطات إلى الحضور بين يديك أكره شيء في عينه النظر إلى وجهك. ولو في ليل ادلهمَّت دياجيره , كأنما ينظر إليك بعينين غير عينيهِ الأوليين.
следующие страницы →