← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

يبقَ لها أثر في الصدور. نعم أن الترك أحرجوا بطرس يوماً فاضطر إلى توقيع معاهدة بروت على شروط لا ترضيهِ ولكن خلفاءَه انتقموا له أيما انتقام: وهذو معاهدة قينارجه - وقد أبت كاترين أن يوقعها الروس إلاَّ في مثل اليوم الذي وقعت فيهِ معاهدة بروت - ومعاهدة أدرنة ومعاهدة سان ستفانو كلها تشهد بأن نجم بني رومانوف كان أعلى من نجم بني عثمان وتبين الأسباب التي جعلت كلمة روسيا في الأستانة فوق كل كلمة. أما العنصر السلافي فقد كان ارتقاء روسيا وصعود نجمها في العالم السياسي خير منشط لهُ فدبت فيهِ روح جديدة وأخذ أبناءُ السلاف في كل مكان يحولون أنظارهم إليها والاتحاد معها وأن الاستظلال بظلها وأثبتت الأيام أنهُ لا تقوم لهم قائمة إلاَّ بالانضمام إليها والاتحاد معها وإن خالف ذلك منهم عاد بصفقة المغبون. وما كان بنيامين السلاف ليقف وقفتهُ اليوم ويخاطب النمسا ومن يشد مشدَّها بلهجة تحجم عنها الدول الكبرى لولا أن روسيا من ورائهِ تثبت عزمه وتشدّ أزره , وبيض القطا يحصنهُ الأجدلُ. والحق أن روسيا قد فعلت في سبيل أبناءَ جنسها ما لم يفعلهُ غيرها في القرون الحديثة وربما كان السبب في ذلك أن أبناءَ جنسها أكثر حاجة من سواهم إلى المساعدة والتعضيد. ولم تنحصر عناية الروس بأبناءَ السلاف فقط بل تناولت جميع الذين على مذهب الأرثوذكسية أيضاً فكان لليونان والسوريين حظ وافر منها والمشهور أنهُ لولا الروس ما قُرع جرس في سوريا ولا ارتفع صليب في جنازة مسيحية ولذلك كنت ترى المسيحيين العثمانيين بوجه الإجمال ضالعين مع روسيا في حربها مع اليابان ولم يخرج عن هذه القاعدة سوى نفر من تلاميذ المدارس الأميركية لم تبلغهم عبر الماضي أو ظنوا أن الانتصار لدولة غير مسيحية على دولة مسيحية يعد دليلاً على

стр. 1752

الارتقاء وسعة الحلم والتنزه عن التعصب. على أن الارتقاء الاجتماعي في عهد بني رومانوف لم يبلغ في روسيا شأوَ الارتقاء السياسي وربما كان السبب الأكبر في ذلك أن الارتقاء السياسي يكفي للقيام بهِ أفراد معدودون تتوفر لهم الأسباب اللازمة وجلها مادية وذلك ميسور في كل آن حال كون الارتقاء الاجتماعي لا بدَّ له من ارتقاء الأمة نفسها وهو أبعد بأوقات معينة قلما يمكن تعجيلها بلا ضرر. لذلك إذا صحَّ أن ينسب فضل الارتقاء السياسي إلى بني رومانوف لا يصح أن ينسب إليهم التأخر الاجتماعي. ومع ذلك فقد أخذت روسيا تخطو خطوات واسعة في ترقية الشؤون الاجتماعية نظرياً وعملياً. هذا ما صارت إليهِ روسيا في عهد أربعة عشر قيصراً وأربع قيصرات تولوها مدة ثلاث سنة وقل منهم من لم يترك مأثرة يعرف بها في التاريخ: فمخائيل رومانوف منظم الشؤون الداخلية , وألكيس ضابط القوانين ومنقح الكتب المقدسة , وفيودور ممهد سبل الاتفاق برفع أسباب النزاع والشحناءَ بين الأعيان والأمراءَ , وبطرس الأكبر مؤسس روسيا الحديثة , وكاترين الأولى منقذة زوجها وجيشه برباطة جأشها وحسن فطنتها , واليصابات ماحية عقوبة الإعدام جابة لنداء المروءة , وكاترين الثانية الملقبة بسميراميس الشمال , واسكندر الأول صديق نابليون وخصمهُ , ونقولا الأول أمين الملوك على حقوقهم الإلهية , واسكندر الثاني محرر الفلاح , واسكندر الثالث حليف فرنسا. على أننا إذا رجعنا إلى التاريخ نجد أن العائلة المالكة اليوم في روسيا ليست من بني رومانوف حقيقة ولا بربطها بها إلاّ رابطة الرحم فأنها من سلالة بطرس

стр. 1753

الثالث وهو أمير الماني ارتقى عرش روسيا بعهد من حالته القيصرة اليصابات وقد انقرضت بها دولة رومانوف في روسيا كما انقرضت بسميتها دولة ثيودور في انكلترا , وكاترين نفسها ليست من بني رومانوف ولا هي روسية مطلقاً. فالعائلة المالكة في روسيا من هذا القبيل كالعائلة المالكة في النمسا فإنها تنسب إلى بني هبسبورج مع أنها ليست منهم إلاَّ من جانب النساء فلن جدها الإمبراطور فرنسيس الأول من بيت لورينّ ولكنهُ تزوج ماريا تيريزا ابنة الإمبراطور كرلوس السادس آخر بني هبسبورج وبواسطتها اتصل الملك بزوجها وأولاده منها ولكنهم ظلوا ينتسبون إلى عائلة أمهم. فروسيا والحالة هذه من جملة الممالك التي تحكمها دولة ألمانية كأنكلترا وبلغاريا ورومانيا. ويتصل نسب بني رومانوف من جانب النساءَ أيضاً ببني روريك وهم الدولة التي تولّت روسيا منذ أواسط القرن التاسع للميلاد وقد أدركوا في عصرهم شأناً عظيماً وصاهروا بني بليولوج أصحاب الأستانة وبني كآبه أصحاب فرنسا. ومن النوادر التي تذكر عن مصاهرتهم لملوك فرنسا أن بسببها سمي ابن هنري الأول ملك فرنسا فيليب: وذلك أن امرأة هنري الأول كانت من بني روريك وكانت تتصل بني بليولوج من جانب النساء وهم يزعمون أنهم من سلالة فيليب المقدوني فسمت ابنها فيليب أحياءً لاسم أبي الاسكندر جدها المزعوم. ومما يجدر ذكره أيضاً عن بني رومانوف في هذا الباب أنهُ بينما كانت معظم الدول الأوروبية تتهافت على نابليون الأول لتزوجه بناتها بعد تطليقه جوزفين أبي بنو رومانوف أن يصاهروه. نعم أن نابليون لم يطلب مصاهرتهم صريحاً ولكن بدا من سفيرهِ في بطرس برج ما يدل على رغبة مولاه في أخت اسكندر الأول فبادرت والدتها وزوجتها زوجاً آخر حتى تسد السبيل في وجه نابليون. ولا يبعد أن يكون ذلك من الأسباب التي زادتهُ حنقاً على روسيا.

стр. 1754

ومن عادة بني رومانوف أنهم يشترطون بقاء بناتهم على المذهب الأرثوذكسي إذا تزوجنَ بغير أرثوذكسي ويشترطون عند زواجهم بغير أرثوذكسية أن تدخل زوجتهم في المذهب الأرثوذكسي أولاً وهي عادة تدل - بقطع النظر عن العقيدة - على رفعة الأخلاق وكرامة النفس فإن الدين كالعرض لا يتاجر بهِ. يوسف الخازق المرء ودنياه عرف القراء أننا نرمي في ما ننشره لكتاب مختلفين من أصقاع مختلفة إلى جعل هذه المجلة مرآة تتجلى فيها حالة اللغة والأفكار في جميع الأمصار العربية. وفي مقالة الآتية التي جاءتنا من دار السلام وفي نشرناه قبلها لكتاب الزهور في العراق ما يصح أن يكون نموذجاً للأسلوب الإنشائي والحركة الفكرية في تلك الربوع التي عاشت اللغة العربية فيها عصرها الذهبي: حياة المرءِ في دنياهُ ركبٌ ... يجوب الأرضَ في طولٍ عرضِ فتغويرٌ لهُ في أرض قومٍ ... وتعريسٌ له في غير أرضِ وأيام الشهور هي المطايا ... تحثُ السيرَ بعضٌ إثرَ بعضِ وما عيشُ الفتى إلاّ غرورٌ ... كظل زائلٍ أو خفق ومضِ يعيش ابن آدم في الدنيا وهو مغرور بزهوها , وزهرتها. مشبوب الفؤاد بحبها , طائر القلب إليها , مشغول الخاطر بقطعها ووصالها؛ يطلب منها الوفاء وهي تغدر بهِ ويتوسل إلى قربها بكل وسيلة وهي تخدعهُ , وتمنّيه بالوعد. وما مواعيدها إلاّ الأباطيل! ولو علم الإنسان - أن الدنيا غادة عطبول , وعاشق ملول. إن وصلت قطعت , وإن أعطت منعت. نعينها بؤس , وحلوها مرٌ , وراحتها تعب , وبقاؤها فناء , وعمارها خراب , وأهلها في خطر منها - ما ركن إليها بكله , وما سعى لها كلَّ

стр. 1755

السعي , وما بات وليس له من شغل شاغل سواها , ولا ذكر إلاّ ذكراها. . . أيها الإنسان الذي غرّه من الدنيا زخرُفها , وأطمعته أمانيُّها , واستغوته زينتها وطلاوتها , وانطلى عليهِ محالها. أصخ السمع , وعِ القلب , إلى وصف حال الدنيا وسيرتها مع أهلها ولا أظنك بمصغٍ ولا بواع! أيها الإنسان إن الدنيا كما جاء وصفها في القرآن المجيد ولا أبلغ من ذلك الوصف شيء كما أنزلناه من السماء , فاختلط بهِ نبات الأرض , فأصبح هشيماً تذروه الرياح؛ وكان الله على كل شيء مقتدراً بينما تراها مقبلةً عليك بنضرتها , وبهجتها , ليس لها بعل غيرك , ولا دار سوى منزلك , ولا نظرة إلاّ إليك , تراها بأسرع من لمح البصر قطعتك الوداد , ومنحتك الصد والبعاد , فانقلب سرورك حزناً , وحلو عيشك مراً , وصفو شرابك رنقاً كدراً , وتركتك وحيداً فريداً , في مفازة من ضنك العيش , ووحشة الفقر , لا مؤنس لك ولا متوجّع , ولا ناصر لك ولا معين , كمن جاءه الموج من كل مكان , جفاك بجفائها الأصحاب , وأنكرك الأقارب والأباعد والأهل والجيران. وصارت كل خلة كانت لك في الغنى مدحاً ذماً. فأضحى الذي يوّد أن تكون لك حاجة عنده , فيتقرب إليك بها وبتشرف بقضائها يتشاغل عن ردِّ سلامك إذا ما سلمتَ عليهِ لا لشيء هناك بل وفاءً منك بالودّ له! فهو يترك واجباً ويفعل محرماً , حذراً من أن تقول له قد بتُّ البارحة أنا وزوجي لنا سوى الماءِ والهواء , فهل لك أن تكرم عزيز قوم ذلّ , وشريفاً حسبه الجاهلون غنياً من التعفف؟ وأمسى الذي يوسط الواسطات إلى الحضور بين يديك أكره شيء في عينه النظر إلى وجهك. ولو في ليل ادلهمَّت دياجيره , كأنما ينظر إليك بعينين غير عينيهِ الأوليين.

стр. 1756

وبات الذي كان يفتخر بمجالستك , ومنادمتك في سفرك ومحاضرتك يستنكف من جلوسك إلى جنبهِ , ولو في قفز من الأرض لا رائح فيهِ ولا غاد. وعاد الذي كان يسعى في حسن خدمتك من قبل , أقبح شيء يراه حسن خدمتك له , فتراه يتأمر عليك , ويتذمر منك , ويحكم فيك حكم السادة على العبيد , ولا يرى حقاً لنعمتك التي أسبغتها عليهِ فيما مضى كأن لم تكن شيئاً مذكوراً! وراح الذي كان يتبرّك بلباس ثوبك الخلق , يفرّ منك فرار السليم من الأجرب وصار الذي كان يستنجدك في الملمات , ويلجأ إليك في المهمّات , يتربص لك الدوائر وينصب لك المكايد , ويؤلّب عليك إذا استنجدته في الخلاص من ورطة وقعت فيها , فإذا الذي يستنصرك بالأمس يستصرخك. أيها الإنسان الذي غرّه من الدنيا ظواهرها , وخفيت عليهِ بواطنها , فقام لها على قدم وساق , وشمّر لها عن ساعد الجد والاجتهاد , وأحبَّها حباً أعشى بصره عن مساوئها , وأعمه قلبه , وخامر عقله ولّبه , حتى استحوذ عليهِ شيطانها , وأخذت مجامع قلبه شهواتها. ويا أيها الإنسان الذي يتفانى في حبّ الدنيا ولا يلهج إلاَّ بذكرها , ولا ينشد إلاّ ضالتها , ولا يعرف إلاّ إياها , ولا ينظر إلى سواها , هلاّ اعتبرتَ بما عاملتْ بهِ تلك الدنيا آباءَك المتقدمين , وأجدادك السالفين , أهل القرون الأولى والقوم الجبارين؟ فكم أفنت من دول , وكم أبادت من الملوك الأُول , أرباب السطوة والسلطان , والأسرّة والتيجان , الذين عمروا فيها عمر نوح , وملكوا ملك سليمان , وبنوا بناء الاسكندر , وطغوا طغوّ قارون , وصالوا صولة النمرود , وحكموا حكم القياصرة , وعاشوا عيش الأكاسرة: أين أين الملوك أين الرعايا ... أين أين القوّاد للأجنادِ أين أين البناةُ أين المباني ... أين من شيّدوا كذات العمادِ

стр. 1757

أين اسكندرٌ وأين هِرَقْلٌ ... أين نمرود أين ذو الأوتادِ أين قارون أين فرعون موسى ... أين كسرى وقيصر ذو الآدِ أين من كتّبوا الكتائبَ للحر ... ب وصالوا بالمرهفات الحدادِ أين من كانوا يحرصون على الما ... ل ومن كان كعبةَ القصَّادِ هذه دورُهم تجيبك عنهم ... لو يجيب الجمادُ صوت المنادي صرعتهم كأسُ المنون ولّما ... يستفيقوا حتى ليوم التنادي وغدوا يُحملون من بعد عرش ال ... ملك في موكب على الأعوادِ وغدا ما لهم وما جمّعوهُ ... للأعادي إرثاً وللحسَّادِ وجفاهم أخوانُهم وبنوهم ... وجميع الحجَّاب والقوّادِ وثووا في القبور من بعد ما كا ... نوا بعالي القصور كالأطوادِ واستقروا في ضيّق اللحد يا س ... عدَ مقرّ السيوف في الأغماد ورضوا بالتراب بعد فراش ... من حريرٍ مؤثرٍ ووسادِ جمعتهم دارُ المنونِ جميعاً ... وهمُ من قبائل وبلادِ فغدا الضدّ يألف الضدّ طوعاً ... وغريبٌ تآلف الأضداد ومليك الزمان منهم له الدو ... دُ نديم بعد الحسان الخرادِ فإذا كان هذا مسير الإنسان ومصيره , فينبغي للعاقل أن ينظر إلى الدنيا نظر معتبر , وإن يجعل مقامه فيها مقام مسافر , نزل دارها اليوم ويرحل عنها غداً. وإن يحاذر منها كل الحذر , لأنها عدوّ في ثيابِ صديق , وإن يبذر فيها ما طاب غرسه , وزكا أصله , ونما فرعه , وأينع ثمره , وحلا ذوقه , واعذوذب طعمه. لأنها مزرعة الآخرة , والمرء يحصد ما زرع. وإن لا يحزن على شيء فاته منها , ولا على شيء انقطع عنه بعد ما أصابه منها , بل ينبغي له أن ينزل ما أصاب منها , منزلة ما لم يصب. لأن جوهرّها عرض زائل , وكسبها خسران مبين. وإن لا يتزوّد من الدنيا إلاّ

стр. 1758

بقدر ما تمسّ الحاجة إليهِ. وأن يقنع بالشيء اليسير منها , إذ لا شيء أغنى من القناعة. ومن هضمَ دنياه وزهدَ فيها لآخرته , لم يحرمهُ الله بذلك نصيبه من الدنيا؛ ولم ينقصه من سروره فيها وأن لا يبيع آخرته بدنيا غيره حتى ولا بدنياه. وينبغي للعاقل أن يستقرئ أخبار السالفين وأعمالهم , فيأخذ بالإحسان منها عملاً , ويترك القبيح , ويذهب مذهب من سلك طريقاً هداه إلى الحق , وإلى الصراط المستقيم , ويتجنّب منهاج قوم يجرُّ ناهجه إلى الضلال , وسوء المنقلب. وإن لا يكون غير ذي دين , فإن الدين رابطةُ الإنسان بحلاله وحرامهِ , وإن لا يظن إلاّ حسناً , ولا يكون شيء الاعتقاد في الناس , فإن سوء الاعتقاد في الناس , فإن سوء الاعتقاد روح الفساد. وينبغي للعاقل أن لا يُبغّض إلى نفسه عبادة ربه , وإن يساوي بين معاشهِ ومعاده , وإن لا يترك مجالاً لنفوذ أحدهما على الآخر. وأن يعمل فيها عمل من يأمل أن يموت هرماً , وعمل من يرجو أن يموت غداً. وأن لا يفرح بالكثير من المال إذا ناله , لا يحزن لقلته إذا فقد الكثير منه. وإن يصنع المعروف مع كل فردٍ من أبناء جنسه. وإن يجود على الناس بما وسع الله عليه من الرزق , وينتهز فرصة نعم الله عليهِ , فيتفضل بها قبلَ زوالها. لأن الغد وراء الغيب , والمرءُ لا يعلم من نفسه إلاّ ماضيها وحاضرها. فهو في مستقبله كالأعمى المسالك طريقاً وعراً في ليلة ليلاء , لا يدري أينَ يضع قدمه , في النار أم في البحر. وينبغي للعاقل أن يكون جلداً صبوراً إذا ما انتابته نوائب الزمان , وطوارق الحدثان. وإن لا يترك حاسديه يشعرون بما أصابه من المصائب. وأن يكون ذا حزم وإقدام , وأن لا يصدّه أدنى عائق يعيقه عما يحاوله من صعاب الأمور. وأن لا يتهاون بصغار الأشياء ولا يستعظم في عين كبارها. فإن الصغار يلدن الكبار. ومن هاب الشيء العظيم خسر ما دونه. وينبغي للعاقل أن ينظر على عيب نفسه , قبل أن ينظر إلى عيب غيره. وأن

стр. 1759

يغض طرفه عن عيب أخيه ولا يفاتحه بهِ مخافة أن يفاتحه بمثله. وأيّ الرجال المهذب وينبغي للعاقل أن يتعلم العقل من المجنون , والحلم من رأي السفيه , وحسن الأخلاق من سيئها , والعلم من الجاهل , والأدبَ من السافل , والدين من الكافر. وأن يأخذ الوفاء عن غدر اللئيم , والعبرة عن الدهر. واللبيب من اتعظ بغيره. وينبغي للعاقل تهذيب نفسه وتعويدها فعل الخير وكل ما ينفع الناس عامّة , ورفض ما يضرُّ بهم. وينبغي للعاقل أن يكون صادق اللهجة , حسن العشرة طلق المحيا في سرائه وضرائه. خفيف الطبع وقوراً وفيّاً , تصدق أقواله وأفعاله. وأن يكون أميناً محبَّا للفضل وأهله , منصفاً يتبع الحق حيث كان , ويطلبه حيث وُجد. وينبغي للعاقل أن يكون سليم القلب واسع الصدر سمحاً صفوحاً , محبّاً للسلم مبغضاً للحرب لأن الحرب داء قتال , يفتك بالنفوس فتكاً ذريعاً. وأن لا ينبغي على أحد , لأن البغي شر والشر يورث الدماء , وأن لا يعادي أحداً , ولا يضمر سوءاً لأحد , لأن المرءَ قليل بنفسه كثير بأصحابه. وينبغي للعاقل أن لا يحتقر صغيراً لصغره , ولا يوقّر كبيراً لكبره , إذ المرء بأصغريه أو كما قال أبو الحسن علي: المرء مخبوءٌ تحت طيّ لسانه لا تحت طيلسانه. وان يأخذ الحكمة ولو نطق بها مجنون ويأخذ ما يوافق رأيه من قول غيره , ولا ينتقد ما يخالف رأيه منه كونه خالفه. فلكل فردٍ من البشر رأي والكمال لله وحده. بغداد كاظم الدجيلي

стр. 1760

في رياض الشعر أنتَ يَا مَن أنتَ في عي ... ني وفي قلبي مصوَّرْ لك أهدي صورتي فان ... ظر إليها وتذكّرْ نقولا رزق الله

стр. 1761

عرس في معركة نظمت في سنة ١٩٠٢ عقيب ثورة البكسر في الصين وَففَا للوداعِ ذاتَ عشيّهْ ... هُوَ يبكي كالطفل وهيَ شجيَّهْ وقفةً كلٌّ منهما ودَّع الآ ... خَرَ فيها مستقبِلا للمنيَّةْ حالَ دونَ العناق بينهما كت ... مانُ تلك المحبةِ السرّية ففُؤآدانِ يخفقانِ ولحظٌ ... يتناجى ولوعةٌ عذريّةْ بينما كان والدها إلى الفل ... ك يؤمَّان مركباً حربيّهْ وهْيَ فيها مَسُوقةٌ مثلما كا ... نت تُساقُ الذبائح البشريّة وهديرُ الأمواج يدوي وقلْبُ ال ... صبِّ عند النوى يهابُ دويّهْ وصفيرُ البخارِ يُنذرُ بالبي ... نِ وغوغاءُ عصبةٍ نوتيّهْ رشقتهُ بنظرةٍ ثمَّ قالت ... لستُ أنسى هواكَ ما دمتُ حيَّهْ لي حُبّي الذي عرفتَ ووجدي ... ولكَ العهدُ والوفاءُ وصيّهْ نشأا عاشَقينِ طفَلينِ كلٌّ ... منهما يحسَب الغرامَ سَجيّهْ حفظا في الطريق والبيت والكُ ... تَّابِ سرَّ الهوى وفي البريّةْ شهدَ الناسُ أنَّ بين الصغيري ... نِ ائتلافاً وصحبةً أخويّهْ ثمَّ شُبَّ الهوى كذاكَ رويداً ... وكذا للهوى نكونُ المزيّهْ وقضى اللهُ بالنوى حين جدَّ ال ... وَجدُ بين الفتى وبين الصبيةْ إذ قضى الدهرُ أن يكون أبوها ... كاتباً في السفارةِ الصينيةْ نازحاً عن معاهدٍ مرَّت الغُب ... طةُ فيها بسرعةٍ برقيّهْ من بلادِ الألمان موطنِ قومٍ ... عُرفوا بالجهادِ في الوطنيّةْ

стр. 1762

وهيَ أرضٌ يعيشُ تحتَ سماء ال ... علمِ فيها من شاَء والمدنيّةْ سارَ عنها لكي يجاورَ أقوا ... ماً تساوَوا في الجهلِ والهمجيّةْ صحبتهُ زوجٌ لهُ وابنةٌ عذ ... رآءُ كانت كأنها مسبيّهْ نبذت داعيَ الغَرامِ وقامت ... بفروضِ المحبّةِ البنويّةْ قبل عهدِ التاريخ في الصينِ أقوا ... مٌ أقامت مجهولةَ الذريّةْ من بني آدمٍ إذا كان حقاً ... والداً للسُلالةِ البشريّةْ جهلوهُ وأنكروا كلَّ دينٍ ... غيرَ ما أشركت بهِ الوثنيّةْ كلُّ شيء لديهمِ قدَّستْهُ ... روحُ رب تجول فيهِ خفيّةْ يجدُ الباحثُ المؤرخُ فيهم ... أمماً ميتةً وتُحسَبُ حيّةْ وقفتْ بين أن تموتَ وتحيى ... وقفةً خيلَ أنَّها أبديّةْ وأبى الغربُ أن تظلَّ كسدٍّ ... في سبيلِ الحضارةِ العصريَّةْ فصلاَها حرباً يشبُّ لظاها ... بينَ عصرِ العلوم والجاهليَّةْ وهيَ حربٌ في الصينِ قامت لأ ... نَّ الصينَ تهوى بقاءها صينيّةْ وترى كلَّ دولةٍ دونها شأ ... ناً وبطشاً ونجدهً وحميَّةْ والحديث المصنوعَ ألعوبةَ الطف ... ل تراهُ أو بدعةً وحشيَّةْ والعدوَّ اللدودَ كلَّ غريب ... فهي تقضي بقتلهِ أمنيَّةْ مَن يَمتْ في قتالهِ من بنيها ... نال حظَّ الشهيدِ في الأبديّةْ سنَّةٌ ناصبوا بها الشرقَ والغر ... بَ عِداءً والعلمَ والحريَّةْ وتداعوا فقامَ كلٌّ ينادي ... اقتلوا الأجنبيَّ والأجنبيَّةْ لا تظنُّوا مالاً نهبتم حراماً ... لا تظنُّوا نفساً قتلتم بريَّةْ

стр. 1763

بينما كانت الشوارعُ في با ... كينَ تُكسى بحلّةٍ قرمزيَّةْ نسجتْها أعضاءُ ميتٍ قتيلٍ ... أو جريحٍ مستهدفٍ للمنيَّةْ ومرائي السماء سوداءُ يغشا ... ها دُخانُ القذائف الناريَّةْ برزت للعُداةِ بكرٌ رداحٌ ... تتجلَّى كأنها حوريَّةْ تقذفُ النارَ من يديها فيرتدُّ ... ونَ عنها بأوجه مشويَّةْ وهي تلك التي وصفنا جَواها ... ووصفنا شؤونها الحبيَّةْ كانَ في قلبها بقيةُ صبرٍ ... ثم زالت باليأسِ تلك البقيَّةْ أغضبتْها الحياةُ كالحلمِ تمضي ... وديارُ الحبيبِ عنها قصيَّةْ ورأت أنَّ قومَها بين حصرٍ ... وإسارٍ أشدَّ منهُ أذيَّةْ والمنايا إليهمِ تتمشى ... عابساتٍ لكنْ خُطاها بطيَّةْ فارتمت تقحمُ العدى وتنادي ... أيُّها الموت خذْ ياتي الشقيَّةْ ثم دمّرْ مني سفينةَ يأسٍ ... بينَ أمواجِ دهرِها مرميَّةْ رُبَّ صبٍّ قضى شهيدَ هواهُ ... وشجاعٍ في الحربِ ماتَ ضحيَّةْ قال منهم مقدَّمٌ فتنتهُ ... مذ رآها ألحاظُها البابليَّةْ لا تمدُّوا يداً إليها بسوءِ ... بل خذوها أسيرةً أو سبيَّةْ وإذا صائحٌ يصيحُ فِراراً ... يا رجالَ الديانةِ البوذيَّةْ داهمتكم مدافعٌ مهلكاتٌ ... وجنودٌ على الجنودِ قويَّةْ نجدة لو دفعتموها لخلَّتْ ... دُورَ باكينَ من بنيها خليَّةْ ثمَّ وافى من الفرنجة جندٌ ... هو عنوانُ وحدةٍ دوليَّةْ فلغاتٌ في النُطقِ مختلفاتٌ ... ونفوسٌ لم تختلفْ في النيَّةْ فوقَها كلُّ رايةٍ أنزلَ المج ... دُ عليها آياتهِ الحربيَّةْ

стр. 1764

نظّمتهُ ممالكُ الأرضِ جيشاً ... تتباهى بمثلهِ الجنديَّةْ يتمنّى الجُنديُّ لو أنّهُ الج ... ثَّةُ في بعضِ رايةٍ مطويّةْ وغَدا فارسٌ يشقُّ غبارَ الح ... ربِ بين الكتائبِ البكُسريّةْ وقعت عينُه على غادةٍ تُس ... تاقُ للسبيِ وهيَ غضبي عصيَّةْ بين قومٍ صفرٍ إذا الحربُ ثارت ... نفروا كالنعامِ في بريّةْ سامَ فيها حبيبةً سامَه طو ... لُ نواها والوجدُ كلَّ بليّةْ هيَ كانت مناهُ لمَّا تردَّى ... برضاهُ الملابسَ العسكريّةْ فدنَا لا يَرى قيادةَ غيرِ ال ... حبّ بالطوعِ والخضوعِ حريّةْ ونجا بالفتاةِ من ربقة السب ... يِ إلى حفلةِ الزواجِ الهنيّةْ فاستظلاَّ منها برحمةِ أيدٍ ... شأنها الرفق أنها والديّةْ سُرَّ ذاك الزواجُ غير العروسَيْ ... نِ أباً صالحاً وأمّاً تقيّةْ ورفاقاً في الحرب كانوا جنودا ... ثم صاروا من بعدِها جمعيّةْ تسأل اللهُ أن يبارك عِرساً ... قامَ بين المعاركِ الدمويّةْ نقولا رزق الله بين الشريف وصبري سمع إسماعيل صبري باشا بيتي الشريف الرضي , وهما: أرى بعد وردِ الماءِ في القلبِ غلَّةً ... إليكِ , على أني من الماءِ ناقعُ وإني لأقوى ما أكونُ طماعةً ... إذا كذبتْ فيكِ المُنى والمطامعُ فقال مجاراة لهُ: يا مورِداً كنتُ أغنى ما أكونُ بهِ ... عن كلِّ صافٍ إذا ما بات يُرويني عندي لمائكَ , والأقداحُ طوعَ يدْي ... ملأى من الماءِ , شوقٌ كاد يُرديني

стр. 1765

في سبيل الشرق لم يبقَ لي إلاّ الشبابُ , وأنهُ ... ديباجةٌ ضمن الأسى أخلاقَها نزلتْ بثهلانَ الهمومُ فلم يُطقْ ... حتى نزلنَ بكاهلي فأطاقها وكرهتُها , ومن الغرائبِ أنني ... لشديدِ ألفتها كرهتُ فراقها أشتاقُ أطّرحُ الهمومَ ويقتضي ... ظمأى على الآلام أن أشتاقها ولربما عرف المحبُّون التي ... تجني الشقاء فأصبحوا عشَّاقها شأن الفراشةِ واللهيبِ فإنها ... تغشاهُ وهو مسببٌ إحراقها يشكو الصبابةَ كلّ يوم مُدَّعٍ ... وأحقُّنا دعوىً بها من ذاقها لو نصفتْ تلك الحمامة لوعتي ... نضتِ الخضابَ ومزَّقت أطواقها يا هذهِ , حتى الغصونُ لما بها ... نثرَتْ على وجه الثرى أوراقها مثلَ التي لَزِمَ الخفوقُ جناحَها ... أصبحتُ مرتكضَ الحشا خفّاقها داءٌ تحاماه الطبيبُ , وعلّةٌ ... طلب العليلُ فلم يجد أِفراقها مرَّتْ بنا الأممُ الطليقةُ , وانثنتْ ... أخرى تُعالج أسرها ووثاقها هذي الجياد , فمن تعاطي شأوَها ... يا شرقُ فيك ومن أراد سباقها؟ يا مشرقَ الشمسِ المنيرةِ , أنها ... وأبيكِ شمسك فارقت إشراقها أما لياليكَ التي قد أقمرتْ ... فلقد طوت لكَ محوها ومحاقها فاقت وبزَّتْ أمةٌ غربيَّةٌ ... من بزَّها في المشرقين وفاقها وإذا أراد اللهُ رقدةَ أمَّةٍ ... حتى تضيعَ , أضاعها أخلاقها ملّك الضلالُ زمامها , فإذا حبت ... أو أمسكت سببَ المعالي عاقها رأت العدالةَ لا تروقُ لعينها ... فتلمَّستْ في الليل ظلماً راقها عجلت على البلوى فساقت نفسها ... للموت , أو عجل البلاءُ فساقها

стр. 1766

ما عذرُ طائفةٍ أضاعت مصرها ... أن لا تُضيعَ شامها وعراقها برزتْ وقابلها الزمان بسيفهِ ... فأطنَّ ساعدها وعرقبَ ساقها أين الذين إذا اكفهرَّتْ أوجهٌ ... هبُّوا لنا طُلْقَ الوجوه عتاقها للهِ أطماعٌ أصابت خُلفها ... فيهم وآمالٌ رأتْ إخفاقَها نظرتْ إلى الحُلم الجميل فهاجها ... ورنت إلى الطيفِ الملمِّ فشاقها أو ما تشوقُكَ يا خيالُ بقيةٌ ... في أنفسِ لك كابدتَ أشواقَها؟ محمد رضا الشببي رائع الشيب دَبَّ قتيرُ الشيبِ في مفرِقي ... سبحانَ من طرَّز هذا الشعارْ طار الغرابُ الجونُ من فرعهِ ... ما لغرابٍ فوق فرع قرارْ قد كنتُ من فودَيَّ في ليلة ... يا ليت لم يطلع عليَّ النهارْ أغضَبني الشيبُ ملمّاً وقد ... اعذرُهُ لو يكتفي بالعُذارْ سحابةُ الشعرِ إذا صرَّحت ... بالبرقَ فاضت بالدموع الغزارْ مُلْكُ النجاشي في نواحي الورى ... ليس سوى بعضِ ليالٍ قصارْ يسودُّ بختي بالبياض الذي ... بان على الهامةِ بعد السرارْ جفَّ رطيبُ الجسمِ يا عاذلي ... فصرتُ أخشى فيهِ وقعَ الشرارْ تأمل النسرين في لمتي ... قابلَ في الوجنة لونَ البَهارْ قد ضحكَ الشيبُ برأسي وقد ... ضحكتُ لما قيل هذا الوَقارْ نسيب ارسلان

стр. 1767

مصارع الأدباء بلغ من بغضيَ للشعر أن صرتُ أعرض عن سوانح معانيه في لوامع قوافيه. القاعد بالجدود عن منازل الشرف , المتواكل بالعزمات عن بلوغ نهايات الأرب. إحدى فتن الخيال. تجري بها البدائة فتتلقَّاها مسامعُ بالقبول , وتتلقاها مسامعُ بالملل أبعدْ به وبطلاّ به. يتهادى أمراءُ الذَّهب بين شوار وبين سبلندِدْبار تُساقِط أعطافهم الجنيهات , ويطوفون حول معاهد الصبوة في عواصم الغرب من مُنْتْ كارلو إلى مُنْتْ كارلو. ثم يأوون إلى بيوتٍ كثرت فيها الديكة والحمائم , ثمَّ يصبحون في لزباتهم يهبون المال في دعاوي ومخاصماتك فطلاق وزواج وميراث وشركة يتخلل ذلك كله لعب الورق واستشارة الوكيل وإدلال الكاتب , وما أدراك ما الكاتب , وبيع الأطيان واقتراض المال. بدرانٌ تفيض العسجدَ , وتنفجر عن ذوب اللُّجين , والشاعر يريد أن يبيع ديوانهُ بقرصٍ من الطعميّة فلا يجد مشترياً , والكاتب يعرض دفاتره مجَّاناً فلا يرى قارئاً فسبحان الله! عَلَمٌ من أعلام العراق. هو أبو القصائد المحبَّرة والقوافي المحكمة. نزيلٌ بمصر , مقيمٌ في دار حزنه يعالج أيامهُ , ويعاني شدائدها وليس بمصر مَن يقول له أين أصبحتَ أيها الأديب العظيم؟ أحمد مفتاح رجلُ البلاغة , يموت ويدفن ولم تكتب خبر وفاته جريدة من الجرائد فيما علمت. ومحمد إمام العبد وهو شاعر مجيد يوُسّدُ بالأمس التراب , ولا يتقدَّم أحد ليقيم له ليالي مأتمه. وفي بلاد الغرب يصنعون التماثيل للشعراء , ويسمّون بأسمائهم الشوارع والدوارع , ويجعلون لميلادهم ولموتهم أياماً في كل سنة هي بمنزلة أيام الأعياد. ويقولون بمصر: الدستور والجلاء والمؤتمر , وتكتب الجرائد ليحيَ وليسقط. من يحيى ومن يسقط أيها المساكين؟

стр. 1768

لكل أمريء في هذه الأمة موضع يميّزه؛ والناس في درجاتهم متقاربون. وليس رجلٌ ينكره معارفه , ويتجافاه أقرب أقاربه إلاّ الأديب. فهو إذا برَّز على أقرانه حسدوه , وإن أقصر عنهم حقّروه , وإن ولج جمعاً جالت فيهِ أبصار المستهزئين. وله في خلقه أناسٌ يفخرون بملابسهم , وليست بصنع أيديهم , ولا أنسجتها من نسجهم , ولا أثمانها من كسبهم , ولا زينتُها تجمل ما قبح من أشكالهم. أولئك يطاؤون الهامات , ويذلّون الرقاب , ويتهادون في كل مزدحمٍ , تهاديَ الكواعب الرُّود في الوشي والبرود. طواويسُ الرجال يقضون طوال الأعوام في ديوان الحياة , ثم يخرجون منهُ كما تخرج الأنعام من تحت السقائف , لا متزودين ولا مستخلفين. إلى حيث ألقت رحلها! ننظر إلى الكتاب المطبوع بإحدى اللغات الأجنبية فنرى مكتوباً على جلدهِ: الطبعة العشرون والطبعة الخمسون وأكثر من ذلك. وقد يكون عدد نسخ الكتاب , في الطبعة الواحدة , عشرة آلاف على الأقل , وليس في الشرق كتاب طُبع مرَّتين إلاّ نادراً أو ما كان متضمناً للمجون. وجرائدنا يأكل مشتركوها أثمان اشتراكهم فيها , ويكتفي قرّاؤها بنسخٍ يأخذوها من المشتركين , أو يقرأونها في القهوات. قرأها أشهراً وأياماً. وأغرب منهم من جاءته جريدة الجامعة العثمانية وهي جريدة كانت تنشرها الجامعة العثمانية وهي بيروت , وتعطيها من دون ثمن , ويُكتب على غلافها مجاناً فردَّ الرجل الجريدة بعد أن كتب على غلافتها بالعربية والفرنساوية مرفوضة. رفضَ الفضل ورفض الكرامة. لا طال ذنب زمانه! ولم يخجله كرَمُ الذين أحسنوا بها عليهِ إحساناً لم يقع على مستحقّهِ ومثل هؤلاء المخلوقات كثير بيننا ولا فخر!

стр. 1769

يموت أدباؤنا , وتُطفأ أنوار المعاني في عقولهم , وتبقى بيوتهم خاليةً وأجدائهم دائرة , وليس فينا من تحدّثهُ نفسهُ بأن ينقّبَ عن آثارهم , وينشرَ للأمة ما طويَ من معارفهم إقراراً بفضلهم , وتخليداً لذكرهم , واستفادة من آثار قرائحهم. ونحاول بعد ذلك أن نجاري الأمم أو أن نُشبه عباد الله. ما أكبرَ جهلنا بأقدارنا , وما أبعدنا عن مواضع الأنصاف. لا أديبُ العراق أجدتهُ فرائده , ولا الأستاذ مفتاح هنأته بلاغته , ولا أمام العبد أغناهُ شعره. وأنَّ نسخة من قصة القاضي والحرامي أو قصة دليله المحتالة لأحبُّ إلى عامّتنا , وأشهى إلى خاصبّتنا من درر هؤلاء العظماء وجواهرهم , وأدعى للشجون ثم أبعثُ للطرب من قصائدهم وقصولهم. سقاهم الله! رعاهم الله! عاشوا مظلومين. وأودعتْ بطون المقابر كنوزاً يتباهى بأمثالهم ملوكُ الأرض. يروى أنَّ بعض الانكليز يقول لو خُيّرنا بين أن نخسر الهند كلها أو نخسرّ شكسبير لاخترنا خسارتنا للهند , ولأبقينا شاعرَنا عوضاً عنها ونحن ماذا نقول؟ نقول لتحيَ الديكة والحمائم , أم نصيح ليحيى الدستور؟؟ أنا لنطمعُ اليوم في أن ننال ما لا يتاح نا إلاّ بعد خمسين عاماً فمَثلنا مَثل جماعة من العميان قيل إنّهم ركبوا أحدَ المعابر القوارب ليعبروا النيل. فقال قائلهم: هل لكم في الخروج من المركب من غير أن تدفعوا أجراً؟ قالوا بلى. قال: إذن فاسمعوا لما أقول. إذا قارب المعبرُ الشاطئَ صاح النوتي. فلّق. فثِبُوا هنالك وثبةَ رجلٍ واحد , وتفرَّقوا هرباً , واعلموا أنهُ لا يترك معبرَهُ ويعدو وراءكم. فقبلوا المشورة. وكان النوتيُّ يسمع المؤامرة وهم لا يشعرون. فلما توسّط النهر صاح. فلّق فوثبَ العميان فوقعوا في البحر وغرقوا. وأني لأخشى أن ينادينا الغرورُ نداءَ النوتيّ فنغرق غرق العميان. الأمة في حاجة إلى نوابغها غرباءُ بينها , والصوت الأرنّ والقول

стр. 1770

المسموع ما يهتف بهِ قوم صمتت ألبابهم , ونطقت ألسنتهم. هم المسيطرون وهم الزعماءُ حَسْبُ الأديب في الشرق نعوتاً تكال له كبلَ الحشف. فهو الأديب الفاضل , والشاعر البليغ , والكاتب البارع , واللودغيّ والألمعي وغير ذلك. وليت هذهِ النعوت تحي لمن تصدق فيهِ , أو فيمن تكاد تصدق فيهِ. ولكنهُ مشارك فيها مشاركة الغبن. أهل البلدة كلهم أدباءُ فضلاءُ بلغاءُ فصحاءُ , ما سلم من ذلك ملكٌ ولا سوقة. وأظنُّ هذه هي المساواة التي يطلبها مجانين الدستور , لا المساواة في الحقوق التي يثني عليها أهل الأنصاف. ألا مَن مبلغٌ عني كلَّ أديب في الشرق أنهُ أديب وأنهُ فاضل , وأنهُ لوذعي , وأنهُ ألمعي , وأنهُ فصيح , وأنهُ بليغ وأنهُ عند الناس وجودُهُ مثل عدمهِ , وأنهُ أهون على أمراءِ الذهب من ديك من ديكة الهند , أو من حمامةٍ من حمائم اليمن. كنت ذات يوم راجعاً من دار البريد وفي يدي سيكارةٌ هي أخرى أخواتها. فمرَّ بجانبي رجلٌ يسرع في مشيتهِ , فاستطارها من يدي حتى وقعت على الأرض! وكان اليومُ شديدَ الهاجرة لافحَ الحر. فلما توسطت الشارع رأيت عربةً نظيفة فيها رجلٌ من رعاع القوم , وأمامه اثنانِ من الإوزّ. ثلاث رفقةٍ في خير عربةٍ , يقودها جوادانِ مطهَّمان. فرفعت طرفي إلى السماء وقلت: يا ربّ تُلهمني الشعرَ , وتُجري يراعيَ بما يستطيعُ من النثر , وتجعلُ عبادك يدعونني بالأديب إن صدقاً وإن كذباً , ثمَّ أرى أني أحقرُ من الإوز في هذا الشرق؟؟ ثم انصرفت صابراً. هذا ميدان واسع , يتعب الجائل في أرجائهِ. ولولا حقوقٌ للأدب وأهله ما سطّرتها. ثلاثة إخوانٍ: مكروبٌ ودفينان. أما الرثاء فبعضُ ما يجب ولن يفوتني ما استطعت منهُ , وأما النحيبُ فأني سوف انتحي. فَمن لي بمَن يساجلني الدمعَ , ويشاركني في الشكاية. أما أنّا لمظلومون!! ولي الدين يكن

стр. 1771

تأثير الدين في المدينة أهمُّ المبادئ التي تسير عليها الأمم , وتُعتبر منار التاريخ وعماد الحضارة , المبادئ الدينية؛ وقد كانت الدوام أهمَّ عنصر في حياة الأمم , وهي لذلك أهمُّ عنصر في تاريخها. فأكبر حوادث التاريخ التي أنتجت أعظمَ الآثار هو قيامُ الديانات وسقوطُها. وأوّلُ المسائل الأساسية , في الأزمان الغابرة وفي الأزمان الحاضرة , المسائلُ الدينية. ولو أن الإنسانية رضيت بموت جميع آلهتها لكان هذا الحادث أعظمَ الحوادث التي تمَّت فوق وجه ارض منذ ظهرت المدنيات الأولى. لا ينبغي لنا أن ننسى أنَّ جميع النظامات السياسية والتدبيرات الاجتماعية قامت , منذ بداية التاريخ , على معتقدات دينية , وأن الآلهة هي التي لعبت أكبر دور في الحياة الإِنسانية , وأنَّ الدّين أسرع مؤثر في الأخلاق لا يدانيهِ مؤثر اللهمَّ إلاَّ الحب؛ والحب دينٌ , إلاّ أنهُ دِين ذاتيٌّ غير دائم. وإذا أردت أن تعرف على أي حال تكون الأمة التي اهتاجها خيالهُا فانظرْ إلى فتوحات العرب والحروب الصليبية والاضطهاد الأندلسي وحال انكلترا أيام البوريتيين وسانت بارتلمي في فرنسا وحروب الثورة الفرنساوية. إلاّ أن للأوهام سحراً مستمرّاً شديدَ التأثير يتغير بهِ المزاج العقلي تغيراً كلياً. خَلَقَ الإنسان الآلهة ولكنها ما لبثت أن استعبدتهُ. وأنها بنتُ الأمل لا بنتُ الخوف كما وصفها لوقريس لذلك كان تأثيرها سرمديّاً. لقد كان من تأثيرها فيهِ أن جعلت عقله متشبعاً بفكرة السعادة فامتازت بذلك على كل مؤثر سواها , وقصرت الفلسفة عن إدراك هذه الغاية حتى الآن. نتيجة كل حضارةٍ إن لم نقل غايتها , وكلِّ فلسفة , وكلِّ دين , تكوينُ حالات عقلية خاصة , بعضها يقتضي السعادة , وبعضها لا يقتضيها. وترجع السعادة

стр. 1772

إلى أحوال النفس أكثر مما ترجع إلى الأحوال الخارجة عنها. فلربما كانت الضحايا فوق مواقدها أسعد من قاتليها. وكم فالح أرض بيديه يقضمُ الكسرة مفروكةً بالنوم أسعدُ بكثيرٍ من موسر متدفق الثروة تكاثفت حولَهُ الهموم. ومن دواعي الأسف أنَّ الحضارة في هذا الزمان خلقت للإنسان جمعاً من الحاجات , ولم تُعطهِ وسائلَ دَفعها , فتولَّدَ من ذلك عدمُ الرضاء في النفوس. قالوا الحضارة بنت الرقيّ. نعم وهي أمُّ الاشتراكية وأمُّ الفوضى. وهما صوتان مربعانِ تصيح بهما جموعٌ قلَّ إيمانها فاستولى اليأس على قلوبها. أين حال الأوروبي الذي تولاّه القلق , وهاجت أعصابهُ وأصبح غير راضٍ بحظهِ , من حال الشرقي الراضي بما قدر له. إنما الفرق بينهما في حالة النفس دون سواها. وإنما يُغيّر الأمة مَن يُغيّر من تَصوّرها , ويجعلها تفكّرُ وتعمل غيرَ ما عملت. يجبُ على الهيئة أن تسعى في إيجادِ حال عقلية يكون فيها الفرد سعيداً وإلاّ فأجَلُ الأمة قصير. فما قامت الأمم حتى الساعة إلاّ متكئةً على خيال فيهِ قوَّةُ اجتذاب النفوس , وما سقطت واحدة منها إلاّ بزوال سلطان هذا الخيال. من أكبر خطأ هذا الزمان اعتقادُ الناس أنَّ النفس تجدُ السعادة في الأشياء الخارجة عنها. قل أنَّ السعادة فينا ونحن الذين نوجدُها. وشذَّ ما كانت بعيدة عنا. أنّا هدمنا خيال العصر الماضي فصرنا نرى انهُ لا حياة لنا من بعد هذا الخيالو وأنا إذا لم نوفق إلى الاستعاضة عنهُ فأنا هالكون. أكبرُ المحسنين لبني الإنسان الذين يجب على الأمم أن تُقيمَ لهم أفخم التماثيل من الذهب الوهاج , هم أولئك السحَرة القادرون الذين خلقوا لها الخيالات. أولئك يولدون أحياناً بين البشر , ولكنهم لا يولدون إلاّ قليلاً. أقاموا أمامَ سيول الآمال الفانية - وهي الحقائق التي لا قدرة للإنسان على معرفة غيرها , وفي وجه هذه الدنيا العبوس الجامدة - حجاباً من الأوهام القوية فسروا عن الإنسانية , وستروا ما في

стр. 1773

الحياة من غضاضة ومَضض , وخلقوا جناتِ النعيم فنيطَ بها الرجاء وتوالت الأحلام. وإذا رجعنا على الجهة السياسية علمنا أيضاً كيف كان تأثيرُ المعتقداتِ شديداً. والسببُ في قوة الدين العظيمة كونهُ العاملَ الوحيدَ الذي تتوحَّد بهِ وقتاً ما منافع الأمة ومشاعرها وأفكارها. فيقوم المبدأ الديني بذلك دفعة واحدة مقامَ غيره من العناصر التي يتكوَّن منها روحُ الأمة والتي لا تنتج هذه النتيجة إلاّ إذا أربت وتمَّ نضجها بالوراثة. نعم لا يتغير مزاج الأمة العقلي بمجرَّد استيلاء دين على قلبها؛ غير أنَّ جميع القوى تتَّجه نحو غاية واحدة هي الانتصار للمعتقد الجديد , وفي ذلك سرّ قوتها العظمى. لذلك تجد أن قيام الأمم بأعظم الأعمال كان في عصر هذا التطوُّر الوقتي أعنى عصرَ تديّنها , وتأسيس أكبر الممالك لتي أدهشت العالم كان في عصر تدينها. كذا اتحدت بعض قبائل العرب بفكرة محمد ﷺ فاستطاعوا قهر أمم كانت لا تعرف منهم حتى الأسماء. وشادوا تلك الدولة الكُبرى. وعليهِ يتضح أنهُ كان للدّين شأن كبير في سياسة المم لأنهُ هو العامل الوحيد سريعُ التأثير في أخلاقها. نعم أن الآلهة ليسوا خالدين , ولكنَّ المبدأ الديني باقٍ لا يزول. يغفي زماناً , ثم ينشط متى ظهر ربّ جديد. وهو الذي استطاعت بهِ فرنسا وحدَها منذ قرن أن تقاوم أوروبا كلها. فعرف البشر مرَّة أخرى درجة تأثير المعتقدات الدينية. لأن الأفكار التي امتلكت العقول في ذلك العصر كانت في الحقيقة ديناً جديداً نفخَ في الأمة من روحهِ فأنعشها. لكنَّ الآلهة التي برزت من خلال تلك المعتقدات كانت لطيفة المادة فلم تدم إلاَّ قليلاً؛ على أن سلطانها , مدَة وجودها , كان سلطاناً كبيراً. بعد ذلك نقول أن قدرة الديانات على تغيير روح الأمم قدرة فانية. فقلما تدوم المعتقدات على قوَّتها الأولى زمناً يكفي لتغيير الخلق تغييراً تاماً. سببهُ أنَّ قوَّة الأحلام لا تلبثُ أن تفتر ويرجع المأخوذُ بسكرتها بعض الرجوع إلى اليقظة فتظهر حقيقة الخلق العتيق.

стр. 1774

يظهر على الدوام خُلق الأمة حتى وسلطان الدين في منتهى شدته فتراه في الصبغة التي أنصبغ بها الدين عند الأمة التي اعتنقتهُ , وفي المظاهر التي تنشأ عنهُ. انظرْ إلى الفرق العظيم بين المعتقَد الواحد في انكلترا واسبانيا وفرنسا تجد أنهُ كان من المستحيل ظهور البروتستنتية في اسبانيا أو رضي انكلترا بإقامة الاضطهاد محكمة التعذيب بين ربوعها؛ ل تأمل حال الأمم التي دانت بالبروتستنتية تظهر لك أخلاقها الأساسية الأولى بادية عليها , وأنها بالرغم من افتتانها بمعتقداتها , لا تزال محتفظة بميزاتِ مزاجها العقلي , أعني الاستقلالَ ومضاءَ العزيمة وتدبّرَ الأمور قبل الأخذ بها وإباءَ الخنوع والاستذلالَ لسيّد يصدر في أمره عن الهوى. يتولّد تاريخ الأمم السياسي والأدبي والفّني من معتقداتها؛ إلاّ أن هذه كما تؤثر في الخُلق تتأثر أيضاًَ بهِ. فمفاتيح حياة الأمة خلقها ودينُها. والأول دائم من حيث صفاته الأولى , وعدمُ تغيره هو السبب في حدة تاريخ كل أمة واطراده. أما المعتقدات فقابلة للتغير. وتغييرُها هو السبب في أنَّ التاريخَ يحكي كثيراً من الانقلابات في الأمم. اليوم تميل الأمم القديمة على السقوط. فهي تهتزّ من الوهن , ونظاماتها تتداعى واحداً إثر واحد. وعلة ذلك فقدانها كل يوم شيئاً من إيمانها الذي قامت عليهِ حتى الآن. فإذا فقدتهُ كله قامت حتماً مقامهُ حضارةٌ جديدة مؤسسة على معتقد جديد. لأن التاريخ يدلنا على أن الأمم لا تحيا طويلاً بعد اختفاء معبوداتها , وأنَّ الحضارات التي جاءَت مع تلك المعبودات تذهب بذهابها. ألا لا شيءَ أفعل في التخريب من أثرٍ معبودٍ يموت. أحمد فتحي زغلول وكيل نظارة الحقانية

стр. 1775

في جنائن الغرب أنشودة روسية من العادات المتبعة في روسيا أنه يحق للقيصر أن يطلق امرأته ويبعدها إلى أحد الأديرة إذا لم تضع له ولياً للعهد. وقد عثرنا على أنشودة يتغنى بها القرويون في روسيا تصف حالة القيصرة عند تركها القصر الإمبراطوري , فأحببنا أن نترجمها لقراء الزهور كلٌّ حزينٌ في موسكو , لأنَّ القيصر غضب على القيصرة وأبعدها عن عينهِ أرسلها إلى هناك , إلى ما وراءَ جدران الدير. وبينما كانتِ الأميرةُ تمرُّ بالقصر , أخذت تنوحُ وتبكي قائلةً: أيها القصرُ الأبيض المفروش بالمخمل والحرير , أما من عودةٍ إليك؟ أما من عودةٍ إليك , فأروّحَ النفس بين جدرانك , وفي رياضك الغنّاء! أما من عودةٍ إليك , فأرى سيدي القيصر , وأسمعَ كلامهُ العذب؟ كلٌّ حزينٌ في موسكو , لأن القيصر غضِب على القيصرة , وأبعدها عن عينيهِ خَرَجت القيصرة من القصر , وقفتْ في السلّم , فتنهدت وقالت للحرس بصوت متقطّع , والعَبَراتُ تخنقها: أسرجوا الخيلَ للرحيل , فقد أزفت ساعةُ الفراق , سيروا رويداً , وأخرجوني على مهل من موسكو عسى سيدي أن يرقَّ , عساهُ أن يرثي لحالي وكان جواب الحرَس عساهُ أن يرقّ , عساه أن يرثي لحالكِ! لكنَّ قلبَ القيصرِ كجدران قصرهِ صَلْبٌ , لا يرقُّ ولا يلين في الدير , تقرع الأجراس حزناً لاستقبال القيصرة الحزينة كلٌّ في موسكو حزينٌ , لأن القيصر غضب على القيصرة وأبعدها عن عينيهِ!

стр. 1776

الدموع أنِست بسمعي حنين دمع الفتاة؛ وكئِبتُ في نفسي لذرف دمع العذراء. ورشفت بيدي كأس دمع الفؤاد. فأحزنني الأول ساعةً ذكرتها العمر؛ وسهّدني الثاني ليلةً سقمت بعدها الشهر؛ وأسكرني الثالث مدةً آلمتني الدهر. ما هاجت أشجان الروح إلاَّ وسالت من الأنامل على الأوتار دموعاً؛ وما امتلأ إناءُ النفس إلاَّ وفاض من المقل على الخدود دموعاً. ما اشتدَّت لوعةُ الفؤاد إلاَّ وانسكبت في الصدر دموعاً. الدموع أنشودةُ النفس مع تسابيح الملائكة همسُ القلب في أذن الفضاء حديثٌ بلسان الحمام النائح الدموع أكليلٌ , أزهاره الكآبة الصامتة , ينثرها اليأس على ضريح الأمل قريض تنظمه العيون عبير العنبر المحترق أشواك ورد الهوى أزهار العاطفة , تنبتها المحبة , ويسقيها الحنان , فيجنيها الجوى بنات الشهور , يحب لبها الألم , وتتمخض بها النفس , فتلدها الحسرة فديتُ بنفسي عواطف تتحرَّك في الصدر فتئنُّ لها الجوامد. تذرفها الروح دموعاً من الأنامل فتكفكفها الملائكة بأنفاسها وتجففها بحفيف أجنحتها لتصعدها إلى العرش الأعلى كبخور العفاف أو كبخار ذبيحة الطهر دموعٌ ليست عبرات فردي إلاَّ أبردها ناراً , وأخفها ألماً

стр. 1777

والهف قلبي على شعائر شواعر , يثيرها الشجن فتحمّر الخدود , ثم تنصبُّ في المحاجر كما يصبّ الصبح الندى في أفواه الصدَف لتتحوَل إلى قطرات لا تبلغ لآلئ العالم يأسرها عشر ثمنها ويح الحشا من قطرةٍ. لو سقطت على الحجر القاسي لرقَّ وذاب حرقةً أما الفؤاد الذي كان نصيبه من الجهاد لهفةً ودموعاً , فليشرب الكأس حتى الثمالة. عساها أن تبرّد بمرارتها لهيباً أشعله الوجد , ونفخت فيهِ الصبا. ليبكِ بدمع المداد وبمقلة الغمام , مع الصفصاف المستحي والزهرة المائلة إلى الذبول , والنجم السائر إلى الأفول. والقدّ المائل على النحول ليكفّرَ بدمعه عما جناه بحبهِ فكان عليهِ عوضاً عن النعمة نقمة , وعن العذوبة عذاباً. لعل النحيب يروي غليله ويشفي عليله لو لم تخفف الدموع أشجان الروح , وتسكّن أحزان النفس , وتبرّد حسرة الفؤاد. لذابت معها الحياة , وذوت في ربيعها زهرة العمر حلب يوسف توتل الصداقة قال عليّ بن أبي طالب لابنهِ الحسي: ابذلْ لصديقك كلَّ المودّة , ولا تطمئن إليهِ كلّ الطمأنينة , وأعطه كلَّ المؤاساة , ولا تفشِ إليهِ كل الأسرار قال المأمون: الأخوان ثلاث طبقات. طبقة كالغذاء , لا يُستغني عنهُ , وطبقةٌ كالدواء يُحتاجُ إليهِ , وطبقةٌ كالداءِ الذي لا يحتاج إليهِ.

стр. 1778

في حدائق العرب حبُّ الوطن قال عُمر بنُ الخطّاب: لولا حبُّ الوطن لخرب بلدُ السوءِ. وكان يُقال بحب الأوطان , عمرت البلدان وقال جالينوس: يتروَّحُ العليل بنسيم أرضهِ , كما تتروَّحُ الأرضُ الجدية ببلّ المطر وقال بقراط: يداوي كلُّ عليلٍ بعقاقير أرضهِ , فإن الطبيعة تنزعُ إلى غذائها. ومما يؤكد ذلك قول إعرابي وقد مرض بالحضر , فقيل لهُ: ما تشتهي؟ - فقال: مخيضاً رويّاً , وضبّاً مشويّاً وقيل: أحفظ أرضاً أرسخك رضاعّها , وأصلحك غذاؤها , وارعَ حمى اكتنفك فناؤه وقيل: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى أوطانها مشتاقة , وإلى مولدها توَّاقة وحدّث بعض بين هاشم , قال: قلت لإعرابي: من أين أقبلت؟ - قال من هذه البادية. قلت: وأين تسكنُ منها؟ قال: بساقط الحمى , حمى ضرّية , ما إن لعمر اللهِ أُريد بها بديلاً , ولا ابتغي عنها حولاً , حفّتها الفلوات , فلا يملولحُ ماؤها , ولا تحمى تربتها , ليس فيها أذى ولا قذى ولا وعكٌ ولا موم؛ ونحن بأرفه عيشٍ , وأوسع معيشة , وأسبغ نعمة؟ قلتُ: مما طعامكم؟ قال: بخ بخ الهبيد والضباب والبرابيع مع القنافذ والحيَّات , وربما واللهِ أكلنا القد , واشتوينا الجلد , فلا نعلم أحداً أخصب منا عيشاً؛ فالحمدُ للهِ على ما رزق من السعة , وبسط من حسن الدعة.

стр. 1779

وقيل لأعرابي: كيف تصنع بالبادية , إذا انتصف النهار , وانتعل كلُّ شيء ظلَّهُ؟ فقال: وهل العيش إلاَّ ذاك , يمشي أحدنا ميلاً , فيرفض عرقاً كأنهُ الجمان , ثمَّ ينصبُ عصاهُ ويلقي عليها كساهُ , وتقبل الرياحُ من كل جانب فكأنهُ في إيوان كسرى. وقيل لآخر: ما الغبطة؟ قال: الكفاية , ولزوم الأوطان , والجلوس مع الإخوان , وقيل: فما الذل؟ قال: التنقٌّل في البلدان , والتنحي عن الأوطان. وكان يُقال: الغريب عن وطنهِ ومحل رضاعهِ كالغرس الذي زايل أرضهُ , وفقد شربهُ , فهو ذاوٍ لا يُثمر , وذابل لا ينضر. . . والجالي عن مسقط رأسهِ كالعير الناشر عن موضعهِ الذي هو لكل سبعٍ فريسة , ولكل كلبٍ قنيصة , ولكل رامٍ رمية وقال الشاعر: نقّلْ فؤادك حيث شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلاَّ للحبيبِ الأولِ كم منزلٍ في الأرض يألفُهُ الفتى ... وحنينُهُ أبداً لأول منزلِ عن الجاحظ المتوفي سنة ٢٥٥هـ=٨٦٨م خواطر لكارمن سليفا ملكة رومانيا الحالية سيمّون غالباً سليم الطويّة مَن ليس بذي عقل نبيه! متى وُجد المر في حالة محزنة ومركز حرِج غلبت على لسانه الترَّهات. ألا ترى أن الكلب يعوي متى خاف ذوو العقول يحجبهمٍ ذوو العظمة كما تُحجَب النجوم أمام الشمس!

стр. 1780

أندية الأدباء الحرة نعت الماتين إلى قرائها , في أحد أعدادها الأخيرة , قهوة من قهوات باريس المعدودة وهي القهوة الانكليزية وقالت أن أعضاء الجوكي كلوب حضروا احتضارها واحتفلوا تحت رئاسة البرنس يواقيم مورات بتابيتها وعزى بعضهم البعض على تصرم أنفاسها ثم ودعوها الوداع الأخير بأن شربوا مئات من زجاجات الخمور التي طال عليها القدم منها ما يرجع عهد عصيره إلى سنة١٨٧٤ وإلى سنة ١٨٦٥ وإلى سنة ١٨٥٨. ومن غريب الاتفاق , أنني بعد مطالعة هذا النعي , أتاني صديق من زبائن الاسبلندد بار وقال: البقية في حياتك! فقد عزمت شركة استين على استئجار نصف عمارة الخاصة الخديوية المشرقة على شارع كامل فتصبح الاسبلندد بار , وهي محط رحال الأدباء ورجال القلم , أثراً بعد عين!! فأخبرت صديقي بنبأ الماتين عن القهوة الانكليزية وقلت له: إذا صحَّ خبرك فليست الاسبلدد بار أول نادٍ حر للأدباء تذهب بهِ الأيام أو ينطوي ذكره ولا يخلد له خبر. وربما لا يوجد الآن في مصر عشرة يذكرون قهوة انطون وهي قهوة خشية كانت مجمعاً للأدباء والمشتغلين بالسياسة والفلسفة في أواخر أيام إسماعيل. ففيها جلس جمال الدين ومحمد عبده وسليم تقلا وتحت ظلال أشجارها غرست أول بذرة لفك الشرقيين من قيود الاستعباد الفكري. وبقيت ملتقى لذوي الأفكار الناضجة حتى عهد الثورة العرابية. ثم تحوَّلت ندوة للمغنى والرقص البلدي وأنشئت في مكانها عمارة بنك الكريدي ليونيه الحاضرة. ورغب الكثيرون من أهل الأدب , بعد الاحتلال الانكليزي , عن السياسة وتفرغ رجال النهضة الأدبية إلى الأدب الخالص فاتخذوا قهوة كتكوت بشارع

стр. 1781

المشهد الحسيني محبطاً لرحالهم فكنت ترى في هذه القهوة البلدية الشيخ الشنقيطي الكبير , والشيخ حسن الطويل , وسلطان بك محمد - أيام كان شيخاً معمعماً - والشيخ محمد النجار , ومحمد أفندي أبا الفضل , والشيخ أحمد القوصي , والشيخ عبد الرحمن قراعة , والشيخ سيد المرصفي وغيرهم. وكانت مجالسهم الليلة في هذه القهوة مجالس أدب راقية يتناشدون فيها الشعر وينثرون درر النثر , ويتنقلون في رياض الأدب والتاريخ والمنطق من القديم إلى الحديث. ثم فرقت بينهم أيدي الحدثان فمات البعض واشتغل البعض بشؤون الحياة وأصبحت قهوة كتكوت وقد خلت جوانبها من ذوي الألباب والفطن. وانشقّ أساتذة مدرسة دار العلوم وطلبتها عن إخوانهم طلبة الزهر الشريف فتألفت من أولئك حلقة جديدة في قهوة باب الحلق كان رعماؤها الشيخ أحمد مفتاح والشيخ الحملاوي والشيخ محمود أبو النصر والشيخ محمد المهدي يحيط بهم عدد من الأنصار والمريدين من تلاميذ المدارس العالية وطلبة مدرسة المعلمين الناصرية. ثم تغلب الاشتغال بالسياسة على النظر في الأدب فكانت عمارة متاتيا الواقعة إلى جانب لبوستة والمحكمة المختلطة مثابةً لرجال القلم. فكان يجلس في طرفها المدعو القهوة العمومية الشيخ عبد القادر المغربي وعبّد الحميد أفندي الزهراوي والمرحوم حسين وصفي رضا - أخو صاحب المنار - وأمام العبد والشيخ محمد الشرباتلي وعهدنا بالأخر ليس بعيداً: فقد كان يحرّر في القهوة كل يوم أربع أو خمس جرائد أسبوعية فيأتيه صاحب إحدى هذه الجرائد ويدفع له الأجرة فيقوم بعد ساعة ومعهُ كتابة تزيد على حاجة جريدته. واحتلَّ القسم الأوسط المسمى قهوة جراسمو المرحوم إبراهيم بك المويلحي وإلى جانبه أحمد أفندي فؤاد صاحب الصاعقة وحافظ بك إبراهيم - قبل أن يضع رواية البؤساء ومحمود أفندي واصف. واستأثر بقهوة اسطنبول - في عمارة متانيا أيضاً - كتّاب الترك الأحرار

стр. 1782

الذين نفتهم الحكومة العثمانية في عهد عبد الحميد ففيها كتب محمد أفندي قدري - الكاتب التركي العربي الشهير - وأحمد بك سيد - ناظر الضربخانة العثمانية سابقاً - وصاحب ميزان أبلغ رسائلهم التي هزّوا بها أركان السلطنة العثمانية وفيها بدأ السيد عبد الرحمن الكواكبي يبث آراءه الحرة في إصلاح الشرق وأهله. واتخذ بعض الأدباء السوريين قهوة مصوبع بالفجالة محلاً مختاراً لاجتماعهم وكان يرأس هذه الاجتماعات الأستاذ إبراهيم أفندي الجمال ويحضرها المرحوم ميشيل الحكيم وإبراهيم أفندي النجار والمرحوم خليل الجاويش وأخوه نجيب أفندي الجاويش فيقصون ساعة ظهر كل يوم إلى جانب البنك فيتناولون الابريتيف ممزوجاً بما رقَّ وراق من بدائع المنثور والمنظوم. وراقت قهوة الشانزيليزيه في عيني حضرة العالم الفاضل صاحب الهلال ولكنهُ أبي أن يختلط بزبائنها فألف له حلقة من الأدباء وبعض كبار موظفي الحكومة الذين يميلون إلى الأدب والأدباء. فكان يحضر جلستهم كل ليلة سليم بك باخوس مدير الأموال المقررة في محافظة مصر وعزيز بك أبو شعر الموظف في نظارة الأشغال وحبيب بك دبانة من كبار موظفي المالية سابقاً ونعوم بك شقير مدير قلم التاريخ في نظارة الحربية. وكان يتردَّد إليهم من حين إلى آخر الشيخ يوسف الخازن ونجيب أفندي مشعلاني وأخوه تسيب وأنطوان الجميّل وأمين تقي الدين وولي الدين بك يكن وسليم أفندي سركيس. ومع أن القهوة عامة فإن الغرف التي حجزت لهذه الفئة المباركة لم يكن يجسر على ولوجها غير أصدقائهم ومن يدعونهم لمشاركتهم في مباحثهم الأدبية الرائقة. وكانت المحروسة بار معروفة لسنوات خلت بأنها مؤتمر عصبة شاعر امير أحمد بك شوقي. وكان شوقي نقطة الدائرة ويزين المكان بجانبه خليل المطران ويحيط بهم عشرات من أدباء المصريين ورجال القلم الفرنسويين وفي مقدمتهم كاستنر وكولورا وغيرهما فيقرعون الكاس بالكاس ثم ينصرف كلٌّ إلى مكتبته

стр. 1783

ويمتشق قلمه لمحاربة زميله الذي شرب معهُ المدامة سائغة!! وزهت دولة التمثيل والممثلين تحت زعامة المطرب المبدع الشيخ سلامة حجازي فعمدوا إلى باربريكلي أمام مرسح اسكندر أفندي فرح فلم تكن تقع العين في هذا البار إلاّ على ملحن ينشد دوراً أو ممثلة تراجع فصلاً أو مترجماً ينقل رواية جديدة ففي ناحية فهيم وأبو العدل وعلى مائدة مريم سماط وميليا ديان. وفي منعرج إلياس أفندي فياض وعبد الرزاق بك عنايت وفي غرفة اللعب جماعة آخرون ممن ضايقنهم جلبة زملائهم ففضلوا عليهم كسب أو خسارة بضع قروش في لعبة السبعة ونصف. وأنشأ المسيو اندريا في شارع عابدين قهوة خصصها لطلبة مدرسة الحقوق الخديوية وعنونها باسم مدرستهم فتهافتوا عليها وانضم إليهم جماعة من طلبة مدرسة القضاء الشرعي وبعض طلبة المدارس العالية الذين يسكنون في حي عابدين. فكن الجالس في هذه الندوة لا يسمع إلاّ اسم فوستان هيلي ودالوز ومناقشات فتيان القضاء في الشؤون الأدبية الحاضرة وأحوال السياسية الداخلية. ولبثت هذه القهوة زاهرة بأهلها حتى أنشئ نادي المدارس العالية وعنيت الحكومة بمراقبة التلاميذ ومنعهم عن الاشتغال بالسياسة قم سميت قهوتهم قهوة الحزب الوطني فقهوه وبار القمر ولا يزال الكثيرون من المحامين ورجال النيابة والقضاة الشبان يحنون إلى هذه القهوة ويذكرون بها أحلى أيامهم التي قضوها فيها مشتغلين بالأدب ودرس القانون. وقد اندرست هذه الأندية الحرة بتحوّل الأدباء عنها ولم يبق غير الاسبلندد بار التي يهددوننا بزوالها بعد أن رنت في ساحتها أصوات الأدباء وأهل السياسة عشرين سنة متوالية ولم ينصفها أحد بكلمة قبل حضرة الكاتب الفاضل اسكندر أفندي شاهين رئيس المحرّرين في جريدة الوطن أو بعده إذ كتب عن جمعيتها مقالة في مجلة سركيس منذ سنة هي كل ما أُرخت بهِ هذه الندوة السياسية الحرة. توفيق حبيب

стр. 1784

ثمرات المطابع ما كان أهنأني وأسعدني ... لو كان ينفعُ معشري قلمي أنا لي فؤادٌ لا أُنزّهُهُ ... لكن يراقبُ ما يقول فمي ولي الدين يكن التجاريب - كتابٌ عني بطبعهِ ونشرهِ حضرة الفاضل فؤاد أفندي مغبغب , وهو مجموعة مقالات اجتماعية خطّها يراعُ أديبٍ من خيرة أدباءِ العصر ,

стр. 1785

وأنزههم قلماً , وأمضاهم بلاغةً , عنينا به ولي الدين بك يكن الكاتب المشهور , وصديق قرّاء الزهور. التجاريب تكاد تكون صفحةً من الصحائف السود ولم ينسَ القرّاء ما في الصحائف السود من تنهدات وزفرات تأخذ بمجامع الفؤاد , وتحرّك كامن العواطف. في هذه وفي تلك , كما في المعلوم والمجهول أنّهُ رجلٍ حرّ صادق , يردّد صداها قلم شاعرٍ ملَكَ أسرار البلاغة واستسلمت له عرائس المعاني. ولكنَّ الشاعر في التجاريب كثيراً ما يشفُّ عن الوطني الذي يتألم مما آل إليه وطنهُ المفدَّي , ويحاول أن ينزل إلى ميدان السياسة ليناضل عن حوزتهِ. ما جرى قلم وليّ الدين قط إلاَّ بما خفق بهِ قلبهُ وتحرَّك له لبُّهُ , وهذا سرُّ تأثير كتاباتهِ. أقرأ مقدمة مؤلفهِ الجديد تفهمَ بعض ما يخالج ذلك الصدر. وهاك المقدمة مكتوبة بخط يده. مقدمة المؤلفَّ بخط يده كل ما يتعلمه المرء من حوادث الأيام تجربة. وما يستفيد التجربة مستفيدها إلا وقت امتلكها بشيء يخسره من الأمل. ولو كنا نعني بتقيد الغطات وهي أقمع ما بقي مفاضت من الكتب الضجة وسالت. ولكن ما يسلم من النسيان قليل وفي ذاك القليل ذكرى إذا استعادها المرء وجد راحة في استعادتها. هذه آلام مصورة وشكاوي متجسدة. هذه هدية العداد المطروح إلى الأفئدة المقروحة. أن للأفئدة منجيا تتفارق في تتألف إذا لم تنفع اليوم تنفع عدا.

стр. 1786

فنشكر صاحب التجاريب على هديتهِ , ونحن واثقون أن فيها النفع الجزيل لكلّ من يطالعها , وأن كلّ أديب يحبُّ الأدب وذويه سينافس بإقتنانها وهي خير مقتنى. سرّ تطوُّر الأمم - إذا سألتَ عن إفراد رجال القانون والقضاء والتشريع في مصر , يُذكر لك في مقدمة من يُذكر سعادة أحمد فتحي باشا زغلول المحامي فالقاضي فوكيل نظارة العدل. وإذا سألت عن نخبة المؤلّفين والكتّاب الاجتماعيين الذين أفادوا بلادهم بما كتبوا وسطّروا , يُورد لك , في طليعة الأسماء اسم أحمد فتحي زغلول , صاحب سرّ تقدم الانكليز السكونيين وروح الاجتماع وسرّ تطوُّر الأمم الخ. وعندما سألنا , في السنة الماضية , جمهور القراء عن نوابغ مصر الأحياء , ورد ذكر فتحي زغلول في جملة هؤلاء النوابغ. فكلُّ ذلك ينبئ عن قدر الرجل وفضله واجتهاده , وعن تقدير الأمة والحكومة لخدماتهِ الجليلة ولصفاتهِ العالية. وآخر أثرٍ أتحف بهِ سعادتهُ عالم المطبوعات هو كتاب سرّ تطوُّر الأمم لواضعهِ الكاتب الاجتماعي الدكتور جوستاف لوبون وقد تناول فيهِ أبحاثاً خطيرة وموضوعات جليلة فبحت في مذاهب المساواة في العصر الحاضر وروح التاريخ , وطباع الشعوب النفسية , وظهور أخلاق الأمم في عناصر مدنيتها , وتاريخ الأمم باعتباره مشتقاً من أخلاقها؛ وتحوُّر صفات الأمم بتأثير المبادئ والمعتقدات الدينية , وتحلُّل الخُلق وسقوط الأمم إلى غير ذلك من الأبحاث الاجتماعية التي باتت تشغل الخواطر وتستوقف أبصار المفكّرين. وقد نشرنا في غير هذا المكان من هذا الجزء فصلاً يدلُّ على نمط الكتاب وأسلوب المترجم.

стр. 1787

قال حضرة الكاتب المفكّر أحمد لطفي بك السيد في فصل كتبه في الجريدة عن الكتاب الذي نحن بصدده أنهُ عاد فتحي باشا في منزله وقد أبلَّ من انزعاج ألمَّ بهِ فوجده في مكتبهِ بين أوراقهِ ومحابره مشتغلاً بوضع شرح للقانون المدني المصري , فسأله: أيهذا ترتاض يا سيدي الباشا؟ فقال: هذه رياضتي وأشار إلى كتاب سرّ تطوُّر امم. فرجلٌ هذه رياضتهُ وهو على ما يعرفهُ الناس في مركزٍ يشغل معظم وقتهِ ويستغرق عمله الجهد العظيم لجديرٌ باحترام الأمة التي يخدمها بأمانةٍ وعقلٍ ونشاط. تاريخ الصحافة العربية - من الأعمال الشاقة على المؤرخ كتابة تاريخ صادق عن الصحافة العربية. وقد طالما بحث الباحثون في هذا الموضوع ولكنهم لم يفوهُ حقهُ , ولا محَّصوا أخباره , لكثرة ما اعترضهم من المصاعب فإن الصحف التي ظهرت في بدء النهضة الحالية قد أمست اليوم نسياً منسيّاً ومات أكثرها بموت أصحابها فلم تحفظها مكتبة , ولا أَّخرها أديب. لذلك حاول حضرة الوجيه الفاضل الفيكونت فيليب دي طرَّازي أن يكتب هذا التاريخ غير مكترث لتلك العقبات فنقَّب كثيراً وبحث مُجدّاً حتى توفَّق إلى معرفة ما فات غيره من الحقائق فوضع التاريخ المذكور وهو يحتوي على أخبار كل جريدة وكل مجلَّة عربية ظهرت في العالم حتى يومنا الحاضر , مع جملة حسنة من صوَر أصحابها ومنشئيها وكتَّابها , وشفع ذلك كله ببيانات وافية عن حياة كل جريدة ونزعتها السياسية أو خطئها الأدبية فكان مؤلَّفه هذا أشبه بقاموس يُرجع إليهِ , ويستفاد بهِ. وبين أيدينا الآن الجزء الأول منهُ وهو يقع في ١٥٠ صفحة مطبوعة طبعاً جميلاً. فنثني على الكاتب أحسن الثناء ونتمنى أن يقدّر الأدباء عمله قدره فيكون لكتابه ما يستحقه من الرواج.

стр. 1788

القواعد الجلية في علم العربية - هذا الكتاب لواضعهِ المفضال حضرة الأب حبرائيل أدّه اليسوع من أشهر الكتب المدرسية في علمي الصرف والنحو. وقد درس فيهِ قواعد العربية عددٌ كبيرٌ من الناشئة وعرفوا سهولة أسلوبهِ وحسن ترتيبهِ. وقد أعاد طبعهُ الآن حضرة العالم الأب خليل أدّه وأبرزه في حلة جديدة من حيث التقسيم والضبط فزاد في جلائهِ وضبطهِ وزقّهُ إلى تلاميذ الصفوف المختلفة في ثلاثة أجزاء جميلة الشكل , متقنة الوضع , مثل كلّ ما تصدره مطبعة الآباء اليسوعيين. دمعة القلم - جمع تحت هذا العنوان حضرة الفاضل حنا أفندي نقّاش ما قاله الأدباءُ ونظمهُ الشعراء في رثاء الوجيه المحسن المرحوم جورج كرم أحد أعيان السوريين في الإسكندرية وكلها تدلُّ على ما كان للفقيد الكريم من المكانة والمنزلة السامية في قلوب عارفيه على اختلاف طبقاتهم. من أمير إلى سلطان - رسالة قدَّمها المغفور له البرنس مصطفى فاضل باشا إلى السلطان عبد العزيز سنة ١٨٦٦. وهي تتضمن آراء في إصلاح المملكة العثمانية مبنية على نظريات صادقة واختبارات شتى ترجمها إلى العربية سعادة أحمد فتحي باشا زغلول ونشرتها مطبعة المعارف. وهي من الرسائل التي يجدر بالقراء مطالعتها في الآونة الحاضرة. ثلاثة تُكبّر الإنسان عما هو: الرزانة والكرم والعفو وثلاثة تُبقي الإنسان على ما هو: التشبث بالرأي , والاحتفاظ بالفوائد , والبعد عن النصيحة وثلاثة تصغّر الإنسان عما هو: البخل والأنانية واللؤم.

стр. 1789

أزهار وأشواك مصائب قوم قرأتُ في الجرائد أنّ فريقاً من أقارب غرقي الباخرة تيتانيك التي يذكر القراء خبر غرقها منذ مدة في لجج الأوقيانوس ينوون أن يقاضوا الشركة أمام المحاكم ويطالبوها بالتعويض المالي. ويبلغ مجموع ما يطلبون ثمانية ملايين ريال أو أكثر. وفي مقدمة المطالبين بالتعويض - بل المطالبات لأن الأكثر نساء - مسز هريس فإنها تطلب ٢٠٠ ألف جنيه مقابل غرق قرينها و ٥٥٠٠ جنيه قيمة الأمتعة التي فقدتها هي وفي جملتها عقد من اللؤلؤ ثمنه ألفا جنيه. ومنهنَّ مسز كاريزا تطالب بمبلغ ٣٥ ألف جنيه ثمن ما فقدت من الملابس والحلي: بينها ماسة قرنفلية اللون قيمتها أربعة ألاف جنيه , ودبابيس لبرنيطتها قيمتها مئة جنيه , وجونلاَّ بيضاء قيمتها ١٩ جنيهاً!! ومنهنَّ مسز ملْت تطالب بمبلغ ٢٠ ألف جنيه ثمن قرينها المفقود. ومسز فوتريل تطالب بمبلغ ٦٠ ألفاً ثمن قرينها أيضاً وبمبلغ ٢٠ ألفاً ثمن صورة بالزيت تمثّل جركسية في الحمام وبمبلغ ١١ ألف جنيه ثمن ١١٠ ألاف قدم من الرقوق التي تطبع الصور المتحركة عليها. ومنهنَّ الكونتس روذس تطالب بألفي جنيه مقابل أمتعتها الشخصية منها خاتم ماس ثمنه ٢٠٠ جنيه. وبين أصحاب القضايا رجل وامرأته يطالبان بمبلغ ٣٠ ألف جنيه عن ابن فقد هو وقرينته وأولاده كلهم. صدق والله الشاعر القائل: بذا قضتِ الأيام ما بين أهلها ... مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ

стр. 1790

من وليّ الدين بين ولي الدين بك يكن وصاحَبي الزهور ألفةٌ بلا كلفة. وقد دارت بينهم مراسلة لطيفة منذ سافر ولي الدين إلى الثغر الإسكندري. واعقاد صاحب المعلوم والمجهول في رسائلهِ أن يجعل مدير هذه المجلة شخصاً واحداً بأن يشتقَّ لهما اسماً من شطرٍ من اسم هذا وشطرٍ من اسم ذاك. ولعلَّ في هذا الاشتقاق خير ردٍّ على الدكتور وغيرته. ومن محاسن الاتفاق أن وقعت بيدي آخر رسالةٍ كتبها ولي الدين , فأحببت أن أضمها إلى أزهاري لما فيها من عرف الإِخلاص وأريج المودّة الصادقة , قال: رمل الإسكندرية - محطة مظلوم باشا في ٧ مارس سنة ١٩١٣ أخي انطوان تقي الدين أنا أسير الفراش من منذ آخر كتاب أنفذته إليك. وهذا الكتاب أسطّره على ذلك المضجع الخشن. طال أمد السقام وأوحشتني الصحة. ويا ليتني إذ لم أفز بالصحة فزت برقدة يستريح الجسم فيها. لا هذه ولا تلك. أفٍ لأحكام المقدور. قصارى الانتصاف أن أكون لديه صاغراً. مضت لياليَّ كلها في سهادٍ مطّرد. ما عالجتُ النوم مرّة , قرَّبته مني قيد شعرة. أضطجعُ على سريري , وآخذ الكتاب من الكتب أقرأهُ حتى آتي على آخرهِ. ولقد أقرأهُ وأنا لا أفهم ما فيهِ. تلك استعانتي على أهاويلِ الدياجي , استعانة الضعيف بأضعفِ الحيَل. ولقد صبَّحتني اليوم زهورُك وأنا على سريري قائمٌ كأنف عبد الحميد على وجههِ. فإذا الزهور تبشّرنا باستهلال سنتها الرابعة - أطال الله عمرَ الزهور
следующие страницы →