Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
فنشكر صاحب التجاريب على هديتهِ , ونحن واثقون أن فيها النفع الجزيل لكلّ من يطالعها , وأن كلّ أديب يحبُّ الأدب وذويه سينافس بإقتنانها وهي خير مقتنى.
سرّ تطوُّر الأمم - إذا سألتَ عن إفراد رجال القانون والقضاء والتشريع في مصر , يُذكر لك في مقدمة من يُذكر سعادة أحمد فتحي باشا زغلول المحامي فالقاضي فوكيل نظارة العدل. وإذا سألت عن نخبة المؤلّفين والكتّاب الاجتماعيين الذين أفادوا بلادهم بما كتبوا
وسطّروا , يُورد لك , في طليعة الأسماء اسم أحمد فتحي زغلول , صاحب سرّ تقدم الانكليز السكونيين وروح الاجتماع وسرّ تطوُّر الأمم الخ. وعندما سألنا , في السنة الماضية , جمهور القراء عن نوابغ مصر الأحياء , ورد ذكر فتحي زغلول في جملة هؤلاء النوابغ. فكلُّ ذلك ينبئ عن قدر الرجل وفضله واجتهاده , وعن تقدير الأمة والحكومة لخدماتهِ الجليلة ولصفاتهِ العالية. وآخر أثرٍ أتحف بهِ سعادتهُ عالم المطبوعات هو كتاب سرّ تطوُّر الأمم لواضعهِ الكاتب الاجتماعي الدكتور جوستاف لوبون وقد تناول فيهِ أبحاثاً خطيرة وموضوعات جليلة فبحت في مذاهب المساواة في العصر الحاضر وروح التاريخ , وطباع الشعوب النفسية , وظهور أخلاق الأمم في عناصر مدنيتها , وتاريخ الأمم باعتباره مشتقاً من أخلاقها؛ وتحوُّر صفات الأمم بتأثير المبادئ والمعتقدات الدينية , وتحلُّل الخُلق وسقوط الأمم إلى غير ذلك من الأبحاث الاجتماعية التي باتت تشغل الخواطر وتستوقف أبصار المفكّرين. وقد نشرنا في غير هذا المكان من هذا الجزء فصلاً يدلُّ على نمط الكتاب وأسلوب المترجم.
стр. 1787
قال حضرة الكاتب المفكّر أحمد لطفي بك السيد في فصل كتبه في الجريدة عن الكتاب الذي نحن بصدده أنهُ عاد فتحي باشا في منزله وقد أبلَّ من انزعاج ألمَّ بهِ فوجده في مكتبهِ بين أوراقهِ ومحابره مشتغلاً بوضع شرح للقانون المدني المصري , فسأله: أيهذا ترتاض يا سيدي الباشا؟ فقال: هذه رياضتي وأشار إلى كتاب سرّ تطوُّر امم. فرجلٌ هذه رياضتهُ وهو على ما يعرفهُ الناس في مركزٍ يشغل معظم وقتهِ ويستغرق عمله الجهد العظيم لجديرٌ باحترام الأمة التي يخدمها بأمانةٍ وعقلٍ ونشاط.
تاريخ الصحافة العربية - من الأعمال الشاقة على المؤرخ كتابة تاريخ صادق عن الصحافة العربية. وقد طالما بحث الباحثون في هذا الموضوع ولكنهم لم يفوهُ حقهُ , ولا محَّصوا أخباره , لكثرة ما اعترضهم من المصاعب فإن الصحف التي ظهرت في بدء النهضة الحالية قد أمست اليوم نسياً منسيّاً ومات أكثرها بموت أصحابها فلم تحفظها مكتبة , ولا أَّخرها أديب. لذلك حاول حضرة الوجيه الفاضل الفيكونت فيليب دي طرَّازي أن يكتب هذا التاريخ غير مكترث لتلك العقبات فنقَّب كثيراً وبحث مُجدّاً حتى توفَّق إلى معرفة ما فات غيره من الحقائق فوضع التاريخ المذكور وهو يحتوي على أخبار كل جريدة وكل مجلَّة عربية ظهرت في العالم حتى يومنا الحاضر , مع جملة حسنة من صوَر أصحابها
ومنشئيها وكتَّابها , وشفع ذلك كله ببيانات وافية عن حياة كل جريدة ونزعتها السياسية أو خطئها الأدبية فكان مؤلَّفه هذا أشبه بقاموس يُرجع إليهِ , ويستفاد بهِ. وبين أيدينا الآن الجزء الأول منهُ وهو يقع في ١٥٠ صفحة مطبوعة طبعاً جميلاً. فنثني على الكاتب أحسن الثناء ونتمنى أن يقدّر الأدباء عمله قدره فيكون لكتابه ما يستحقه من الرواج.
стр. 1788
القواعد الجلية في علم العربية - هذا الكتاب لواضعهِ المفضال حضرة الأب حبرائيل أدّه اليسوع من أشهر الكتب المدرسية في علمي الصرف والنحو. وقد درس فيهِ قواعد العربية عددٌ كبيرٌ من الناشئة وعرفوا سهولة أسلوبهِ وحسن ترتيبهِ. وقد أعاد طبعهُ الآن حضرة العالم الأب خليل أدّه وأبرزه في حلة جديدة من حيث التقسيم والضبط فزاد في جلائهِ وضبطهِ وزقّهُ إلى تلاميذ الصفوف المختلفة في ثلاثة أجزاء جميلة الشكل , متقنة الوضع , مثل كلّ ما تصدره مطبعة الآباء اليسوعيين.
دمعة القلم - جمع تحت هذا العنوان حضرة الفاضل حنا أفندي نقّاش ما قاله الأدباءُ ونظمهُ الشعراء في رثاء الوجيه المحسن المرحوم جورج كرم أحد أعيان السوريين في الإسكندرية وكلها تدلُّ على ما كان للفقيد الكريم من المكانة والمنزلة السامية في قلوب عارفيه على اختلاف طبقاتهم.
من أمير إلى سلطان - رسالة قدَّمها المغفور له البرنس مصطفى فاضل باشا إلى السلطان عبد العزيز سنة ١٨٦٦. وهي تتضمن آراء في إصلاح المملكة العثمانية مبنية على نظريات صادقة واختبارات شتى ترجمها إلى العربية سعادة أحمد فتحي باشا زغلول ونشرتها مطبعة المعارف. وهي من الرسائل التي يجدر بالقراء مطالعتها في الآونة الحاضرة.
ثلاثة تُكبّر الإنسان عما هو: الرزانة والكرم والعفو
وثلاثة تُبقي الإنسان على ما هو: التشبث بالرأي , والاحتفاظ بالفوائد , والبعد عن النصيحة
وثلاثة تصغّر الإنسان عما هو: البخل والأنانية واللؤم.
стр. 1789
أزهار وأشواك
مصائب قوم
قرأتُ في الجرائد أنّ فريقاً من أقارب غرقي الباخرة تيتانيك التي يذكر القراء خبر غرقها منذ مدة في لجج الأوقيانوس ينوون أن يقاضوا الشركة أمام المحاكم ويطالبوها بالتعويض المالي. ويبلغ مجموع ما يطلبون ثمانية ملايين ريال أو أكثر. وفي مقدمة المطالبين بالتعويض - بل المطالبات لأن الأكثر نساء - مسز هريس فإنها تطلب ٢٠٠ ألف جنيه مقابل غرق قرينها و ٥٥٠٠ جنيه قيمة الأمتعة التي فقدتها هي وفي جملتها عقد من اللؤلؤ ثمنه ألفا جنيه. ومنهنَّ مسز كاريزا تطالب بمبلغ ٣٥ ألف جنيه ثمن ما فقدت من الملابس والحلي: بينها ماسة قرنفلية اللون قيمتها أربعة ألاف جنيه , ودبابيس لبرنيطتها قيمتها مئة جنيه , وجونلاَّ بيضاء قيمتها ١٩ جنيهاً!! ومنهنَّ مسز ملْت تطالب بمبلغ ٢٠ ألف جنيه ثمن قرينها المفقود. ومسز فوتريل تطالب بمبلغ ٦٠ ألفاً ثمن قرينها أيضاً وبمبلغ ٢٠ ألفاً ثمن صورة بالزيت تمثّل جركسية في الحمام وبمبلغ ١١ ألف جنيه ثمن ١١٠ ألاف قدم من الرقوق التي تطبع الصور المتحركة عليها. ومنهنَّ الكونتس روذس تطالب بألفي جنيه مقابل أمتعتها الشخصية منها خاتم ماس ثمنه ٢٠٠ جنيه. وبين أصحاب القضايا رجل وامرأته يطالبان بمبلغ ٣٠ ألف جنيه عن ابن فقد هو وقرينته وأولاده كلهم. صدق والله الشاعر القائل:
بذا قضتِ الأيام ما بين أهلها ... مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ
стр. 1790
من وليّ الدين
بين ولي الدين بك يكن وصاحَبي الزهور ألفةٌ بلا كلفة. وقد دارت بينهم مراسلة لطيفة منذ سافر ولي الدين إلى الثغر الإسكندري. واعقاد صاحب المعلوم والمجهول في رسائلهِ أن يجعل مدير هذه المجلة شخصاً واحداً بأن يشتقَّ لهما اسماً من شطرٍ من اسم هذا وشطرٍ من اسم ذاك. ولعلَّ في هذا الاشتقاق خير ردٍّ على الدكتور وغيرته. ومن محاسن الاتفاق أن وقعت بيدي آخر رسالةٍ كتبها ولي الدين , فأحببت أن أضمها إلى أزهاري لما فيها من عرف الإِخلاص وأريج المودّة الصادقة , قال:
رمل الإسكندرية - محطة مظلوم باشا في ٧ مارس سنة ١٩١٣
أخي انطوان تقي الدين
أنا أسير الفراش من منذ آخر كتاب أنفذته إليك. وهذا الكتاب أسطّره على ذلك المضجع الخشن. طال أمد السقام وأوحشتني الصحة. ويا ليتني إذ لم أفز بالصحة فزت برقدة يستريح الجسم فيها. لا هذه ولا تلك. أفٍ لأحكام المقدور. قصارى الانتصاف أن أكون لديه صاغراً. مضت لياليَّ كلها في سهادٍ مطّرد. ما عالجتُ النوم مرّة , قرَّبته مني قيد شعرة. أضطجعُ على سريري , وآخذ الكتاب من الكتب أقرأهُ حتى آتي على آخرهِ. ولقد أقرأهُ وأنا لا أفهم ما فيهِ. تلك استعانتي على أهاويلِ الدياجي , استعانة الضعيف بأضعفِ الحيَل. ولقد صبَّحتني اليوم زهورُك وأنا على سريري قائمٌ كأنف عبد الحميد على وجههِ. فإذا الزهور تبشّرنا باستهلال سنتها الرابعة - أطال الله عمرَ الزهور
стр. 1791
وعمرَي كاتبيها وصاحبيها. الآن وجبت التهنئة. ولكن هيهات! لا يهبط الإلهام على الشاعر الموجع. أمَّا وصفك لفروق ونوحُك عليها , فقد هزّا روحي هزّا. رعى الله فروق ما أفتنها. هي أوَّل ثغرٍ بسم لوجهي بعد ثغرَي الوالدين. ثمَّ لم ألقَها بعد ذلك إلاَّ باكيةً وباكياً. ائتلفت العناصر فقامت بها الأشياءُ. وقامت فروقُ من عنصر واحدٍ لست أُدري ما هو , ولكنُّهُ عنصر يُظلم عنده الراديوم. كنت أشتاق إلى فروق لمضياع غير أن فروق ناشز لا تدوم على ودّ. ليتها م تكن. وليتها إذ كانت في دون هذا الجمال. عفا الله عنك! أثرتَ شجوني , وأنا أكاد أعجز عن إجالة القلم ضعفاً. ولقد قلت:
ما لهذا السقام لازَمَ جسمي ... حَلّ مني ما بينَ عظمي وجلدي
كلَّ يومٍ أذوبُ شيئاً فشيئاً ... ولقد ذابَ قبلَ ذلك كبدي
فإذا صرتُ في التراب دفيناً ... خبّروا الشعرَ أنهُ ماتَ بعدي
تعبتُ وكنت أودُّ أن لا أتعب , لأحدّثك طويلاً , لأُساجلك الدموع. وأنَّ أمامي لثلاث قصائد كاملة هي هديتي للزهور ولكني لا أستطيع نسخها , وخطها مشوّش. فاصبر , عسى أن تراجع الحياة شاعرها , فيصدقك روايتها , سلامٌ عليك وشكر لك على ما تولبني من العناية. ليس بشاعر. ولكنهُ رصّاص سرَّاق وهو ينسج على منوال الطبقة السافلة من أمثال ابن الفارض من الشعراء الحشَّاشين أو شعراء البديع. وما زال يعانق غصنَ ألبان والأراكِ حتى لواهُ - لواهُ الله!
أكرر سلامي وتحياتي. وافِني بأخبارك سلامتك
أخوك
ولي الدين يكن
стр. 1792
خمسة جنيهات للرافعي
بيتان من الشعر أُعجب بهما الشيخ أحمد آل إبراهيم أحد سراة الهند , فأحب أن يعرف شاعرهما , فسأل عنهُ وديعاً البستاني سميرَه الأديب , فخانتهُ الذاكرة , فسأل صديقتهُ مجلة الزهور فلم توفّق أكثر منهُ , فحوّلت السؤال بدورها إليَّ , فكان حظي من الشاعر حظ من سُئل قبلي , فطرحتُ بالسؤال على قرّائي في جزء سابق , فلم تخب آمالي , لأنّ بين قرَّائي نخبة الأدباء المتضلّعين , وجاءَني الجواب الشافي من أبي السامي مصطفى صادق الرافعي وقد نشرته ص: ٤٩٤ سنة ٣ وضمنتُ له حينئذٍ جائزة من آل إبراهيم. فُحقّقت آمالي للمرة الثانية , وكان حظي من قرّائي الأغنياء حظي من قرّائي الأدباء. فما لبث يريد مصر إن حمل إلى الهند ذلك الجواب حتى وافاني بريد الهند بكتابٍ تضمن الجائزة المؤمَّلة , وهي حوالة بخمسةٍ من الذهب , أدفعها للرافعي حين الطلب. . . بورك في آل إبراهيم الكرام , وبورك في البستاني الصغير , وبورك في الرافعي الأديب , بركة شملتهم جميعاً ولم ينلني منها لا خيرٌ ولا أذى , وإنما حسبي من أبي السامي الرضي. . .
حاصد
ثروة هائلة
تقولُ العربُ في أمثالهم أغنى من قارون. ولكن التاريخ لم ينبئنا عن مبلغ غنى الرجل , لنقابل بين ثروتهِ وثروة ملوك المال في عصرنا هذا: توفي في الشهر الغابر المثري الأميركي الشهير ببير بونت مورغن عن ثروةٍ قلما اجتمعت لرجلٍ , وقد قدَّرتها الدايلي تلغراف بمبلغ يتراوح بين العشرين مليوناً والمئة مليون جنيه , وقالت أن السبب في هذا الاختلاف الكبير في التقدير كون مورغن يملك كثيراً
стр. 1793
من التحف القديمة التي دفع بها أموالاً طائلة كالصورة التي اشتراها بمبلغ ١٠٠ ألف جنيه. فإذا أريد بيعها لم يشترها أحد بذلك المقدار. وقالت أيضاً أن ثروته الخصوصية دون ثروة المسترروكفلر والمستر كارنيجي بكثير ولكن قيمة الشركات والأعمال المالية التي كان يتولاها مورغان تفوق كل ماتولاه إنسان قبله. وقد قدرتها التيمس بمبلغ ألفي مليون جنيه وهو قدر يبلغ عشرة أضعاف الغرامة الهائلة التي دفعتها فرنسا إلى ألمانيا بعد حربها المشهورة. على أن كاتباً في الديلي تلغراف قدَّر تلك القيمة بمبلغ ١٣٠٠ مليون جنيه وقال أن هذا القدر يزيد ٢٠٠ مليون جنيه على الدخل السنوي لأمم الأرض الكبرى وعدتها ٤٣أمة. وهو يزيد ٤٠٠ مليون جنيه على جميع ما في الأرض من الذهب المسكوك نقوداً وغير المسكوك. ولو بدأ إنسان يعد هذا المال من ساعة ولادته على نسبة جنيه في الثانية وبقي يعد ويحسبّ الأيام كلها بلياليها من غير انقطاع لانتهى من العد وهو ابن ٦٣سنة. على أن أعظم من هذا القدر هو قيمة الأعمال المالية التي كان مورغن يتولاها وللمستر روكفلر سهم كبير فيها. ففي السنة الماضية عين مجلس النواب الأميركي لجنة لتحقيق ما لهذه الشركة من التأثير في شؤون البلاد المالية والصناعية. وبعد تحقيق دام عدة أشهر وضعت اللجنة تقريراً قالت فيهَِ أن في أيدي الرجلين ٣٦ بالمئة من ثروة أميركا المتداولة بين الأيدي ومصادرها الطبيعية وقدَّرت قيمة ما تمتلكه هذه الشركة بمبلغ ٧٩٥٠ مليون جنيه. منهُ نحو ٣٠٠٠ مليون قيمة أعمال صناعية. ونحو ٣٤٠٠ مليون قيمة سكك حديد. ونحو ٨٠٠ مليون قيمة بنوك وغيرها من المعاهد المالية. و٢ مليون قيمة مناجم من بترول وغيره. ونحو ذلك قيمة أعمال أخرى. ولبيان عظم هذا القدر تصوَّرْ أن رجلاً شرع يعدُّه على نسبة جنيه في الثانية من عهد موت كرومويل في انكلترا ومزاران في فرنسا لانتهى من عدّهِ في هذه السنة الجارية بفرض أنهُ عاش هذه المدة كلها وطولها نحو ٢٥٠ سنة. ولو شرع في عدّه من الآن لانتهى سنة
٢١٦٣.
стр. 1794
ولما توفي مورغن أوقفت بورصة نيويورك الأعمال حداداً عليهِ خمس دقائق وهذه أول مرة أوقفت البورصة أعمالها هذه المدة الطويلة!! منذ نشأتها إكراماً لرجل من الناس. كان مورغن قليل الكلام كثير الكلف بالإيجاز. قابل إمبراطور ألمانيا فقال: قابلت الإمبراطور فأحببتهُ. أما الإمبراطور فقال فيهِ: لم أجد في حديثهِ دليلاً على أنهُ مدرك تمام الإدراك ما في العالم التجاري من أسباب الائتلاف والاختلاف. وقد أدهشني جهله لتقدم الأمم التاريخي والفلسفي. وليس في سياستهِ الاقتصادية أو اقتصاده السياسي محل للاهتمام بالاشتراكية التي ستصبح عن قريب أعظم المسائل حيثما كان. وقد اعترف بأنهُ لم يهتم بها إلى حد أن يعرف حقيقة ماهيتها تزوج مرتين. ففي الأولى قصد باريز سنة ١٨٥٩ لرؤية خطيبته وكانت مريضة بل مسلولة فامتنعت عن الزواج طبعاً فأقنعها مورغن بأن تتزوجه وقال: أني أدور بك الأرض لتعود إليكِ صحتكِ. فاقترن بها سنة ١٨٦١ وانقطع عن الأعمال وتفرَّغ لعمل كل ما يُحسن صحتها. ولكن ذلك كله لم يجدِ نفعاً , فتوفيت بعد زواجهما ببضعة أشهر. وعاد فأكب على أعماله كعادته ولم يتزوَّج ثانية إلاّ بعد مضي ثلاث سنوات على زواجه الأول. كان مورغن لا يضنّ بدفع الرواتب الهائلة عند الحاجة. وأكبر راتب دفعهُ هو أو غيره إلى مستخدم , ما عدا رواتب الملوك , هو مبلغ خمسين ألف جنيه للمستردوكنيس وكيل المالية المصرية سابقاً والسير كلتون دوكنس فيما بعد. فإنهُ لم يكد يستعفي من مصر ويعين عضواً مالياً في مجلس والي الهند حتى عرض عليهِ مورغن خدمة عنده بالراتب المذكور وضمن له الراتب. فقبل ولكن لم تطل مدة خدمته عنده لأنهُ مات بعد سنوات قليلة من فرط الجهد وتراكم العمل عليهِ.
стр. 1795
دروس
يجب أن نأخذها من النحلة
تعلمنا النحلة:
١ المثابرة على العمل , لأن النحلة لا تتخلّى عن عملها قط
٢ الإخلاص والطاعة , لأن النحل يحب ملكتهُ ويطيعها
٣ محبة الأوطان , لأن النحلة لا تترك بيتها إلاّ للضرورة ولوقت قصير
٤ النظافة , إذ لا أنظف من بيت النحلة وخليتها
٥ الرفق والعطف على الآخرين , فالنحلة لا تترك رفيقة لها في ضيق
٦ وجوب الاستيقاظ باكراً
٧ وجوب التمتع بالهواء النقي
٨ المسالة والمودَّة , فقلما تشاجر النحل
وصايا الحكماء
أيام الدهر ثلاثة يوم مضى لا يعود إليك. ويوم أنتَ فيهِ لا يدوم عليك. ويوم مستقبل لا تدري ما حاله ولا تعرف من أهلهُ
الأبشيهي
اسمان متضادَّان بمعنى واحد: التواضع والشرف. وقيل إذا ارتفع الشريف تواضع وإذا ارتفع الوضيع تكبَّر
القيرواني
سُئل سقراط: لماذا لا تتكلم أجاب: خلق لي أذنان وفم واحد لكيما يسمع الإنسان أكثر مما يتكلم
قال رجلٌ: أصعبُ الأشياء أن ينال المرءُ ما لا يشتهيهِ. فسمع كلامهُ بعض الحكماء فقال: أصعب من ذلك أن يشتهي ما لا ينالهُ
العاملي
стр. 1796
العدد ٣٤ - بتاريخ: ١ - ٥ - ١٩١٣
شاعرية خليل مطران
على راية الفرقة يعلّق القائدُ شارةَ المجد والشرف , عندما يبلي أفراد تلك الفرقة البلاء الحسن في مواقع القتال. . . وفي ميدان النهضة الأبية الحديثة أبلى شعراؤنا بلاءً حسناً , فكأن سمو أفندينا المعظَّم قد علَّق تلك الشارة على رايتهم إذ وضعها على صدر شاعرنا خليل مطران. . . فليهنأ الخليل لواءَ الشعر العصري؛ وليهنأ النيشان الذي حلَّ على صدر يحوي الدرَّ والجوهر؛ وليُحمَد مليكُ البلاد على آلائه وليُشكر. . . . أما بعد. فقد رأيت أن خير ما يصاغ من التهاني في مثل هذا الاحتفال الزاهر هو حديثٌ أُطار حكم إياه , أيها السادة , عن المحتفَل بهِ وعن شاعريته. فأقول:
منشدٌ للغرامِ لم يشدُ إلاّ ... كان إنشادُهُ نواحاً شجيَّا
стр. 1797
شاعرُ كان عمرُهُ بيتَ تشبيبٍ ... وكان الأنينُ فيهِ الرويَّا
إنَّ في نظمهِ لحسّاً لطيفاً ... باقياً منهُ في السطورِ خفيَّا
هي أبيات كتبها خليل مطران على الصفحة الأولى من ديوان الشاعر الفرنسوي ألفرد ده موسه ولا يسع من ينظر فيها إلا أن يقابل بين حالَتيْ الواصف والموصوف , وشعر الأول والثاني , فيجدها تنطبق أتمّ الانطباق على الاثنين: كأن الشاعرَ العربي وصف حاله لما وصف حال الشاعر الإفرنجي. . . من المعروف أن لحياة الكاتب , والمحيط الذي ينشأ ويعيش فيهِ تأثيراً كبيراً في كتابته. ويرى على ذلك دليلاً واضحاً في شعر خليل: دبَّ شاعرنا وشبَّ تحت سماء سوريا الجميلة , بين جبالها وقممها البيضاء , أمام بحرها الصافي وأمواجه الزرقاء , فجاءَ شعره رقيقاً لطيفاً. . . ترعرع وكبر في وادي النيل بين آثار المدينة القديمة وصروحها العظيمة , فكان إنشاده فخماً عظيماً. عاش تارة في القرى والجبال , فتشرَّب حب الفضيلة والطبيعة , فأسمعنا الشعر زاهراً طاهراً؛ وعاش طوراً في المدن , فراعه ما فيها من التعاسة والشقاء , فألقى علينا إنشاده مبكياً زاجراً. قال في مقدمة ديوانه أن القارئ يدارجهُ مدراجةً تمثِّلهُ لديهِ في كل حالة مرَّ بها ولقد أصاب في ذلك , فإن شعره بالحقيقة رسمٌ تمثَّلت لنا فيهِ كل أطوار صاحبه , وارتسمت بين أبياتهِ كل عواطف قلبه , وتأثرات فؤاده. وهذا سرُّ محاسن شعره العديدة. وصف لنا خليلٌ حياته في صبا , بين آثار بعلبك , فتمثلناه:
стр. 1798
نَزقاً بينَهنَّ غرّاً لعوباً ... لاهياً عن تبصُّرٍ واعتبارِ
مستقلاً عظيمها مستخفّاً ... ما بها مِن مهابة ووقارِ
نتبارى عَدْواً كأنا فراشا ... روضة ما لنا من استقرارِ
ثم بعد أن كبر وخاض معترك هذه الحياة نلقاه:
في هجرةٍ لا أنسَ فيها ... للغريب ولا صفاء
تتقاذفُ الآفاقُ بي ... قَذْف العواصف للهباء
وتُحيطُ ب يلججُ الصروف ... فمن بلاءِ في بلاء
وهكذا يمكننا أن ندرس حياة خليل شطراً شطراً , من مطالعة ديوانه سطراً سطراً. قلنا أنه عاش بين جمال الطبيعة ومظالم البشر؛ وهذا ما قوَّي فيهِ الخيال والشعور. ومعروفٌ أن هاتين القوّتين هما جناحا الشاعر يحلّق بهما إلى أعلى سماء الشعر؛ ويأمن تهشمهما إذا كان العقل رائدهُ في حياته العلوية. وقد قال في مقدَّمة ديوانهِ إنّ شعره هو شعر الحياة والحقيقة والخيال أي أنَّ الذي أوحاهُ هو الحسُّ والعقل والمخيَّلة. وهذا هو التقسيم الذي نتبعه في درس شعره:
١ - الخيال:
هو أقوى قوانا العقلية لأنه وحده القوة الفاعلة الموجدة , وسائر القوى , كالحس والحافظة والعقل , ليست إلا قوى مفعولة تتأثر وتعمل بما يطرأ عليها. وإذا كان الشعر كما حدَّه مرمونتل صورة تتكلم أو كلاماً
стр. 1799
يصوِّر وهو كذلك , يكون الخيال شرط الشاعرية الأول. وقد قيل: الشعر هو ابنُ البكر. وبفضل هذه القوَّة يفوق الشاعرُ المصوِّرَ , لأنه بكلمة واحدة كثيراً ما يمثِّل لنا مشهداً يقتضي تصويره ألواناً مختلفة وتفاصيل متعددة. وكثيراً ما رأينا خليلاً أدقَّ تصويراً وأبلغ رسماً من أمهر المصوّرين , فإذا وصف مثلاً الجنديّ الجريح وقائده يقلّدُهُ وساماً , قال:
. . . . فقلَّده وساماً ... وكلُّ جراحةٍ فيهِ وسامُ
وإذا كانت نفسهُ مثقلةً بالهمّ , يرى ذلك الهم
. . . . كبحرٍ ... ضمَّ في جوفهِ البعيد غريقاً
وإذا شكت عينهُ المسَّهدة طول الليل , فهي:
تحسب السرجَ في حشاهُ قروحاً ... وترى الشهبَ في سماهُ حروقا
وهذا بيتٌ تكاد تكون كلُّ كلمةٍ فيهِ صورةً حسية
وإذا تبسم أمامه عبدٌ يرى ابتسامهُ ... . . . . . مثل وميضٍ في حالكٍ مسودّ
ويرى الليلة الجميلة:
أشبهَ بالجاريةِ الغراءِ ... في حلةٍ شفافةٍ سوداءِ
وإذا تمثَّل الشمسَ منيرةً في كبد السماء , تصوِّر له مخيلتهُ المتقدة هذا المنظر تصويراً يعجز عنه قلم المصوّر , فيقول:
تبعثُ الشمسُ باهرات شعاعٍ ... تغتدي بانحدارِها شبهَ رُبدِ
فهي في الأفق تارةً مسحاتٌ ... من بهارٍ وتارةُ نثرُ وردِ
стр. 1800
وهي بين الغصون نسج دقيقٌ ... من نضارٍ يشفُّ عن لازوردِ
وإذا خاطب الغادة الحسناء , قال لهما:
أنتِ ابتسامٌ صيغ في قطرةٍ ... من الندى في قَبَسٍ من صباح
وإذا رأى قرطين حلقاً في أُذن تلك الحسناء تصوَّرهما دُرّاً جرى من صَدَف
وإذا رآها مكللةً بزهر الفل أعجب بالورد يحمل فلاَّ
وإذا كانت تلك الغادة مقبلة رآها:
. . . . كالغصنِ أثقلهُ الجني ... فمال قليلاً واستوي متقوّما
وإذا وصف الصبية اللعوبَ الطروب , قال فأبدع وصفاً وتشبيهاً:
ضحّاكةٌ كالنَورِ في الزهَرِ ... رقاصةٌ كالغصن في الوادي
كرَّارةٌ كنسيمة السحرِ ... ثرثارةٌ كالطائرِ الشادي
وهل تكون مثل هذه الفتاة إذا نزل بها همٌّ إلاَّ:
كطائرٍ راقَهُ غديرٌ ... فرقَّهُ جانحاً وطارْ
وإذا عبث لهواء بشعرَها قال:
وتناثرت ضُفرُ الفتاةِ غمائماً ... سترت عن الأبصار طلعة نجمها
وإذا وصف الولد الذي لا يقرُّ له قرار. قال:
كزهرة روض تمرُّ بها ... فتقلقها النُسُمُ السائره
وإذا تكلم عن السفن الحربية المائسة على ظهر البحار وصفها كالجنّ في جدِّ العواصف
تلعب وإذا وصف سلطة الملك صاحب الشوكة والاقتدار , قال:
стр. 1801
أنت الرجاءُ فأي شيء ترتجي ... والروعُ أنت شيء ترهبُ
والملكُ جسمُ أنت فيهِ هامةٌ ... ويداك مشرقُ شمسهِ والمغربُ
أو قال أيضاً فأجاد:
وكأنَّ درَّة سيفهِ عينٌ ترى ... ما تحت قائمِ سيفهِ آجالا
فما أبلغ هذه الاستعارات والتشابيه وما أجمل!
وإذا وصف جبلا مزحلقاً صوَّره:
كثيرَ الثلوم كأنَّ الفتى ... إذا زلّ يهوي على مبردِ
وهو بيتٌ من قصيدةٍ عصماء عنوانها فتاة الجبل الأسود فيها من الوصف الفتان ما شاء الخيال وشاءَ التفنن. من ذلك أنه عندما يصف جمال الفتاة وهي بارزة إلى ساحةِ القتال لا يصفهُ كما وصف جمال غيرها من الحسان , بل يراعي مقتضى الحال , ويستعير كل صوره من التعابير الحربية , فيقول:
لهيبُ الحروبِ على وجنتيهِ ... والنقعُ في شعره الأسودِ
وفي عينهِ مثلُ برقِ السيوفِ ... وظلُّ المنيّةِ في الأثمدِ
وعندما تنكشف حقيقة هذا الفتي - أو بالأحرى هذه الفتاة - فتكشف عن صدرها أمام قائد الأعداء , يُبدع خليل في وصفها أيما إبداع إذ يقول:
وأبرز نهدَي فتاةٍ كَعابٍ ... بطرفٍ حّيي ووجهٍ ندي
كَحُقَيْ لُجيَنٍ بقفلَي عقيقٍ ... وكنزين في رَصَدٍ مرصدٍ
فكبَّر مما رآهُ الأميرُ ... وهلّل كلٌّ من الشُهَّدِ
стр. 1802
وراعَهَمُ ذانك التوأمان ... وطوقاهما من دم الأكبدِ
ورثبُهما عند ما أُطلقا ... إلى ظاهر الدرع والمجسدِ
كوثبِ صَغار المها الظامئاتِ ... نفرْنَ خفاقاً إلى موردٍ
ويطول بنا المقال لو جئنا على ذكر كل ما توحي المخيلة إلى شاعرنا من لطائف الابتكار. وله قصيدة شهيرة في وصف بعلبك هي مجمع الصوَر وملعب الخيال. وقد جعلتهُ بحقٍّ يسمى شاعر بعلبك والأهرام وبالإجمال فإن خيال خليل يزين ويحسن ويحلي كل ما تقع
عليهِ أبصاره , فيحقُّ له أن يقولَ كما قال لعروس شعره:
وأبدلُ نور الشمس ما شاءتِ المنى ... عقيقاً وتبراً ساكباً ونضارا
وأنظمُ من زُهر الدجى لكِ خاتماً ... وتاجاً وعقداً فاخراً وسوارا
وأصنعُ نوطاً باهراً من هلالها ... وأنسج من غزل الضياء دثارا
وهذا الذي وضع خليل في مقدمة شعراء الطبقة الأولى في الوصف. أما في الشعر القصصي والخطة التي اختطها للنظم العربي في هذا الباب , فاقرأوا عين الأم ونابوليون الأول وليمون يوسف أفندي وحكاية شاعر وشهيد المرؤة والعصفور والعقاب ومقتل بزرجمهر والطفلة البويرية وحكاية عاشقين والجنين الشهيد الخ تروا المقام المرء شاعراً. إذ يكون نظمهُ والحالة هذه بارداً جامداً , نرتاح إليهِ ونجد فيهِ بعض البهجة , لكنهُ لا يحرّك فينا ساكناً ,. ولا يثير شعوراً كامناً , كما نرى ذلك في شعراء الوصف؛ فإن هناك ركناً آخر يقوم عليهِ بيت الشعر وهو الحس أو الشعور.
стр. 1803
٢ - الشعور
قال خليل مطران في مقدمة ديوانه: وليس أكثر شعري هذا بين الطرس والمداد إلاَّ مدامع ذرفتها , وزفرات صعَّدتهاو وقطع من الحياة بدَّدتها؛ ثم نظمتها فتوهمت أني استعدتها. وهكذا يتحقق لنا قوله الأول أن شعره ليس فقط شعر خيال. بل هو أيضاً شعر حياة ومن القول ما يؤثر في النفس وأنّ خلا من كل صورة , لأنهُ صورة الحياة الحقيقية. وفي شعر خليل الشيء الكثير من هذا القبيل. كقوله مثلاً في مشاكاة وهي من أوليات قصائده:
أرى مثل سهديَ في الكوكبِ ... أحلَّ بهِ مثلُ ما حلَّ بي
يهيمُ هياميَ من وجدهِ ... ويهربُ من مهدهِ مهربي
ونجتازُ من هذا الفضاَء الرحيبَ ... إلاَّ بنا فهو لم يرحبِ
فيا نجمُ ما النارُ تُفني حشاكَ ... وما سيلُ مدمعك الصيّبِ
أسِرَّ هواكَ إلى صاحبٍ ... يؤاخيك في همك المنصبِ
أما كلُّ ذي كلفٍ متعب ... شريكٌ لذي الكلفِ المتعبِ
فهذه أبيات كلها رقةٌ وشعور على خلوّها من الصوَر وأساليب البديع. وأن في المواضيع الشعرية المبتكرة التي طرفها خليل لبرهاناً واضحاً على شعورٍ كبير مقرون بخيال حادّ.
فالحادثة البسيطة تُهيج عواطفَهُ وتثير أشجانهُ. فينظمها ويجيء نظمُها محرّكاً عواطف قارئهِ مهيجاً أحزانه. اسمعهُ يتكلم عن مهد الطفل تظنهُ الأم الحنون:
стр. 1804
ويهزُّهُ خفقُ الفؤادِ ... على مناجاةِ الضمير
وإذا سمع ذاك الطفل يناغي في مهده , فضَّل مناغاته على هديل الطيور وتغريد البلابل:
. . . . . . . . . . . فكلما ... أنشدَ علّم الطيورَ النغما
وجمعَ الأملاك حول المهدِ ... يُسمعها شدوَ المنى والسعدِ
هو يشعر بالألم فيصوّر لنا الفؤادَ المتألم:
كشلو بأنياب الهمومِ مبضَّعِ
ويدري أي تأثير يصيبُ القلب المجروح فيمثّل عواطفهُ المكسورة
كجرحٍ قد ألطّفُهُ بلمسي ... وإن هو مسَّهُ غيري أُضامُ
هو يفهم قيمة الدمعة التي قال لامرتين أن فيها من الشعر أكثر مما في دواوين الشعراء , فيمثّل لنا الدموعَ غاسلة كل إثم , مطهرة من كل دنس. وهو ذاق من الحب حلوهُ ومرَّهُ فيمثّل لنا الحب تارة غاية الحياة , وطوراً الباعث على كل أمر عظيم:
والحبُّ ألزمُ للأرواحِ ما عظمت ... ود يكونُ لها أدعي إلى العِظَمِ
أما تحديده للحب فهو:
الحب في المعنى العميم الكامل ... معنى المراحم والفداءِ الشامل
يعرف أن قلب الإنسان يعيش ويفنى من هذه العاطفة في وقت معاً فيقول:
اسكريني على الدوام وأفني ... مهجتي أدمعاً وعزمي حريقا
стр. 1805
وينصح أخوانه إذ يقول:
أحباي إني مذ أفقتُ من الهوى ... شقيٌّ فكونوا الدهرَ فيهِ سكارى
أما الذي لم يُدرك هذه العاطفة فهو لم يُدرك سرَّ هذه الحياة:
من لم يُحبّ فما الصفاء لهُ ... صفوٌ وما أكدارُهُ كدرُ
ويرى الحياةَ ولا يعيش كما ... مرَّت على مرآتها الصوَرُ
ويقول عن قلبه وهو يعني كل قلبك:
يبغي الشفاء من الولوعِ ... ولا شفاء مع الولوعْ
ألف الصبابةَ فهي أمٌّ ... مُرضع وهو الرضيعْ
والطفلُ يشقى بالفطامِ ... فكيفَ يقبلُهُ مطيعْ
لا متسع لدينا أيها السادة لذكر كل ما يجول في صدر شاعرنا الرحب العواطف , كحنينه إلى الوطن , وعطشهِ إلى ذلك المنهل الصافي الذي روى صباه , ووفائه لأصدقائه ونزوعه إلى كل أمر نبيل. فإن هو الغصن الرطب يميل بهِ كل نسيم , أو وجه البحيرة الصافي يحرِّكه كل ريح. وهو القائل عن نفسه:
والذي درعُهُ فؤادٌ رقيقٌ ... فجريحٌ إن يقتحَمْ أو يقاجم
فمسكين ذو القلب الرقيق في معترك هذه الحياة إذ يبيت
وفي الجسم نارٌ يلذعُ القلبَ وقدُها ... وفي القلبِ نارٌ مثلها تلذعُ الجسما
وإذا كان صاحب القلب الرقيق شاعراً من طبقة خليل فهو يصيح:
أنا الألم الساجي لبعد مزافري ... أنا الأملُ الداجي ولم يخبُ نبراسي
стр. 1806
أنا الأسدُ الباكي أنا جبلُ الأسى ... انا الرمسُ يمشي دامياً فوق أرماسِ
رقَّت حواشي مهجته وشفَّت عن محرّكات نفسهِ , فسمعنا خفوق قلبه , ورأينا ذلك القلب كما يصوّره:
وقلبي مسموعُ الخفوق معلَّقٌ ... بمنهدمِ الأركان أجوفَ معتلّ
بل ما أبلغ التصوير وما أشدّ التأثير عندما ينادي:
الله في صدر وهي ... وتقوَّست منهُ العظامْ
خاوٍ كجوف الغار تم ... لأُهُ المخاوف والظلامْ
إلاّ سراجاً حائلاً ... فيهِ يُنير بلا ابتسامْ
روحٌ تضيء على ضر ... يحٍ في صميم القلب قامْ
المجال واسع لكتابة درس من أبلغ الدروس النفسية في شعور الشاعر يُقتبَسُ من شعر الخليل بل أن في قصيدته المساء التي أنشدها وهو عليلٌ في مكس الإسكندرية كفاية. فمن يطالعها يرى قلباً أذابته الصبابة والجوى ويسمع الشاعر يشكو اضطراب خواطره إلى البحر وهو:
ثاوٍ على صحر أصمَّ وليت لي ... قلباً كهذي الصخرة الصماء
ينتابها موجٌ كموجِ مكارهي ... ويفتها كالسقمِ في أعضائي
والبحرُ خفَّاقُ الجوانب ضائقٌ ... كمداً كصدري ساعةَ الإمساء
تغشى البريةَ كدرةٌ وكأنها ... صعدت إلى عينيّ من لحشائي
ومن كانت هذه حالته يرى في غروب الشمس دمعة تذرفها الطبيعة على موته فيخال تلك الشمس المؤذنة بالزوال:
стр. 1807
مرَّت خلالَ غمامتين تحدُّراً ... وتقطَّرت كالدمعةِ الحمراءِ
فكأنَّ آخرَ دمعةٍ للكون قد ... مُزِجَتْ بآخر دمعي لرثائي
فمن منا لم يشعر يمثل هذه الكآبة. ولكن قليلٌ من له مثلُ هذه المقدرة على إبراز هذه العواطف في ذلك القالب الفتان. يتمنى شاعرنا أن يكون له قلبٌ كالصخرة الصماء ونحن نتمنى أن يبقى قلبه رقيقاً , ليأتي بمثل هذه الآيات البيَّنات. فكما أن الشجرة لا يسيل ماؤها إلاّ من جراحها فكذلك قلبُ الشاعر لاّ يسيلُ شعره إلا من جراحه. او كما أن العنقود لا يجود بعصيره الطيب , ما لم تضغطهُ يد الأحزان والشقاء. . . . قال اسكندر دوماس بعد مطالعته ديوان فكتور هوغو , وفيهِ ما فيهِ من توجُّع فؤاده: فليتبارك الربُّ الذي يُرسل لنا مثل هذه المصائب , ليخرج من صدرنا مثل هذا الهتاف البديع. . .!
٣ - العقل
أيها السادةز رأينا في شعر خليل عمل القوَّتين الأساسيتين في الشعر - أي الخيال والشعور؛ وهما قوَّتان قد تشردان إذا لم يكن هناك قوة ثالثة - وهي العقل - تخفف من غلوائهما. وقد أصاب قدماءُ اليونان إذ صوَروا الشاعر في مركبة يقودها جوادان جامحان - هما الخيال والشعور - وجعلوا زمامهما في يد العقل لئلا يطوّحا بالشعر على الهاوية. وهذا ما قصده أيضاً من حدَّد الشعر بأنهُ الفلسفة
стр. 1808
تحمل زهراً وهذا ايضاً ما أراده خليل , لما قال إن شعره شعر خيال وحياة وحقيقة. فهو الشاعر الفيلسوف الذي يمعن النظر في حوادث هذا الكون وعللها ومعلولاتها , ويستنتج منها العبَر والحكم. وفي شعر خليل الشيء الكثير من هذا القبيل. شهد الفيلسوف جول سيمون احتفالاً أُقيم إكراماً لنابليون الثالث , فنظر إلى الشعب المتجمهر الهاتف هتاف النصر نظرة غضب وازدراء , وقال لمن حوله هكذا يخلقون الظُلاَّم. . .! هذا ما قاله الفيلسوف الإفرنجي , فإليكم ما قاله شاعرنا العربي
عن كسرى وقومه:
هم حكّموهُ فاستبدَّ تحكُّماً ... وهمُ أرادوا ان يصولَ فصالا
والجهلُ داءٌ قد تقادمَ عهدهُ ... في العالمينَ ولا يَزالُ عضالا
لولا الجهالةُ لم يكونوا كلُّهم ... إلاّ خلائقَ أخوةً أمثالا
لكنّ خفضَ الأكثرين جناحَهم ... رفعَ الملوكَ وسوَّد الأبطالا
وإذا رأيتَ الموجَ يسفلُ بعضُهُ ... ألفيتَ تاليَهُ طغى وتعالا
نقصٌ لفطرةِ كلّ حيٍّ لازمٌ ... لا يرتجي معهُ الحكيمُ كمالا
فهذه أبيات كلها حكمة وفلسفة اجتماعية. ولا يشنّ شاعرنا الغارة على السلطة بل يريدها مبنيةً على العقل والتروي , ألا وهو القائل والحكم أعدلُ ما يكون جدالا ولكن هو الاستبداد يملي عليهِ مثل هذه الأبيات:
نعم هي دارٌ للملوكِ عتيقةٌ ... ولكن غَدَتْ للفحش داراً وبئسما
بناءٌ بمالِ الناسِ جبايةً ... ولو ذوّبوا تذهيبهُ لجرى دما
стр. 1809
كذلك هو يشجب الأعمال الجائرة أينما رآها. اسمعوه يخاطب ملوك مصر بناة الأهرام:
لم يُغنِكم منهُ البناءُ عاليا ... والأرضُ نهباً والملوك أعبُدا
وكان يُغنيكم جميلُ الذكرِ لو ... خفضتمُ اللحدَ وشدتم بالهدى
وهو القائل أيضاً:
معرَّةُ الظلمِ على مَن ظلْم ... وحُكم مَن جَارَ على مَن حكَمْ
كل هذا لأن الخليل فهم مهمة الكاتب , ولاسيما الشاعر , وهي مناصرة الخير ومناهضة الشرّ؛ فإذا رأى القويّ يعبث بحقوق الضعيف يهتف:
فيمَ احتباسك للقلْم ... والأرضُ قد خُضبت بدمْ
سدِّدْ قويمِ سنانهِ ... في صدرِ مَنْ لم يستقمْ
اليوم يوم القسطِ قد ... قامَ الأُلى ظَلَموا فقمْ
ثم ينبه قومه للنهوض من ثبات الجهل فيقول:
تمنا على جهلٍ وقد ... عاشَ الكرامُ ونحن لمْ
فإذا انقضت آجالنا ... فمن الرُّقادِ إلى العَدَمْ
وإذا بُعثنَا بعدها ... فكأنها رُؤيا حلمْ
يرى الخليل أجيال الناس تجيء وتنقضي يرى الممالك تشيد بالصوارم وتفنى بالمعايب. فبعد ذلك يقول:
ولم أرَ شيئاً كالفضيلة ثابتاً ... نَبَتْ عنهُ آفاتُ البلى والمعاطبُ
ثم نراه , وقد كادت المصائب تصرعه , يصيح من قلب مكلوم:
стр. 1810
غلبتني صروف دهري على صب ... ري وأفنته نارُها في الملاحم
الأمان الأمانَ ألقيتُ سيفي ... وطويتُ اللواء تسليمَ راغم
ولكن إِن هيَ إلا نفثة مصدورها , لا يلبث بعد تفريجها أن يعود فيظهر مظهر الجلد:
شأني مكافحةُ الخطوب إذا دجا ... نقعُ الحوادثِ في الليالي السودِ
وفي شعر مطران قصائد كثيرة تتطلب درساً مستقلاًّ لما جاءَ فيها من المبادئ الاجتماعية يضطرنا ضيق المقام إلى التنويه بذكرها فقط مثل وفاء والعقاب وحكاية عاشقَين والجنين الشهيد والطفل الطاهر الخ. كل ما ذكرناه من المختارات بهي جميل - وهناك أيضاً غير ذلك محاسن عديدة. وبدائع شتى - وهي على ما رأيتم فيها من الجمال والسناء كالجواهر كانت أجمل وأسنى لو رأيتموها منظومة في عقدها لا منثورة مستقلة كما أوردتها. وقد عرف شاعرنا أن يستفيد من لغات الأجانب دون تقليد , وينهج نهج قدماء العرب دون تقييد؛ فاحترس بصبغة العرب في التعبير. وادخل أساليب الإفرنج في التأليف والتفكير. فكانت نتيجة ذلك أنه أرغم الشعر العربي على أداء الحاجات الجديدة دون أن يتخطى ما سنَّ له من القواعد القديمة. قلنا بلا تقييد ولا تقليد لأن خليلا نزوع إلى الحرية في كتاباته كما هو شغف بها في حياتهِ.
стр. 1811
هذا بعض الشيء عن شاعرية خليل مطران وعبقريته. وقد رأيتم أيها السادة الخطة الجديدة التي اختطها للشعر العربي - وهي خطة المستقبل. فحق لنا بعد ذلك أن تعده أستاذاً علّماً في هذا الفن. وحق لعصرنا أن يفاخر به وبأمثاله من شعرائنا النابغين أبهى عصور اللغة العربية. أجل يا سادة , جال الشعراء في عصر العباس جولة وصلوا بها حبل النسب بين العصرَين الزاهرَين , والعهدَين الناضرَين: عهد بها الرشيد والمأمون , وعهد عباسنا الميمون. فعقدت في هذا لشوقي في ذلك الألويةُ لابن الوليد وابن هانئ. وعقدت في هذا لشوقي وصبري وحافظ ومطران.
فوضع مولانا - حرسه الله - بيده الكريمة آية رضاه على صدر علَمها الخفاق فوق رأس فارسها السباق. كما يضع القائد شارة الفخر على لواء النصر - ولفرسان البيان أسوة بفرسان الميدان.
اليمين
إنما يحملُ الرَّجلَ على الحلف إحدى هذه الخِلال: إما مهانة يجدها في نفسه وضرَعٌ وحاجةٌ إلى تصديق الناس إيَّاه؛ وإما عيٌّ بالكلام حتى يجعل الإيمان لهُ حشواً ووصلاً؛ وإما تهمةٌ قد عرَفها من الناس لحديثهِ فهوَ يُنزل نفسهُ منزلةَ مَن لا يُقبَل منهُ قولٌ إلاَّ بعد جهد اليمين؛ وأما عبثٌ في القول , أو إرسال اللسان على غيرِ رويَّةٍ ولا تقدير.
ابن المقفع
стр. 1812
خواطر
في الخيرات والشرور
ترك الأوَّلون من البشر للإخلاف كثيراً من الخيرات , وخلَّفوا لهم وافراً من الشرور؛ وقد مرَّ الدهرُ تلوَ الدهرِ , وجاءَت أجيال خلف أجيال , وتلك الشرور ثابتة لم تزحزحها العقول , ولم تمتنع عليها النفوس؛ بل كأنَّ السعيد الفائز من الإخلاف , هو المحتفظ الضنين بذلك التراث , فإذا ما تأملنا في أبديَّة هذه الأسواء وشبهِ إزاليتها , وجب علينا أن لا ننظر إلى محافظة الأجيال على تلك التركة المباركة بنظر التهاون , وأن لا نجعل علَّتها التصادف , بل يجب أن نحني الرأس قليلاً أمام ما هنالك من المجهولات التي اقتضت هذا الأمرَ , عسى أن يُفتحَ لنا بابٌ من أبواب العلم بعد تأدية هذه السجدة سجدة الاعتراف بوفرة أسرار الكون وعظمتها , وليس ما يخفي على أكثر البشر إلاّ من الأسرار. ولقد اختلف كثيراً نظرُ المفكرين في الموازنة بين الخير والشرّ , ومآل الأقوال كلها إلى ثلاثة: من يرى أن البشرّ أكثر , ومن يرى أن الخير أغلب , ومتوسط يرى أن بين الخير والشر تعادلاً مع رجحان خفيف لجانب الخير. يقول مغلّبو الشر: ألم ترَ أيها الإنسان إلى كثرة الأمراض , ووفرة الأحزان , وشدة العدوان , وغلبة الحرمان , وشيوع الشكوى , وعموم البلوى؟. . . ألم ترى كيف يقلُّ أولو اليسار حتى يستطاعَ عدُّهم , وكيف
стр. 1813
يكثر المعسرون حتى يفوقوا العدّ , ويعيَ عن لحاقهم المقدار؟. . ألم ترَ كيف يشبع الجهل حتى يصعد كل تلعة , ويهبط كل واد , ويدخل كل بلدة , ويزور كل بيت , ويحلّ كل دماغ , وكيف يتقاصرُ العلم , ويتقلص ويختبئ وينطوي حتى تُشَدَّ إليهِ الرحال , وتُحملَ في سبيله الأثقال , وتُبذل في التفتيش عليهِ الأموال , وتُنفق فيهِ السنون الطوال , حتى إذا ما اهتدى الطالبون إلى جنابه , وجدوا حوله طائفة من الحواجز , فيرجع بأكثرهم الملل والضجر واليأس , وما يفوز باقتحام تلك الحواجز إلا قليل من الطالبين , وما الطالبون بكثير. . . ألم ترَ إلى العقول السليمة - على قلَّتها - كيف يؤذيها الجهل المُجذِر بما اخترع من حكايات وتهاويل , وكيف يسمُّها العلم الأبتر بما وضع من شروح وتآويل؛ وإلى النفوس الكريمة كيف يقزّزها ظهور القبيح وإذاعته , وكيف يؤلمها خفاء الجميل وإضاعته؟. . . وانظر إلى الشهوات كيف تطغى ولا تقف عند حد , وكيف قضت علينا بالاستمرار في النصب؛ وانظر إلى قلة
من تألفه النفس , وإلى كثرة ما يحول مع هذا بينها وبين إلفها , وإلى ما يصيبها بعد هذا كله من سهام الفراق , وما يعروها بسببه من الجوى؛ وتأمل في قصر الآجال مع طول الآمال , وقلة المعاضدين مع كثرة المعاندين , وضعف الوسائل مع قوة الرغائب , وتهجم الظلمات مع تحجب النور؛ وارمِ ببصرك إلى كثرة الزمني والمبرسمين وأرباب العاهات , ولا تتغافل عما يرافق العجز والاحتياج من المهانة , وللإحساس بالمهانة آلام
стр. 1814
عظيمة , وقل لي بعيشك ما أكثر العجز والاحتياج في هذه الحياة؛ بل قل لي أي الناس شيء من العجز وشيء من الاحتياج؟ هبك مليكاً , ألا ترى أنك عاجز عن كثير , ومحتاج إلى كثير؟ فماذا يخامر قلبك كلما وجد طعم العجز , وماذا تجده نفسك كلما ذاقت الاحتياج , وما هذا الدنيا التي لم يسلم من آلامها صغير ولا كبير , ولا جليل ولا حقير , ومتى يكون خيرها أكثر من شرّها إذا كان هذا شأنها من ادّخار الآلام لكل ذي روح على اختلافٍ وتفاوتٍ بينهم في المقادير فقط؟؟ ويقول مغلّبو الخير: لقد جعل الفاطر لنا البصرَ لنرى بهِ كلّ محسوس , وأكرمنا بالبصيرة لنطّلع بها على ما وراءَ المرئي , وقد ملأ السمواتِ والأرض بما لا يُعدُّ ولا يحدُّ مما يبهج النفوس ويسرُّها , فلماذا تعمى الأبصار والبصائر عنها كلها , ولا ترى إلاَّ الأمراض وآثارها؟ أفننسى نِعَم الشمس , أم آلاء الأرض؛ أتسخير البحر ننسى أم استخدم البرّ , أنغفل عما يُفيضهُ التعاون البشريُّ العام من بركات العقول , وثمرات الهمم والنفوس , أم عما توحيه الفطرة الإنسانية من تعاطف القلوب , وما تؤتيه من لذيذ العلاقة بين المحبّ والمحبوب؟ يا للعجب كيف تقعُ الأبصار على بعض الأقذاء , وتعجز عن أن تسمحها بالتقانة إلى روضة فيها. أطيبُ الأقوات للسمع والشم والبصر؟ أين ذهب عن الأبصار جمال هذه القبة الزرقاء وقد طرحت عنها جلبابَ الغيوم , وحسرت لئام الدجون , فأشرق محيَّاها , فقابلته الأرض راقصةً تترنَّح أعطافها الأغصان , وتصفّق أكفّها النسائم , وأين ذهب عن البصائر جمال الحيّ
стр. 1815
القيوم الذي نفخ من روحهِ في والد هذه الذرّية المباركة الحاملة لواء خلافته في الأرض نعني النوع الإنساني ألا ترزق البصيرة تجليّاً من تجلياتهِ تضيء بهِ الدنيا كلها لها فلا يبقى إلاّ مسابح نور , ومسارح آمال ورجاء وسرور. لو صحَّ أن الشرّ في هذه الدنيا هو الأغلب , لكان سير هذا النوع الإنساني إلى ما هو أنهُ أقبح وأنقص , لا إلى ما هو أجمل وأكمل , مع أن المشاهد هو أنهُ كان طول دهره
سائراً إلى التكّمل , وآخذاً بالتغلي والتجمّل , فلقد كان الإنسان كهذه الحيوانات السارحة في القفار , أليفَ آجام وحليفَ أوجار , يدور يلتمس لمأكله ورقاً وعشباً , ويردُ الغدران والأنهار فيعبّ منها عبّاً , لا يزرع ولا يصنع , ولا يقني ولا يجمع , لا أداة لديه ولا ماعون , ولا عهد عنده ولا قانون , ثم قفز من بيئتهِ تلك قفزةً إذ ألهمه الفاطر أن يتخذ شيئاً من الأداة , فاصطنع من الحجارة قواطعَ وقواشرَ ونواحت , وفصَّل بهذه الأدوات الحجرية ما شاء أن يفصّل من أعواد الشجر على حسب ما هدته إليه الحاجة. فعمل من الأعواد مِخيَطاً ومسماراً , ومخرزاً ومحفاراً , ومقياساً ومعياراً , وظلَّ كذلك يتدرّج بهذه الصناعات الابتدائية حتى توصَّل إلى الحديد , وهُدِيَ إلى معرفة التصرُّف فيهِ فيومئذٍ دخل في دور جديد فصله عن الأدوار الأولى , ومن بعد ذلك بدأ يأتي بالبدائع والطرَف من الصناعات حتى أصبح بيته وماعونه وآنيته وأكسيته وأثاثه ورياشه وسائر طُرَف زينته أشياء لا نقف عند حدّ! وقد تحسنت عند ذلك سحنتهُ وبنيتهُ ,
стр. 1816
وتهذّبت طباعهُ , وانقلب شتاتهُ اجتماعاً , وفوضاه نظاماً , وبلغ من العلم حظاً تقصر كل مبالغة عن وصف عظمه؛ وما الجهل الباقي بشيء يصح أن يسمى عقبةً في سبيل سلطان العلم الماضي الحكم لأن كثير الجهل قليل , فألفُ ألف جاهل مثلاً يستطيع أحد العقلاء أن يجعلهم تابعين لكلمته كما تتبع الغنم صوت راعيها. . . هذا وما نحن بمنكرين كثرة الشرور , ولكنَّا مع كثرتها قلما رأينا شيئاً منها إلاَّ ورأينا أمامه قوىً بها يحتمل الناس شدائدها. فإذا صح أن نسمي كلَّ شيء من الشدائد مثلاً شرّاً لزم أن يصح تسمية ما يقابلها من القوى خيراً على أنه ليس من الحق أن نُطيَّر بالشدائد , ونتبرَّم بها , وننقم عليها في حين أن كثيراً منها مربيات ومرقيَّات للأفراد والجماعات , ويا لله كيف يكون طعم الهناء لولا العناء؟ وكيف كنا نستطيع أن نعرف سائر الأنواع المسماة خيرات لولا ما يقابلها من أضدادها إذ لولا المرض , لقال قائلٌ: ما هي نعمة الصحة , ثم ما هي الفضيلة لولا الرذيلة , وما هو الانبساط لولا الانقباض , وما هو الذكاء لولا البلادة , وما هو المجد والرفعة لولا المهانة؟ فكأن هذه الشرور إنما وجدت ليكمل بها حظنا مما هي أضدادها. يشكو معلّبو الشرّ من الأمراض وبديهي أن صحة أكثر الأفراد هي الأغلب فإن مرض أحدهم في العمر مرة أو مرتين أو أكثر كان ذلك لتتضاعف لذته يوم يرجع إليهِ بعد الهجر حبيّبه العظيم الذي هو العافية؛ وإن كانت نهاية بعض
الأمراض الموت فذلك - والموت محتوم - خير من اختطافه خطفة واحدة على حين غرة , ولوقوع موت الفجأة في بعض
стр. 1817
الأحيان تعرف فضل المرض الذي به يتمكن المرءُ من وضع بعض الوصايا ومن التهيؤ لاستقبال الأبدية بنفس مطهرة بالندم على بعض الزلات , وبه يتمكن أهله من حسن توديعه فيزودون نفسه بأثمن شيء عند النفس وهو شذى الإخلاص , ويتزودون من مرآه برؤية أعلى شيء وهو إباء الحبيب أن يفارق احبَّاءَه , فهو والحالة هذه ينشدهم بلسان الحال:
ولو نُعطى الخيارَ لما افترقنا ... ولكنْ لا خيارَ مع الزمانِ
وهم ينشدونه:
إذا ترحَّلتَ عن قوم وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلون همُ
ويشكو مغلّبو الشرّ من الجهل , ولو فقهوا لدروا أن ليس كل جهلٍ يُعَدُّ شرَّا , فإنه لو أصبح كل الناس فلاسفة لحلَّ بالدوران البشري ما يحلُّ بهِ إذا أصبحوا كلهم أغنياء. على أن من يمعن النظر كثيراً يجد في غباوة كثير من البشر فائدة ليست بأقلّ من الفائدة التي يجدها في ذكاء بعض الأفراد , وحسبك من فوائد الغباوة لأصحابها أنهم أقلّ تذمراً وامتعاضاً , فهم لا يذوقون الآلام التي يذوقها النبهاء من مشاهدتهم عيوب مجتمعهن وتقصيره عن غيره مثلاً. وحسبك من فوائد تلك الغباوة للمجتمع أن أصحابها لهم مما يدورون حوله من رحى الأعمال التي عرفوها شغل شاغل عن إحداث الفتن والمشاغبات التي توجع الرأس أحياناً على قلة نفع. وتلك الأعمال التي أشرنا إليها قلَّ أن يصبر عليها سواهم مع أنها قد تكون مما تشتدُّ إليها حاجة الجمهور. وبعد فأيَّ شيء ينقمون مما يسمونه الشرور , وهي إمَّا من اللاتي
стр. 1818
تعمُّ فيهوّنها ذلك العموم , وأمَّا من اللاتي يقلُّ وقوعها , فتمرُّ وتنقلب إلى خير أحياناً. تأمَّل مهما تعاظم مُصاب أهل بيت بميتهم , تجد كلَّ واحدٍ يستطيع أن يهجم على نيران حزنهم برشةٍ من التسلية التي يدور محورها على كون هذا الموت أمراً محتوماً , وشيئاً طبيعيّاً , وأنه سبيل الأحياء أجمعين , وأنه ما من أهل بيت إلاّ وقد أصيبوا بمثل هذا على أنَّ الفوائد التي يعرفها العقلاءُ في الموت يمنعهم عن إدخاله في زمرة ما يسمى الشرور. ينظرون إلى الحاضر ولا يتفكَّرون في العواقب. فتعظم بمثل هذا شكواهم , تأمَّل كم من فقير قد ألمه فقرُهُ , فساقهُ حثيثاً إلى السعي والاكتساب فلم كان فقرهُ السابق شرّاً أم
كان باعثاً لتحصيل لذَّة الغنى المكتسب التي تفوق لذَّة الغنى الموروث. . . وتأمل كم من مريضٍ أزعجهُ المرضُ وأخافهُ , فتذكَّرَ ما كان أهمله في الصحة , فلما أتيح له عناق العافية هبَّ نشيطاً للأخذ بما كان قد أهمله؛ فهل كان مرضه شرّاً , أم كان باعثاً لتحصيل لذّة عمل الواجب بعد إهماله , ومولّداً للذة عناق العافية بعد الصدود. . . وتأملْ كم من عاجزٍ قد أقعده عجزهُ عن كثير مما يأتيه أُولو الأشر والبطر , فأحدث له ذلك صيتاً حسناً , وآتاه حسنُ الصيت قوةً أصبح قادراً بها على نيل بعض ما كان محروماً منه؛ فهل كان عجزهُ شرّاً أم كان موجداً للذاتهِ من حسن الصيت ثم القوة ثم الفوز. . . لعمرك ليس الشرُّ أن لا تكون الآن قويّاً , فإنك قد نقوى وتجد لذةً عظيمة؛ وكم من ضعيف
стр. 1819
قوي , وإنما الشرُّ أن تكون قوياً فتفقد هذه القوة. وكم من قوي قد ضعف , فما كثرة الضعفاء العتيدين أن يقووا سوى كثرة أبواب الأم الذي هو روح الحياة وباعث النشاط , والخير كل الخير في هذا , وما قلة الأقوياء المعرَّضين لفقد القوة سوى قلة أبواب الوجل الذي هو باعث الغمّ والانقباض , والشر كل الشر في هذا. فسبحان من هذا نظامهُ وأثر حكمته ورأفته , والله رؤُف بالعباد. ويقول المتوسطون: إن أعجب ما في الخيرات والشرور أنك تراها متقابلة كفريقين من العسكر قد وقف أمام كل صف آخرُ مثله في الجانب المقابل كأنما قد وُكل إليها أن لا يألوكلُّ فريق منها جهده في حفظ القلعة التي هو قائم عليها. بيد أن الجيوش التي نعهدها لا تلبث ساعة أو بعض ساعة من الدهر , حتى يقرع أحدها الآخر ويفلَّه , وأما جيشنا المنن والمحنَ فإنهما ما برحا متوافقين منذ أولية هذا النوع , ولعلهما سيظلاَّن مكانهما ما دار بنا المدار , ولكن من سير الإنسان نحو التكمل نفقع أن ثمَّةَ رجحاناً لجانب الخير على جانب الشرّ إلا أنه رجحانٌ خفيف جداً جداً إذ لولا ذلك لما كان الخطو إلى التكمل بطيئاً بهذه الدرجة. كل هذا قاله المفكرون. وقد أكثر مغلّبو الشرّ من ترداد شواهدهم والتغني بفلسفتهم , كأنهم وجدوا المجال واسعاً , والنغَم مؤثراً , إذ لا أوقع في نفس المفجَّعين من إظهار التألم مثلهم , وذمّ الدنيا التي هي مثار فجائعهم , ومدار محَنهم , وكثير من أهل هذا الرأي كانوا شعراء قد ضاقت عليهم مذاهب المعاش , فأشبعوا دنياهم ذمّاً وهجواً وملأوا الأسفار بوصف
стр. 1820
شرورها من مثل قول حريريهم:
إيَّاك والدنيا الدنَّية إنها ... شركُ الردى وقرارة الأكدارِ
دار إذا ما أضحكت في يومها ... أبكت غداً تبَّا لها من دارِ
أما مغلّبو الشر فلم نرَ لفلسفتهم كثيراً من الشروح الضافية , وإنما وقفن على قليل منها في أخبار وآراء بعض الصوفية والفلاسفة. وقد رأينا بعضهم لا يكتفي بتغليب الخير , بل يذهب إلى أنه لا شرّ على الإطلاق , وأن الكون كله خيرٌ محضنٌ من خيرٍ محض. وما اختلاف المفكرين والفلاسفة وأصحاب الأديان بتعريف الخير والشرّ , وتعيين أنواع كل واحد منهما بأقلّ من اختلافهم في الموازنة بينهما. كلاَّ , بل هو أكثر بكثير. وإذا ما نحن استطعنا أن نُرجع إلى ثلاثةٍ عددّ مذاهب المختلفين في الموازنة فإننا لا نستطيع أن نُرجع إلى عدد معيَّنٍ مذاهبَ المختلفين في التعريف وتعيين الأنواع. ولا يدري مقدار عذر هؤلاء في استلافهم هذا إلاَّ من جال نظره طويلاً في ميادين الطبيعة البشرية وسبر كثيراً أحوال الأفراد والجماعات , وتأمل مليّاً فيما يقعُ فيهِ الحسُّ والعقل من الأغلاط , وعرف جيداً ما للعادات والتقاليد من النفوذ والتأثير , وما لها من المنافع والمضارّ , فرجل أوتي هذا النصيب العظيم من الخبرة يعرف أنه ليس من البديهيّ معرفة ما هو الخير , وما هو الشرّ. فلا يهزأ حينئذٍ بكثرة اختلاف المختلفين فيهما من أهل الأديان والفلسفات , ولا يتكهم على أقوام رأوا الخير كل الخير في تعذيب الأديان والفلسفات , ولا يتهكم على أقوام رأوا الخير كل الخير في تعذيب النفس وحرمانها من الشهوات الحيوانية , ولا على آخرين ضادّوهم كل
стр. 1821
المضادَّة فرأوا أن الخير كل الخير في اللذات وإنالة النفس كل ما تشتهيه. وكذلك لا يعجب من قد وصفنا حظه من الإطلاع لأَقوام يبكون , لكثرة ما يضحك الناس , وآخرين يضحكون من كثرة ما يبكون , فسبحان من خلق بين هؤلاء البشر جذور الائتلاف والاختلاف , وجعل هذا التباين في الأفكار , آيةً خالدة قاضية بمزيد التبصر والاعتبار.
عبد الحميد الزهراوي
الحب
بين شوقي ووليّ الدين
تراءَت لهُ على مستشرف حجرتها صبحاً , حين لم يلقِ عن أعطافهِ ثيابَ الكرى , والصبحُ كبسمةِ الرضي على الثغر الألمى , والروضُ كالأمل الغضّ في الفؤاد الفتيّ. فلمَّا اعتدلت في نظرهِ جانست محاسنُها محاسن الوجد بين الروحين على أجنحة الزفرات تبعثُ حنيناً وأنيناً وهياماً شديداً؛ فذلك حيث يقول شاعر الشرق شوقي بك:
نظرةٌ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم توالى كرورُ الإصباح , وكما تكبُر الأجسادُ تكبُر الأرواح , وكما تكبُر الصبابات؛ واللواعجُ ثمارٌ تُسقي مغارسُها بالدموع , والسبابُ خضبُ تنضج به اللواعجُ , ونسائم السَحر تُغري الأشواق ,
стр. 1822
ووجهُ الربيع يزيد الجرأة على الفتنة. وإذ طال تعارُضْ الوجهين , وتقابُلُ النظرَين , جاءَت طمأنينةٌ تمسكُ الروح ساعة اضطرابها , فتألّقَ لها على الشفتين بارقٌ افترَّ عن مثل الدرّ المنظم؛ فذلك حيث يقول شاعر الجمال:
. . . . فابتسامةٌ. . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم استمرَّ الغرامُ , وتراضي القلبان , وإذنَ كلٌّ لصاحبهِ بما أذن , فكانت حاجة إلى الإِعلان , فارتفعت يمينٌ كورَقة الآس , أُمرَّتْ على جبين كنفس الطفل , وإذا في الوجهةِ المقابلةِ رأسٌ ينخفضُ إجلالاً وخشوعاً وكذلك يضرع المطيعُ للمطَاع؛ فذلك حيث يقول شاعر الخيال:
. . . . . . . فسلامٌ. . . . . . . . . . . . . . .
ثم نما الهوى وارباهُ التراضي , فاشتاقت الأذانْ إلى مثل حظّ الأعين , ولا بدَّ لما يُسَرُّ من الإِعلان؛ فتَساجلَ الشكايةَ صريعاها , وقام اللسانان سفيرَين عن القلبين. هنالك حلاوةٌ تمازجُها المرارةُ , وراحةٌ يتخللها التعب , وللوجدِ بيانٌ لا تركّبهُ ألفاظٌ , ولا تؤديه عبارة فبهما فاض ماء النفسِ من الثغرين المتباعدَين؛ فذلك حيث يقول شاعر البيان:
. . . . . . . . . . فكلامٌ. . . . . . . .
ثم تعارضت في الروحين قوَّتان من السلب والإيجاب , وقعت شرارتهما على الحسّ فاضطرَم. غير أن الحكمة أطفأت ذاك الأُوار , والصبرُ في أوائل الصبابة يغلُبُ عليها ,
فتعالَجَ المحبَّانِ بالأمانيّ وما زالا يتواصيان بالرأي حتى غلبا عليه , فاستثار الشوق كمينَ النفسين , فاتفقتا
стр. 1823
على التداني؛ فذلك حيث يقول شاعر الحُبّ:
. . . . . . . . . . . . . فموعدٌ. . . .
فلمَّا بلغَ الأمرُ أقاصيَهُ , وعصفت شرّةُ الشباب بالرأي والجَلد فاستطارتهما , ضربَ الصبَّانِ على سلاسل الأسر فتساقطت حلقانهما في صلصلةٍ تصمّم الآذان , وانطلقَ سهيلٌ يطلب الثُّريا , وضمَّ الروحَين عناقٌ هو خاتمة السعادة والشقاء.
لله أنت يا شوقي بك؟ إذ تقول:
نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ ... فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ
هذه روايةُ الغرام في بيت واحد , لو نطق به الدهر لتاهت به صروفه.
وليّ الدين يكن
الزهر
رأيت صباح اليوم أزهار الربيع على أكمل ما تكون , إِمَّا في أكمامها , وآثار الصحة بادية عليها؛ وأمَّا زاهية قد مزقت أكمامها وأسفرت من حجابها بينَ بين. لاهُنَّ نواشز خالعات العذار , ولا هنَّ متخذات ستوراً من الأكمام والأفنان. أسفرنَ فكلهنَّ قرة للعين ولذة للشم ومبعث لحركات العواطف. لا أعرف عن طريق اليقين الوجه في جمال هذه الزهور ولكنها في الواقع جميلة. كذلك لا أعرف الصلة الخفية بين رؤية الأزهار وشمَّها وبين آيات الحب. جلَّت حكمة الله أن تتناولها عقولنا. ولكن الاستقراء دلَّ
стр. 1824
على أن هذا النوع الأنساني منذ نشأ على اليوم يتعشق الزهر , ولا يطيب له مجلس لهوٍ إلا إذا كان للزهر فيه المقام الأول منثوراً ومنظوماً صحباً أو أشتاتاً. بل كلنا يود أن يكون له بستان فيه زهر. ومن لم يجد هرع وقت فراغه إلى الحدائق العمومية. ومَن لم يجد من الفلاحين أعجبه كثيراً أن يقيم وقتَ أنسه على قرب من زهر الفول. ومن لم يجد اتخذ له صورة بستان أو خيال بستان من الزهر في آنية الفخَّار يضع فيها القرنفل والورد في شبابيك داره. بل أصبح من القضايا البديهية أن الدلالة الوضعية على رقي أمة عنايتها بالزهر واستمتاعها به. وما هذا الاستقراء التام إلا جاعل نسباً ثابتاً بين الزهر والأنس ومسارح العواطف وحركات القلوب. لقد يسمج التعليل المنطقي في موضوع كهذا خفيفٍ بطبعه لا يحتمل ثقل المنطق ورصانة الدليل. ولكني أستأذن القارئ أن أستدل بهذا الاستقراء على أن الزهر من دواعي التقريب بين القلوب , ومن عوامل الائتلاف بين الجنسين. وقد كان دائماً مفتاحاً تستفتح به هدايا الوداد. بل اتخذت ألوانه المتنوعة وأنواعه المتعددة علامات على المشاعر المختلفة التي لها علاقة بذلك المعنى المعروف بآثاره المجهول بكنهه وهو الحب. وإذا كان الزهر من دواعي الحبو وكان الحب داعية حفظ النوع , وكان الربيع خير الفضول في وقرة زهره وجماله , فهل يستطاع الأمل بأن هذا الربيع يدعو اللواة المماطلين من أبنائنا وبناتنا إلى فكّ الاعتصاب الذي لزمهم أو لزموه هذه السنين الأخيرة عن أكبر واجب حيوي؟ فينزل
стр. 1825
كل منهم عن المثل الأعلى في خياله إلى ما دونه من الأمثلة. ولا يتشدَّد في التمسك بالاعتبارات الإضافية كفقر الزوج أو مركز أبيها في الحكومة. . . الخ وأن يتساهلوا بعض الشيء ولو في بعض الشروط المعقولة عندهم غير المقبولة عندنا نحن الآباء لا بحجة العقل ولا الدين ولكن بحكم العادة الطويلة. هل يستطاع الأمل بأن هؤلاء المماطلين
المعتصبين يخففون عنا كابوس الخوف من قلة النسل في الفرقة المتعلمة من الطبقة الوسطى؟ أنهم لو ذاقو تلك السعادة الزوجية , وشملهم سلام العيشة العائلية , وشعروا بلذة عواطف الأبوَّة لما احتاجوا إلى ألحافنا في المسئلة , ولندموا على ما ضيعوا من ربيع الحياة.
أحمد لطفي السيد
أقوال مأثورة
قال لقمان لابنه: لا يكوننَّ الديك أكيسَ منك ينادي وقت السحر وأنت نائم.
عاتب أخاك بالإحسان إليه , وأردد شرَّ بالإنعام عليه
قيل لحكيم: أيُّ الملوك أفضل: ملك اليونان أم ملك الفرس؟ فقال: من ملك غضبهُ وشهوتهُ فهو أفضل
ما رأيت أحداً إلا ظننتهُ خيراً مني , لأني من نفسي على يقين منهُ على شكّ
العاملي
لا تفرح بالغني والرخاء , ولا تغتمّ بالفقر والبلاء؛ فإنَّ الذهب يجرَّب بالنار والمؤمن يجرَّب بالبلاء
الإمام علي
следующие страницы →