Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
المضادَّة فرأوا أن الخير كل الخير في اللذات وإنالة النفس كل ما تشتهيه. وكذلك لا يعجب من قد وصفنا حظه من الإطلاع لأَقوام يبكون , لكثرة ما يضحك الناس , وآخرين يضحكون من كثرة ما يبكون , فسبحان من خلق بين هؤلاء البشر جذور الائتلاف والاختلاف , وجعل هذا التباين في الأفكار , آيةً خالدة قاضية بمزيد التبصر والاعتبار.
عبد الحميد الزهراوي
الحب
بين شوقي ووليّ الدين
تراءَت لهُ على مستشرف حجرتها صبحاً , حين لم يلقِ عن أعطافهِ ثيابَ الكرى , والصبحُ كبسمةِ الرضي على الثغر الألمى , والروضُ كالأمل الغضّ في الفؤاد الفتيّ. فلمَّا اعتدلت في نظرهِ جانست محاسنُها محاسن الوجد بين الروحين على أجنحة الزفرات تبعثُ حنيناً وأنيناً وهياماً شديداً؛ فذلك حيث يقول شاعر الشرق شوقي بك:
نظرةٌ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم توالى كرورُ الإصباح , وكما تكبُر الأجسادُ تكبُر الأرواح , وكما تكبُر الصبابات؛ واللواعجُ ثمارٌ تُسقي مغارسُها بالدموع , والسبابُ خضبُ تنضج به اللواعجُ , ونسائم السَحر تُغري الأشواق ,
стр. 1822
ووجهُ الربيع يزيد الجرأة على الفتنة. وإذ طال تعارُضْ الوجهين , وتقابُلُ النظرَين , جاءَت طمأنينةٌ تمسكُ الروح ساعة اضطرابها , فتألّقَ لها على الشفتين بارقٌ افترَّ عن مثل الدرّ المنظم؛ فذلك حيث يقول شاعر الجمال:
. . . . فابتسامةٌ. . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم استمرَّ الغرامُ , وتراضي القلبان , وإذنَ كلٌّ لصاحبهِ بما أذن , فكانت حاجة إلى الإِعلان , فارتفعت يمينٌ كورَقة الآس , أُمرَّتْ على جبين كنفس الطفل , وإذا في الوجهةِ المقابلةِ رأسٌ ينخفضُ إجلالاً وخشوعاً وكذلك يضرع المطيعُ للمطَاع؛ فذلك حيث يقول شاعر الخيال:
. . . . . . . فسلامٌ. . . . . . . . . . . . . . .
ثم نما الهوى وارباهُ التراضي , فاشتاقت الأذانْ إلى مثل حظّ الأعين , ولا بدَّ لما يُسَرُّ من الإِعلان؛ فتَساجلَ الشكايةَ صريعاها , وقام اللسانان سفيرَين عن القلبين. هنالك حلاوةٌ تمازجُها المرارةُ , وراحةٌ يتخللها التعب , وللوجدِ بيانٌ لا تركّبهُ ألفاظٌ , ولا تؤديه عبارة فبهما فاض ماء النفسِ من الثغرين المتباعدَين؛ فذلك حيث يقول شاعر البيان:
. . . . . . . . . . فكلامٌ. . . . . . . .
ثم تعارضت في الروحين قوَّتان من السلب والإيجاب , وقعت شرارتهما على الحسّ فاضطرَم. غير أن الحكمة أطفأت ذاك الأُوار , والصبرُ في أوائل الصبابة يغلُبُ عليها ,
فتعالَجَ المحبَّانِ بالأمانيّ وما زالا يتواصيان بالرأي حتى غلبا عليه , فاستثار الشوق كمينَ النفسين , فاتفقتا
стр. 1823
على التداني؛ فذلك حيث يقول شاعر الحُبّ:
. . . . . . . . . . . . . فموعدٌ. . . .
فلمَّا بلغَ الأمرُ أقاصيَهُ , وعصفت شرّةُ الشباب بالرأي والجَلد فاستطارتهما , ضربَ الصبَّانِ على سلاسل الأسر فتساقطت حلقانهما في صلصلةٍ تصمّم الآذان , وانطلقَ سهيلٌ يطلب الثُّريا , وضمَّ الروحَين عناقٌ هو خاتمة السعادة والشقاء.
لله أنت يا شوقي بك؟ إذ تقول:
نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ ... فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ
هذه روايةُ الغرام في بيت واحد , لو نطق به الدهر لتاهت به صروفه.
وليّ الدين يكن
الزهر
رأيت صباح اليوم أزهار الربيع على أكمل ما تكون , إِمَّا في أكمامها , وآثار الصحة بادية عليها؛ وأمَّا زاهية قد مزقت أكمامها وأسفرت من حجابها بينَ بين. لاهُنَّ نواشز خالعات العذار , ولا هنَّ متخذات ستوراً من الأكمام والأفنان. أسفرنَ فكلهنَّ قرة للعين ولذة للشم ومبعث لحركات العواطف. لا أعرف عن طريق اليقين الوجه في جمال هذه الزهور ولكنها في الواقع جميلة. كذلك لا أعرف الصلة الخفية بين رؤية الأزهار وشمَّها وبين آيات الحب. جلَّت حكمة الله أن تتناولها عقولنا. ولكن الاستقراء دلَّ
стр. 1824
على أن هذا النوع الأنساني منذ نشأ على اليوم يتعشق الزهر , ولا يطيب له مجلس لهوٍ إلا إذا كان للزهر فيه المقام الأول منثوراً ومنظوماً صحباً أو أشتاتاً. بل كلنا يود أن يكون له بستان فيه زهر. ومن لم يجد هرع وقت فراغه إلى الحدائق العمومية. ومَن لم يجد من الفلاحين أعجبه كثيراً أن يقيم وقتَ أنسه على قرب من زهر الفول. ومن لم يجد اتخذ له صورة بستان أو خيال بستان من الزهر في آنية الفخَّار يضع فيها القرنفل والورد في شبابيك داره. بل أصبح من القضايا البديهية أن الدلالة الوضعية على رقي أمة عنايتها بالزهر واستمتاعها به. وما هذا الاستقراء التام إلا جاعل نسباً ثابتاً بين الزهر والأنس ومسارح العواطف وحركات القلوب. لقد يسمج التعليل المنطقي في موضوع كهذا خفيفٍ بطبعه لا يحتمل ثقل المنطق ورصانة الدليل. ولكني أستأذن القارئ أن أستدل بهذا الاستقراء على أن الزهر من دواعي التقريب بين القلوب , ومن عوامل الائتلاف بين الجنسين. وقد كان دائماً مفتاحاً تستفتح به هدايا الوداد. بل اتخذت ألوانه المتنوعة وأنواعه المتعددة علامات على المشاعر المختلفة التي لها علاقة بذلك المعنى المعروف بآثاره المجهول بكنهه وهو الحب. وإذا كان الزهر من دواعي الحبو وكان الحب داعية حفظ النوع , وكان الربيع خير الفضول في وقرة زهره وجماله , فهل يستطاع الأمل بأن هذا الربيع يدعو اللواة المماطلين من أبنائنا وبناتنا إلى فكّ الاعتصاب الذي لزمهم أو لزموه هذه السنين الأخيرة عن أكبر واجب حيوي؟ فينزل
стр. 1825
كل منهم عن المثل الأعلى في خياله إلى ما دونه من الأمثلة. ولا يتشدَّد في التمسك بالاعتبارات الإضافية كفقر الزوج أو مركز أبيها في الحكومة. . . الخ وأن يتساهلوا بعض الشيء ولو في بعض الشروط المعقولة عندهم غير المقبولة عندنا نحن الآباء لا بحجة العقل ولا الدين ولكن بحكم العادة الطويلة. هل يستطاع الأمل بأن هؤلاء المماطلين
المعتصبين يخففون عنا كابوس الخوف من قلة النسل في الفرقة المتعلمة من الطبقة الوسطى؟ أنهم لو ذاقو تلك السعادة الزوجية , وشملهم سلام العيشة العائلية , وشعروا بلذة عواطف الأبوَّة لما احتاجوا إلى ألحافنا في المسئلة , ولندموا على ما ضيعوا من ربيع الحياة.
أحمد لطفي السيد
أقوال مأثورة
قال لقمان لابنه: لا يكوننَّ الديك أكيسَ منك ينادي وقت السحر وأنت نائم.
عاتب أخاك بالإحسان إليه , وأردد شرَّ بالإنعام عليه
قيل لحكيم: أيُّ الملوك أفضل: ملك اليونان أم ملك الفرس؟ فقال: من ملك غضبهُ وشهوتهُ فهو أفضل
ما رأيت أحداً إلا ظننتهُ خيراً مني , لأني من نفسي على يقين منهُ على شكّ
العاملي
لا تفرح بالغني والرخاء , ولا تغتمّ بالفقر والبلاء؛ فإنَّ الذهب يجرَّب بالنار والمؤمن يجرَّب بالبلاء
الإمام علي
стр. 1826
في رياض الشعر
ذكرت الهوى
ذكرتُ الهوى أيامَ يصفو فنحتسي ... ويضفوا لصبى عن جانبَيهِ فنكتسي
نقضّي مُنانا من رياض وأوجهٍ ... ونشفي صَدانا من شفاهٍ وأكؤسِ
لذاذاتُ عيشٍ صالحٍ كُنَّ أنعماً ... فأعقبنَ من حدثانِ دهرٍ بأبوسِ
طوينا بقاياها ففاضت من الأسى ... بقايا قلوبٍ جازعاتٍ وأنفسِ
خلت أرُبع الأهواءِ إلاّ من البلى ... يعّفي بها آثارَ ملهى ومجلسِ
تعوّضتُ عنها بالياً بعد مُونقٍ ... وبُدّلتُ منها موحشاً بعد مؤنسِ
ألا هل لأيامِ الشبيبةِ رجعةٌ ... فأطمعَ في ماضٍ من العيشِ موئسِ
تمتعتُ من دهري بظبيٍ مرتبٍ ... فقد عاد يرميني بسيدٍ عمَلَّسِ
أقول لنفسي والأسى يستثيرُها ... مكانكِ أن النفسَ بالنفسِ تأتسي
ألم تعلمي أنَّ الزمانَ بأهله ... يدورُ وأنَّ الصفوَ نغبةُ محتسِ؟
متى تطلبي ما ليسَ للدهر شيمةٌ ... تُعاقي عن الأمر المرومِ وتحُسبي
أجدّك هل تقضين كلَّ لُبانةٍ ... بطول التمّني أو بطولِ التلمُّسِ
إذا الحاجُ لم تُقدَرْ فليس بنافعٍ ... تقحّمُ أصليتٍ وإقدامُ مُدعسِ
صرفتُ رَجائي عن مطالبَ جمّةٍ ... وليس الذي يرجو المحالَ بكتسِ
وعفتُ الدنايا فاحتفظتُ بمنصبي ... وأبقيتُ عرضي طاهراً لم يدنسِ
سجيّةُ حرِّ النفسِ لا متعرّضٍ ... لعوراَء يبغيها ولا متمرّسِ
كريمٍ متى ما يَعْدُ كفّيه منفسٌ ... يُدلَّ بأغلى منهُ قدراً وأنفَسِ
وما فاتني غُنمٌ إذا عفَّ مطمعي ... وعُرّيَ من سوءِ الأحاديثِ ملبسي
стр. 1827
إذا ضرّس اللؤمُ الوجوهَ فشأنَها ... بقيتُ ووجهي وافرٌ لم يضرَّسِ
وما راعني إلاّ حسودٌ يعيبني ... على ما يرى من طيبِ عودي ومغرسي
لقد عجمتني الحادثاتُ فلم يلنْ ... مجسّي على بؤسِ الحياةِ وملمسي
أخوضُ الخطوبَ السودَ غير منكّبٍ ... وألقى المنايا الحمرَ غير معبّسِ
وأسمو إلى العاني أُفرّجُ همَّهُ ... إذا ما عنتهُ كريةٌ لم تنفّسِ
ولم تُخزني في مشهد ألمعيَّتي ... ولا خانني رأيي وصدقُ تفرّسي
ولست كساعٍ بالأباطيلِ والرَّقى ... إلى الناسِ يُزجيها بضاعةَ مفلسِ
متى أقلْ قولاً فلستُ بكاذبٍ ... أصادي بهِ نفعاً , ولا بمدلّسِ
تعوَّدَ مني الدهرُ شيمةً فاضلٍ ... وما اعتدتُ منهُ غير شيمة مومسِ
كلانا على ما آستنَّ جارٍ ومن يُقَدْ ... إلى الشيمةِ العسراءِ يُعصَ ويشمسِ
وأعلمُ أني ما حييتُ مقلّبٌ ... فؤادي وعيني في ضياءِ وحندسِ
أحمد محرم
فؤاد حافظ
يا خافقاً قُلْ لي متى تسكنُ ... للهِ ما تُخفي وما تُعلنُ
يا ليتَ شعري عنك في أضلعي ... ماذا تقاسي أيُّها المُثخَنُ
وما الذي أبقاهُ من مهجتي ... ومن حياتي داؤكَ المزمنُ
يا ثغرَهُ من ذا الذي يحتسي ... بَرد ثناياك ولا يؤمنُ
يا قدَّه هذي قلوبُ الورى ... معروضةً طوبى لمن تطعنُ
يا لحظهُ مُرْنا بما تشتهي ... كلّ محالٍ في الهوى ممكنُ
حافظ إبراهيم
стр. 1828
زهرة ورد
أممتُ الحديقةَ عند السحَرْ ... أشمُّ نسيمَ الصبَّا والزهَرْ
وقد نشرَ الفجرُ أسلاكَهُ ... فدبَّ بجفنِ النيامِ الشررْ
وأنشدَتِ الطيرُ آيَ الصباحِ ... فأيقظتِ الزهرَ مثل البشرْ
ومرَّ النسيم بيقظي الرُّبي ... فبشَّ بهِ كلُ ثغرٍ عطِرْ
وكانت إلى جانبي زهرةٌ ... بثوبِ الكرى والندى المنهمِرْ
فأيقظتُها وهي في كِمتها ... كبكرٍ ببُرد الحيا تستترْ
فهبَّت , وفي جفنها فترةٌ ... وفي خدّها حمرةٌ , تعتذرْ
وفي شفتَيها الندى مالكٌ ... عليها الكلام كثغرٍ حصرْ
فمالت إليَّ كأني بها ... تسائلُ عن حالتي والخبرْ
فقلتُ: أراكِ بأسر الكرى ... كأنكِ مغرمةٌ بالسَّمرْ
فهل أنتِ مثليَ مفتونةٌ ... بَما في الطبيعة يَسبي البصرْ
فقالت: وقد طار عنها الندى , ... أيُعذَلُ صبٌّ يُطيل السهرْ
فما أنتَ منا بأسمى شعوراً ... وليس الهوى فيكمُ محتكرْ
فقلتُ: وأنّى لمثلكِ قلبٌ ... خفوقٌ بنار الجوى يستعرْ
نشدتكِ لا تدَّعي بالغرامِ ... ففاهِمُ أسرارهِ قد ندَرْ
يضنّون في حبّهم بالقشورِ ... ولبُّ الهوى عنهمُ مستترْ
وهل يتمشى الهوى في النباتِ ... وبعضُ قلوبِ الورى كالحجرْ
فقالت: أما زنتَ صدر حبيبِ ... فؤادك في باقةٍ كالزُهُرْ
أنا زهرةُ الوردِ رمزُ الغرامِ ... حياةِ النفوسِ وروحِ الفِكَرْ
عشقتُ الطبيعة روحَ الجمال ... وحسبيَ في شمسِها والقمرْ
стр. 1829
تبثُّ الحياةَ بهذا الوجودِ ... فتُقرأُ آياتُها في الصوَرْ
وأما الغرامَ فلا ندَّعي ... وليس لنا منطقٌ للهذَرْ
وأنّا علِمنا من الحكماه ... بأنَّ السكوتَ وعاءُ الدُررْ
فنحن سُكوتٌ وفي صمتنِا ... لَننطقُ في معجزات السوَرْ
وإذا جاَء دوري الجوابِ ... أتت هندُ في الموعد المنتظرْ
فعرَّفتُ بينهما ناشراً ... لِطيِّ حديثٍ شذاهُ انتشرْ
وحكَّمتُها بيننا بالرضي ... فقالت وقد بادلتني النظرْ
هي الجاذبيّةُ بين النفوسِ ... تدسُّ الغرامَ بسلكِ البصرْ
هي الجاذبية بين العناصرِ ... إن تَعْدُ منظومها ينتثرْ
وفي عالم الزهرِ تمشي الحياةُ ... وما من شعورِ لها أو وطرْ
فقلتُ: وأتى لها مثلَنا ... شعورٌ نغذّيه منذُ الصِغَرْ
عشقتكِ ما فتنتني العيونُ ... ولا ثغركِ الممتلي بالدُرَرْ
ولكن بنفسكِ لي جاذبٌ ... هو الكهرباءُ فأين المفرْ
هو الحبُّ يحيا بروحِ الجمال ... ولا تستبيهِ الحِلي والحِبَرْ
وأنتِ الجمالُ فمَنْ عاذري ... إذا لم أكن فيهِ ممن شَعَرْ
فجودي على شاعرٍ بهواكِ ... بآي السني حليةً للفكَرْ
فما الشعرُ دونكِ مهما علا ... بأكثر من طَللٍ مندثِرْ
وذي زهرة الورد رمزُ الهوى ... أزفُّ إلى صدركِ المزدهرْ
فكلٌّ تلفَّتَ بي شاكراً ... وبشَّ بصاحبهِ وافتخرْ
وجاَء الضحى ناثراً عقدَنا ... إلى الملتقى في رياضِ السحرْ
لبنان
أحمد تقي الدين
стр. 1830
إذا ذهب الربيع
أطلتِ تدلُّلاً وأطلتُ صبراً ... كلانا باذلٌ ما يستطيعُ
لقد أودعتِ قلبكِ ما بقلبي ... فضاعَ وكنتُ أحسبُ لا يضيعُ
رددتِ تضرُّعي ورددتِ دمعي ... فليس يُجاب عندكِ لي شفيعُ
فيا ويلاهُ من قلبٍ عصيٍّ ... يذوبُ بحبهِ قلبٌ مطيعُ
ويا لهفي على أملٍ مباح ... يدافع دونه يأسٌ منيعُ
ويا حزني على هذه الأغاني ... أردّدُها وليس لها سميعُ
أسيدتي الرفيعةَ إنَّ روحي ... يقرّبها إليكِ هوى رفيعُ
وأيام الصفاءِ وإن توانت ... يُطاردُ ركبها نأيٌ سريعُ
إذا ذهب الربيعُ ولم أُمتَّعْ ... بنضرتهِ فلا عاد الربيعُ
ولي الدين يكن
شاعر يسلو
مَن مبلغُ الغيدِ عني قصةً عجباً ... تَبكي وتَضحكُ منها الغيد في حينِ
إني سلوتُ فلا هجرْ فيهدمني ... بهِ الغرامُ ولا وصل فيبنيني
فلتلبسِ الغيد من نسج الضحى حُللاً ... ولتعلم اليوم أني غير مفتونِ
وليُمتعِ النفسَ غيري في خمائلها ... وليقطفِ الورد من تلك البساتينِ
وليَهتَصِرْها أفانيناً مُهدَّلةً ... وليجنِ رمَّانَ هاتيكَ الأفانينِ
تلك الغصونُ وكم لوَّيتها بيدي ... وبتُّ أحصي جناها بالموازينِ
حين المحبةُ تحت الكرم تُرضعنا ... والسحبُ ترضعُ أولادَ الرياحينِ
عبد الحليم المصري
стр. 1831
الإنشاء المترهل
شرح الدكتور شميل يطبع كتابه حوادث وخواطر وأتيح لنا أن نقف على مقدمته فاقتطفنا منها الكلمة الآتية في انتقاد هذا النوع من الإنشاء الذي ضاع فيه فريق من كتاب العصر قال:
عنيتُ في الصيف الماضي ١٩١٢ بتقييد بعض حوادث مما مرَّ عليَّ , وتَعليق بعض خواطر مما يعنَّ لي , عسايَ أن أجد فيها ما أشغل بهِ أوقات الفراغ. وأفرّج كُرب العزلة. حتى إذا كاد الصيفُ ينقضي نشبتِ الحرب البلقانية , فوقفتُ في تلك حيث وقفت , وعلَّقت على هذه ما علَّقت. ثم ضممتُ إلى ذلك بعض ما تيسر لي العثور عليهِ من مطويٍّ لم يُنشر , ومنشورٍ مبعثر. وجمعتُ الكل في هذا الكتاب , فجاءَ من كل حرش عصا أو من كل نبتة زهرة على ذوق القارئ. وسمَّيتهُ حوادث وخواطر حوادث هي بعض مذكَّراتي في حياتي القليلة الاختلاط الكثيرة الاعتزال. إن لم تتسع للرواية فقد تستوقف بدقة التحليل؛ وإن أقفزت من القديم المأنوس فقد يكون فيها شيءٌ من الجديد الطليّ؛ وأن كثر فيها الجدُّ فقد لا تخلو من الفكاهة؛ وإن كثرت فيها المعلَّقات الخصوصية فلم أُهمِل من خلالها المرامي العمومية. حوادث لم أنقلها عن يومية مدوَّن فيها كلُّ ما كان يعرض لي كما يفعل البعض , ولاسيما الإفرنج في مذكَّراتهم , ولكنني اعتمدتُ فيها على ذاكرةٍ قلما تخونني في الوقائع , وغن كانت كثيراً في التاريخ. وخواطر هي بعض أفكاري أُطلقها تجول في ما حولي , وتمرُّ بي حتى أعماق نفسي , وتنطق عن نظري الخاصّ ولو خالفت أحكامي أحكام سواي. وإن لم أدَّعِ لها العصمة فإني أربأُ بها أن تميلَ مع الهوى ولو لَقيَتْ ما لَقيَتْ من عواصف
стр. 1832
العواطف الغالبة حتى الساعة على أفعال سائر الناس , والمتمكنة فينا أكثر من سوانا على نوع خاصّ. حوادث وخواطر سردتها سرداً كما جاءَت غير متَّبعِ فيها نهجاً مخصوصاً. ولم أتعَّمل فيها غالباً لئلاّ يجمح بي جواد المبنى فيخرجني عن جادَّة المعنى. فهجرت الوحشيَّ الفحليَّ , ولم أقع في الحضريّ المترهّل , وتقرَّبتُ كثيراً من العامة , عسى أن تكون البلاغة في ما كان أدنى إلى تبليغ المراد. قلت الحضريّ المترهّل لأني أرى اليوم مَيلاً كبيراً للتباري في نهج من الإنشاء إن أجاد فيهِ البعض فقد قلَّ فيه المفلحون. وإن حلا في بعض المواقف فمن المُصاب ما يُغثي. يترقق فيهِ اللفظ حتى لا يكاد يغشى السمع. يطوف على الأزهار ويناجي نفوس الكواكب , ويستمطر دموع الملائكة , ويثير أشجان القلوب.
ولكن يحار الجنان في فهمهِ إذا تقَّصاه إلى لبّه. فلا هو نشيد الأناشيد , ولا هو مراثي أرميا , ولا هو مصابرة أيوب , حتى ولا هو تسبيح داود على قيثارتهِ. أو هو خليط منها يتلألأ ولكن كالبرق الخلَّب. ولا يبقى من جيّده في الذهن إلا أثر النسيم على صفحات الماء , ومن رديئةِ إلا أثر الكابوس في الحالم. وشأنهُ في الحالين شأن الماس الكاذب , فلا هو حليةٌ للتنافس , ولا هو الفحم النافع باعتبار أن الماس الحقيقي فحم متبلور. كأننا لم نهجر التقعر الجاف إلا لنقع في الرقيق المائع. وبينهما ضحايا الفكَر مقتولة على مذبح هيكل العواطف الثائرة أو الذابلة. ولكم عرض لي وأنا أسمع هذا الشعر الجديد المنثور , أن تذبل عيناي , وتتدلى يداي , ويتهادى ذراعاي , كأنهما جناحان هبَّا بي للتصفيق ولكنهما هبَّا متكسرين كأني بهما الطير الواقع. وما الناس بحاجة إلى هذا التنويم المخدّر بعد ذلك أني تنزَّلت إليهم , بل أريد أني تحديثُ الأسلوب الذي ينفتح للجميع على حد سواء , بدون أن يُضطرَّ فيهِ إلى تعمُّل يوجبه التأنق في الإنشاء , كثيراً ما يذهب بجهد الكاتب , وقد يستمهل
стр. 1833
فهم القارئ حيث يجب أن يُستحثّ , ونحن إن لم نكن في عصر بالقياس إلينا فإلى عصر بالقياس إلى سوانا الوقت فيه ثمين , عسانا أن لا نبقي مقيدين في الأغلال على الأجيال. واستعملتُ كثيراً من ألفاظهم التي تعبر جيداً عن المراد , والتي إن وجد بعد العناء في معجم اللغة ما يقوم مقامها , فقد يعزُّ حتى على الأديب مغزاه حتى يتقصاه مكانه , والمقصود من الكتابة ليس الإغلاق. كما أني أثبتُّ كثيراً من كلامهم الجاري مجرى المثل , لأن الأمثال حكمة الشعوب التي تعبر عن أحوالهم وَمجرى أفكارهم في كل أطوارهم. ونهجت نهج الأمم الراقية من متقدمين ومتأخرين , ونهج العرب أنفسهم في أبَّان حضارتهم في مستحدثات الصناعة ومستنبطات العلم , فلم أتحوّل عن مسمياتها في لغاتهم , إلاّ حيث أمنت اللبس ولم أخشَ التشويش , ولاسيما في هذا العصر الكهربائي الذي يتدفق فيه المستجد كل يوم تدفق السيل , حتى صار التحوُّل عنهُ إلى أوضاع الاجتهاد خروجاً عن المأنوس المدرك إلى الوحشيّ المغلَق , متبعاً في كل ذلك سنّة التحوُّل التي تتناول كل شيءِ في الطبيعة والإنسان في العمران , والتي لا يقوى عليها حتى ولا الجامدون المتمكنون من جمودهم مهما جمدوا. حوادث وخواطر لم أدارِ فيها ولم أحابِ , وإن أغضب ذلك النفوس التي لم تألف إلا الهدهدة. وإذا كنت أُكثر فيها الانتقاد أطلقهُ على ما حولي وأتناول بهِ حتى
نفسي فلأن الانتقاد يبعث على التفكير. عسى أن يغلب علينا ما لا نحبَّ مما يُحمد فنحسَّ بفكرنا لا أننا نفتكر دائماً بشعورنا وقلما تنجح أعمال العقل إذا غلبته العواطف. ولا أخشى حملات العقلاء , فاحترام كل فكر ضروري لحياة الفكر. والإصغاء إلى كل نظر واجب. وأدفع حملات سواهم متستنصراً عليهم أبناءَهم من أصلابهم فهم الذين يثأرون منهم. يثأرون الإفراد المجنيّ عليهم والمجتمع الذي يسيئون إليهِ. وسرعان ما يكون هذا الاثئار اليوم.
الدكتور شميل
стр. 1834
نهضة اللغتين
العربية والتركية
حياة الأمم في آدابها العالية , وبيانها الخالد , بها تنهض , وتسمو , وتماشي الدهر , وبها تستعزّ؛ ولكَم من أمة كفل لها بيانُ لغتها بعثَها بعد أن طوى جهلُ حكامها صحيفة وجودها؛ وفي بعث هذه الأمم التي ناهضت الترك وتناهضهم اليوم في سهول تراقية والروملي خير دليل وبرهان , فلئن هبّ علماءُ الغرب وشعراؤه سنة ١٨٢٠ لنجدة الأمة اليونانية فهم إنما أرادوا بإحيائها إحياء لغة اليونان. فقد ضمنت أقلام كتبة آثينا الذاهبين الخالدين هذا الوجود الحاضر لمن استخلفوهم على لغتهم في ديارهم. فهم بما كتبوه منذ ألفي سنة بعثوا أمة اليونان منذ تسعين سنة. للّغات كالأمم أدوار عزةٍ وانكسار , ولقد زهت لغتا العرب والفرس في أعزّ أيام دولهما؛ فكانت اللغة العربية في القرنين الثالث والرابع للهجرة في أوج عظمتها ورقيّها , وفي مثل ما نرى فيهِ اليوم لغات باريس ولندن وبرلين. فكانت تغصّ أروقة حلقات الدرس في مدنها وهي أشبه شيء بجامعات مدن الغرب الكبرى في يومنا الحاضر بمئات الطلاب القادمين إليها انتجاعاً للعلم , كما تكتظ مدارس عواصم الغرب في هذا العصر بطلاَّب الشرق , ولم أرَ أمة شذّت عن هذه القاعدة غير الأمة التركية لأسباب تضيع في شرحها وتعليلها آراءُ علماءِ الاجتماع. مرت الأمة التركية بدور عزّة وعظمة لم ينقصا في شيءٍ عن عزّة وعظمة أرقى الأمم التي مشت قبلها على وجه هذه البسيطة. فلقد جاءت عشائرها مئات من جبال الأورال في الشمال واجتمعت ملايين عند أسوار فينا. فكانت ككرة الثلج تزداد في تدحرجها ضخامة إلى أن ضعفت فاضمحلت بفعل النواميس الطبيعية , كما اضمحلت
стр. 1835
الأمم التي تقدمتها بفعل هذه النواميس نفسها. ولقد بلغت الأمة التركية هذا المبلغ من الرقي والنهوض , ولغتها في الحضيض , لا شعر , ولا بيان , ولا آداب سامية , فكأن تلك الحروب والفتوحات جرفت الأمة كلها في سيرها إلى الموت والفناءِ. إلا أن الباحث المدقق يجد أن الأمة التركية كانت كلها منذ بدءِ الفتح تشغل مناصب السيادة الملكية والعسكرية فلا تعرّض مقاتل أفرادها على الهلاك إلاّ على قَدَر. وما كان أولئك الذين فتحوا الديار وهاجموا الأسوار إلا أبناءُ هؤلاء الأسرى الذين سقطوا في حروبهم مع الترك بين أيديهم فاعتنقوا الإسلام ووقفوا أجسامهم على خدمة الحرب , فسار
أبناؤهم على آثارهم إلى أن اضمحلت أجواق الانكشارية التي قادت أعلامها خافقة إلى النصر في كل مكان فكان في استطاعة الترك في أيام عز دولتهم أحياءُ بيان لغتها وضربها على أعناق الدهر خالدةً خلود جميع اللغات التي تقدمتها والتي جاءَت وستجيءُ بعدها. غير أنه لم يكن شيءٌ من ذلك. فلقد مالت شمس عظمة تلك الدولة إلى الأفوال والغروب وشمس نهضة لغتها لم تبزغ بعد؛ وهذا الحادث الغريب , الشاذّ , من أغرب الحوادث التي يسطرها التاريخ في صحائفه لأبنائه الآتين. بدأت نهضة اللغة التركية الحديثة منذ خمسين سنة مضت فأخذت ترتقي وتنمو برغم الحوائل التي حالت دون نموّها في الثلاثين سنة التي مرَّت بها من حكم عبد الحميد. فكتب أدباؤها , وترجموا جلّ مؤلفات كتّاب الغرب وعلمائهم في العلوم والفنون , والشعر والأدب. وساعدهم على ذلك وجود حكومةٍ لهم منهم تمدّهم بعضدها , ومدارس في كل نوع من أنواع العلوم. في العلوم الحربية والبحرية , وفي التاريخ والحقوق والاقتصاد وعلوم التجارة والزراعة , فامتلأت مكاتبهم بآثارهم وأخذت لغتهم في الزهو والإشراق , والحكومة في أحرج أدوار حياتها تنتقل من انكسار إلى انكسار , ولعلّ السبب في إقبالهم على النهوض بلغتهم في هذا الدور والعصر هو الانتفاع بها كسلاح لمقاومة الفناءِ. فاشتغلوا بإحياء اللغة لفوائدها
стр. 1836
لا لذاتها , كما فعل غيرهم من الأمم. فقد انصرف العرب عن الاشتغال بالمُلك إلى الاشتغال بالأدب , وانصرف الترك إلى الاشتغال بالأدب , طمعاً باستبقاءِ المُالك. ولقد ماشيت اللغة التركية في فروق خمسة أعوام رأيتها فيها سائرة بقدم الجبّار إلى الانتشار والاعتزاز , فعمل لها أبناؤها في خمسة أعوام مثل ما عمل لها آباؤهم في خمسين سنة إن لم أقل أكثر. وكفاني دليلاً على اتساع الحركة الفكرية في الآستانة أن أقول أن عدد مطابعها بات أربعة أضعاف ما كان عليهِ منذ خمسة أعوام. وإن أجرة المرتّب التي كانت لا تتجاوز خمسة عشر غرشاً مرَّ عليها دور بلغت الستين غرشاً في اليوم. وقد رأى أدباءُ الترك أن لا مفرٌ لهم من إنشاءِ نادٍ يجمع شتاتهم , يشتغلون فيهِ بإيجاد الألفاظ ونحت المعاني وبعث اللغة , فانشأوا نادياً لهم أطلقوا عليهِ اسم فجر آتي لم يَخلُ من فائدة في نهوضهم فكان غرَّة مطلع ذلك الفجر. وعملوا مجدّين في ما أرادوه فكانت هذه الأعوام الخمسة التي مرَّت بهم سنوات بركة وإسعاد في اللغة فقط. وإذا نظرنا إلى كتَّاب اللغتين العربية والتركية في هذه السنوات الأخيرة نجد
الآخرين أغزرَ مادة , وأصحّ سنداً , وأقوى بياناً. ليس مَن ينكر نهضة الآداب العربية الكبرى منذ الربع الأخير من القرن الماضي إلى هذا اليوم؛ فلقد بلغت دولة الشعر والأدب فيها مبلغ أزمانها الراقية في أيام العرب الأولى الزاهرة , إلاّ أن الحركة العلمية وما يلحقها لا تزال ضعيفةً من كل وجه , فكتب التاريخ والعلوم قليلة لا تروي ظمأ الوارد , ونظام العمل على النهوض بها مفقود , فكم من كتاب ثمين بدأ ذووه بهِ وطووه. وهذه مجلدات دائرة المعارف وكتاب آثار الأدهار لا تزال تنتظر أناساً يكملون ما بدأ بهِ السلف الصالح. ففي مصر وسوريا والعراق حركة أدبية كبرى اليوم لا نظام لها ولا رابطة تربط ذويها , على أن حصولها سهل , وإحداثها غير بعيد المنال. وفي نظارة المعارف
стр. 1837
رجل كحشمت باشا دلّت سوابق أياديهِ على اللغة العربية على أن يديه لا تنكمشان عن مساعدتها. ففي قليل من عناية أمراء هذه النهضة يُحقق الأمل ويتم الرجاء. وأول حلقة من حلقات هذا النهوض إنشاء ندوة للمشتغلين بالأدب يسنّ لها نظام يربط أبناءَه في مصر وسوريا والعراق حتى والمهاجر الأميركية. فتكون هذه الندوة أشبه شيءٍ بغرّة الفجر الآتي العربي , ونجمة هذه اللغة التي تهدي بنيها إلى أفضل السبل للنهوض العربية ففي تنظيمها وتسييرها في سبلها خير ضامن لها بالبقاء. فإلى العمل والنهوض أيها الأدباء
مصر
إبراهيم سليم نجار
عهود الغادات
صديقتي العزيزة أنيسة
إليك مني هذا النبأ الغريب. أنه لنبأ غريبو لأنهُ كان في اعتبارك واعتباري غير محتمل الوقوع. ولكن صدق القائل لا مستحيل على وجه الأرض. تودّين أن تعرفي هذا النبأ في الحال. ولكني أقول لكِ أحزريه. ربما تظنين أني صرت غنياً عظيماً كأني اكتشفت كنزاً , تحسبين أن الحكومة عينتني وزيراً , أو غير ذلك من الأمور الغريبة. ولكن أمثال هذه الأمور وإن تكن غير منتظرة أقرب في اعتبارك واعتباري مما سأقوله لكِ , لأنكِ لن تحزريه. وليس ذلك لأنهُ لا يحدث مثله كلَّ يوم وكلَّ ساعة بل لأنهُ كان عندنا غير محتمل الوقوع. أقول لكِ بلا تطويل في المقدّمات أن أمينة قاطعتني , وكنت أود أن أراكِ وأنتِ تترددين في تصديق هذا النبأِ , بل أن أرى دهشتك وقد تحققتِ صحته لأشاهد أبلغ حالة من حالات الانذهال والتعجب. ولكن لا صبر لي على كتمان هذا
стр. 1838
الحادث عنكِ إلى حين اللقاء. نعم أن أمينة نسيت أو تناست ذلك الحبَّ الشريف الشديد المتبادل الذي كان يربط روحينا برابطٍ كنتُ أظن أن ما من قوة في الوجود تقدر على قطعة حتى ولا الموت. فهل تصدقين هذا النبأ. أنتِ صديقتها الحميمة ومستودع سرّ فؤادها. أنتِ التي طالما رأت الوجد يُسيل من مآقيها العبرات , وطالما سمعت الهوى يصعّد من صدرها الزفرات , وطالما رنّت في آذانك أقسامها المغلظلة بأن أتوس هو حبيبها الوحيد الدائم , وأنها إنما بحبه تحيا. أنتِ التي تعرفين كلَّ ذلك. هل تصدقين أنني صرت لديها كغريب , كأنَّ لم يكن شيء مما كان. نعم هكذا حصل والأدهى أنها لا تريد أن تقدم سبباً لهذه المقاطعة سوى إن هذا الحب لا حاجة إليه ولا فائدة. لكَم قلت لها - وأرجوكِ عذراً وصفحاً - إن قلوب النساء متقلبة , وإنها بقدر تسرُّعها في الميل تتسرع في الانحراف؛ فكانت تقول لي لستُ من تلك النساءِ إن حبي لكِ لهو دمي الذي يجري في عروقي؛ فحياتي هي البرهان على دوام وجوده. وها هي الآن تحيا وتزداد يوماً عن يوم عافية ونضارة. يقولون أن جسم الإنسان مجموعٌ مؤلف من خلايا حيوية صغيرة جداً دائمة الفناء والتجدد. فهل تظنين أن هذا الناموس الطبيعي - أي الفناء والتجدد - يغيّر هوية الشخص فيصيّره اليوم غير ما كان منذ سبع سنين. إن أميال النفس المختلفة - وسيدها الحب - لا توجد في الإنسان عفواً , بل لا بدَّ لها من سبب. ولا أنكر أن هذه الأميال تتغير أو تضمحل , ولكنها كما وُجدت بسبب , فزوالها
يجب أن يكون لسبب أيضاً , وبقدر ما يكون الميل شديداً , يكون سببه عظيماً. فزوال هذا الميل الشديد يقتضي أن يكون سببهُ عظيماً أيضاً. فهل تستطيعين أن تستخرجي لي من أعماق صدرها سبب هذا الانقلاب العظيم
стр. 1839
أنتِ تعرفين تاريخ حبنا كلهُ وتقدرينه قدره من الاعتبار لأنهُ حبٌّ روحي كنا بكل جرأة نباهي بهِ ونفاخر. ولكني لا أعلم إذا كنتِ تعرفين كيف نبت هذا الحبّ ونما , فاعلمي يا أنيسة أنني أنا الذي كنت ضحية هذا الحب بلا ذنب. كنت يوماً أتنزه مع نسيبةٍ لي , فالتقينا اتفاقاً بأمينة تتنزه مع قريب لها , وكان بيني وبين تعارف سابق , وبينها وبين نسيبتي مثله , فتبادلنا التحيات واجتمعنا نتحدث في شؤون مختلفة , فما انتهت جلستنا حتى شعرت بأني نزلت من فؤاد أمينة منزلاً حسناً. ثم تلاقينا فمدَّت إليَّ يد التوّدد , فمددت لها يد الترحاب , وكل منا يعجب بسجايا الآخر , وهكذا نما الحب واشتد وتمكن مني. لم أتعشقها من نظرة كما يقولون , ولا سعيت في جذب قلبها نحوي بالنصبي , وهي خالية الذهن مني , ولا سبقتها ببث الحب. بل لطالما عملتُ على إطفاء ما كان يتقد في نفسها من الشغف بي اتقاءً لمبادلتها هذا الوجد خشية أن تنقلب عليَّ يوماً , ويكون ولعي بها قد أزمن , فلا يبقى إلى الشفاء سبيل فأشقى وتسعد , وأتألم ولا تبالي؛ ولكنها كانت قادرةً , فلقحت دمي بمكروب هواها , وتركتني هازئة , ولسان حالها يقول: أشفَ أن قدرت. هل أقول أن مظاهرها تلك كانت تفنناً في اختلاب الألباب واستهواء العقول. إنكِ لا توافقيني على هذا القول , وأنا لا أجسر على الجزم بهِ. إنكِ تعرفين منها أنَّ حبها كان حقيقياً كحقيقة وجودها , ولكن يمكنني الآن أن أكرر قولي لكِ - ولو ساءَك - أكرره ولا أقبل فيهِ جدالاً , ولا بضده اقتناعاً أن قلب المرأة سريع الميل سريع الانحراف. أن حبّ المرأة فجائي الحدوث فجائي الزوال ولعلها في هذا الخلق أسعد حظاً من الرجل , فلا تأسف على هناء ضاع ولا تذكر حباً كان , في حين أن ثبات الرجل في حبٍ لا أمل له فيه ولا عزاء , إنما هو كل الشقاء. أن الراويات الموضوعة التي تمثل وفاء المرأة وخيانة الرجل في الحب , إنما هي
стр. 1840
تخيلات يٌقصد بها التأثير على طبع المرأة الفطري لجعلها وفية ولو خانها الرجل , ولكن عبثاً يتعب هؤلاء القصاصون. لقد أطلتُ القول وأنتِ تنتظرين أن تعرفي كيف صارت هذه المقاطعة. نعم , وإليك البيان: تعلمين أنا كنا نتقابل ونتكاتب , فزرتها يوماً فوجدتها غائبة عن منزلها , فكتبتُ إليها فلم آخذ جواباً ,
فكتبت ثانية فجاءَني منها الكتاب الآتي نصهُ:
١٠ ابريل حضرة الفاضل الكريم المحترم
تشرفت بكتابيك الأول والثاني , المؤرخين في ٧و٩ الجاري , وها أنا أجاوب حضرتك عليهما معاً , فأقول: لقد رأيت بعد التفكر الطويل أن علاقتنا القديمة لا حاجة إليها ولا فائدة منها؛ ولذا أرجوك أن تعذرني على عدم تمكني في المستقبل من مكاتبتك ومقابلتك , بيدَ أني أبقى ذاكرة على الدوام مكارم أخلاقك وحسن شمائلك؛ ولا أزال اعتبر نفسي الصديقة المخلصة.
أمينة
دهشت من هذا الكتاب , ولم أفهم ما أقرأ لأول وهلة , فكررتُ القراءة على مهل , ويداي ترتجفان , وعيناي تحدقان في هذه الحروف المرسومة , لعلي استنتج من أشكال رقمها حالة الانفعال النفسائي التي كانت أمينة عليها عند كتابتها؛ فوجدتها متناسقة جميلة , على أحسن ترتيب , مما يدلُّ على أن الكاتبة كانت على أتمّ ما يكون من الرواق والارتياح؛ وجعلت أفسر هذا الكتاب الوجيز كما يفسرون طلمساً مبهماً , فأخذ تفسيره عندي ما لو كتب لملأ مجلداً.
صرت بعد العزيز والحبيب حضرة الفاضل الكريم المحترم
نعم ما دام أن قلبها قد انقلب , فقد صار حبنا لا حاجة إليه ولا فائدة منه. على أنهُ قد كان ذا فائدة , وإليه حاجة فيما مضى , قد كان الدم الذي بهِ تحيا.
والمرء يحب الذكرى اللذيذة؛ فأخذت مجموعة رسائل أمينة وجعلت أقلب في
стр. 1841
صفحاتها , فوقع نظري للحال على كتاب سأنقل إليكِ بعضاً منهُ. قالت: الوقت الآن نصف الليل. الناس نيام والطبيعة هادئة ساكنة. لا صوت , ولا حركة. لم أستطع النوم فقمت إلى الحديقة لأناجيك. جلست على المقعد وتخيّلتك واقفاً بجانبي ترنو إليّ بتلك النظرات وتبسم لي. نسيم لطيف يمرّ إليك قولي أحبك دائماً. تنشق هذا النسيم فإن روحي صائرة معه إليك.
ولا يخلو كتاب من كتبها من مثل هذا المعنى
قلت لها مرة؛ بل غير مرة: يا أمينة تحدثني نفسي بأن حبك هذا لا يدوم , ويا لشد ما أخشى زواله , فقالت: بل يدوم إلى الأبد. قلت: اسمعي. لا ينشأ الحب عبثاً , بل لابد أن
يكون في المحبوب مزية أو مزايا راقت في نظر المحب فأب صاحبها , وإذا كنتِ قد رأيت بي مزية تحبينها , فلست متفرداً بها وحدي , بل أنها توجد في غيري , وربما بصورة أعظم وأجلّ. وقد يوجد من يتخلى بمزايا ومحاسن متعددة , والقلب يميل إلى الأفضل. قالت لقد رأيت كثيراً ولم أرَ مثلك. قلت سترين في المستقبل. قالت لن يوجد مثلك أبداً. راجعت ضميري فلم أجدني أتيت سبباً يوجب هذا الانقلاب. وأنت تعلمين أنها حرّة بفؤادها وسلوكها , فالسلطة الأدبية لا تؤاخذها على حبها هذا الشريف ولا سلطة شرعية عليها تحول دون استمراره وإعلانهِ. فليس إذاً هنالك سبب خارجي دعا إلى هذا الانقلاب والسبب منها ولا شك. فما هو؟ لقد صح إنذاري. ورأت من هو أفضل مني حاولت الجمع بين حبين , ولكن غيرة الحبيب الجديد قطعت صلة الحبيب القديم. هي تظنني أجهل هذا السبب فدعيها مطمئنة إلى ظنها. . . هنيئاً لها. . .!
أنوس
стр. 1842
ثمرات المطابع
دليل لبنان وسوريا - صدر الجزء الأول من هذا المؤلف الذي يهتمُّ بوضعهِ حضرة الكاتب الفاضل الشيخ بولس مسعدو وقد تناول فيه البحث جغرافية سوريا الطبيعية والاقتصادية والسياسية وما يتعلق بتجارة تلك البلاد وصنائعها وفنونها وأديانها وطوائفها ولغاتها وحضارتها إلى غير ذلك من الأبحاث التي تدلّ على اجتهاد عظيم وتنقيب كبير لجمع المعلومات والمستندات اللازمة وإبرازها في أحسن قالب والكتاب مقدم إلى دولة الأمير محمد علي باشا شقيق الجناب العالي الخديوي الذي عرف السوريون قاطبةً أياديه وأيادي الأسرة العلوية عليهم وعلى بلادهم. ولا نشك في أن الإقبال سيكون عظيماً على هذا الكتاب لاسيما في مطلع فصل الصيف حيث يكثر عدد مرتادي لبنان وسوريا انتجاعاً للعافية فيجدون في دليل لبنان وسوريا كل ما يبتغون من الفوائد عن البلاد التي يقصدونها. وقد اهتمَّ الأجانب كثيراً بوضع مثل هذا الدليل لبلادهم تشويقاً للسائحين وتسهيلاً للمسافرين. فلم يكن بدٌّ من تأليف مثله عن لبنان وعدد المصطافين فيه يزداد عاماً فعاماً. فنشكر لمسعد أفندي خدمته هذه ونثني على جده ونشاطهِ.
الترجمان الطلياني - عنيت إدارة المكتبة العمومية المشهورة بما لها من الآثار الطيبة في عالم المطبوعات بوضع هذا الترجمان الطلياني باللفظ العربي , فجاء شاملاً وافياً بالغرض المقصود. وهو مصدَّر بملحوظات مفيدة عن اللغة الطليانية وكيفية النطق بحروفها , يليها معجم وافٍ في مفرادتها مرتبة حسب المعاني , ثمّ فصول عديدة للتخاطب في مواضيع متنوّعة. وقد وُضع بعد كل كلمة أو جملة معناها العربي وكيفية التلفُّظ بها بحروف عربية حتى أنهُ ليسهل على الراغب في اللغة الطليانية أن يتعلّمها وحده لفظاً وفهماً بدون مساعدة أستاذ.
стр. 1843
الحفلة الإكرامية
لخليل أفندي مطران
حُيّيتَ يا وطناً القلوبُ إلى ... أرجائهِ وبهِ الأرواحُ تغبطُ
شمسُ المعارفِ في علياهُ جامعةٌ ... أطرافَهُ وهي فيما بينها وَسَطُ
ففي ذرى الأرْزِ حبلٌ من أشعَّتها ... يُلقى وحبلٌ على الأهرام منبسطُ
إبراهيم اليازجي
في الحفلة التي أقامتها مجلة سركيس في الرابع والعشرين من الشهر الماضي , احتفالاً بالأنعام على خليل أفندي مطران بالمجيدي الثالث , تجلَّت هذه الشمس بأجلى مظاهرها , وألقت من قرصها الذهبي المتقد أشعة الحبّ والوئام والصفاء على مصر وصوريا اللتين كان يمثلها في دار الجامعة نخبة الأدباء والفضلاء والوجهاء في القطرين الشقيقين.
стр. 1844
المحتفَل بهِ رجلٌ عرفهُ عشراؤه بالمرؤة ودمائه الخلق وسعة الصدر وعفة اللسان والوفاء للصديق , فأحبه الجميع. وكأن الشاعر عناه بقوله:
إذا كنتَ من كل الطباع مركّباً ... فأنتَ إلى كل القلوب حبيبُ
هذه بعض صفات الرجل؛ أما الشاعر الذي في بُرْدَي خليل , فقد عرَفتهُ النفوس خلاَّباً ساحراً , والأفئدة محرّكاً مستفزّاً. شهدت له بكلّ ذلك نبضات قلوب قرَّائه , كما شهد له إخوانه في الأدب بقوَّة بيانه , وذكاء جنانه , فاسمع ما قالوا فيه في تلك الحفلة , وشهادة مثل هؤلاء حجة. قال حافظ بك إبراهيم:
قد سمعنا خليلكم فسمعنا ... شاعراً أقعد النهى وأقاما
وطمعنا في شأوهِ فقعدنا ... وكسرنا من عجزنا الأقلاما
نظمَ الشامَ والعراقَ ومصراً ... سلكُ آياتهِ فكان الإِماما
فمشى النثر خاضعاً ومشى الشع ... رُ وألقى إلى الخليل الزمانا
فعقدنا له اللواَء علينا ... واحتفلنا نزيدُهُ إكراما
وما أبلغ هذه الشهادة إذا جاءت تزكيتها من حفني بك ناصف القائل:
يا شعر مطران لعب ... تَ بلبّنا ونفثتَ سحرَكْ
للهِ ما أحلاكَ يا ... سحرَ البيان وما أمرَّكْ
إن ملتَ يوماً للثنا ... ءِ نثرتَ في الأسماعِ دُرَّكْ
وإذا استفزَّك عابثٌ ... يوماً كفانا اللهُ شرَّكْ
وإذا هويتَ خلبتَ مَنْ ... تهواهُ واستنزلتَ بدركْ
وقال نقولا أفندي رزق الله:
تأمّلْ كرافائيلَ وارسمْ فهذهِ ... أمامَك دنيانا وأنتَ المصوِّرُ
стр. 1845
صفِ الجوَّ والأفلاكَ والأرضَ والسما ... وما تُظهِرِ الأيامُ منها وتُضمرُ
ترنّم ببتِ الشعرِ تُنعِشْ نفوسنا ... فنحنُ ومن في الشرقِ نُصغي ونكبرُ
وقال نعوم بك شقير:
ويبدو كما شاَء في شعرهِ ... فطيرُ الأراكِ وليث الأجمْ
إذا رامَ ذمّاً فجمرُ الغضى ... وإن رامَ مدحاً فزهرُ الأكَمْ
فقلتُ: أشاعرُ هذا الزمانِ ... خليلٌ؟ فقال الزمانُ: نعمْ!
وقال أحمد أفندي نسيم:
قوافٍ , لو أنَّ الحسنَ صاغَحروفها ... بعقدٍ , لكانت لؤلؤاً وزبرجدا
ولو سمعتها الطيرُ في وكناتِها ... لقالت هديل الشعرِ عاد وغرَّدا
ففي شعرهِ روحُ المهلهلِ تارةً ... وآوانةً روحُ الوليدِ إذا شدا
وقال أسعد أفندي داغر:
أمير القوافي الذي صيتُهُ ... كشمسِ الضحى عمَّ تسيارهُ
فرنّت قصائدُهُ في العراقِ ... وجابت تهامةَ أشعارُهُ
وفي مصر ديوانُهُ عامرٌ ... ورهط البلاغةِ نظّارُهُ
كل هذه الشهادات الثمينة سجَّلها لمطران أستاذُ الشعر في هذا العصر إسماعيل باشا صبري إذ قال:
قلمٌ تصدرُ الحقائقُ عنهُ ... حالياتٍ في أجملِ الأبرادِ
ولسانٌ يمسي يُدّبرُهّ فك ... رٌ كبيرُ النهى كبيرُ المرادِ
وكان رئيس الحفلة وهلالها الساطع دولة الأمير الخطير البرنس محمد علي باشا شقيق مليك مصر , فجاءت شهادته لوحدها جامعةً لشهادة الأدباء
стр. 1846
والأصدقاء , والشعراء والقرَّاء
فقال من خطبته النفسية:
ولقد سمعتُ منذ زمانٍ طويل بشهرة ذلك الشاعر الطائر الصيت , فاتهجتُ بما وصل إليَّ من أفكاره السديدة التي تنبئُ عما هو عليهِ من علوٍّ في الهمة , وثبات في الرأي , ووفور في العلم. ولم يكن إعجابي بهِ لما أوتيهِ من المواهب الجليلة في دولة العلم فقط , بل لما تحلّى بهِ أيضاً من الأخلاق الكريمة التي تحمله دائماً على سلوك طريق الاستقامة , وتباعد بينه وبين التحقير للغير , حتى صار بذلك محبوباً مرموقاً بعين الإجلال والاعتبار , متأهباً لنيل المجد والفخار. . . ولستُ أدَّعي أن أقدّم لقراء الزهور في بضع صفحات كل ما قيل في هذه الحفلة النادرة وقد كلَّف سركيس جمعُهُ مئة وستين صفحة من مجلتهِ , ولا أن أصف في سطور قلائل ما شهدتُ ورأيت في دار الجامعة وقد تقصر عن ذلك الصفحات الطوال. غير أنه لا يسعني إلاَّ أن أخصَّ بالذكرِ إخواننا أُدباء لبنان وسوريا , فإنهم أحبوا اغتنام هذه الفرصة لأحكام الروابط الأدبية لمتينة التي تربط الأمتين , فأوفدوا أدبيهم الكبير وشاعرهم البليغ شبلي بك ملاَّط ليمثلهم في هذه الحفلة , فقام بمهمتهِ خير قيام , وأنشد قصيدة عصماءَ اهتزَّ لها السامعون طرباً , كما يحقُّ لموفديهِ أن يهتزُّوا لها عجباً , وقد أكرمت مصر في شخصهِ الكرم أدباءَ المصريين للضيوف الأدباء حدّث ولا حرج. . . . أعود إل الحفلة فأقول: وقد أراد فريقٌ من أصدقاءِ خليل مطران
стр. 1847
والمعجَبين بهِ أن يقدّموا له شيئاً غير الشعر غير الشعر الثمين والنثر الغالي؛ فأهدت إليهِ السيدة النبيلة مدام تقلا باشا والدة صاحب الأهرام ديوانه مجلداً في غلافٍ نفيس من الفضة المحلاَّة بالذهب فكانت الهدية غايةً في الذوق اللطيف , وأهدي إليهِ سعادة عبد الله باشا صفير قلماً ذهبياً , رمزاً إلى التبر الذي يسيل من قلم الشاعر , وقدَّم إليهِ عزتلو حبيب بك لطف الله النيشان المجيدي المنعم عليهِ بهِ. وحمل إليه مندوب سوريا من سعادة سليم بك أيوب ثابت ساعةً ذهبية جميلة. وأهدت إليه السيدة الفاضلة لبيبه هاشم صاحبة مجلة فتاة الشرق أبياتاً من الشعر في إطار جميل كتبتها بخطها الظريف.
وقدَّمت له الكاتبة الشهيرة الآنسة مي باقةً جميلة - في شكل خطبة غراء - جمعت أزهارها من رياض الخيال , ورياحينها من حدائق الشعور , فعطَّر شذاها الأرجاء وأنعش الأرواح. هذا بعض ما جمعتُه لقرائي عن تلك الحفلة التي تحدَّثت بها أنديتنا ومجتمعاتنا
الأدبية كل هذه الأيام. أما صديقي سليم سركيس فكل ثناءٍ عليهِ يظلُّ همته وتفانيه وكفاه بنجاح فكرته مدحاً وتقريظاً. ولئن كان الخليل أهلاً لكل ثناءٍ قيل فيه فإن السليم الذي كان زنبلك كل هذه الحركة يستحقّ أيضاً حظّاً وافراً من الثناء. وقد بتنا نتوقع له نصيباً من إنعامات أمير النيل لنعقدّ له حفلة لم ترَها عين , ولم تسمع بها إذن , ولا خطرت على قلب بشر.
стр. 1848
عصا حافظ وجزمة الشميّل
حافظ إبراهيم وخليل مطران يشتغلان الآن معاً بترجمة كتاب علم الاقتصاد للكاتب الفرنسوي ليروى - بوليو؛ فتراهما يروحان ويجيئان بين المكتبة والمطبعة , ويبحثان وينقّبان عن لفظةٍ عربية تؤدّي معنى الاصطلاحات الأفرنجية. وليس ذلك دائماً بالأمر السهل؛ وسأعود إلى زيارة التفصيل عن هذه المساًلة في جزءٍ آتٍ. ولم أذكر اليوم كتاب علم الاقتصاد إلاّ عَرَضاَ فقط , لأنهُ جمعني في ٦ أبريل الماضي بأحد نصفي المعرّب حافظ بك إبراهيم , فلمحتُ في يدهِ عصا عليها شارةٌ نُقِشَ فيها تاريخ إهدائها إليهِ , فإذا هو ٦أبريل ١٩٠٧. اتفاقٌ غريب! وأغربُ منهُ أن تلك العصا قد رافقت حافظاً ستة أعوامٍ كاملة , سلمت فيها من البيع والرهن والسرقة.
عجباً له فظ العنانَ بأنملٍ ... ما حفظُها الأشياَء من عاداتها
ولعلّي أدركتُ السرَّ في بقائها , فهو يهشُّ بها على غنمهِ ولهُ بها مآرب أُخرى: فبها يضربُ القوافي فتتفجّرُ لَهُ سحراً حلالاً , كما كان موسى يضربُ بعصاهُ الصخرَ فيتفجّرُ لهُ ماءً زلالاً. أو لعلَّ عصا حافظ لها منزلة من نفسهِ كمنزلة جزمة الدكتور شميّل , وقد أودعها كلّ ضروب الفلسفة. وحكاية هذه الجزمة أنني زرتُ يوماً الدكتور الحكيم برفقة رهطٍ من الأدباء , فوجدناه في غرفة عيادتهِ جالساً إلى مكتبهِ , وهو في ملابس البيت؛ فحادَثَنا وحادثناهُ مدةً؛ ثم اشتدَّ الجدالُ على مسألةٍ من المسائل , فقال الحكيم هازلاً دعوني أشدّ جزمتي , فأكون أقوى حجةً , وأكثر استعداداً للمناقشة قال , ونهض إلى مخدعهِ , وعاد على تمام الأهبة بعد أن شدَّ جزمتهُ , فقلت له: قد أدركتُ سرَّك يا حكيم , وعرفتُ مواطن الضعف فيك , فإنَّ منزلة هذه الجزمة
стр. 1849
منك منزلة شعر شمشون منهُ , فضحك الشميّل ضحكتهُ المعتادة , فزدتُ جرأةً وقلت: متى اشتدَّ تقريعك لنا في جلسات سبلندد بار
سنعمد إلى جزمتك , وننزعها من رجليك , فندعك أعزل بلا سلاح. . .) أما وقد عرف القرَّاءُ سرَّ حافظ والشميّل , فلينزعوا من الأوَّل عصاه , وليسلخوا من الثاني جزمتهُ , إذا أرادوا أن يستريحوا من فلسفة هذا وشعر ذاك. على أنني أخشى , وقد بحتُ بالسرّ , أن يتحوَّل القراءُ إلى جزمجية وحطّابين , حتى يتمتعوا طويلاً بذلك الشعر الرّيق , والنثر الشيّق.
حاصد
من كل حديقة زهرة
ابتدع أحد الأطباء الأميركان طريقةَ لخدمة المرضى , وهي أنه رَّبى كثيراً من الحمام الزاجل وجعل أوكار هذا الحمام إلى جانب صيدليته. فإذا ما دُعي لمعالجة مريض , حمل معه بعض الحمام فيكتب الوصفة , ويعلّقها بعنق الحمامة , ثم يُطلقها إلى الصيدلية , فيتناول الصيدلي الوصفة , ويركّبها , ويرسلها إلى المريض مع راكب درَّاجة.
دعا مدير سجن سنت كوانتن في سان فرنسيسكو الممثلة سارة برنار لتمثل أمام ١٩٠٠ سجين في ملعبٍ أقامه في فناءِ السجن. وبعد التمثيل ناط المسجونون بواحدٍ منهم تلاوة خطاب باسمهم وجَّهوه إلى الممثلة الشهيرة. وحدث في سجن ريفرهرد أن سجينة شكت مدير السجن لأنه يعاملها معاملة سيئة. فأظهر التحقيق أن السجَّانين يقيمون حفلات رقص وغناء داخل السجن للنساءِ والرجال , فالسجَّانون ومديرهم كانوا يفضّلون الرقص مع الفتيات الأصغر عمراً من الشاكية التي أربى عمرها على الخامسة والأربعين.
стр. 1850
وأنشأ الأميركان في نيويوك سجناً للأزواج المطَّلقين الذين يأبون دفع النفقة لنسائهم جعلوه نادياً يلعب فيه المسجونون ويأكلون ويستحمون ويتعاملون كأنهم في أحد لاندية. وقد دلَّ أحصاءُ السجون الأميركية وميزانيتها على أن هذه الحكومة تنُفق على السجين من هؤلاءِ في كل عام ١٨٥٠٠ فرنك.
يعرفُ علماءُ الفراسة أخلاقَ الإنسانِ من أسرَّةِ وجهه وتقاطيع رأسه. ويعرفُ فريقٌ منهم هذه الأخلاق والأميال والأهواءَ في الإنسان من خطوط يدهِ. وقد ظهر في أوروبا مذهبٌ جديدٌ , وهو أن الإنسان يُعرَفُ من تركيب رجلَيهِ وقدميه. وأصحاب هذا المذهب يقولون الرِّجْلُ هي الرَّجُلُ واشتهرت الكونتس دي روشفو كولد في ذلك وألفت في هذا الفن كتاباً.
سنّت ولاية ايلينوا الأميركية قانوناً للصحافة يقضي بالاّ يُسْمح لأحدٍ بتعاطي الحرفة الصحافية في تلك الولاية دون أن يكون حاملاً الشهادة بذلك بعد أن يقضي أربع سنين في تلقي هذا الفن. ولا يعطي الشهادة إلا إذا امتُحِنَ أمامَ لجنةٍ تثبّتُ قدرتهُ وأدربهُ وطيب أخلاقهِ. ومن راسل جريدة دون أن يكون حاملاً الشهادة يغرَّم من دوار إلى خمسة دولارات وتغرَّم بمثل ذلك الجريدة نفسها.
سئل كثيرون من كبار الفرنسويين رأيهما في تخويل المرأة حق الانتخاب كالرجل؛ فكانت الغالبية من المنكرين على المرأة هذا الحق. ولكنَّ فريقاً منهم استثنى من ذلك المرأة التي لا
يمثّل عائلتها أحدٌ في الانتخاب. فهذه تخوَّلُ حقَّ الانتخاب. أما المتزوجة فيرى أن زوجها ينوب عنها
أمثال الصينيين في الزواج أن الزواج قلعةٌ محاصرة: من كان خارجاً عنها , يودُّ الدخول إليها؛ ومن كان فيها , يودُّ الخروج منها
стр. 1851
العدد ٣٥ - بتاريخ: ١ - ٦ - ١٩١٣
معاهد التعليم
في مصر
وقعت إلينا نسخةٌ من كتاب الإحصاء السنوي العام للقطر المصري وهو الكتابُ الذي أخذتْ تنشرهُ منذ أربع سنوات إدارة الإحصاءِ الأميرية. فوقفنا فيهِ عند الفصل الذي يبحث في المدارس وما يتعلَّقُ بها , لأنَّ الأذهان منصرفة في الآونةِ الحاضرة إلى معاهد التعليم؛ وأفكار التلاميذ ووالديهم حائمةٌ حولَ الامتحانات التي جرت أخيراً لنيل الشهادتين الابتدائية والثانوي؛ والجميع يتسقَّطون أخبار النتيجة النهائية , إذ أن مستقبل الفريق الكبير من الناشئة متوقفٌ على تلك النتيجة. طالعنا الفصل المذكور مرتاحين إلى ما أظهرتهُ لنا الأرقام الموجودة فيهِ من دلائل التقدُّم والتحسين المستمرّ في معاهدنا العلمية , من حيث ترقيها وازدياد عددها , وتكاثر الطلاَّب المقبلين عليها. وقد طالما سمعنا في المدَّة الأخيرة إطناباً جماً في ارتقاءِ المعارف في ربوعنا , وثناءً وافراً على
стр. 1852
النهضة الأدبية في مصر , على أننا لم نرَ , للدلالة على هذه النهضة وذلك الارتقاء , أبلغ برهاناً وأنصع بياناً من الأرقام التي جمعناها عن مدارسنا وعددها وعدد أساتذتها وتلاميذها؛ وها نحن نعرض على القراء نتيجة بحثنا على الصورة الآتية:
نوع المدارس عددها عدد أساتذتها تلاميذها مجموع التلاميذ
مدارس الحكومة ٧٠ ١٠١٤ ١٤٢٢٢ ٧٥١ ١٤٩٧٣
مدارس الأوقاف ١٩ ٩٧٧ ١٧٨٧٧ ١٨٢ ١٨٠٥٩
مدارس مجالس المديريات ومدارس تساعدها الحكومة ٧٤ ٦٤٦ ٧٥٠١ ١٧٤١ ٩٢٤٢
مدارس حرّة ٤٢٨ ٢٥١٠ ٤٥٩٩٦ ١٠٥٢٧ ٥٦٥٢٣
كتاتيب الحكومة ١٤٦ ٥٠٧ ٩٩٠١ ٥٢٦٨ ١٥١٦٩
كتاتيب حرّة ٣٥٥٦ ٧٤١٤ ١٩١٦٨٧ ١٨٧٥٨ ٢١٠٤٤٥
مدارس أجنبية ٤٧٩ ٢٧٦٩ ٣٣٥٩١ ٢١٠٧٤ ٥٤٦٦٥
المجموع ٤٧٧٢ ١٥٨٣٧ ٣٢٠٧٧٥ ٥٨٣٠١ ٣٧٩٠٧٦
فيؤخذ من هذا الجدول أن عدد المدارس في القطر المصري بين أميرية وحرّة , وأهلية وأجنبية , يبلغ ٤٧٧٢. وفيها الكتَّابُ والمدرسة الثانوية والابتدائية , والمدارس الصناعية ,
والمدارس العالية للطب والحقوق والزراعة والتجارة الخ. ويبلغ عدد المختلفين إليها ٣٧٩. ٠٧٦ تلميذاً وشاباً يردون فيها موارد العلم الصافية , ويستقون منها مناهل الآداب العذبة , حتى تنمو في صدورهم ثمار المعارف والفضيلة , فيكونوا لبلادهم وأمتهم فخراً ومجداً.
стр. 1853
هذا عدا الذين يتلقون العلم في جامعات أوربا وكلياتها الكبرى سواء كان في أرساليات الحكومة , أو على نفقتهم الخاصة , وليس هؤلاء بالعدد القليل. وبمثل هذا الجيش من الطلبة والشبيبة المتعلمة يتعزّز مقام الأمم , وترفع رايتها , ويزداد عمرانها وفلاحها. أما عدد الأساتذة فقد بلغ ١٥. ٨٣٧. وكفانا لبيان خطورة المهمة الملقاة على عاتقهم أبراد ما قالهُ بسمرك داهية الألمان أثر انتصارهِ على فرنسا في حرب السبعين: أننا غلبنا جارتنا بمعلم المدرسة. فعلى الحكومة والحالة هذه أن تمهد لبلادها سبل الانتصار في معترك هذه الحياة بانتقاء أساتذة المدارس الأميرية من نخبة الرجال أدباً وفضلاً وعلماً , وأن تعني بوضع قانونٍ يضمن توفر هذه الشروط في أساتذة المدارس الحرَّة. ومما يراهُ القارئ أيضاً في الجدول الذي قدّمناهُ أن للأجانب ٤٧٩ مدرسة في القطر المصري يدرس فيها ٥٤. ٦٦٥ طالباً وطالبة. وهذا العدد هو تقريباً سُبْعُ مجموع التلاميذ في مصر , وهي مأثرةٌ تذكر للأجانب مع الشكر الوافر. أما إحصاءُ هذه المدارس الأجنبية من حيث عددها , فأن للأميريكان منها ١٨٨ مدرسة , وللفرنسويين ١٥٢ , وللإيطاليين ٤٩ , ولليونان ٤٢ , وللانكليز ٣٠ , وللنمسويين ٨ , وللهولنديين ٢ , و٣ لأمم مختلفة. وأما من حيث عدد التلاميذ فإن المدارس الفرنسوية تأتي في مقدَّمة المدارس
стр. 1854
الأجنبية , إذ أن عدد تلاميذها ٢١. ٠١٩ , وتليها مدارس الأميريكان وعدد تلاميذها ١٤. ٧٤٩.
هذه حالة معاهدنا العلمية مثبتة بالأرقام المأخوذة من أوثق المصادر. وقد رأينا تكلمةً للفائدة أن نقارن بينها وبين ما جمعنا من الأرقام عن حالة تلك المدارس منذ أربع سنوات ليتبين القارئ درجةَ الترقي والتقدُّم التي بلغتها في هذه المدّة من الزمن. وإليك المقابلة بينَ الحالتين:
السنة المدرسية عدد المدارس عدد التلاميذ ذكور أُناث
١٩٠٧ - ١٩٠٨٤٠٩٤٢٩٤. ٩٣٧ ٢٥٣. ٩٢٣ ٤١. ٠١٤
١٩١١ - ١٩١٢ ٤٧٧٢ ٣٧٩. ٠٧٦ ٣٢٩. ٠٧٦ ٣٢٠. ٧٧٥ ٨٥. ٣٠١
ومن هذا الجدول يُستدلُّ أنَّ عدد المدارس زاد في أربع سنوات ٦٧٨ مدرسة , بمعدَّل ١٦٩ أو ١٧٠ مدرسة جديدة في السنة. وهذه نتيجة تبهج وتسرّ. ومن المعلوم أن من يفتح مدرسة يقفل سجناً. أما مجموع عدد التلاميذ , فقد زاد في المدة نفسها ٨٤. ١٣٩ أي بمعدَّل ٢١. ٠٣٥ تلميذاً في السنة وهو عددٌ لا يستهانُ بهِ ترك جيوش الجهل لينضمّ إلى جيش النور والعرفان. وإذا أخذنا عدد التلاميذ منذ أربع سنوات نجد أن نسبة الطالبين إلى المجموع هي نسبة ١٣. ٩١ إلى ١٠٠. أما في السنة المدرسية ١٩١١ - ١٩١٢ فإن نسبة الطالبين هي ٨٤. ٦٢ إلى ١٠٠ ونسبة الطالبات هي ١٥. ٣٨ إلى ١٠٠. فيظهر من هذه المقابلة أن
стр. 1855
نسبة التلميذات إلى مجموع التلاميذ قد زادت بعض الزيادة. على أنها لا تزال قليلة جدّاً؛ فكأنهُ ليس عندنا مقابل كل ٨٥ تلميذاً على وجه التقريب إلاَّ ١٥ تلميذة. وهذا نقصٌ في إدارة التعليم عندنا يجب التذرّع بأنجع الوسائل لملافاتهِ , لأنه لا يخفي ما يترتب على هذا الفرق البّين من الأضرار. فإننا إذا أعددنا فتياناً متعلمين , يجب أن نهيئَ لهم فتياتٍ متعلمات يفهمنَ أفكارَهم , ويُدركنَ عواطفهم , فيشاركنهم في الحياةِ مشاركة حقيقية. وشأن المرأة في تدبير المنزل وتربية العائلة معروف لا حاجة بنا إلى تفصيله في هذا المقام. ولا شكَّ في أن هذا لتقصير في تعليم البنات هو السبب الأكبر لإعراض شباننا عن الزواج أو للبحث عن شريكة حياتهم بين الأجنبيات. والنساءُ نصف الأمة. فهل تُعَدُّ الأمة متعلمةً راقيةً إذا علّمنا نصفها , وأهملنا - أو كدنا - النصف الآخر. هذا , وإذا ظلَّ التقدّم في معهدنا مطّرداً على هذه النسبة , أي بزيادة ١٧٠ مدرسة و ٢١. ٠٣٥ تلميذاً في السنة , فأنَّهُ لا يمضي على مصر زمنٌ طويل حتى تصبحَ في مصاف البلاد الراقية في آدابها ومعارفها وعلومها , ولاسيما إذا لاحظنا العناية بتنقيح برنامج الدروس شيئاً فشيئاً وتطبيقهِ على حاجات الزمان والمكان. وقد رأينا من وزير معارفنا المفضال أحمد للوصول إل هذه الغاية الجليلة في هذا العصر , عصر المنافسة في مضمار العلوم والآداب.
стр. 1856
أمام مهدها
كتبها ولي الدين في طفلة له رآها تحتضر وهي في الشهر الثالث من عمرها
أَقصرتْ عنكِ وسائلُ العناية , وخابت في استبقائكِ آمال القلبين المشفقين اللذين طال خفوقها عليكِ في الليالي الطويلة. وها أنتِ اليوم على وشك التوديع. لم تتعلمي ما يقولُ المودّعون , لأنكِ لم تبلغي سنَّ القول. ولستِ تفهمين ما يُقال فيكِ , لأنكِ لم تصلي إلى زمن الفهم. أشفقتُ عليكِ من أُوجاع تُحسّين بها ولا تُدركينها. ثلاثةُ أشهرٍ , كثلاثِ طرفاتٍ بالجفن , مضت وكأنها لم تكن. ليت الشفاهَ التي لامست قبلاتها تينك الوجنتين الذابلتين جفّت قبلَ أن تكونَ ممرّاً للتأوُّهِ. . .! وليت تلك الأنفاس التي سرتْ على وجهكِ الغضّ التهبت في أحشائنا قبل أن تنقلب زفرات. . .!
أعددتك ذخراً , وإذا بكِ مسلوبة. ظننتكِ لي , فإذا بكِ للثرى. لهفي عليكِ إذ تذهبين , ولم تري من سطوري ما يكون لكِ عظةً من بعدي! بل لهفي علىَّ إذْ أَستندي عيونَ النيّرات بمصراعٍ ارتجلهُ , وأنا أطلبُ اليومَ فيكِ كلامَ الرثاءِ , فلا تساعفني المعاني. إن يخطئكِ الحمام , وهيهات ما أظنهُ فاعلاً! فقد أبقى لي الدهرُ أملاً كاد يزمع الرحيل. وإنْ يأخذكِ كما أخذ أجدادَكِ وجدَّاتكِ من قبل , فقد أسرعتِ في قطع طريق يتظالع في قطعها الخلائق.
стр. 1857
أتيتِ نقيةً , وتذهبين نقية , كتقطرة الطَلّ على ورقةٍ من الورد , تلمعُ بكرةً , ولا تلبث أن تُستطار بخارأً. بين نوحات الثاكلات , وترجيع الحمائم بالأسحار , وبكاءِ السماءِ , وابتسام الأرض تضادٌّ يغيظ الموجَع. لا أشكو بثي فيكِ؛ ولكني استبقيه لأعتصرَ منهُ ذوبَ الشجون , ولأخاطبَ بهِ نفسي ناصحاً كلما غلبت عليها غفلات هذه الدار , وكادت تكون لها فتنة. لا أستطيع دفعاً لشيء يسوقهُ المقدور , ولكني وفيٌّ أضمن لكِ ألاَّ يلتام جرح يومك هذا. تزولين أنتِ وتبقى ذكراكِ. كذاك الحياة , تزول الهيولى وتبقى الصوَر. . .
ولي الدين يكن
الأغاني في الحروب
ذهب فريق من العلماءِ على أنَّ منشأ اللغات الغناءُ. لأن الغناءَ في عرفهم هو صورة الخيال الواقعة تحت الحس , أو استفاضة مما في النفس عند امتلائها. وفي تاريخ الأقدمين أن امفيون باني أسوار طيبة كان يدفع العمال إلى العمل بجد ونشاط بالغناءِ والأناشيد , ألا تراهم في مصر يفعلون ذلك حتى الآن؟ وفي أساطير اليونان أن الشعب انتصر في معركة سلامين بأغاني سولون , فنجي البلاد بعد سقوطها. وفي التوراة أن الإسرائيليين كانوا إذا خرجوا لحربٍ يسير مغنوهم أمامهم. وفي التاريخ لحديث أن الفرنساويين لما سمعوا أنشودة المرسيلييز سنة ١٧٩٢ , وقد
стр. 1858
اجتاح العدوُّ بلادهم , وقبض على ناصية أرضهم , تولتهم الحماسة , وهزَّتهم النخوة , فألفوا صفوفهم الممزَّقة , وقوَّتهم الضائعة؛ فبرز ضعافهم أشداء , وجبناؤهم شجعاناً , ومتطوعتهم منتظمة , فانتصروا. وفي وصايا بولس رسول النصرانية رتلوا وغنوا الصلاة. وفي الآيات القرآنية: ﴿ورتلِ القرىن ترتيلاً﴾ وفي التوراة نشيد الأناشيد , وفي أخبار داود أنه ما كان يزيل كربته إذا ذكر أمرُ شاوول إلاّ الغناء. وفي أخبار السحرة والعرّافين أنه ما استأثروا الألباب ولعبوا بالعقول إلا بعد ترويضها بالغناء. ويؤكد هوارس أنّ مصر تقدَّمت غيرها من أُمم الأرض بالمدينة والحضارة , لأنها تقدَّمت غيرها بالغناءِ. وفي أقوال أحد شعراء الفرنساويين: إذا تآخت الأَصوات , دنت القلوب من الوئام وإذا اجتمع الناس لأمرٍ , لا تنفق عواطفهم ولا تتحد أميالهم إلاّ إذا اتحدت أصواتهم بأنشودةٍ واحدة. وكان الأطباء يداوون المرضى بالأغاني. وروى هوميروس وبلوتارك أن القدماءَ كانوا إذا جلسوا بعد الأكل والقصف يغنون فيفثأون من ثمولهم. ومن أقوال لوبز في الغناء أنهُ في الكلام كاللون في الصور. ومن الأغاني ما يبكي ويرقق , وهو لما كان من الشعر في الغزل والشوق إلى الوطن والبكاء على الشباب والمرائي والزهد. ومنها ما يطرب , وهو لما كان في نعت الشراب , وذكر الندماء والمجالس والصبوح والدساكر. ومنها ما يشوقُ وترتاح إليهِ النفس كصفة الأزهار والأشجار
стр. 1859
والمنتزهات والصيد؛ ومنها ما يسرُّ ويُفرح ويحث على الكرم والجود , وهو لما كان في المديح والفخر وصفة الملوك. ومنها ما يشجّع وهو لما كان في الحرب وذكر الوقائع والغارات والأسرى والنصر والفوز والفخر. ولكل أمة أغانيها وأناشيدها , ومن هذه الأناشيد والأغاني تعرف عاداتها وأخلاقها وتاريخها وأطوارها. وتتوارث السلالات ذلك جيلاً بعد جيل , وقرناً بعد قرن , حتى أن
نوتية المراكب في نيل مصر يغنون اليوم رعمسيس توارثاً وتقليداً بقولهم وهم يجذّفون يا رمسو يا رمسو وفي سوريا يلقبون أغاني الحرب والقتال بالحوربة , ويشقون منها فعل حورب كما أنهم يلقبون أغاني الفرح بالهوربة ويشقون منها فعل هوبر ولربما ورثوا هذه اللفظة من هورا الرومانية والإغريقية , فضلاً عن الحدو الذي ينشدونهُ عند السير والمشي لا وراءَ القوافل والظعن فقط , بل في كل سير سريع يتطلّب الحماسة والنشاط. وكان غزاة العرب الذين دوّخوا المشارق والمغارب إذا خرجوا لغزوةٍ أو لقتالٍ أو لحرب , تغنوا بأشعارهم الحماسية , فيفور الدم في عروقهم وتهيج أعصابهم وتحمى نفوسهم , ويدفعهم الفخر إلى إتيان العجائب. وكانوا إذا اشتبك الأبطال بالقتال , وكفوا عن التغني بالأشعار يوقفون نساءهم يغنينهم , وفي يد الواحدة منهن مقرعة تضرب بها الفارين , وفي يدها الأخرى قارورة ماء تسقي منها الجرحى. وهذه العادة لا تزال عادتهم في حروبهم وهي أيضاً من عادات الأرناؤوط وشعوب البلقان , حتى قال
стр. 1860
أحد الضباط الأوروبيين الذين شهدوا المعارك البلقانية أن الأناشيد والتغني بحكايات الأبطال كانت من أقوى العوامل في فوز البلقانيين. والشعوب السلافية تلقت هذهِ العادة عن الشعوب الشرقية الحربية كالعرب منذ أربعة قرون. والأغاني والأناشيد هي التي صانت قومية البلقانيين من الضياع وصانت لغاتهم من النسيان؛ فهم منها حفظوا تاريخ أسلافهم ومجد أجدادهم وأسماءَ أبطالهم. وقد تفرَّد في نظمها العميان إذ كانوا يطوفون القرى والدساكر , وينشدون هذهِ الأناشيد على توقيع الرباب والقزلة. وإذا ذكرنا نحن أشعار عنترة والمهلهل , عرفنا كيف يكون تأثير هذه الأناشيد في نفوس الأمم وعصابات الشبان وطوائف الجند. وتاريخ الإفرنج طافح بمثل ذلك بما رووهُ عن غيليوم تل والسيد ورولان. وفي حكايات الصربيين والبلغاريين حكاية بطلٍ من أبطالهم في القرن الخامس عشر يسمونهُ ماركو قره لجيفيتش , كان يلبس جلد الذئب , ويتسلَّح بخنجرٍ مرصع بالذهب والفضة , ويركب جواداً يسمّى شاراتز , ولهم فيهِ القصائد والأناشيد التي يحفظها كبارهم وصغارهم , ويتغنون بها في البيوت والمنازل والأفراح والمآتم والحقول والمتنزهات , حتى أنهُ لا يوجد طفلٌ واحدٌ بلقاني لا يتمنى أن يكون ماركو. وإليك ما يقولون عنه:
إذا ضرب ماركو بسيفهِ ترك خصمهُ شفعاً بعد أن كان وتراً
إذا طعن ماركو برمحهِ أطار خصمهُ إلى ما فوق رأسهِ
следующие страницы →