Полный текст (2 201 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وقد نشبت حرب أثناء وجوده هناك بين ملك هذه الجزيرة وملك الجزيرة المجاورة فلعب صاحبنا دوراً خطيراً وإليك تفصيل الخبر كما رواه):
أخذت منظاري وصوبته نحو الجزيرة فوجدت على شاطئها أسطولاً عظيماً مركباً من خمسين سفينة حربية مدرعة تنتهز هبوب الريح الموافقة حتى ترفع مراسيها وتقلع نحو بلادنا. فاستدعيت مهرة الملاحين وعلمت منهم أن البحر ير يزيد عن ثمانية أقدام في أعمق جهاته فطلبت أن يصنع لي خمسون سلسلة وعدد كبير من قضبان الحديد كي أثنيها وأجعلها صنانير. ولما جاؤوني بما طلبت غصت في البحر وسبحت حتى بلغت الشاطئ الثاني، وشبكت الصنانير في المدرعات بعد أن ربطتها بالسلاسل وقطعت المراسي، وعدت والأسطول خلفي يمخر في العباب سائراً على شكل نصف دائرة كأنه عرض بحري عظيم.
وعند عودتي إلى البر وجدت الملك والوزراء وجميع أرباب المقامات في انتظاري على أحر من الجمر وهم يحسبون ألف حساب لدعاء أعدائهم واقتدارهم. ولكن نجم سعدهم وصل إلى السماك عندما برزت من الماء قابضاً على السلاسل. فوثبوا فرحاً وسروراً وقلدني الملك في الحال أكبر وسام.
ولكن الملك لم يكفه هذا الفوز المبين الذي لم ترق فيه قطرة دم، ولم تحرك من أجله رجل، ولم ينفق في سبيله درهم، بل طلب مني أن انتهز فرصة أخرى وآتيه ببقية السفن حتى لا يبقى للأعداء حول ولا طول. غير أن مرؤتي أبت أن أؤاتيه على هذا البغي والجور وأن أكون
стр. 212
العامل على استعباده أمة حرة عاشت السنين الطوال تأبى الضيم. فراجعت الملك في
الأمر، وأقمت عليه الحجج الدامغة عن ضروب الساسة وعبر التاريخ، حتى إنجاز أغلب الوزراء إلى رأيي عندما طرحت المسألة على المجلس. ولكن الملوك لا يقف في سبيل أطماعهم حق ولا إنصاف، فتراهم يستعملون كلا لوسائط السافلة الدنيئة لبلوغ غاياتهم الجائرة. وينقمون على من يمحض لهم النصح لغير مأرب شخصي أو منفعة ذاتية. ولم يخالف هذا الملك تلك السنة الشنعاء بل أضمر لي الشر والوقيعة وشاركه في ذلك عدد من الوزراء لغير ذنب اقترفته سوى خدماتي الصادقة.
وبعد أن انقضت هذه الحوادث بثلاثة أسابيع حضر ستة سفراء من قبل حكومة الأعداء ليقرروا عقد الصلح وشروطه. فساعدتهم بكل ما استطعت من قوة الحجة حتى وفقوا إلى عقد معاهدة غير شائنة ولا جائرة. فخضروا إلى بيتي يوماً في زيارة رسمية ليشكروا حسن صنيعي وأكدوا لي أن ملكهم يمتلئ سروراً وفرحاً إذا زرت بلاده. فوعدتهم أنني سأنتهز أول فرصة للتشرف بالمثول بين يدي مليكهم. على أن ملكنا بات من ذاك الحين يرمقني بعين ملؤها الإغضاء والجفاء، ولم أعرف لهذه المعاملة سبباً إلا أخيراً حيث تبين لي أن بعض الوزراء وشى بي ونقل حديثي مع سفراء الأعداد. فكان أن حنق علي الملك. وصمم على تعذيبي إن لم يقدر على الفتك بي. فشعرت لأول مرة بمبلغ الوشايات والمكايد التي تنجم عن الاحتكاك ببلاط الملوك.
تعريب عبد الفتاح صبري
سويفت
стр. 213
جرنالوفوبيا وجرنالوفاجيا
كتبها الدكتور شميل لما كان صحافياً يصدر الشفاء منذ ٢٥ سنة
الأول معناه الخوف من الجرائد والثاني التهامها - وقد نحت لهما بعضهم اسمين عربيين، فسمى الأول الجنفرة من الجرنال والنفور والثاني الجبلعة من البلع أو الجأكلة أيضاً من الأكل. وهما مرضان لم يسبق لأحد وصفهما ومن أعراض الأول أن الواحد إذا ورد له جريدة ملفوفة بادر على الفور إلى ردها وكتب على غلافها مرفوض أو مرضوض لم مرتب وهو مرض حميد. ومن أعراض الثاني أن الواحد يقبل الجريدة إذا لم يردها في آخر سنتها ولكنه يلتهم ثمنها، وهو مرض أشد ضرراً من الأول، وقال بعض المحققين بل
المرضان طوران مختلفان لمرض واحد كالخنازيري والسل ولو كره البرفسور بتر. والحق يقال إن الذنب ليس على هؤلاء وحدهم بل على أصحاب الجرائد أيضاً فإنهم هنا خلافاً لأوروبا يطرحون جرائدهم على الناس خوفاً من أنهم لو
стр. 214
حذوا حذو أهل أوروبا ولم يرسلوا الجريدة إلا لمن يطلبها ويدفع ثمنها سلفاً لربما لم يجدوا مشتركاً - فها نحن قد وصفنا الداء فعلى الطبيب الحاذق أن يصف الدواء.
شبلي شميل
في حدائق العرب
حرب البسوس
كانت العرب تقول في أمثالها أشأم من البسوس لأن هذه المرأة كانت سبباً في نشوب حرب طاحنة بين القبائل. وتفصيل الخبر أن البسوس هذه نزلت على ابن أختها جساس بن مرة، فكانت جارة له، ومعها ابن لها وناقة خوارة مع فصيلها، واسم الناقة سراب. وقيل أن الناقة لرجل من بني جرم نزل بالبسوس. فخرج كليب (زوج جليلة أخت جساس) يوماً يتعهد الإمبل ومراعيها، فأتاها وتردد فيها. وكانت إبله وإبل جساس مختلطة، فنظر كليب إلى سراب فأنكرها. فقال له جساس وكان معه: هذه ناقة جارنا الجرمي.
فقال: لا تعد هذه الناقة إلى هذا الحمى
فقال جساس: لا ترعى إبلي مرعى إلا وهذه معها.
فقال كليب: لئن عادت، لأضعن سهمي في ضرعها.
فقال جساس: لئن وضعت سهمك في ضرعها، لأضعن سنان رمحي في صلبك. . . ثم فترقا.
стр. 215
وقال كليب لامرأته: أترين أن في العرب رجلاً مانعاً مني جاره. .؟
فقالت: لا أعلمه إلا أخي جساساً. . . فحدثها بالحديث. وكان بعد ذلك إذا أراد الخروج إلى الحي منعته وناشدته الله ألا يقطع رحمه، وكانت تنهى أخاها جساساً أن يسرح إبله.
وكان كليب ذا زهو شديد لما هو فيه من العز وانقياد القبائل له، حتى بلع من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى، وإذا جلس لا يمر أحد بين يديه إجلالاً. ولا توقد نار مع ناره، ولم يكن تغلبي ولا بكري يجير رجلاً أو يحمي حمى إلا بأمره. وكان هو يجير على الدهر فلا تخفر ذمته. ويقول: وحش أرض كذا في جواري فلا يهاج. وكان يحمي الصيد فيقول: صيد ناحية كذا في جواري. . . فلا يصيب أحد منه شيئاً. وكان قد حمى حمىً لا يطأه إنسان ولا بهيمة، فدخل فيه يوماً فطارت قبرة من على بيضها فقال لها من أبيات:
لا ترهبي خوفاً ولا تستنكري ... قد ذهب الصياد عنك فابشري
خلا لك الجوف فبيضي واصفري ... فأنت جاري من صروف الحذر
واتفق أن كليباً بعد خلافه مع جساس خرج إلى الحمى فوجد الحذر القبرة قد وطئتها سراب
ناقة البسوس فكسرتها، فغضب وأمر غلامه أن: ارم ضرعها. . . فخرقه بسهم وقتل فصيلها. وولت سراب ولها عجيج حتى بركت بفناء صاحبها. فلما رأت البسوس ما أصاب الناقة، ضربت وجهها وانتزعت خمارها وصاحت: وا ذلاه. .!
فقال لها جساس: اسكتي. فلك بناقتك ناقة أعظم منها. فأبت أن
стр. 216
ترضى. ولما كان الليل، أنشأت تقول، وهي تخاطب سعداً أخا جساس، وترفع صوتها لتسمع جساساً:
أيا سعد لا تغرر بنفسك واحترز ... فإني في قوم عن الجار أوات
ودونك أذوادي إليك فإنني ... محاذرة أن يغدروا ببنياتي
لعمرك لو أصبحت في دار منقرٍ ... لما ضيم سعد وهو جار لأبياتي
ولكنني أصبحت في دار معشر ... متى يعرف فيها الذئب يعد على شاتي
(ومت العرب أبياتها هذه الموثبات). فقال لها جساس: اسكتي. إني سأقتل جملاً أعظم من هذه الناقة. سأقتل علالاً. . . وكان علال فحل إبل كليب. وقد أراد جساس بهذا القول كليب نفسه.
ثم أن جساساً مكث يتندس الخبر عن كليب حتى بلغه ذات يوم أنه خرج وليس معه سلاحه فتبعه وصرخ به: يا كليب الرمح وراءك. . .!
وكان كليب لا يلتفت وراءه من الكبر فقال: إن كنت صادقاً فأقبل إلي من أمامي. . . ولم يلتفت إليه فطعنه جساس فأرداه. ثم اجتز رأسه.
ولما عاد إلى الديار سأله مرة: ما وراءك يا بني؟
قال: طعنت طعنةً لتشغلن شيوخ وائل رقصاً. . . قال: أقتلت كليباً. . .؟ فأجاب: أي وأنصاب وائل أي قتل. . .
فقال أبوه: إذن نسلمك بجريرتك، ونريق دمك في صلاح العشيرة، فلا أنا منك ولا أنت مني. فوالله لبئس ما فعلت. فرقت جماعتك، وأطلت حربها.
стр. 217
وكان همام أخو جساس القاتل ينادم في ذلك الوقت المهلهل أخا كليب المقتول ويعاقر معه الخمرة فجاءته جارية تخبره الخبر. فقال له المهلهل: ما قالت لك الجارية. . .؟ وكان بينهما عهد أن لا يكتم أحدهما صاحبه شيئاً. فذكر له ما قالت الجارية فقال المهلهل: اليوم خمر وغداً أمر فشرب همام وهو خائف حذر ولما سكر رفيقه عاد إلى قومه وتأهبوا للقتال.
أما المهلهل فإنه رجع إلى الحي فرأى القوم يعقرون خيولهم ويكسرون رماحهم وسيوفهم، فقال: ويحكم ما الذي دهاكم؟ لقد ذهبتم شر مذهب. أتعقرون خيولكم حتى احتجتم إليها، وتكسرون سلاحكم حين افتقرتم إليه؟
ولما أصبح المهلهل غدا إلى أخيه فدفنه وقام على قبره يرثيه (من أبيات):
دعوتك يا كليب فلم تجبني ... وكيف يجيبني البلد القفار
سقاك الغيث إنك كنت غيثاً ... ويسراً حين يلتمس اليسار
خذ العهد الأكيد علي عمري ... بتركي كل ما حوت الديار
стр. 218
وهجري الغانيات وشرب كأس ... ولبسي جبة لا تستعار
ولست بخالع درعي وسيفي ... إلى أن يخلع الليل النهار
وإلا أن تبيد سراة بكر فلا يبقى لها أبداً أثار
ثم جز شعره، وقصر ثوبه، وهجر اللهو، وحرم على نفسه الشراب. وأرسل رهطاً من أشراف قومه وذوي أسنانهم، فأتوا مرة وهو في نادي قومه. فقالوا له:
إنكم أتيتم أمراً عظيماً بقتلكم كليباً بناب من الإبل، وقطعتم الرحم وانتهكتم الحرمة بيننا وبينكم: وإنا نعرض عليك خلالاً أربعاً، لك فيها مخرج، ولنا فيها مقنع. إما أن تحيي لنا كليباً، أو تدفع إلينا قاتله جساساً فنقلته به. أو هماماً فإنه كفؤ له، أو تمكنا من نفسك فإن فيك وفاء لدمه.
فقال لهم مرة: أما إحيائي كليباً فلست قادراً عليه. وأما دفعي جساساً إليكم، فإنه غلام طعن طعنة على عجل وركب فرسه فلا أدري أي بلاد قصد. وأما همام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة كلهم فرسان قومهم فلن يسلموه بجريرة غيره. أما أنا فما هو إلا أن تجول الخيل جولة فأكون أول قتيل بينها، فلا أتعجل الموت. ولكن لكم عندي خصلتان: أما أحداهما، فهؤلاء أبنائي الباقون فخذوا أيهم شئتم واقتلوه بصاحبكم. وأما الأخرى، فإني أدفع لكم ألف ناقة سود الحدق حمر الوبر
فغضب القوم وقالوا: قد أسأت ببذل هؤلاء، وتسومنا اللبن من دم كليب. ونشبت الحرب بينهم ولت أربعين سنة بسبب ناقة
стр. 219
البسوس. وبقي الحرث بن عباد على الحيادة قائلاً: لا ناقة لي في هذا ولا جمل. فذهبت مثلاً. وكان مقتل كليب سنة ٤٩٤ للمسيح.
من القفص إلى العش
في قفصها الجميل، كانت الحمامة الأسيرة تنوح وتحن إلى الحرية. . .
ترى أمامها الفضاء فسيحاً، فتحاول الطيران، فتهشم جناحيها اللطيفين على الحواجز الصلبة، فيضيق بها رحب الفضاء. . .
تسمع أخواتها صادحات على الأفنان ضحىً وأصيلاً، وهي قضي عليها أن تئن وتنوح بين قضبان الحديد. . .
ترى الحدائق الغناء والرياض الخضراء والمياه المتسلسلة والجبال الشاهقة والأودية الظليلة، فتتزايد أشجانها وتتضاعف أحزانها لدى جمال الطبيعة كأنه خلق ليتمتع به سواها.
هذه هي حالة المرأة الشرقية في أمسها.
* * *
يد شفيقة حركها عامل الرحمة، ففتحت باب القفص وأفرجت عن السجينة المسكينة. . . طارت الحمامة إلى الشجرة، فنفضت ريشها وعادت إليها الحياة: غنت لمرأى الزهرة في الوادي، وهدلت مع هدير النهر المتدفق من الجبل. وقد زقزقت لخلاصها العصافير وغردت لنجاتها الطيور.
تنشقت الحمامة من هواء الحرية ما شاءت، ثم صفقت بجناحيها
стр. 220
ومخرت في الهواء وحلقت في الفضاء.
خاف عليها منقذها من توغلها في العلى، وخشي أن يأخذها الدوار من التحليق في الطيران، فيرمي بها من شاهق مهشمة الجناحين على الحضيض. فتعود عليها هذه الحرية بشر بلية.
سبحت الحمامة في الأثير حتى استطلعت خفايا العالمين الأدنى والأعلى، ثم أخذت تنحدر حتى هبطت عشها، فانتعشت بحرارته المنعشة واستكنت به حاضنة فراخها المطلقة.
هذه هي حالة المرأة الشرقية في يومها.
* * *
لو أتيح لهذه الحمامة أن تعبر لنا عن خالج قلبها الخفوق من العواطف بعد إطلاقها من أسرها، لفاق تعبيرها وصف أبلغ الشعراء العالمين بخفايا الصدور الواقفين على نبضات القلوب. أما وقد تم لك ذلك أيها القارئ على لسان فريدة هانم تلك لحمامة الناطقة فاسمع
تغريدها وأصغ إلى شجي غنائها بعد أن كسر الدستور قيودها وحل وثاقها:
ما ألطف الطيران!. . . وما ألطف التحليق في الفضاء!. . . طيري أيتها الحمامة وحلقي صاعدة في سماء اللانهاية.
طيري إلى الأعالي. ففي الأعالي لا يخشى على جناحيك من التهشيم. وفي الأعالي تميزين الأشياء أحسن تمييز.
هذه الأبراج العزيزة، الأبراج الرفيعة، الأبراج البيضاء. هذه هي في بلادي.
стр. 221
هذه المنازل والأكواخ، هذه السهول والجبال، هذه البحريات المتموجة الصافية، هذه الألوان الناصعة الزاهية، هذا الضياء الساطع، هذا النور اللامع، هذه أنت يا بلادي. فما أجملك وما أبهاك!. . .
ولكن، حذراً أيتها الحمامة من الهلاك أفلت من قفصك. فانزلي على مهل في عشك.
أنا وجدت عشي هو العائلة. فما سوف أكون فيه؟ سأكون ملكه فأنظم مملكتي الصغيرة، وأجملها بألطف الزينات وتحت إدارتي سيكون شعب صغير، فأدبر شؤونه وأقوده إلى غايته بكل سكينة.
أجل إن رحلتي في الهواء قد ولدت ف صدري مثل هذه الأوهام.
عندما حلقت في الفضاء رأيت كل منزل جزاء من البلاد. رأيت كل دار مملكة صغيرة تابعة لها الكل العظيم الذي نسميه الوطن، ورأيت كل عائلة قسماً من هذا المجموع الكبير الذي ندعوه الشعب أو الأمة
أقامتني النواميس الطبيعية والتقاليد الاجتماعية على إدارة المنزل الداخلية، فأصبح المنزل مملكة لي فيها مصالح أدبرها، وعقل أقوده، وصحة أحفظها، وأهواء أقاومها، ومعارف أنشرها.
هذا هو الدور الكبير الذي يجب علي أن أمثله في العائلة، فسأخرج من النطاق الضيق الذي حوصرت فيه لأقوم بمهمتي حق القيام، لا لأقلق خواطر أناس يغادرون على طهارة العادات ومقام المرأة في الإسلام
стр. 222
أريد أن أمتزج امتزاجاً عقلياً بالعالم الخارجي لأقتبس من معارفه وأكتسب من مناظره.
فأطلقوا إذن سراحي وفكوا عقالي وعلموني. . .
من العائلة يتخذ الوطن رجاله، ففي العائلة إذن مكانه العشب ومستقبل البلاد، وعلى تأثير المرأة في الود يتوقف مستقبل العائلة العثمانية الكبرى التي تتألف الآن.
فلننتبه إلى أنفسنا أيتها النساء أخواتي الساهرات على تلك الرؤوس الصغيرة.
فلننتبه إلى تفتيح هذه العواطف كالأزهار في تلك القلوب الصغيرة التي تخفق بالقرب من قلوبنا.
بالأمس كنا لا ندرك ما يدور في رأس الأخ أو الابن أو الزوج لأن حياتهم العقلية والأدبية كانت تدور في منطقة غير منطقتنا،
فعلينا نحن معشر النساء، أن نوجد العائلة: نور واحد ونار واحدة؟
والعواطف تترقى بترقي العصور: بالأمس كنا زوجات، ووالدات، واليوم صرنا صديقات وأمهات حنونات. . .
إن إدارة عقل الولد وتكييف قلبه وتهذيب طباعه لمما يؤول إلى تكوين حياته وحياة البلاد؛ وإذا دفأنا قلبه بحرارة العواطف العائلية كما تدفئ الدجاجة فراخها نكون ق أعددناه لمقاومة عواصف هذه الحياة.
فهيا إلى الأمام أيتها العائلة الصغيرة: إن الاتفاق قريب؛ كنت حتى الآن تحت سلطة الوالد؛ ونعم ما كنت عليه لأن الأب هو الرأس؛
стр. 223
ولكن ها أنا ذا مستعدة أيضاً وأنا الأم، والأم هي القلب. . .
فإن للمرأة في كل عصر من العصور ميزة تميزها وتجعل لها مقاماً كبيراً أو صغيراً في الهيأة الاجتماعية؛ وبلادنا اليوم ليست بلادنا أمس، فإن أمسنا بعيد عنا بمراحل فيجب أن أتكيف بكيفية جديدة إن أردت أن أجاري عصري هذا؛ وإلا فإني أكون طيف الماضي في الزمن الحاضر
ومن مزيج الاستقلال العقلي والتحفظ الذي يعلمه الدين ستخلق امرأة جديدة تكون الضالة المنشودة والجوهرة المفقودة. . فهيا إلى الأمام. . . إلى العلى. .!
* * *
هذه هي النغمات التي وقعتها أوتار قلب تلك الشاعرة الرقيقة، وهذه هي الأنشودة النسائية الجميلة التي دبجتها بالإفرنسية يراعة فريدة هانم أحببنا أن نتحف بها قراء العربية لما فيها
من رقة الشعور وسامي الوجدان.
في رياض الشعر
١ - على البحرية
سل المها بني إفيان ولوزان ... ماذا فعلن بقلب المغرم العاني
إذ كن في الفلك كالأقمار في فلك ... يشرفن فيه على ألعاب نيران
стр. 224
فكم من الأرض سهم للسماء وكم ... سهم تسدد لي من تحت أجفان
يعلو البحيرة من نيرانها شرر ... كزفرتي حين يجري مدمعي القاني
يذهبن بالفلك إيماناً وميسرة ... فيها ويطربن من توقيع ألحان
سرب يغنين بالأفواه مطربة ... وثلة بربابات وعيدان
والورق في الشاطئ الأدنى تجاوبها ... تبدي أفانين شدو بين أفنان
٢ - عيون وعيون
أرجعوا لي يا غيد ماريمباد ... مهجتي قبل عودتي لبلادي
إنني قد شددت رحلي وأهلي ... في انتظاري فأطلقوا لي فؤادي
ليتني لم أزر حماكم فإني ... في هواكم أضعت كل رشادي
وبراني الضنا فصارت ثيابي ... فوق جسمي كمضرب ذي عماد
وأتاني السقام من حيث أبغي ... صحة وانهزمت قبل الجلاد
حدثوا أن في حماكم عيوناً ... تذر الناس ضامري الأجساد
صدقوا أنها عيون ولكن ... كحلت منذ خلقها بسواد
جنبوني ذكر العيون فقلب ... في ارتعاش من فعلها وارتعاد
فهي كالكهرباء تومي بلحظ ... فتدق الأجراس في الأكباد
حنفي ناصف
стр. 225
إلى الحبيب
في الشهر الغابر ضم مجلس طرب سعادة شاعر الأمير شوفير بك وطائفة من الأدباء. وكان المعني ينشد القصيدة التي مطلعها:
يا ليل الصب متى غده ... أقيام الساعة موعده
وكان لها وقع عظيم في النفوس. فطلب أحد الحاضرين من أمير الشعر أن ينظم شيئاً على
هذا النمط للإنشاد. فوعد أن يفعل. ثم زاره المقترح وذكره وعده. فلم يتأخر وأملى عليه هذه الأبيات المنسجمة عذوبة ورقة فكانت من نصيب قراء الزهور
مضناك جفاه مرقده ... وبكاه ورحم عوده
حيران القلب معذبه ... مقروح الجفن مسهده
يستهوي الورق تأوهه ... ويذيب الصخر تنهده
ويناجي النجم ويتبعه ... ويقيم الليل ويقعده
стр. 226
ويعلم كل مطوقه ... شجناً في الدوح تردده
كم مد لطيفك من شرك ... وتأدب لا يتصيده
جحدت عيناك زكي دمي ... أكذلك خدك يجحده
قد عز شهودي إذ رمتا ... فأشرت لخدك أشهده
وهممت بجيدك أشركه ... فأبى واستكبر أصيده
وهززت قوامك أعطفه ... فنبا وتمنع أملده
سبب لرضاك أمهده ... ما بال الخصر يعقده
مولاي وروحي في يده ... قد ضيعها سلمت يده
ناقوس القلب يدق له ... وحنايا الأضلع معبده
حسادي فيه أعذرهم ... وأحق بعذري حسده
أحمد شوقي
لوعة أونين
هذه الأبيات لشاعر مصر الكبير لم يسبق نشرها
أنا في يأس وهم وأسى ... حاضر اللوعة موصول الأنين
مستهين بالذي لاقيته ... وهو لا يدري بماذا يستهين
سور عندي له مكتوبة ... ود لو يسري بها الروح الأمين
إنني لا آمن الرسل ولا ... آمن الكتب على ما يحتوين
حافظ إبراهيم
стр. 227
بين الشعراء
نشرنا أجوبة أربعة على قصيدة عبد الحليم أفندي المصري (راجع ص ٥٩ و١٠٧ و١٥٧) وننشر اليوم جواباً خامساً ورد من العالم الجديد:
مصر بنا ضاقت فما حالكم ... في أرضكم يا شعراء الشام. . .؟
عبد الحليم
يا بلبل الشعر عليك السلام ... شامنا مصر ومصر الشام
ما لك بالقطرين من منهل ... ولي وراء البحر طاب المقام
قد قيل إن الشعر طيرة ... فاركب وطر فوق طباق الغمام
فالبدر مشتاق لوصافه ... فاقصده واضرب في حماه الخيام
أو فاحترف غير القريض وقل ... يا دولة الشعر عليك السلام
البرازيل
فائز السمعاني اللبناني
الكلمات الأجنبية
في اللغة العربية
ذكرنا في العدد الماضي (ص ١٣٧) طائفة من الكلمات الفصيحة التي وضعتها لجنة دار العلوم بدلاً من الكلمات العامية أو الدخيلة على اللغة. ولا تزال اللجنة موالية العمل في هذا البحث المفيد. وإليك تابع ما سبق.
стр. 228
وأكثر الكلمات هذه المرة كانت اللجنة مسبوقة إليها كما أشارت هي نفسها إلى ذلك في التعليق:
- (اسبتالية) قالت اللجنة: كان من الممكن أن نجاري المتقدمين في اختيارهم كلمة (بيمارستان) ولكنا رأينا أن كلمة (مستشفى) مع أدائها المعنى تماماً أسهل نطقاً من الكلمة الأولى وأكثر دوراناً على الألسنة والأقلام
ونرى أن كلمة (مستوصف) أولى بالتعبير عن الكلينيك
- (بوفه: اختارت اللجنة لهذا المعنى كلمة (مقصف) - وقد سبق استعمالها - لأن معنى القصوف في اللغة الإقامة في الأكل والشرب وهذا هو معنى كلمة بوفه. أما استعمال القصف في اللهو فغير عربي. أما خزانة الطعام والشراب فقد استعمل لها المتقدمون كلمة سكردان.
ويرى صاحب كتاب العامي والدخيل - الذي سيجيء الكلام عنه - استعمال كلمة (مِقلَدَة).
(بريمة - اختارت لها اللجنة كلمة (بزال) ومعناها في اللغة: حديدة يفتح بها الدن. وهو قريب من البريمة الحالية ففي هذا الإطلاق توسع.
(تلغراف) استحسنت اللجنة الكلمة المستعملة (برق ورسالة برقية)
وشاع استعمال (برقية) بحذف الموصوف - في الجرائد السورية فهي تقول: وردت برقية من الأستانة. . . بمعنى تلغراف. واستعملت أيضاً الفعل (أبرق) بمعنى أرسل تلغرافاً. وفريق من التجار استعملوا فعل (تيّل) فيقولون: تيلوناً أي جاوبونا تلغرافياً.
стр. 229
- (تباشير) الكلمة عربية محرفة وصحيحها (طباشير).
- (دبلوم) اختارت لها اللجنة كلمة (شهادة عالية) وقالت: لم توافق اللجنة على (الشهادة النهائية) ولا على (الشهادة العليا) لأن الدبلوم ليست كذلك بل بعدها ما هو أعلى منها. أما (شهادة الحذاقة) التي أشار إليها الأديب الكامل أحمد تيمور بك فربما وضعت بعد لما هو
أرقى من تلك الشهادة.
- (عفارم) اختارت اللجنة كلمة (مرحى) وهي كلمة تقولها العرب للإصابة في الرمي فيمكن التوسع فيها.
- (قومسيون) استنسبت كلمة (لجنة) المستعملة لأن معنى اللجنة الجماعة يجتمعون في الأمر ويرضونه وذلك معنى القومسيون.
* * *
هذه الألفاظ التي وضعتها اللجنة أو استنسبت وضعها ونشرتها في هذا الشهر.
وقد جاء اعتراض على اللجنة بخصوص بعض ما نشرناه لها من الكلمات في العدد الماضي. فإن حضرة الأديب محمد أفندي الصادق حسين لا يستنسب تعريف (تيب ريتر) بمطبعة الأزرار ويفضل تعريبها بآلة الكتابة أو الآلة الكاتبة - كما كنا قد ذكرنا - لأن ليس في اللفظة معنى المطبعة بل هي كما جاء في دائرة المعارف آلة الغرض منها أن تقوم مقام القلم في الكتابة
стр. 230
ولاحظ أيضاً حضرته على كلمة (خريطة) أن معناها العربي لا يؤدي معنى (الخارطة).
أما الكلمتان (غدان) و (شجاب) اللتان وضعتهما اللجنة للتعليقة أو الشماعة كما ذكرنا ذلك في العدد الماضي (ص ١٤٠) فقد سبق إليهما حضرة المدقق رشيد أفندي عطية منذ ١٢ سنة في كتابه الدليل إلى مرادف العامي والدخيل المطبوع في بيروت سنة ١٨٩٨ وذكر هذا المعنى بالتفصيل ص ٦٧. ونحن نلفت أنظار اللجنة إلى هذا المؤلف النفيس فإنه يقع في ٣٦٠ صفحة وهو مبوب على طريقة المعاجم، ولا نشك في أنها تجد فيه مساعداً على عملها.
ثمرات المطابع
تاريخ الأدب وحياة اللغة العربية: من اجل الخدم التي قامت بها الجامعة المصرية فتح درس جديد في أدب اللغة العربية. وهو من الدروس التي كنا لا نزال مفتقرين إليها. فقد تلاقي فينا الكاتب النحرير والشاعر المبرز، وتراه يكاد يعجز عن إيراد شيء من تاريخ مشاهير كتابنا الماضين، وذلك لعدم وجود مؤلف جامع يرجع إليه في مثل هذه الأحوال. فيضطر الأديب إلى اقتناء ومطالعة مجلدات عديدة ضخمة، وهذا ما لا يتسنى إلا للقليلين. بخلاف الإفرنج، فإن صغار طلبتهم في المدارس يعرفون أسماء
стр. 231
كتابهم وشعرائهم مع نبذة من حياتهم ومكانتهم في عالم الأدب وقيمة مصنفاتهم إلى غير ذلك. حتى أن تاريخ أدب اللغة أصبح من مواد دروسهم الأولية. ولذلك تستحق إدارة الجامعة كل ثناء على خدمتها هذه. وقد ساعدها في مهمتها وجود أديب نابغة في هذا الفن، يعد دائرة معارف حية لتاريخ آداب اللغة، وهو سعادة القانوني حنفي بك ناصف وكيل محكمة طنطا. وقد جمع إلى تضلعه في القوانين والشرائع مقدرة فائقة في فني النظم والنثر جعلته في طليعة حملة ألوية الأدب في وادي النيل. (راجع رسمه وأبياته في هذا العدد ص ٢١٢).
أسندت إليه إدارة الجامعة تدريس تاريخ أدب اللغة فأسندت هذه المهمة إلى خير مسند. وقد ظل كل هذه السنة يلقي تلك المحاضرات التي عرف قيمتها كل من سمعها، ثم جمعتها إدارة الجامعة في الكتاب الذي نحن بصدده الآن.
وهذا الجزء الأول من تلك المحاضرات يبحث في الحروف العربية ومخارجها وصفاتها وترتيبها وخواصها، كل ذلك في قالب منسجم لطيف. تم تناول البحث تاريخ الخط قبل الإسلام وبعده. وقد أحببنا أن نقتطف شيئاً من هذا الباب لفائدة القراء. قال:
كان العرب قبل الإسلام أمة بدوية، لا يهمهم إلا تربية الإبل والشاء، والتجاع الكلأ لرعايتها، وشيء يسير من التجارة لجلب الأقوات والثياب والسلاح اللازم لإقامتهم في البوادي معرضين لافتراس الوحوش الضارية، وإغارات السالبين والآخذين بالأثر، وحماية القوافل التجارية،
стр. 232
ومثل هذه المعيشة لا يقتضي انتشار الكتابة والقراءة. وإذا وجد فيهم من يكتب ويقرأ، فإنما هو نزيل هبط إليهم، أو آيب من سفر بعد طول إقامة في أرض متحضرة. . . وكان الأعرابي يقرع الأسماع برائع الشعر وفائق النثر، وهو لا يعرف حروف الهجاء ولا أسماء أوجه الإعراب. . .
ولم يصل الخط إلى ما هو عليه الآن، إلا بعد أن قطع أربعة أدوار. الدور الصوري المادي، الدور الصوري المعنوي، الدور الصوري الحرفي، الدور الحرفي الصرف. . . وذلك أن الناس في أول الأمر كانوا يرسمون صور الماديات للدلالة عليها، فإذا أرادوا أن يدلوا على معنى الأسد رسموا صورة أسد. وإذا قصدوا الدلالة على معنى النخل رسموا صورة نخلة. إلخ. وإذا أرادوا أن يذكروا أن ملك مصر حارب الآشوريين وغلبهم وأخذ منهم أسرة، رسموا صورة ملك مصر بالعلامة المصطلح عليها ومعه جنود مدججون بالسلاح، ورسموا صورة ملك آشور بعلامته المصطلح عليها ومعه جنده، بعضهم واقعاً على الأرض مضرجاً بالدم وبعضهم تحت سنابك الخيل وبعضهم مولون الأدبار، ورسموا جملة من الجند مربوطين بالسلاسل يقودهم جندي مصري. . . ولكن الكتابة بهذه الطريقة ناقصة، لأن من المدلولات ما لا صورة له مادية، كالخوف والحزن والفرح والنسب الإضافية والتوصيفية والنسب الكلامية التي تتصور بين الموضوع والمحمول. فكان الخط شيئاً خيراً من لا شيء. ثم بدا لهم بعد زمن أن يدلوا على المعاني التي لا صور لها بصور لوازمها فيرسموا الدواة والقلم للدلالة على معنى الكتابة، والشعر المسدول للدلالة
стр. 233
على الحزن، فكانت الكتابة في هذا الدور تتألف من صور ماديات للدلالة عليها، وماديات أخرى للدلالة على ملزوماتها من المعاني، وذلك مشاهد كثيراً في الرسوم المصرية القديمة، بل هو مشاهد الآن في القرى بين الأميين، فإذا حج واحد منهم إلى مكة، رسموا على باب داره صورة محمل فوق جمل زمامه بيد أعرابي، ورسموا جملاً آخر عليه هودج، وربما رسموا سفينة بجانب الجمل للدلالة على أن صاحب المنزل حج وسافر في البر والبحر. . . ثم ترقوا إلى الدور الحرفي بواسطة الصور، فاصطلحوا على استعمال صور للدلالة على الحروف التي في صور أسمائها. فإذا قصدوا أن يكتبوا لفظ غلبت الروم صوروا غراباً وليمونة وباباً وتفاحة وإبريقاً وليمونة ورحى ووردة ومبرداً (فإذا أخذت الحروف الأول من كل كلمة كان عندك الجملة غلبة الروم) وكان قوم قد اصطلحوا على صور مخصومة بقدر عدد حروف لغتهم، ثم اختصروا تلك الصور مع مرور الأيام حتى صارت علامات لا تدل إلا على أصوات الحروف كما هو الشأن الآن. . . .
وفي الكتاب رسوم عديدة تشرح للناظر تدرج الخط من هذه الرسوم المادية حتى بلغ دوره
الحرفي المعروف الآن. . . هذا هو الجزء الأول ن تاريخ الأدب أو حياة اللغة العربية. الذي نثر دوره حنفي ناصف بك على سامعي محاضراته والتي نظمتها إدارة الجامعة في كتاب مطبوع لتعمم الفائدة. وإننا ننتظر بفارغ الصبر الأجزاء التالية. لأننا كما تقدم في أشد الافتقار إلى مثل هذا الكتاب النفيس. وكلنا يقدر هذه الخدمة حق قدرها ويعرف أن ناصفاً هو كفؤ لها. . .
* * *
стр. 234
ومن الدروس المفيدة التي تلقى في دار الجامعة دروس علم الطبيعة، يلقيها حضرة الرياضي البارع إسماعيل حسنين بك ناظر مدرسة المعلمين الخديوية. وقد جمعت إدارة الجامعة أيضاً محاضرات الأستاذ العلامة في كتاب على حدة لتعميم الفائدة. وهذا الجزء الأول يبحث في خواص المادة وأولها التحرك وهو يتناول الحركة المنتظمة والحركة المتغيرة وتحليل الحركات ثم القوة وقياسها وتحليلها إلخ. . . ولاشك في أن المحاضرات التالية ستتناول البحث في التمدد والانضغاط والمسامية والتجزؤ وعدم التدخل وكلها من خواص المادة العمومية. ونحن في الشرق في أشد الحاجة إلى نشر العلوم الرياضية والوقوف على أسرار الطبيعة المحدقة بنا. ويرجى من إدارة الجامعة أن توسع نطاق هذه الدروس الوضعية. فضلاً عن أن إلقاءها باللغة العربية لمما يزيد لغتنا مرونة ويساعدنا على استعمالها في تدريس العلوم. وقد اظهر حضرة إسماعيل حسنين بك من هذا القبيل براعة فائقة يستحق عليها ثناء كل أديب.
* * *
وطنيات أحمد نسيم: هذا هو الجزء الثاني من ديوان أحمد أفندي نسيم. وأحمد أفندي نسيم من الشعراء العصريين المعدودين في وادي
стр. 235
النيل قال فيه إسماعيل باشا صبري:
لك في الشعر يا نسيم معان ... باهرات تحار فيها العقول
كل بيت يطل منه على أفهام أهل النهى محيا جميل
وقال محمد بك هلال: لا تعجبوا أن رق فهو نسيم
وقال عبد الرحيم بك احمد: للوطنية روح تظهر في هذا الشعر وهو خير ما يلقنه الشباب
وقال إسكندر بك عمون: لا سحر غير هذا
وقال الأستاذ عبد العزيز جاويش:
لك شعر مثل النسيم إذا اعتل ... ولكنه شفاء القلوب
стр. 236
وقال عبد العليم أفندي صالح المحامي: شعر نسيم، نسيم الشعر
وقال حافظ أفندي إبراهيم: أصبح البحتري غلام نسيم. . وهو يشير إلى نسيم الغلام الذي كان البحتري يتغزل به.
وقال محمد أبو شادي بك المحامي: الروح شعر للجسد، وشعرك روح للوجود.
وقال خليل أفندي مطران: في هذا الشعر ما في اسم صاحبه: من عرف أبي الطيب ونفحات النسيم
وقال الشيخ محمود العطار:
قد هدت قالة القريض نجوم ... طلعت في سماء شعرك زهرا
هذا ما قاله فريق من كبار أدباء مصر في زميلهم. وإذا كانوا - على ما رأيت - لم يبخسوه حقه من الثناء، فهم أيضاً لم يكيلوا له هذا الثناء جزافاً. فإن نسيماً بات من شعرائنا الأعلام، إذ جمع إلى متانة النظم وإحكام التركيب شعوراً رقيقاً وخيالاً عالياً. وهذه الصفات جعلت له مقاماً معدوداً بين شعراء العصر. وهو - خصوصاً في هذا الجزء الثاني من ديوانه - شاعر سياسة وجدال، والسياسة والجدال، كما يفهمها الشعراء، مدعاة إلى تحريك ساكن الشعور وإثارة كامن الخيال. خذ القصيدة الواحدة من الوطنيات تجدها قضية يعرضها صاحب الديوان، ثم يؤيدها بالأدلة الدامغة مفنداً حجج الخصم أيما تفنيد. ولقد جاءت هذه الوطنيات تاريخاً لأهم الحوادث التي جرت هذين العامين في مصر والأستانة: نظر إلى تلك الحوادث تارة نظرة حزن وأسف، وتارة نظرة
стр. 237
ابتهاج وفرح - وفي كلا الحالين نظرة شاعر - فدونها بمداد يسيل من قلبه المتأثر. وأنا أرى النظم بما يحيط بنا من الوقائع أجدر بشعرائنا من التيه في مفاوز مبتذلات الماضي، ولذلك قلنا أن نسيماً شاعر عصري.
* * *
دروس التاريخ الإسلام - عرفنا الشيخ محيي الدين الخياط كاتباً بليغاً وشاعراً كبيراً، وها قد نزل إلى ميدان التاريخ فكان مؤرخاً مدققاً. ظهر القسم الأول من كتابه في تاريخ الإسلام وهو يشتمل على مجمل تاريخ صاحب الشرعية الإسلامية. كتبه لطلبة المدارس بأسلوب
سهل التعبير، حسن التبويب والتنسيق، وختم هذا الجزء الأول ببعض الأحاديث النبوية في الأخلاق والعلم والسياسة نقتطف منها: لا فقر أشد من الجهل. ولا مال أعز من العقل، ولا وحشة أشد من العجب.
اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.
التمسوا الرزق في خبايا الأرض، إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره دنيئها وسفسافها.
الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم.
آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان.
стр. 238
المسلم من سلم الناس من يده ولسانه.
من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته.
سوء الخلق شؤم، وشراركم أسوأكم خلقاً.
* * *
وأهدى إلينا حضرة الفاضل الشيخ عبد الله أفندي الرفاعي الكتبي المعروف بطرابلس الشام نسخة من الطبعة الثانية من كتاب سمير الليالي تأليف حضرة البارع محمد أفندي أمين صوفي السكري وهو جزء من أجزاء تالية تبحث في تقويم البلدان وتاريخ الأمم، بأسلوب لا يمل معه القارئ. وقد أفاض المؤلف خصوصاً في بلاد الدولة العثمانية فاستوفى تاريخها وجغرافيتها. وإعادة طبع الكتاب دليل على رواجه.
وجاءتنا أيضاً روايتنا للأديب مارون أفندي عبود محرر جريدة الحكمة: اللبنانية: الأولى وهي معربة من نوع الرومان رواية رنه واتالا الشهيرة للكاتب الفرنسوي شاتوبريان وقد عربها أيضاً فرح أفندي أنطون. والثانية - وهي تمثيلية مؤلفة - رواية كريستوف كولمب واكتشاف العالم الجديد على يده. عبارة الروايتين طلية منسجمة وتدل على مقدرة كاتبهما وكنا نود الإفاضة في مرمى الكتابين لو لم يمنعنا عن ذلك ضيق المقام وكثرة ما لدينا من المطبوعات.
стр. 239
مصر وسورية
موضوع العدد الكبير
سألنا القراء في العدد الماضي عن موضوع عدد خاص كبير من الزهور يقوم مقام عددين يصدران في آن واحد في فصل الصيف. وقد جاءتنا اقتراحات عديدة ولكن السواد الأعظم مجمع على اختيار موضوع مصر وسورية لأن الزهور دائبة على إيجاد رابطة أدبية بين الأقطار العربية ويجب أن تبدأ بهذين القطرين الشقيقين. وقد كاشفنا المساعدين بتحرير المجلة فاستحسنوا الموضوع كثيراً.
وعليه فالعددان القادمان سيظهران معاً في حجم كبير وسننشر فيهما رسوم أشهر الآثار وأجمل المناظر الطبيعية في القطرين مع أقوال الكتاب والشعراء الأقدمين والمعاصرين من عرب وإفرنج. وستجيء هذه المجموعة - بفضل مشاهير الأدباء الذين سيحررونها - كتاباً فريداً في بابه يجدر بكل أديب عربي أن يقتنيه. ونسأل كل القراء أن يوافونا بما لديهم من الكتابات والرسوم الفوتوغرافية بهذا الموضوع لتتم الفائدة.
وسيرسل هذا العدد الخاص مجاناً لكل الذين يكونوا قد سددوا قيمة الاشتراك. وثمنه لغير المشتركين ثلاثة فرنكات.
стр. 240
أزهار وأشواك
الكتاب على المراسح
كان لما كتبته في العدد الماضي عن التمثيل والكتاب وقع حسن في أندية الأدب، وتناقله بعض الصحف مستحسناً الاقتراح. ولم يعترض احد من الأدباء على الدور الذي خصصته به. ألقيت بذرة هذه الفكرة في الأذهان، فإذا لم تكن قد نبتت فهي لم تمت، ونحن ننتظر الربيع لنرى. وقد جاءني من بيروت الكتاب الآتي وها هو نصه:
السلام على حاصد. وبعد فنعم ما ارتأيتم بخصوص التمثيل والكتاب ولقد أحسنتم في توزيع الأدوار على قدر ما نعرف عن أدبائكم. وإذا تم إبراز هذا الفكر إلى حيز الوجود فإننا نعدكم بشد الرحال إلى وادي النيل لحضور هذه الحفلة الفريدة. ثم ندعوكم إلى حفلة من نوعها نقيمها في بيروت وتوزع أدوارها على أدبائنا: فيمثل الأمير شكيب أرسلان دور الملك. والشيخ إسكندر العازار دور النديم والشي محيي الدين الخياط دور الوزير، والأستاذ الحوراني دور بزرجمهر. ويعهد دور قائدي الجيش إلى فليكس فارس وداود مجاعص. أما دور العاشق فكثيرون هم المرشحون له. ويدير صاحب الحسناء جوق المغنيات في القصر، وبشارة الخوري يقوم بدور رئيس الحرس. أظن أن أدبائنا سيقومون بأدوارهم هذه كما يقوم أدباؤكم بالأدوار التي وزعتها عليهم. فابتدؤوا تجدونا لكم لاحقين والسلام.
الإمضاء: متطوع بالحصاد
الاقتراح إذن جميل وأنا عرضته من باب الهزل، وبت أفكر به عن جد.
стр. 241
حملة الأقلام
كتب المنفلوطي في نظراته فصلاً عن الكتاب في مصر. وحذا حليم دموس في هذه المجلة حذوه عن الكتاب في بر الشام. أصاب كلاهما في بعض أحكامهما، وأخطأ كلا الاثنين أيضاً في البعض الآخر. وهل في ذلك من شيء عجيب؟ بل يصح أن يكون ما عددته أنا صواباً قد عده غيري خطأ. وعليه فلست غاضباً على الكاتبين لأنهما لم يذكراني في عداد الكتاب، ولا لأنهما أساءا إلى الكتاب تطربني نفثاتهم أو أطربا كتاباً تقتلني سخافاتهم. إذا كان الكثيرون غضبوا لهذه الأسباب فلست أنا لها بغاضب ولكن الذي أنا لأجله مستاء ناقم هو هلع الكاتبين لقيامة من خطأهما في آرائهما. فأسرع هذا في سورية وذاك في مصر إلى
الاعتذار على صفحات الجرائد. ولقد أفقد هذا التنصل كل ما كنت أعتقد فيهما من الشجاعة في المجاهرة بمعتقدهم الأدبي. فإما أنمهما قالا رأيهما في حملة الأقلام عن اعتقاد تام. وليس لهما أن يؤديا حساباً عما كتبا، أو أنهما كتبا عن غير اعتقاد - وهذا ما لا أظنه - فكان الأجدر أن لا يكتبا. وهناك سبب آخر لاستيائي من هذين الأديبين وهو أنهما فتحا باباً هيهات أن نجد من يسده. فقام كل حامل قلم يبدي لنا رأيه في حملة الأقلام ولو كان الواحد من هؤلاء يأتينا بالشيء المقبول لقلنا: لا بأس من احتكاك الآراء. ولكن هذا يقول لك: الكاتب زيد كاتب بليغ لو كانت عبارته أمتن ومعانيه أجمل. . . وذاك يقول: الشاعر عمرو شاعر مجيد لو كان أسمى خيالاً وأحكم نظماً. . . وأنا أقول على هذا القياس: لو كنت صاحب مئة
стр. 242
ألف جنيه وأملاك وعقارات لما كنت فقيراً، أو لو كان ابن السبعين في العشرين من عمره لكان شاباً. . . ألا رحم الله مسيو ده لا باليس كما يقول الإفرنج. . .
أسماء الجرائد
نحب المناقشة ولو في لا شيء. ما كدنا ننتهي - وهل انتهينا؟ - من البحث في حملة الأقلام حتى فتح باب جديد بين رصيفين موضوعه أسماء الجرائد. ابتدأ الأمر بين رصيفين، ولكن أول الغيث طل ثم ينهمر، وأول النار شرارة. وها أنا أول النافخين فيها. يفكر الكاتب أو الصحافي طويلاً في عنوان كتابه أو اسم جريدته، بل هو يعلق الآمال الكبار على ذاك العنوان الخلاب أو هذا الاسم الجلاب. وهذا أمر بديهي. فكم يعقد من مجلس عائلي لانتقاء اسم للمولود الجديد تيمناً وتفاؤلاً بمدلوله. . . أسماء جرائدنا ومجلاتنا جميلة، بل هي أجمل منها. وكثيراً ما تكون من باب تسمية العبد مرجاناً وليس فيه أحمر غير لسانه أو تسمية ذاك الثقيل لطيفاً أو تلك الشنعاء جميلة. ولكن القرد في عين أمه غزال عربنا معظم أسماء الجرائد الإفرنجية لجرائدنا. فعندنا العلم واللواء كما عندهم الستندرد، والجريدة كما عندهم الجورنال، والزمان بدل الطان والتيمس، والبرق بدل الإكلير وكذلك قل عن الإنسانية والعدل والعصر الجديد والوطن. وقد اتخذنا كل أسماء الفضائل لجرائدنا فعندنا الحقيقة والاستقامة والصدق والمحبة والرجاء وأخذنا ثلاث كلمات الدستور فعندنا الحرية والإخاء والمساواة. فضلاً عن الأسماء المحلية كالأهرام والمقطم ووادي النيل وأبو الهول والأرز ولبنان. ومن الجرائد ما لا ينطبق اسمها على حقيقتها.
فالإكسبرس مثلاً
стр. 243
جريدة أدبية لطيفة الأسلوب تصدر مرة في الأسبوع مع أن اسمها يفيد معنى جريدة سياسية تتلقى الأخبار قبل سواها وتصدر على الأقل مرتين في النهار وأخرى في الليل وكذلك قل عن البرق والبيروتية.
- حاصد
كل ما يكتب في المجلة وكذلك مذيلاً بتوقيعي هو لي وأنا المسؤول عنه فلا يبخسني أحد حقي بنسبة بنات فكري إلى غيري. فليس لحاصد من حطام هذه الدنيا إلا باقة أزهار مع كثير من الأشواك.
حديقة الأخبار
غادر هذه الفانية المرحوم شاهين بك مكاريوس أحد أصحاب المقطم. وهو من الذين خدموا الصحافة والمعارف في سورية ومصر الخدم الجلى وامتازوا بالجد والنشاط. وقد لبس الحداد عليه عدد كبير من الكتاب في مقدمتهم نجله سليم بك مراسل الدايلي مايل وابن عمه إسكندر أفندي شاهين رئيس تحرير الوطن وشريكاه الدكتور صروف والدكتور نمر صاحبا المقطم والمقتطف. فنسأل للفقيد الرحمة ولآله الصبر.
- أصيب الشاعر المعروف محمد إمام العبد بشقيق له. فبادر زملاؤه إلى تعزيته في هذا المصاب الأليم فأجابهم شاكراً:
أنتم سلوة الحزين وأنتم ... أمل البائس الأسيف الحزين
جل خطبي وروع الحزن نفسي ... وجرى الدمع بعد ذاك الدفين
قد خلقتم لي السلو بشعر ... وعزاء على الهموم معين
- كان هذا الشهر شهر المعاهد العلمية. وقد ذكرت الصحف المحلية أسماء الناجحين في امتحانات البكالوريا والحقوق وبينهم كثيرون من قراء الزهور فنهنئهم.
стр. 244
- وأقامت المدرسة البطريركية للروم الكاثوليك حفلة جميلة بمناسبة توزيع الجوائز حضرها عدد كبير من الوجهاء والأعيان. ومثل طلبة المدرسة المارونية بهذه المناسبة أيضاً رواية عربية حضرها فريق من أعيان المصريين والسوريين. فألقى حضرة الأديب محمود أفندي نظيم أبياً غراء في القطرين الشقيقين منها:
كلنا أخوة وقد جمعتنا ... لغة زادها الشام احتراما
صانها اليازجي رب المعاني ... بضياء أزال ذاك الظلاما
ظللتنا أهلة خافقات ... تنشر الحب بيننا والوثاما
صافحونا على محبة مصر ... وبنيها كما نحب الشاما
وأقامت مدرسة الفرير بشبرا مثل هذا الاحتفال الأدبي وخير ما جاء فيه قصيدة بليغة المبنى سامية المعنى ف تربية الأولاد نظم دررها حضرة الأديب الفاضل الأخ اليان باخوم مدير الدروس العربية في تلك المدرسة.
مخبر
من وإلى القراء
نشرنا في العدد الثالث (ص ١٢١) مقالة عن البرنس فردريك ايتل في فلسطين. وقد جاءنا البريد الأخير ببعض مجلات وجرائد ألمانية. وقد نشرت ترجمة تلك المقالة مطرية الزهور وهذا يدللك على اهتمام القوم بكل ما يقال عنهم.
- لدينا مقالات وقصائد كثيرة من مراسلينا الأدباء من جهات مختلفة اضطررنا إلى إرجائها وسننشرها عن قريب إن شاء الله.
- أهدى الكثيرون من الغيورين على الأدب أعداد المجلة لسنة كاملة إلى أصدقائهم قائلين أنها خيرة هدية. فنشكر لهم أدبهم وحسن ظنهم.
الزهور بمصر أنطون الجميل.
стр. 245
العدد ٦ - بتاريخ: ١ - ٨ - ١٩١٠
مصر وسوريا
قلنا عند صدور الجزء الأول من هذه المجلة، إننا إنما أنشأناها لتكون الرابطة الأدبية بين الأقطار العربية. وذلك بإيجاد صلة تعارف وترابط بين أدباء هذه الأقطار وكتّابها وشعرائها، بنشر رسومهم وما تجود به قرائحهم، ليتم التعاضد والتساند الأدبي، فنجني الفائدة المبتغاة من تراسل
стр. 246
الأدباء وآزرهم للقيام بالنهضة الحديثة التي بدت طلائعها في أوائل القرن العشرين حتى كادت ترجع إلى الآداب العربية عصورها الذهبية.
أقدمنا على هذا العمل بعد مفاوضة السواد الأعظم من أئمة حملة الأقلام، فأنسنا منهم ارتياحاً عظيماً إلى هذا المشروع، لنهم كانوا يشعرون جميعهم بالحاجة إلى التكاتف والتعاون، لئلا يظلوا منفصلين عن بعضهم بعض، فلا يعرف الأديب المصري شيئاً عن الأديب الشامي، ولا يدري هذا شيئاً عن زميله العراقي، وقس على ذلك.
وإذا ألقيت نظرة على الأجزاء التي صدرت من هذه المجلة، ترى مقدار استحسان القوم لهذه الفكرة، وإقبال الأدباء على تعضيدها بغية تحقيق هذه الأمنية الشريفة. وتجد في كل جزء ميداناً تتبارى فيه أقلام الكتاب من كل صقع. حتى عرفت مجلة الزهور بهذه الميزة على سائر المجلات، وأصبح يراسلها العدد الكبير من أدباء مصر والشام والعراق والجزائر ومراكش. ناهيك بما يحمل إلينا البريد من رسائل التنشيط وكلمات الاستحسان.
ولقد سهل علينا إدراك هذه الغاية خصوصاً فيما يتعلق بمصر وسوريا، لسهولة الموصلات، وتشابه التقاليد والعادات بين هذين القطرين الشقيقين، وسير الحركة الفكرية فيهما في مجرى واحد.
ولهذا ما كدنا نعلن عن عزمنا على إصدار العدد السنوي الكبير حتى تواردت علينا الرسائل من القراء، وكلهم مجمعون على جعل موضوع العدد الخاص مصر وسوريا وكنا قد تركنا للقراء الكرام
стр. 247
حق اختيار الموضوع الذي يروقهم البحث فيه , ولقد سرنا هذا الاقتراح أيما سرور لأننا رأينا فيه استحسان العامة وجمهور القراء لغاية المجلة، بعد استحسان الخاصة وفئة الأدباء. وأيقنا بنجاح تلك الفكرة، وهي التوصل شيئاً فشيئاً إلى إحكام الرابطة الأدبية بين الأمصار العربية.
هذه هي الأسباب التي حملت إدارة هذه المجلة أيها القارئ العزيز على أن تتقدم إليك بهذا العدد الخاص المتوج باسم القطرين العزيزين، وهي على يقين تام من انه سيحل منك محل
الرضى والارتياح.
* * *
بقي علينا بعد ذلك تقرير كيفية طرق هذا الموضوع الواسع. إذ ما عسانا أن نقول عن مصر وسوريا. ومصر وسوريا مهد الحضارة والمدنية، والملعب الذي تمثلت عليه أكبر مشاهد تاريخ البشرية. بل إن فينيقيا وأرض الفراعنة هما محور التاريخ القديم، ودائرة قطبه. حولهما كان معترك الأمم. وفيهما كان ممر الشعوب في زحفها من الشرق إلى الغرب، أو من الغرب إلى الشرق. في هذين القطرين حدثت الحوادث المأثورة، وفي ربوعهما جرت الوقائع المشهورة. فكانا في أيام الحرب ساحة الهيجاء، وفي أيام السلم مجتمع العلماء. هذا من الوجهة التاريخية أما من الوجهة الجغرافية فإن ذينك القطرين قبل نقض برزخ السويس وبعد نقضه كانا الرابطة بين آسيا وأفريقيا، والطريق اللاحبة بين أوروبا والهند والعالم الجديد. أما الوجهة السياسية فقد ضربنا عنها صفحاً في بحثنا منذ البداية، لأن مجلتنا غريبة منذ نشأتها عن السياسيات.
стр. 248
وعليه فقد وجدنا موضوعنا واسعاً مترامي الأطراف، تضيق المجلدات الضخمة عن استيعاب بعض أبوابه، سيما وغنه ليس ن غايتنا إيراد تاريخ القطرين ووصفهما جغرافياً، فالكتب التي تبحث في ذلك هي فوق الحصر فضلاً عن أن ذلك خارج عن نطلق مجلة أدبية فنية مثل الزهور ولذلك آثرنا طرق هذه الموضوع من الوجهة الأدبية. فاستكتبنا الأدباء الأعلام الذين يساعدون في تحرير هذه المجلة وأضفنا إلى كتاباتهم شيئاً من أقوال الكتاب الغابرين وبعض الشذرات الأدبية في هذا الموضوع. وزينا ذلك ببعض رسوم المناظر الطبيعية والآثار القديمة في القطرين، زيادةً في الفائدة والرونق.
ولا ندعي ذكر كل ما يستحق الذكر من الآثار والمناظر وما كتب فيها قديماً وحديثاً، لأنه لا يخفى ما يستغرق ذلك من الفصول الطوال إذ إن لكل شبر من هذه الأراضي تاريخاً عظيماً أو أن فيه أثراً فخيماً. فضلاً عن أن لنا متسعاً في الأعداد القادمة لذكر ما ضاق هذا الجزء عن إيراده سواء كان عن مصر وسوريا أو عن سائر الأقطار العربية.
* * *
نعم إن الإنسان ينظر إلى ماضيه، فيخاله أحسن مما كان؛ وإلى حاضره، فيراه أقبح مما
هو؛ وإلى مستقبله، فيظنه أسعد مما سيكون؛ وبحق قال دانتي الشاعر التلياني: لا حسرة للإنسان في أيام تعاسته أعظم من ذكره مجده السالف ولكن هذا المبدأ الصحيح في كل فرد من الهيأة الاجتماعية فاسد إذا ما استعملناه للشعوب، فالشعوب تحيا
стр. 249
بماضيها الذي تعده إرثاً ثميناً من الأجداد. ومن صفحات عزها الغابر تتخذ لها قوة تؤهلها للحياة الأمل. فنحن نذكر إذن ماضينا لننشط في حاضرنا، ويزداد أملنا في مستقبلنا. . . فعسى أن تؤدي مجلتنا بعض هذه الخدمة.
والعرب اليوم أشبه باليونان من حيث موقفهم إزاء الرقي الاجتماعي: ماضٍ مجيد، وحاضر مضطرب، ومستقبل مجهول سيكون كما يشاؤون وعلى مقدار استفادتهم في حاضرهم من عبر ماضيهم. ونحن اليوم لسنا في الظلام ولا في النور. ولكننا واقفون بين هذا وذاك. فعسى أن يكون ذلك غلساً يعقبه إشراق النهار، لا غسقاً يتقدم زوال الأنوار.
ولقد جرى اليونان في هذه السنوات الأخيرة على عادة جميلة، كان لها أكبر تأثير في إحكام رابطتهم القومية. وهي أنهم يصدرون كتاباً سنوياً يشترك في تحريره كل كتابهم من جميع الأصقاع التي نزلها أبناء العنصر اليوناني، فيكتب كل واحد منهم فصلاً عن أحوال أبناء جنسه في البلد الذي استوطنوه، فيتألف من ذلك مجموعة ضافية تتضمن كل ما يجدر بأبناء العنصر الواحد معرفته عن إخوانهم وحالتهم الأدبية والاقتصادية. . . ويجمل بالعرب، وهم الضاربون في أنحاء مختلفة، أن يحذوا هذا الحذو، فيأتوا مثل هذا العمل الذي لا تعد فوائده، ولا تحصى منافعه. فتكون تلك المجموعة أشبه بمؤتمر سنوي - يصعب عقده فعلاً - يتعارف بواسطتها أهل مصر وسوريا والعراق واليمن ومراكش والجزائر وتونس والمهاجرون منهم إلى أمريكا وأستراليا والشرق الأقصى
стр. 250
ويطلعون على شؤونهم بعضهم بعض في كل هذه الأصقاع فيتبادلون المنفعة والفائدة.
ولم يتيسر لهذه المجلة أن تقوم بمثل هذه الخدمة منذ سنتها الأولى، نظراً إلى مشقة هذا العمل ووجوب إعداد اللازمة لهذا المشروع الكبير، ولكن تلك أمنية من أمانيها ستعمل على تحقيقها بمناصرة الفضلاء الغيورين.
* * *
وفي هذا العدد - وإن كان قاصراً على الأدبيات - مقدمة لهذا المشروع الكبير. لأن ترابط
الأجزاء الواحد بعد الثاني يؤول حتماً إلى ترابط الكل.
ولقد قسمنا موضوعنا إلى ثلاثة أقسام: الأول يبحث في مصر، والثاني في سوريا، والثالث يتناول شيئاً من أقوال كتاب كل قطر في الثاني، مما يزيد توثيق عرى التقرب بين القطرين.
هذه هي الخدمة التي ينبغي أن نقوم بها، والغاية التي يجب أن نسعى إليها، ولا نشك في أن كل قارئ يود المساعدة على تحقيقها. فإن وراء ذلك تقريب القلوب، ونشر السلام والوئام؛ والله الموفق في البداية والختام.
مدير المجلة
следующие страницы →