← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

أمام مهدها كتبها ولي الدين في طفلة له رآها تحتضر وهي في الشهر الثالث من عمرها أَقصرتْ عنكِ وسائلُ العناية , وخابت في استبقائكِ آمال القلبين المشفقين اللذين طال خفوقها عليكِ في الليالي الطويلة. وها أنتِ اليوم على وشك التوديع. لم تتعلمي ما يقولُ المودّعون , لأنكِ لم تبلغي سنَّ القول. ولستِ تفهمين ما يُقال فيكِ , لأنكِ لم تصلي إلى زمن الفهم. أشفقتُ عليكِ من أُوجاع تُحسّين بها ولا تُدركينها. ثلاثةُ أشهرٍ , كثلاثِ طرفاتٍ بالجفن , مضت وكأنها لم تكن. ليت الشفاهَ التي لامست قبلاتها تينك الوجنتين الذابلتين جفّت قبلَ أن تكونَ ممرّاً للتأوُّهِ. . .! وليت تلك الأنفاس التي سرتْ على وجهكِ الغضّ التهبت في أحشائنا قبل أن تنقلب زفرات. . .! أعددتك ذخراً , وإذا بكِ مسلوبة. ظننتكِ لي , فإذا بكِ للثرى. لهفي عليكِ إذ تذهبين , ولم تري من سطوري ما يكون لكِ عظةً من بعدي! بل لهفي علىَّ إذْ أَستندي عيونَ النيّرات بمصراعٍ ارتجلهُ , وأنا أطلبُ اليومَ فيكِ كلامَ الرثاءِ , فلا تساعفني المعاني. إن يخطئكِ الحمام , وهيهات ما أظنهُ فاعلاً! فقد أبقى لي الدهرُ أملاً كاد يزمع الرحيل. وإنْ يأخذكِ كما أخذ أجدادَكِ وجدَّاتكِ من قبل , فقد أسرعتِ في قطع طريق يتظالع في قطعها الخلائق.

стр. 1857

أتيتِ نقيةً , وتذهبين نقية , كتقطرة الطَلّ على ورقةٍ من الورد , تلمعُ بكرةً , ولا تلبث أن تُستطار بخارأً. بين نوحات الثاكلات , وترجيع الحمائم بالأسحار , وبكاءِ السماءِ , وابتسام الأرض تضادٌّ يغيظ الموجَع. لا أشكو بثي فيكِ؛ ولكني استبقيه لأعتصرَ منهُ ذوبَ الشجون , ولأخاطبَ بهِ نفسي ناصحاً كلما غلبت عليها غفلات هذه الدار , وكادت تكون لها فتنة. لا أستطيع دفعاً لشيء يسوقهُ المقدور , ولكني وفيٌّ أضمن لكِ ألاَّ يلتام جرح يومك هذا. تزولين أنتِ وتبقى ذكراكِ. كذاك الحياة , تزول الهيولى وتبقى الصوَر. . . ولي الدين يكن الأغاني في الحروب ذهب فريق من العلماءِ على أنَّ منشأ اللغات الغناءُ. لأن الغناءَ في عرفهم هو صورة الخيال الواقعة تحت الحس , أو استفاضة مما في النفس عند امتلائها. وفي تاريخ الأقدمين أن امفيون باني أسوار طيبة كان يدفع العمال إلى العمل بجد ونشاط بالغناءِ والأناشيد , ألا تراهم في مصر يفعلون ذلك حتى الآن؟ وفي أساطير اليونان أن الشعب انتصر في معركة سلامين بأغاني سولون , فنجي البلاد بعد سقوطها. وفي التوراة أن الإسرائيليين كانوا إذا خرجوا لحربٍ يسير مغنوهم أمامهم. وفي التاريخ لحديث أن الفرنساويين لما سمعوا أنشودة المرسيلييز سنة ١٧٩٢ , وقد

стр. 1858

اجتاح العدوُّ بلادهم , وقبض على ناصية أرضهم , تولتهم الحماسة , وهزَّتهم النخوة , فألفوا صفوفهم الممزَّقة , وقوَّتهم الضائعة؛ فبرز ضعافهم أشداء , وجبناؤهم شجعاناً , ومتطوعتهم منتظمة , فانتصروا. وفي وصايا بولس رسول النصرانية رتلوا وغنوا الصلاة. وفي الآيات القرآنية: ﴿ورتلِ القرىن ترتيلاً﴾ وفي التوراة نشيد الأناشيد , وفي أخبار داود أنه ما كان يزيل كربته إذا ذكر أمرُ شاوول إلاّ الغناء. وفي أخبار السحرة والعرّافين أنه ما استأثروا الألباب ولعبوا بالعقول إلا بعد ترويضها بالغناء. ويؤكد هوارس أنّ مصر تقدَّمت غيرها من أُمم الأرض بالمدينة والحضارة , لأنها تقدَّمت غيرها بالغناءِ. وفي أقوال أحد شعراء الفرنساويين: إذا تآخت الأَصوات , دنت القلوب من الوئام وإذا اجتمع الناس لأمرٍ , لا تنفق عواطفهم ولا تتحد أميالهم إلاّ إذا اتحدت أصواتهم بأنشودةٍ واحدة. وكان الأطباء يداوون المرضى بالأغاني. وروى هوميروس وبلوتارك أن القدماءَ كانوا إذا جلسوا بعد الأكل والقصف يغنون فيفثأون من ثمولهم. ومن أقوال لوبز في الغناء أنهُ في الكلام كاللون في الصور. ومن الأغاني ما يبكي ويرقق , وهو لما كان من الشعر في الغزل والشوق إلى الوطن والبكاء على الشباب والمرائي والزهد. ومنها ما يطرب , وهو لما كان في نعت الشراب , وذكر الندماء والمجالس والصبوح والدساكر. ومنها ما يشوقُ وترتاح إليهِ النفس كصفة الأزهار والأشجار

стр. 1859

والمنتزهات والصيد؛ ومنها ما يسرُّ ويُفرح ويحث على الكرم والجود , وهو لما كان في المديح والفخر وصفة الملوك. ومنها ما يشجّع وهو لما كان في الحرب وذكر الوقائع والغارات والأسرى والنصر والفوز والفخر. ولكل أمة أغانيها وأناشيدها , ومن هذه الأناشيد والأغاني تعرف عاداتها وأخلاقها وتاريخها وأطوارها. وتتوارث السلالات ذلك جيلاً بعد جيل , وقرناً بعد قرن , حتى أن نوتية المراكب في نيل مصر يغنون اليوم رعمسيس توارثاً وتقليداً بقولهم وهم يجذّفون يا رمسو يا رمسو وفي سوريا يلقبون أغاني الحرب والقتال بالحوربة , ويشقون منها فعل حورب كما أنهم يلقبون أغاني الفرح بالهوربة ويشقون منها فعل هوبر ولربما ورثوا هذه اللفظة من هورا الرومانية والإغريقية , فضلاً عن الحدو الذي ينشدونهُ عند السير والمشي لا وراءَ القوافل والظعن فقط , بل في كل سير سريع يتطلّب الحماسة والنشاط. وكان غزاة العرب الذين دوّخوا المشارق والمغارب إذا خرجوا لغزوةٍ أو لقتالٍ أو لحرب , تغنوا بأشعارهم الحماسية , فيفور الدم في عروقهم وتهيج أعصابهم وتحمى نفوسهم , ويدفعهم الفخر إلى إتيان العجائب. وكانوا إذا اشتبك الأبطال بالقتال , وكفوا عن التغني بالأشعار يوقفون نساءهم يغنينهم , وفي يد الواحدة منهن مقرعة تضرب بها الفارين , وفي يدها الأخرى قارورة ماء تسقي منها الجرحى. وهذه العادة لا تزال عادتهم في حروبهم وهي أيضاً من عادات الأرناؤوط وشعوب البلقان , حتى قال

стр. 1860

أحد الضباط الأوروبيين الذين شهدوا المعارك البلقانية أن الأناشيد والتغني بحكايات الأبطال كانت من أقوى العوامل في فوز البلقانيين. والشعوب السلافية تلقت هذهِ العادة عن الشعوب الشرقية الحربية كالعرب منذ أربعة قرون. والأغاني والأناشيد هي التي صانت قومية البلقانيين من الضياع وصانت لغاتهم من النسيان؛ فهم منها حفظوا تاريخ أسلافهم ومجد أجدادهم وأسماءَ أبطالهم. وقد تفرَّد في نظمها العميان إذ كانوا يطوفون القرى والدساكر , وينشدون هذهِ الأناشيد على توقيع الرباب والقزلة. وإذا ذكرنا نحن أشعار عنترة والمهلهل , عرفنا كيف يكون تأثير هذه الأناشيد في نفوس الأمم وعصابات الشبان وطوائف الجند. وتاريخ الإفرنج طافح بمثل ذلك بما رووهُ عن غيليوم تل والسيد ورولان. وفي حكايات الصربيين والبلغاريين حكاية بطلٍ من أبطالهم في القرن الخامس عشر يسمونهُ ماركو قره لجيفيتش , كان يلبس جلد الذئب , ويتسلَّح بخنجرٍ مرصع بالذهب والفضة , ويركب جواداً يسمّى شاراتز , ولهم فيهِ القصائد والأناشيد التي يحفظها كبارهم وصغارهم , ويتغنون بها في البيوت والمنازل والأفراح والمآتم والحقول والمتنزهات , حتى أنهُ لا يوجد طفلٌ واحدٌ بلقاني لا يتمنى أن يكون ماركو. وإليك ما يقولون عنه: إذا ضرب ماركو بسيفهِ ترك خصمهُ شفعاً بعد أن كان وتراً إذا طعن ماركو برمحهِ أطار خصمهُ إلى ما فوق رأسهِ

стр. 1861

وإذا دار ماركو دورتين فلَّ الجيش بدورانه ومن قولهم فيه , في تخليصه الأسرى: يا غابتي الخضراء , ما أذبلكِ , ويا مروجي الزهراء ما أبيسكِ , أصابك الزمهرير فأيبسك , أم اتقد فيك السعير فأحرقك؟ فردت الغابة على ماركو بصوت خافت: يا بطلي المفدّى , وأشجع بطل! مرَّ بي عربيٌّ أسود , وبيده سلاسل الأسر الثلاث: في واحد الفتيات , وفي الأخرى العرائس , وفي الثالثة الزوجات وفي قصيدة أُخرى تخاطب ماركو جدَّته بهجر القتال إلى الحرث والزرع , فيصغي إلى نصيحتها ويأخذ بزرع الحقل على جانب الطريق , إلى أن يهبط محصلو الأعشار على الفلاحين فيسلبوهم أموالهم ومزارعهم فيترك ماركو المحراث إلى السيف ويخلّص المال من سالبيه , ثم يحمله إلى أصحابهِ وهو يخاطب جدتهُ بقولهِ: انظري أني لحارث , لا الحقول ولا المزارع ,

стр. 1862

بل طريق الملك والسلطان وروت إحدى صحف بلغراد أنه أثناء معركة بريليب ضعف الصربيون وجنبوا وأخذوا بالتقهقر , فصاح ضابطٌ منضباط الفرقة: هناك مقام ماركو وهنا وطنه فاهربوا , اهربوا إلى جدار منزله وبالقرب من محل القتال كان موطن ماركو على ما جاءَ في حكاياتهم. فارتدَّت الفرقة إلى الهجوم وقاتلت حتى انتصرت. ومن أناشيد الأروام: لن تصير تركية تلك الهضاب التي ينزلها الأرناؤوط , فاتناريوس حيٌّ يهزأ من الباشوات , فما دام الثلجُ يكسو الأكام , وما دام زهرُ الربيع يكسو المروج , وما دامت الأودية تغصُّ بالماء , لا نخضع ولا نستكين , ولنجعل مغاور الذئب مساكننا , ولنترك العبيد يسكنون الدور محنيي الظهور وفي أغاني البلغاريين إن يوجانا الفتاة البلغارية رأت موكباً لكريمة الفتاة التركية؛ فهجمت على خفر الموكب فمزّقتهُ , وقالت لكريمة شعراً: لم يبقَ إلاَّكِ يا كريمة في المركبة المذهبة فاخرجي رأسك الأبيض

стр. 1863

لأقطعه بحد الحسام ومنذ عشرين سنة ألَّف ملك الجبل الأسود روايةً سماها إمبراطورة البلقان ومن أشعاره فيها: فلتبقَ أرض البلقان , أرضاً لشعبنا! ولتخرج أرض البلقان , حرَّةً من قيد الغريب! وإلاَّ فالموت للبلقانو خيرٌ من الاستبعاد! وقس على ما نذكر ما لم نذكر من قصائدهم وأشعارهم وأناشيدهم التي أثارت الحمية في رؤوسهم أثناءَ القتال , وحفظت تاريخهم وجنسيتهم وأملهم وشجاعتهم قبل الحرب , بل أعدَّت نفوسهم لثورات كما أعدَّتها للنصر. ونحن العرب الشرقيين عندنا كثير من هذه الأناشيد والأشعار الملأى بها الأسفار. ولكنَّ الأغاني في مجالسنا تُثبّط اليوم هممنا , وتضعف نفوسنا. فهي عبارة عن ندبٍ وبكاءٍ ونواح للوصال , وذلٍّ في الليل وصَغار في النهار. فهل يريد المغنون والمنشدون والناظمون والسامعون أن يخرجوا من الذلة وضعف النفس على الفخر والحماسة والمجد؟ لقد آن لنا أن نعرف أنَّا شعبٌ حيٌّ ذو تاريخ وأبطال وأقوال بل أفعال. وهذه الأغاني التي درج عليها المغنون العرب نُقِلت عن مغنيي الخلفاءِ في بغداد , بعد أن أخذهم الترف وتولاَّهم النعيم , وانصرفت نفوسهم

стр. 1864

إلى اللهو والزهو والخلاعة , كالرومان في آخر عهدهم. فنقلها عنهم الحضر وسكان المدن. ولكنَّ أَهلَ البادية والجبال ظلُّوا على ما كان عليهِ آباؤهم , ولا يزالون على ذلك حتى الآن في غنائهم وعيشتهم وتقاليدهم وفخارهم وشجاعتهم. فإذا أردنا العود إلى مجدنا فلنعد إلى صلب الشعب في بواريهِ وقفاره , حيث نجد الكرّم والجود والشجاعة والحماسة والنبل والشرف والعزّة والآنفة. داود بركات الجامعة المصرية في خمس سنوات في اليوم الأخير من شهر سبتمبر سنة ١٩٠٦ نشر مصطفى بك كامل الغمراوي , أحد أعيان مديرية بني سويف , دعوة على صفات الجرائد المصرية سأل فيها سراة المصريين وأفاضلهم التعاون على إنشاء مدرسة جامعة. وختم دعوته بقوله أنني اكتتب لهذا العمل الخطير بمبلغ ٥٠٠ جنيه ثم حضر إلى العاصمة وخاطب بعض الأفاضل وذوي الرأي في المسئلة فلقي منهم كل رعاية وانعطاف. وكان في طليعة منشطيه سعادة سعد باشا زغلول - وكان يومذك مستشاراً في محكمة الاستئناف - فدعا إلى منزله في حي المنيرة الراغبين في إتمام أمنية الغمراوي بك فاجتمعوا لأول مرة في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر سنة ١٩٠٦.

стр. 1865

وكان أول عمل فكروا فيهِ هو إبعاد المشتغلين بالصحافة عن المشروع وانتخبوا سعادة سعد باشا زغلول وكيلا للرئيس - الذي يكونون قد اتفقوا عليه فيما بعد - وقاسم بك أمين سكرتيراً , وأصدروا أول منشور باسم الجامعة جاء فيهِ: إن المقصود هو إنشاء مدرسة علوم وآداب لك طالب مهما كان جنسه ودينه بدون مداخلة في السياسة. ويقتصر فيها على إلقاء دروس أدبية وعلمية وفلسفية تنوّر عقول الطالبين وتربي ملكاتهم وتهذب عواطفهم وتبلغ بهم الكمال في أنواع ما يتلقونه بها من العلوم. مضى على هذه الجلسة شهران ولا شاغل للأقلام إلاَّ الجامعة وتنشيطها؛ ونهض لمعاكستهم نفر قالوا أنه لا يجب الإقدام على العمل ولا التشجيع عليهِ إلاَّ إذا صبغت الجامعة بالصبغة الدينية. ولكن هذا الرأي لم يصادف هوى من قلوب المشتغلين بالمسئلة. ثم عقدت الجلسة الثانية وأعلن فيها سعادة باشا زغلول تخليه عن المشاركة العملية في لجنة الجامعة لتعيينه ناظراً للمعارف وأكد أنه لا يفتر عن تعضيد المشروع. وألقى المرحوم قاسم بك أمين خطبة ضمنها خلاصة ما تم للمشروع في شهرين وهو: أولاً - اهتم كثيراً في البحث يرئس اللجنة من الأمراء فلم يفلح ولذلك وقفت حركة الاكتتاب. ثانياً - خاطب أحد أمراء البيت الخديوي في ن يكون رئيساً للجامعة فلم يقبل ولم يرفض

стр. 1866

ثالثاً - طلب مساعدة الحكومة فلم تقبل لأنها تعتقد أن مشروعاً كبيراً كمشروع الجامعة لم يأتِ الوقت المناسب لأن تقوم بهِ الأمة. رابعاً - إن سمو الخديوي أظهر ارتياحاً إلى المشروع والقائمين بهِ وانتخب قاسم بك أمين رئيساً , وانتدب حضرة محمد بك فهمي. وسارت اللجنة في أعمالها بهمة ونشاط ولم يعترها كلل ولا ملل مع وفرة ما صادفتهُ من العقبات وتثبيط العزائم , فاكتتب له الكثيرون - وفي مقدمتهم سمو الخديوي - بمبالغ طائلة من المال. ووقف له بعضهم مساحات واسعة من الأراضي. وكان في مقدمة الواقفين المرحوم حسن باشا زايد أحد أعيان مديرية المنوفية حيث وقف مئة فدان , ثم عوض بك عريان المهدي من أعيان بني سويف وقد وقف لها ٨٣ فداناً. ويقدر ثمن أطيان الجامعة كلها بمبلغ ١٧٠ ألف جنيه وبلغ ريعها في السنة الماضية ٨٦١ جنيهاً و٦١٥ مليماً. وقبل صاحب الدولة البرنس أحمد فؤاد باشا أن يكون رئيساً للجامعة. وكان أول عمل أتاهُ إرسال عشرة من الشبان المصريين الحاصلين على الشهادة الثانوية وبعض ديبلوات المدارس العالية إلى أوربا لدرس العلوم العالية حتى إذا أتموا دروسهم عادوا إلى مصر للتدريس في الجامعة المصرية. وفي أول مايو سنة ١٩٠٨ سمي سعادة أحمد باشا زكي مدّرساً لتاريخ التمدن الإسلامي وأحمد بك كمال لتدريس تاريخ الشرق القديم. وتقرر أن

стр. 1867

يلقي أساتذة ثلاثة: فرنساوي وانكليزي وإيطالي محاضرات في آداب لغاتهم ثم تترجم إلى العربية بعد إلقائها. واستؤجر معمل سجائر جناكليس بائع الدخان اليوناني الشهير , في قصر النيل فمحي اسمه من على واجهتها المبنية على الطراز العربي الأنيق , وأُبدل باسم الجامعة المصرية وتاريخ إنشائها مكتوباً باللغتين العربية والفرنسوية. وفتحت أبوابها لإلقاء المحاضرات في أول أكتوبر سنة ١٩٠٨ ثم أُعلن افتتاحها رسميّاً بعد ذلك بشهر واحد تحت رئاسة سمو الخديوي المعظم. وانعقدت الجمعية العمومية للجامعة يوم ٢٩ ابريل الماضي وقدَّم مجلس الإدارة تقريراً للأعضاء عن حالة الجامعة جاء فيهِ أنهُ لم يمضِ سوى أربع سنوات منذ حظيت الجامعة برعاية سمو الأمير مولانا الخديوي المعظم عباس حلمي الثاني وهي فترة لا تعد شيئاً في عمر الجامعات إذ لو راجعنا تاريخها وم لزم لتكوينها من الوقت الطويل لوجدنا أن الجامعة المصرية خطت خطوات واسعة في هذا الزمن القصير ولا جدال في أن القائمين بأمر الجامعة وفي مقدمتهم دولة الرئيس لم يفتروا ساعة واحدة عن ترقية هذا المعهد الكبير. وفي خلال السنوات الأربع الماضية كان دولة الرئيس يقضي فصل الشتاء في مشاركة الأعضاء في الإِشراف على جميع أعمال الإدارة , فإذا حل الصيف يمضي معظم أوقاتهِ وهو بعواصم أوربا في مفاوضة بعض العلماء في الحضور إلى مصر

стр. 1868

للتدريس في الجامعة , ويخاطب وزراء المعارف ورؤساء الجامعات بفرنسا وانكلترا وألمانيا في مساعدة تلاميذ الجامعة المصرية بأوربا على تلقّي العلوم في المعاهد العلمية الكبرى , ويحث هؤلاء التلاميذ على الجدّ والاجتهاد في التحصيل حتى يشرّفوا أمتهم بعلمهم. ولكن هذه المجهودات لم تثمر الثمرة المنتظرة منها فإن المتأخّر من الاكتتابات لم يُدفع منهُ شيء للجامعة. ولم يكتتب لها أحد بشيء في السنة الماضية , وامتنع أحمد بك الشريف عن أن يدفع للجامعة دخل المئة الفدان التي حبسها عليها فاضطر مجلس الإدارة إلى النظر في أمر مقاضاتهِ ورأت الإدارة أن الإِقبال على حضور محاضرات التاريخ القديم والاقتصاد الزراعي فألغتهما. وكذلك ألغت الفرع النسائي ريثما توفَّق لوضع برنامج الخطة التي تتبعها فيهِ بحيث يكون موافقاً لحاجات السيدات المصريات وكان عدد اللائي يحضرن هذه الدروس ٤١ سيدة. وأصبحت العلوم التي تلقى في الجامعة قاصرة على الآداب وتاريخها والفلسفة وتقويم البلدان والتاريخ الإسلامي. ويدرّس آداب اللغة العربية الأستاذ الشيخ محمد الخضري. ويدرس آداب تاريخ هذه اللغة المسيو جاستون فيت. ويدرّس تاريخ الأمم الإسلامية الأستاذ الشيخ محمد الخضري. ويدرس الفلسفة العربية وعلم الأخلاق الأستاذ الشيخ طنطاوي جوهري. ويدرّس تاريخ المذاهب الفلسفية الأستاذ لويز ماسنيون.

стр. 1869

ويدرّس تاريخ آداب اللغة الانكليزية الأستاذ برسي وايت. ويدرّس تاريخ آداب للغة الفرنسوية الأستاذ لويس كليمان. وقد عني اثنان من طلبة الجامعة منذ أربع سنوات بجمع المحاضرات وطبعها في مجلة خاصة. ولكنهما لم يجد شيئاً من الإقبال عليها فعطلاها. وأخذ مجلس الإدارة على عاتقه طبع هذه المحاضرات في كتب مستقلة فبلغ ما أنفقه على طبعها في السنة الماضية ٣٣٦ جنيهاً و٩٦١ مليماً. وكان عدد الطلبة الذين قيدوا أسماءهم في السنة الأولى نحو ٣٠٠ طالب منهم عدد كبير من طلبة المدارس العالية والأزهر , ثم أخذ عددهم يتناقص شيئاً فشيئاً , فكان في السنة الماضية ١٢٣ طالباً , وفي هذه السنة ٧٥ طالباً فقط. وتدل الأنباء الواردة من أوربا عن حالة إرسالية الجامعة أن أعضاءها قد برهنوا بما أبدوه من مثابرتهم جدّهم في تحصيل المعارف على أنهم أهل لأن تعتمد عليهم الجامعة في خدمتها خدمة خالصة. وعهد مجلس الإدارة إلى سكرتير الجامعة في ترتيب المكتبة على النسق المتبع في مكاتب أوربا العمومية , وينتظر إتمام هذا الترتيب بعد سنة , ثم تُفتح أبواب المكتبة للجمهور. وفي جلسة الجمعية العمومية الأخيرة طلب دولة الأمير فؤاد باشا إقالته من رئاسة الجامعة. فقبلها الأعضاء آسفين وقرروا إسناد رئاسة الشرف إليه , ودوَّنوا هذا القرار في خطاب حمله إليه وفد مؤلف من أصحاب

стр. 1870

السعادة حسين رشدي باشا وأحمد شفيق باشا وعبد الخالق ثروت باشا. ثم قرروا باتفاق الآراء أن يعهدوا في الرئاسة إلى البرنس يوسف كمال باشا والرئيس الجديد خير خلف لخير سلف. فهو منشئ مدرسة الفنون الجميلة , وصاحب الأيادي البيضاء على الجامعة ونادي المدارس العالية. فقد وهب الجامعة مئة فدان , وأعطى النادي قطعة أرض مساحتها ١٢٠٠ متر في الجيزة , وتبرع بمبلغ ألفي جنيه لبناء دار للنادي في هذه الأرض , وتعهد بإنشاء مكتبة للنادي عهد في ترتيبها لحضرة حيدر بك فاضل شناسي. وقد أعلن خبر هذه المنحة السنية سعادة أحمد باشا زكي على ملأِ من الأدباء والأفاضل في جلسة عقدت بنزل الكونتيننتال , وختم خطبته بقوله أن الأمير يوسف كمال أصبح بعطيته خليقاً بأن يلقب بحامي المعارف والآداب , ونصير الأساتذة والطلاَّب ولا تزال الحكومة ثابتة على رأيها الذي أبدته منذ سبع سنوات , وصرّح بهِ فخامة اللورد كرومر في أحد تقاريره وهو أنه لم يحن الوقت الذي يكون فيهِ للمصريين مدرسة جامعة وقد تناقلت الألسنة إشاعة فحواها أن فخامة اللورد كتشنر خاطب دولة البرنس فؤاد في ضم الجامعة إلى الحكومة أو جعلها تحت إشراف نظارة المعارف. فلم يوافقهُ الأمير على هذا الطلب. ولكن الكثيرين يؤكدون أنه لابد من ضم هذا المعهد العلمي الكبير إلى الحكومة آجلاً أو عاجلاً , فيصبح على جانب مدارس الطب والحقوق والهندسة والزراعة مدرسة للعلوم الأدبية يتخرَّج منها أدباء بديبلومات!! توفيق حبيب

стр. 1871

في رياض الشعر بين شاعرين في الشهر الماضي انتخب أهالي دير القمر حضرة الفاضل داود بك عمون مندوباً عنهم في مجلس إدارة جبل لبنان , وقد برح مصر لهذا الغرض , فاذكرتنا هذه المناسبة مراسلة شعرية كانت قد جرت بينه وبين صديقه حافظ بك إبراهيم في سنة ١٩٠٢ , وكان داود بك مصطافا في لبنان , فرأينا أن ننشرها لقراء الزهور وهي من خير ما قاله شعراء العصر: كتب حافظ إلى عمون: شَجَتنا مطالعُ أقمارِها ... فسالت نفوسٌ لتذكارِها وبتنا نحنُّ لتلك القصورِ ... وأهلِ القصور وزوَّارِها قصورٌ كأنَّ بروجَ السماءِ ... خدورُ الغواني بأدوارِها ذكرنا حماها وبين الضلوعِ ... قلوبٌ تَلَظّى على نارِها فمرَّت بأرواحِنا هِزَّةٌ ... هيَ الكهرباءُ بتيَّارِها وأرضِ كستها كِرام الشهورِ ... حرائرَ من نسج آذارِها إذا نقّطتها أكفُّ الغمامِ ... أرتكَ الدراري بأزهارِها وإن طالعتها ذُكاءُ الصباحِ ... أرتك اللّجينَ بأنهارِها وإن دبَّ فيها نسيم الأصيلِ ... أتاك النسيمُ بأخبارِها وخلٍّ أقامَ بأرض الشامِ ... فباتت تدلُّ على جارِها وأضحت تتيهُ بربّ القريض ... كتيهِ البوادي بأشعارِها وللنيلُ أولى بذاك الدلالِ ... ومصر أحقُّ ببشَّارِها فشمّرْ وعجّل إليها المآبَ ... وخلِّ الشامَ لأٌدارها

стр. 1872

فكيف لعمري أطقتَ المقامَ ... بأرضِ تضيق بأحرارِها وأنتَ المشمّرُ إثرَ المظا ... لمِ تسعى إلى محوِ آثارِها ثأرتَ الليالي وأقعدتها ... بمصقولِ عزمِك عن ثارِها إذا ثُرتَ ماجت هضاب الشام ... وباتت تَرامي بثوَّارِها ألستَ فتاها ومختارَها ... وشبلَ فتاها ومختارِها إذا قلتَ أصغت ملوكُ الكلام ... ومالت إليكَ بأبصارِها أداودُ حسبك أن المعاليَ ... تسبُ دارك في دارِها وأنَّ ضمائرَ هذا الوجودِ ... تبوحُ إليك بأسرارِها وأنك إمَّا حللت الشامَ ... رأيناك جذوةَ أفكارِها وغن كنتَ في مصر نعم النصير ... إذا ما أهابت بأنصارها حافظ إبراهيم فكتب إليهِ عمَّون: أمِنْ ذكرِ سلمى وتذكارِها ... نثرتَ الدموعَ على دارِها وعفتَ القصورَ لأجلِ الطلولِ ... تطالعُ طامس آثارها وقفتُ بها ليلتي ناشداً ... عساها تبوحث بأسرارِها وللدارُ أنطقُ آياتها ... من الروايات وأخبارِها تعيدُ عليكَ ليالي الحمى ... بأنجمها وبأقمارِها سلالمٌ عليكَ زمانَ الشبابِ ... ربيعَ الحياةِ بآذارها لأنتَ مخفّفُ أحزانِها ... وأنتَ مسوّعُ أكدارِها ولولا الشبابُ وذكرى الشبابِ ... لعاشَ الفتى عمرَه كارها قطعنا الحياةَ بهِ حلوةً ... وقد جاء إبَّانُ إمرارِها

стр. 1873

أطوّفُ في الشرقِ علّي أرى ... بلاداً تطيبُ لأحرارِها فلم أرَ إلاّ أموراً تسوءُ ... وتصدعُ أكبادَ نظَّارِها فظلمٌ بتلك وذُلٌّ بهذي ... وجهلٌ مُغشٍّ لأبصارِها تعقُّ مراحمَ رُعيانها ... وترعي الولاء لجزَّارِها إذا شاَء قاسمُ رفعَ الحجابِ ... تسمَّيهِ هاتِكَ أستارِها فلا قولَ إلاّ لجهَّالها ... ولا رأيَ إلاّ لأغرارِها يدبُّ التراخي على تِرْبها ... ويجري الخمولُ بأنهارِها منالُ الترّقي بإرغامها ... ومَرجى الفلاحِ بإخبارِها أهذا الذي أورثتْ أهلَها ... بلادُ العلومِ وأنوارِها عدمتُ حياتي إذا لم أقِف ... حياتي على نفعِ أقطارِها أحافظُ هذا مجالُ العُلى ... فشمّرْ سبقِ بمضمارِها أشوقي أحافظُ طالَ السكوتُ ... وتركُ الأمورِ لأقدارِها فصوغا القوافيَ مصقولةً ... وشِقّا الجلودَ ببتّارها عساها تحرِّكُ أوطاننا ... وتنشرُ ميّتَ أفكارِها أقولُ وأعلمُ أني سأُرمي ... بأني محرّكُ ثوَّارِها وأني الدخيلُ وأني الغريبُ ... وأني النصيرُ لقُهَّارِها أحبُّ بلادي على رُغمها ... وإنْ لم ينْلني سوى عارِها ولست بأوّلِ ذي همّةٍ ... تصدَّى الزمانُ لإنكارِها داود عمون

стр. 1874

الأنفة في الحب من حيد الشعر وأطيبه القصيدة التي ننشرها هنا وقد رأيناها في بعض الجرائد على أشكال مختلفة: فالبعض أغفل اسم شاعرها جهلاً به , والبعض اقتضب أبياتاً منها , وغيره أبدل الأربلي أصلاً ومنشأ , البحراني أني مولداً , المتوفي في سنة ٥٨٥ للهجرة وقد مدح بها بعض الأمراء فانتصرنا منها على النسيب لرقته , قال: رُبَّ دارٍ بالغضى طالَ بَلاَها ... عكف الرَّكبُ عليها فبكاها درسَتْ إلاَّ بَقايا أسطرٍ ... سمح الدَّهرُ بها ثمَّ محاها كان لي فيها زمانٌ وانقضى ... فسقى اللهُ زماني وسقاها وَقَفتْ فيها الغوَادي وقفةً ... ألصقتْ حَرَّ حياها بثراها وبَكتْ أطلالَها نائبةً ... عن جفوني أحسنَ اللهُ جزَاها قلْ لجيران مواثيقهُمُ ... كلَّما أحكمنُها رثَّت قواها كنتُ مشغوفاً بكم إذْ كنتمُ ... شجَراً لا تبلغُ الطيرُ ذُراها لا تبيتُ الليلَ إلاّ حَولها ... حَرسٌ ترشحُ بالموتِ ظباها وإذا مُدَّتُ إلى أغصانها ... كفُّ جانٍ قُطعتْ دون جَناها فتراخي الأمرُ حتى أصبحتْ ... هَمَلاً يطمعُ فيها مَن يَراها تُخصبُ الأرضُ فلا أطرقُها ... رائداً إلاَّ إذا عَزَّ حِماها لا يَراني اللهُ أرعى روضةً ... سَهلةَ الأكنافِ مَن شاَء رعاها وإذا ما طمعٌ أغرى بكم ... عرَضَ اليأسُ لنفسي فثناها فصباباتُ الهوىَ أوَّلُها ... طمعُ النفسِ وهذا مُنتهاها لا تظنُّوا لي إليكم رجعةٌ ... كشفَ التجريب عن عيني عماها إن زين الدين أولاني يداً ... لم تدع لي رغبةً فيما سواها

стр. 1875

ذكرى الشباب تُمسي تذكّرنا الشبابَ وعهدَهُ ... حسناءُ مرهَفةُ القَوام فنذكرُ هيَفاءُ أسكَرَها الجمالُ وبعض ما ... أوفى على قدرِ الكفايةِ يُسكرُ تَثِبُ القلوبُ إلى الرؤوس إذا بدت ... وتُطلُّ من حَدَقِ العيونِ وتنظُرُ وتبيتُ تكفرُ بالنحور قلائدٌ ... فإذا دنت من نحرها تستغفرُ ويزيد في فمِها اللآلئُ قيمةً ... حتى يسودَ كبيرَهنَّ الأصغرُ إسماعيل صبري سكر صبابة أبتَ الصَّبابة مورداً ... إلاّ شؤونك وهي شكري يا ساقيَ الدمع الذي ... من مقلتيهِ يسيلُ خمراً لا غروَ أن بدت الصبا ... بة وهي في عينيكَ سكري خليل مطران دمعة على الشباب ضحكاتُ الشيبِ في الشَعَرِ ... لم تدع في العيش من وطرِ هنَّ رسلُ الموتِ سانحةٌ ... قبلّهُ والموت في الأثرِ يا بياضَ الشيبِ ما صنعت ... يدُك العسراءُ في الطررِ أنت ليلُ الحادثات وإن ... كنتَ نورَ الصبح في النظرِ ليت سوداَء الشبابِ مضتْ ... بسوادِ القلبِ والبصرِ فالصبى كلُّ الحياة , فإن ... مرَّ , مرَّتْ غبطةُ العمرِ مصطفى لطفي المنفلوطي

стр. 1876

مجدلية أخرى لم تكن أوَّلَ من أساءَ إليها الرجلُ فإنَّ أمثالها كثيراتٌ ممن دفعهنَّ الجهلُ إلى ارتكاب ما ارتكبنهُ , وإلقاء تحيَّة الوداع على الفضيلة والعفاف. أليست أزقّتنا مزدحمة بأقدام هؤلاء البائسات؟ أليست المدن الكبرى قائمة على أطلال بابل , والرذيلة تمثّلُ أفظعَ أدوارها في زواياها المظلمة؟ أَليس السين والتاميز وارثَين لماء للتيبر الذي شربته رومية الفاجرة , وماء الفرات الذي ارتوت بهِ نينوى الزانية؟ أليست شوارعنا مسارح لتمثيل تلك الأدوار التي تقشعرُّ لها الأبدان , وتتململ لها العظام التي في القبور؟ أَهذهِ مدنيَّتك أيها العالم , وهذهِ فضيلتك أيها الإنسان؟ مستبدٌّ أنت؟ إن كنت ملكاً فكن عادلاً؛ وإن كنت بشراً فكن عاطفاً؛ وإن كنت غنيّاً فأنفق ثروتك في غيرِ الزوايا المظلمة. لماذا تحفر هاويةً لسقوط المرأة؟ كفى ما أوصلتها إليهِ من البؤس والشقاء تائهة في باريس! في تلك المدينة العظيمة؛ في ذلك الأوقيانوس المتلاطم؛ وحيدة لأبيتَ لها فتأوي إليه , ولا سقف تحته. للطيور أوكار , وللبهائم زرائب. وأما هي فليس لها أين تسند رأٍسها. الرواية القديمة! باعت نفسها لرجل سامها في عرضها. أعطتهُ قلباً

стр. 1877

مملوءاً إخلاصاً. فنقدَها ثمنهُ خزياً وعاراً. فتحت لهُ صدراً رحيباً , فحفر لها مهواةً أرحب. تركت العالم من أجله فترك لها كل مذلة وهوان. رحماك! إلى أين تقذف بي أيها الإنسان؟ اصرخي ما شئت أيتها البائسة؛ أَغبتِ أَبويكِ فطرداكِ؛ أَغضبتِ العالم فنبذك؛ أَغضبتِ اللهَ فأدار وجههُ عنكِ. اصرخي ما شئتِ. قولي لذلك الجالس على كرسي العدل , الرابض على عرش الرحمة: الهي الهي لماذا تركتني؟ أَلستِ مرفوعةً على صليب الهوان , وتحت قدميكِ هاوية الأبدية أللإقرار لها. علمَ تلومين البشر؟ هلا بعتِ عفافكِ إلاَّ للوحوش الضارية؟ هلاَّ ساومتِ في عرضكِ إلاَّ على قوارع الطرق؟ ألم تعلمي أن الأزهار التي يفترسها لكِ الإنسان الوحش , وأنتِ في ثوب العفاف , تنقلب أشواكاً متى خلعتِ ذلك الثوب؟ هو ذا الأحلام التي كنتِ تعللين بها نفسكِ قد انقلبت إلى خيالات مرعبة فهي تصوّر لكِ الآن ظلمات الأبدية وتمثّل لعينيكِ هاوية الشقاء أللإقرَار لها الدير!. . . . وهل تمادى بكِ الغرورُ حتى زعمتِ أن الدير مأوى الساقطات؟ هل توهّمتِ أن السقف الذي يظلل بنات الله الطاهرات يظلل أمثالكِ من الفتيات اللواتي لسنَ عذارى ولا أُمهات؟

стр. 1878

أيكون الدير مأوًى لراحاب وهيروديار ومرغريت وفرناند؟ الدير؟. . . هل يكون الدير ملجأً للواتي كسرنَ وصية الله القائل لا تزنِ؟ هل يكون الدير مأوًى لمن هجرنَ العفاف وأسأنَ إلى المجتمع العمراني وآثرنَ منعطفات الطرق على الهياكل والمعابد؟ هل الدير ملجأ لكل امرأةً يطاردها العالم لينزل بها العقاب على ما أتتهُ من الشرور والمآثم؟ أجل! إن لم يكن الدير ذلك فيجب أن يكون كذلك؛ يجب أن يكون أوَّل محطة على الطريق إلى السماء تائهة في باريس!. . . بيت أبيها موصدٌ في وجهها؛ وباب الدير موصد في وجهها؛ وباب السماء موصد في وجهها فإلى أين تأوي؟ هنيئاً لكِ يا خالعة ثوب العفاف. ألم تنتعمي بالسعادة التي كنتِ تحلمين بها؟ فماذا تطلبين بعد؟ مبيتاً؟. . . هو ذا قوارع السبل! هو ذا مهاوي الشقاء! هو ذا القبر!

стр. 1879

ووراء ذلك القبر وحشة الأبدية اللاَّنهاية لها , وحجاب الظلمة يكتنف النفس فيزيد في عذابها , كلّ لحظة قرون وأحقاب مملة. رحماك اللهم! إن عرشك ليس عرشَ العدل فقط بل عرش الرحمة أيضاً. فانظر إليَّ من فوق عرشك هذا دون عرشك ذاك. واذكر إنك جبلت المرأة على الضعف , وقذفت بها بين برائن الرجل المستبد. رحماك اللهم! إنك تؤدَّب ولكنك أنزه من أن تنتقم. فقاصصْ ولكن أجمل مع القصاص متَّسعاً من الرحمة. عاقبو ولكن اجعل مع الشدة منفذاً. إنك ارحم من أن تبخل على شقية مثلي بنظرة شفقة وإحسان. إلى أين اذهب يا الله؟ ألم تجعل للطيور أعشاشاً , وللثعالب أوكاراً , وللبهائم زرائب؟ فأين أسند رأسي في هذا الليل الحالك - في هذه المدينة المظلمة - في هذا الأوقيانوس المتلاطم؟ ألم تعفُ عن راحاب وتغفر للمجدلية؟ ألم تقل لتلك البائسة التي شكوها إليك: ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تخطئي بعد؟ ألم تقل أن الإعلاّء هم الذين يتاجون إلى طبيب؟ يا لك من عصرٍ شديد النحسِ ... ضاعت بهِ الرحمة تحتَ الشمسِ لم تلق مأوى فيهِ غيرَ الرمسِ ... وغيرهُا ممتَّعٌ بالأنس في عالم أحلامُهُ غرورٌ سليم عبد الأحد

стр. 1880

أسباب الحرب البلقانية من الكتب المائلة للطبع في الآونة الحاضرة كتاب الحرب في البلقان لحضرة الكاتب البليغ يوسف أفندي البستاني وهو جامع لجميع أسباب الحرب وحوادثها ونتائجها , ولنحو أربعين رسماً من رسوم رجالها , ولأُهم آراء الكتاب الحربيين والمؤلفين في هذا الموضوع. وقد اقتطفنا من كلامه عن أسباب الحرب الفصل التالي. قال: من رام أن يقف على حقيقة تلك الحرب الهائلة ويدرك أثرها العظيم في الشرق والغرب يلزمه أن يعرف أسبابها وحوادثها ونتائجها. وأنّا بادئون بذكر تلك الأسباب واحداً فواحداً مع الإيجاز , ومعتمدون على نخبة من أقطاب لسياسة إلاّ مشهداً كبيراً فاجعاً من رواية تلك المسألة التي تعددت فيها الفصول وأدمت مشاهدها العيون يخلق بنا أن نحسب رأس الأسباب ما انطوت عليه الضلوع , وغلت به الصدور من الحقد القديم والضغينة الكامنة بين الأتراك والأمم الأربع المتحالفة فإن كل أمّة منها جعلت تربية الحقد في صدور أبنائها على دولة آل عثمان فرضاً مقدَّساً وآيةً من آيات الوطنية. فإذا ورد ذكر التركي على أحد أساتذتها جعلهُ عنواناً للظلم , ومثلاً للقسوة , وعدواً أبدياً يجب على كل فرد أن يرضع بغضه مع حليب أمِه. انظر إلى اليونان تجد الأساتذة والوالدين والوالدات وكلّ عجوز بالية يردّ دون ذكر مجدهم القديم , ويعدّون التركي مغتصباً لأرضهم هدَّاماً لدولتهم , هضّاماً لحقوقهم , ويمزجون ما يحويهِ تاريخهم من الحقائق الجارحة بخرافات وحكايات نظمها لهم أساتذتهم وشعراؤهم ليربّوا فيهم كراهة التركي , ويحملوهم على التفكير المستمرّ في استرجاع ما وقع في قبضته من ملكهم القديم , ويجعلوا طلب الثأر نصب

стр. 1881

أعينهم على أن يأتي وقته. ثم تراهم يهتمون اهتماماًَ خاصاً بأخبار أبطالهم والمنظومات الحماسية لشعرائهم القدماء وفي طليعتهم هوميروس صاحب الإلياذة الخالدة , ويردّدون على الأخصّ , من الحوادث الغابرة , قصة يسمونها حكاية علي باشا في يانيا فيعزون إليهِ من الفظائع والأهوال ما يشيب الطفل في مهده , ويزعج الميت في لحده. وهم يجعلون فيها القطرة بحراً والصفر سفراً ويرتبونها كما يشاء الخيال , إذ لا يهمم منها إلاّ أن تجيء في شكل يُبكي النساء والأطفال , ويُثير قلوب الرجال. قال كاتب فرنساوي كبير يمكننا أن نقول ولا نخشى الخطأ أنَّ حكاية يانيا حضَّت الأمة اليونانية على الجهد الذي بذلتهُ في الحرب الأخيرة حضّاً كبيراً وأثرت فيها تأثيراً شديداً. فإنك تجد كل قرية وكل دسكرة في الجزر اليونانية تأخذها الرعدة من تذكار يانيا. وترى النساء ينقلنَ تلك الحكاية إلى أولادهنَّ ويذكرنَ ما أتته بعض اليونانيات من الأعمال في مجال القتال. وما من أثر أبقى في النفوس وأقوى في القلوب من حكايات وطنية تعيدها الأم وهي جاثية أمام سرير ولدها وأضفْ إلى حوادث التاريخ القديم والمتوسط حادث لفشل الكبير الذي حلَّ بهم في حرب سنة ١٨٩٧. فإنهم لبثوا بعدها يتطلعون إلى الثأر واستقدموا جماعةً من الضباط الفرنساويين فنظَّموا لهم جيشهم , وجددوا مدافعهم. وكان يزيدهم حقداً على حقد أنَّ الحكومة العثمانية ظلّت واقفة لدى الحكومة اليونانية ويدُها على مقبض السيف لتوقع الرُعب في قلبها وتمنعها من ضمّ جزيرة كريت إلى أملاكها. وكانت جرائد الأستانة تنذر اليونان في كل يوم بالزحف على أثينا إذا قبلوا المندوبين الكريتيين في البرلمان اليوناني كما طلب أهل تلك الجزيرة. وإذا رجعنا إلى تاريخ البلغاريين وجدنا أنَّ الحقدَ ينمو في قلوبهم منذ سنة ١٣٩٣ أي السنة التي سقطت فيها الدولة البلغارية في قبضة تركيا. وإذا أراد

стр. 1882

القارئ أن يعرف مبلغ بغضهم للتركي - وكلّ موظفٍ عثماني هو تركي عندهم - فحسبُهُ أن يقرأ شيئاً مما يلقونهُ على أولادهم أو يسمع ما يقوله الشيوخ والعجائز منهم. ذكر لي صديقي حقي بك العظم أنهُ زار صوفيا , عاصمة البلغار , منذ بضعة أعوام , وذهب يوماً مع نسيبٍ له كان معتمداً عثمانياً سامياً في مركبة الوكالة العثمانية إلى بعض أحياء لمدينة؛ وبينما كانا مارّين أمام بيت إحدى العجائز , خرجت هذه وبيدها قدرٌ من الأقذار المختلفة وقذفت بهِ على طربوشيهما وملابسهما العثمانية. وليس يدلنا على اعتنائهم الشديد بتربية الحقد على الأتراك وزيادة النفور منهم مثل أمر مأثور. وهو أنهم تركوا مجلةً صغيرة في عاصمتهم على أسوأ حال لتكون عبرةً لكل بلغاري فيتذكر على الدوام ما كانت عليهِ بلادهم في عهد الحكم التركي. والواقع أن تاريخ البلغار منذ سقوط دولتهم سنة ١٣٩٣ إلى سنة ١٨٧٧ كان تاريخ ذُلٍّ وهوانٍ فإنهم كانوا أرّقاء تلعب الأكفُّ التركية في رقابهم , وإذا شكوا حكمتِ السيوف في هاماتهم. ولبثوا سنواتٍ عديدة على أثر سقوط ملكهم يحسبون الأتراك من محقدٍ أشرف من محتدهم حتى صَّحت فيهم حكمة القائل أن الاستعباد يُفقدَ الشعوبَ فضيلة الرجولية على أنهم كانوا مثل كل شعب مغلوبٍ على أمره وله تاريخ قديم , يذكرون استقلالهم الذي تغلغل في طياتِ الزمان ويحنّون إليهِ وهم في روايا بيوتهم , ويشكون بصوتٍ خافت من حكامهم. ولبثوا على تلك الحال من الجبن والمسكنةِ حتى سنحت الفرصة لانفجار حقدهم الكامل قُبيلَ معاهدة برلين. وكانت عوامل إيقاظهم ثلاثة: أولها أنَّ ولاة أمورهم غلوا أشدَّ غلوٍّ في الضغط عليهم فكانت نتيجة هذا الضغط انفجار ذاك الحقد؛ والثاني أن روسيا العدوَّة القديمة لتركيا كانت تحضهم وتعدهم بالعون والمدد؛ والثالث أن تحريرهم من قيد الكنيسة اليونانية أنشأ فيهم روح الاستقلال.

стр. 1883

بقيت تلك العوامل الثلاثة تعدّ نفوسهم للثورة ونزيد حقدهم المتأجج حتى هبوا ينفضون عنهم غبار الذُلّ العتيق. ولما ثارت البوسنة والهرسك سنة ١٨٧٥ رأى ذوو الإِقدام منهم أنَّ الفرصة كانت موافقة للثورة وشفاء النفوس من الضغينة. على أنهم لم يكنفوا بالخروج على الحكومة بل ارتكبوا جناية ذبح المسلمين في بعض القرى. ولم تكن ثورتهم وقتئذ عامة لأن قسماً كبيراً منهم كان لا يزال خائفاً من سادته الأتراك. وما ترامى خبر فتنتهم على الباب العالي حتى عقد العزيمة على تأديبهم وكان التأديب واجباً. إلاَّ أنهُ أخطأ الطريقة المثلى فأطلق عليهم ألوفاً من الجنود غير المنظمة بدلاً من أن يسير إليهم جنوداً نظامية تحت امرأة قائد عاقل يضع اللينَ في محلهِ والشدة في موضعها. وروى قنصلاً فرنسا وانكلترا في تقاريرها الرسمية إن عدد ذبحتهم تلك الجنود من رجال ونساء وأطفال يبلغ ما بين ١٥ و٢٠ ألف نفس فكان لذاك الحادث صدى عظيم في أوربا , وهبّ غلادستون فألقى خطبهُ الشهيرة عن تركيا والأتراك وأنسى الأوروبيين أن البلغاريين فتكوا هم أيضاً بالمسلمين الآمنين. ولا غرو فإن الحادث الأكبر ينسي الحادث الأصغر؛ وهناك سبب آخر وهو أن شعور كل فئة بنكبات أهل دينها أشد من شعورها بأرزاء الآخرين , وهذا طبيعي تجده عند جميع الأمم والملل ولا يتغير ما دام الإنسان إنساناً. وقليل هم لسوء طالع الإنسانية أولئك الذين يضعون الحق فوق كل شيء. على أن هذا كلهُ بعضُ ما جرى بين العدوّين وهو يكفي للدلالة على أن الجيش البلغاري لم يزحف وحدهُ من صوفيا بل زحف هو وحِقدُ خمسماية سنة!. . . وليس حقدُ الصربيين وأهل الجبل الأسود على الأتراك بأخفّ من حقد اليونانيين والبلغاريين. فإنهم مثل حلفائهم يربّون في أبنائهم محبة الثأر من تركيا ,

стр. 1884

ولا ينسون انتصار الأتراك عليهم وفتكهم الذريع بهمز ذكر البير مالي الأستاذ الكبير في التاريخ السياسي أن المؤرخ الصربي ليوبا كواتشفيتش وقف يرثي ابنه الذي قتل في إحدى معارك الحرب البقانية فقال: يا بنيَّ ننم بسلام فقد أوفيتَ دينك للوطن. وقل لدوشان ولا زار بل قد لجميع شهداء قوصوه أن أمتهم ثأرت لقوصوه. . . ولقد دلت الحرب على أن الثأر الذي أشار إليهِ هذا المؤرخ الصربي هو أمنية كل فرد من أمته , وأنَّ الحقد على الأتراك شامل لطبقاتها. قال أيضاً الموسيو البير مالي أن معارك قوصوه - التي حدثت من نحو ٥٠٠ سنة - ما زالت تذكر عندهم كما تذكر حوادث رب السبعين عند الفرنساويين , وما برحوا يرددون تذكار القيصر دوشان والقيصر لأزار حتى الآن. ثم روى الأستاذ نفسه دليلاً على احتفاظ الصربيين بما يُضرم الضغينة في قلوبهم على الأتراك قال: أن ألفاً من الصربيين كانوا سنة ١٨٠٩ محصورين في أحد المعاقل على مقربة من مدينة نيش , فرأوا أن الأتراك أوشكوا أن يستولوا على م وقعهم عنوةً؛ فاختاروا أن ينسفوا معقلهم بما كان عندهم من البارود على أن يقعوا أحياء في أيدي أعدائهم؛ ثم جاء الأتراك بعد نسفه وفصلوا رؤوسهم عن ذاك البرج محفوظاً على شكله؛ فرفعوا الجماجم ودفنوها في مقبرةٍ وابقوا البرج ليراه الأبناءُ والأحفاد , ولقبوهُ ببرج الجماجم , وأصبح أمره موضع قصص العجائز والوالدات في البيوت والأساتذة في المدارس. وليس من غرض هذا الكتاب أن نفيض في شرح الوقائع التاريخية التي أشعلت نار ذاك الحقد. فأنا تختم الكلام عن هذا السبب الأول من أسباب الحرب بما تضمنهُ قانون أصدرتهُ حكومة الجبل الأسود سنة ١٤٨٤ ليكون دليلاً آخر على

стр. 1885

الحقد القديم في صدور أهل ذاك الجبل أيضاً وهو: إذا نشبت الحرب بيننا وبين الأتراك فلا يجوز لأحد من أل الجبل أن يترك ساحة القتال إلا بأمر رئيسه. وكلّ من يفرّ أمام الترك يفقد شرفه إلى الأبد ويُصبح محتقراً منبوذاً من آلهِ , ثمَّ يُلبس ثوب امرأة ويُعطى مغزلاً ليشتغل بهِ مع النساء , وتعمد النسوة أنفسهنَّ إلى طرده كما يطرد الجبان الذي يخون وطنه وهنا ندع القارئ يفكر في الحالة النفسية التي كان فيها أعداء تركيا يوم ساروا إلى الحرب وهم يؤملون النصر. يوسف البستاني سفراء الدول يلعب السفراء في الآونة الحاضرة دوراً خطيراً في الحوادث التي تشغل الآن العالم قاطبة. وبهذه المناسبة ننشر للقراء المقالة الآتية التي كتبها خصيصاً للزهور حضرة الكاتب المجيد اسكندر أفندي شاهين صاحب الرأي العام ورئيس تحرير الوطن قال: إذا كان لك على الزمان قضية وفي صدرك الكريم من أهل الزمان غلة لأنهم لم ينصفوك أو لأن عامتهم نسبت فضلك إلى سواك فاعلم أن لك في هذا الظلم شركاءَ يقومون بكبير الأعمال ويُمدح غيرهم من سراة الرجال. هم السفراءُ ينوبون عن ملوك الأرض وشعوبها وينجزون المهام العسيرة على نعهلٍ , ويحلّون المعضلات من وراءِ الحجاب فلا يدري الجمهور بما فعلوا ويزعم الأفراد أن الفضل في الحل لمعاشر الملوك والوزراءِ. ولطالما تغنَّت الأقوام بمدح ملك وردّدت ذكر ذكائهِ الشديد ورأيهِ السديد مع أن الملك لم يكن إلاَّ عاملاً برأي سفيرهِ , ولو ترك الأمر لهُ لبقيت الحالة كما كانت أو ساءَت وتغيَّر تاريخ بني الإنسان. وربما وقع الوزير في

стр. 1886

خطأِ يحمله على الخروج من منصبهِ وتحمُّل مرارة وسخط المواطنين , أو رأي الناس يكتبون التاريخ مقلوباً على عادتهم من قدم , وينسبون إليهِ الغلط في السياسة والتدبير وهو مع ذلك بلا ذنب يوجب الملام غير أنهُ وثق بأحد السفراءِ , وعمل برأيهِ أو تحمَّل تبعة غلطهِ الكبير. فالسفير في هذه الممالك هو القوَّة الكامنة وراءَ العرش وهو المحرّك خفيَ عن الأبصار يدير المسائل , ويقضي في الأُمور بالنيابة عن الملوك والوزراء ولكن عامة الخلق لا تفطن إلى وجودهِ في كثير من الأَحوال ولا تنصفه حين توزّع مدائحها على جليل الأَعمال. ما سمعت بسفير نال حقّه ثناءِ الجمهور إلاَّ حين عُقد مؤتمر السفراءِ في لندن وعهدت الدول إلى أعضائهِ الحاليين تسوية المشاكل والبتّ في معظم ما يتعلق بحرب البلقان ومستقبل الشرق القريب. قلت أن السفير نائب للملك أو للدولة في البلد التي يندب لأنتيابها فهو أكبر من الوزير مقاماً يتقدَّمهُ في المحافل الرسمية وقد يتقدَّم بعضَ الأُمراءِ أيضاً فما يعلوهُ في موضع عمله غير ملك البلاد أو الرئيس. وراتب الوزير على الجملة أقل من راتب السفير لأَن وزراءَ الغرب يقتضون حوالي خمسة آلاف جنيه في السنة وأما السفراءُ فرواتبهم من ستة آلاف إلى عشرة في العام. وربما كان سفير الجمهورية الفرنسية في لندن أعظم الأقران راتباً لأنهُ ينال من مال بلادهِ ٢٦٠ ألف فرنك أو أكثر من عشرة آلاف جنيه؛ ولهُ في عاصمة الانكليز قصر منيف ومقام عظيم. ولا يقلّ السفراءُ في العواصم الكبرى مقاماً عمن ذكرت ولو أن الراتب

стр. 1887

أقل ألفاً أو ألفين فإن السفير واحد في الكرامة سواء كان في لندن أو في غيرها من العواصم التي يُعرف فيها وكلاءُ الدول العظمى باسم السفراءِ وهي باريز وبطرسبرج وبرلين وفينا ورومية والأستانة وواشنطون وتوكيو وبكين. وأما الدول الثانية مثل اسبانيا والبلجيك وبقية هذه الممالك والجمهوريات فإن مندوبي الدول فيها يعدّون وكلاءَ سياسيين ورواتبهم تختلف ما بين ألف جنيه في السنة وسبعة آلاف وهو راتب وكيل الدولة الانكليزية في مصر ودريد وريودي جانيرو عاصمة جمهورية البرازيل. وليس يعدّ هذا الراتب كبيراً على السفير أو وكيل الدولة لأنهُ ينبغي لهُ أن يعيش عيشة الملوك وأن يحيي الليالي الراقصة ويؤلم الولائم ويكون في مقدمة أهل البذل والعطاء. وقد كان السفراء قبل هذه الأيام يأخذون معهم من بلادهم جيشاً جرَّاراً من العمَّال والصنَّاع والخدَمة والأطباء وسواهم حتى يكون كل ذي علاقة بقصر السفير من أهل بلادهِ وتعد سفارتهُ مملكة ثانية لملكهِ في عاصمة الدولة الأخرى ولكنهم قللوا من هذا الإسراف في الزمان الأخير. وما زالت السفارة في كل بلاد تعدّ جزءاً من أرض المملكة التي جاء منها السفير: فسفارة الروس في باريز قطعة من أرض روسيا تسري فيها الأحكام الروسية ولا سلطة لفرنسا وقانونها على من دخل أرض هذه السفارة وقس على هذا ما جرى مجراه. يذكرني ذلك بما كان من أمر ملك الانكليز وإمبراطور النمسا في إحدى السنين الماضية فإن الإمبراطور كان قد وعد بزيارة الملك في لندن قم رأى أنَّ الكبر أقعد همتهُ وصيَّر

стр. 1888

السفر خطراً عليهِ فعدل عن تلك الزيارة ولما ذهب ملك الانكليز بعد ذلك إلى فينا قام الإمبراطور لاستقباله للسلام عليهِ في السفارة الانكليزية وتعشى فيها ليقال أنهُ زار قرينهُ في أرض انكليزية وهي سفارة انكلترا في عاصمة النمسا. ويذكر من هذا القبيل أيضاً أن رئيس جمهورية الولايات المتحدة لا يدخل سفارة أجنبية لأن قانون الجمهورية يحظر عليهِ السياحة في الأقطار الخارجية مدة الرئاسة , والسفارة عندهم أرض أجنبية كما تقدم البيان فمقام السفير مقام ملك ولهذا تراهم يهتمون غاية الاهتمام لانتقاء السفراء وقد يتنازل رئيس الوزارة عن كرسيه حتى يذهب سفيراً إلى عاصمة من العواصم الكبيرة وتعرض الوزارة من حين إلى حين على بعض السفراء فيأبونها مثل المسيو وادنتون سفير فرنسا السابق في لندن كان رئيس الوزارة الفرنسية ومثل اللورد دفرن سفير انكلترا السابق في باريز عرضت عليهِ الوزارة مراراً فلم يقبلها ولقد قال اللورد بامرستون يوماً وهو أحد وزراء الانكليز المشهورين أنه ليس في كل عشرة ملايين رجل أكثر من واحد يصلح للسفارة. وقوله صحيح لما أن السفير يدير سياسة الدولة التي ترسله والدولة التي تقبله على السواء فهو في يده السلم والحرب إذا كان قليل الميل إلى السلام كان إضرام الحرب على يده من أسهل الأمور. ولما كان هذا المقام السفير وهذا شأنه فهم قد خصُّوه بامتيازات شتى حتى جعلوه مساوياً لملك البلاد التي يقيم فيها وإذا شاء السفير أن يخاطب القيصر أو الملك رأساً في كل أمر فلا سبيل إلى إرجاعهِ عما يريد. ولكن

стр. 1889

السفراء وهم دهاة الأمم وجبابرة العقول يؤثرون الوصول إلى غايتهم بطرق اللطف والمجاملة فلا يصرّون على حق لهم يولد الجفاء أو يدعو إلى النفور. وقد بدأوا بإعطاء لسفير حقوق الملك من نحو ١٨٥سنة. وكان منشأ هذا الامتياز في لندن إذ حدث فيها أن بعض المتآمرين وأصحاب الدسائس قبضوا على سفير روسيا في لندن وخطفوهُ من وسط المدينة , وأودوا به لأسباب تتعلق بسياسته في داخلية روسيا. فكبر الأمر على حكومة الانكليز وأصدرت أمراً باعتبار سفراء الدول الكبيرة مثل ملك انكلترا في الامتيازات والحقوق حتى لا يبقى سبيل إلى الاعتداء عليهم كما حدث لسفير الروس. واجتمع بعد ذلك مؤتمر للدول في باريز رأى أعضاؤه أن انكلترا أصابت في منح هذه الامتيازات للسفراء , فأجمعوا على تعميم هذا المبدأ في جميع العواصم على السواء. وعلى هذا فإن السفير مثل الملك فوق القانون يمكنهُ أن يأتي ما شاءَ من المنكرات ولا حرج عليهِ ولا سلطة تقوى على رده؛ فكل ما يمكن فعله في هذه الحالة أن الدولة ترجو دولة السفير المذكور إقالته أو نقله من بلادها. ولكن هذا لا يحدث من السفراء وهم رجال الأدب الباهر واللطف المشهور والعقول الكبرى في كل زمان. كذلك عمَّال السفارات وأقاربهم يعدون من أصحاب الامتيازات لا سلطة للحكومة المحلية عليهم بقوة هذا الامتياز وقد تجري محاكمته داخل السفارة حسب قانون بلاده الأصلية. ولكن هذا لا يحدث أيضاً إلا فيما قلّ. وأكثر السفراء يتنازلون عن حق

стр. 1890

سفارتهم فيما لو حدث أمر يخالف قانون لبلاد من أحد عمَّالهم ويسلمون ذلك العامل للحكومة المحلية احتراماً لها ولقانونها. حدث مثل هذا من عهدٍ غير بعيد في لندن إذ اعتدى روسي على أحد الأهالي وصفعه على وجهه في قارعة الطريق فلما علم السفير الروسي بما جرى أمر عامله في خدمة السفارة فأثر الرجل عدل انكلترا على ضياع المركز وحكم عليهِ بغرامة مع أنه كان يمكن إنقاذه من العقاب. ومن هذا القبيل أن سفير الأمير كان في باريز صدمت عربته عاجلة صغيرة لأحد الأهالي فحطمتها ولما رأى السفير ذلك عرض على الرجل أن يعوض عليهِ ما فقد في الحال ولكن الرجل كان ذا نزق فلم يكلم السفير وأقام عليهِ قضية وكان كاتب المحكمة جاهاً مثل صاحب القضية فقبلها وأرسل إنذاراً إلى السفير كأنما السفير تحت سلطة القانون. فأعرض السفير الأميركي عن الإنذار وأرسله إلى وزارة الخارجية وكانت النتيجة أن الإنذار الغي في الحال والكاتب عزل وحقوق الرجل ضاعت بقوة الامتياز الذي خصَّ بمعاشر السفراء ويحق لنساء السفراء ما يحق للملكات لأن السفير يتقدم وزراء الأمة التي يقيم في أرضها ولزوجته حق التقدم أيضاً على كل نساء المملكة ما خلا الأميرات. وقد حدث أشكال بسبب امتياز النساء هذا في روميه من بضعة أعوام لأن إحدى الأميرات دعت عليَّة القوم إلى ليلة راقصة فلما انتهى الرقص دعت الأميرة بعض صاحباتها وقريباتها للطعام ولم تدعُ زوجة السفير الفرنسي ولا زوجة السفير الانكليزي إلى المائدة فخرجت

стр. 1891

السيدتان من قصر الأميرة مغتصبتين. وأنكر السفيران فعل الأميرة وطلبا من حكومة إيطاليا أن تحملها على الاعتذار وكانت حكومة الطليان في أو الأمر مستخفة بالحكاية فلما كثرت عليها المسائل والرسائل من لندن وباريز اضطرت على العدول عن رأيها وأرضت السفيرين. ويعفي السفراء من الضرائب المحلية والعوائد ورسوم الجمارك حتى أن الأشياء الواردة باسم السفير أو أحد عماله من الخارج ترسل بلا تفتيش ولا تنقيب. وربما ذكر القراء ما حدث في الإسكندرية من زمان قريب بشأن هذا الامتياز فإن قنصل روسيا وقع في مشكلة ورأى عمال الجمرك أن الصناديق التي ترد باسمهِ أو بأسماء مختلفة لترسل على يده إلى من يشاء كثرت فيها المهربات فأفضى الأمر إلى أن الحكومة الروسية عزلت قنصلها أو نقلتهُ من الإسكندرية ولكن حكومة مصر لم يكن لها سلطة عليه مع أنهُ أهانها وهرَّب الممنوع إلى بلادها على طريقة كان لها دوي كبير. على أن السفير لا يجوز له شيء واحد لقاء كل هذه الامتيازات هو التدخل في السياسة الداخلية المتعلقة بالبلاد التي يقيم فيها فإذا عرف عنبهُ تداخل من هذا القبيل ولو كان صغيراً سقط من مقامهِ العالي واضطرّ إلى الرحيل. وقد يحدث من هذا القبيل ما يوقع السفير في حيرة وعقدة لا حلَّ لها مثل أن يكون حزب الأحرار في انكلترا مخالفاً لحزب المحافظين في عقد المخالفة مع روسيا فإذا سئل سفير الروس رأيهُ يوماً وهو يعلم أن عقد المحالفة يفيد بلاده لم يجز له أن يمدح حزباً ويذم حزباً

стр. 1892

في البلاد ولا أن يعضد فريقاً بقول له أو رأي لأن أقل إشارة بهذا المعنى تعدّ تدخلاً في السياسية الداخلية لا يجوز. وهذا أيضاً قليل حدوثه. اعلمُ من قبيله حادثة واحدة قديمة جرت في لندن حين تدخل سفير النمسا في سياسة الأحزاب الداخلية تدخلاً لو تمَّ المراد منهُ لأدى إلى سقوط وزارة الانكليز. وقد كان صنيع هذا السفير يومئذٍ شاذاً إلى الغاية القصوى وموجباً للغضب حتى أن حكومة الانكليز أعرضت عن المجاملة وامتياز السفراء وقبضت على هذا السفير وأمرت بمحاكمته فحكم عليهِ القاضي بالحبس. ولما علمت النمسا ببيان ما فعل سفيرها في لندن تبرأت منهُ ورضيت بمحاكمتهِ ومعاقبته فلم ينشأ أشكال ولا حرب. واذكر حادثة أخرى قريبة العهد من هذا النوع هي أن رجلاً من الأميركيين أرسل إلى سفير انكلترا في واشنطون كتباً يسأله فيهِ رأيه عن أي الرجال أصلحهم لرئاسة الجمهورية الأميركية وكان الرئيس يومئذٍ المستر كليفلاند وهم يسعون في إعادة انتخابه فكتب السفير - واسمه اللورد ساكفيل - رداً إلى صاحبه الأميركي يقول أن كل أميركي يحب الخير لبلاده يجب أن يسعى في بقاء المستر كليفلاند رئيساً لجمهوريتها. ونشرت بعض الصحف الأميركية هذا الكتاب فهاج الجمهور ولاسيما الحزب المخالف لكليفلاند وعدوا تدخل السفير الانكليزي في أمورهم الداخلية إثماً لا يغتفر حتى أن المستر كليفلاند اضطر إلى طلب إقالته وأعاد إليهِ أوراق تعيينه فكان لتلك الحادثة صدى ودوي من نحو عشرين سنة وكادت تؤدي إلى وقوع الحرب بين الانكليز والاميركان

стр. 1893

لأن اللورد سولسبري وهو يومئذٍ وزير الانكليز عدَّ فعل الرئيس إهانة لسفيره فلم يعيّن سفيراً بدله حتى انتهت الانتخابات الأميركية وخرج كليفلاند من منصب الرئاسة. هذا الذي لا يجوز للسفراء وأما الذي يجوز فأكثر منهُ كما رأيت وليس في الأرض فئة أخرى تتنعم بكل هذه النعمة وهذا الامتياز في ديار المتدنين. اسكندر شاهين الأندلس الجديدة ننشر لقراء الزهور في الصفحات التالية قصيدة عصماء في رثاء مقدونيا وخروجها من يد الدولة العثمانية بعد عقد الصلح في مؤتمر لندرا. وهذه القصيدة من أبدع ما جاءت به قريحة شاعر عربي , فقد جمعت من جزالة اللفظ ومتانة السبك وسمو الخيال وبلاغة الإرشاد ما يستغفر القارئ طرباً عند كل بيت من أبياتها , ويستوقفه معجباً بكل معنى من نعانيها. أما ناظم دررها الغوالي فيحق له أن يجلس على عرش دولة البيان ويلقب بأمير الشعر في هذا العصر , كما يسلم بذلك كل من يطالع هذه القصيدة النفسية , وإن كان يؤاخذ شاعرها بأنه مزج الدين بالسياسة ولا دين للسياسة. فها هي الدول التي كانت معادية لتركيا بالأمس تكاد اليوم تشهر بعضها على بعض حرباً طاحنة وهي على دين واحد ومعتقد واحد: يا أختَ أندَلسُ عليكِ سلامُ ... هوَتِ الخلافةُ عنكِ والإِسلامُ نزلَ الهلالُ عن السماءِ فليتَها ... طُويت وعمَّ العالمينَ ظلامُ أزرى بهِ وأزالَهُ عن أوجهِ ... قَدَرٌ يحطُّ البدرَ وهو تَمامُ جرحان تمضي الأمَّتانِ عليهما ... هذا يسيلُ وذاك لا يَلتامُ بكما أُصيبَ المسلمون َ وفيكما ... دُفنَ اليراعُ وغيّبَ الصمصامُ لم يُطو مأتمُها وهذا مأتمٌ ... لبُسوا السوادَ عليكِ فيهِ وقاموا ما بين مصرعها ومصرعكِ انقضت ... فيما نحبُّ ونكرهُ الأيَّامُ

стр. 1894

خلَت لقرونُ كلَيلةٍ وتصرَّمت ... دولُ الفتوحِ كأنها أحلامُ والدهرُ لا يألو الممالكَ منذراً ... فإذا غفلنّ فما عليهِ مَلامُ مقدونيا , والمسلمونَ عشيرةٌ ... كيف الخؤولةُ فيكِ والأعمامُ؟ أتراهموا هانوا وكانَ بعزّهم ... وعلوِّهم يتخايلُ الإسلاُم؟ إذ أنتِ نابُ الليثِ , كلُّ كتيبةٍ ... طلعت عليكِ فريسةٌ وطعامُ ما زالتِ الأيامُ حتى بُدّلت ... وتغيَّر الساقي وحالَ الجامُ أرأيتِ كيف أُديلَ من أسُدِ الشرى ... وشهدتِ كيف أُبيحت الآجامُ زعموكِ همّاً للخلافة ناصباً ... وهلِ الممالكُ راحةٌ ومنامُ ويقولُ قومٌ كنتِ أشأمَ موردٍ ... وأراكِ سائغةً عليكِ زحامُ ويراكِ داَء المُلك ناسُ جهالة ... بالمُلكِ منهم علّةٌ وسقامُ لو آثروا الإصلاحَ كنتِ لعرشهم ... ركناً على هامِ النجومِ يقامُ وهمٌ يقيّدُ بعضُهم بعضاً بهِ ... وقيودُ هذا العالمِ الأوهامُ صُوَرُ العَمى شتى وأقبحُها إذا ... نظرتْ بغير عيونهنَّ الهامُ ولقد يقامُ من السيوفِ وليسَ من ... عثراتِ أخلاقِ الشعوبِ قيامُ ومبشّرٍ بالصلح قلتُ لعلَّهُ ... خيرٌ عسى أن تصدقَ الأحلامُ تركَ الفريقان القتالَ وهذهِ ... سلمٌ أمرُّ من القتالِ عقامُ ينعي إلينا المُلكَ ناعٍ لم يطأ ... أرضاً ولا انتقلت بهِ أقدامُ برقٌ جوائبهُ صواعقُ كلُّها ... ومن البروقِ صواعقٌ وغمامُ إن كان شرٌّ , زارَ غير مفارقٍ , ... أو كان خيرٌ , فالمزارُ لمامُ بالأمس أفريقا تولَّت وانقضى ... مُلكٌ على جيد الخضّمِ جسامُ

стр. 1895

نظم الهلالُ بهِ ممالكَ أربعاً ... أصبحنَ ليس لِعقدهنَّ نظامُ من فيتحِ هاشم أو أميَّة لم يضعْ ... أساسَها تترٌ ولا أعجامُ واليوم حُكمُ الله في مقدونيا ... لا نقضَ فيه لنا ولا إبرامُ كانت من الغربِ البقيةُ فانقضت ... فعلى بني عثمانَ فيهِ سلامُ أخذَ المدائنَ والقرى بخناقها ... جيشٌ من المتحالفينَ لهامُ غطَّت بهِ الأرضُ الفضاءُ وجوهَها ... وكست مناكبَها بهِ الآكامُ تمشي المناكرُ بين أيدي خيلهِ ... أنَّى مشَى والبغيُ والإجرامُ ويحثّه باسم الكتابِ أقسّةٌ ... نشطوا لما هو في الكتاب حَرامُ ومسيطرون على الممالكِ سُخّرت ... لهم الشعوبُ كأنها أنعامُ من كلِّ جزّارٍ يرومُ الصدرَ في ... نادي الملوكِ وجدّهُ غنَّامُ سكّينهُ ويمينهُ وحزامهُ ... والصولجانُ جميعُها آثامُ عيسَى سبيلُك رحمةٌ ومحبةٌ ... في العالمينَ وعصمةٌ وسلامُ ما كنتَ سفَّاك الدماءِ ولا امرأً ... هانَ الضعافُ عليهِ والأيتامُ يا حاملَ الآلامِ عن هذا الورى ... كُرت عليهِ باسمكَ الآلامُ أنت الذي جعلَ العبادَ جميعَهم ... رَحماً وباسمكَ تُقطع الرحامُ أنتِ القيامةُ في ولاية يوسفٍ ... واليومَ باسمكَ مرتين تقامُ كم هاجَهُ صيدُ الملوكِ وهاجَهم ... وتكافأَ الفرسانُ والأعلامُ البغيُ في دينِ الجميعِ دنّيةٌ ... والسلم عهدٌ والقتالُ ذمامُ واليومَ يهتف بالصليبِ عصائبٌ ... همُ للإله وروحهِ ظُلاَّمُ
следующие страницы →