Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
السيدتان من قصر الأميرة مغتصبتين. وأنكر السفيران فعل الأميرة وطلبا من حكومة إيطاليا أن تحملها على الاعتذار وكانت حكومة الطليان في أو الأمر مستخفة بالحكاية فلما كثرت عليها المسائل والرسائل من لندن وباريز اضطرت على العدول عن رأيها وأرضت السفيرين. ويعفي السفراء من الضرائب المحلية والعوائد ورسوم الجمارك حتى أن الأشياء الواردة باسم السفير أو أحد عماله من الخارج ترسل بلا تفتيش ولا تنقيب. وربما ذكر القراء ما حدث في الإسكندرية من زمان قريب بشأن هذا الامتياز فإن قنصل روسيا وقع في مشكلة ورأى عمال الجمرك أن الصناديق التي ترد باسمهِ أو بأسماء مختلفة لترسل على يده إلى من يشاء كثرت فيها المهربات فأفضى الأمر إلى أن الحكومة الروسية عزلت قنصلها أو نقلتهُ من الإسكندرية ولكن حكومة مصر لم يكن لها سلطة عليه مع أنهُ أهانها وهرَّب الممنوع إلى بلادها على طريقة كان لها دوي كبير. على أن السفير لا يجوز له شيء واحد لقاء كل هذه الامتيازات هو التدخل في السياسة الداخلية المتعلقة بالبلاد التي يقيم فيها فإذا عرف عنبهُ تداخل من هذا القبيل ولو كان صغيراً سقط من مقامهِ العالي واضطرّ إلى الرحيل. وقد يحدث من هذا القبيل ما يوقع السفير في حيرة وعقدة لا حلَّ لها
مثل أن يكون حزب الأحرار في انكلترا مخالفاً لحزب المحافظين في عقد المخالفة مع روسيا فإذا سئل سفير الروس رأيهُ يوماً وهو يعلم أن عقد المحالفة يفيد بلاده لم يجز له أن يمدح حزباً ويذم حزباً
стр. 1892
في البلاد ولا أن يعضد فريقاً بقول له أو رأي لأن أقل إشارة بهذا المعنى تعدّ تدخلاً في السياسية الداخلية لا يجوز. وهذا أيضاً قليل حدوثه. اعلمُ من قبيله حادثة واحدة قديمة جرت في لندن حين تدخل سفير النمسا في سياسة الأحزاب الداخلية تدخلاً لو تمَّ المراد منهُ لأدى إلى سقوط وزارة الانكليز. وقد كان صنيع هذا السفير يومئذٍ شاذاً إلى الغاية القصوى وموجباً للغضب حتى أن حكومة الانكليز أعرضت عن المجاملة وامتياز السفراء وقبضت على هذا السفير وأمرت بمحاكمته فحكم عليهِ القاضي بالحبس. ولما علمت النمسا ببيان ما فعل سفيرها في لندن تبرأت منهُ ورضيت بمحاكمتهِ ومعاقبته فلم ينشأ أشكال ولا حرب. واذكر حادثة أخرى قريبة العهد من هذا النوع هي أن رجلاً من الأميركيين أرسل إلى سفير انكلترا في واشنطون كتباً يسأله فيهِ رأيه عن أي الرجال أصلحهم لرئاسة الجمهورية الأميركية وكان الرئيس يومئذٍ المستر كليفلاند وهم يسعون في إعادة انتخابه فكتب السفير - واسمه اللورد ساكفيل - رداً إلى صاحبه الأميركي يقول أن كل أميركي يحب الخير لبلاده يجب أن يسعى في بقاء المستر كليفلاند رئيساً لجمهوريتها. ونشرت بعض الصحف الأميركية هذا الكتاب فهاج الجمهور ولاسيما الحزب المخالف لكليفلاند وعدوا تدخل السفير الانكليزي في أمورهم الداخلية إثماً لا يغتفر حتى أن المستر كليفلاند اضطر إلى طلب إقالته وأعاد إليهِ أوراق تعيينه فكان لتلك الحادثة صدى ودوي من نحو عشرين سنة وكادت تؤدي إلى وقوع الحرب بين الانكليز والاميركان
стр. 1893
لأن اللورد سولسبري وهو يومئذٍ وزير الانكليز عدَّ فعل الرئيس إهانة لسفيره فلم يعيّن سفيراً بدله حتى انتهت الانتخابات الأميركية وخرج كليفلاند من منصب الرئاسة. هذا الذي لا يجوز للسفراء وأما الذي يجوز فأكثر منهُ كما رأيت وليس في الأرض فئة أخرى تتنعم بكل هذه النعمة وهذا الامتياز في ديار المتدنين.
اسكندر شاهين
الأندلس الجديدة
ننشر لقراء الزهور في الصفحات التالية قصيدة عصماء في رثاء مقدونيا وخروجها من يد الدولة العثمانية بعد عقد الصلح في مؤتمر لندرا. وهذه القصيدة من أبدع ما جاءت به قريحة شاعر عربي , فقد جمعت من جزالة اللفظ ومتانة السبك وسمو الخيال وبلاغة الإرشاد ما يستغفر القارئ طرباً عند كل بيت من أبياتها , ويستوقفه معجباً بكل معنى من نعانيها. أما ناظم دررها الغوالي فيحق له أن يجلس على عرش دولة البيان ويلقب بأمير الشعر في هذا العصر , كما يسلم بذلك كل من يطالع هذه القصيدة النفسية , وإن كان يؤاخذ شاعرها بأنه مزج الدين بالسياسة ولا دين للسياسة. فها هي الدول التي كانت معادية لتركيا بالأمس تكاد اليوم تشهر بعضها على بعض حرباً طاحنة وهي على دين واحد ومعتقد واحد:
يا أختَ أندَلسُ عليكِ سلامُ ... هوَتِ الخلافةُ عنكِ والإِسلامُ
نزلَ الهلالُ عن السماءِ فليتَها ... طُويت وعمَّ العالمينَ ظلامُ
أزرى بهِ وأزالَهُ عن أوجهِ ... قَدَرٌ يحطُّ البدرَ وهو تَمامُ
جرحان تمضي الأمَّتانِ عليهما ... هذا يسيلُ وذاك لا يَلتامُ
بكما أُصيبَ المسلمون َ وفيكما ... دُفنَ اليراعُ وغيّبَ الصمصامُ
لم يُطو مأتمُها وهذا مأتمٌ ... لبُسوا السوادَ عليكِ فيهِ وقاموا
ما بين مصرعها ومصرعكِ انقضت ... فيما نحبُّ ونكرهُ الأيَّامُ
стр. 1894
خلَت لقرونُ كلَيلةٍ وتصرَّمت ... دولُ الفتوحِ كأنها أحلامُ
والدهرُ لا يألو الممالكَ منذراً ... فإذا غفلنّ فما عليهِ مَلامُ
مقدونيا , والمسلمونَ عشيرةٌ ... كيف الخؤولةُ فيكِ والأعمامُ؟
أتراهموا هانوا وكانَ بعزّهم ... وعلوِّهم يتخايلُ الإسلاُم؟
إذ أنتِ نابُ الليثِ , كلُّ كتيبةٍ ... طلعت عليكِ فريسةٌ وطعامُ
ما زالتِ الأيامُ حتى بُدّلت ... وتغيَّر الساقي وحالَ الجامُ
أرأيتِ كيف أُديلَ من أسُدِ الشرى ... وشهدتِ كيف أُبيحت الآجامُ
زعموكِ همّاً للخلافة ناصباً ... وهلِ الممالكُ راحةٌ ومنامُ
ويقولُ قومٌ كنتِ أشأمَ موردٍ ... وأراكِ سائغةً عليكِ زحامُ
ويراكِ داَء المُلك ناسُ جهالة ... بالمُلكِ منهم علّةٌ وسقامُ
لو آثروا الإصلاحَ كنتِ لعرشهم ... ركناً على هامِ النجومِ يقامُ
وهمٌ يقيّدُ بعضُهم بعضاً بهِ ... وقيودُ هذا العالمِ الأوهامُ
صُوَرُ العَمى شتى وأقبحُها إذا ... نظرتْ بغير عيونهنَّ الهامُ
ولقد يقامُ من السيوفِ وليسَ من ... عثراتِ أخلاقِ الشعوبِ قيامُ
ومبشّرٍ بالصلح قلتُ لعلَّهُ ... خيرٌ عسى أن تصدقَ الأحلامُ
تركَ الفريقان القتالَ وهذهِ ... سلمٌ أمرُّ من القتالِ عقامُ
ينعي إلينا المُلكَ ناعٍ لم يطأ ... أرضاً ولا انتقلت بهِ أقدامُ
برقٌ جوائبهُ صواعقُ كلُّها ... ومن البروقِ صواعقٌ وغمامُ
إن كان شرٌّ , زارَ غير مفارقٍ , ... أو كان خيرٌ , فالمزارُ لمامُ
بالأمس أفريقا تولَّت وانقضى ... مُلكٌ على جيد الخضّمِ جسامُ
стр. 1895
نظم الهلالُ بهِ ممالكَ أربعاً ... أصبحنَ ليس لِعقدهنَّ نظامُ
من فيتحِ هاشم أو أميَّة لم يضعْ ... أساسَها تترٌ ولا أعجامُ
واليوم حُكمُ الله في مقدونيا ... لا نقضَ فيه لنا ولا إبرامُ
كانت من الغربِ البقيةُ فانقضت ... فعلى بني عثمانَ فيهِ سلامُ
أخذَ المدائنَ والقرى بخناقها ... جيشٌ من المتحالفينَ لهامُ
غطَّت بهِ الأرضُ الفضاءُ وجوهَها ... وكست مناكبَها بهِ الآكامُ
تمشي المناكرُ بين أيدي خيلهِ ... أنَّى مشَى والبغيُ والإجرامُ
ويحثّه باسم الكتابِ أقسّةٌ ... نشطوا لما هو في الكتاب حَرامُ
ومسيطرون على الممالكِ سُخّرت ... لهم الشعوبُ كأنها أنعامُ
من كلِّ جزّارٍ يرومُ الصدرَ في ... نادي الملوكِ وجدّهُ غنَّامُ
سكّينهُ ويمينهُ وحزامهُ ... والصولجانُ جميعُها آثامُ
عيسَى سبيلُك رحمةٌ ومحبةٌ ... في العالمينَ وعصمةٌ وسلامُ
ما كنتَ سفَّاك الدماءِ ولا امرأً ... هانَ الضعافُ عليهِ والأيتامُ
يا حاملَ الآلامِ عن هذا الورى ... كُرت عليهِ باسمكَ الآلامُ
أنت الذي جعلَ العبادَ جميعَهم ... رَحماً وباسمكَ تُقطع الرحامُ
أنتِ القيامةُ في ولاية يوسفٍ ... واليومَ باسمكَ مرتين تقامُ
كم هاجَهُ صيدُ الملوكِ وهاجَهم ... وتكافأَ الفرسانُ والأعلامُ
البغيُ في دينِ الجميعِ دنّيةٌ ... والسلم عهدٌ والقتالُ ذمامُ
واليومَ يهتف بالصليبِ عصائبٌ ... همُ للإله وروحهِ ظُلاَّمُ
стр. 1896
خلطوا صليَبك والخناجرَ والمُدى ... كلٌّ أداةٌ للأذى وحِمامُ
أوَ ما تراهم ذبَّحوا جيرانَهم ... بين البيوتِ كأنهم أغنامُ
كم مُرضَعٍ في حجر نعمتهِ غدا ... ولهُ على حدِّ السيوفِ فطامُ
وصبيةٍ هُتكت خميلةُ طهرها ... وتناثرت عن نَورهِ الأكمامُ
وأخي ثمانينَ استبيح وقارُهُ ... لم يُغنِ عنهُ الضعفُ والأعوامُ
وجريحِ حربٍ طامي وأدُوهُ لم ... يعطفهمو جرحُ دمٍ وأوامُ
ومهاجرينَ تنكَّرت أوطانُهم ... ضلّوا السبيلَ من الذهولِ وهاموا
السيفُ إن ركبوا الفرارَ سبيلُهم ... والنطعُ إن طلبوا القرار مقامُ
يتلفَّتون مودّعينَ ديارَهم ... واللحظُ ماءٌ والديارُ ضرامُ
يا امةً بفروقَ فرَّقَ بينهم ... قَدرٌ تطيشُ إذا أتى الأحلامُ
فيما التخاذلُ بينكم ووراءكم ... أممٌ تُضاعُ حقوقُها وتضامُ
الله يشهد لم أكن متحزّباً ... في الرزءِ لا شيَعٌ ولا أحزامُ
وإذا دعوتُ إلى الوثام فشاعرٌ ... أقصى مناه محبةٌ ووئامُ
من تُضجرُ البلوى فغايةُ جهدهِ ... رُجْعَى إلى الأقدار واستسلامُ
لا يأخذنَّ على العواقب بعضكم ... بعضاً فقِدْماً جارتِ الأحكامُ
تقضي على المرءِ الليالي أو لهُ ... فالحمد من سلطانها والذامُ
من عادةِ التأريخ ملءُ قضائهِ ... عدلٌ وملءُ كنانتَيهِ سهامُ
ما ليس يدفعهُ المهنَّدُ مصلَتاً ... لا الكتْبُ تدفعهُ ولا الأقلامُ
إنَّ الآُلي فتحوا الفتوح جلائلاً ... دخلوا على الأسُدِ الغياضَ وناموا
هذا جناه عليكمو آباؤُكم ... صبراً وصفحاً فالجناة كرامُ
стр. 1897
رفعوا على السيف البناء فلم يَدُمْ ... ما للبناءِ على السيوف دوامُ
أبقي الممالكِ ما المعارف أسُّهُ ... والعدل فيهِ حائطٌ ودعامُ
فإذا جرى رشداً ويمناً أمرُكم ... فامشوا بنور العلم فهو زمامُ
ودعوا التفاخرَ بالتراث وإن غلا ... فالمجد كسبٌ والزمان عصامُ
إن الغرور إذا تملَّك أمةً ... كالزهر يُخفي الموت وهو زؤامُ
لا يعدلنَّ المُلك في شهواتكم ... عَرَضٌ من الدنيا بدا وحُطامُ
ومناصبٌ في غير موضعها كما ... حلَّت محلَّ القدرة الأصنامُ
الملكُ مرتبة الشعوبِ فإن يفتْ ... عزَّ السيادة فالشعوب سوامُ
ومن البهائم مُشبَعٌ ودلَّلٌ ... ومن الحرير شكيمةٌ ولجامُ
وقف الزمانُ بكم كموقف طارقِ ... اليأس خلفٌ والرجاءُ أمامُ
الصبر والإِقدام فيهِ إذا هما ... قَتلاَ فأقتلُ منهما الإِحجامُ
يُحصي الذليلُ مدى مطالبهِ ولا ... يُحصي مدى المستقبَلِ المقدامُ
هذه البقية لو حرصتم دولةٌ ... صال الرشيد بها وطال هشامُ
قِسمُ الأئمةِ والخلائف قبلكم ... في الأرض لمن تُعدَل بهِ الأقسامُ
سرَت النبوَّة في طهورِ فضائهِ ... ومشى عليهِ الوحيُ والإِلهامُ
وتدفَّقَ النهرانِ فيهِ وأزهرت ... بَغداد تحت ظلالهِ والشامُ
أثرتْ سواحله وطابت أرضهُ ... فالدرّ لجٌ والنُضار رغامُ
شرَفاً أدِرنَهُ هكذا يقف الحمى ... للغاصبين وتثبت الأقدامُ
وتردُّ بالدمِ بقعةٌ أُخذت بهِ ... ويموت دون عرينهِ الضرغامُ
والمُلك يؤخذُ أو يُرَدُّ ولم يزل ... يرث الحسامَ على البلاد حُسامُ
عِرضُ الخلافةِ ذاد عنهُ مجاهدٌ ... في الله غازٍ في الرسول همامُ
стр. 1898
نستعِصمُ الأوطانُ خلف ظباتهِ ... وتعزُّ حول قناتهِ الأعلامُ
عثمان في بردَيه يمنع جيشهُ ... وابن الوليد على الحمى قوَّامُ
علم الزمان مكان شكري وانتهى ... شكر الزمان إليه والإِعظامُ
صبراً أدرْنهُ كل ملكٍ زائل ... يوماً ويبقى المالك العلاَّمُ
خفَتَ الأذانُ فما عليكِ موحّدٌ ... يسعى ولا الجُمَع الحسان تقامُ
وخبت مساجدُ كنَّ نوراً جامعاً ... تمشي إليهِ الأسد والآرامُ
يدرجنَ في حرم الصلاة قوانتاً ... بيضَ الإزار كأنهنَّ حمامُ
وعفَت قبور الفاتحين وفُضَّ عن ... حفرِ الخلائف جندل ورجامُ
نُبشت على قعساء عزَّتها كما ... نُبشت على استعلائها الأهرامُ
في ذمة التاريخ خمسةُ أشهر ... طالت عليكِ فكل يوم عامُ
السيف عار والوباءُ مسلطُ ... والسبل خوفٌ والثلوج ركامُ
والجوع فتَّاكٌ وفيكِ صحابةٌ ... لو لم يجوعوا في الجهاد لصاموا
ضنُّوا بعرضِكِ أن يباعَ ويُشتري ... عِرضُ الحرائر ليس فيهِ سوام
ضاق الحصارُ كأنما حلقاتهُ ... فلكٌ ومقذوفاتها أجرامُ
ورمى العدى ورميتِهم بجهنَّمٍ ... مما يصبُّ الله لا الأقوامُ
بعتِ العدوَّ بكل شبرٍ مهجةً ... وكذا يباع المُلك حين يرامُ
ما زال بينك في الحصار وبينهُ ... شمُّ الحصون ومثلهنَّ عظامُ
حتى حواكِ مقابراً وحويتهِ ... جثثاً فلا غبنٌ ولا استذمامُ
стр. 1899
أزهار وأشواك
نقل رفات اليازجي
أمضي وتبقى صورتي فتعجَّبوا ... تمضي الحقائقُ والرسومُ تقيمُ
والموت تحلبهُ الحياةُ فلو حوى ... روحاً لمات الهيكلُ المرسومُ
الشيخ ناصيف اليازجي
لا يحقُّ لنا بعد الآن أن نقولَ أن الشرق لا يزال يجهل قدر أُدبائهِ ونوابغهِ. فإن الحركة التي رأيناها في هذه السنة لإكرام الإحياءِ من أدبائنا وكتَّابنا , وتخليد ذكر الدارجين منهم تدلُّ على نهضةٍ مباركةٍ في
стр. 1900
النفوس وترقٍّ محمود في الأخلاق. أقول ذلك بمناسبة الحفلة المؤثرة التي أُقيمت على أحد أرصفه.
أنت في الدنيا كضيف نازلٍ ... حلَّ في الأحياءِ حيناً وانصرَفْ
فاحيَ بالذكرِ إذا العمرُ انقضى ... واجعلِ الرسمَ من لجسمِ خَلَفْ
الشيخ إبراهيم اليازجي
محطة مصر في الرابع من الشهر الجاري وداعاً لعظامٍ بالية كانت تحييها بالأمس روح نابغة من نوابغ كتَّابنا , وقد أتى جمهورٌ من الأدباءِ والوجهاء
стр. 1901
والفضلاء في مصر يشيعون تلك العظام بتجلة وإكرام كما يُشيَّع الأمراءِ والملوك , واحتشدوا يبكون سليل الأسرة اليازجية ويعدون فضلهُ ومناقبهُ. افتتح التآبين والمرائي سعادة أحمد باشا زكي سكرتير مجلس النظار فأطنب في مدح الفقيد وغيرتهِ على لسان العرب ورثاهُ باسم مصر بكلام فصيح بليغ , ونحا نحوهُ حضرة رفيق بك العظم , فأتى في خطاب جامعٍ على لمحةٍ من تاريخ اللغة العربية ونهضتها منذ نصف قرن على يد أمثال البستاني والنقاش واليازحي والأسير والشدياق. وتكلم على الأثر الدكتور خليل بك سعادة موجّهاً الخطاب إلى الفقيد الكريم وقد أخذ التأثر منهُ ومن الحاضرين مبلغه. ثمَّ ألقى خليل مطران قصيدةً من شعرهِ المعروف بسموّ الأفكار وابتكار المعاني , قال في مطلعها:
أحننتَ من شوقٍ إلى لبنانِ ... وارحمتا لكَ من رميمِ عانِ
شوقٌ تكابدُهُ ويثوي منكَ في ... مثوى الرُّؤَى من مهجةِ الوسنانِ
جسُّوا مظنَّةَ حسِّه , أفنابضٌ ... فيها فؤادُ متيّمٍ ولهان
واستطلعوا الرسمَ المحبلَ فهل بهِ ... يومَ المآب الفرّة عينانِ
وقال في ختامها مخاطباً نعش الفقيد:
أبلغْ وديعتَنا إلى أحبابنا ... واحمل تحيّتنا إلى الأوطانِ
كنا نودُّ بك المصيرَ إلى الحمى ... وتأسّيَ الإِخوانِ بالإِخوانِ
لكن عدانا البينُ دون عناقِهم ... فتولَّ وليتعانقِ الدمعانِ
وأنشد أسعد أفندي داغر أبياتاً جميلة استنهض بها سوريا لتستقبل الوديعة الثمينة التي تردّها إليها مصر اليوم.
стр. 1902
ثمَّ صفر البخار مؤذناً في الرحيل وقطر العجلة الخصوصية التي تقلُّ رفات فقيد اللغة وقد كُسيت بأكاليل الزهر والريحان. وسارت وراءَها الأبصار والقلوب تشيعها من القطار إلى الباخرة ومن الباخرة على ثغر بيروت حيث يستقبلها أدباءُ سوريا كما ودَّعها أدباءُ مصر لتُضمّ هناك عظام إبراهيم إلى عظام أبيهِ ناصيف , وشقيقهِ , خليل في مدفنٍ واحد وقد كتبت عليهِ تلك الأبيات التي تصدق في الوالد والولد وهي من نظم الفقيد:
هذا مقامُ اليازجيِّ فقف بهِ ... وقُل السلامُ عليكَ يا علَمَ الهدى
حَرَمٌ تحجُّ إليهِ أربابُ الحجي ... أبداً وتدعو بالمراحمِ سَرمدا
هو مغربُ الشمسِ التي كم اطلعت ... في شرقِ آفاقِ البلاغة فرقَدا
فخرُ النصارى صاحبُ الغُرر التي ... ضرَبتْ على ذكرِ البديع وأحمدا
هذا عمادُ العلم مال بهِ القضا ... فأمال ركناً للعلوم مشيَّدا
أمسى تجاهَ البحر جانب تربةٍ ... هي مجمع البحرين أشرف محتدا
فعليك يا ناصيفُ خيرُ تحيةٍ ... طابت بذكرك حيثُ فاح مردّدا
لو أنصفتك النائبات لغيَّرت ... عاداتها ووقَتكَ حادثة الرَّدى
تتنزلُ الأملاكُ حولك بالرضي ... ويجودُ فوقك باكراً قطرُ الندى
وجميلُ حظّك في المماتِ برحمةٍ ... أرّخ وفضلكَ في الصحائف خُلّدا
هذا بعض ما يسمح لي المقام وقاراً بذكرهِ عن حفلة مساء يوم الأربعاء على محطة مصر. وقد زاد الموقف وقاراً وخشوعاً وجود أخت الفقيد السيدة وردة اليازجي الشاعرة المجيدة وهي متشحة بالسواد , مكسورة الفؤاد. نظرتُ إليها عن بعد محترماً حزنها , وراثياً
لمصائبها , ولم أتمالك من سكب دمعة عند منظر هذه الخنساء الجديدة.
حاصد
стр. 1903
ثمرات المطابع
شرح القانون المدني - هذا كتاب لم يوجد في مصر باللغة العربية من قبل اليوم؛ وربَّ كتابٍ واحدٍ يعدل جملة كتب. وضعهُ سعادة المفضال أحمد فتحي باشا زغلول وكيل نظارة الحقَّانية؛ وكفى بذكر اسم
стр. 1904
ذلك الرجل دليلاً على فضله. وقد رمى سعادته بنشر هذا المؤلَّف النفيس إلى ثلاثة أغراض: أولها تقريب قواعد القانون المدني من أذهان الكافة تسهيلاً لمعرفة أحكام المعاملات؛ وثانيهما إفادة طلية الحقوق في درسهم بما يجدونه فيهِ من المرشد إلى المعلومات التي يحتاجون لمراجعتها فيكون لهم منهُ متنٌ يذكرّهم بما تلقّوه؛ وثالثهما استنهاض همة القانونيين إلى الاشتغال بالقانون المدني ووضع ما يحتاجه من الشروح باللغة العربية ليكون لنا من وراءِ عملهم مؤلفات تغنينا عن ألتماس علم القانون من غيرنا على الدوام. فالكتاب سوى المشتغلين بعلم الحقوق من طلَبةٍ ومحامين وقضاة. فإن القانون المدني المصري إنما أُخذ في معظمهِ عن وجوه شتى , فلا جرَم أن يكون قد مشقَّات جلَّى , حتى تسنّى له أن يُخرج للناس هذا المؤلَف المفيد. وغلى هذا أشار سعادتهُ بقوله: أتعبني النصُّ الفرنساوي بإيجازه المخلّ وتشويش ترتيبه الذي يشتت الذهن ويضيع الوقت؛ ولكنَّ النصَّ العربي أعياني أعياءَ. وقد قسم الكتاب إلى أربعة أقسام هي: قسم الأشخاص والأموال وما يترتب عليها من الحقوق؛ وقسم التعهدات والالتزامات؛ وقسم العقود المعينة والتأمينات؛ وقسم الأدلة. واعتمد في ذلك جميعه الرجوع إلى أشهر المؤلفين باللغتين العربية
стр. 1905
والفرنساوية فجاءَ الكتاب الذي بصدده مرجعاً يُرجع إليه , ومورداً سائغاً يُستقى منه. فشرحُ القانون المدني حلقة جديدة أُضيفت إلى سلسلة ذهبية مما ألَّفهُ وترجمهُ أحمد فتحي زغلول تلك السلسلة التي تعلّق اسم هذا الرجل المفضال إلى جانب أسماء الرجال الذين عملوا حقيقةً على إفادة الأمة المصرية , وخدموها أجلَّ الخدمات , فحفظ لهم التاريخ الذكر الطيّب والجميل العظيم.
محاسن الطبيعة - للمرحوم الللورد افبري شهرة واسعة بين أهل العلم والأدب لا يجهلها أحد ممن وقف على مؤلفاتهِ الكثيرة وآرائهِ الشهيرة. وقد نُقلت مؤلفاته إلى معظم اللغات الأوروبية وغيرها وكان للغة العربية حظ بأربعة منها عني بنقلها غليها حضرة الكاتب الأديب وديع أفندي البستاني وهي: معنى الحياة ومسرات الحياة والسعادة والسلام ومحاسن الطبيعة. وقد ظهر الكتاب الأخير حديثاً فإذا بهِ كسائر مؤلفات ذلك الرجل العظيم
آية من آيات السحر الحلال إذ بحث فيهِ المؤلف في عالَمي الحيوان والنبات ثمَّ تناول وصف المناظر التي يتألف منها عالم الشهادة كالبحور والأنهار والبراكين والجبال والأودية والأفلاك على اختلاف أنواعها. فوصف محاسن كل منها بما لم يبقَ معهُ مطمع لمستزيد , ونسَّق كلامهُ أحسن تنسيق بحيث يأخذ بمجامع الفؤاد فلا يكاد القارئ يفرغ من قراءَة وصف حتى يتشوّق إلى
стр. 1906
غيره , وهذه إحدى مميزات هذا الكتاب. ولا شك أن اللغة العربية في افتقار شديد إلى أمثال هذه المؤلفات الأدبية مع أنها غنية بالكتب التي كان يجب أن تكون غنيةً عنها. ويسرنا أن نرى اليوم للّغة من ورائها حياة جديدة. ولا يخفي أن مقياس ارتقاء كل أمة هو مؤلفاتها الأدبية فبقدر انتشار هذهِ المؤلفات تكون رفعة شأنها ومبلغ عظمتها. والمجال أضيق من أن يتناول إسهاباً في وصف كتاب محاسن الطبيعة المشار إليهِ فهو حافل بفوائد تضيق هذه السطور عن تعدادها ويكفي القول بأنهُ من الكتب التي قد اهتمت مطبعة المعارف المعارف بنقلها ونشرها مع ما هو معروف عن هذه المطبعة من الحرص في نشر الكتب الجزيلة النفع بين أبناء اللغة العربية. ومما يزيد في قدر الكتاب الذي نحن بصدده أنهُ صدر بيننا على أثر وفاة مؤلفهِ اللورد افبري؛ فقد نعه إلينا البرق منذ أسبوع بعد أن ناهز الثمانين من عمره. فذهب مبكيّاً عليهِ وترك وراءهُ ذكراً يبقى ما بقي العلم والأدب.
لسان العرب - مجلة تاريخية اجتماعية عليمة أدبية يصدرها في الأستانة مرَّة في كلّ شهر حضرة الفاضل أحمد عزت أفندي الاعظمي. وقد تصفحنا ما ورد علينا منها فراقنا ما احتوائهُ من المواضيع ورجونا لها سعة الانتشار.
стр. 1907
العدد ٣٦ - بتاريخ: ١ - ٧ - ١٩١٣
الرئيس بوانكاره
في بلاد الانكليز
ثلاثةٌ من رؤساءِ الجمهورية الفرنسوية زاروا عاصمة بريطانيا العظمى في السنوات العشر المنقضية: زارها مسيو أميل به سنة ١٩٠٣ , وكانت الدولتان لا تزالان في مناظرةٍ شديدة , فأُبرم في السنة التي تلت الاتفاقُ الانكليزي الفرنسوي الذي قلب سياسة العالم , وغير موقف دول أوروبا تجاه بعضها بعض. وزارها مسيو أَرمان فاليير سنة ١٩٠٨ , وكانت الدولتان العظيمتان قد أدركتا فوائد اتفاقهما , وشعر العالم بنتيجة اتحادهما؛ وجاء المعرض الانكليزي الفرنسوي الذي أُقيم في لندرا محكماً تلك الروابط الجديدة بين أبناءُ السين وأبناءِ التاميز. وزراها مسيو ريمون بوانكاره في الشر الفائت. فبالغ الشعب
стр. 1908
البريطاني في إكرامهِ والاحتفاءِ بهِ. وتجلَّى اتفاق فرنسا وانكلترا بأبهى مجاليهو وأسنى مظاهره. قال أحد كبار الساسة الانكليز منذ نصف قرنٍ ما اتفقت فرنسا وانكلترا على أمر , إلاَّ وكان ذلك الأمر لخير الإنسانية وتابيد العدل والآن نسمع شعوباً كثيرة تئنُّ , وأُمماً عديدة تشكو. ونرى من جهةٍ ثانية فرنسا وانكلترا متصافحتين متفقتين. فهل يكون هذا الاتفاق لخير تلك الأمم الشاكية , وإنصاف هاتيك الشعوب المظلومة. . .؟ هذا ما يرجوهُ المتعطشون إلى العدل , الراغبون في الحرية , التائقون إلى الحياة.
أكرمت بريطانيا العظمى في شخص زائرها الكريم دولة الحرية والمساواة والإخاءِ , تلك الكلمات الثلاث التي ستعيّد لها الأمة الفرنسوية في الرابع عشر من هذا الشهر , والتي نحاول كلُّ أُمةٍ من الأمم المتدينة أن تجعلها شعاراً لها. أكرم الانكليز في شخص رئيس الجمهورية ممثّل صديقة اليوم , وحليفة الغد , ونصيرة النور والعرفان. وأكرموا فيهِ فوق ذلك الرجل الممتاز بصفاته العالية وأخلاقهِ السامية , الخطيب المفوّه , والكاتب التحرير , والسياسي القدير الذي أجمع الجميع على احترام شخصيته. فقال لهُ ملك بريطانيا وإمبراطور الهند في خطبة الترحيب , ما لم
стр. 1909
نسمعه في الخطب التي يتبادلها رؤساء الحكومات وأصحاب التيجان , قال: أنا سعيدٌ بأن أرى في ضيافتي رجلاً ممتازاً بخدمة ِ الجليلة , ذا شهرةٍ بعيدة , ليس فقط في عالم السياسية , بل أيضاً في تلك الجمعية الأكاديمية التي هي موضوع مجدٍ لفرنسا منذ ثلاثة قرون تحسدها عليهِ أوروبا جمعاء هذا
ما قالهُ جورج الخامس الذي لا تغيبُ الشمس عن أملاكهِ لابن الشعب الذي توصَّل بجده واجتهاده إلى أعلى مقام يحلمُ بهِ الإنسان. أمّا الأمة الانكليزية فقد عبَّرت عن إعجابها وابتهاجها , كما يُعبّر الشعب , بلا تصنُّع ولا تكلُّفٍ. فكان هتاف التحية والنصر يتصاعدُ من كل الصدور , لفرنسا ولرئيسها وللحرية! ولم ينسوا في هتافهم اللورين , أم الرئيس , وابنه فرنسا المفقودة! وكان الرجالُ والنساءُ حاملين الأزهار الزرقاء والبيضاء والحمراء: ألوان الراية الفرنسويةز وفي أحد الشوارع سُمع صوت الفوتوغراف يحيي الرئيس وينشد المرسلييز , كما سمع صوت الببغاءِ يحيي أغسطوس قيصر عند دخوله رومه. . . .
ثلاثة أيام قضاها بوانكاره في عاصمة الانكليز بين مجالي الابتهاج ومظاهر الحفاوةً: عند وصوله يَّاهُ الأسطول الانكليزي بإطلاق المدافع؛ وعند سفره شيَّعتهُ ست طياراتٍ محلقةً فوق البارجة التي تقلّه. وهكذا أرادت انكلترا أن تحيي فرنسا وطن فنّ الطيران.
стр. 1910
وقد كان للطيارين شأن يذكر في هذه الزيارة. فإن جريدة الماتن سألت كبار رجال السياسة والأدب رأيهم في زيارة الرئيس لانكلترا وطبعت من العدد الذي نشرت فيه الأجوبة ثلاث نسخ على الحري , فلم ترسلها في البريد بل سلمتها إلى أحد الطيارين الفرنسوين؛ فحملها طائراً من باريس إلى لوندرا , ودفع نسخةً منها إلى الملك جورج , نسخةً إلى الرئيس , ونسخةً إلى محافظ لوندرا.
ولم تنقض هذه الزيارة دون أن نسمع صوتاً للشعراء - صوتاً واحداً - ولو كان ذلك عندنا لسمعنا ألف صوت. . .! شاعر انكلترا الكبير روديرد كيبلنغ حيَّا الرئيس بقصيدة وجهها إلى فرنسا , قال:
أنت التي عرفت كلّ شقاء معروف وتغلبت عليه
لأنكِ تحملين في صدرك حب الحياة السليم: وهو درع بلاد غاليا
ففي مغامر النعمة لا تعرفين حداً. وفي مواطن الجهد لا تعرفين ضعفاً
أنت الرهيبة بقوةٍ تستمدينها من تربةٍ لا ينفد غناها
تحكمين أشدّ الأحكام على قدرك وشأنك. وأنتِ الأمة الرؤوفة بالغير
أنتِ الأولى في إتباع الحقيقة الجديدة , والأخيرة في ترك الحقائق القديمة
أنتِ فرنسا التي تحبها كل نفس عطوفة إلى حب الناس
أتذكرين إننا قبل مولدنا كنا جنباً على جنب نضطرب , كنا معاً في حجر رومة متحرجين لنبدأ بالعراك ,
стр. 1911
قبل أن يعرفوا تباين لغاتنا كانوا يعرفون مستقبل مهمتنا
كل واحد من هذين الشعبين كان في آن واحد يهيئ مستقبله , ويرتّب مصير أخيه
فلهذا هززنا نحن الاثنتين الإنسانية إلى أن صارت الأرض كلها أرضنا!
ومن أقصى العالم إلى أقصاه أثارت منازعاتنا السلطات وشيدت عروشاً وقوضت عروشاً
وذلك لكي يسد الواحد منا الطريق في وجهِ الآخر
تلك شعوب اتخذن لها مقدَّماتٍ لنا. فكانت أجيرات سخطنا وغضبنا
لهذا ملانا البحار عواصف , واجتزنا أبواب العالمين الجديدة دون أن نعرف من منا نحن الاثنين كان السابق
أتذكرين؟ ويد كل واحد منا على قائم سيفه. وكلنا مستعد ليضرب. وكلنا واثق بأن الملتقى , مهما كان , أثل إلى المعركة. كنا شاكي السلاح , لا يخطو أحدنا خطوة إلاّ أوقفته قوة الآخر , أو دفعته إلى الأمام.
لقد اجتزنا طول العصور والأحقاب وقطعنا عرض البحار كلها
فأين تقهقرتِ أمامنا؟؟ ومتى تقهقرنا أمامكِ؟؟
سلي أمواج البحار: كل موجة منها قد عرفت إحدى معاركنا
أجل حالت بيننا أحياناً شعوب أخرى. لكننا كنا نتركها لنعاود الكرة على بعضنا بعض , لأننا كنا نلذ جميعاً بتعادلنا في الجلاد
كان كل واحد منا للآخر سراً وجزعاً وحباً , كنا نتقابل بشعارنا
فأية معركة كانت تشرّف أحدنا بالعراك كمعاركنا ونحن الخصمان الباسلان
كان أحدنا ينتزع من حلق الآخر شهادة له ببسالته , وهتاف إعجاب به
وكلانا صب في جام أخيه دمه ممزوجاً بدمعه: أفراح البأس , والآمال بلا حد , والأشجان الشديدة.
стр. 1912
وكل ما لوَّت الحياة , وكل ما رفعها وأعلاها منذ ألف عام , أعمال تنوءُ بها القوى , ومعارك تحت كل شمس وسماء: هذه هي أفعالنا المشتركة يا فرنسا الصديقة!
متعانقين الآن تحت عب. واحد من الذكرى والندم أصبحنا نتوق إلى الراحة , ضاحكين من الخدع القديمة التي صرنا الآن نزاها ألا عيب. وننظر إلى إقبال سنين جديدة متسائلين هل يمكن أن تثور عواصف أشد من التي أثرناها. والآن نسمع أصواتاً جديدة تتعالى وتتساءل وتتفاخر وتنادي كما كنا ننادي صاخبين , عندما تتدفق جماهيرنا , أتذكرين؟؟
حباً بالحياة ذاتها كان أحدنا يتفحَّص حسام الآخر , فأي دمٍ وأي حسام يفعلان أكثر مما فعلنا؟؟
فيا لها من مدرسة صارمة تعلمنا فيها أن يعرف الواحدُ منا الثاني
نحن الذين تغازينا سواحلنا وتناهبنا منازلنا
من يوم رنّ سيفُ برنّوس وهو واقع في ميزان رومه!
ونحن اليوم نتماسك ثانية جسماً لجسم لصون سلام الأرض بالسهر عليه نقياً من كل دم
فكان لهذه القصيدة أعظم وقعٍ في النفوس , وتناقلتها صحف الأمتين معلقة عليها الكلمات لما تضمنتهُ من الشعور الصحيح والخيال الراقي. انبرى لردّ التحية الشاعر الفرنسوي فرنان غريك , ونحن نقتطف من قصيدته بعض مقاطعها:
أجل أيها الرفاق! كلانا أبلى في القتال بلاءٍ حسناً
стр. 1913
كان أسطولانا يجوبان البحار , ويطرقان المواني , يبحث الواحد عن الثاني
كان أسطولكم ضخماً قويّاً متغلباً على ثبَج البحر
وكان أسطولنا رشيقاً فتَّاكاً مزيناً بالأعلام وكلاهما ملك البحر والهواء
رآهما العالم من بريطانيا العظمى إلى أميركا يتقاتلان في أماكن لا اسم لها ولا ذكر وقد أصبحت مشهورة بعد معاركنا. . .
والآن , وقد أطرحنا الحقد , يمكننا أن نقص على بعضنا بعض تاريخ مواقعنا الهائلة دون أن نخجل من الماضي
أما جان درك ونابوليون فإن احترامكم وتمجيدكم لها الآن يمحو كلَّ ذكرٍ سيء. . .
بلى بقال عنا معشر الفرنسويين أننا نملأ الأرضَ ضجيجاً , ونصمّ الآذان بمناداتنا بالحرية والمساواة والإخاءِ
بلى ولكننا كثيراً ما نجتزّ رؤوس بعضنا بعش من أجل هذه الكلمات , وذلك ليستفيد العالم!
فلنأتلف يا انكلترا ذات العقل الشريف واليد القوية
فنقوى حينئذٍ على تسكين آلام وسدّ ينابيع الدمّ.
стр. 1914
عطلة الصيف
هذا هو الجزءُ الأخير الذي يصدر من مجلة الزهور قبل عطلة الصيف. وموعدنا والقراءُ الكرام أوَّل أكتوبر القادم.
أصدرت إدارة هذه المجلة في سنتها الأولى , بعنوان مصر وسوريا عدداً كبيراً ممتازاً جمعت فيه أقوال الكتَّاب والشعراءِ قديماً وحديثاً في القطرين الشقيقين , كان لهُ أحسن وقع في عالم الأدب. وقد عزمت في هذه السنة أيضاً على إصدار عددٍ ممتازٍ في موضوع خاص شأن المجلات الكبرى في أوروبا. ولما كانت الزهور لم تفتأ منذ نشأتها تواصل السعي في إيجاد صلة تعارفٍ بين أدباءِ الأقطار العربية , رأت - إتماماً للفائدة , وإِجابة لرغبة الكثيرين من القرّاء - إن تجعل موضوع ذلك العدد الخصوصي.
مراكش والجزائر وتونس وطرابلس
وسنتجمع فيه خلاصة ما يهم القرّاء معرفتهُ عن تلك البلاد العربية , وحالتها الأدبية والاجتماعية , ومشاهير كتَّابها وشعرائها , ومدارسها وصحافتها وأنديتها , إلى غير ذلك من الشؤون المتعلقة بها. وسنسعى إلى الحصول على الصور والرسوم اللازمة زيارة في التفكهة والفائدة. ونحن نرغبُ إلى قرائنا أن يمد بآرائهم , ويواعدنا بما لديهم من المعلومات عن هذا الموضوع , لتكون هذه الهدية التي نعدُّها لهم أكثر فائدة , وأتمَّ رونقاً.
стр. 1915
زواج ابنة غليوم الثاني
أو مصالحة أُسرتي هانوفر وهو هنزُلرن ٢٤ أيار ١٩١٣
كثر عدد الذين خافوا على الإمبراطور الألمانية من سنة ١٩١٣. وذهب القوم في تأويل هذا الخوف وتعليله مذاهب شتى. وقد رووا لنا - وكانت مجلة الزهور في جملة الراوين - ما تنبأ بهِ بعضهم للإمبراطور غليوم الأول من أن سنة ١٩١٣ ستكون سنة شؤمٍ وبؤسٍ على أُسرة هو هنزلرلمان , وأنهُ يخشى فيها على الإمبراطورية الألمانية من الانقراض. وها قد مضى من هذه السنة نصفها , ولم نرَ فيها ما يُنذر بتحقيق تلك النبوة , بل إنَّ عامنا هذا لم يحمل حتى الآن في طيات أيامهِ ولياليهِ إلاَّ ما سرّ له الألمان وابتهجوا. فقد وقع فيهِ تذكاران مجيدان كانا داعيةً لإقامة الأفراح والأعياد في ألمانيا عامةً وفي بروسيا خاصةً: أولهما تذكار مرور مئة سنة على قيام الشعوب الألمانية ونهضتها في وجه الفاتح الإمبراطور غليوم الثاني على عرش مملكة بروسيا وإمبراطورية ألمانيا , فاحتفل في الشهر الفائت بالعرس الفضي لملكهِ , كما احتفل بالعرس الفضي لزواجه. وقد شاءَت الأقدار إن تزداد أفراحُ الإمبراطورية الألمانية والسلالة المالكة بحادثٍ لم يكن منتظراً , لا بل كان بعيد الإمكان , ألا وهو مصالحة سلالة هو هنزُلرن المالكة مع سلالة ملوك
стр. 1916
هانوفر المعروفة باسم برنزويك. فرأينا بهذه المناسبة ذكر لمحة تاريخية عن هذا الحادث الذي علَّقت عليهِ الصحف أهمية كبرى فنقول: لا يخفي أنَّ إمبراطورية ألمانيا الحالية حديثة العهد , نادى بها المتحالفون الألمان وقت سكرهم بخمرة الانتصار على فرنسا , وهم مجتمعون في قصر فرسايل في بداية سنة ١٨٧١ وحيَّوا كبيرهم وعميدهم ملك بروسيا بلقب إمبراطور ألمانيا , وذلك انتقاماً لشعوبهم من الفرنسويين إذ كان نابوليون الأوَّل قد ألغى بمعاهدة برسبورغ لقب إمبراطور ألمانيا وذلك في أواخر سنة ١٨٠٥. وكانت إمبراطورية ألمانيا الأولى التي ألغاها نابوليون قد تأسَّست سنة ٩٦٢ ميلادية وقد أكملت ترتيب نظامها الأساسي والإداري في أواسط القرن الرابع عشر فكان يرئسها إمبراطورٌ كاثوليكي المذهب تعترف له الشعوب المسيحية الغريبة بميراث ملوك الغرب الرومانيين. وكان ينتخبهُ سبعة أمراء ألمان: أربعة من العلمانيين , وثلاثة من علية الاكليروس. وكان يطلق على كل من هؤلاء الأمراء السبعة لقب المنتخِب , ولكن لما ظهرت الانقسامات الدينية منذ بداية القرن السادس عشر , وكثرت لما ظهرت الانقسامات الدينية منذ بداية
القرن السادس عشر , وكثرت الاضطرابات والحروب والمداخلات الأجنبية , أصبحت سلطة الإمبراطور وهمية وشرفية أكثر مما هي فعلية؛ وصار كلُّ واحدٍ من الأمراءِ يعتبر ذاته مستقلاًّ , حتى أنه لما حدثت الثورة الفرنسوية , كان في الأراضي المعروفة باسم الإمبراطورية الألمانية ما لا يقلُّ عن ٣٥٠ مملكة وإمارة ودوقية ومدنية حرّة تدّعي كل منها الاستقلال التامّ. وكانت تقسم إلى ثلاث طبقات.
стр. 1917
١ً - طبقة المنتخبين وهي فوق سائر الطبقات , وكانت مؤلفة من رئيس أساقفة مايانس , ورئيس أساقفة كولونيا , ورئيس أساقفة تريف ومن الكونت بالأتين وملك بوهيما والدوق دي ساكس وأمير برندبورج. وكان قد أُضيف غليهم منتخبان وهما الدوق دي بافاريا في سنة ١٦٢٤ , والدوق دي هانوفر في سنة ١٦٩٢. فصار الأمراء المنتخبون تسعة. ثمَّ إن الإمبراطور ضمَّ لقب بوهيما إلى ألقابه , وصار أمير برمدبورج ملكاً على بروسيا في سنة ١٧٠١ , والدوق دي هانوفر ملكاً على انكلترا سنة ١٧١٤ وانقرض فرع بافاريا سنة ١٧٧٩. فأصبح لقب منتخب محصوراً في الواقع بخمسة أمراء يعترفون بتابعيتهم للإمبراطور. وبعد حروب الثورة الأولى منح الإمبراطور لقب منتخب لكلٍّ من دوق ورتمبرغ , وأميرهس كاسيل تعويضاً لهما عما خسراه من اراضي التي أخذتها فرنسا.
٢ً - طبقة الأمراء وفيها أكثر من ٢٩٠ أميراً من الأكليروس والعلمانيين , وأول هؤلاءِ الأمراءِ حامل لقب أرشيدوق دوتريش وقد ارتقى صاحب هذا اللقب أريكة الإمبراطورية منذ سنة ١٢٧٤ , وحصر المنتخبون الملكَ في سلالتهِ فعلياً منذ سنة ١٤٣٩.
٣ً - طبقة المدن الحرّة , وعددها ٥١ مدينة , أشهرها فرنكفورت حيث كان يصير انتخاب الإمبراطور.
هذه هي الإمبراطورية الألمانية التي ألغاها نابوليون سنة ١٨٠٥.
ولما سقط هذا العاهل وأتت الدول المنتصرة ترتب هيئة أوروبا في مؤتمر فينَّا سنة ١٨١٥ , أصبحت ألمانيا أو البلدان الجرمانية تؤلف تحالفاً
стр. 1918
أو اتحاداً الاتحاد الجرماني يحتوي على ٣٩ دولة ودويلة , في مقدمتها إمبراطورية النمسا وممالك بروسيا وبافاريا وهانوفر وورتمبرج وساكس. وكانت النمسا تفضّل بقاء هذا الترتيب لأن إمبراطورها كان حاصلاً على رآسة هذا الاتحاد , وسلطتها كانت ممتدَّة على شعوب غير ألمانية كالمجر وشمالي
إيطاليا وبوهيما وبولونيا. أما بروسيا فإنها كانت متضايقة من هذا النظام أولاً لبقائها تابعة للنمسا وبنوع ما تحت سيادتها , وثانياً لأن أملاكها وولاياتها كانت منفصلةً عن بعضها بعض , ومتفرقة إلى أقسام متباعدة الأطراف , وكان فريدريك الثاني أكبر ملوكها قد قضى مدة ملكه الطويلة بالحروب رغبةً في الحصول على توحيد حدود مملكتهِ , فلم يدرك إلاَّ بعض غايتهِ. وعليهِ كان جلّ همّها تغيير الحالة الموجودة في سنة ١٨١٥ والتوثب عى جيرانها الألمانيين لتسوية حدودها بضمّ ما هو موافق لأملاكها. وكانت مملكة هانوفر أهم العقبات في سبيل تلك الغاية وكانت مساحتها نحواً من ٣٩ ألف كيلومتر وسكانها أكثر من ثلاثة ملايين. وكان دوقها قد نال لقب منتخب منذ سنة ١٦٩٢ , وهو المنتخب أرنست أغوستوس؛ وتوفي في ١٦٩٨ , وفي سنة ١٧١٤ صعد ابنه المنتخب جورج على عرش انكلترا فعرِف بالملك جورج الأوَّل , ذلك لأن أقرب نسيب بروتستاني للملكة حنة ستوارت المتوفاة بدون عقب. فجمع بشخصه السلطة على انكلترا وعلى هانوفر. وجعل مؤتمر فينا هانوفر مملكةً سنة ١٨١٥. ولكن لما كانت هذه المملكة تحت سلطة ملوك
стр. 1919
انكلترا لم يكن ملوك بروسيا ليتجاسروا على التحرش بها. فلما توفي وليم الرابع الانكليزي سنة ١٨٣٧ آلت نوبة في انكلترا إلى فيكتوريا ابنة أخيه. وأما في هانوفر فلما كانت الشريعة تحرّم جلوس النساءِ على العرش آل الملك إلى أخيهِ أرنست الأوَّل حتى سنة ١٨٥١ حيث توفي وورثه ابنه جورج الخامس. وفي عهده حدثت حروب فرنسا وسردينيا ذد النمسا ففشلت هذه وخسرت أكثر أملاكها في إيطاليا , كما أن حرب القوم كانت قد أفقدتها ثقة روسيا. فاغتنمت بروسيا هذه الحوادث وعملت بتدابير بسمارك الداهية الدهماء فاضطرت النمسا إلى إتباع سياستها في الوثوب على مملكة الدنمرك وافتتاح ولايتي سلسفيك وهولستين ودوفية لوينبورغ. ولكنَّ اتفاقهما لم يطل فوقع الاختلاف بين المنتصرين وحاول كلٌّ منهما اتخاذ مجلس الاتحاد آلة بين يديه. ولكنَّ الأكثرية انضمت إلى النمسا وفي مقدمتها ملك هانوفر , ودوق ناسو ومنتخب هسّ كاسل. فشهرت بروسيا الحرب عليهم , وما لبث جنودها أن اقتحمت حدود خصومها. وفي أقل من ثلاثة أشهر انتهت الحرب بانتصار بروسيا التام على النمسا وجميع محالفيها؛ وأشهر مواقع هذه الحرب موقعة سادوفا تموز سنة ١٨٦٦. وعقد الصلح بين بروسيا والنمسا , فقبلت هذه بخروجها من التحالف وبكل ما
تجريه بروسيا في جرمانيا. فأعلنت بروسا ضمَّ مملكة هانوفر ودوقية ناسو وإمارة هسّ كاسّل ومدينة فرنكفورت إلى أراضيها , فأصبحت جميعها ولايات بروسية عادّية ثم أرغمت
стр. 1920
بروسيا أمراء وملوك الواقعة شمالي نهر المين على الانضمام إليها بتحالف دعي بتحالف دعي تحالف ألمانيا الشمالية. وهكذا أصبحت أراضي مملكة بروسيا كلها متصلة بعضها ببعض لا يحتللها أرض مملكة غريبة. فاحتيج جورج الخامس على سلب مملكته وضمها لبروسيا بمنشور أرسله من فينا إلى جميع ملوك أوروبا. لكن احتجاجه لم يجدهِ نفعاً إذ أن نسيبتهُ وابنة عمهِ فيكتور يا ملكة انكلترا كانت حماةً لولي عهد بروسيا فلم تحرّك ساكناً. وكان احتجاجه سبباً لغيظ ملك بروسيا الذي ضبط حينئذٍ أملاك جورج الخامس الخصوصية وحجز على دخلها ووضعت هذه الأموال في صندوق دُعي بمال أسرة كولف ولما انتصرت بروسيا على فرنسا وتألف من البلدان المنتصرة إمبراطورية جامعة لخمس وعشرين مملكة وإمارة ومدينة حرَّة ولولاية الالزاس واللورين احتج أيضاً جورج الخامس على هذا الانضمام. وفي سنة ١٨٧٨ توفي جروج الخامس فخلفهُ ابنهُ الوحيد ارنست أغوست المولود سنة ١٨٤٥ , فأعلن الملوك والحكام وفاة ولدهِ وجلوسهِ بعدهُ معيداً ومكرَّراً احتجاجه على كل ما أجري في ألمانيا منذ سنة ١٨٦٦ وأنه يكتفي مع حفظ حقوقه بمملكة هانوفر بأن يدعي دوق دي كمبرلند وهو لقب جده في انكلترا قبل أن يكون ملكاً على هانوفر ودوق دي برنزويك ولونبرج. وفي السنة نفسها اقترن بثالثة بنات خريستان التاسع ملك الدنمرك فصار عديلاً لولي عهد انكلترا أدوار السابع وولي عهد روسيا اسكندر الثالث. ولما انقرض فرع أسرتهِ
стр. 1921
المالك على برنزويك بوفاة غليوم بدون عقب سنة ١٨٨٤ , كان يجب أن يصير هو دوقاً على برنزويك التي هي إحدى ممالك وإمارات ألمانيا المتحدة ولكن الإمبراطور وكمجلس التحالف رفضاً إعطاءهُ هذه الدوقية ما لم يقبل بضم الهانوفر ويستعيد منشورات اعتراضه السابقة , فرفض؛ وبقيت دوقية برنزويك تحت ولاية وصيٍّ إلى اليوم. وفي العام الماضي ١٩١٢ , لما توفي فردريك الثامن ملك الدنمرك فجأةً في همبرغ وتعين ميعاد دفنه في ٢٤ أيار في كوبنهاغ , توجه ابنُ أختهِ وهو بكر الدوق أرنست المذكور في أتوموبيل مجتازاً ألمانيا ذاهباً إلى الدنمرك لحضور المأتم. فحدث اصطدامُ الأتوموبيل , وسقط الأمير الشاب قتيلاً وهو في الثانية والثلاثين من عمره ونقلت
جثته إلى كوبنهاغ فاحتفل بدفنه مع خاله بوقتٍ واحد فكان لهذا الحادث المكدر تأثير سيءٌ في كل العالم لاسيما وأنه كان قد جرت مفاوضات سرية ليتنازل الدوق أرنست عن حقوقهِ لابنه هذا وهو يخضع لما جرى في ألمانيا فيصير دوقاً مالكاً على برنزويك. فسعى الأقارب والأمراء بين الإمبراطور وهذا الدوق التعس الحظّ حتى نجحت مساعيهم بواسطة الحب لأن الابن الوحيد للدوق ارنست , واسمهُ كأبيه , أرنست أغوست , رأى ابنة الإمبراطور وعلق بحبها فتصالحت الأسرتان وخطبت الأميرة للأمير. وفي ٢٤ أيار احتفل بزواجها في برلين في حفلةٍ شائقة سار فيها الإمبراطور مع الدوقة ثم الدوق مع الإمبراطورة , ثم سائر الملوك والأمراء الألمان المتحالفين وأمراء من كل الأسر المالكة. وبلغت التحف والهدايا المقدمة إلى العروسين ١٢
стр. 1922
مليون فرنك. وهكذا عاد الصفاءُ بين السلالتين منذ نحو ٥٠ سنة , وعادت دوقية برنزويك إلى أمرائها الأصليين؛ ولم يبق في انكلترا أمراء من الدم الملكي القديم. بل عادوا إلى ألمانيا , وهي مسقط رأسهم الأوَّل. ولم يعد باقياً أثر للعداوات والمناوآت القديمة التي كانت بين بروسيا ومخاصمها في ألمانيا لأن الإمبراطور الألماني أضحى على وفاق تام مع جميع الذين غلبهم جدُّه ووزيرهُ بسمارك.
سليم خطار الدحداح
حكمة قاضٍ
من أغرب الأحكام الصينية أن أربعةً من تجار القطن خافوا أن يسطوا الفأر على قطنهم فابتاعوا هرّاً بأن دفع كل واحد منهم ثمن فخذ. فحدث أن الهرّ جرح بفخذٍ من أفخاذه فربط جرحه بالقطن وبلَّ بالغا. . فقضت الصدفة التعسة بالتهاب الضماد وفرار الهرّ إلى أكداس القطن فأحرقها. فأقام أصحاب الأفخاذ الثلاث السليمة الدعوى على صاحب الفخذ الجريح. فأصدر القاضي حكمهُ بأن الفخذ الجريح لم يحمل الهرّ إلى القطن ولكن الأفخاذ السليمة هي التي حملته. فعلى أصحابها أن يدفعوا ثمن قطن صاحب الفخذ الجريح.
ثلاثة لا يعرفون إلاَّ في ثلاثة مواضع. لا يعرف الشجاع إلاَّ عند الحرب. ولا الحكيم إلاَّ عند الغضب. ولا الصديق إلاَّ عند الحاجة إليه.
للمستعصمي
стр. 1923
الحركة الصهوينة
الحركة الصهوينة حركة ملية اجتماعية ذات قواعد مقرَّرة يرمي بها فريقٌ من بني إسرائيل إلى إيجاد وطنٍ خاص لشعبهم تحقيقاً لما ورد في نبؤات أرميا ويوئيل من أنهُ تأتي أيام يردُّ الله فيها سبي شعبه إسرائيل فيقمون مدنهم الخربة , ويسكنون بها , ويغرسون كروماً , ويشربون خمورهم وقوله بلسان عاموس النبي: واغرسهم في أرضهم , ولن يقلعوا بعد من أرضهم التي أعطيتهم وقوله بلسان أشعيا وميخا: إن الخلاص يأتي من صهيون؛ والقدس تكون المركز الذي تصدر منه الشريعة ثم ما جاء في التلمود وغيره مشيراً إلى أن المسيا بن يوسف يجمع بني إسرائيل حوله ويزحف على القدس , ويتغلب على قوة الأعداء ويعيد العبادة إلى الهيكل , ويقيم ملكه. وقد طفق القوم يفكرون في هذا الموضوع , ويحاولون تنفيده بعد أن خرَّب طيطس هيكل سليمان في سنة ٧٠ للمسيح. ولكن لم يتجاوز تفكيرهم حد الكتابة شعراً ونثراً حتى دعاهم إلى العمل شبتاي زيبي في القرن السابع عشر , فلبّاه بعضهم؛ إلاَّ أنه لم يفلح في ما أراد. ثم حاول غيره الاقتداء بهِ فتألفت العصابات وأُنشئت الجمعيات , ورمى القوم بأبصارهم على أميريكا تارة وغلى فلسطين طوراً. وجدّ الكتَّاب في التذكير والحض وتكوين رأي إسرائيلي عام. وكتب سلفادور المؤرخ اليهودي رسالة في سنة ١٨٣٠ قال فيها: إن مجرَّد عقد مؤتمر في أوروبا يعيد فلسطين
стр. 1924
إلى اليهود. فتألفت جمعية الأليانس الاتحاد الإسرائيلي وبدأ القوم باستعمار فلسطين فأنشأوا مدرسة مكوى إسرائيل على مقربة من يافا. ثم ظهرت كتب ورسائل مختلفة في الموضوع أهمُّها كتاب واجبات الأمم في أن يُعيدوا إلى الشعب اليهودي قوميته ورسالة إعادة القومية اليهودية وفي هذه الرسالة التي نشرت سنة ١٨٦٨ صرَّح فرنكل لأوَّل مرة بإعادة تشييد حكومة يهودية في فلسطين وذلك بشراء البلاد من تركيا وقال - من باب الاحتياطّ الكلي -: أنه إذا لم يكن ابتياع فلسطين ميسوراً فلنطلب وطناً معيناً في جهة أخرى من الكرة الأرضية لأن الغاية الوحيدة هي إن يكون لليهود وطنٌ وأن يكونوا أحراراً فيه وألَّف المسيو موريتس ستينشيدر حوالي سنة ١٨٤٠ جمعية من طلبة المدارس الإسرائيلية لنشر فكرة استعمار فلسطين. ثم أُلِّفت سنة ١٨٦٦ الجمعية الفلسطينية العمومية وجمعية الاستعمار السوري الفلسطيني. وخاطب المستر (٠لورانس الفانت الحكومةَ العثمانية في مدّ خطٍّ حديدي في وادي الفرات لإسكان مهاجري اليهود على جانبيه وإنشاء مهجر لليهود في نواحي السلط فلم يُجب له
طلب. ولكن القوم لم ينثنوا عن سعيهم في جمع المال وتأليف الجمعيات هنا وهناك حتى تمكنوا في سنة ١٨٧٤ من إنشاء أول مستعمرة إسرائيلية في فلسطين. وبينما هم جدٍّ واجتهاد ظهرت في أوربا حركة الانتيسيميتزم أي مضادة اليهود فصرفت فريقاً كبيراً منهم عن التفكير في مسئلة الاستعمار وطفقوا يحاربون أعداءهم بقوة القلم حيناً وبقوة المال حيناً آخر. ولكن
стр. 1925
هذه الحركة اتسع نطاقها وأخذت حكومات عديدة ترغم اليهود على الجلاء عن بلادها فزاد تشبثهم بإيجاد ذيَّاك الوطن المنتظر لجمع شملهم وتحريرهم من عبودية الحكومات المتفننة في إيذائهم. ونشر المسيو هرتسل العالِم الإسرائيلي النمسوي في سنة ١٨٩٥ كتابه اليودنستات (٠الوطن اليهودي وقال فيه: إن الانتيسيمتزم خطر لا يُهدّد اليهود فقط بل العالَم بأسره , ولا يمكن اجتنابه لأن اليهود شعب يتعذَّر امتزاجه بمن حواليه في الحياة الاجتماعية؛ فلا بدَّ من تملكهم متسعاً من الكرة الأرضية يكفيهم لأن يجتمعوا فيه ويقيموا لهم وطناً خاصاً بهم ثم اقترح تشكيل لجنة تقوم بالأعمال الأولية العلمية والسياسية وشركة أللاستعمار يكون رأس مالها خمسين مليون جنيه انكليزي لامتلاك الأرجنتين أو فلسطين وإدخال اليهود إليها بطريقة منظمة. فتقبَّل اليهود وجمعياتهم رأيه بالرضي والارتياح وعينوه رئيساً للجمعيات التي اشتركت في تنفيذ اقتراحه فدعاها إلى مؤتمر عام عقدوه في مدينة باسّل وحضره ٢٠٤ أعضاء يمثل بعضهم جمعيات مختلفة وقرروا فيه ترويج تعليم اللغة العبرانية وإنشاء لجنة خصوصية للآداب اليهودية وتأسيس صندوق مالي للإعانة وتأليف جمعية عاملة تنفذ اقتراحات المؤتمر فألِّفتْ هذه الجمعية واشتغلت بطبع خطب هرتسل وماكس نوردو وأعدَّت ما يلزم لتأليف نقابة استعمارية إسرائيلية. وانعقد المؤتمر الثاني في أغسطس سنة ١٨٩٨ بمدينة وقرر تأليف النقابة وجعل اللسان العبراني لغة قوم موسى وتربية الإسرائيليين
стр. 1926
بحسب قواعد التهذيب الحديثة. ثم انعقد المؤتمر الثالث في ١٨ أغسطس سنة ١٨٩٩ بمدينة باسل وقرئت فيه عدَّة تقارير دلَّت على نجاح الجمعيات الصهوينة وتكاثر عدد المنتظمين في سلكها , واقترح بعضهم استعمار قبرص فرفض طلبه بدون مناقشة فيه. وانعقد المؤتمر الرابع في ١٦ أغسطس سنة ١٩٠٠ بمدينة لندن. وتمكن هرتسل من مقابلة السلطان عبد الحميد مرَّتين فأنعم جلالته عليه بالنيشان المجيدي. ثم انعقد المؤتمر الخامس في مدينة باسل في يوم ٢٦ دسمبر سنة ١٩٠١ وتقرَّر
فيهِ عقد المؤتمر مرة كل سنتين وأن تنعقد في الفترات الواقعة بين المؤتمرات اجتماعات يحضرها أعضاءُ الجمعية الكبرى. ولاحظ زعماء الإسرائيليين أنهم غير ناجحين في استعمار فلسطين فخاطبوا فخامة اللورد كرومر في استعمار العريش فلم تجبهم الحكومة المصرية جواباً يحسن الوقوف عنده. ثمّ خاطبوا الحكومة الانكليزية في استعمار إحدى الجهتين وقال المسيو هرتسل: إن شرقي أفريقيا ليست صهيون ولا يمكن أن تكون كذلك وقال الأستاذ ماكس نوردو: لو أمكن إحداث مثل هذا المقر - يعني أقريقيا الشرقية - فهو لا يكون إلا دار عزلة مظلمة وتوفي هرتسل في ٣ يوليو سنة ١٩٠٣ فوصفتهُ دائرة المعارف
стр. 1927
الإسرائيلية بقولها: إنه السياسي اليهودي الوحيد الذي كرَّس حياتهُ لخدمة قومه واستطاع أن يقوم بما لم يستطعهُ فرد ولا جماعة في سبيل إعلاء شأن الصهوينة وتثبيتها؛ فقد كانت هذه المسئلة في بدئها مسئلة خيرية زراعبة , فصيرها هرتسل اقتصادية سياسية وانتخب الأستاذ ماكس نوردو الفليسوف الألماني المعروف خلفاً لهرتسل في رياسة المؤتمرات والجمعية العاملة؛ فرأس المؤتمر السابع الذي عقد في ٢٧ يوليو سنة ١٩٠٥ وصدق على قرار خلاصته أن الهيئة الصهوينة تبقي ثابتة لا تتحول عن إعداد وطن لليهود في فلسطين. ولا تزال المؤتمرات الإسرائيلية تعقد مرة كل سنتين في عاصمة من عواصم أوربا والجمعيات الصهوينة تنتشر في جميع الأقطار الشرقية والغربية ويتسع نطاقها فبلغت ألوفاً واشترك فيها مئات الألوف من الإسرائيليين على اختلاف طبقاتهم يمدونها بالآراء ويساعدونها بالمال كلٌّ على قدر طاقته؛ فتمكنوا من إنشاء المصرف اليهودي الاستعماري ثمَّ صندوق الذخيرة الوطنية الإسرائيلية والمقصود بهذه الذخيرة المال الذي يجمعهُ اليهود لاسترداد أرض فلسطين وجعلها مقراً لليهود المتشتتين في أنحاء المعمورة المعرضين لاضطهادات الحكومات المختلفة وازدرائها بهم. ومركز رياسة اللجنة العاملة لصندوق الذخيرة في مدينة كولونيا الألمانية. وقد بلغ رأس ماله ١٢٠ ألف جنيه انكليزي في سنة ١٩٠١. وللقوم في جمع المال طرق مختلفة أبانوها في منشوراتهم المطبوعة
стр. 1928
بالفرنسوية والانكليزية والألمانية؛ وأهمها طريقة الصناديق الخصوصية وهي صناديق مقفلة ذات ثقب منهُ النقود , ويرسل منها صندوق لكل من أراد فيضيع فيه ما يفيض عن نفقاته أو ما يقرّره على ذاته أسبوعيَّا أو شهريّاً ثم يأتي مندوب الجمعية في
وقتٍ معيّن ويفتح هذا الصندوق ويأخذ ما فيه ويقفله. وتقول الجمعية في نشراتها أن الادّخار في الصندوق الخاص هو خير وسيلة لتدريب الصغار على معرفة الواجب عليهم نحو شعبهم. ومنها طوابع البريد والتلغراف وتذاكر التهنئة والتعزية: وهي أوراق خاصة يبتاعها الصهويونيون ويستخدمونها في مكاتباتهم الخاصة. ومنها الكتاب الذهبي: وهو سفر مطبوع على ورق صقيل ومجلد تجليداً مزخرفاً فخماً يشتمل على اسم مَنْ يدفع للجمعية ١٠ جنيهات. ومنها دفاتر المذكرات: وهي تحتوي على قلم رصاص وتقويم وكمية من ورق الكتابة تخصص لتدوين ما يتبرع الصهونيون بهِ في الاحتفالات العامة والخاصة لتنفيذ فكرة الصهيوينة. ومنها أشجار الزيتون. فكل من يدفع ٢٠ غرشاً تُغرَس باسمه شجرة زيتون في إحدى مزارع الاستعمار الصهيوني. ومنها تسجيل الأراضي باسم أهل الخير. فكل من يدفع جنيهين يشتري باسمهِ - حساب الجمعية - دونم وترسل إليه حجة تملكه. ولا تفتر جمعية الذخيرة يوماً عن إيجاد طرق جديدة لحث الإسرائيليين على البذل. وقد تمكنت بأن تأتي بما جمعته بأعمال خطيرة جليلة أهمّها شراء
стр. 1929
ستة آلاف دونم من الأراضي على مقربة من بحيرة طبريا , وإنشاءُ مزرعتين كبيرتين للزيتون في حولدا وبن شامن وعدة حدائق لزراعة البرتقال والليمون والاترنج في شدراح وجنينة صامويل. أما المدارس الصناعية والزراعية والعالية التي أنشئت بمال الذخيرة في حيفا ويافا والقدس لتربية النشء الإسرائيلي وتعليمه فحدّث عنها ولا حرج. وهكذا قل عن المستعمرات الزراعية وبيوت العمَّال التي أنشئت في أنحاءِ فلسطين فتحوّل بها القفر البلقع إلى روض أزهر. وقد أتاحت لي الظروف التعرف إلى جماعة من المشتغلين بهذا الموضوع في القاهرة والاختلاط بهم فعلمت أن لهم مندوباً خاصاً يتردّد على بعض المدارس الابتدائية ويلقي على تلاميذها دروساً يبين فيها حقيقة الصهيوينة وما يجب على كل إسرائيلي عمله لتنشيطها ومسعدتها ولهم مجلة فرنساوية شهرية اسمها النهضة الإسرائيلية يوافيها أئمة الكتاب الصهيونية وأنصارها. وقيمة اشتراكها السنوي ثلاثة فرنكات. ولهم نادٍ خاص كبير في حيّ الإسماعيلية. ونحو عشر جمعيات تشتغل بجمع المال وإرساله إلى اللجنة الرئيسية في كولونيا. ويعني صهيوني , مصر بمطالعة كل ما يردُ عنهم في الجرائد المحلية ويعقبون عليه. وقد انعقدت الجمعية العاملة للصهيونيين في مدينة فينا يوم ١٠ يونيو مقدمة
للمؤتمر الذي سينعقد في شهر سبتمبر القادم المسائل المعروضة عليه يأخذ في تنفيذها بقوة مالهِ ورجالهِ
توفيق حبيب
стр. 1930
أثر عرابي ثمين
في مبحث الصوت , وأسباب حدوث الحروف
ممَّا يقولُهُ بعضُهم في الموازنة بين علم الشرق في الزمن الغابر , وعلم الغرب في الوقت الحاضر , أنَّ تقدُّم العلم الغربيّ مسيَّرٌ في الغالب بيد الصناعة , وأن للغاية الاقتصادية تأثيراً على مبدئه. فهو مثلُ الحضارة الغربية عمليٌّ أكثر منهُ نظريّ , وإلى الماديّ أقربُ منهُ إلى الأدبيّ. أمَّا العلم الشرقيّ فإنّ مدينة الشرق لم تنحُ بهِ نحواً خاصاً. ولذلك كان ينمو مع المدارك البشرية على قدرها. ولو أتي له الاستمرار في طريقهِ حتى يُدرك عصرَ الطباعة فالبخارِ والكهرباءِ , لكان لهُ في المستقبل شأنٌ غيرُ شأنهِ في الماضي. هذا ما يقولُهُ بعضهم في الموازنة بين العلمين؛ ويقولون زيادة على ذلك إنَّ العلمَ النظريَّ لم يبلغْ في أوربا اليومَ المنزلة التي بلغها في آسيا من قبل. ولعلّ الخاطرَ الأوّل الذي خطر لي عند إطّلاعي على رسالةِ الرئيس أبي عليّ الحسين بن سينا في أسباب حدوث الصوت والحروف كان من هذا القبيل , فقد قلتُ في نفسي ساعتئذٍ: لماذا تفيضُ الفلسفةُ الطبيعية الحديثة في بيان أشكالِ النور وألوانهِ وتحلُّله وتركّبهِ عند في بيان أشكال الصوتِ وأوصافهِ عند مرورهِ بالحنجرة وعبث اللسان بهِ في أطراف الفم , كما فعل ابن سينا قبل تسعمائة سنة في الكتاب الذي هو موضوعُ بحثنا الآن؟ نبهّني إلى كتاب ابن سينا عالمٌ جليلٌ محقّق , فرأينهُ من أنفس مدّخرات خزانة العالِم الفاضلِ أحمد تيمور بك , ولكنهُ واأسفاه! قد تناولتهُ يدُ التحريف والتصحيف حتى لا يكاد الإنسانُ يثقُ ببقاء جملةٍ منهُ على أصلها. فزادني هذا الأمرُ شوقاً إلى نشره وإحيائهِ تعريفاً للخلفِ بمآثر السلَف , وإعلاماً بما للعرب
следующие страницы →