← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وعلَّمهم أن الحرية حقٌّ , والعدلَ واجبٌ , والمساواة طبيعية. فأصبحوا لا يرضونَ بالذُّل , ولا يرضخون للاستبداد. وما زال كالكهرباء يغلي الدّم في عروقهم , ويثيرُ الشعورَ في قلوبهم , حتى كان منهُ أن خَلَع عبد الحميد. أمَّا نشيدُ الجمهورية الصينية فأشهرُ من أن نشيرَ إليهِ. وهو أكبر برهانٍ على أنّ الأناشيدَ الوطنية هي التي ترفعُ الأمم من وهده الانحطاط. وهل كان يجول بفكرٍ أحدِنا أنّ الصين تصير يوماً ما جمهورية؟؟ نظرة إلى مصر بعد كل ما مرَّ بنا لا يوجدُ في هذا القطرِ ما يُطلقُ عليه نشيدٌ وطني سوى سلام الخديو هذا الخديو له الفخار وهو ليس مما يدفع القومَ لبذل النفس والنفيس في سبيل بلادهم. وما عداهُ فأناشيدُ يترنم بها أطفال المدارس في الاحتفالات. وجلُّها بل كلها من نظم شاعرِ الأمير أحمد شوقي بك وهي ممَّا يشكرُ عليها. إلاَّ أنها ليسَ لها الوقع الذي غيرها من الأناشيد الوطنية. والسبب على ما أظنُّ كون شوقي بك شاعراً غير ملحِّن. وقد اقترحَ بعضهم في الجريدة منذُ ثلاثة أعوام وضع جائزة لمن ينظم أحسن نشيدٍ وطني. ولا أرى لذلك فائدة. إذ أَن النشيد الذي يجب أن يكون نشيد مصر الوطنيّ لا يكون الباعث عليهِ حبُّ المال. واليوم الذي تجتمع فيهِ الوطنية الحقة والشعر والموسيقي في قلب احد أبناء النيل هو اليوم الذي نسمع فيهِ نشيدنا المنتظر؟ اتبره - السودان عز الدين صالح

стр. 2102

في رياض الشعر البستاني الشاعر والبستاني الوزير بين الأستاذ عبد الله أفندي البستاني العالم اللغوي الشهير وسليمان أفندي البستاني ناظر. التجارة والزراعة صلة وداد متينة عدا ما بينهما من صلات القرابة والأدب. فلما ألقيت إلي البستاني الوزير مقاليد الوزارة , كتب إليه البستاني الشاعر بالقصيدة العصماء التي نحن ناشروها هنا. ثم دارت بينهما , على أثر ذلك , مراسلة نتوقع الفوز بها لننشرها في الزهور. أما الأستاذ عبد الله فأشهر من أن نعرفه إلى القراء وهو أستاذ معظم أدباء سوريا , وزعيم العلماء اللغويين فيها , وكبير الشعراء المجيدين في ربوعها. ولقد تلطف حضرته فوعد الزهور بأن ينشر فيها سلسلة مقالات لغوية انتقادية تكون تكملة لتلك المباحث اللغوية الشائقة التي كان ينشرها المرحوم اليازجي في الضياء. ولعلنا أن نبدأ بها منذ الجزء القادم. كتب إليه أوّلاً بالتاريخ الآني: لي مع سليمانَ قلب لا يُزايلُهُ ... خوفَ الرقيبِ ففيهِ كلُّ أسراري إن نابَني بعدَهُ شوقٌ يؤرّخُهُ ... فإِنَّني مستعيرٌ قلب خطّارِ ١٩١٣ ثمَّ كَتبَ إليهِ: تَرَحّلْ إلى مولاكَ يا قلبُ عَجلانا ... وأبقِ لصدري بعدَ بُعْدِكَ نيرانا كأنّكَ في دارِ الشقاءِ معذّبٌ ... تحنُّ إلى دار السعادةِ وَلْهانا فها أنتَ ذا يا قلبُ تهجرُ أضلُعاً ... عليكَ انحنتْ لا تبتغي منك هُجرانا وأنتَ الذي أدمنتَ إيقاظَ أعيُني ... وأسأمتَ نجمَ الليل تخفقُ يقظانا فكم سكِرتْ بالدمعِ إّ كنتَ خافقاً ... ولكن بصَهباءِ الهوى كنت سَكراناً ولولاك ما اسودَّت لياليَّ إنما ... سيُسفِرْنَ بيضاً , أن قفوتُكَ , غُرَّانا

стр. 2103

أتشكو عذاباً في الضلوعِ وأنتَ قد ... جعلتَ بحرّ النار صدريّ حَرَّانا جرى الدمعُ غازيّاً عليها زادَها ... سعيراً ولمَّا هجتَ خلتُكَ بركانا وساءكَ أن تنتابَها سِنةث الكَرى ... وسرَّكَ أن أرعى السوافرَ سَهرانا عهدتكَ ذا رفقٍ بها صائناً لَها ... فلاتكُ في عهدٍ لمولاكَ صوَّانا ألم يكُ إنساناً لها ابتهجت بهِ ... ولم تكُ تهوى غيرَهُ قَطُّ إنساناً أتتركه قَرْحَي ومولاك ناظِرٌ ... يعزُّ عليهِ أن تُقَرَّحَ أجفانا كمِ التمستْ منك الهُجُوعَ لأن ترى ... دموعاً بنحرِ الطيفِ تُعْقدُ مَرجانا فمِمَّنْ تعلّمتَ الجفاَء ولم تكُنْ ... ترى غيرَ مولاك الأنيسَ إلى الآنا تُنفّذ أمرَ الدهرِ فيَّ وما عنا ... أبيٌّ لذي حيفٍ لهُ أنقاد مِذعانا أما أنت تدري أنَّ مولاك مَوثلي ... إذا بان للعينيِ أو عنهما بانا وقامَ بنصري منذُ عهدِ صبائهِ ... وما خانَ عهدي قَطَ بل غيرُهُ خانا ولستُ أرَى غيرَ ابن عمّي أخي ولا ... أرى أبداً أبناء آدمَ إخوانا فما أكثرَ الإِخوانَ في مَذهب الهوى ... وليسوا إذا نالوا هوى النفسِ خُلاّنا ومَن عجمَ الأخلاقَ لم يكُ سائِلي ... على مَنْحِ قلبي لابن عمّيَ برهانا ولم يُلهِهِ عَنّي نعيمٌ غَنَا لَهُ ... وصَعْبُ شقاءِي إن فكرتُ بهِ هانا وهانَ عليهِ أن أحلّ بأرضهِ ... كما حلَّ إسرائيلُ في أرض كنعانا فموسى من المنّانِ قد نالَ منّه ... ولقياهُ مَنٌّ ما بهِ كان منّانا فيا قلبُ سرْ واسكنْ إليهِ فأنتَ ما ... فُطرتَ لترضى غَيره فيك سكّانا بحرمةِ أشواقي إليه توقَّ أن ... يرى فيك ناراً لوَّعتنيّ أزمانا فدّعها بصدري خوفَ لذعِ أناملٍ ... على الطرس قد خطَّت بياناً وتبيانا وإلاَّ فكن كالبدرِ بالشمسِ مزهراً ... وما فيهِ نارٌ بل بأنوارها ازدانا أحبُّ إليهِ أن براها كما رأى ... بحوريبَ موسى النارَ مرتفعاً شانا

стр. 2104

وإِياكَ ذِكرى لوعتي بفراقهِ ... مَخَافة أن تلقاه يلتاعُ أحزانا وناسمْهُ عني بالسلام يظنَّهُ ... إذا اشتمَّ ريّاه تجسّم ريحانا قيا قلبُ لم يقنَعُ برؤيةِ طيفهِ ... فقد شاقك الجثمان تخفق لهفانا فكن بارحاً مثواكَ مرتحلا إلى ... فروقَ وطب واشهد لمولاك جثمانا وفي كلِّ نادٍ بالجلالِ مؤرَّخٍ ... تجَلّدْ ولا تخفق بنادي سليمانا ١٩١٣ عبد الله البستاني المشيب يا شَيبُ عَجَّلتَ على لِمّتي ... ظُلماً فيا ابنَ النُّورِ ما أظلَمَكْ بدّلتَ بالكافورِ مسكي وَما ... أضواهُ في عيني وما اعتَمَكْ مَنْ يقبلُ الفاضحَ في سَاتِرٍ ... فهاتِ ليلايَ وخُذْ مريَمكْ غرَّكَ أنّ الشَّيبَ عند الورى ... يُكرَمُ , هل في الغيد من أكرَمَكْ نَفّرْتَ عني غانياتِ الطلي ... ويحك قد أسقيتَني عَلْقَمَكْ دعونَني الشيخَ وكنتْ الفتى ... أخَّرني الدَّهرُ الذي قدَّمكْ ونالَ من حولي ومن قوّتي ... جَورُ زمانٍ فيَّ قج حكَّمَكْ سرعانَ ما أذبلتَ من صبوتي ... بناركَ البيضا فما أضرَمَكْ وشدَّ ما لاقَتْ عيوني فلو ... ينطقُ لي جفنٌ إذّنْ كلَّمَكْ ورُبَّ لمياَء منيعِ اللّمى ... تقولُ ما أسقيهِ إلاّ فمَكْ تخاطِبُ البدرَ على تَمّهِ ... جلَّ الذي من غرَّني جسّمَكْ كنتُ مع العفّةِ أحيا بها ... وهل بلا ماءٍ يَعيشُ السَمَكْ فرَّنْ كمثلٍ الخشفِ مذعورةً ... لما رأت في مفرِقي مِخْذَمَكْ

стр. 2105

وصارتِ النظرةُ لي حسرَةً ... تقولُ للطرفِ أفضْ عَندَمكْ وما كفى يا شَيبُ حتى لقدْ ... فَضحتَ أسرارَ مِنِ اسْتكتمَكْ أيُّ خضابِ لم يكن ناصلاً ... عنكَ ولو بالليل قد عمَّمكْ فليتَ أيامَ شبابي التي ... أرقَتها غّدْراً أراقتْ دَمَكْ وأنتَ يا ظَبي النقا ما الذي ... أغراكَ بالهجرِ ومَنْ عَلَّمَكْ ما لبياضِ الرأس حكمٌ هنا ... لكن سوادُ الحظِ قد ألزّمكْ لو لم يُغِرْ هذا على لونِ ذا ... لم تجفُ ذا الشيخَ وما استخصمَكْ ما خلتُ أن ترضي بنقصِ الوفا ... واللهُ بالحسن لقد تمَّمَكْ يا ربِّ ما طالَ زمانُ الصبّى ... كأنهُ طيفٌ سرى وانْهمَكْ وهكذا الأيّامُ تطوى بنا ... سُبحانَك اللهمّ ما أعظمَكْ رضيتُ يا ربي بما ترتضي ... فلا تخيّبْ مُذْنباً يمَّمَكْ وأنتَ يا شيبيَ خُذْ بي إلى التق ... وى عسى الرحمنُ أن يرَحَمكْ عبد الحميد الرافعي هل أنت في مصر إذا كنتَ في مصرٍ ولم تكُ ساكناً ... على نيِلِها الجاري فما أنتَ في مصرِ وإن كنتَ في مصرٍ بشاطئِ نيلها ... وما لكَ من شيءٍ فما أنتَ في مصرِ وإن كنتَ ذا شيءٍ ولم تك صاحباً ... لإِلفٍ له لطفٌ فما أنتَ مصرِ وإن كنتَ ذا إلفٍ ولم تكُ مالكاً ... لكيسٍ حوي ألفاً فما أنتَ في مصرِ وإن حزتَ ما قُلنا ولم تكُ هائماً ... بمَيلٍ لمن تهوى فما أنتَ في مصرِ

стр. 2106

في قينة تُنشد يا مَن بكى الرَّبعَ أفنى في معَاهِدِهِ ... شبابَهُ وبَكى الأيَّام والسَّكنَا تعالَ أُسْمِعكَ شَدْواً يستعيدُ بهِ ... فؤَادُك الرَّبعَ والأحبابَ والزمنا خليل مطران أنتِ والدَّهرُ أسيدتي. لا الدَّهرُ يُسعِفُ مطلبي ... ولا أنتِ إنّي حِرْتُ بينكما جدّاً إذا رُمتُ شيئاً جِئتماني بِضِدِّهِ ... لقد صِرْتِ لي ضِدّاً وقد صارلي ضدَّا سألتُكِ ودّاً فاسْتطبتِ لي الجفا ... وأمَّلْتُ قرباً فارتضى الدَّهرُ لي البعدا تشابهتما جَورْاً وغدراً وقوَّةً ... فصيّرتهِ ندّاً ولم تقبلي ندَّا فلا تحرماني لذّةً من تألّمٍ ... ولا تسلباني الوجدَ لن أسلوَ الوجدا خذا جسدي والروحَ فاقتسماهما ... ولكن دعا لي وحدَه ذلك الكبدا حفظتُ بهِ عهداً وأخشى ضياعَهُ ... وغني لأُبقي الكبد كي أُبقيَ العهدا ولي الدين يكن يا آسيَ الحيّ يا آسيَ الحيّ هلْ فَتّشتَ في كبدِي ... وهلْ تبيّنتَ داءً في زواياها أوَّاهُ من حُرُقٍ أودتْ بعظَمِها ... ولم تَزَلْ تتمشّى في بقاياها يا شوقُ رِفقً بأضلاعٍ عصفتَ بها ... فالقلبُ يخفُقُ ذُعراً في حناياها إسماعيل صبري

стр. 2107

اللينوتيب العربية اللينوتيب آلة جديدة لجمع حروف الطباعة سطوراً كاملة لم يتوفق اللّغويّون حتى الساعة لتعريب اسمها. وصفوة ما توصف بهِ إنها آلة مؤلفة من جملة قطع تدار بقوة الكهرباء ويستخدمها عامل واحد , يجلس تلقاءها على كرسيّه. ويضغط على أزرار مبسوطة أمامهُ , كتِب على كل زرٍّ حرف. من حروف الهجاء على مثال الآلة الكاتبة ومتى ضغط على الزر سقطت أمامهُ قطعة نحاسية محفور عليها الحرف المطلوب في مصّفٍ خاص وهكذا حتى يتم جمع سطر كامل , فيقراه ويصحح ما يكون قد وقع فيهِ من الخطأ برفع الأحرف المغلوطة , ويضبطهُ بوضع الأسداس وغيرها من أصول صناعة التنضيد. ثم يدير لولباً آخر فينزل على السطر المحفور المصفوف صفّاً أفقيّاً جزء من الرصاص المصهور لا يلبث أن يجمد ويتحول إلى سطر من أحرف مجموعة جمعاً لا شائبة فيهِ إلا الخطأ الذي قل أن يسلم منهُ منضدُ. ويتم الجمع والسبك بهذه الطريقة في مدة لا تتجاوز ثلث المدة اللازمة للجمع باليد. وإن كان في الجمع باللينوتيب عيب واحد هو عيب التصحيح فإنه إذا وقع خطأ في حرف واحد في السطر وجب تغيير السطر بأكمله. وقد انتشرت اللينوتيب في مشارق الأرض ومغاربها من باكين إلى طنجة. وتنضد بها الحروف في جرائد فرنسا اليومية عدا ستاً , منها الجريدة الرسمية.

стр. 2108

وكان الكثيرون من أهل الصناعة أنه يصعب إيجاد لينوتيب عربية. ولكن بعض المتفننين من عمال المطابع ذلل هذه الصعوبة. وسبق الكاتب الفاضل نعوم أفندي المكرزل , صاحب جريدة الهدى العربية التي تصدر في نيويرك , غيره من أصحاب الصحف العربية في استخدام اللينوتيب لصف حروف جريدته. وأقام يوم بدأ بالعمل بها - وكان ذلك منذ سنتين ونصف على ما أذكر - احتفالاً شائقاً حضرهُ جمهور كبير من رجال الأقلام والمشتغلين بالصحف من سوريين وأمريكيين وتأتينا جريدتهُ يومياً في ثماني صحف كبيرة مصورة لا تنقص ترتيباً ودقة في صناعتها عن صحف أميريكا اليومية. ولا شك في أن الفضل في بلوغ هذه الصحيفة مبلغها من الترقي عائد إلى البيئة التي تصدر فيها وإلى ما هو معروف عن صاحبها من المقدرة في صناعتهِ. وكان ينتظر أن يعم استعمال اللينوتيب مطابع الصحف اليومية في الآستانة لأسباب عدة منها وفرة عدد ما يطبع من كل واحدة من هذه الصحف , ومهارة صفافي الحروف الأتراك وجمال خط كتابهم , وتعويلهم قسمين إذا دعت الحالة إلى ذلك فلا يحتاجون إلى مراجعة السطور وزيادة عدد الأسداس بين الكلمات كما يعمل صفافو الأحرف العربية لإيقاع نهاية الكلمة في آخر السطر. وقد سألتُ أحد أدباء الأتراك عن سبب امتناع الصحف التركية الكبرى عن استخدام اللينوتيب فما أحار جواباً.

стр. 2109

وكذلك لم تستخدم اللينوتيب في مطابع القاهرة وبيروت , وهما مركزا النهضة الأدبية العربية , ويوجد في كل منهما دور للطباعة لا تنقص أهمية عن دور الطباعة الكبرى في لندن وبرلين وباريس. بل سبقنا أخواننا المراكشيون في طبع مطبوعاتهم الرسمية والشبيهة لها باللينوتيب. فقد نشرت مجلة في عددها الصادر في شهر نوفمبر الماضي رسالة وردت إليها من مكاتبها في طنجة يؤخذ منها أنهُ أنشئت في رباط الفتح وفي الدار البيضاء مطبعتان كبيرتان جهّزتا بعدد من اللينوتيبات - على حد قولك أسطرلابات - من بينها لينوتيب عربية وضعت في مطبعة رباط وتصف بها الآن أحرف الجريدة الرسمية لحكومة المغرب الأقصى وجريدة السعادة الشبيهة بالرسمية. وزينت المجلة رسالة المغربية. وجريدة السعادة المشار إليها جريدة نصف أسبوعية يحررها الأديب اللبناني وديع أفندي كرم. وقد عرفتهُ قبل ذهابه إلى المغرب الأقصى إِذ كان يشتغل في الجرائد اليومية بالقاهرة. وقد مرَّ بنا منذ خمس سنوات قاصداً لبنان فجرى بيني وبينه حديث عن جريدته وإقبال المغاربة على مطالعتها فقال لي: إِن القوم هناك يعتقدون أن الصحف بدعة يحرّمها الدين. ولم نتمكن من إِقناعهم بخطأِهم إِلاَّ بأن أتينا بشيخين من علمائهم وأجلسناهما في مكتب التحرير كما توضع التماثيل في مخازن تجار الملابس , وأبحنا زيارتنا لكل قاصد من الأُدباء وأهل الفضل. وكلما وفد علينا واحد منهم نشير إلى شيخ من الشيخين فيبدأ في شرح الصحافة وفوائدها وعدم

стр. 2110

مخالفتها للدين. ولكن هذه العملية لم تكن لتقنع الكثيرين بأن الدين لا يحرّم مطالعة صحف الأخبار!! فذكَّرتني هذه المحادثة بما جرى بيني وبين الشيخ الكتاني , وهو أحد أئمة الدين في المغرب الأقصى. وكان قد حضر إلى القاهرة في أواخر سنة ١٩٠٣ وأقام بيننا أسبوعين ترددت عليهِ خلالها غير مرَّة. وتحادثنا في عدة شؤون خاصة وعامة. فأتى يوماً ذكر الوراقة والطباعة فقال الأُستاذ ﵁: أنا لا أحب السير في أسواق الورَّاقين. قلت ولم يا مولاي؟ قال: لأنهم يبيعون فيها الورق الأبيض وربما أُخذ شيءٍ منه وكتب عليهِ ما يخالف القرآن. ولا شبهة في أنهُ عند انتشار اللينوتيب في المغرب الأقصى تبدد بقوَّة مطبوعاتها أوهام الشيخ الكتاني وأمثاله وتجدد فرنسا بقوَّة الكهرباء ما درستهُ أيدي الظلم من علوم المغرب وآداب أهله الزاهرة. ومن المصادافات الغربية أنهُ في الشهر الذي طبعت فيهِ الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية باللينوتيب وزَّع بعضُهم رسالة مصُورّة على أصحاب المطابع والمشتغلين بالصحف في القاهرة والاسكندرية قال فيها إِنه أنشأ في العاصمة مستودعاً كبيراً للينوتيب العربية. وقد طبعت هذه الرسالة طبعاً متقناً على اللينوتيب. وضمنها ناشرها بحثاً فنيّاً في فضل صف الأحرف باللينوتيب على تنضيدها باليد. ثم أخذ تدحض براهين القائلين بصعوبة تصحيح أحرف اللينوتيب. ومما جاءَ في

стр. 2111

هذه الرسالة أن استعمال اللينوتيب ينشأ عنا أمور ثلاثة وهي: زيادة كمية العمل , وتقليل النفقات , وفتح أبواب جديدة للرزق. ولا يقتصر النفع على إتمام الجمع بسرعة بحروف نظيفة جديدة على الدوام بل أن ترتيب الصحائف يوفر وقتاً كبيراً بدون خوف من وقوع الخطأ. وليس هذا فقط بل إِنَّ بعضهم أنشأ في القاهرة مدرسة خاصة يديرها مهندس ميكانيكي اختصاصي باللينوتيب. ولكل من يشتري واحدة أو أكثر من عدد اللينوتيب أن يدخل من أراد في تلك المدرسة ليتعلم إدارة اللينوتيب بالمجان. ولكن هذه البيانات والتسهيلات لم تقنع أصحاب المطابع العربية وتدعوهم إلى صفّ أبطال الحروف باليد والاستعاضة عنها باللينوتيب. ولهم في ذلك حجج بعضها مالي وبعضها صناعي. وليس هنا مجال تأييد أحد الرأيين أو تفنيده. وكل ما أرجوه أن يتوفق كتابنا إلى تحسين خطَّهم ويمتنعوا عن التغير والتبديل في المسودّات. وحينذاك لا يكون هناك حائل يحول دون استخدام اللينوتيب بشرط أن يزداد عدد ما يطبع سواء من الكتب والمجلات والجرائد فيقوم بنفقات هذه الآلة المدهشة وأجور العاملين فيها وما يلزمها من كهرباء ورصاص ثمَّ أن لا ينسى من يؤَرخ الصحافة العربية والطباعة أن الفضل في تعميم اللينوتيب عائد كغيره من محسنات الطبع إلى الغرب ومخترعيهِ. القاهرة توفيق حبيب

стр. 2112

أفضل الوسائل لإنهاض السلطنة خطرِ لنا عند الفراغ من تأليفِ هذا الكتاب , أن نستطلع آراء نخبة من أكابر العلماء وفحول الكتّاب , عن أفضل وسيلة تنهضُ بالسلطنة بعد كبوتها , وتزيدُ في يقظةِ الأمّة بعد غفوتها؛ فسألنا من أسعدنا الحظ بالوصول إليه , قُبَيل صدورِ هذا المؤلف , أن يصوغ لنا فكرتهُ الأساسية في أسطر قليلة فتكرَّموا بتلبية الطلب , أدامهم الله زهراً نضيراً في بستان العلم والأدب. وإليك آراءَهم مرتبة حسب تواريه ورودها: قال سعادة فتحي باشا زغلول: أقرئك السلام وبعد فسؤلك همُّ ومطلبك أهمّ الدولة العليّةُ , رعاك الله , مجموعٌ يحتاج في سياستهِ وإنهاضهِ إلى حكمةٍ عاليةٍ وبصرٍ بالأمور كبير. فإذا غلبَ الرأيُ الهوى , وبطلَ التفاضلُ بين العناصر , وأقيم وزن العدل , وتساوى الناس جميعاً في الحقوق وفي الواجبات: وإذا خلصت نيَّات أهل الزعامة , وصدقت عزائم ذوي الرئاسة , ففضَّلوا مصالحَ الأمة على المنافع الفردية , وجدَّ الكلُّ في طلب الإصلاح فنشروا التعليمَ , وعنوا بالأمور الاقتصادية فاستبقوا لأنفسهم مرافقَ البلاد وكنوزها , وذلَّلوا السبُلَ وأَمَّنوا السابلة , وقرَّبوا المسافات ثم ازدرعوا واحترفوا واتجروا فأحرفوا؛ وإذا احكموا نزانَ الجندِ وهذَّبوه لا

стр. 2113

شك أنَّ الدولةَ ناهضةٌ من سقطتها , وأنّ الأمّةَ ناشطةٌ من عقالها , وأنها نائلةٌ من الحضارة والمناعة مكانا عليّا. وقال الدكتور فارس أفندي نمر: حضرة الفاضل؛ إن كان المقصودُ من السلطنة في سؤالكم الحكومة والأُمَّةُ في حالتهما الحاضرة أي الدستورية فوسائط إِنهاضها متعدّدةٌ: منها ماديٌّ ومنها أدبي. ولكل واسطةٍ منها قوَّة لا يُستغني عنها وخصوصاً وسائط العلم والمال. على أنَّ في الحكومة وفي الأُمةِ رجالاً م ذوي العلم وذوي المال فلا يعوزهم إِدراكٌ ولا يسار؛ ولكن الذي ينقصُنا هو تربيةُ الحكومة على الأخلاق القويمة والصفاتِ المنظَّمة والمرقّيةِ لشؤون الهيئة الاجتماعية حتى نستطيع الاتحادَ والتعاونَ على تدبير أمورنا وإنجاح أعمالِنا , ونحنُ جماعات , كما يستطيع كثيرون منا اليوم تدبير أمورهم وإنجاح أعمالهم , وهم أفراد. وقال الدكتور شبلي شميل: الدولة لا تنهض إِلاَّ بثلاثة: رجالٌ ومالٌ ووقتٌ؛ والرجالُ بالعلم والتربية , والمال بالموارد. فهل ذلك متوفرو ولاسيما الوقتَ وحالنا في الاجتماعِ كما هي من قلَّةِ التكافؤ مع ما هو عليهِ اليوم من شدَّةِ التنازع؟ والجواب على ذلك يدل على المصير.

стр. 2114

وقال السيد رشيد رضا: الدولة كائن حي يحفظ وجودُها بالسنّة التي تُحفظ بها حياة سائر الأحياء: وهي سلامةُ مزاجها في نفسها ووقايتهُ مما يعدو عليهِ من الخارج فأمَّا سلامةُ مزاجِ دولتنا العثمانية في نفسها ووقايتهُ مما يعدو عليهِ من الخارج. فأمَّا سلامةُ مزاجِ دولتنا العثمانية في نفسهِ فإِنما يكون بإقامةِ الشرعِ العادل في القضيةِ , والمساواةِ في الحقوق بين الرعية , وبناءِ إِدارة المملكة على أساسِ اللمركزية , وجعِ السلطة العليا شقَّ إلا بلمة بين العنصرَين اللَّذين يتكوَّن منهما الماء والهواء. وأما وقايتُها مما يعدو عليها من الخارج فهو الآن منوطٌ بدلوِ أوربةَ الكبرى فهنّ أصحابُ المطامع فيها ومطامعهُنَّ متعارضة. وما دامت كذلك كانت الدولة آمنةً على نفسها من اقتسامهنّ إياها بالقوَّة؛ فيجب أن نتقي استيلاءَهنَّ على البلادِ بقوّة المال والسياسةِ أي بالفتح السلمي , وأن نقوّي مزاج الأُميّةِ بالمالِ والعلم وإعدادِها للدفاع عن نفسها. فإذا هي فرَّطت في مرافقها وأملاكها فباعتها للأُوربْيّينَ وبقيت على تبذيرها وتوهمّها إنها تستطيع أن تحمي نفسَها منهنَّ بقوَّتي الدول: البرية والبحرية الرسميتينِ , ولم تجعل كلَّ أعمادِها على الأُمة , فالخطرُ عليها من الفتح السلمي أقربُ وأقَوى من خطرِ الفتح الحربي. وقال داود أفندي بركات: رأيي في إصلاحِ السلطنة العثمانية أن تُقسَم مناطقَ , وأن تكونَ كل منطقة مؤلفةً من العناصر المتفقة في التقاليد والعادات واللغةِ ,

стр. 2115

فتُعطى الاستقلالَ الإداريَّ تبتُّ من أموره كلّ مالا يتناول منطقةً أخرى أو أكثرَ من منطقة. ويُعيّنَ لكل منطقة مندوبٌ سامٍ يعاونهُ مجلس إدارة يؤلف من النّيين في الأمور الماليَّة والإداريةِ والقضائيةِ والعسكرية , ويؤخذ للمركز العام جزءٌ معينٌ من دخل كل منطقةٍ , وتُلغى الضرائب العشرية , وتقرَّر ضرائبُ ثابتة معينة على الأملاك , وتوضع قوانين للشركات على اختلاف أنواعها , ويوحّدَ القضاءُ فلا يكون من اختصاص رجالِ الدين إلاَّ الأمورُ الشخصيّة. فتكون الدولة مؤلفة من ولايات متحدة أو مناطق متحدة. ذلك رأيي في إنهاض السلطنة بسرعة. وقال جرجي بك زيدان: العلَّة الحقيقيةُ في حالة الدولة العثمانية اليوم فَقرُ المملكة واضطرابُ الحكومة. والحكومة الدستورية في أيدي الأمة والأمة العثمانية ضعيفة الأخلاق , عريقةٌ في الانقسام بسبب ما توالى عليها من أعصرِ الفساد. أما المملكة ونعني الولاياتِ الباقيةَ منها في آسيا فليس فقرُها أصليّاً فيها؛ وكل ولاية منها كانت في بعض الأزمان مملكة قائمة بنفسها: فالعراقُ كانت وحدَها مملكة البابليّين والآشوريين وبها اعتزّ العباسيّون في إبَّان دولتهم وكانت جبايتها ثلثَ جباية مملكتهم الواسعة الممتدّة من حدود الهند إلى شواطئ الاتلاتنيكي. وسوريا كانت مؤلفةً من عدَّة دُول ثم

стр. 2116

اعتزَّ بها السلوقيّون أجيالاً؛ وكذلك آسيا الصغرى وظلّت مدة هي أعظم اركان الدولة العثمانية. فهذه الولاياتُ إذا أُحسنت سياستُها وإدارتها صارت غنية. وهذا لا يتمُّ والأمة تقدَّم. فالوسيلة المثلى للنهوض بالدولةِ العثمانيةِ إنما هي ترقية الشعب وهو لا يقدرُ أن يرقّي نفسهُ رغم استعدادهِ الطبيعي للرقي. وقد يقوم بذلك حاكم عادل عاقل؟ إنما يشترط أن يكون مستبدّاً وهذا لا يتيسّر والحكومة دستورية. فلا بدَّ من الاستعانة بالأجانب. وأسلمُ الطرُق أن تتحالف الدولة العثمانية مع دولة تثِقُ بصداقتها فتستعين برجالها على إصلاح حكومتها وترقية شعبها وصيانتها من مطامع الدول الأخرى بشرط أن لا يكون لهذه الدولة مطمع في الاستعمار. فإذا وُفّفت إلى ذلك في أثناء أربعين سنة نهضت واسترجعت رونقها. وقال سامي أفندي قصيري لما كانت الدّولة العثمانيةُ فيما مضى دولةً استبداديةً قائمةً على حكومة الفرد كانت تقوى بقوّة ذلك الفرد , وتضعف بضعفهِ , وتسعدُ بسعدهِ , وتشقى بشقائهِ. أما الآن وقد أُعلن فيها الحكمُ الدستوري مراعاةً لأحوال الزمان والمكان , وتبدَّلت حكومة الفرد بحكومة الأمة , فصلاحُ الحكومةِ قائمٌ بصلاح الأمَّة. ولا يكون ذلك في رأيي إلاَّ بنشرِ التعليم الحرّ بين طبقاتها , والفصل بين دُنياها ودينها , والتأليفِ بين عناصرِها وطوائفها حتى تُصبحَ جميعها كتلةَ واحدةً يحرِّكُها من أعلاها إلى أسفلِها عاملٌ

стр. 2117

واحدٌ هو عاملُ الوطنيةِ , وتجمعُها من أقصاها إلى أدناها جامعةٌ واحدةً هي الجامعة العثمانية. وقال اسكندر بك عمون أصلَحُ نظامٍ للدولة , على ما بين العناصرِ والولاياتِ العثمانيّة من التبايُن في الحاجاتِ والأخلاق والعاداتِ والتقاليدِ , وعلى ما بينَ أهليها من التفاوُتِ في الحضارة , أن تُجعَلَ ممالكَ أو ولاياتٍ مستقلّةً في جميع شؤونها الخاصةِ استقلالاً تامّاً حتى في قوانينها وفي شكل حكومتها مع ارتباطها جميعاً في الشؤونِ العموميّةِ على نحو نظامِ الولايات المتَّحدةِ الأميركانية , أو الممالكِ الجرمانية , فتُسمَّى حينئذٍ الولاياتِ أو الممالكَ العثمانيَّةَ المتحدة. ولهذا النظام مزيّةٌ على كل نظامٍ آخر وهي: أنهُ النظامُ الوحيدُ الذي يمكنهُ أن يجمع بين الولاياتِ والإِماراتِ العربيَّةِ في جزيرة العربِِ وسائر الولايات الأخرى الممتازة وغير الممتازة. وقال أمين أفندي البستاني سألتني رأييَ في الدولةِ ومصيرها: جازَ بالدولة في هذا العام عبرةٌ كبرى إذا لم تعتبر بها نالها ما هو شرٌّ منها. وللدولةِ الآن بقيَّةُ مُلْكِ هو أبعدُ مدى , وامنعُ حمىً , وأطيبُ بقعةً من جلِّ الممالك الأُوربيةِ. فهل لها أن تعدِلَ الباقي من هذا المُلْكِ وتمنَعهُ حادثات الدهر؟ الله أعلم

стр. 2118

على أنَّ الدولةَ لا تجهلُ أشراطَ المُلْكِ على المالكِ وما هو مُبقٍ لهُ , وما هو ذاهبٌ بهِ حتى لقد أصبحت الدلالةُ على وجوهِ الإِصلاحِ المنشودِ من مبتذَلاتِ الكلامِ , وملوكاتِ الأفواه والأقلام. فهلْ للدولةِ أن تعملَ بما علَّمها الدهرُ على حين لم يبقَ لها من ناصرٍ إِلاّ ما تسعى إليهِ من ترميم هذا المُلكِ العزيز؟ وإِلاّ فقد قضى الله بما لا دافع له ولا مانعَ منهُ , وحسبُكم الإِشارة يا ألبَّاء هذه الدولة. فاعدلوا بين ضروبِ الرعيَّةِ لأنَّ دولتَكم مستمدَّةٌ من جملتها لا من أبعاضِها , وقدّموا الكفؤَ على غيره مهما كانت نبعتُهُ ومنبتُ أسلتهِ , واستعملوا الأجنبيَّ في تدبيرِهِ , واسلكوا القصدَ في عملكم من غير سرفٍ ولا تفريطِ , وخذوا بالجديد الصالحِ , واخلعوا القديمَ المبتذلَ ثم أعدّوا للمُلْكِ عدّتَهُ من رجالٍ ومال؛ والله الواقي في هذا الباقي. وكتب إليَّ عالمٌ كبيرٌ لم يشأ أن يُنْشَر اسمهُ قال: إِن الأمر عويصٌ جدّاً لأن في السلطنة فواعل كثيرة متناقضةً بعضها خفي , ولقد سمعتُ مرَّة المرحوم نوبار باشا رئيس الوزارة المصرية الأسبق يقول: إِن لو رد دربي ألقى عليهِ سؤالاً مثل سؤالك وطلب منه أن يرتاءي رأياً , أو يضعَ مشروعاً نافعاً للسلطنة العثمانية؛ قال نوبار: فأخذتُ القلم وكتبتُ أن يُنشأَ في السلطنة محكمةٌ مختلطةٌ مستقلَّةٌ تُرفعُ إليها الشكاوي من المأمورين فتحاكمهم وتنفّذَ الحكومة ما تحكم بهِ عليهم فما أدقَّ هذا الانتقادَ , وما أرقَّ هذا التهكُّم!. . .

стр. 2119

الممرضة وضع حضرة الدكتور سروبيان طبيب مستشفى لادي كرومر وملجأ الأطفال كتباً في علم الصحة وقدمها إلى نظارة المعارف العمومية لتعليمها في مدارسها , وقد تناول فيها ما ينبغي على الطلبة معرفته في هذا الفن فكتبه بعبارة واضحة وزين الكتب بالصور والرسوم. فجاء عمله متمماً وافياً بالغرض منه. وقد نقلنا من أحد الفصول الكلمة التالي , في وصف الممرضة. قال: قد يُصابُ عزيزٌ لنا بمرض عُضال فيكون على المرأة وحدَها أن تمرَضهُ وتعتني بهِ. أوَ ليستَ الرشاقة والرقَّة والحنان من الصفات التي تغلب في النساءِ ويقتضيها فنُّ التمريض؟ غير أن هذه المزايا الجميلة لا تكفي وحدَها بل يجب أن تقترنَ بالخبرة والمعرفة , وترافقها على الخصوص زلاقةٌ في العمل والحديث. ولئن كن العطفُ شرطاً في معاملة المرضى , فإن اللطف من مستلزمات هذا الفنّ الدقيق. لطفٌ في العمل , وعذوبة في اللسان؛ كلاهما لا غنِى عنهُ: أيتها الممّرضة , ما للمريض غنِى عن عذوبتكِ. كلميهِ بوادعةٍ كما تكلّمين الطفل الصغير. وليكن ملءَ صوتك دِعةٌ ورزانةٌ , وعلى شفتَيكِ شبهُ ابتسام. ما للمريض غنى عن لطفكِ ورفقكِ. لِتَمَسَّهُ يدكِ مسّاً لا تقسُ عليهِ قساوة. لَمْسٌ دون لَهوجةٍ , ورشاقة دون تسرُّعٍ , ولطفٌ دون برودةٍ!! لا تغضبي ولا تنفري. قد تسمعين منهُ سوءاً , وقد تُلاَقين فظاظةً؛ فلا تُسئِكِ إِساءتهُ , ولا تَرُعكِ فِظاظتهُ؛ وقد ينفرُ منكِ , ويتطلَّبُ بديلاً

стр. 2120

عنكِ فلا تنفري منهُ ولا تقابليهِ بغير التسامح واللين. لا تثقل عليكِ شكواهُ وكثرةُ مشتهياتهِ , فإن الممرّضة المخلصةَ تجدُ دائماً وسائلَ لتعزية المريض وتلطيف همومه. نفسُها الفاضلة توحي لها , وقلبُها الشفوق يملي عليها. هي مرآة مريضها. يرى في وجهها صورة ما يحسُّ بهِ في نفسهِ , ويُبَصر في عينيها سيماءَ ما في فؤاده. تشكو لشكواه وترضي لرضاه. فإِن حدَّثها عن نفسهِ أصغتْ إليه واعيةً أمرَهُ متهمَّةً لشؤونهِ؛ الهدوء في حركاتها , والرَّزانة في سكناتها. وأمَّا الإِخلاص والحنان فملءُ عملها الشريف. هذه هي الممرضة وتلك هي صفاتها الجميلة ومزاياها الغرَّاء! ومن جملة واجبات الممرّضة أن توصدَ باب مريضها دون عائديهِ , ولاسيَّما متى كان داؤهُ عُضالاً , وحالهُ خطرة. فيُستقبل العائدون في حجرة أُخرى. وحينئذٍ فإن السكينةَ لابدَّ منها لأن المريض لا يقوى على تحمُّلِ الجلبة. وإِذا أَعضل الداءُ وأَشفى المريض فمن المحتَّم على أهلهِ وممرّضيهِ أن يتحاشوا قدَّامهُ كلَّ علامات القلق والخوف فلا يقرأ على وجوههم نبأ انقطاع الرَّجاء , ويرى في عيونهم نذيرَ الشرّ ودُنوّ الأجل. لأن المريض , في تلك الحال , كثيرُ الشكوك , كثيرُ المخاوف؛ يحاول أن يسترقَ نظرة يفهم منها حقيقة أمرِه , أو يختلسُ إِشارة يعلمُ بها ما يخفي عليهِ من حالهِ الصائر إليها.

стр. 2121

إِنَّ أفضلَ ما يؤَاسي به مريضٌ على شفا الموت اعتقادٌ مستمرٌّ في نفسه بزوال الداءِ وقرب الشفاء. وقال من جملة كلام عن العناية بالطفل: أما في البيت فلا يُترك الطفل طول يومهِ في مهدهِ , بل يُحمل من ينٍ على حينٍ على الذراع ويُتَمَشَّى به. ومتى بلغ الشهر السادس أو السابع من عمره يوضع كلَّ يومٍ , مدَّة من الزمن , على حصيرٍ أو سجَّادةٍ أو بساطٍ حيث يمكنهُ أن يلهوَ ويلعبَ. فتتقوَّى كُلاَه , وتشتدُّ رجلاهُ , وهو يحاول القعود وحده , ثمَّ الانتقال من مكانه فيحبو , ثمَّ يدبُّ مستنداً إلى يديه ورُكبتيه. ثم يحاول بعد مدةٍ أن ينهض منتصباً فيستعين بالكراسي أو بما يلاقيهِ قدَّامهُ , فيتعلَّم بذلك الوقوف على قدميهِ. ثمَّ يأخذ بأن يباعد بين ركبتيه , ويخطو خطواتهِ الأولى ممسكاً بالمقاعدِ؛ ومتى أَنِسَ من نفسهِ القوَّة الكافية يترك كلَّ مسند ويمشي وحده.

стр. 2122

والصغيرُ الذي يتعلم المشيَ على هذه الصورة ينشأُ ثابتَ القدمينِ مستقيم الفخذين. أما محاولة تمشية الطفل قبل الأوان فلا تفيد شيئاً بل قد تعودُ عليه بالضرر. فإذا أُرغمَ على الوقوف على رجليه مثلاً قبل أن تقويا على حملِ جسمه , تقوَّست رجلاه ونشأ مشوَّهاً لأن عظمهُ لم يكن قد تصلَّبَ بعد. الدكتور سرو بيان العذول والخيال أبيات تُغني في بَشرَف عاذلي في هَوى الحبيبْ ... جاَءني في دُجَى الظّلامْ قُلتُ فرَّقتَ يا رقيبْ ... بين جفنَيَّ والمَنَامْ حسبُك السعيُ في النّهارْ ... بينَ خلٍّ وخلِّهِ ساهدٌ فاقِدُ القرارْ ... أعفُ عنهُ وخلّهِ قال يا عاشِقَ الجمالْ ... إنما العاذِلُ الغيورْ كيفَ تخلو مع الخيالْ ... في خفاءٍ ولا أزورْ خليل مطران

стр. 2123

في أي شهر وُلدت ؟ كنا قد نشرنا في بعض أجزاء الزهور على سبيل الفكاهة شيئاً مما توصل إليه المغرمون بدرس طوالع الناس من تأثير الشهور والأيام في أخلاق المواليد. وقرأنا في جريدة الشعب اللبنانية خلاصة لتلك الملاحظات مترجمة عن كتاب شيرو فرأينا أن ننشرها في مطلع العام الجديد. إن الذين يولدون في شهر يناير كانون الثاني يُولدون أصحابَ أفكارٍ واسعة وعقولٍ راجحة وصبرِ وثبات أمام المصائب وميلٍ للاشتغال بما هو مفيدٌ للبشر. ولهم افتتانٌ في الحبّ والواجب العمومي , ولهذا كثيراً ما ينظُر أصحابهم وخلاَّنهم إلى أعمالهم بعين الاستغراب. وأخلاق مواليد شهر فبراير شباط قريبةٌ من أخلاق مواليد شهر يناير المذكور. ولكن مولود فبراير يمتازُ عن مولود شهر يناير بنجاحهِ في أعمالهِ وبإفادتهِ الغير أكثر ممَّا يُفيد نفسهُ وبطول قامتهِ ومزاجهِ الحادّ وسرعة تأثُّرهِ لأقلّ الأمور. ومواليد شهر مارس آذار يتطلعون إلى الغد بتشوَّق , لا لأجل شيء غير معرفتهم كيفية مركزهم , وماذا يُضم رلهم المستقبل في الغد. وقد لاحظ شيرو أنَّ أفكارهم هذه ناتجةٌ بالأكثر عن التشوُّق ليعرفوا أرؤساءَ سيكونو في المستقبل أم مرؤوسين. وأكثر أصحاب الفنون من موسيقيين وشعراء وعلماء وُلدوا في مارس , ولكن هؤلاء في الغالب يفتقرون للتشجيع قليلاً. وأما مواليد شهر ابريل ونيسان فهم متصلبو الرأي , ذوو إِرادةٍ قوّية عشَّاق للحروب والمخاصمات , ويمتازون على غيرهم بمقدرتهم على حسن إِدارة الأعمال , ولكنهم في الغالب يكونون محرومين من

стр. 2124

السعادة في الزواج وبالنادر يتزوَّجون بمن يحبون. ومواليد شهر مايو أيار من خصائص طباعهم وأخلاقهم الإِخلاص والمودَّة. فهم إذا أحبوا يُحبُّون. وإِذا جاهروا بالعداوة يُقاتلون أعداءَهم بصلابةٍ حتى الموت , ولا يتكتَّمُون في المقاتلة , لأنهم يُبغضُون الخداعَ والمداهنة والغشَّ. وقد لاحظ شيرو أنَّ مولود مايو لا يتزوَّج باكراً وإِذا كان خلاف ذلك فإِنما يكون نادراً وشاذّاً. وأمّا مواليد شهر يونيو حزيران فمتقلّبون لا يستقرُّون على حالٍ تتناوب نشاطهم الحرارة والبرودة في وقتٍ واحد. ومن ميولهم الولَع بالتمثيل والمحاماة والخطابة. وأشهرُ الخطباءِ والمحامين والممثلين وُلدوا في يونيو. ولو كان مواليد هذا الشهر ممن يخصّصون أنفسهم بشيءٍ لبرَّزوا في أي حلبة اطَّلبوها في هذه الحياة. ومواليد شهر يوليو تموز ميَّالون إلى الأسفار , ولهم ولعٌ بالمقامرة والربح السريع , لكنهم متقلّبون أيضاً كمواليد شهر يونيو وقلَّما يشرعون في عمل ويُتمّونهُ. ومواليد شهر أغسطس آب غالباً ما يكونون من عُشَّاق الثوب العسكري وقيادة الجيوش والاشتغال بالأمور العمومية , ومن صفاتهم عزَّة النفس والحرّية الفكرية والاستقامة ورقَّة الشعور والسماح , وكثيراً ما خُدِعَ مواليد أغسطس بأمورٍ مهمَّةٍ , وانقلبَ سماحهم إلى قسوةِ قلبٍ شديدة بغَّضتهم إلى الناس.

стр. 2125

وأما مواليد شهر سبتمبر أيلول فقد اشتهروا بالانتقاد العلمي وسرعة الخاطر وذرابة اللسان وقوَّة الذاكرة وإِدراك خطأِ الغير لأوَّل لمحة؛ ولكنهم قبل كل شيء يصرفون جلَّ اهتمامهم إلى أُمورهم الخصوصية. وفي شهر أكتوبر تشرين الأول وُلد أشهرُ المقامرين وأكثر المبذّرين الذين لا يكترثون كثيراً للمال. وقد لاحظ شيرو إن أكثر مواليد هذا الشهر يميلون إلى درس الحقوق ويشتهرون في المحاماة والقضاء والفقه؛ وأما في زواجهم فنادراً ما يكونون سعداء لأنهم يُعظّمون أٌلّ الأمور ويهتمون لها اهتماماً شديداً. وأما مواليد شهر نوفمبر تشرين الثاني فقد اختصوا بأخلاق تقضي بالعجب. فإن الفضيلة ونقاوة الفكر تلازمانهم قبل بلوغ العشرين من عمرهم. ولكنَّهم في الغالب يكونون ضعفاء الإرادة سلِسُو المقادة يميلون كيف تميل بهم الشهوة دون ما اكتراث للنقاوة والأدب. وأكثر مواليد هذا الشهر ممن اختصُّوا بقوّةٍ جاذبة يستميلون بها عشراءَهم , ولكن أكثرهم يكون من ذوي النفوس الصغيرة التي تتضاءل عند شدّ النوازل والأمور. وفي شهر دسمبر كانون الأول وُلد أكثر العمال النشيطين الذين أدركهم الموت قبل أن يُدركهم الكلل والفتور. ولكن شيرو لاحظ أنَّهم ينتقلون من حرفةٍ إلى أُخرى بسرعة. فبينما يكونون أساتذة , فإذا بهم كهنة أو تجار أو صيارف. ولكنهم في الغالب لو أُطلقت يدهم في كل عمل يميلون إليهِ لأحرزوا بهِ القدح المعلَّى وما جاراهم فيهِ مجارٍ.

стр. 2126

ثمرات المطابع ديوان المازني - عنيّت الزُّهور منذ نشأتها بنشر المختار من الشعر العصري فلم يصدر جزءٌ من أجزائها قط إلاَّ وفيهِ بضعُ صفحاتٍ جامعة لأجوَد ما نظمهُ في حينهِ كبار شعراء مصر وسوريا والعراق. وكان هؤلاء الأفاضل , وما برحوا إلى اليوم , يختصُّون هذه المجلَّة بنفثاتِ قرائحهم حتى حقَّقوا غايتها التي إنما أُنشئت لها وهي أن تكون صلة تعارفٍ بين أدباء اللغة العربية في كل قطرٍ. على أننا نأسف أن يكون بين شعراء مصر المجيدين شاعر لم توفَّق الزهور بعدُ إلى عرض شعرهِ الطيّب على قرَّائها المتشتتين في الأقطار العربية والأميركية وهو إبراهيم عبد القادر أفندي المازني؛ فإن هذا الشاعر العصري كاد أن يكون مجهولاً منَّا نحن مقيمون في مصر وحضرتهُ من أبنائها الأفاضل , فكيف بزملائهِ الأدباء في سوريا والعراق وغيرهما. وليس حظ سائر الصحف والمجلاَّت المصرية بأجمل من حظّ الزهور في هذا المعنى. لذلك يقُّ لنا أن نقول إِنَّ ديوانهُ فاجأنا مفاجأةً في خلال هذا الشهر , ولكن مفاجئة الحَسَن السارّ. قلّبنا هذا الديوان صفحةً صفحةً فما وقعتِ العين فيهِ على موضوعٍ مبتذل قط. فليس هناك مديح أو رثاء أو تهنئة أو عزاء؛ بل الديوان في مجملهِ مجموعة عواطف جاشت بها النفس فنظمها الفكر شعراً , والشعرَ ما صدرَ عن النفس وأرسلهُ الخاطر عفواً؛ فالمازني بحكم هذه القاعدة المأثورة شاعر مطبوع لا ينظم إِلاَّ خطراتِ خاطرِهِ , ولا يترجم بمنظومهِ إِلاَّ

стр. 2127

عواطف نفسه. وإذا صحَّ رأينا فيهِ , ونحن لا نعرفهُ , كانت نفسهُ أميلَ إلى الحزن واليأس منها إلى الفرح والرجاء. فإننا ما قرأنا لهُ قصيدةً خاليةً من وصف همومهِ ومتاعبهِ وشكاياتهِ أو من إِشارة إلى ذلك على الأقل. فكنا نتخيلهُ من خلال معانيهِ عبوس الوجه معقَّد الجبين ليس على شفتيه ابتسام , ولا في ظواهر وجههِ ما ينمّ عن رضى في نفسه. وفي يقينا أن نارَهُ التي لم تطفأ منذ استهلَّ ديوانه في الصفحة الأولى بأبيات الإهداءِ حتى ختمهُ في الصفحةِ الأخيرة بالخاتمة إلى صديق هي التي أحرقت ألفاظهُ وذهبت برونقها , وملأت ديوانهُ عواصف وزوابع , وهموماً وأشجانا , وآلاماً وأوجاعاً , ويأساً ودموعاً حتى اشتبه علينا قول شوقي: خُلِقَ الشاعرُ سمحاً طرباً. ولقد كنَّا نودُّ لو كان المجال أوسعَ فننشر للقراءِ شيئاً من قصائدهِ يزيدهم معرفةٍ بهِ ولكننا نجتزئُ بالمقتطفات التالية للدلالة على الأسلوب الذي يسير عليهِ والمعاني التي يتناولها في شعره: قال بعنوان: فتىً في سياق الموت: نعدُّ أنفاسَهُ ونحسبُها ... والليلُ فيهِ الظلامُ يلتطمُ إذا خروجُ الحياةِ أجهَدَهُ ... تساقطت عن جبينهِ الدّيمُ صدرٌ كصدرِ الخضمّ مضطربٌ ... جحافلُ الموتِ فيهِ تزدَحِمُ إن قام ملنا لهُ بمسمَعِنا ... أو نام خفَّت بوطئِنا القدَمُ كأنما الخوفُ من تردُّدهِ ... خيلٌ لها من رجائنا لُحُمُ خلناهُ قد ماتَ وهو في سنةٍ ... ونائمَ الجفنِ وهو مخترمُ قد قلَّصت ثغرَه منيتُهُ ... كأنهُ للحِمامِ يبتسِمُ

стр. 2128

وقال بعنوان: حالة ثورة النفس في سكونها فؤادي من الآمال في العيش مجدبُ ... وجوي مسودّ الحواشي مقطّبُ تمرُّ بي الأيَّامُ وهي كأنها ... صحائفُ بيضُ للعيونِ تقلّبُ كأنْ لم يخطَّ الدهرُ فيهنَّ أسطراً ... يبيتُ لها الإنسانُ يطفو ويرسبُ شغلتُ بماضي العيشِ عن كل حاضرٍ ... كأني أدركتُ الذي كنتُ أطلبُ وما كلَّتِ الأيَّام من فرطِ عَدْوِها ... ولا عطّل الأفلاكَ خطبٌ عصبصبٌ لقد كان للدنيا بنفسي حلاوةٌ ... فأضجرني منها الأذى والتقُّلبُ وقد كان يُصببني النسيمُ إذا هفا ... ويعجبني سجعُ الحمامِ ويُطربُ ويفتنني نومُ الضياءِ عشيَّةً ... لى صفحةِ الغدران وهي تُسبسبُ فما لي سقى اللهُ الشبابَ وجهلهُ ... أراني كأني من دمائي أشربُ ومالي كأني ظلّلتني سحابة ... لها من محفوفاتِ الأساودِ هيدَبُ سأصرخُ إمَّا هاجتِ الرّيحُ صرخةً ... تقولُ لها الموتى ألا أين نهربُ وقال بعنوان: الملل من الحياة أكلّما عشتُ يوماً ... أحسستُ أني مُتُّهْ وكلّما خلتُ أني ... وجدتُ خِلصاً فقدتُهْ لا أعرفُ الأمن عمري ... كأنني قد رُزِئتُهْ ما تأخذُ العينُ إلاّ ... ما ملّلني ومللنُهْ كأنّ عينيَ مدلو ... لةٌ على ما كرهتُهْ تُضيئُني الشمسُ لكن ... لأجتلي ما أجمتُهْ ثوبُ الحياةِ بغيضٌ ... يا ليتني ما لبستُهْ

стр. 2129

تاريخ الحرب البلقانية المصوَّر - أهدي إلينا حضرة الكاتب البارع سليم أفندي العقاد الجزء الثاني من كتابه تاريخ الحرب البلقانية المصوَّر وهو يقع في ١٥٠ صفحة ويحتوي تاريخ المواقع منذ شهرَ الجبل الأسود الحرب على الدولة العثمانية حتى ختام هذه المأساة على أبواب الآستانة. والكتاب مصدَّر برسوم الملوك والقوَّاد ورجال السياسة الذين كانَ لهم شأن في هذه الحرب. وإِنَّ ما يُعرفُ بصاحب هذا التَّاريخ من العلم والأدب يضمن لكتابه الانتشار التام ولاسيما أن الجزءَ الأول منهُ قد تداولتهُ الأيدي , ولقيَ كلَّ ارتياح من جمهور الأدباء. السلوى - اشتهرت المطبعة الأدبية في بيروت بكل عملٍ حسنٍ ومأثره غراء. ومن مآثرِها الأخيرة إِصدارها مجلةً قصصية أسبوعية سمَّتها السلوى , أودعت فيها أجمل القصص , وأطيب الفكاهات , فجاءَت سلوى للشيخ في زاويتهِ , وتفكهةً للفتاة في خدرها , وأُنساً للشاب في أوقات فراغه. وهي مكتوبة بلغةٍ سليمةٍ رشيقةٍ , ومطبوعة طبعاً جيداً أمَّا اشتراكها السنوي فخمسة فرنكات في بيروت وستة في الخارج. فتاة لبنان والرزنامة السليمة - أهدت إلينا حضرة الفاضلة الأدبية سليمة أبي راشد نسخةً من روزنامة جميلة وضعتها لمعرفة التواريخ في مدة القرن العشرين , وهي لطيفة الوضع جميلة الحفر تدلّ على براعةٍ وحسن ذوق. وبهذه المناسبة نذكر ان حضرة الآنسة المشار غليها قد عزمت على إِصدار مجلةٍ أدبية باسم فتاة لبنان فنتمنى لها النجاح التام.

стр. 2130

دفع الهجنة - هذا كتابٌ وضعهُ معروف أفندي الرصافي الأديب العراقي وقد ضمنَّهُ عدَّة كلماتٍ وألفاظ عربيةٍ جمعها من اللغة العثمانية ليتدبَّرها كلُّ أديبٍ عربيٍّ فتكون واقية لهُ من العجمة , وحاميةً من اللكنة وقد وصف هذه الألفاظ المجموعة بقولهِ إنَّ منها ما استعمله أهل العثماني في غير معناه العربي , ومنها ما لم يكن منها عربيّاً وهم يحسبونهُ عربيّاً , وقد أخذها العرب منهم فاستعملوها استعمالهم وهم لا يشعرون. فوضع حضرتهُ هذه الرسالة وقد سمَّاها دفع الهجنة في انتضاح اللكنة ليفرق بين معاني تلك الألفاظ العربية ومعانيها العثمانية ونشرها أوَّلاً في مجلة لسان العرب الغراء ثم طبعتها هذه على حدةٍ , فاستحقَّ الواضع والناشر الثناء الطيّب. الزمان - تُعَدُّ جريدة الزمان الصادرة في بونس ايرس عاصمة الجمهورية الفضية الأميركية من أرقى جرائد السوريين المهاجرين , وأجلَّها فائدةً. فما برحت منذ ثماني سنين تخدم الجالية السورية الخدمات الحسنة وتوفر لها الوقوف على أخبار السياسة وحوادث الوطن , وتنشر المقالات الشائقة في كلّ موضوعٍ نافعٍ. وقد دخلت منذ حينٍ في عامها التاسع , فأصدرت لتلك المناسبة عدداً خاصاً منها مزداناً بالرسوم , مشبعاً بالمقالات الغراء , فلصاحبها الفاضل , ومديرَيها الأديبين ورئيس تحريرها الكاتب البارع كلُّ ثناءٍ على أدبهم الجمّ , وسعيهم المبارك في الخدمة العامة.

стр. 2131

مختارات الزهور إسماعيل صبري باشا أكثر ما ينظم فلخطرة تخطر على باله من مثل حادثة يشهدها أو خبر ذي بال يسمعه أو كتاب يطالعه. ولما كان لا ينظم للشهرة بل لمجاراة نفسه على ما تدعوه إليه , فالغالب في أمره أنه يقول الشعر متمشياً , وربما قاله بحضرة صديق وهو مائل عنه بعنقه. وله بين حين وحين أنة بمثل ما تنطق لفظة ايه مستطيلة ينظم المعنى الذي يعرض له في بيتين عادة إلى أربعة على ستة , وقلما يزيد على هذا القدر إلا حيث يقصد قصيدة وهو نادر. شديد النقد لشعره كثير التبديل والتحويل فيه حتى إذا استقام على ما يريده ذوقه من رقة اللفظ وفصاحة الأسلوب أهمله ثم نسيه. وهكذا يمرّ به الآن بعد الآن فيجيش في صدره الشعر فيرسل بيتيه إطلاق زوجي الطائر فيذهبان في الفضاء ضاربين من أشطرهما بأجنحة ملتمعة , شاديين على توقيع العروض إلى أن يتواريا وينقطع نغمها من عالم النسيان. ذلك هو الشعر للشعر خليل مطران فرعون وقومه لا القومُ ولا الأعوانُ أعواني ... إِذا ونى يومَ تحصيلِ العُلى وإنِ ولستُ إِنْ لم تؤيّدني فراعنةٌ ... منكم بفرعونَ عالي العرشِ والشانِ ولستُ جبَّارَ ذا الوادي إِذا سلمتْ ... جبالُهُ تلك من غاراتِ أعواني لا تقربوا النيلَ إِن لم تعلموا عمَلاً ... فماؤُهُ العذْبُ لم يُخلَقْ لكسلانِ ردُوا المجرَّة كدّاً دونَ موردهِ ... أو فاطلبوا غيرَهُ ريّاً لظمآنِ وابنُوا كما بَنَتِ الأجيالُ قبلكمُ ... لا تتركوا بعدَكم فخراً لإِنسانِ أَمرتُكم , فأطيعوا أمرَ رَبّكمُ ... لا يَثنِ مُستمِعاً عن طاعةٍ ثانِ فالمُلكُ أمرٌ وطاعاتٌ تُسابقُهُ ... جنباً لجنبٍ إلى غاياتِ إِحسانِ لا تتركوا مستحيلاً في استحالتهِ ... حتى يُميطَ لكم عن وجه إِمكانِ مقالة قد هَوَتْ من عرش قائلها ... على مناكب أبطالٍ وشُجعانِ مادَت لها الأرض من ذُعرٍ , ودان لها ... ما في المقطَّمِ من صخرٍ وصوَّانِ لو غيرُ فرعونَ ألقاها على ملأِ ... في غير مصر لعُدَّتْ حُلمَ يقظانِ لكنَّ فرعونَ إن نادى بها جبلاً ... لبّت حجارتُهُ في قَبضةِ الباني وآزرتْهُ جماهيرٌ تسيلُ بها ... بطاخ وادٍ بماضي القومِ ملآنِ يبنون ما تَقِفُ الأجيالُ حائرةً ... أمامهُ بين إِعجابٍ وإِذعانِ من كلّ ما لم يَلِدْ فكرٌ ولا فُتِحَتْ ... على نظائرهِ في الكون عَينانِ ويُشبهونَ إِذا طاروا إلى عمَلٍ ... جنّاً تطيرُ بأمرٍ من سُليمانِ برّاً بذي الأمرِ , لا خوفاً ولا طمعاً , ... لكنَّهم خُلقوا طُلاَّبَ إِتقانِ أهرامُهم تلك , حيِّ الفنَّ متَّخذاً ... من الصخورِ بروجاً فوق كيوانِ قد مَرَّ دهرٌ عليها , وهي ساخرة ... بما يُضَعْضعُ من صَرحٍ وإِيوانِ لم يأخذ الليلُ منها والنهارُ سوى ... ما يأخذ النملُ من أركان ثهلانِ كأنها - والعوادي في جوانيها ... صَرعى - بناءُ شياطينٍ لشيطانِ جاَءت إليها وفودُ الأرض قاطبةً ... تسعى اشتياقاً إلى ما خلَّدَ ألفاني فصغَّرت كلَّ موجودٍ ضخامتُها ... وغضَّ بنيانُها من كلّ بُنيانِ وعادَ مُنكِرُ فضلِ القومِ معترفاً ... يُثني على القوم في سِرٍّ وإِعلانِ تلك الهياكلُ في الأمصار شاهدةٌ ... بأَنهم أهلُ سبقٍ , أهلُ إِمعانِ

стр. 2132

وأَنَّ فرعونَ في حَولٍ ومقدرةٍ ... وقومَ فرعونَ في الإِقدام كفؤانِ إذا أقام عليهم شاهداً حَجَرٌ ... في هيكل قامتْ الأُخرى ببرهانِ كأنما هي - والقوام خاشعةٌ ... أمامها - صُحُفٌ من عالَمِ ثانِ تَستقبلُ العينَ في أثنائِها صُوَرٌ ... فصيحةُ الرمز دارتْ حولَ جُدرانِ لو أنها أُعطِيَتْ صوتاً لكانَ لهُ ... صدىً يُروّع صُمَّ الأُنس والجانِ أين الأُلى سَجَّلوا في الصخرِ سيرتَهم ... وصَغَّرُوا كلَّ ذي مُلكٍ وسلطانِ بادُوا , وبادَتْ على آثارهم دُوَلٌ ... وأُدرِجُوا طيَّ أخبارٍ وأكفانِ وخلَّفوا بعدَهُم حرباً مُخلَّدةً ... في الكون ما بينَ أحجارٍ وأزمانِ وزُجزِحوا عن بقايا مجدِهم , وسطا ... عليهمِ العلمُ ذاك الجاهلُ الجاني ويلٌ لهُ! هتك الأستارَ مُقتحِماً ... جلالَ أكرمِ آثارٍ وأعيانِ لَلْجَهْلُ أرجحُ منهُ في جهالتهِ ... إِذا هُما وُزِنا يوماً بميزانِ رثاء المرحوم بطرس باشا غالي لهفَ الرياساتِ على راحلٍ ... قد كانَ ملَء العينِ والمِسمعِ لهفَ العُلى قد عُطّلَتْ من سنا ... بدرٍ هوى من أوجِها الأرفعِ تبكي المرؤاتُ على بطرسٍ ... ذاك الهُمامِ الماجدِ الأروَعِ فتَّشتُ لمَّا لم أجِدْ مقلتي ... كفوءاً عن الفضل ليبكي معي فقيلَ لي: قد ساَر في إِثرهِ ... يومَ دفنَاهُ , ولم يرجعِ يا مجرياً دمعَ الملا أبحراً ... أدْركهمُ يا مُرقىَ الأدمُعِ يا نازلاً بين وفودِ البلى ... آنستَهُمْ يا مُوحِشَ الأربُعِ عينيَ فيكَ اليومَ قبطيّةٌ ... تروي الأسى عن مُسلِمٍ موجعِ يهيمُ من وجدٍ ومن لوعةٍ ... في الجانبِ الأيسرِ من أضلُعي ويأخذُ البرَّ وآيَ الوفا ... عن الكتابِ الطيّبِ المَشرَعِ يا من سقاني الجمَّ من ودّهِ ... هذا ودادي كلُّهُ فاكرَعِ يا حاملَ القلبِ الكبيرِ الذي ... لم ينقُضِ الميثاقَ قُمْ واسمعِ رثاء المرحوم إسماعيل ماهر بك القاضي في المحكمة المختلطة أناعي ماهرٍ , لم تدرِ ماذا ... أثرتِ من الشجونِ الكامناتِ نعيتَ إِليَّ أياماً تقضَّتْ ... بإسماعيلَ غُرّاً صافياتِ ألا مَنْ للضعيفِ إذا تقاضى ... ولم يرَ شخصَهُ بينَ القُضاةِ! ومِنْ للعدلِ إِن رَفَعَتْ بُناةٌ ... دعائَمهُ , ولم يكُ في البُناةِ! أماهرُ! إِنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ ... وما جَزَعي عليكَ من التقاةِ فما لي , والأناةُ مِلاكُ نفسي ... هلعتُ ولم تُجمِّلْني أناتي وما لي , إِن أُمرتُ ببعضِ صبرٍ ... رأيتُ الصبرَ إِحدى المعجزاتِ أماهرُ! كُنتَ فيما مرَّ أُنسي ... فَمنْ لي في الليالي الباقياتِ؟ وكُنتَ إِذا شكوتُ تبيتُ وجداً ... تُردِّدُ ما يَريبُك من شكاتي وتسألُ ساري النَّسماتِ عنّي ... حُنوّاً والبروقَ الوامضاتِ ومن يفقدْ شبيهَك يبكِ دُنياً ... تولَّتْ بالمودَّة والمِقاتِ كذَبتُك لو صدقتكَ بعض ودّي ... لهدَّ جوانبي صوتُ النُعاةِ ولاستقصتْ حيالَ النعشِ عيني ... وراَءك راحِلاً همَ البُكاةِ برْغمي أن تَقلَّصَ مِنكَ ظلٌّ ... وقاني حقبةً لفحَ الحياةِ وأن نضبَتْ خلالٌ كُنْتُ منها ... أعُبُّ لديكَ في عذبٍ فراتِ وأن صفرتْ يميني من ودادٍ ... غنيتُ بهِ لياليَ خالياتِ

стр. 2133

أخي! ما حيلتي إِلاَّ سلامٌ ... يزورُك في المساءِ وفي الغداةِ وإِلاَّ الدمعُ أَنثرُهُ عقيقاً ... على ذكرى حُلاكَ الغائباتِ قضيتَ , فكنتَ أسرعَنا مسيراً ... إلى غُرَفِ الجِنان العاليات راحة القبر إِن سئِمتَ الحياةَ , فارجع إِلى الأر ... ضِ تَنمْ آمناً من الأوصابِ تلك أُمٌّ أَحتى عليكَ من الأُ ... مِّ التي خلَّفتكَ للإتعابِ لا تَخَفْ , فالمماتُ ليسَ بماحٍ ... منك إِلاَّ ما تشتكي من عذابِ كلُّ ميتٍ باقٍ , وإِن خالف ال ... عنوانُ ما نُصَّ في غضونِ الكتابِ وحياةُ المرءِ اغترابٌ , فإِن ما ... تَ , فقد عاد سالماً للترابِ إلى الأمير عمر باشا طوسون بمناسبة إعانته جرحى الحرب البلقانية لك الإِمارةُ , والأقوامُ ما بَرحتْ ... بكلّ عالي الذُّري في الكونِ تأتمرُ لو لم تَرثْها , لما ألقتْ أعِنّتَها ... إِلاَّ إليك خِلالٌ كلها غُرَرُ يا ابنَ الأُلى لو أطلُّوا من مضاجعِهم ... يوماً عليك لَقالوا: إِيهِ يا عُمَرُ! أعدتَ أيَّامَهُم في مِصرَ ثانيةً ... حتى توهَّمَ قومٌ أنهم نُشِرُوا وسرتَ سيرتَهم , حتى كأنَّهمُ ... إِذا خطرتَ بأرضٍ مرَّةً , خَطَروا للهِ دَرُّك! كم نبَّهتَ من هممٍ ... تُثني على أهلها الآصالُ والبكَرُ وكم تعهدتُ جرحىً من أسودِ وغىً ... إِن يكشرِ الدهرُ عن أحداثهِ كشروا مستنجداً من بني مصرٍ أُلي شمَمٍ ... إِذا رأوا ثلمةً في حوضهم جَبَروا مستهمياً هامياً , والنيلُ في وجَلٍ ... من أن تجودَ بهِ أيمانُكم حذِرُ حتى تفاهَمتِ الأرحامُ , وادَّكرت ... ما بينها الأهلُ والخلاَّنُ والأسَرُ وآذن البرُّ بالسُقيا , وما فتِئت ... منهم ومنكَ صنوف البرّ تُنتَظرُ وحرَّكت كلَّ كفٍّ بالندى مِقَةٌ ... حتى تعجَّبَتِ الأنهارُ والغُدُرُ والناسُ , إِن قام يستسقي الكريمُ لهم ... سحائبَ الفضل , بشّرْهم فقد مُطِروا يأبى عَلاءُ سعيدٍ أن يُشابِهَهُ ... إِلاَّ ابنُ دوحتهِ إِن قام يَفتخرُ ما زال يحمَدُهُ رائيك مُدَّكَِراً ... والأصلُ بالفرعِ إِن حاكاهُ يُدَّكَرُ إلى سابا باشا تعزية بفقد ولده سابا , اتق اللهَ , وخلِّ الأسى ... لجاهلٍ يُعْذَرُ في جهلهِ لا تكتَرِثْ بالرزءِ , وانهضْ بهِ ... فالرأيُ كلُّ الرأي في حَملهِ مثُلكَ مَن يلجأُ , إِن راعَهُ ... يومٌ بمكروهٍ , إِلى عقلهِ قضى فريدٌ وهو غضُّ الصِّبي ... وخلَّفَ الحسرةَ في أهلهِ وقابلتهُ في الجنانِ العُلى ... ملائكٌ للهِ في شكلهِ واهاً لهُ من غصُنٍ ما نما ... حتى ذوى واجتُثَّ من أصلهِ سابا , ابكِ لكن كالحكيم الذي ... يَخافُ أن يُطعَنَ في نُبلهِ واصبرْ , فكم من جَزعٍ آكلٍ ... من صحّةِ المرءِ ومن فضلهِ فالليث , لا تُنسيهِ أحزانُهُ ... مقامَهُ , إن ضِيمَ في شبلهِ الشباب والمشيب لم يدرِ طَعمَ العيش شُبَّانٌ ... ولم يُدركهُ شِيبُ جهلٌ يُضلُّ قوى الفتى ... فتطيشُ , والمرمى قريبُ وقوىً تخورُ , إِذا تشبَّثَ ... بالقوى الشيخُ الأريبُ فيما يُقالُ كبا المغفَّلُ ... إِذ يُقالُ خبا اللبيبُ أوَّاهُ! لو عَلِمَ الشبابُ ... وآهِ! لو قدرَ المشيبُ

стр. 2134

فؤادي أقصِرْ فؤادي! فما الذِّكرى بنافعةٍ ... ولا بشافعةٍ في رّدّ سلا الفؤادُ الذي شاطرتَهُ زمناً ... حُمْلَ الصَبابة , فاخفقْ وحدَك الآنا هلاَّ أَخذتَ لهذا اليومِ أُهبتَهُ ... من قَبلِ أن تُصبح الأشواقُ أشجانا لَهِفْي عليكَ قضيتَ العمرَ مقتحِماً ... في الوصلِ ناراً وفي الهِجرانِ نيرانا عبد بلا ثمن يا مَنْ أقامَ فُؤَادي إِذْ تملَّكَهُ ... ما بَينَ نارَين من شوقٍ ومن شَجَنِ تفديك أَعينُ قومٍ حولَكَ ازدحَمتْ ... عَطشى إلى نهلةٍ من وجهِكَ الحسنِ جرَّدتَ كلَّ مَليحٍ من مَلاحتهِ ... لم تَتَّقِ اللهَ في ظَبيٍ ولا غُصُن فاستبقِ للبَدرِ بين الشُّهْب رتبتَهُ ... تملكْهُ في أوجهِ عبداً بلا ثَمَنِ ساعة الودع أتُرى , أنتَ خاذِلي ساعةَ التو ... ديعِ يا قَلبُ في غَدٍ أم نصيري؟ ويكَ! قلْ لي متى أراكَ بجنبي ... راضياً عن مكانِكَ المهجورِ؟ ساعةَ البين , قطعةٌ أنتِ قُدَّتْ ... للمُحبّينَ مِنْ عَذابِ السَعيرِ لا تَحيني , روحي الفِداءُ لماحي ... كِ غداً منْ صحيفةِ المقدورِ إلى الله . . .! يا ربِّ! أين تُرى تُقامُ جهنَّمٌ ... للظالمين غداً وللأَشرارِ لم يُبقِ عفوكَ في السماواتِ العُلى ... والأرضِ شبراً خالياً للنارِ يا ربِّ! أهّلْني لفضلكَ واكفني ... شَطَطَ العقولِ وفتنةَ الأَفكارِ ومُرِ الوجودَ يشفَّ عنكَ , لكي أرى ... غضَبَ اللَّطيفِ ورحمةَ الجبَّارِ يا عالِمَ الأَسرارِ , حسبيَ محنةً ... عِلمي بأَنكَ عالِمُ الأَسرارِ أخلِقْ برحمتِكَ التي تسَعُ الورى ... ألاَّ تَضيقَ بأعظمِ الأوزارِ يا آسىَ الحيّ يا آسيَ الحيّ هَلْ فَتَّشتَ في كَبدِي ... وهلْ تبيّنتَ داءً في زواياها أوَّاهُ! من حُرَقٍ أودَتْ بمُعظَمِها ... ولم تَزلْ تتمشَّى في بقاياها يا شوقُ , رِفقاً بأضلاعٍ عَصفتَ بها ... فالقلبُ يخفُقُ ذُعراً في حناياها الوفاء إِذا خانَني خِلٌّ قديمٌ , عَقَّني ... وفوَّقتُ يوماً في مَقاتِلهِ سَهمي تعرَّضَ طَيفُ الودِّ بيني وبينهُ ... فكسَّر سهمي , فانثنيتُ ولم أرمِ ذكرى الشباب تُمسي تُكّرُنا الشابَ وعهدَهُ ... حسناءُ مرهَفةُ القُوامِ , فَنذكرُ هيَفاءُ أسكَرَها الجمالُ , وبعضُ ما ... أوفى على قدرِ الكفايةِ يُسكِرُ تَثِبُ القلوبُ إلى الرؤوس إِذا بَدَتْ ... وتُطِلُّ من حَدَقِ العيونِ وتنظُرُ وتبيتُ تكفرُ بالنحورِ قلائدٌ ... فإذا دنَت من نحرها تستغفِرُ ويَزيدُ في فِمها الآلئُ قيمةً ... حتى يسودَ كبيرَهنَّ الأصغرُ يا موت يا موتُ هأَنذا فَخُذْ ... مَا أبقَتِ الأيامُ منَي بيني وبينَكَ خطوةٌ ... إِن تَخْطُها , فرَّجْتَ عنَي بين الشريف وصبري سمع إسماعيل صبري باشا بيتي الشريف الرضي , وهما: أرى بعد وردِ الماء في القلبِ غِلَّةً ... إليكِ , على أني من الماءِ ناقعُ وإِني لأقوى ما أكونُ طماعةً ... إذا كذبتْ فيكِ المُنى والمطامعُ فقال مجاراةً لهُ: يا مَورِداً , كنتُ أغنى ما أكونُ بهِ ... عن كلِّ صافٍ إذا ما بات يرويني عندي لمائِكَ , والأقداحُ طوعَ يدي ... ملأى من الماءِ , شوقٌ كاد يُرديني

стр. 2135

أحمد شوقي بك ينظم بين أصحابه فيكون معهم وليس معهم , وينظم في المركبة وفي السكة الحديدية وفي المجتمع الرسمي وحين يشاء وحيث يشاء. ولا يعرف جليسه أنه ينظم إلا إذا سمع منه بادئ بدء غمغمة تشبه النغم الصادر من غور بعيد ثم رأى ناظريه وقد برقا وتواترت فيهما حركة المحجرين , ثم بضر به وقد رفع يده إلى جبينه وأمرّها عليه إمراراً خفيفاً هنيهة بعد هنيهة فإذا قوطع في خلال النظم , انتقل إلى أي بحث يباحث فيه , حاضر الذهن صافيه , جميل البادرة كعادته في الحديث. ثم إذا استأنف ذلك المنظوم ولو بعد أيام طوال عاد إليه كأنه لم ينقطع عنه مستظهراً ما تمّ منه حافظاً لبقية المعنى الذي يضمره. يكتب القصيدة بعد تمامها وربما تمت ونسيها شهراً ثم ذكرها فكتبها في جلسة واحدة يكلف أحياناً بمعارضة المتقدمين ولا يندر عليه أن يبزّهم. لا يجهد فكره ولا يكده في معنى أو في مبني. فأما المعنى فيجيئه على مرامه أو على أبعد من مرامه ولا ينضب عنده لأنه يستخلصه من عقل فوار الذكاء ومعارف جامعة إلى أفانين الآداب في لغات الإفرنج والأعراب فلسفة الحقوق وحقائق التاريخ وغرائب السير التي يحفظ منها غير يسير إلى مشاركات علمية وتنبيهات فنية استفادها من مطالعته في صنوف الكتب واتخذها عن ملحوظاته ومسموعاته في جولاته بين بلاد الشرق والغرب صياغة أبي تمام ومن وثبات المتنبي ومن مفآجات الشريف ومن مسلسلات مهيار. وفي المجموع تجد صفة عامة للنظم وهي أنه نظم شوقي. ذلك شعر العبقرية والتفوق. خليل مطران الأندلس الجديدة يا أُختَ أندلُسٍ , عليكِ سَلامُ ... هَوتِ الخِلافةُ عنكِ والإِسلامْ نزلَ الهِلالُ عن السماءِ فليتَ ا ... طُوَيتْ , وعمّ العالمينَ ظلامُ أزرى بهِ , وأزالَهُ عن أوجِهِ ... قَدرٌ يحطُّ البدرَ وهو تَمامُ جرحان تَمضي الأُمتَّانِ عليهما ... هذا يَسيلُ , وذاك لا يَلتامُ بكُما أُصيبَ المسلمون , وفيكما ... دُفِنَ اليَراعُ , وغُيّبَ الصَّمصامُ لم يُطوَ مأتمُها , وهذا مأتمٌ ... لبِسُوا السَوادَ عليكِ فيهِ وقامُوا ما بين مصرِعها ومصرعكِ انقضت ... فيما نُخبُّ ونَكرَهُ الأيَّامُ خلَتِ القُرونُ كلَيلةٍ , وتَصرَّمتْ ... دُوَلُ الفُتوحِ كأنَّها أحلامُ والدهرُ لا يألو الممالِكَ مُنذِراً ... فإذا غَفلنَ فما عليهِ مَلامُ مقدونيا , والمسلمونَ عَشيرةٌ ... كيف الخُؤولةُ فيكِ والأَعمامُ؟ أتُراهمُ هانُوا , وكانَ بعزِّهم ... وعُلوِّهم يَتخَايلُ الإِسلامُ؟ إذْ أنتِ نابُ الليثِ , كلُّ كتيبةٍ ... طلِعَت عليكِ فريسةٌ وطَعامُ ما زالتِ الأيَّامُ حتى بُدِّلتْ ... وتَغيَّرَ الساقي , وحَالَ الجامُ أرأيتِ كيف أُديلَ من أُسُدِ الشَّرى ... وشَهدتِ كيفَ أُبيحتِ الآجامُ زعموكِ هَمّاً للِخلافةِ ناصباً ... وهلِ الممالكُ راحةٌ ومَنامُ ويقولُ قومٌ كنتِ أشأمَ مورِدٍ ... وأراكِ سائِغةً عليكِ زُحامُ ويِراكِ داَء المُلْكِ ناسُ جهالةٍ ... بالمُلكِ منهم عِلّةٌ وسقامُ لو آثرُوا الإصلاحَ كنتَ لعرشِهم ... رُكنْاً على هامِ النجومِ يُقامُ وهمٌ يقيِّدُ يعضُهم بعضاً بهِ ... وقيودُ هذا العالَمِ الأُوهامُ صُوَرُ العَمى شَتَّى , وأقبحُها إذا ... نظرَتْ بغيرِ عيونهنَّ الهامُ ولقد يُقامُ من السيوفِ , وليسَ من ... عثَراتِ أخلاقِ الشعوب قيامُ

стр. 2136

ومبشِّرٍ بالصلحِ قُلتُ: لعلَّهُ ... خيرٌ , عسى أن تصدقَ الأحلامُ ترَكَ الفريقانِ القتالَ؛ وهذهِ ... سلمٌ أمرُّ من القتالِ عُقامُ ينعي إلينا المُلكَ ناعٍ لم يطأْ ... أرضاً ولا انتقلتْ بهِ أقدامُ برقٌ جوائُبهُ صواعِقُ كلُّها ... ومن البرّوقِ صواعِقٌ وغمامُ إن كانَ شرٌّ , زارَ غير مفارقٍ ... أو كان خيرٌ , فالمزارُ لمامُ بالأمسِ أفريقا تولَّت وانقضى ... مُلكٌ على جِيدِ الخضّمِ جُسامُ نَظَمَ الهِلالُ بهِ ممالِكَ أرَبعاً ... أصبحنَ ليسَ لعِقدِهنَّ نِظامُ من فتْحِ هاشِمَ أو أُميَّةَ لم يضَعْ ... أساسَها تَتَرٌ ولا أعجامُ واليومَ حُكْمُ اللهِ في مقدونيا ... لا نقضَ فيهِ لنا ول إِبرامُ كانت من الغربِ البقيةَ فانقضت ... فعلى بني عُثمانَ فيهِ سلامُ! أخذَ المدائنَ والقُرى بخناقِها ... جيشٌ من المتحالِفينَ لهامُ غطَّت بهِ الأرضُ الفضاءُ وجوهَها ... وكست مناكبهَا بهِ الآكامُ تَمشِي المناكِرُ بين أيدي خَيلهِ ... أنَّى مشَى , والبَغيُ والإِجرامُ ويحثُّهُ باسمِ الكتابِ أقسَّةٌ ... نشَطُوا لما هوَ في الكتابِ حَرامُ ومسيطرونَ على الممالكِ سُخِّرتْ ... لهم الشعوبُ كأنها أنعامُ من كلّ جزَّارٍ يرومُ الصدرَ في ... نادي الملوكِ وجَدَّهُ غنَّامُ سكّينهُ , ويمينُهُ , وحزامُهُ ... والصولجانُ , جميعُها آثامُ عيسَى سبيلُك رحمةٌ ومحبَّةٌ ... في العالمينَ وعصمةٌ وسلامُ ما كنتَ سفَّاكَ الدماءِ ولا امرأً ... هانَ الضعافُ عليهِ والأيتامُ يا حامِلَ الآلامِ عن هذا الورى ... كُثرتْ عليهِ باسمكَ الآلامُ أنتَ الذي جعلَ العبادَ جميعَهم ... رَحِماً , وباسمِكَ مرَّتين تُقامُ كم هاجَهُ صِيدُ الملوكِ وهاجَهم ... وتكافأَ الفرسانُ والأَعلامُ البغيُ في دينِ الجميعِ دنّيةٌ ... والسلِمُ عَهدٌ والقتِالُ ذِمامُ واليومَ يهتُفُ بالصليبِ عصائبٌ ... همُ للإلهِ ورُوحهِ ظُلاَّمُ خلطُوا صليبَكَ والخناجرَ والمُدى ... كلٌّ أداةٌ للأذى وحِمامُ أوَ ما تَراهم ذبَّحوا جيرانَهم ... بين البيوتِ كأنَّهم أغنامُ كم مُرضَعٍ في حجْرِ نعمتهِ غدا ... ولهُ على حدِّ السيوفِ فطامُ وصبيّةٍ هُتكتْ خميلَةُ طهرِها ... وتناثرتْ عن نَورِهِ الأَكمامُ وأخي ثمانينَ استُبيحَ وَقارُهُ ... لم يُغنِ عنهُ الضّعفُ والأعوامُ جِريحِ جربٍ ظامئٍ وأدُوهُ لم ... يعطفْهمُ جرحٌ دَمٍ وأوامُ ومهاجرينَ تنكَّرت أوطانُهم ... ضلّوا السبيلَ من الذهولِ وهاموا السيفُ , إِن ركبوا الفِرارَ , سبيلُهم ... والنطعُ , إِن طلبوا القرار , مقامُ يتلفَّتونَ مودِّعينَ ديارَهم ... واللحظُ ماءٌ , والديارُ ضرامُ يا أمَّةً بفروقَ فرَّقَ بينَهم ... قَدَرٌ تَطيشُ إذا أتى الأحلامُ فيما التخاذُلُ بينكم , ووراَءكم ... أممٌ تُضاعُ حقوقُها وتُضامُ الله يشهدُ لم أكن متحزِّباً ... في الرزءِ لا شِيَعٌ ولا أحزامُ وإذا دعوتُ إلى الوئامِ , فشاعِرٌ ... أقصى مناهُ محبَّةٌ ووئِامُ من تُضجرُ البلوى فغايةُ جُهْدِهِ ... رُجْعَى إلى الأقدارِ واستسلامُ لا يأخذَنَّ على العواقبِ بعضُكم ... بعضاً , فقِدْماً جارتِ الأحكامُ

стр. 2137

تقضي على المرء الليالي أو لهُ ... فالحمدُ من سُلطانِها والذَّامُ من عادةِ التأريخِ ملءُ قَضائِهِ ... عدلٌ , وملءُ كِنانتَيهِ سَهامُ ما ليسَ يدفعُهُ المهنَّدُ مُصلَتاً ... لا الكُتْبُ تدفعُهُ ولا الأقلامُ أنَّ الأُلى فتحوا الفُتوحَ جلائلاً ... دخلوا على الأسُدِ الغِاضَ وناموا هذا جناهُ عليكمُ آباؤُكم! ... صبراً وصفحاً , فالجُناةُ كرامُ رفعوا على السيفِ البناَء فلم يَدُمْ ... ما للبناءِ على السيوف دَوامُ أبقي الممالكِ ما المعارفُ أسُّهُ ... والعدلُ فيهِ حائطٌ ودعامْ فإذا جرى رشَداً ويُمناً أمرُكم ... فامشوا بنورِ العلمِ فهو زمامُ ودعوا التفاخرَ بالتُّراث وإن غلا ... فالمجد كَسْبٌ والزمانُ عصامُ إن الغرورَ إذا تملَّكَ أمَّةً ... كالزَّهرِ يُخفي الموتَ وهو زؤامُ لا يعدلنَّ المُلكَ في شهواتِكم ... عَرَضٌ من الدنيا بدا وحُطامُ ومناصبٌ في غيرِ موضعِها كما ... حلَّت محلَّ القدرةِ الأصنامُ الملكُ مرتبةٌ الشعوبَِ , فإنْ يفتْ ... عزَّ السيادةِ فالشعوبُ سوامُ ومن البهائِمِ مُشبَعٌ ومدلَّلٌ ... ومن الحريرِ شكيمةٌ ولجامُ وقف الزمانُ بُكم كموقفِ طارق ... اليأسُ خلفٌ والرجاءُ أمامُ الصبرُ والإِقدامُ فيهِ إذا هُما ... قَتَلاَ , فأقتلُ منهما الإِحجامُ يُحصي الذليلُ مَدى مَطالبِهِ ولا ... يُحصي مَدى المستقبَلِ المِقدامُ هذي البقيَّةُ , لو حرضتم , دولةٌ ... صالَ الرشيدُ بها , وطالَ هشامُ قِسمُ الأئمَّةِ والخلائفِ قبلَكم ... في الأرضِ لم تُعدَلْ بهِ الأقسامُ سرَتِ النبوَّةُ في طَهورِ فَضائهِ ... ومشى عليهِ الوحُي والإِلهامُ وتدفَّق النَّهرانِ فيهِ , وأزهرت ... بغدادُ تحت ظِلالهِ والشامُ أثرتْ سواحلُهُ , وطابت أرضُهُ ... فالدرُّ لجٌّ , والنُّضارُ رغامُ شَرَفاً أدِرْنَةُ! هكذا يقِفُ الحمى ... للغاضبينَ , وتثبيُ الأقدامُ وتردُّ بالدمِ بُقعةٌ أُخِذتْ بهِ ... ويموتُ دون عرينهِ الضَّرغامُ والمُلكُ يُؤخذُ أو يُرَدُّ ولم يزْل ... يرِثُ الحُسامَ على البلادِ حُسامُ عِرْضُ الخِلافةِ ذادَ عنهُ مجاهِدٌ ... في الله غازٍ , في الرسولِ هُمامُ تستعصِمُ الأوطانُ خلف ظُباتِه ... وتعزُّ حولَ قَناتهِ الأعلامُ عثمانُ في بردَيهِ يمنعُ جيَشهُ ... وابنُ الوليدِ على الحمى قوَّامُ عَلِمَ الزمانُ مكان شكري وانتهى ... شكرُ الزمانِ إليهِ والإِعظامُ صبراً أدِرْنَةُ! كلُّ مُلكٍ زائِلٌ ... يوماً ويبقى المالِكُ العلاَّمُ خفَتَ الآِذانُ فما عليكِ موحِّدٌ ... يسعى , ولا الجُمَع الحسانُ تُقامُ وخَبتْ مساجدُ كُنَّ نوراً جامِعاً ... تمشي إليهِ الأسْدُ والآرامُ يدرجنَ في؛ َرمِ الصلاةِ قوانتاً ... بيضَ الإزار كأنهنَّ حَمامُ وعفَت قبورُ الفاتحينَ , وفُضَّ عن ... حُفَرِ الخلائفِ جندلٌ ورجامُ نُبشت على قَعساءِ عزَّتها كما ... نُبشت على استعلائها الأَهرامُ في ذمَّةِ التأريخ خمسةُ أشهرٍ ... طالت عليكِ , فكلُّ يومٍ عامُ السيفُ عارٍِ , والوباءُ مسلَّطُ ... والسُبْلُ خوفٌ , والثلوجُ ركامُ والجوعُ فتَّاكٌ , وفيكِ صحابةٌ ... لو لم يجوعوا في الجهادِ لصاموا

стр. 2138

ضنُّوا بعرضِكِ أن يُباعَ ويُشتري ... عِرضُ الحرائر ليسَ فيهِ سوامُ ضاقَ الحصارُ كأنما حلقاتُهُ ... فلَكٌ , ومقذوفاتُها أجرامُ ورَمَى العدى , ورميتهم بجهنَّم ... مما يصُبُّ الهُ لا الأقوامُ بِعْتِ العدوَّ بكلِ شبرٍ مهجةً ... وكذا يباعُ المُلكُ حين يُرامُ ما زالَ بينَكِ في الحصارِ وبينهُ ... شُمُّ الحصونِ ومثلهنَّ عِظامُ حتَّى حواكِ مقابِراً وحويتِهِ ... جُثثاً , فلا غُبْنٌ ولا استذمامُ على قبري أقولُ لهم في ساعةِ الدَّفنِ خَفِّفُوا ... عليَّ ولا تُلقوا الصخورَ على قبري ألم يكفِ همٌّ في الحياةِ حملتُهُ ... فأحملَ بعدَ الموتِ صخراً على صخرِ كان سمو الأمير وشاعره يشارفان بعض الأعمال , ولم يكن لشوقي بك ما يتقي به حرّ الهاجرة فناوله سموّ الأمير مظلة في يده فقال على الفور: عبَّاسُ مولاي أهداني مظلَّتَهُ ... يظلِّلُ اللهُ عبَّاساً ويرعَاهُ ماَلي وللشمسِ أخشاها وأحذرُها! ... مَنْ كان في ظلِّهِ فالشمسُ تخشاهُ أيُّها المنتحي بأسوانَ جاراً ... كالثُريَّا تُريدُ أن تَنقضَّا اخلعِ النعلَ واخفضِ الطرفَ واخشعْ ... لا تحاولْ من آيةِ الدهرِ غَمضا قفْ بتلكَ القصورِ في اليمِّ غَرقي ... ممسِكاً بعضُها من الذُّعرِ بعضا كعَذارى اخفينَ في الماءِ بَضّاً ... سابحاتٍ بهِ , وأَبدينَ بَضَّا مُشرفاتٍ على الزَّوالِ , وكانت ... مُشرفاتٍ على الكواكب نَهضَا شابَ من حولها الزمانُ , وشابت ... وشبابُ الفنونِ ما زالَ غَضَّا رُبَّ نقشٍ كأنَّما نفضَ الصَّا ... نعُ منهُ اليدَينَ بالأمس نفضَا ودُهانٍ كلامعِ الزَّيتِ مرَّت ... أعصرٌ بالسراجِ والزَّيتُ وضَّا وخطوطٍ كأنَّها هدبُ ريمٍ ... حسنتْ صِنعةً وطولاً وعرضا وضحَايا تكادُ تَمشي وتَرعى ... لو أصابت من قدرةِ اللهِ نَبضا ومحاريب كالبروجِ بَنتها ... عَزَماتٌ من عزْمةِ الجنِّ أمضى شيَّدت بعضَها الفراعينُ زلفىً ... وبنى البعضَ أجَنبٌ يترضىً ومقاصيرَ أُبدِلتْ بفتاتِ ال ... مسكِ تِرباً , وباليواقيتِ قضَّا حظُّها اليوم هدَّةٌ , وقديماً ... صرفت في الحظوظ رفعاً وخفضا سقَتِ العالمينَ بالسعدِ والنح ... س إلى أن تعاطتِ النحسَ مَحضاً صنعةٌ تُدهِشُ العقولَ , وفَنٌّ ... كان إِتقانُهُ على القومِ فَرضا يا قصوراً نظرتُها وهي تقضِي ... فسكبتُ الدموعَ , والحقُّ يقضي أنتِ طُغرا , ومجد مصر كِتابٌ ... كيفَ سامَ البِلى كتابَكِ فَضَّا؟ وأنا المحتفي بتأريخِ مصرٍ ... من يصُنْ مَجَدَ قومِهِ صانَ عرِضا لم تُمتْ أمَّةٌ , ولا بادَ شعبٌ ... اقرضوا الذِكرَ والأحاديثَ قَرضا رُبَّ سرٍّ بجانبَيكِ مُزالٍ ... كان حتى على الفراعينِ غَمضا قُلْ لها في الدُّعاءِ لو كان يُجدي: ... يا سماَء الجَلالِ لا صرتِ أرضا حارَ فيكِ المهندسونُ عُقولاً ... وتولَّت عزائمُ العلمِ مَرضى أينَ ملْكٌ حيالَها , وفريدٌ ... من نظامِ النعيمِ أصبحَ فضَّا؟ أين فرعونُ في المواكبِ تَترى ... يُركضُ المالكينَ كالخيلِ ركضا؟ ساق للفتح في الممالِك عرضاً ... وجلا للفَخارِ في السلمِ عرضا أين إِيزيسُ تحتها النيلُ يجري ... حكمتْ فيهِ شَاطئَين وعرضا؟

стр. 2139

أسدلَ الطرفَ كاهِنٌ ومليكٌ ... في ثَراها , وأرسلَ الرأسَ خفضا يُعرَضُ المالكون أسرى عليها ... في قيود الهوان عانينَ جَرضى مالَها أصبحتْ بغير مُجيرٍ ... تشتكي من نوائبِ الدّهر عضَّا هيَ في الأسرِ بين صخرٍ وبحرٍ ... مَلْكةٌ في السجون فوقَ حضوضى أين هوروسُ بين سيفٍ ونطعٍ ... أبهذا في شرِعهم كان يُقضي؟ ليت شعري! قضى شهيدَ غرامٍ ... أم رماهُ الوشاةُ حِقداً وبُغضا؟ رُبَّ ضربٍ من سوطِ فرعونَ مضٍّ ... دونَ فعلِ الفراقِ بالنفسِ مَضَّا وهلاكٍ بسيفِهِ وهوَ قانٍ ... دونَ سيفٍ من اللواحظِ يُنضى قتلوهُ فهل لذاك حديثٌ؟ ... أين راوي الحديثِ نثراً وقرضا؟ شيمةُ النيل أن يفي , وعجيبٌ ... أحرجوهُ فضيَّعَ لعهدَ نقضا حاشَهُ الماءُ فهو صيدٌ كريمٌ ... ليتَ بالنيلِ يومَ يسقطُ غيضَا شيَّدوا المال , والعلومُ قليلٌ ... أنقذوهُ بالمال والعلمِ نقضا نكبة بيروت على أثر ضرب الأسطول الإيطالياني لمدينة بيروت تليت في الحفلة التي أقيمت في مصر برئاسة دولة الأمير محمد علي باشا شقيق الجناب الخديوي لمساعدة منكوبي تلك الحادثة: يا ربِّ أمرُكَ في الممالك نافذٌ ... والحُكمُ حكمُك في الدَّمِ المسفوكِ إِن شئتَ أهرقْهُ , وإِن شئتَ احمِهِ ... هوَ لم يكن لسواكَ بالمملوكِ واحكمُ بعدلك , إِنَّ عدلَك لم يكنْ ... بالممتَرَي فيهِ ولا المشكوكِ ألأِجْلِ آجالٍ دَنتْ وتهيَّأتْ ... قدَّرتَ ضربَ الشاطئِ المتروكِ ما كان يَحميهِ ولا يُحمي بهِ ... فُلُكانِ أنعمُ من بواخرِ كوكِ هذي بجانبها الكسيرِ غريقةٌ ... تهوي , وتلكَ برُكنها المدكوكِ بيروتُ , مات الأُسدُ حتفَ أُنوفهم ... لم يَشهروا سيفاً ولم يحموكِ سبعون ليثاً أُحرقوا أو أُغرقوا ... يا ليتهم قُتلوا على طبروكِ كلٌّ يصيدُ الليثَ وهو مقيَّدٌ ... ويعزُّ صيدُ الضيغمِ المفكوكِ يا مَضرِبَ الخيَم المنيفةِ للقرى ... ما أنصفَ العُجْمُ الألى ضرَبوكِ ما كُنتِ يوماً للقنابلِ موضعاً ... ولوَ أنَّها من عسجدٍ مسبوكِ بيروتُ , يا راحَ النزيلِ وأُنسَهُ ... يمضي الزمانُ عليَّ لا أسلوكِ الحسنُ لفظٌ في المدائنِ كلِّها ... ووجدتُهُ لفظاً ومعنىً فيكِ نادمتُ يوماً في ظلالِك فتيةً ... وسموا الملائكَ في جلالِ ملوكِ يُنسون حَسَّاناً عصابةَ جُلَّقٍ ... حتى يكادَ بجلّقٍ يفديكِ تاللهِ ما أحدَثتِ شرّاً أو أذىً ... حتَّى تُراعي أو يُراعَ بنوكِ أنتِ التي يحمي ويَمنعُ عِرضَها ... سيفُ الشريفِ وخنجرُ الصعلوكِ أن يجهلوكِ فإن أُمّكِ سورِيَا ... والأبلقَ الفردَ الأشمَّ أبوكِ والسابقينَ إلى المفاخر والعُلى ... بَلْهَ المكارمَ والنَّدَى أهلوكِ سالت دماءٌ فيكِ حولَ مساجدٍ ... وكنائسٍ ومدارسٍ وبُنوكِ كنَّا نُؤمِّلُ أن يُمَدَّ بقاؤُها ... حتى تبلَّ صدى القنا المشبوكِ لكِ في رُبى النيل المبارَكِ جيرةٌ ... لو يقدرون بدمعِهم غَسَلوكِ يكفيكِ بُرءاً للجراحِ ومرهماً ... أنَّ الأمير محمَّداً يأسوكِ لو يستطيعُ كرامُ مصرَ كرامةً ... لمحمَّدٍ بقلوبهم ضمدوكِ هو في ابتناءِ المجد صورةُ جَدّهِ ... أذكرتِ إبراهيم في ناديكِ؟

стр. 2140

العصر والعصفور نظمت في خلال أسبوع الطيران الذي أقيم في مصر الجديدة من ٦ - ١٣ فبراير شباط سنة ١٩١٠ قُمْ سُليمانُ , بِساطُ الرّيحِ قامَا ... مَلَكَ القومُ من الجوِّ الزمَانا حينَ ضاقَ البَرُّ والبحرُ بهم ... أسرَجُوا الريحَ وسامُوها اللّجاما صارَ ما كان لكم مُعجزةً ... آيةً للعِلمِ آتاها الأناما قدرةٌ كنتَ بها منفرِداً ... أصبَحتْ حصَّةَ من جَدَّ اعتزِاما عينُ شمسٍ قامَ فيها مارِدٌ ... من عفاريتكَ يُدعى لتهاما يَملأُ الجوّ عَزيفاً كلَّما ... ضَربَ الريحَ بسوطٍ والغَماما ملَك الجوّ تليهِ عصبةٌ ... جَمعتْ شَهماً وندباً وهُماما فاستووا فوقَ مناطيدِهمِ ... ما يُبالونَ حياةً أم حِماما وقبوراً في السَّمواتِ العُلى ... نزلوا , أم حُفُراتٍ ورغَاما مطمئنّين نفوساً كلَّما ... عبستْ كارثةٌ زادوا ابتساما صهوةَ العزِّ اعتلوا تحسبَهُم ... جَمْعَ أملاكٍ على الخيلِ تَسَامى رفعُوا لولبَها فاندَفَعتْ ... هل رأيتَ الطيرَ قد رَفَّ وحاما شالَ بالأذنابِ كلٌّ , ورَمى ... بجناحَيهِ كما رُعتَ النّعاما ذهبتْ تسمو فكانت أعقُباً ... فنسوراً , فصُقوراً , فَحماما تنبري في زرَقِ الأفْقِ كما ... سبَحَ الحوتُ بدأ ماَء وعَاما بعضُها في طلَبِ البعضِ كما ... طارَدَ النسْرُ على الجوّ القطاما ويراها عالَمٌ في زُحَلٍ ... أُرسِلتْ من جانبِ الأرضِ سَهاما أو نجوماً ذاتَ أذنابٍ بدت ... تُنذرُ الناسَ نُشوراً وقياما اجعلوها رُسلَكم أهلَ الهوى ... تنقلُ الأشواقَ عنكم والغَراما واستعيروها جَناحاً طالما ... شغفَ الصبَّ , وشاقَ المستهاما يَحملُ المضني إلى أرضِ الهوى ... يَمنَاً حلَّ هواهُ أم شاما أركَبُ اللّيثَ ولا اركبُها ... وأرى ليثَ الشَّرى أوفى ذِماما غدرَت جيرونَ لم تحفَلْ بهِ ... وبما قرصِ من فوزٍ وراما وقعتْ ناحيةً فاحترقتْ ... مثلَ قرصِ الشمسِ بالأفْقِ اضطراما راضَها باليُمنِ من طلعِتَهِ ... خيرُ مَن حَجَّ ومَن صلَّى وصاما كخليلِ اللهٍ في حضرتِهِ ... خرَّتِ النَّارُ خشُوعاً واحتِراما ما لروجه صاعِداً ما ينتهي ... أتُراهُ آثرَ الجوَّ فراما؟ كلَّما دارَ بهِ دورتَهُ ... أبدتِ الريحُ امتثالاً وارتساما أنا لو نُلتُ الذي قدْ نالَهُ ... ما هبطتُ الأرضَ أرضاهَا وخُصاما؟ هل ترَى في الأرضِ إِلاَّ حَسَداً ... ورياءً ونزِاعاً وخُصاما؟ مُلْكُ هذا الجوِّ في مِنعَتِهِ ... طالما للنَّجمِ والطيرِ استقاما حَسَدَ الإنسانُ ربّيهِ بما ... أوتيا في ذروةِ العزّ اعِتصاما دخَلَ العِشَّ على أنسُرِهِ ... أتُرى يَغشى من النَّجمِ السَّناما أيُّها الشرقُ , انتبْه من غفلةٍ ... ماتَ مَنْ في طُرُقاتٍ السَّيل ناما لا تقولنَّ عظاميٌّ أنا ... في زمانِ كان للناسِ عصاما شاقتِ العلياءُ فيهِ خَلَفاً ... ليس يألوها طلاباً واغتناما كلَّ حينٍ منهمُ نابغةٌ ... يفضلُ البدرَ بهاءً وتماما خالِقَ العصفور , حيَّرتَ بهِ ... أُمماً بادُوا وما نالُوا المراما أفنوا النقدينِ في تقليدهِ ... وهوَ كالدرهمِ ريشاً وعِظاما أتَرى القوَّةَ في جُؤجؤِهِ ... وهو بالجؤْجؤِ ماضٍ يترامى
следующие страницы →