Полный текст (2 201 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الأدباء وآزرهم للقيام بالنهضة الحديثة التي بدت طلائعها في أوائل القرن العشرين حتى كادت ترجع إلى الآداب العربية عصورها الذهبية.
أقدمنا على هذا العمل بعد مفاوضة السواد الأعظم من أئمة حملة الأقلام، فأنسنا منهم ارتياحاً عظيماً إلى هذا المشروع، لنهم كانوا يشعرون جميعهم بالحاجة إلى التكاتف والتعاون، لئلا يظلوا منفصلين عن بعضهم بعض، فلا يعرف الأديب المصري شيئاً عن الأديب الشامي، ولا يدري هذا شيئاً عن زميله العراقي، وقس على ذلك.
وإذا ألقيت نظرة على الأجزاء التي صدرت من هذه المجلة، ترى مقدار استحسان القوم لهذه الفكرة، وإقبال الأدباء على تعضيدها بغية تحقيق هذه الأمنية الشريفة. وتجد في كل جزء ميداناً تتبارى فيه أقلام الكتاب من كل صقع. حتى عرفت مجلة الزهور بهذه الميزة على سائر المجلات، وأصبح يراسلها العدد الكبير من أدباء مصر والشام والعراق والجزائر ومراكش. ناهيك بما يحمل إلينا البريد من رسائل التنشيط وكلمات الاستحسان.
ولقد سهل علينا إدراك هذه الغاية خصوصاً فيما يتعلق بمصر وسوريا، لسهولة الموصلات، وتشابه التقاليد والعادات بين هذين القطرين الشقيقين، وسير الحركة الفكرية فيهما في مجرى واحد.
ولهذا ما كدنا نعلن عن عزمنا على إصدار العدد السنوي الكبير حتى تواردت علينا الرسائل من القراء، وكلهم مجمعون على جعل موضوع العدد الخاص مصر وسوريا وكنا قد تركنا للقراء الكرام
стр. 247
حق اختيار الموضوع الذي يروقهم البحث فيه , ولقد سرنا هذا الاقتراح أيما سرور لأننا رأينا فيه استحسان العامة وجمهور القراء لغاية المجلة، بعد استحسان الخاصة وفئة الأدباء. وأيقنا بنجاح تلك الفكرة، وهي التوصل شيئاً فشيئاً إلى إحكام الرابطة الأدبية بين الأمصار العربية.
هذه هي الأسباب التي حملت إدارة هذه المجلة أيها القارئ العزيز على أن تتقدم إليك بهذا العدد الخاص المتوج باسم القطرين العزيزين، وهي على يقين تام من انه سيحل منك محل
الرضى والارتياح.
* * *
بقي علينا بعد ذلك تقرير كيفية طرق هذا الموضوع الواسع. إذ ما عسانا أن نقول عن مصر وسوريا. ومصر وسوريا مهد الحضارة والمدنية، والملعب الذي تمثلت عليه أكبر مشاهد تاريخ البشرية. بل إن فينيقيا وأرض الفراعنة هما محور التاريخ القديم، ودائرة قطبه. حولهما كان معترك الأمم. وفيهما كان ممر الشعوب في زحفها من الشرق إلى الغرب، أو من الغرب إلى الشرق. في هذين القطرين حدثت الحوادث المأثورة، وفي ربوعهما جرت الوقائع المشهورة. فكانا في أيام الحرب ساحة الهيجاء، وفي أيام السلم مجتمع العلماء. هذا من الوجهة التاريخية أما من الوجهة الجغرافية فإن ذينك القطرين قبل نقض برزخ السويس وبعد نقضه كانا الرابطة بين آسيا وأفريقيا، والطريق اللاحبة بين أوروبا والهند والعالم الجديد. أما الوجهة السياسية فقد ضربنا عنها صفحاً في بحثنا منذ البداية، لأن مجلتنا غريبة منذ نشأتها عن السياسيات.
стр. 248
وعليه فقد وجدنا موضوعنا واسعاً مترامي الأطراف، تضيق المجلدات الضخمة عن استيعاب بعض أبوابه، سيما وغنه ليس ن غايتنا إيراد تاريخ القطرين ووصفهما جغرافياً، فالكتب التي تبحث في ذلك هي فوق الحصر فضلاً عن أن ذلك خارج عن نطلق مجلة أدبية فنية مثل الزهور ولذلك آثرنا طرق هذه الموضوع من الوجهة الأدبية. فاستكتبنا الأدباء الأعلام الذين يساعدون في تحرير هذه المجلة وأضفنا إلى كتاباتهم شيئاً من أقوال الكتاب الغابرين وبعض الشذرات الأدبية في هذا الموضوع. وزينا ذلك ببعض رسوم المناظر الطبيعية والآثار القديمة في القطرين، زيادةً في الفائدة والرونق.
ولا ندعي ذكر كل ما يستحق الذكر من الآثار والمناظر وما كتب فيها قديماً وحديثاً، لأنه لا يخفى ما يستغرق ذلك من الفصول الطوال إذ إن لكل شبر من هذه الأراضي تاريخاً عظيماً أو أن فيه أثراً فخيماً. فضلاً عن أن لنا متسعاً في الأعداد القادمة لذكر ما ضاق هذا الجزء عن إيراده سواء كان عن مصر وسوريا أو عن سائر الأقطار العربية.
* * *
نعم إن الإنسان ينظر إلى ماضيه، فيخاله أحسن مما كان؛ وإلى حاضره، فيراه أقبح مما
هو؛ وإلى مستقبله، فيظنه أسعد مما سيكون؛ وبحق قال دانتي الشاعر التلياني: لا حسرة للإنسان في أيام تعاسته أعظم من ذكره مجده السالف ولكن هذا المبدأ الصحيح في كل فرد من الهيأة الاجتماعية فاسد إذا ما استعملناه للشعوب، فالشعوب تحيا
стр. 249
بماضيها الذي تعده إرثاً ثميناً من الأجداد. ومن صفحات عزها الغابر تتخذ لها قوة تؤهلها للحياة الأمل. فنحن نذكر إذن ماضينا لننشط في حاضرنا، ويزداد أملنا في مستقبلنا. . . فعسى أن تؤدي مجلتنا بعض هذه الخدمة.
والعرب اليوم أشبه باليونان من حيث موقفهم إزاء الرقي الاجتماعي: ماضٍ مجيد، وحاضر مضطرب، ومستقبل مجهول سيكون كما يشاؤون وعلى مقدار استفادتهم في حاضرهم من عبر ماضيهم. ونحن اليوم لسنا في الظلام ولا في النور. ولكننا واقفون بين هذا وذاك. فعسى أن يكون ذلك غلساً يعقبه إشراق النهار، لا غسقاً يتقدم زوال الأنوار.
ولقد جرى اليونان في هذه السنوات الأخيرة على عادة جميلة، كان لها أكبر تأثير في إحكام رابطتهم القومية. وهي أنهم يصدرون كتاباً سنوياً يشترك في تحريره كل كتابهم من جميع الأصقاع التي نزلها أبناء العنصر اليوناني، فيكتب كل واحد منهم فصلاً عن أحوال أبناء جنسه في البلد الذي استوطنوه، فيتألف من ذلك مجموعة ضافية تتضمن كل ما يجدر بأبناء العنصر الواحد معرفته عن إخوانهم وحالتهم الأدبية والاقتصادية. . . ويجمل بالعرب، وهم الضاربون في أنحاء مختلفة، أن يحذوا هذا الحذو، فيأتوا مثل هذا العمل الذي لا تعد فوائده، ولا تحصى منافعه. فتكون تلك المجموعة أشبه بمؤتمر سنوي - يصعب عقده فعلاً - يتعارف بواسطتها أهل مصر وسوريا والعراق واليمن ومراكش والجزائر وتونس والمهاجرون منهم إلى أمريكا وأستراليا والشرق الأقصى
стр. 250
ويطلعون على شؤونهم بعضهم بعض في كل هذه الأصقاع فيتبادلون المنفعة والفائدة.
ولم يتيسر لهذه المجلة أن تقوم بمثل هذه الخدمة منذ سنتها الأولى، نظراً إلى مشقة هذا العمل ووجوب إعداد اللازمة لهذا المشروع الكبير، ولكن تلك أمنية من أمانيها ستعمل على تحقيقها بمناصرة الفضلاء الغيورين.
* * *
وفي هذا العدد - وإن كان قاصراً على الأدبيات - مقدمة لهذا المشروع الكبير. لأن ترابط
الأجزاء الواحد بعد الثاني يؤول حتماً إلى ترابط الكل.
ولقد قسمنا موضوعنا إلى ثلاثة أقسام: الأول يبحث في مصر، والثاني في سوريا، والثالث يتناول شيئاً من أقوال كتاب كل قطر في الثاني، مما يزيد توثيق عرى التقرب بين القطرين.
هذه هي الخدمة التي ينبغي أن نقوم بها، والغاية التي يجب أن نسعى إليها، ولا نشك في أن كل قارئ يود المساعدة على تحقيقها. فإن وراء ذلك تقريب القلوب، ونشر السلام والوئام؛ والله الموفق في البداية والختام.
مدير المجلة
стр. 251
١ - مصر
أسماء مصر
مرجع أسماء مصر إلى ثلاث لغات مختلفة: اللغة المصرية، واللغات السامية، واللغة اليونانية. فمن الأسماء المصرية قيمت ومنه اشتق الاسم القبطي الصعيدي قيمه والاسم القبطي المنفي خيمي وقد اختلفوا في معناه فمن قائل أنه موقد، أو مجمرة، أو تنور. ومن قائل إنه ربوة ذات نار مستعرة. ومن قائل إنه أسود. ومن أسمائها بق وهو شجر اليسار، سميت به لكثرته فيها قديماً. وكذا تونهي، أي أرض الجميز، لكون ينبت فيها بكثرة. ولها أسماء أخرى غير ذلك، منها آن تاوي أي إقليم مدينة آن الشهيرة الآن بعين شمس.
وأما أسماؤها السامية فهي مصير ومصري وجدت في الألواح الآشورية التي وردت من تلك العمارنة وتاريخها سنة ١٧٠٠ ق. م. وفي شروط العائلة الأولى البابلية المؤرخة سنة ٢٠٠٠ ق. م. ذكرت باسم موصور في الآثار الآشورية المنقوشة في عهد السرجونيين.
стр. 252
وذكرت في العبرية باسم ماصور وهو مأخوذ من مصرايم. وتعرف في العربية بمصر.
أما أسماؤها المتعارفة عند اليونان وفي أوروبا فهي أجيبتوس قال بروكش إنه مشتق من حاكابتاح اسم منف عاصمة الحكومة المصرية القديمة. لأن الأقوام المتوحشة من ملاحي البحر الأبيض كانوا يقيمون في مصر أزماناً طويلة فيسمعون من أهلها اسم عاصمتهم هذا لأنها كانت اكبر مدن مصر وأهمها وأغناها. فنقلوا اسمها إلى بلادهم وحرّفوه إلى اجيبت، وهو الشائع الآن. . . وذهب بكتيت إلى غير ذلك، فقال إن إِ معناه الماشية وجوب معناه الحارس فيكون معناهما الراعي. وقد جعلا اسماً للعقاب تهكماً به، ثم أطلقا على مصر من قبيل التهكم لإغارة الرعاة.
أحمد كمال
стр. 253
فرعون وقومه
هذه قصيدة لسعادة أستاذ الشعراء إسماعيل باشا صبري، وهي من خير ما قيل في آثار مصر. وقد ضمنها الشاعر نظرية جديدة، وهي أن هذه البنايات الفخيمة لم تتم إلا على يد عمال كانوا يطلبون الإتقان الفني إكراماً للفن لا خوفاً ولا طمعاً. ولا يضارع جلال هذه الأبيات وفخامتها إلا جلال وفخامة تلك الآثار:
لا القوم قومي ولا الأعوان أعواني ... إذا ونى يوم تحصيل العلى وإني
ولست - إن لم تؤيدني فراعنة ... منكم - بفرعون عالي العرش والشان
ولست جبار ذا الوادي إذا سلمت ... جباله تلك من غارات أعواني
لا تقربوا النيل إن لم تعملوا عملاً ... فماؤه العذب لم يخلق لكسلان
ردوا المجرة كداً دون مورده ... أو فاطلبوا غيره رياً لظمآن
وابنوا كما بنت الأجيال قبلكمو ... لا تتركوا بعدكم فخراً لإنسان
أمرتكم فأطيعوا أمر ربكمو ... لا يئن مستمعاً عن طاعة ثاني
فالملك أمر وطاعات تسابقه ... جنباً لجنب إلى غايات إحسان
لا تتركوا مستحيلاً في استحالته ... حتى يميط لكم عن وجة إمكان. . .
* * *
مقالة قد هوت من عرش قائلها ... على مناكب أبطال وشجعان
مادت لها الأرض من ذعر ودان لها ... ما في القطم من صخر وصوان
لو غير فرعون ألقاها على ملأ ... في غير مصر لعدت حلم يقظان
لكن فرعون إن نادى بها جبلاً ... لبت حجارته في قبضة الباني
وآزرته جماهير تسيل بها ... بطاح وادٍ بماضي القوم ملآن
стр. 254
يبنون ما تقف الأجيال حائرة ... أمامه بين إعجاب وإذعان
من كل ما لم يلد فكر ولا فتحت ... على نظائره في الكون عينان
ويشبهون إذا طاروا إلى عمل ... جناً تطير بأمر من سليمان
براً بذي الأمر لا خوفاً ولا طمعاً ... لكنهم خلقوا طلاب إتقان
* * *
أهرامهم تلك - حي الفن متخذاً ... من الصخور بروجها فوق كيوان
قد مر دهر عليها وهي ساخرة ... بما يضعضع من صرح وإيوان
لم يأخذ الليل منها والنهار سوى ... ما يأخذ النمل من أركان ثهلان
كأنها - والعوادي في جوانبها ... صرعى - بناء شياطين لشيطان
جاءت إليها وفود الأرض قاطبة ... تسعى اشتياقاً إلى ما خلد الفاني
فصغرت كل موجود ضخامتها ... وغض بنيانها من كل بنيان
وعاد منكر فضل القوم معترفاً ... يثني على القوم فيسر وإعلان
تلك الهياكل في الأمصار شاهدة ... بأنهم أهل سبق أهل إمعان
وإن فرعون في حول ومقدرة ... وقوم فرعون في الإقدام كفؤان
إذا أقام عليهم شاهداً حجر ... في هيكل قامت الأخرى ببرهان
كأنما هي - والأقوام خاشعة ... أمامها - صحف من عالم ثاني
تستقبل العين في أثنائها صور ... فصيحة الرمز دارت حول جدران
لو أنها أعطيت صوتاً لكان له ... صدى يروع صم الأنس والجان
* * *
أين الألى سجلوا في الصخر سيرتهم ... وصغروا كل ذي ملك وسلطان
стр. 255
بادوا وبادت على آثارهم دول ... وأدرجوا طي أخبار وأكفان
وخلفوا بعدهم حرباً مخلدة ... في الكون ما بني أحجار وأزمان
وزحزحوا عن بقايا مجدهم وسطا ... عليهم العلم ذاك الجاهل الجاني
ويل له هتك الأستار مقتحماً ... جلال أكرم آثار وأعيان
للجهل أرجح منه في جهالته ... إذا هما وزنا يوماً بميزان
إسماعيل صبري
آثار مصر
١ - هيل أنس الوجود
أيها المنتحي (بأصوان) داراً ... كالثريا تريد أن تنقضا
اخلع النعل واخفض الطرف واخشع ... لا تحاول من آية الدهر غمضا
قف بتك القصور في اليم غرقى ... ممسكاً بعضها من الذعر بعضا
كعذارى أخفين في الماء بضاً ... سابحاً به وأبدين بضا
مشرفات على الزوال وكانت ... مشرفات على الكواكب نهضا
شاب من حولها الزمان وشابت ... وشباب الفنون ما زال غضا
رب نقش كأنما نفض الصا ... نع منه اليدين بالمس نفضا
ودهان كلامع الزيت مرت ... أعصر بالسراج والزيت وضا
وخطوط كأنها هدب ريم ... حسنت صنعة وطولاً وعرضا
وضحايا تكاد تمشي وترعى ... لو أصابت من قدرة الله نبضا
стр. 256
ومحاريب كالبروج بنتها ... عزمات من عزمة الجن أمضى
شيدت بعضها الفراعين زلفى ... وبنى البعض أجنب يترضى
ومقاصير أبدلت بفتات ال ... مسك ترباً وباليواقيت قضا
حظها اليوم هدة وقديماً ... صرفت في الحظوظ رفعاً وخفضا
سقت العالمين بالسعد والنح ... س إلى أن تعاطت النحس محضا
صنعة تدهش العقول وفن ... كان إتقانه على القوم فرضا
* * *
يا قصوراً نظرتها وهي تقضي ... فسكبت الدموع والحق يقضى
أنت طغراً ومجد مصر كتاب ... كيف سام البلى كتابك فضا
؟؟؟ وأنا المحتفي بتاريخ مصر ... من يصن مجد قومه صان عرضا
لم تمت أمة ولا باد شعب ... أقرضوا الذكر والأحاديث قرضا
رب سر بجانبيك مزال ... كان حتى على الفراعين غمضا
قل لها في الدعاء لو كان يجدي ... يا سماء الجلال لا صرت أرضا
حار فيك المهندسون عقولاً ... وتولت عزائم العلم مرضى
أين ملك حيالها وفريد ... من نظام النعيم أصبح فضا
أين فرعون في المواكب تترى ... يركض المالكين كالخيل ركضا
ساق للفتح في الممالك عرضاً ... وجلا للفخار في السلم عرضا
أين إزيس تحتها النيل يجري ... حكمت فيه شاطئين وعرضا
أسدل الطرف كاهن ومليك ... في ثراها وأرسل الرأس خفضا
стр. 257
يعرض المالكون أسرى عليها ... في قيود الهوان عانين جرضى
ما لها أصبحت بغير مجير ... تشتكي من نوائب الدهر عضا
هي في الأسر بين صخر وبحر ... ملكة في السجون فوق حضوضى
أين هوروس بين سيف ونطع ... أبهذا في شرعهم كان يقضى
ليت شعري قضى شهيد غرام ... أم رماه الوشاة حقداً وبغضا
رب ضرب من سوط فرعون مضٍ ... دون فعل الفراق بالنفس مضا
وهلاك بسيفه وهو قان ... دون سيف من اللواحظ ينضى
قتلوه فهل لذاك حديث ... أين راوي الحديث نثراً وقرضا
شيعة النيل إن بقي وعجيب ... أحرجوه فضيع العهد نقضا
حاشه الماء فهو صيد كريم ... ليت بالنيل يوم يسقط غيضا
شيدوا المال والعلوم قليل ... أنقذوه بالمال والعلم نقضا
شوقي
стр. 258
٢
وقد غمرت المياه قسماً من هذا الأثر البديع المشيد على عمد في ماء النيل بالقرب من شلال أصوان كما ترى في الرسم. حتى بات يخشى أن يذهب الأثر بعد العين. وقد قال الأديب صاحب الإمضاء باكياً:
وقف عليك دموعي أيها الطلل ... عيني إليك وقلبي للألى رحلوا. . .
أرسلت بالعين في سقياك هامية ... وفي الطلول البوالي ترسل المقل
يا أيها الطلل المزور جانبه ... هون عليك كلانا بعدهم طلل
وقفت باليم رسماً لا حراك به ... واليم مضطرب والموج مقتتل
الدهر مل وآي الدهر كامنة ... في وجهك الطلق لا يبدو بها ملل
قرأت فيهن سر العالمين فيا ... شتان ما بين من قالوا ومن عملوا
كانوا إذا أبصروا شمس الضحى سجدوا ... لها وإن أبصروا شمها الهدى عدلوا
هنالك التاج كانت كلما سطعت ... بدوره طأطأت هاماتها الدول
عبد الحليم المصري
وآثار مصر من ستة أنواع وهي الأهرام والمسلات والتماثيل والقصور والهياكل والقبور. وأكبرا لأهرام وأشهرها هرم كيوبس في الجيزة وعلوه ١٣٨ متراً ومن المسلات مسلات كرنك واون والإسكندرية ومن التماثيل تماثيل ممنون ورعمسيس ومن القصور البرنث في الفيوم وهو يحتوي على ١٢ قصراً و٣٠٠٠ غرفة ومن الهياكل هيكل كرنك ولقصر إلخ. . .
стр. 259
النيل
مصر هيدة من النيل
(هيردوت)
اسم النيل مأخوذ عن اليونان وأصل الكلمة في لغتهم نيلوس ولعل اليونان أخذوها عن الفينيقيين أو الحثيين أو عن القبائل التي كانت في لوبيا أو في آسيا الصغرى. أما اسمه عند المصريين بصفته مقدساً فهو جعبى وإن أخرجوه عن الألوهية سموه يومع ومعناه اليم. أو سموه النهر الكبير أور ويؤخذ من الرسوم القديمة أنه كان يكنى بأبي الأرباب، ورب الغذاء، ومخرج المأكولات بخصبه، ومالئ القطرين بمحصولاته، ومانح الحياة، ومزيل المجاعة إلخ. وحقاً إن النيل لكذلك.
وهو يحدث في مصر ثلاث هيئات: الأولى زمن الفيضان، فتصبح فيه مدن مصر جزائر وأرضها أنهاراً ولكن ذلك سيزول بمشروعات الري الجديدة. والثانية زمن الانحسار، فتتكون فيه كجنة أغراسها نضرة ومزارعها يانعة خضرة. والثالثة زمن التحريق فتكون الأرض فيه قحلة جدبة عليها غبرة. ولقد أصاب أحد شعراء العرب إذ قال:
كأن النيل ذو فهم ولب ... لما يبدو لعين الناس منه
فيأتي حين حاجتهم إليه ... ويمضي حين يستغنون عنه
وقال أبو الحسين المعروف بابن الوزير مشيراً إلى ما ينجم عن الفيضان من الخيرات:
أرى أمداً كثيراً من قليل ... وبدراً في الحقيقة من هلال
فلا تعجب فكل خليج ماء ... بمصر مسبب لخليج مال
زيادة إصبع في كل يوم ... زيادة أذرع في حسن حال
стр. 260
عيد النيل
وكانوا يحتفلون قديماً بعيد النيل احتفالاً عظيماً، فإذا جاء الانقلاب الصيفي وأتى الماء المقدس من أجباب أسوان إلى جبل السلسلة قامت القسوس المقيمة في هذا الجبل أو الملك الحاكم أو ابنه فيتقرب بثور أو بإوز، ثم يلقي في الماء قرطاساً مختوماً من البردى يشتمل على أمر فيه إطلاق الحرية له بالزيادة، لكي يضمن لمصر الخير بفيضان معتدل وكانوا يعتنون بهذا العيد رعاية للرواية القديمة القائلة إن سعادة السنة أو شقاءها موقوف على ذلك
المهرجان، فإن حصل منهم في شأنه إهمال أو توانٍ، رفض النيل الأمر الصادر إليه، وأغرق الأراضي والجهات. وفي هذا الموسم كان الفلاحون يأتون بالزاد ويأكلون معاً أياماً متوالية ويشربون حتى يثملوا. ويستمرون على ذلك حتى يأتي يوم الموسم الكبير، فتخرج حينئذ القسوس من المحراب وبينهم تمثال فيزفونه على الشاطئ بالألحان والأصوات المطربة والترتيل والمدائح وصدح الآلات الموسيقية فيقولون ما ملخصه:
السلام عليك أيها النيل، يا من ظهرت على هذه الأرض وأتيت لإحياء مصر، أنت الذي يختفي مجيئك في الغياهب إلى يوم الترتيل بقدومك أنت البحر المفيض بمياهك على البساتين التي أوجدتها الشمس لنا لتحيي جميع ما يكون في شرق. أنت صانع القمح وموجد الشعير ومطيل أجل المعابد. إن تعطلت أصابعك أو اعتراك كساد، أصبحت الألوف من الناس في فاقة. وإن نقصت وقت نزولك من السماء، أفنيت المعبودات والخلق، وتكدرت الحيوانات وصارت الأرض كباراً وصغاراً في عذاب. وإذا كانت الحال على عكس ذلك واستجيب دعاء الناس تصيح الأرض ابتهاجاً، وينشرح كل ذي بطن، ويهتز كل ظهر من الضحك. . . يا مجلب
стр. 261
الأرزاق ومكثر المأكولات، أنت الذي يوجد علف الحيوانات، ويعطي كل ما لزم لقرابين المعبودات، أنت الذي يهتم بالقطرين فتمتلئ المخازن وتزداد خيرات الفقراء، أنت الذي يستجيب دعاءهم عند تقديم النذور فلا ينقصهم شيء. . . وإذا دخلت كنت محاطاً بالأغاني، وإذا خرجت صاحبك التهليل، وإذا رقصوا فرحاً يوم ظهورك من غياهب مكمنك فما ذلك إلا لكون عجزك اضمحلال لهم وفساد. . ومتى تضرعوا إليك لينالوا الماء السنوي شوهد أهالي مصر الوسطى وأهالي الوجه البحري مصطفين بعضهم بجانب بعض، وكان كل امرئ حاملاً لعد صنعته ولا ينزوي أحد وراء جاره. . أنت منبت الأرزاق الحقيقية التي هي رغبة الناس. . هذا هو كلام الالتماس الذي يجعلك مجيباً لدعائهم وإذا تكرمت بلجج المحيط السماوي على الإنسانية قدم نبرى معبود الحب عندئذ قربانه وسجدت لك كل المعبودات قاطبة. ومتى عجنت يداك شيئاً صار ذهباً، أو طوبة صارت فضة. لا يوكل اللازورد لكن القمح أفضل من الأحجار الكريمة. لقد شرعوا في الغاني على العود، وأخذوا يرتلون لك بتصفيق مستمر لتبتهج من أجلك ذراري أولادك، وليكثروا من أجلك تراتيل المدح، كيف لا والنيل هو إله الثروة، وهو الذي يحيي قلوب
النساء الحبالى. ولو تأخر عن إعطاء الغذاء، لزالت السعادة من المساكن، ووقت الأرض في ضعف شديد. . .
ولا يزال المصريون حتى اليوم يحتفلون احتفالاً عظيماً بما يسمونه وفاء النيل ولقد جرى الاحتفال هذا العام في ٢٥ أغسطس (آب) الماضي بالأبهة المعتادة:
стр. 262
وفاء النيل
في هذا اليوم الذي كان فيه قدماء المصريين يقدمون لك فتاة من أجمل فتياتهم، ويلبسونها أجمل الأثواب وأثمن الحلى، ويأتون بها إلى وسط مياهك الهادئة ويطرحونها ضحية في أمواجك اللطيفة، نأتي نحن أيضاً أبناء القرن العشرين بتقدماتنا وضحايانا.
كنت إلهاً عظيماً، لأنك كجميع آلهة البشر قوة عجيبة من قوى الكون ومظهر غريب من مظاهر الأرض. فحسبوك إلهاً كسائر آلهتهم التي يعبدونها تحب النقمة وترتاح إلى سفك الدماء وتصبو إلى الذبائح والضحايا، لذلك كانوا يزفون إليك كل عام فتاة فتانة لتكون لك عروساً أيها الإله وابن الآلهة. .!
هذا الوحش الضاري السفاح الذي يشرب الدماء والإثم كالماء الذي نسميه إنساناً قد صنعك أنت أيضاً كسائر الآلهة على صورته ومثاله. . .
على نغمات العود والقيثارة والمزمار، وبين أناشيد الغناء وضجيج الاستحسان كانوا يأتون إليك بأميرة من أميراتهم في ربيع صباها وريعان جمالها يترقرق الحسن في وجنتيها ويتألف الجمال في خديها، ولا يخشون أن يطرحوها في أحشائك أنت إله الرحمة والصلاح!
* * *
كنت إلهاً عظيماً، ولا تزال إلهاً فخيماً بيدك الخير والشقاء، وبين شفتيك الموت والحياة، تضرب وتشفي، وتميت وتحيي.
стр. 263
لبثت الوفاء من السنين محجباً بحجب الأسرار ومستتراً بستر الألغاز، فاقتفى البشر آثارك في البيد والقفار، وتتبعوا مسيرك في الصحارى والرمال، وناجوك كما ناجوا كل إله سواك ليعلموا من أنت وما أنت وهم يحسبون الآن أنه قد كشفوا سرك وأوضحوا أمرك - أيخترقون أحشاء الأرض، أيشقون الأطواد الراسيات بعضها بجانب بعض؟ إنهم لمقصرون عن ذلك تقصيراً، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
تسير في عقيقك الفخيم العجيب، كما تسير الآلهة في طرقها، لا تلتفت يمنة ولا يسرة - تضحك من أبناء آدم وعلومهم وأفراحهم وأتراحهم وبخارهم وكهربائيتهم كما يضحك منهم جوبتير من نوافذ أولمبس.
الإنسان ابن أمس أما أنت فكائن منذ الأزل وستبقى إلى الأبد!
عبدوك لأن لك نفعاً يرجى وضراً يخشى كسواك من الآلهة الأخرى.
عبدناك وقد عبدنا قبلك الفلك الدائر، والنجم السائر، والهواء والسحاب، والجو والضباب، والشموس والأقمار، والأحراج والأشجار، والطيور في أوكارها، والأسماك في بحارها والوحوش في أوجارها.
عبدنا من قبلك الخنافس والثيران، والجبل والبركان والهوام والحشرات، والأصلال والحيات، وكل ما سبح في الهواء، وغاص في الماء، ودب في الغبراء.
ولما لم تبق مادة في هذا الكون الذي لا تحيط به العقول، وليس إلى معرفة كنهة من وصول خلقنا من الوهم أكواناً جديدة وقوى عديدة واتخذناها إلهاً ومعبوداً، نخر لها ركعاً وسجوداً.
стр. 264
عندنا آلهة نصفها بشر ونصفها إنسان ومخلوقات رأسها إله وجسمها حيوان.
ولما لم تكفنا كل هذه الآلهة وهي الكون بأسره والوهم بجملته عبدنا الرذائل والأرواح، والشياطين والأشباح، وعقدنا محالفات مع أبالسة جهنم لنقوى بها على سلطة الإله الأحد والفرد الصمد.
فلماذا لا نعبدك أنت أيضاً أيها النيل السائر وسطنا بجلال يسحر العقول، وسر يدعو إلى الحيرة والذهول، الجاري أمامنا في منبسط الغبراء، كما تجري الآلهة في منبسط السماء والمجرة في عقيق الفضاء.
* * *
بيد أننا قد انتقلنا الآن من عبادة الأوثان، ووحدنا الآلهة والأديان وجعلنا إلهنا الأحد ديناراً، واتخذناه لديننا شعاراً، هذا النقد ذو الوجهين نظيرنا هو هو إلهنا ومعبودنا، نتبارى إلى مسجده، ونتجارى إلى معبده.
ولكن أليست مياهك أنت يا إله الخير والصلاح ومصدر الحياة والفلاح هيا لتي حولت نضرة مصر نضاراً، وتربتها تبراً؛ ألست أنت الذي خلق هذا الإله الذي تعبده أمم الأرض طراً وتعفر وجهها أمامه ليلاً ونهاراً، فأنت أنت إذاً إله الآلهة!
* * *
في قلبك أسرار مصر وفي أحشائك ألغاز كهنتها المنافقين، وسحرتها المشعوذين، وفيك
حديث ملوكها وغرائب أهرامها، وعجائب هياكلها، وفنون بنائها وضروب رسومها وسر موميائها.
стр. 265
دفن في جوفك مجد مصر المؤثل وشرفها الباذخ ومدينتها القديمة التي وقف العالم أمامها مدهوشاً والتي تحج إليها عظماء الأرض وأمراؤها وملوكها لتشاهد آثارها فلا ترى إلا أطلالاً دارسة وأنقاضاً متردمة وهياكل ينعب اليوم في خرائبها ومدافن تحوم الغربان حول مواضعها، يحدق العالم فيها ويستنطق آثارها ويستفسر أسرارها ويجلو عن وجهها الصبوح حجب الخفاء والإبهام، فلا تنطق بحرف ولا تبوح بكلمة بل تنظر إليه شاخصة شخوص أبي الهول في الفضاء وأصنام الآلهة في الصحراء!
من يقدر في العالم أن يزيح اللثام عن محيا الآلهة أيزيس التي هي رمز الطبيعة وقد نقش على تمثالها أبلغ ما نقشته يد على حجر أنا هو ما كان وما هو كائن وما سيكون وليس لبشر أن يحسر لثام الإبهام عن محياي!.
* * *
في أحشائك أسرار هذا الكائن المجيب الذي نسميه بشراً والذي توارت أخباره طي الخفاء والكتمان. ألم تتبسم يا إله مصر يوم مست يد الإنسان الأول مياهك المقدسة. هلا فقهت حينئذ أن هذا الوحش الغريب الذي نفتش الآن عن حلقته المفقودة سوف يصير إلهاً نظيرك؟
شاد على ضفافك عروشاً باذخة ودولاً كبيرة ومدائن غناء، وبنى لنفسه صرحاً من المجد كان معجزة الأولين وأعجوبة الآخرين، ثم ضاقت أحشاؤك بمجده فجر جيوشه وجحافله واجتاح الأرض براً وبحراً ودوخ الممالك شرقاً وغرباً، ودوى العالم بحديث جرأته وتجاوب الجو بصدى
стр. 266
انتصاراته وبسط ظل مجده على أقاليم المعمور ونقش اسمه في صفيحة الكون بين أسماء الآلهة بجانب اسمك لأنه ابنك وثمرة أحشائك.
* * *
بيد أنه إله فانٍ كجميع مصنوعاته أما أنت يا من هو صنع الإلاهة (إيزيس) فإنك شطر منها كنت وكائن وسكون وليس لبشر أن يزيح لثام الإبهام عن محياك.
تكونت من مياه الأرض التي تنعقد سحاباً في الجو وتنزل دموعاً كاللؤلؤ على فنن الجبال،
وتتفجر بحاراً في جوف الأرض تجري إلى اليم من حيث ولدت.
إنك منذ الأزل وسوف تبقى إلى الأبد وليس لملكك انقضاء - سيأتي زمن ينقطع فيه صفير البخار الذي يهز أمواجك، وتنطفئ شموس الكهربائية التي تنير وجهك، وتندك هذه البنايات الشامخة القائمة على ضفافك، وتصمت آلات الطرب وأناشيد الغناء على شواطئك، وينقرض هذا الإله الصغير الذي يطاول مجدك مع أهرامه وهياكله وبواخره وآلاته ومدنه. ومدينته ليست هي إلا ألاعيب صبيانة تزول كما يزول اللاعبون بها وتبقى أنت وحدك جارياً في طريقك الأبدية، كما تجري الآلهة في السماء والمجرة في عقيق الفضاء.
* * *
تعود حينئذ إلى جمالك الطبيعي الذي ورثته من إيزيس يوم ولدتك منذ بدء العالم تجري وسط هذا السكون الأبدي بعد أن تكون قد
стр. 267
قطعت هذا السد الصبياني الذي وضعه الإنسان حاجزاً في طريقك، كما يقطع الجبار خيطاً من القنب يشده طفل إلى ذراعيه.
تجري بسكون وصمت، وتسير بجمال وجلال، كما أنت سائر الآن غير مبال بهذا الإله الصغير الذي يجهل سر الآلهة - لا تنبت على ضفافك شجرة معرفة الخير والشر لئلا يأكل منها ويحيا إلى الأبد فيملأ بلادك هياكل وآلهة وجوك لغطاً وصخباً وشواطئك إثماً وفجوراً كما هو فاعل الآن.
تجري حينئذ بسكون وصمت، وتسير بجمال وجلال، لأنك جميل وكل ما حولك جميل من سهول منبسطة وجبال راسية وأشجار باسقة وزهور باسمة - تنظر السماء غليك وتنظر إليها وهي كأنها رقعة من زمرد مرصعة بالماس، تتلألأ دراريها وتتألق أنوارها.
إذا كانت شجرة معرفة الخير والشر موجودة الآن على ضفافك فاجرفها إلى قلب البحر وأعماق الأوقيانس لأن هذا الإله الصغير الساحر الذي هو بجانبك، إذا صار إلهاً خالداً، أفسد الأرض والجو وشوش نظام إيزيس واستأثر بالقوة والسلطان وأقلق راحته وراحة الأكوان.
* * *
ذهب هذا الإله الصغير أمس إلى ضفافك ليعبدك كما كانت تعبدك أجداده وجاء بالسفينة التي كانت أسلافه تضع فيها عروسك لتقدمها ضحية لك لأنه حسبك كنفسه تحب الانتقام
وتصبو إلى الضحايا.
جاء إليك على نغمات العود والقيثارة والمزمار وأصوات الغناء وأناشيد السرور كما كان يجيء قديماً منذ ألوف من السنين. وإذا كان لم يأت بفتاة
стр. 268
يقدمها ضحية لك فذلك ليس لأنه قد عرفك الآن إلهاً تحب الخير وتصبو إلى الصلاح بل لأنه قد أصبح أشد حباً لذاته وأكثر استئثاراً من ذي قبل فحفظ الفتاة لنفسه - إنه غبي جاهل ولا يزال يصنع آلهة أخرى على صورته ومثاله!
هذا وفاؤك أيها النيل فسر في طريقك الأبدية وسبيلك الخالد كما تسير الآلهة في السماء والمجرة في عقيق الفضاء.
الدكتور سعادة
وهذا نص الحجة التي تكتب سنوياً في الاحتفال بوفاء النيل بحضور فضيلة مفتي الديار المصرية والعلماء والأعيان:
في ليلة كذا الموافق كذا سنة كذا قبطية في المجلس المنعقد بالصيوان المنصوب برأس الخليج الحاكمي بمصر المحروسة لدى. . . . بمحضر كل من. . . . وحضرات الأساتذة. . . . وحضرات. . . . من أعيان مصر وغيرهم من الفضلاء والوجوه قد تحقق وفاء النيل المبارك بأن بلغ في يوم كذا المرقوم السابق لهذه الليلة كذا ذراعاً وكذا قيراطاً من الذراع المعتاد بمقياس الروضة في القاهرة. وذلك من فيض الله وإحسانه وتكرمه، ورأفة بعباده، وقد انشرحت بذلك الصدور وطلب الجميع من المولى الغفور أن يجعل النفع به عاماً، ويديم السرور. وقد وجب الخراج على أرباب الأطيان وأداء الأموال والمرتبات لجهة الخزينة العامرة حكم المعتاد، والحمد لله على منته، والمرجو من فيض فضله أن يجرينا على عوائده وإحسانه، أنه ولي ذلك والقادر عليه، وفي يده مقادير كل شيء وكل شيء راجع إليه.
стр. 269
والنخل كالغيد الحسان تزينت ... ولبسن من أثمارهن قلايدا
ظافر الحداد
وللنخيل منظر مهيب ... تراع في جماله القلوب
فوق الضفاف ظلها رهيب ... صفاً بصف زانها الترتيب
من كل جبار عظيم القدر
تحسبها مردة طوالا ... تحت مظلات زهت جمالا
في النيل جاءت تبتغي اغتسالا ... سحرها النيل فلن تزالا
واقفة هنا بفعل السحر
إلياس فياض
стр. 270
١ - الجزيرة
جزيرة مصر لا عدتك مسرة ... ولا زالت اللذات فيك اتصالها
فكم فيك من شمس على غصن قامة ... يميت وحيي هجرها ووصالها
شاعر عربي
٢ - ليالي الجزيرة
أنا في الحب صاحب المعجزات ... جئت للعاشقين بالايات
كان أهل الغرام قلبي أمي ... ين حتى تلقنوا كلماتي
فانا اليوم صاحب الوقف حقاً ... والمحبون شيعتي ودعاتي
ضربت فيهم طبولي وسارت ... خافقات عليهم راياتي. . .
فعلى العاشقين مني سلام ... جاء مثلا لسلام في الصلوات
يعشق الغصن ذا الرشاقة قلبي ... ويحب الغزال ذا اللفتات
يا حبيبي وأنت أي حبيب ... لا قضى الله بيننا بشتات
إن يوماً تراك عيني فيه ... ذاك يوم مضاعف البركات
أنت روحي وقد تملكت روحي ... وحياتي وقد سلبت حياتي
مت شوقاً فأحيني بوصال ... أخبر الناس كيف طعم الممات
* * *
فرعى الله عهد مصر وحياً ... ما مضى لي بمصر من أوقات
حبذا النيل والمراكب فيه ... مصعدات بنا ومنحدرات
هات زدني من الحديث عن النيل ودعني من دجلة وفرات
وليالي بالجزيرة والجيزة فيما اشتهيت من لذاتي
стр. 271
بين روض حكى ظهور الطواويس وجو حكى بطون البزاة
حيث مجرى الخليج كالحية الرقطاء بين الرياض والجنات
ونديم كما نحب ظريف ... وعلى كل ما نحب مواتي
كل شيء أردته فهو فيه ... حسن الذات كامل الأدوات
يا زماني الذي مضى يا زماني ... لك مني تواتر الزفرات
بهاء الدين زهير
محطة مصر
لما أنشئت محطة القاهرة الكبرى اقترحت الحكومة المصرية على الشعراء نظم أبيات ترسم على جدران المحطة، وجعلت جائزة للذي يحرر قصب السبق، فنال الأفضلية فقيد الأدب المرحوم الشيخ نجيب الحداد. وإليك الأبيات التي يراها المسافر منقوشة على باب المحطة:
стр. 272
يا حسن عصر بعباس العلى ابتسما ... حتى الحديد غدا ثغراً له وفما
طرائق في ضواحي القطر تبلغنا ... أقصى البلاد ولم ننقل بها قدما
مصر كصفحة قرطاس بتربتها ... غدا القطار عليها الخط والقلما
أرض به كان خصب النيل منتثراً ... حتى أتاها قطار النار فانتظما
لنا غنى عن قطار السحب منسجماً ... ولا غنى عن قطار النار مضطرما
يجري بها الرزق في جسم البلاد كما ... يجري دم في عروق الجسم منتظما
محطة هي قلب والخطوط بدت ... مثل الشرايين فيها والقطار دما
مع السلامة يا من سار مرتحلاً ... عنا وأهلاً وسهلاً بالذي قدما
نجيب الحداد
الأزبكية
كما وصفها المرحوم الشيخ حسن العطار شيخ الجامع الأزهر المتوفي سنة ١٢٥٠ هجري.
وأما بركة الأزبكية فهي مسكن الأمراء، وموطن الرؤساء، قد أحدقت بها البساتين الوارفة الظلال، العديمة المثال، فترى الخضرة في خلال تلك القصور المبيضة، كثياب سندس خضر على أثواب من فضة، يوقد بها كثير من السرج والشموع، فألانس بها غير مقطوع ولا ممنوع، وجمالها يدخل على القلب السرور، ويذهل العقل حتى كأنه من النشوة مخمور، ولطالما مضت لي بالمسرة فيها أيام وليالي، هن في سمط الأيام من يتيم اللآلي، وأنا أنظر إلى انطباع صورة البدر في وجناتها، وفيضان لجين نوره على حافاتها وساحاتها، والنسيم بأذيال ثوب مائها الفضي لعاب،
стр. 273
وقد سل على حافاتها من تلاعب الأمواج كل قرضاب، وقامت على منابر أدواحها، في ساحة أفراحها، مغردات الطيور، وجالبات السرور، ولذيذ العيش بها موصول، وفيها أقول:
بالأزبكية طابت لي مسرات ... ولذ لي من بديع الأنس أوقات
حيث المياه بها والفلك سابحة ... كأنها الزهر تحويها السماوات
وقد أدير بها دور مشيدة ... كأنها لبدور الحسن هالات
مدت عليها الروابي خضر سندسها ... وغردت في نواحيها حمامات
والماء حين سرى رطب النسيم به ... وحل فيه من الأدواح زهرات
كسابغات دروع فوقها نقط ... من فضة واحمرار الورد طعنات
مراتع لظباء الترك ساحتها ... وللأسود بها فيهن غيضات
وللنديم بها عيش تجدده ... أيد الزمان ولا تخشى جنايات
يروح منها صريع العقل حين يرى ... على محاسنها دارت زجاجات
وللرفاق بها جمع ومفترق ... لما غدت وهي للندمان حافات
الشيخ حسن العطار
الأوبرا
وقرب حديقة الأزبكية قامت الأوبرا الخديوية، أنشاها المغفور له الخديوي إسماعيل باشا وأول رواية مثلت فيها رواية عائدة لفردي الشهير.
وقد حضرتها الإمبراطورية أوجيني قرينة نابليون الثالث:
стр. 274
وصف مصر
في منتصف القرن الغابر زار مصر الكاتب الشهير فارس الشدياق وكتب عنها فصلين ضافيين نشرهما في كتابه الساق على الساق في ما هو الفارياق المطبوع في باريس سنة ١٨٥٥م و١٢٧٠ هجري على نفقة المرحوم رافائيل كحلا الدمشقي. وعنهما نلخص ما يأتي. وسيرى القارئ أن أكثر هذه الملاحظات لا يزال منطبقاً على أيامنا هذه. قال:
مصر بلد الخير، ومعدن الفضل والكرم، أهلها ذوو لطف وأدب وإحسان إلى الغريب، وفي كلامهم من الرقة ما يغني الحزين عن التطريب. إذا حيوك فقد أحيوك، وإن سلموا عليك فقد سلموك. وإن زاروك زادوك شوقاً إلى رؤيتهم، وإن زرتهم فسحوا لك صدورهم فضلاً عن مجالسهم. أما علماؤها فإن مدحهم قد انتشر في الآفاق، وفات فخر من سواهم وفاق،
стр. 275
بهم من لين الجانب ورقة الطبع وخفض الجناح وبشاشة الوجه ما لا يمكن المبالغة في إطرائه. . . وكأن حسن الخلق ورقة الطبع أمر مركوز في جميع أهل مصر، فإن لعامتهم أيضاً مخالقة ومجاملة. وكلهم فصيح اللهجة بين الكلام السريع والجواب، حلو المفاكهة والمطارحة. وكلهم يحب السماع واللهو، وغناؤهم أشجى ما يكون، فلا يمكن لمن ألفه أن يطرب بغيره، وكذلك آلاتهم فإنها تكاد تنطق عن العازف بها. ولهم في ضرب العود طرق وفنون تكاد تكون من المغيبات، غير أني أذم من غنائهم شيئاً واحداً، وهو تكرير لفظة واحدة من بيت أو موال مراراً متعددة حتى تفقد السامع لذة معنى الكلام. ولكن أكثر ما يكون ذلك من المتطفلين على الفن. بعكس ذلك طريقة أهل تونس فإن غناءهم أشبه بالترتيل، وهم يزعمون أنها كانت طريقة العرب في الأندلس. . .
أما دولة مصر إذ ذاك فإنها كانت في الذروة العليا من الأبهة والعز والفخر والكرم والمجد، فكان للمتسمين بخدمتها مرتب عظيم من المال والكسى والشحن مما لم يعهد في دولة غيرها. . .
ومع عظم ما كان يكسبه التجار وأصحاب الحرف، وما يناله أهل الوظائف من الرزق العميم كانت الأسعار في مصر رخيصة جداً. فلهذا كنت ترى الناس قصريهم وعميهم مقبلين على الشغل واللهو معاً. فالبساتين غاصة بأهل الخلاعة والقصوف، ومحال القهوة مجمع للأحباب، والأعراس مسموع فيها الغناء وآلات الطرب من كل طرف. والرجال يخطرون بالخز والديباج، والنساء ينؤون بما عليهن من الحلي، والخيل
стр. 276
والبغال والحمير
مسرجة ومكسوة بالحرير المزركش. . .
والغريب يجد في مصر ملهى وسكناً، وينسى عندها أهلاً ووطناً. . . ومن خواصها أن أسواقها لا تشبه رجالها البتة. فإن لأهلها لطافة وظرافة، وأدباً وكياسة، وشمائل مرضية، وأخلاقاً زكية. وأسواقها عارية عن ذلك رأساً.
ومن خواصها أيضاً أن البرنيطة فيها تنمى وتعظم. وتغلط وتضخم، وتتسع وتطول، وتعرض وتعمق. . . وكثيراً ما كنت أتعجب من ذلك وأقول: كيف أنمى هواء مصر هذه البرنيطة وقد طالما كانت في بلادها لا تساوي قارورة الفراش. ولا توازن ناقورة الفراش. وكيف كانت هناك كالترب، فأصبحت هنا كالتبر. . . يا هواء مصر يا نارها يا ماءها يا ترابها صيري طربوشي هذا برنيطة، وإن يكن أحسن منها عند الله والناس فلم يغن عني النداء شيئاً وبقي رأسي مطربشاً، وطرف دهري مطرفشاً.
ومن خصائصها أيضاً أن البغات بها يستنسر والذباب يستقصر، والناقة تستبعر، والجحش يستمهر، والهر يستنمر، بشرط أن تكون هذه الحيوانات مجلوبة إليها من بلاد بعيدة.
стр. 277
فارس الشدياق
نابليون بونابرت في مصر
. . . وأتى النسر ينهب الأرض نهباً ... حوله قومه النسور ظماء
يشتهي النيل أن يشيد عليه ... دولة عرضها الثرى والسماء
حلمت رومة بها في الليالي ... ورآها القياصر الأقوياء
فأتت مصر رسلهم تتوالى ... وترامت سودانها العلماء
ولو استشهد الفرنسيس روما ... لا تتهم من رومة الأنباء
قاهر العصر والممالك نابليون ولت قواده الكبراء
جاء طيشاً وراح طيشاً ومن قبل أطاشت أناسها العلياء
سكتت عنه يوم عيرها الأهرام لكن سكوتها استهزاء
فهي توحي إليه إن تلك واتر ... لو فأين الجيوش أين اللواء
- شوقي
стр. 278
٢ - سوريا
ما بين آسيا الصغرى للشمال، والفرات والبادية للرشق، وقسم من بلاد العرب للجنوب، وبحر الروم للغرب تمتد سورية سلسلة جبالها متدرجة من الغرب حتى تنتهي على بحر الروم، وممتدة من الشرق حتى تلامس نهر الفرات عند شماله ورمال صحراء الشام عند جنوبه. وهذه السلسلة التي تمتد بطولها من آسيا الصغرى حتى بلاد العرب، من طوروس الفاصل حتى الصحراء الجافة، تظهر للناظر بأغرب حركات الطبيعة وأجمل انتساقها، فهي تحاذي خليج إسكندرونة حتى إنطاكية، ثم تتجه نحو الجنوب الشرقي حتى بعلبك، ومن هنالك تتقطع بتلال متتابعة وتمد ذراعيها لتصافح بحر الروم بجبلي لبنان والانتي لبنان.
ومن قرب الشاطئ تمد جناحاً كبيراً ينتهي بالكرمل الواقف عمودياً على صفحة الماء، ثم ترتفع على مشهد منه قمة الطور لتسود التلال العديدة الواقفة بعلو متدرج حتى تصل نقطة اختفائها على الأرض القاحلة، على الرمال المحرقة، على الصحراء.
تلك هي سوريا وفيها حلب ودمشق وبيروت وأورشليم: المدائن الأربع التي تقف كالعواصم لما حولها، وعليها مدار النظر في مستقبل سوريا وحياتها. هذه البلاد العزيزة التي رأينا فيها نور الحياة وشاهدنا على قممها
стр. 279
نور الدستور لهي أكثر بلاد الدولة استعداداً للمستقبل المجيد، إذا كان أهلها كأرضها وقلوبهم كأنهارها.
هذه البلاد التي تخط بجبليها الكبيرين أثلام الأودية العميقة وتطوق السهول لترسل إليها ماء الحياة، هذه البلاد تجمع بوحدتها من أنواع الأراضي ما لا تملكه البلدان العديدة بتفرقها على كل الأقاليم.
. . . هنالك سهول الحر وهنا جبال القر، هنالك السفوح المعتدلة وهنا القمم الناطحة أطراف الغيوم. فأرضنا منبت كل ما يجتمع من الطبيعة في مملكة النبات، وكل ما تطلب الألفة الكاملة من أنواع العقول واستعداد الجسام. فإذا أوجدت لنا السهول رجال القناعة والعمل، دفعت لنا الجبال بسيلٍ عرم من أهل الفكر والأطماع، وقدمت لنا الأوساط جيشاً من بني القناعة وصفاء الذهن. لنا السنديان والكرم والأزهار. لنا القوة والفائدة والجمال.
. . . هذه سورية التي نراها مملوءة من عناية الله لا نكاد نقلب صفحة من تاريخها ما لم نجد عليها لطخة سوداء نفثها الإنسان من مظالمه ومن أطماعه. هذه للبلاد الجميلة كانت منذ البدء أرض الميعاد لكل شعب، وكل شعب فيها يئن مظلوماً كأنه منفي غريب في وادي
الدموع. كل عنصر كان يظهر على الأرض لم يتوار من صفحة الوجود، قبل مروره بسوريا، وإبقائه فيها أثراً شيقاً.
كل قافلة من رجل الإنسانية تركت على أرض سوريا تائهاً، وكل معسكر غاز ترك بقية متمردة، وكل حاكم فيها أبقى عليها سلالة تطمح إلى
стр. 280
الحكم، وهكذا لا تمر أبصارنا هنيهة على أرضها ما لم نجد في أصغر أقاسمها خليط اليهود والعجم واليونان والروم والإفرنج والعرب. وفيهم الظالم والمظلوم، المستبد والملتجي، العناصر الباكية والعناصر الضاحكة، والأقوام التي تتعصب وتضرب والأقوام التي تتعصب وتحمل الويل. فيهم التركي والعربي البدوي، النصراني والدرزي، السني والمتوالي، السامري والكلبي واليزيدي وكل هذه العناصر تظهر للمفكر كمزيج هائل من الخير والشر، من التسامح والجور، من الإخلاص والكذب، من الشهامة والدناءة. من الإيمان بالله والكفر به.
. . . كيفما قلبت النظر في هذه البلاد العزيزة، تجد آثار الجور وبقايا الحروب القومية الدينية، سرح أبصارك على شاطئ بحر الروم من صيدا إلى يافا إلى أورشليم، وقف قليلاً على أطلال اليهودية القديمة، واتبع حدود البلاد حتى بلاد العرب وآسيا الصغرى حتى برية الشام وأرض حلب، فلا تتجاوز أبصارك هذه الأماكن قبل أن تملئ من مشاهد الخرائب والأطلال في كل مكان دلالة على الجهل وترفع الإنسان عن أن يكون أخا الإنسان: لقد شاهدت صور أول بحارة تجارية وفتحت موانيها يد الاجتهاد فهدمتها أيد المظالم. وبنى اليونان مرافئ لوقاية المراكب فأقتها الحكومة البادئة في اللجج. وكانت بادية الشام جنات البلاد وذخر الخلفاء فأصبحت أرجاء يأوي إليها المتشردون منذ القرن السادس عشر حتى اليوم. صور وصيدا تلك الأماكن التي انبثقت منها تجارة العالم لم يبق من أهلها غير ذكر مظلم يكاد يكون الحلقة
стр. 281
المفقودة لتمدن الإنسانية. إنطاكية وحمص والرملة وكل هذه المدن القديمة قد أصبحت طللاً يبني فوقه المظلومون أكواخهم ويتوه على رماده بنو الفقر والشقاء.
. . . من جعل هذه الأرجاء المملوءة بمبادئ الأمجاد عفراً تترفع عنه الأرجل ومتهدمات ينعق فيها البوم؟ من هوى بذلك المجد غير الحروب تلك الآفة الهائلة التي تتولد من الأطماع والتعصب والجهل، ولا تموت إلا على أطلال القصور أو فوق قبر ظالم أو عند
الرماد الذي يغطي الشعوب المنقرضة.
وأي زمان خلت فيه سوريا من طامع يستثمرها أو سفاح يقرد أبناءها بالسياط وبالسيف؟ من تحت حكم الجمهوريات الرومانية إلى حكم قناصلها إلى جور الإسكندر وأحكام بومباي، ومن تسلط السلجوقيين إلى عصا إمبراطرة الغرب الحديدية، ومن العرب إلى يد الإفرنج دفعت شعوب سوريا كالعبيد وسيقت كالنعاج، وهذه الأرض المزهرة المثمرة استثمرها اليونان وهدمها العرب واستعبدها الإفرنج. إنها لبلاد تضم كل قوى الحياة هذه البلاد التاعسة التي ساطتها كل العصور وداست على قلبها كل الشعوب ولم تزل تتنفس وفي عروقها دم وفي صدرها حياة.
لا يكاد يوجد مكان كسوريا تتجلى فيه عظمة الخالق في بدائع خلقه وضلال الإنسان في آثار تعصبه وقساوته وضلاله. لا توجد بدلا حملت كسوريا استبداد الملوك العديدين وبربرية الجنود وعواصف الحروب.
لقد تغير وجه سوريا مئة مرة منذ اثنتي عشر قرناً وتتابعت الحكومات العديدة على هذه البلاد، وكل واحدة منها تدفع أقوامها شوطاً بعيداً عمن
стр. 282
تقدمها في سبيل المظالم والاستبداد.
وقد كانت بلادنا محطاً لإعصار الشعوب من كل جهة، من الشمال ومن الجنوب، من قفر الرمال ومن قفر الثلوج، من الحجاز ومن بلاد التتر وكل هؤلاء الأقوام لم يجتازوا سوريا إلا وأبقوا عليها أثر العنف ودلائل الدمار. . .
(وبعد أن أتى الكاتب على ذكر الغزاة الفاتحين الذين اجتاحوا في سورية قال):
وفي العاشر من تموز سنة ١٣٢٤ جاءنا فاتح جديد بلا حملة ولا سيف. جاءتنا فتاة تركية بجناحها الذهبي وابتسامتها الخلابة لتجفف الدموع التي أسالها أبوها القاسي. ظهرت ابنة الترك لتضمد جراح سوريا وقد سبرت الأجيال قروحها إلى أقصاها. أو بالحري جاءتنا فتاة الحرية وهي ابنة العالم كله لا تنتسب لأمة ولا لشعب دون أخيه.
جاءت محررة الإنسانية من قيودها ومطلقة للعناصر من أوهامها والأديان من تعصباتها.
ملاك في شماله غصن السلام، في يمينه قبس النور نشاهد على شعاعه ما أخفته عنا ظلمات القرون، فلننظر إلى مجاهل أمراضنا نظرة الشجاع إلى جراحه، فإن الحرية لا تشفي ولكنها تعطي العليل حرية الشفاء.
فليكس فارس
стр. 283
بيروت ولبنان
وصلنا إلى بيروت وهي من المدن السورية الآهلة بالسكان، وقد عرفت عند الأقدمين باسم بيريت وأصبحت على عهد أغسطس مستعمرة رومانية وأطلق عليها الفاتح الروماني اسم جوليا السعيدة وقد ميزت بهذه الصفة، لخصب ضواحيها وفخامة موقعها، وجمال جوها العديم المثيل. والمدينة قائمة على رابية جميلة تنحدر شيئاً فشيئاً إلى البحر وقد قامت فيه بعض صخورها فرفعت عليها الحصون التركية. أما ميناؤها فهي كناية عن لسان أرض يمتد في البحر ويقي المراكب من الرياح الشرقية. وكل هذه البقعة وما حواليها من الروابي مكللة بخضرة جميلة، وترى شجر التوت قائماً على مدرجات من الأرض. وشجر الخروب والتين والدلب والبرتقال والرمان تلقي ظل أوراقها المختلفة الألوان على تلك الأنحاء. ووراءها الزيتون ذو الورق الرمادي يزركش هذا المنظر الأخضر البديع. وعلى مسافة ميل من المدينة انتصبت سلسلة جبال لبنان وفيها الأخاديد التي يضيع فيها النظر. وتتحدر في طياتها مجاري الماء إلى صور وصيدا أو إلى طرابلس واللاذقية. وقمم تلك الجبال المتفاوتة العلو تضيع في السحب البيضاء أو تسطع من انعكاس أشعة الشمس فتشبه جبال الألب وثلوجها الأبدية.
стр. 284
إن أرز لبنان أشهر أثر طبيعي في العالم. تناولت شهرته الدين والعلم والتاريخ: فورد ذكره مراراً في التوراة، وعمد الأنبياء في تشبيهاتهم واستعاراتهم إلى الأرز، ومن الأرز اتخذ سليمان الخشب لبناء هيكل الإله الأحد. . .
الأرز أقدم شاهد على الأعصر الخوالي، بل إن هذه الشجرات تعرف التاريخ أحسن مما يعرف التاريخ نفسه ولو كان يمكنها الكلام لروت لنا أحاديث الحكومات والديانات والشعوب المنقرضة.
وهل من هيكل أجمل من هذا الهيكل. .! وهل من مذبح أقرب من السماء من هذا المذبح؟ لقد أظلت تلك الأغصان الباسقة أجيالاً عديدة من الناس وكلها تسبح الله بأسماء مختلفة وتعبده في مظاهره الطبيعية. وأنا أيضاً صليت أمام الأرز. وكان الهواء يرتل بين الفنان ويتلاعب بشعري وينشف على جفوني دموع التأثر والأخبات.
لامارتين
стр. 285
وقال لامارتين في غير هذا المكان من كتابه: لو أتيح لي أن أدبر حياتي كما أريد. لقضيت عمري صيفاً على قمم لبنان وشتاءً عند سفحه. وقد قال الصمة الشاعر العربي مثل ذلك في نجد:
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربى ... وما أحسن المصطاف والمتربعا
والمصطاف مكان الصيف والمتربع مكان الربيع.
يا بني أمي إذا حضرت ... ساعتي والطب أسلمني
فاجعلوا في الأرز مقبرتي ... وخذوا من ثلجه كفني
داود عمون
следующие страницы →