Полный текст (2 201 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
المفقودة لتمدن الإنسانية. إنطاكية وحمص والرملة وكل هذه المدن القديمة قد أصبحت طللاً يبني فوقه المظلومون أكواخهم ويتوه على رماده بنو الفقر والشقاء.
. . . من جعل هذه الأرجاء المملوءة بمبادئ الأمجاد عفراً تترفع عنه الأرجل ومتهدمات ينعق فيها البوم؟ من هوى بذلك المجد غير الحروب تلك الآفة الهائلة التي تتولد من الأطماع والتعصب والجهل، ولا تموت إلا على أطلال القصور أو فوق قبر ظالم أو عند
الرماد الذي يغطي الشعوب المنقرضة.
وأي زمان خلت فيه سوريا من طامع يستثمرها أو سفاح يقرد أبناءها بالسياط وبالسيف؟ من تحت حكم الجمهوريات الرومانية إلى حكم قناصلها إلى جور الإسكندر وأحكام بومباي، ومن تسلط السلجوقيين إلى عصا إمبراطرة الغرب الحديدية، ومن العرب إلى يد الإفرنج دفعت شعوب سوريا كالعبيد وسيقت كالنعاج، وهذه الأرض المزهرة المثمرة استثمرها اليونان وهدمها العرب واستعبدها الإفرنج. إنها لبلاد تضم كل قوى الحياة هذه البلاد التاعسة التي ساطتها كل العصور وداست على قلبها كل الشعوب ولم تزل تتنفس وفي عروقها دم وفي صدرها حياة.
لا يكاد يوجد مكان كسوريا تتجلى فيه عظمة الخالق في بدائع خلقه وضلال الإنسان في آثار تعصبه وقساوته وضلاله. لا توجد بدلا حملت كسوريا استبداد الملوك العديدين وبربرية الجنود وعواصف الحروب.
لقد تغير وجه سوريا مئة مرة منذ اثنتي عشر قرناً وتتابعت الحكومات العديدة على هذه البلاد، وكل واحدة منها تدفع أقوامها شوطاً بعيداً عمن
стр. 282
تقدمها في سبيل المظالم والاستبداد.
وقد كانت بلادنا محطاً لإعصار الشعوب من كل جهة، من الشمال ومن الجنوب، من قفر الرمال ومن قفر الثلوج، من الحجاز ومن بلاد التتر وكل هؤلاء الأقوام لم يجتازوا سوريا إلا وأبقوا عليها أثر العنف ودلائل الدمار. . .
(وبعد أن أتى الكاتب على ذكر الغزاة الفاتحين الذين اجتاحوا في سورية قال):
وفي العاشر من تموز سنة ١٣٢٤ جاءنا فاتح جديد بلا حملة ولا سيف. جاءتنا فتاة تركية بجناحها الذهبي وابتسامتها الخلابة لتجفف الدموع التي أسالها أبوها القاسي. ظهرت ابنة الترك لتضمد جراح سوريا وقد سبرت الأجيال قروحها إلى أقصاها. أو بالحري جاءتنا فتاة الحرية وهي ابنة العالم كله لا تنتسب لأمة ولا لشعب دون أخيه.
جاءت محررة الإنسانية من قيودها ومطلقة للعناصر من أوهامها والأديان من تعصباتها.
ملاك في شماله غصن السلام، في يمينه قبس النور نشاهد على شعاعه ما أخفته عنا ظلمات القرون، فلننظر إلى مجاهل أمراضنا نظرة الشجاع إلى جراحه، فإن الحرية لا تشفي ولكنها تعطي العليل حرية الشفاء.
فليكس فارس
стр. 283
بيروت ولبنان
وصلنا إلى بيروت وهي من المدن السورية الآهلة بالسكان، وقد عرفت عند الأقدمين باسم بيريت وأصبحت على عهد أغسطس مستعمرة رومانية وأطلق عليها الفاتح الروماني اسم جوليا السعيدة وقد ميزت بهذه الصفة، لخصب ضواحيها وفخامة موقعها، وجمال جوها العديم المثيل. والمدينة قائمة على رابية جميلة تنحدر شيئاً فشيئاً إلى البحر وقد قامت فيه بعض صخورها فرفعت عليها الحصون التركية. أما ميناؤها فهي كناية عن لسان أرض يمتد في البحر ويقي المراكب من الرياح الشرقية. وكل هذه البقعة وما حواليها من الروابي مكللة بخضرة جميلة، وترى شجر التوت قائماً على مدرجات من الأرض. وشجر الخروب والتين والدلب والبرتقال والرمان تلقي ظل أوراقها المختلفة الألوان على تلك الأنحاء. ووراءها الزيتون ذو الورق الرمادي يزركش هذا المنظر الأخضر البديع. وعلى مسافة ميل من المدينة انتصبت سلسلة جبال لبنان وفيها الأخاديد التي يضيع فيها النظر. وتتحدر في طياتها مجاري الماء إلى صور وصيدا أو إلى طرابلس واللاذقية. وقمم تلك الجبال المتفاوتة العلو تضيع في السحب البيضاء أو تسطع من انعكاس أشعة الشمس فتشبه جبال الألب وثلوجها الأبدية.
стр. 284
إن أرز لبنان أشهر أثر طبيعي في العالم. تناولت شهرته الدين والعلم والتاريخ: فورد ذكره مراراً في التوراة، وعمد الأنبياء في تشبيهاتهم واستعاراتهم إلى الأرز، ومن الأرز اتخذ سليمان الخشب لبناء هيكل الإله الأحد. . .
الأرز أقدم شاهد على الأعصر الخوالي، بل إن هذه الشجرات تعرف التاريخ أحسن مما يعرف التاريخ نفسه ولو كان يمكنها الكلام لروت لنا أحاديث الحكومات والديانات والشعوب المنقرضة.
وهل من هيكل أجمل من هذا الهيكل. .! وهل من مذبح أقرب من السماء من هذا المذبح؟ لقد أظلت تلك الأغصان الباسقة أجيالاً عديدة من الناس وكلها تسبح الله بأسماء مختلفة وتعبده في مظاهره الطبيعية. وأنا أيضاً صليت أمام الأرز. وكان الهواء يرتل بين الفنان ويتلاعب بشعري وينشف على جفوني دموع التأثر والأخبات.
لامارتين
стр. 285
وقال لامارتين في غير هذا المكان من كتابه: لو أتيح لي أن أدبر حياتي كما أريد. لقضيت عمري صيفاً على قمم لبنان وشتاءً عند سفحه. وقد قال الصمة الشاعر العربي مثل ذلك في نجد:
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربى ... وما أحسن المصطاف والمتربعا
والمصطاف مكان الصيف والمتربع مكان الربيع.
يا بني أمي إذا حضرت ... ساعتي والطب أسلمني
فاجعلوا في الأرز مقبرتي ... وخذوا من ثلجه كفني
داود عمون
стр. 286
ذكرى لبنان
برزت تميس كخطرة النشوان ... هيفاء مخجلة غصون البان
تستعبد الحر الأبي بمقلة ... دب الفتور بجفنها الوسنان. .
لم أنس في قلبي صعود غرامها ... إذ نحن نصعد في ربى لبنان
حيث الرياض يهز عطف غصونها ... شدو الطيور بأطرب الألحان
لبنان تفعل بالحياة جنانه ... فعل الزلال بغلة الظمآن
وترد غصن العيش بعد ذبوله ... غصناً يميد بفرعه الفينان
فكأن لبناناً عروس إذا غدا ... يزهو بنشر غدائر الأغصان
جبل سمت منه الفروع وأصله ... تحت البسيطة راسخ الأركان
تهفو الغصون به النهار وفي الدجى ... تهفو عليه ذوائب النيران
وترى النجوم على ذراه كأنها ... من فوقه درر على تيجان
لله لبنان الذي هضباته ... ضحكت مغازلة مع الوديان
يجري النسيم الغض بين رياضه ... مرخى الذيول معطر الأردان
لبست ربى لبنان ثوباً أخضراً ... وزهت بحيث الحسن أحمر قان
نثر الربيع بهن زهراً مؤنقاً ... يزري بنظم قلائد العقيان
فبرزن من وشي الطبيعة بالحلى ... فكأنهن بحسنهن غوان
وكأن صنيناً أطل مراقباً ... يرنو لهن بمقلة الغيران
معروف الرصافي
стр. 287
شمالي لبنان
نقتطف عن رحلة الطبيب العالم الدكتور أمي الجميل إلى تلك الأنحاء الجميلة ما لا يضيق عنه نطاق هذه المجلة. قال:
بعين الطبيب وبأذنه فحصت هذه البقعة الجميلة، وبمداد الوطنية أسطر رسالتي. وكنت أود أن أعطي موهبة الشعر ساعة من الزمن فقط، لأمثل جمال لبنان للناظر إليه من الباخرة، لأن للشاعر وحده أن يشخص لنا عظمة هذا الجبل الذي أقدامه في زرقة البحر، ورأسه في زرقة السماء، جروده مغطاة بمنطقة ناصعة البياض من ثلوج الشتاء، وسواحله تكسوها خضرة الليمون والبساتين. وبين ثلوج دائمة في الأعالي، وربيع دائم في الساحل، تلال مشجرة، ووديان مخصبة، وقرى زاهرة، وأديار عامرة. وفي كل مكان منه شعب نشيط عرف بسمو الذكاء، كما اشتهر بكرم الأخلاق وشرف المبادئ وصدق العقائد، في سورية كما في مصر وأوروبا وأمريكا.
أي نوع من الجمال بخلت به الطبيعة على لبنان العزيز؟ وقد جعلت فيه أنواع الحيوانات البرية والبحرية، والنباتات والأزهار من الأرز حتى الليمون والبلح، والمناخات كلها من الحار إلى البارد، ومن الرطب إلى الجاف، والهواء النقي والمياه العذبة والمناظر العجيبة، فجروده بديعة للاصطياف، وسواحله عجيبة للإشتاء، وبين هذه وتلك مسافة ساعتين فقط. .!
فما أكرم الطبيعة علينا وما أبخلنا عليها.
стр. 288
وقد كانت الذاكرة تنتقل بنا إلى الأيام التاريخية، أيام عز جبيل ومتاجرة الفينيقيين ومرور ملوك الآشوريين وأعمال الرومانيين أو الصليبيين إلخ إلخ عندما كنا نمر أمام النقط والأماكن التي فيها هذه الآثار العظيمة كنهر الكلب ونهر إبراهيم والمعاملتين والبلمند.
. . . سلكنا طريق زغرتا، فمررنا بجانب حدائق طرابلس الغناء، ذات الدخل العظيم، ثم ارتقينا أعلى المدينة ووصلنا إلى لبنان. وكل هذه الأراضي ذات خصب عجيب لأنها جمعت كل ما يلزم للنبات: تربة جيدة وحرارة قوية ومياه غزيرة. وهناك ترى من أهم وأجمل ما يوجد من الزيتون.
ولم نلبث أن وصلنا إلى زغرتا القائمة على تل لطيف تحيط بها سهول ووديان ذات تربة كلها خصب وآخر ما يمتد إليه الطرف جبال قريبة مشجرة وأعلاها يغطيه الثلج.
وقد نشا من الزغرتا وبين رجال عظام منهم البطريرك جرجس عميره واسطفان الدويهي وجبرائيل الصهيوني ويوسف بك كرم الشهير.
ويمر بهذه البلدة نهر رشعين ومياهه تفيض الخيرات على بساتين زغرتا وحدائقها.
وبالاختصار إن الطبيعة دللت كثيراً أهالي زغرتا، وبعكس ما ينتجه الدلال ترى الزغرتاويين أبطالاً وأبناء أبطال وآباء أبطال: أمس واليوم وغداً. . .
. . . أين وا حسرتاه! فرسان اللبنانيين؟ أين شجاعة رجالنا أين حماستهم في الحروب وشهرتهم في الوغى. أني إقدامهم على العظائم؟ إذا
стр. 289
أعلنت حرب على المملكة، أين أسود لبنان؟ وغن أراد عدو مهاجمة لبنان والاعتداء على امتيازه وحقوقه فمن هم حماته.
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يتق الشتم يشتم
فلو قام أبو سمرا أو الشنتيري من القبر فأين هم الأبطال الذين كانوا يقتحمون معهم أهوال دفاع شريف. فإنه لم يبق عندنا جماعة مدربة مستعدة إلا في زغرتا وفي بعض البقع الدرزية.
. . . ولا يتوهمن السامع أن الشجاعة تنفي رقة الشعور، ولطف الحاسات فقلب الأب الحقيقي هو حقاً قلب أسد وقد تحققت ذلك أيضاً في زغرتا، فإن هؤلاء الرجال والنساء الذين يقال عنهم سواعد من حديد قلوب حديد رجال من حديد هم أحن الناس على الأولاد وأكثرهم عطفاً على المرضى. ولم أر في البلاد ذكر الموتى مكرماً ومحبوباً أكثر منه في هذه البقة حتى كدنا نقول إنهم يكرمون الموتى إلى درجة تقتل الأحياء. . .
الدكتور أمي الجميل
قالا لمتنبي
أحب حمصاً إلى خناصرةٍ ... وكل نفس تحب محياها
حيث التقى خدها وتفاح لب ... نان وثغري على حميّاها
стр. 290
صنين
جبل يناجي في العلو إلهه ... وبعيد صوت نسيمه التلحينا
يا حبذا النبع المبرد سفحه ... فكأنه الألماس سال مصونا
سفح تدفق ماؤه مترقرقاً ... بين الحصى أكرم بذاك معينا
فترى المياه خفيفة في جريها ... وحصى العقيق لدى المياه رزينا
وهضابه الشماء تجثو هامها ... لخريره وتخال ذاك أنينا
كم من مليك قد أقام بجيشه ... فجنى ثمار النصر منه مبينا
ولكم عليل فيرباه قد شفى ... داء ألم به وكان دفينا
وبقربه الآثار تنبئ أنه ... طحن النوائب كالدهور طحينا
حيث المعابد للفينيقيين قد ... درست وزانت سفحه تزيينا
والشمس مذ جنحت لمغربها بدت ... جاماً لغرف البحر جاء معينا
بعث الضباب البحر يجري صاعداً ... جري المياه إليه حيناً حينا
فكأن ذاك الحزن سهل أفيح ... من بعد ما كان السهول حزونا
أكرم بهاتيك المناظر أنها ... حنت لها كل القلوب حنينا
من كان يشتم الغلو فقل له ... حب المواطن قد دعوه دينا
جاريت نظم ابن الحسين بوصفه ... وذكرت سيف الدولة المدفونا
وإذا صعدت عليه أعلى قمة ... نلت الجنان وحزت عليينا
- عيسى إسكندر المعلوف
стр. 291
طرابلس الشام
في سنة ١١١٢ هجرية أي منذ مائتين وعشرين سنة تقريباً زار الشيخ عبد الغني النابلسي مدينة طرابلس.
والشيخ عبد الغني هذا مفخرة من مفاخر دمشق الشام وواسطة العقد الذي ينتظم علماءها الأعلام:
كان ﵀ عالماً فقيهاً أصولياً صوفياً أديباً شاعراً وهو مشهور بالولاية وله قدم وذوق في علم الأحوال. وقد ألف في معظم فنون زمانه حتى فن الفلاحة والزراعة. فلا غرو إذا احتفل به أهل طرابلس الاحتفال اللائق بعلمه وفضله وشهرته التي ملأت الخافقين.
وكان سبب زيارته طرابلس دعوة من حاكمها إذ ذاك أرسلان محمد باشا قصداً للنفع العام
تولى أرسلان محمد باشا الحكم في طرابلس بعد سقوط أسرة آل سيفا الشهيرة في تاريخ سورية والتي حكمت في طرابلس وعكار وعرقه وما يلي ذلك من النواحي حقبة من الزمان ثم زال حكمها سنة ١٠٦٨ هجرية.
ولما وصل الشيخ النابلسي إلى طرابلس الشام ذهب تواً إلى دار السعادة وهو اسم لمنزل الأمير أرسلان باشا المشار إليه. لكن الأمير كان قد أعد لنزول الشيخ داراً أخرى وهي دارس حسين جلبي آغاة مينا طرابلس. والذي يسمع وصف هذه الدار يخال نفسه في عالم ألف ليلة وليلة وأنه يقرأ فصلاً من فصولها: فقد كانت تلك الدار. كجنة النعيم دار
стр. 292
القرار. تنتعش فيها الأرواح وتبتهج بها الأشباح، وهي محتوية على بيوت فاخرة. وأماكن كثيرة عامرة ذات مياه رائقة وأحواض دافقة. وفي ساحة هذه الدار بركة ماء طولها أربعة عشر ذراعاً. وعرضها سبعة أذرع وباعاً. وأمامها مقعدان. لطيفان وعليهما عرائش العنب. وبينهما فسقية صغيرة من الرخام الأبيض يتدفق ماؤها كأنها كأس بلور زانه الحبب. وبأرجاء هذه الدار بساتين وأشجار، ورياحين وأزهار ما بين ياسمين وسيسبان. وأشجار نارنج وفاغية وريحان. . وكنت منذ أيام سمعت مدير مينا طرابلس يساوم في أجرة دار يريد سكناها في المينا فلم يشأن أن يدفع سوى ثلاثة ريالات في الشهر. أما آغاة المينا منذ مائتين وعشرين سنة فقد كانت له - عدا الدار التي مر وصفها - دار أخرى في المينا لا تقل شيئاً عن تلك الدار: فقد كانت قصراً رفيعاً. ومكاناً مشرفاً بديعاً، وهو مطل على البحر المتلاطم بالأمواج. وشبيه في سموه بهاتيك الأبراج. وجهاته مطلقة. وجوانبه على هاتيك
البساتين والمرج الأخضر مشرفة.
وقوله: هاتيك الأبراج إشارة إلى أبراج أو مسالح سبعة مبنية على شاطئ البحر أمام طرابلس الشام. كانت تشحن بالسلاح والذخائر والمقاتلة لحماية الثغر من عدو مهاجم أو قرصان متلصص. وبين البرج والبرج ألف خطوة أو أكثر أو أقل. وهذه الأبراج من بناء الصليبيين. لكن المسلمين لما استولوا عليها كانوا يرممونها ويزيدون فيها ما يكسبها قوة ومناعة. وفي بعض هذه الأبراج محراب للصلاة، ومن ثمة ذهب بعضهم إلى أن هذه الأبراج مما شيده المسلمون. لكن التحقيق أنها من
стр. 293
آثار الصليبيين. ولم يبق منها اليوم سوى برجين ماثلين في الساحة التي اتخذت الآن محطة كبرى للسكة الحديدية التي تصل طرابلس بحمص وتتم بعد بضعة أشهر. وعما قريب يعفى أثر البرجين المذكورين من لوح الوجود كما عفي أثر سائر الأبراج التي اشتراها الأهلون من الحكومة وشادوا عليها وبأنقاضها مخازن وبيوتاً.
لبث الشيخ النابلسي في طرابلس زهاء خمسة عشر يوماً. وقد اجتمع بفضلائها وعلمائها. وتجول في أرياضها ومتنزهاتها. وأحصى جوامعها وحماماتها. ولما ركب زورقاً للنزعة في البحر ورأى أشكال القوارب ومختلف هيائتها سأل عن كل واحد منها وسرد أسماءها. فكانت عشرين نوعاً.
وكان إذا ذكر حماماً قال إن مسلخه كبير أو صغير وفيه حوض من رخام أو ليس فيه. وذهب بعض الفضلاء إلى أنه يريد بكلمة المسلخ المكان الذي فيه يسلخ المغتسلون ثيابهم أي ينزعونها. وقد أعاد هذه الكلمة مراراً. فكأنها كانت شائعة في زمانه. ولا نعلم إن كانت تستعمل اليوم في دمشق بهذا المعنى أو لا؟
وكانت تجري بين الشيخ النابلسي وبين علماء طرابلس وفقهائها مذكرات ومباحثات ومطارحات. وكان معظمها أو كلها يدور حول غرائب الأبحاث ونوادر المسائل النحوية والفقهية كمسائل الوقف والطلاق وغير ذلك. فكان كل منهم يذكر قولاً رآه في بعض الكتب لبعض الفقهاء ويطلب رأي النابلسي في المسألة أو هو يطلب رأيهم فيما أشكل عليهم أمره.
ومما يستدعي الملاحظة أن علماء طرابلس أو علماء ذلك العصر كانوا
стр. 294
مفتونين بحب كتب العلم، يتنافسون باقتنائها ويتباهون بنوادرها. فكان الشيخ النابلسي كلما زار فاضلاً في داره
عرض عليه ما عنده من نفائس الكتب ونوادر الأسفار العلمية والأدبية ويأخذ كل منهم في سرد ما يعلمه من هذا القبيل.
ومما يلاحظ أيضاً أن مدة الخمسة عشر يوماً التي قضاها النابلسي في طرابلس - وكانت كلها مذاكرات ومباحثات - لم يجر فيها ذكر لمدارس التعليم - فلم يذكر تلميذ ولا مدرسة ولا للعائلة - فلم تذكر امرأة ولا تربية وبيت. ولا للصناعة والتجارة - فلم تذكر حرفة ولا بضاعة ولا حانوت. ولا للعادات والتقاليد - فلم يذكر شيء من أمور الأفراح والمآتم والحفلات الأخرى حتى كأن طرابلس في ذلك العصر ليس فيها تلميذ ولا امرأة ولا صانع ولا تاجر ولا شيء من مميزات كل هيئة اجتماعية أو أن الكلام في هذه الأشياء ليس مما يهتم به أو هو مما لا يحسن أن يدور الحديث بشأنه بين رجال الطبقة العالية.
وأغرب من جميع ما ذكر أنه لم يجر حديث بينهم عن شؤون السياسة وأخبار الحكومة وأحوال الدولة، فلم تذكر أسلامبول ولا اسم السلطان ولا محاربة ولا معاهدة ولا وزارة ولا شيء من هذا القبيل. مع أن الطبقة التي يجالسها الزائر الكريم من أعلى طبقات طرابلس في العلم والوجاهة والنفوذ والاتصال بالمقامات العالية خارج طرابلس. فهم الحكام الإداريون. والقضاة والمفتون.
فما أكبر الفرق بين زمننا هذا الذي يذكر فيه اسم الحكومة وشؤونها
стр. 295
ألوفاً من المرات كل يوم - وذلك الزمن الذي لم أسمعهم ذكروا فيه شيئاً من هذا القبيل مدة خمسة عشر يوماً. فسبحان مغير الأطوار. ومقلب الليل والنهار.
المغربي
قال الأديب صاحب الإمضاء يصف موقعاً بديعاً قامت في سفحه مدينة طرابلس الشام موطن أسرته. وتظهر البلد للمشرف من هذا الموقع وقد انسحبت وراءها البساتين وجرى من خلفها البحر ويرتجف وليس بينها وبين السماء في نظر العين إلا أن تتخطاه:
يا صخرة حملتنا في ذرى جبل ... إليه معطف قلبي حين ينعطف
إن شبهوا بربك قلباً قاسياً فأنا ... أراك قلباً بنا من حبه شغف
كم في لياليك أنفاس يكاد بها ... قلبي - وقد ذكر الأحباب - يختطف
آنست من مسها في مهجتي سحراً ... مس اللحاظ تحيينا وتنصرف
стр. 296
كأن أضواءها في القلب من طرب ... مواقع الأمل المظنون تنكشف
تواقفت ومضت تهوي على عجل ... كالطير صف ولكن لم يكد يقف
* * *
أعليتنا الجو نستجلي محاسنه ... كأننا لسماء الله نزدلف
نلوح في عين راءٍ نحو أطلعت ... : كهمزة رفعتها فوقها ألف
نرى طرابلس تبدو كالحمامة في ... وكر لها أظهرته روضة أنف
والبحر يحكي ذراعاً للسماء به ... تزحزح الأرض عنها فهو يرتجف
مناظر ما اختلفنا في محاسنها ... والحسن أنواعه فيهن يختلف
فيا طرابلس حيتك المنى بلداً ... بي من هوى الحسن فيه فوق ما أصف
أحس بين ضلوعي كلما خطرت ... ذكراك أن إليك القلب ينحرف
مصطفى صادق الرافعي
يافا
قال البهاء زهير ملغزاً في مدينة يافا
بعيشك خبرني عن اسم مدينة ... يكون رباعياً إذا ما كتبته
على أنه حرفان حين تقوله ... ومعناه حرف واحد أن قلبته
стр. 297
قلعة الشهباء
هي قلعة شامخة الذرى أكب عليها الدهر وانزلها في الحضيض والسفال، فعادت أطلالاً بالية ورسوماً دارسة وخرباً صامتة، تحدث الورى بعظمة الجدود وتناجي النفوس بقدرة الخالق في الوجود والكائنات.
عندها تقف الألوف طويلاً بين متنزه يلهو بالمادة، ومفكر يدرس في كتاب الوجود، ومعتبر يتأمل بمصير الأمور، ومهندس يشتغل بالمقادير والأشكال، وراوٍ محقق يستنطق الآثار ليسجلها ذكرى وعبرة للآتين والكل لا يجسر أن يلفظ كلمته الأخيرة في واضع أسسها ورافع أبراجها.
على ممرها اللاحب جرت الغزاة غازياً إثر غازٍ، وتدفقت الأجناد فيلقاً تلو فيلق، متسابقين متزاحمين متدافعين بين مشتبك القنا وعلى صليل السيوف، وتحت مثار العثير، وعلى هتاف الظفر ونحيط الذعر والاندحار إلى. . . مجد النصر ومجد الفتح. إلى. . . هوة الأبدية ولهوات العدم.
فوق حصونها الهائلة كم بكت من مقل وكم سالت من دماء، وكم تحققت من
стр. 298
آمال وكم خابت من أماني، وكم انحطت من عروش وكم انعقدت من تيجان، وكم استرسلت من نفوس إلى الحياة. . . إلى الخلود. حتى انهزم الوهم مطارداً أمام الحقيقة كما ينهزم الظلام أمام الصبح وتطارد الذرات أمام الرياح الزعازع.
في ثنايا بقايا الرميمة تختبئ معلولات الدهور من بابل إلى آشور إلى مصر. ومن مكدونية إلى رومية إلى بزنطية. ومن العرب إلى الجراكسة إلى الأتراك. من قرون الظلمة إلى أعصر النور، وحب السؤدد وحب الأنانية دافع إلى تنازع البقاء. إلى تنازع الإثرة. والدنيا ملأى بالتناقض والشر والأباطيل.
على أبوابها وحناياها نقشت الأجيال أسطراً من مثل المؤيد والمظفر والماجد والمرابط والعالي المولوي والأميري الشمسي وسيد الملوك وغياث الدنيا والدين ومحيي العدل في العالمين، إلى ألفاظ أخرى ألهوا بها المادة وعبدوا أميالها وقدسوا فظائعها فحرقوا لها بخور الضمائر والشواعر فيا للغرور ويا للجهالة. . .!
من أنقاضها التي بعثرتها أيدي الأحداث وجدرانها التي داستها أرجل الأجيال وأنفاقها المنحنية تحت وطأة السنين صدى يتردد في فضائها ويتجاوب في أنحائها فيروي تلاطم
الأهواء واصطدام المطامع وما جر احتكاكها والتحامها على الإنسان من الولايات والمصائب. . .
هنا معقل شادته أيد طامعة في الخلود، وهنا هيكل تعبدت فيه نفوس فطرت على التدين، وهنا عقول غشى عليها الجهل فما أدركت من صفات الألوهية سوى العظمة والجلال، وهنا غمارات وقفت على هذه الخرائب وقوف الحياة على شفير الموت، وهنا حلقات من سلسلة الإنسان مرت أمامها كمرور الأيام الأبد القائم.
عقب الجبلة الصمت العميق، وتلا الضجة السكينة البالغة، فلا يقلقها إلا حفيف أجنحة الطير ولا يزعجها غير وقع أرجل الحشرات، وفي هذا الليل الأبدي والجمود المطلق تبدو الحقيقة الأزلية جلية من خلال زخارف العصور، وتنجلي الحكمة السرمدية بسنائها المتألق الباهر من طيات طبقات الأجيال المتلاشية.
لفتة إلى هذه الآثار، وقفة على هذه الأطلال، وتأمل معي ببقية عادية
стр. 299
طرقتها بوائق الدهور. فعندها تتضاءل الطبيعة دون العلة الأولى القادرة، ومن ورائها تبرز المبادئ السامية بروز الغزالة وهي تواسي البشرية المتألمة وتعزيها في بهرة ارتماضها وتعاستها وتمزق عن أبصارها الحجب الكثيفة المنسدلة على غايتها الأخيرة.
فهي الآن كالجبار المسجى بأكفانه البيضاء، أو كالمستغرق في منامه المسرور بأحلامه، فلن تستيقظ من رقدتها الأبدية. وقد كانت كالحارس الموكل إليه الأمن والمناضل عن الملك والقطين. فباتت كالخطيب المنذر بالقضاء المنبئ عن المنقلب والزوال، فيعرف منه الحي العاقل حقارة البقاء ويتحقق كاذب الآمال.
ومنها صوت الطبيعة يرن في أودية القلوب بما يحققه الاختبار أن المركب إلى انحلال وأن الحيوة كالظل والخير السائر، أو كالسفينة الجارية على الماء المتموج التي بعد مرورها لا تجد أثرها ولا خط حيزومها في الأمواج، أو كالطائر يطير في الجو فلا يبقى دليل على مسيره. يضرب الريح الخفيفة بقوادمه، وشق الهواء بشدة سرعته ورفرفة جناحيه ثم لا تجد لمروره من علامة، أو كسهم يرمى إلى الهدف فيخرق به الهواء ولوقته يعود إلى حاله حتى لا تعرف ممر السهم (سفر الحكمة ٥: ٩). . . . وقد خطت فوقها يد الأجيال بأحرف من نور (هو الحي الباقي).
* * *
من البائن المعروف أن القلعة الموصوفة قد كانت في طرف حلب ينحدر من جنوبها سور يحيط بالمدينة وينتهي طرفه إلى جانب القلة الشمالي وهذا السور كان يعرف بالرومي لبناء الروم له ويشتمل على ١٢٨ برجاً ضخماً بقي بعض أبرجة منها إلى أواخر القرن الماضي. فأمر جميل باشا المشهور بهدمها فهدمت عن آخرها.
والقلعة الآن في أواسط المدينة وهي قائمة على ربوة صناعية راكمتها الأيدي، وشادت فوقها القلعة على شكل هرمي أو هيئة إهليلجية يبلغ قطر قمتها ٥٠ متراً ومحيط قاعدتها ٤٠٠ مترو تعلو عن سطوح المنازل المحاذية لها ٦٠ متراً وعن سطح البحر ٥٠٠ متر وفي أعلى القلعة منارة مسجدها الجامع ترتفع عن سطحها ٤٠ متراً.
وجوانب القلعة مسفوحة رصفها الملك الظاهر بالحجارة الهرقلية المنحوتة والآن
стр. 300
قد استولى الخراب على أكثرها. ومن حولها خندق واسع منقور في الصخر الأبيض يفصل القلعة عن الأبنية المجاورة لها ويغمر عند الحاجة بالمياه فيتعذر على الجيش المحاصر اجتيازه. وفي قمتها سور يحيط بها كأنه الإكليل يعصب هامها قامت فوقه بروج ومرام كان الجنود يرمون منها العدو المهاجم بأصناف القذائف والسهام وهذا السور قد تهدم فلم يبق منه إلا القليل قائماً ينبئ عن عظم شانه وضخامة بنيانه.
وعلى جانبي القلعة الجنوبي والشمالي برجان هائلان مربعا الشكل شادها الأمير سيف الدين جكم ولما خربا جدد بنيانهما الملك الأشرف قانصوه الغوري في سنة ٩١٤ - ٩١٥ هجري وهما الآن أصلح حالاً من سائر أبنية القلعة التي استولى عليها الخراب والدمار إلى حد التعطيل الفاحش والتشويه الشنيع.
ولا يصعد إلى هذه القلعة إلا من جهتها الجنوبية ومدخلها متقن الصنعة عجيب البنيان يجتازه الداخل على جسر ممتد إلى المدينة يستند على ست حنايا ضخمة مرتفعة. وعلى باب المدخل برجان على جانب من المناعة والضخامة وعليهما نقوش بديعة تزينهما وعلى طولها كتابة عربية من الخط النسخي المملوكي، تبهر النظر وتستلفت الخواطر، يستفاد منها أن السلطان خليل بن قلاوون أمر بعمارة هذا المدخل بعد إهماله وإشرافه على الدثور في سنة ٦٩٠ هجري (١٢٩١م).
ولهذا المدخل عدة أبواب يتخللها دركاوات بآزاج معقودة وحنايا منضودة، وكان لكل باب اسفسلار ونقيب وأماكن لجلوس الجند وأرباب الدولة، وعلى هذه الأبواب نقوش وكتابات عديدة جميلة تخلب الألباب ومن حولها شرفات ومرام لآلات الحرب وأدوات الكفاح تزيد هذا المدخل العجيب رونقاً وجمالاً.
وإذا تجاوز الداخل باب المدخل صاعداً إلى القلعة وماراً بالأبواب والدركاوات الواسعة المعابر كثيرة الزوايا المستقيمة، ينتهي إلى الباب الأوسط فيرى على طرفيه ثعابين طويلين يلتفان على بعضهما وفي أعلاه كتابة جميلة مآلها أن الملك الظاهر
стр. 301
غياث الدين غازي هو الذي حصن القلعة وشاد على مدخلها البرجين السابق ذكرهما وجعل له ثلاثة أبواب من حديد. ولما ينتهي الداخل إلى الباب الأخير يرى على جانبيه أسدين عظيمين ناتئين، وإلى الجانب الأيمن مزار يعزى إلى الخضر وكان ينسب للخليل (إبراهيم) يقصده بعض المسلمين، بالنذور والهدايا.
ومتى بلغ الداخل قمة القلعة يبدو له صحتها مركوماً بالأتربة والحجارة الضخمة ويرى أبرجة متهدمة وحنايا متشعثة وشرفات متداعية، أفنى عليها الدهر فدرست محاسنها وتعطلت زخارفها. وفي أواسط قمتها باب الجامع وعليه أنواع الوشي والنقوش العربية. وعلى جانبها الجنوبي دار العز أو دار الشخوص لكثرة ما كان فيها من التماثيل والزخارف وفي صحنها ركام من القنابر القديمة ومنها يدخل إلى ناد للملك الظاهر طوله الشمالي ٢٥ متراً في عرض ٧ أمتار وطوله الجنوبي ٢٥ متراً في عرض ١٥ متراً، وفي صدره نافذة كبيرة مستطيلة مربعة تطل على المدخل والمدينة وإطارها تطاريفها الخارجية دقيقة الصنعة محكمة النقوش يروق العين منظرها.
وفي أواسط قمة القلعة منحدر مسدود الآن كان ينزل منه إلى أنفاقها السفلية حيث كنيسة النصارى باقٍ بعض رسومها ماثلة من مثل حنية الكاتدرا وأعمدة وحنايا أخرى. وإلى جانبها الغربي مخازن حديثة البناء تحوي أصناف الذخائر والأدوات الحربية وإلى جانبها بئر الماء المعروفة بالساتور كان ينحدر إليها ب ١٢٥ درجة وعمقها الآن ٤٧ متراً. وذلك كله لا يناسب المدخل في شيء من حسنه ونقوشه وتصاويره وكتاباته المختلفة.
ومن قمة القلعة تنكشف لك المدينة مركومة بعضها فوق بعض ومن أعلى منارتها ينبسط
نظرك إلى مدى بعيد تجد منه منظراً بديعاً فاتناً يترك في النفس أثراً من السرور والانبساط وترى ما يكتنف حلب من الغياض والرياض الخضراء والسهول الخصيبة الواسعة وما يحيط بها من الربى والتلال إحاطة الهالة بالقمر أو السوار بالمعصم كأنها الحصون والمعاقل تحصنها وترد عنها الغارات العشواء.
* * *
стр. 302
ذهب غالب مؤرخي العرب إلى أن أول من بنى القلعة سلوقوس الأول الملقب بنيقاطور أحد قواد الإسكندر الذي ملك على سورية سنة ٣٠١ قبل المسيح. وارتأى أهل التحقيق أن بناتها الحثيون الذين استولوا على سورية الشمالية في القرن السابع عشر (ٌ. م) واستندوا إلى ما خلفه هذا الشعب القوي من الكتابات والتماثيل والرسوم العديدة في هذه النواحي، واستدلوا فيما استدلوا عليه بما بين هذه القلعة وبين قلاع حمص وحماه وحارم من التشابه العظيم.
والحق يقال إن سلوقوس أصلح القلعة فقط، لما رمم بحلب بعض الترميمات، وبنى فيها أبنية جديدة وأطلق عليها اسم بيريا أو باروا. ولما فتحها كسرى أنوشروان وشاد سورها بنة في القلعة مواضع.
وعندما فتح ابن عبيدة حلب كانت قلعتها مرممة الأسوار بسبب زلزلة أصابتها قبل الفتح فأخربت أسوار البلد وقلعتها ولم يكن ترميمها محكماً فنقض بعضه وبناه. وعنى بها بنو أمية وبنو العباس فتركوا فيها آثاراً ولما هاجم نيقفور ملك الروم حلب سنة ٣٥١ هجري امتنعت القلعة عليه وكان قد اعتصم بها جماعة من العلويين والهاشميين فحمتهم، ولم يكن لها يومئذ سور عامر فكانوا يتقون سهام الروم بالأكف والبرادع.
ولما تولاها الأمراء الحمدانيون بنى فيها سيف الدولة وابنه سعد الدولة مواضع وكذلك شاد بها بنو دمرداش دوراً وجددوا أسوارها وكذلك عني عماد الدين آق سنقر وولده عماد الدين زنكي بتحصينها وكذلك بنى بها طغتكين برجاً من جنوبها وخزناً للذخائر وكذلك شاد فيها نور الدين زنكي أبنية كثيرة.
ولما ملكها الملك العادل سيف الدين الأيوبي بنى بها برجاً وداراً لولده فلك الدين. ولما ملكها الملك الظاهر غياث الدين غازي حصنها وبنى فيها مصنعاً للماء ومخازن للغلات وسفح
تلها ورصفه بالحجر الهرقلي وأعلى بابها وجعل له جسراً ممتداً منه إلى البلد، وجعل للقلعة ثلاثة أبواب من حديد وبنى فيها داراً عرفت بدار العز قامت على دار للملك نور الدين زنكي كانت تسمى دار الذهب ولما احترقت سنة ٦٠٩ هجري جدد بنيانها وسماها دار الشخوص لكثرة ما كان من زخارفها.
стр. 303
وفي سنة ٦٢٢ هجري (١٢٢٥م) تهدم منها عشرة أبراج مع بدنياتها فاهتم الأتابك شهاب الدين طغرلبك بعمارتها من أسفل الخندق إلى قمتها. وفي سنة ٦٢٨ هجري (١٢٣٠م) هاجمها التتر وهدموا أسوارها واستلبوا ما كان بها من الذخائر والمجانيق. وفي سنة ٦٥٩ هجري (١٢٦٠م) أعادوا الكرة إليها فأخربوها خراباً شنيعاً، وأحرقوا المقامين فيها حتى لم يبق فيها من مكان للسكنى كما قال ابن الخطيب.
واستمرت القلعة خراباً إلى أن جدد عمارتها الملك الأشرف خليل بن قلاوون على ما سبق ذكره وذلك في سنة ٦٩٠ هجري (١٢٩١م) ولما فتح تمرلنك حلب في سنة ٨٠٣ هجري (١٤٠٠م) استباح القلعة نهباً وحرقاً فاستمرت أيضاً خراباً إلى أن جاء الأمير سيف الدين جكم نائباً إليها من قبل السلطان فرج بن برقوق في سنة ٨٠٧ هجري (١٤٠٤ م) فأمر ببنائها وألزم الناس بالعمل فيها حتى عمل بنفسه واستعملوا جوه الناس، بحيث كان الأمراء يحملون الأحجار على متونهم. وبنى البرجين اللذين على باب القلعة وبنى على سطحهما القصر المائل الآن وذلك سنة ٨٠٩ هجري وبنى البرجين اللذين في سفح القلعة من جنوبها وشماليها (وقد سبق وصفهما).
ولما تمرد علي باشا جان بولاد على الدولة العلية سار مراد باشا لقتاله وإخضاعه في سنة ١٠١٧ هجري (١٦٠٧م) وتبع آثاره وحاصر المدينة فافتتحها وأقام المنجنيقات على القلعة وراسل رؤساء المحافظين عليها واعداً إياهم بمناصب وخلع، فاغتروا بها وسلموه القلعة، فقتلهم عن آخرهم وفر جان بولاد إلى الأستانة طائعاً وقبل سنة ٣٥١ هجري (٩٦٢م) لم يكن سورها محكماً ولم يكن مقام الملوم بها فاهتم بعد ذلك من تولاها من الملوك والأمراء بعمارتها وتحصينها وعصي فيها فتح القلعة على مولاه مرتضى الدولة لؤلؤ ثم سلمها إلى نواب حلب، فعصي فيها أيضاً عزيز الدول فاتك على الحاكم إلى أن قتل بها فصار الملك الظاهر وولده المستنصر يوليان والياً بالقلعة وآخر بالمدنية خوفاً من أن يجري ما جرى
من عزيز الدولة. فلما ملك بنو دمرداش حلب سكنوا في القلعة وجرى مجراهم من جاء بعدهم من الملوك والأمراء.
ووصفها رهط من أهل الرحل والجغرافية من مثل ابن حوقل الذي اشتهر سنة
стр. 304
٣٦٧ هجري (٩٧٧م) فقال إنها غير طائلة ولا حسنة العمار وشمس الدين المقدسي نحو سنة ٣٧٥ هجري (٦٨٥م) فذكر منها، سعتها ومناعتها وما فيها من خزائن السلطان وابن الطيب السرخسي في رحلته سنة ٢٧١ هجري (٨٨٤م) فذكر سورها وبئرها التي ينزل إليها في ١٣٠ مرقاة ودير النصارى فيها وابن بطلان البغدادي في سفرته سنة ٤٤٠ هجري (١٠٤٨م) فذكر منها مسجدها وكنيستها إلى غير هؤلاء ممن أجمعوا فيها على ما قاله الرحالة ابن جبير والمسفار ابن بطوطة من امتناعها وارتفاعها ومطاولتها الأيام والأعوام، وقد قال فيها الخالدي شاعر سيف الدولة:
وخرقاء قد قامت على من يرومها ... بمرقبها العالي وجانبها الصعب
يجر عليها الجو جيب غمامة ... ويلبسها عقداً بأنجمه الشهب
إذا ما سرى برق بدت من خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل السحب
فكم من جنود قد أماتت بغصة ... وذي سطوات قد أبانت على عقب
روى بيشوف الجرماني في تاريخه عن أحد حاخامي اليهود قال: إنه رأى في القلعة كتابة عبرية مفادها (أنا يواب بن سرويا أخذت هذه القلعة). . . ويواب هذا تولى قيادة جيوش داود في سنة ١٠٥٥ ق. م فإذا صحت هذه الرواية كانت هذه الكتابة أكثر قدمية من سائر كتابات القلعة، ورجحت ما قاله المحققون من أنها من بنايات الحثيين. وأما الكتابات الباقية فهي عربية لا تتعدى القرن السبع للهجرة.
وقد كان يتولى حراسة القلعة نفر من الشعب ويعرفون حتى الآن ببيت القلعجي إلى أن انقرضت وجاقات الإنجكارية وانتظمت أحوال العسكرية، فتولت المحافظة عليها إلى أن عاد أمرها في هذه السنة إلى رجال الملكية. وقد تعاقبت عليها الرجوف والزلازل مرات عديدة يطول إيرادها وآخرها في سنة ١٨٢٢ وسنة ١٨٧٢، فتشعثت أسوارها وتهدمت أبراجها، وأصبحت أخربة دارسة وأطلالا بالية. وقد أهمل أمرها من عهد بعيد فعادت إلى ما تشاهد عليه الآن مما سبق وصفه في هذه المقالة فسبحان من بيده تصريف الأمور وإليه
المصير.
القس جرجس منش
стр. 305
وصف دمشق
جاء ذكر الشيخ النابلسي ص ٢٨٠ وهذه أبيات مختارة من قصيدته في وصف الشام:
إن سامك الخطب المهول فاقلقا ... فأنزل بأرض الشام وأسكن جلقا
بلد سمت بين البلاد محاسناً ... ونمت بهاء واستزادت رونقا
إن تعشقوا وطناً فذي أولى بكم ... دون البلاد بأن تحب وتعشقا
خير الأناس أناسها يرعون أنواع الوداد ويحفظون الموثقا
طابت هواء للنفوس وماؤها ... عذب زلال سائغ لمن استقى
يا حسن واديها وطيب شميعه ... قد فاح عرف الزهر فيه وعبقا
وتراسلت أطياره بين الربى ... سحرً فهيجت الفؤاد الشيقا
كيف اتجهت يخر نحوك ماؤه ... وإليك يركع كل غصن أورقا
وتلاعبت فرسانها وتراكضت ... ما بينها تعلو الجياد السبقا
ضحكت أزاهرها على أغصانها ... فأتى النسيم يميلهن وصفقا
سقيت دمشق الشام صوب غمامة ... أشقى على غيطانها فتدفقا
كم نزهة للعين فيها قد زهت ... وسرت على طرف الهموم فأطرقا
لم ترض عيني غيرها من منظر ... ولذا ترى قلبي بها متعلقا
هي منشأي لا حاجر وطويلع ... ومحل أنسي لا الغوير ولا النقا
وطني وأول ما وطئت بها الثرى ... لا زال عيشي عن حماها مطلقا
لذ يا فؤاد بما بها من معشر ... إن سامك الخطب المهول فأقلقا
الشيخ عبد الغني النابلسي
стр. 306
الجامع الأموي
هو من أشهر جوامع الإسلام حسناً وإتقان بناء وغرابة صنعة واحتفال تنميق وتزيين، وشهرته المتعارفة في ذلك تغني عن استغراق الوصف فيه. انتدب لبنائه الوليد بن عبد الملك ووجه إلى ملك الروم بالقسطنطينية يأمره بإشخاص اثني عشرا ألفاً من الصناع من بلاده وتقدم إليه بالوعيد في ذلك إن توقف عنه، فامتثل أمره مذعناً بعد مراسلة جرت بينهما في ذلك مما هو مذكور في كتبا لتواريخ فشرع في بنائه وبلغت الغاية في
стр. 307
التأنق فيه وأنزلت جدره كلها بفصوص من الذب المعروف بالفسيفساء وخلطت بها أنواع من الأصبغة الغريبة قد مثلت أشجاراً وفرعت أغصاناً منظومة بالفصوص ببدايع الصنعة الأنيقة المعجزة وصف كل واصف. فجاء يغشي العيون وميضاً وبصيصاً. وكان مبلغ النفقة فيه أحد عشر ألف دينار ومئتي ألف دينار.
ذرعه في الطول من الشرق إلى الغرب مئتا ألف خطوة وهما ثلاث مئة ذراع. وذرعه في السعة من القبلة إلى الشمال مئة خطوة وخمس وثلاثون خطوة وهي مئتا ذراع. فيكون تكسيره من المراجع الغربية أربعة وعشرين مرجعاً. وبلاطاته المتصلة بالقبلة ثلاث مستطيلة من الشرق إلى الغرب، سعة كل بلاطة منها ثماني عشرة خطوة، والخطوة ذراع ونصف. وقد قامت على ثمانية وستين عموداً منها أربع وخمسون سارية وثماني أرجل جصية تتخللها. واثنتان مرخمة ملصقة بالجدار الذي يلي الصحن وأربع أرجل مرخمة أبدع ترخيم مرصعة بفصوص من الرخام ملونة.
وأعظم ما في هذا الجامع المبارك قبة الرصاص المتصلة بالمحراب وهي عظيمة الاستدارة قد استقل بها هيكل عظيم هو غارب لها يتصل من المحراب إلى الصحن فإذا استقبلتها أبصرت منظراً رائعاً ومرأى هائلاً، يشبهه الناس بنسر طائر كأن القبة رأسه والغارب جؤجؤه، ونصف جدار البلاد على يمين والنصف الثاني على شمال جناحيه، وسعة هذا الغراب من جهة الصحن ثلاثون خطوة فهم يعرفون هذا الموضع من الجامع بالنسر لهذا التشبيه الواقع عليه. ومن أي جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء
стр. 308
منيفة على كل علو كأنها معلقة في الجو. والجامع مائل إلى الجهة الشمالية من البلد وعدد شمسياته الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون.
والبلاد المتصل بالصحن المحيط بالبلاطات من ثلاث جهات على أعمدة وعلى تلك الأعمدة
أبواب مقوسة تقلها أعمدة صغار تطيف بالصحن كله. ومنظر هذا الصحن من أجمل المناظر وأحسنها. وفيه مجتمع أهل البلد وهو متفرجهم ومتنزههم كل عشية تراهم فيه ذاهبين وراجعين من شرق إلى غرب من باب جيرون إلى باب البريد. فمنهم من يتحدث مع صاحبه ومنهم من يقرا. ولا يزالون على هذه الحال من ذهاب ورجوع إلى انقضاء صلاة العشاء الآخرة ثم ينصرفون.
وفي الصحن ثلاث قباب إحداها في الجانب الغربي منه وهي أكبرها وهي قائمة على ثمانية أعمدة من الرخام مستطيلة كالبرج مزخرفة بالفصوص والأصبغة الملونة كأنها الروضة حسناً وعليها قبة رصاص كأنها التنور العظيم الاستدارة، يقال إنها كانت مخزناً لمال الجامع، وله مال عظيم من خراجات ومستغلات تنيف على ما ذكر لنا على الثمانية آلاف دينار صورية في السنة وهي خمسة عشر ألف درهم مؤمنية أو نحوها. وقبة أخرى صغيرة في وسط الصحن مجوفة مثمنة من رخام قد ألصق أبدع إلصاق قائمة على أربعة أعمدة صغار من الرخام وتحتها شباك حديد مستدير وفي وسطه أنبوب من الصفر يرمي الماء علواً فيرتفع وينثني كأنه قضيب من لجين يشره الناس لوضع أفواههم فيه للشرب استظرافاً واستحساناً، ويسمونه قفص الماء. والقبة الثالثة في الجانب الشرقي قائمة على ثمانية أعمدة على هيئة القبة الكبيرة.
стр. 309
وكان هذا الجامع المبارك ظاهراً وباطناً منزلاً كله بالفصوص المذهبة مزخرفاً بأبدع زخاريف البناء المعجز الصنعة، فأدركه الحريق مرتين، فتهدم وجدد وذهب أكثر رخامه فاستحال رونقه، وأسلم ما فيه اليوم قبلته مع الثلاث قباب المتصلة بها. ومحرابه من أعجب المحاريب الإسلامية حسناً وغرابة صنعة، يتقد ذهباً كلها وقد قامت في وسطه محاريب صغار متصلة بجدارة تحفها سوبريات مفتولات فتل الإسورة كأنها مخروطة لم ير شيء أجمل منها، وبعضها أحمر كأنها مرجان. فشأن قبلة هذا الجامع المبارك مع ما يتصل بها من قبابه الثلاث وإشراق شمسياته المذهبة الملونة عليه واتصال شعاع الشمس بها وانعكاسه إلى كل لون منها كله عظيم لا يلحق وصف ولا تبلغ العبارة بعض ما يتصوره الخاطر.
وفي الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من
مصاحف عثمان (رض) وهو الذي وجه به إلى الشام. وتفتح الخزانة كل يوم إثر الصلاة فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله.
وعن يمين الخارج من باب جيرون، في جدار البلاط الذي أمامه، غرفة لها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان من صفر قد فتحت أبواباً صغاراً على عدد ساعات النهار، ودبرت تدبيراً هندسياً فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازيين مصورين من صفر، قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحد منهما. أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار إلى الغرفة وتبصر البازيين يمدان
стр. 310
عنقيهما بالبندقتين إلى الطاستين ويقذفانهما بسرعة بتدير عجيب تتخيله الأوهام سحراً، وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصفر. ولا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار حتى تنغلق الأبواب كلها وتنقضي الساعات ثم تعود إلى حالها الأول. ولها بالليل تدبير آخر، وذلك في أن القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشر دائرة من النحاس مخرمة، وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة فإذا انقضت عم الزجاجة ضوء المصباح وأفاض على الدائرة شعاعاً فلاحت للأبصار دائرة محمرة ثم انتقل ذلك إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها. وقد وكل بها في الغرفة متفقد لحالها درب بشأنها وانتقالها يعيد فتح الأبواب وصرف الصنج إلى موضعها وهي التي يسميها الناس الميقاتة. . .
ابن جبير، زار دمشق سنة ٥٨٠ هجري
قال النابغة الذبياني يمدح النعمان
ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه ... ولا أحاشي من الأقوام من أحد
إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فأحددها عن الفند
وخيس الجن أني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد
ولا أحاشي: ولا أستثني -وأحددها عن الفند: صنها عن الظلم -خيس: ذلل -الصفاح: حجارة عراض رقيقة -العمد: السواري من الرخام وهي الأساطين وأحدها أسطوانة
стр. 311
ملكة الصحراء
إذا سرت في بادية الشام وقاربت الوصول إلى حاشية منها، تظهر لك عن بعد شاسع من خلال الحجب الهوائية الشفافة نقطة سوداء في الشمال الغربي من حمص وحماه، فتنتعش نفسك وتشعر بقرب آثار الحياة، بعد أن تكون سرت أياماً في ظل الموت محاطاً بسكون الطبيعة الراقدة. ولا تكاد تتقدم قليلاً إلى الأمام حتى تنقشع الحجب شيئاً فتتسع تلك النقطة وتنجلي بعد حين عن دائرة خضراء غير منتظمة، ولا تزال الدائرة آخذة بالوضوح والانتشار ذات اليمين وذات اليسار كلما
стр. 312
أسرعت الخطى، إلى أن تشرف عليها وتقف برهة مستنشقاً الصعداء فإذا بك أمام أثر من آثار الجبابرة الذين كان يتغنى بمدحهم شعراء اليونان. ترى جبلاً منتصباً على طرق البادية كسور منيع أقامته يد الطبيعة هناك لصد الغارات عن مملكة زنوبيا يتدفق من جوفه نبع غزير تنساب مياهه الكبريتية في بقعة خضراء منبسطة أمام الجبل بين بساتين غضة حافلة بأشجار الفاكهة على اختلاف أنواعها وحقول واسعة زرعت بأنواع الحبوب ومروج خضراء تتخللها وهي مرعى خصيب تغشاه قطعان الماعز والضان. تقف وتسرح النظر حيناً في تلك البقعة الجميلة، فتتمثل لك الطبيعة ضاحكة باسمة الثغر فتؤنس وحشتك وتنفس كربتك وتنسيك هذه الابتسامة اللطيفة من عروس البادية كلما لقيته قبل وصولك إليها ومصافحتك لها من عبوسة واكفهرار في باديتها القاحلة الجرداء. وفي وسط هذه البقعة الجميلة ركام من الخرابات، تتخللها أبنية فخيمة متهدمة آية في الإبداع وأعمدة ضخمة متناسقة تناطح السحب، ممتدة على مسافة بعيدة كصف من الجبابرة أقامتهم ملكة المشرق حراساً على باب باديتها أو كأنما هي أيدٍ مدتها إليك ملكة الصحراء من وراء حجب التاريخ لتصافح ضيفاً كريماً جاء يحييها في مقر ملكها. فتقف حائراً مبهوتاً وترى مجالي العظمة والجلال بادية على تلك الآثار الضخمة. فتدرك أنها آثار قوة هائلة حلت في تلك البقعة من البادية ردحاً من الدهر، فدانت لها الممالك وانقادت إليها الشعوب.
تلك آثار تدمر موطن زنوبيا، ملكة المشرق وعدوة الرومان، ومنقذة سوريا من رق العبودية،. . . وأهم آثار تدمر واقعة في سفح ربوة ممتدة
стр. 313
من الشمال الشرقي إلى الشمال الغربي على مسافة ثلاثة فراسخ، وهي مؤلفة من آثار هيكل عظيم جعله العرب في القرون الوسطى قلعة حصينة، وإلى جوانبها كثير من آثار الهياكل والقصور الفخيمة، بينها أنقاض
من عهدين مختلفين: بعضها سابق لعهد بخت نصر وهي ركام من الأبنية المتهدمة المبعثرة والبعض يرتقي عهده إلى القرون الثلاثة الأولى بعد المسيح. ومعظمها قائم إلى اليوم وليس فيها كتابة ما سابقة لعهد المسيح أو لاحقة لعهد ديوكليسيانوس. ومن هذه الآثار أعمدة تفوق الحصر لا يقل علو الواحد منها عن ١٥ متراً ووراءها قصور متهدمة وأبواب وسراديب وأروقة ومماشٍ وأقواس. والأرض مغشاة بأحجار وأعمدة محطمة على أكثرها نقوش بديعة. وفي الجهة الغربية من الهيكل الكبير كثير من المدافن وجد على بعضها كتابات فينيقية ويونانية. وفي السهل الواقع جنوبي النبع مدافن أخرى مقفلة بأحجار ضخمة لم تستخرج كنوزها إلى الآن. وفي سفح الجبل كثير من هذه المدافن أهمها وأفخمها ما كان واقعاً على الضفة اليمنى من النهر في سفح جبل بلقيس أو ملكة سبأ ومن آثار تدمر سور يستنيانوس وهو سور ضخم تتخلله أبراج شامخة، شيد أكثرها الفاتح الروماني لصد إغارات العرب عن المدينة. وعلى قمة الجبل حصن قديم يعرف بقلعة ابن معن وهو من عهد فخر الدين المعني الأمير اللبناني المشهور الذي بسط سلطته على سائر بلاد الشام، وهو مشرف على تدمر وضواحيها فتراها منبسطة أمامك بهياكلها وقصورها وما بقي من أعمدتها وترى هيكل الشمس قائماً في وسطها كقلعة عظيمة. وفي الجهة الغربية منه الآكام القائمة
стр. 314
عليها مدافن الملوك والعظماء تنبسط أمامها بادية الشام التي تحدها على بعد شاسع جبال متقطعة تتخللها معابر القوال التي كانت تسير على عهد قريب في تلك الفلوات بين دمشق وبغداد. وبالإجمال ليس بين المدن القديمة مدينة جامعة بين كثرة الآثار القديمة وضخامة الأبنية وفخامتها ودقة نقوشها وأهميتها التاريخية كمدينة تدمر إلا مدينة بعلبك فهما أثران يعدان من أعجب آثار الأقدمين في سائر الأقطار قاطبة.
وكان لتدمر في الأعصر الخالية شأن خطير وقد كان وقوعها على طريق القوافل التي كانت تسير بين دمشق وبغداد من أهم الأسباب التي مهدت لها السبيل إلى بلوغها شأواً بعيداً من الحضارة والعمران فكانت مركزاً تجارياً متوسطاً بين أوروبا وداخلية آسيا تشحن إليها المنسوجات الحريرية من الهند ومحصولات الأرض من البلاد الآسيوية المجاورة لها فترسل منها إلى أوروبا. أما قبل المسيح فلم يكن لها من الشأن ما كان للمدن السورية الأخرى ولم يرد ذكرها في التوراة بين تلك المدن وجل ما ذكر في سفر الملوك وسفر
الأخبار أن سليمان الحكيم بنى تدمر وشيد فيها هيكلاً عظيماً لبعال وسماها تدمر أي مدينة النخل لكثرة ما كان هناك منه.
وفي أيام السلوقيين خلفاء الإسكندر كانت خط الاتصال بين إنطاكية وسلوقية (اللاذقية) عاصمتي مملكتهم وسميت لعهدهم بلميرا مترجمة عن اسمها الأصلي. وفي أيام الرومانيين أزهرت بمتاجرها وصناعاتها وضاهت أعظم المدن السورية ولاسيما في القرن الثالث للمسيح إذ كان يحكمها أودينات الذي أدى خدماً جليلة للرومانيين
стр. 315
في حروبهم ضد سابور ملك الفرس. فقهره في عدة مواقع دموية جرت له معه ورده إلى ما وراء الفرات. فمنحه الرومانيون لقب ملك مكافأة له على ولائه وشجاعته واعترفوا له بحقوق الملكية. وكانت زوجته زنوبيا (وتعرف عن العرب بزبيدة) من أرقى بنات جنسها في ذلك العصر وكان لها اليد الطول في رفع منزلته عند الورمان بما أوتيت من الحنكة والدهاء السياسي. ولم يكن يعرض له أمر إلا شاورها به ووقف على رأيها فيه. فتضافرا على رفع شأن المملكة. ومات أودينات سنة ٣٦٧م. مقتولاً بيد أحد كتبة سره تاركاً الحكم لزوجته زنوبيا. وكانت هذه الملكة تدعي أنها من نسل كيلوباترا ملكة مصر. وقيل أنها بنت أمير عربي. وكانت تتكلم لغة وطنها فينيقيا وتجيد اللغة القبطية واليونانية واللاتينية. فأدخلت المدنية اليونانية والرومانية إلى عاصمة ملكها بإنشائها مدارس كبرى كان يؤمها طلاب العلوم بحيث لم يكد يمر الدور الأول من حكمها حتى كانت تدمر من أرقى مدن العالم.
ولما نودي بها ملكة على تدمر منحها مجلس الشيوخ الروماني لقب أوغسطس وانتحلت لقلب ملكة تدمر وملكة المشرق ولم يكد يستتب لها الأمر حتى طمعت بخلع نير الرومانيين فجيشت الجيوش وأخذت تطاردهم من آسيا وكانت ذات جرأة غريبة وإقدام عجيب، تسير إلى الحرب حتى ملكت سورية بأكملها من أقاصي بلاد الشام حتى بلاد فارس. وقد زحفت على مصر واستحوذت على قسم منها واستولت أيضاً على أقاليم أخرى من الإمبراطورية الرومانية الضخمة وحالفت الفرس، فحسدها القياصرة والملوك، وأشفقوا منها على
стр. 316
ممالكهم أن تضمها إلى مملكتها الجديدة وظلوا يراقبون حركاتها بعين الحذر وهم مترددون بين محاربتها وموالاتها إلى أن تبوأ أورليانوس العرش فحصر همه في إخضاعها. وسار بجيوشه إلى المشرق وقاتلها في عدة مواقع، أشهرها موقعتان في سهل إنطاكية وسهول
حمص استظهر فيها عليها، وبلغ إلى تدمر فحاصرها وأشار على ملكتها بالتسليم فأبت فشدد الحصار على المدينة وسلم أهلها سنة ٢٧٢. أما زنوبيا فركبت هجيناً تريد بلاد فارس فقبض عليها فرسان الرومانيين عند باب المدينة، وأخذها أورليانوس أسيرة إلى رومية وعاملها معاملة ملكة عظيمة الشأن مفاخراً بالنصر الذي أحرزه على أكبر ملكة كانت تهتز لها أعصاب الإمبراطورية الرومانية فأعد لها قصراً فخيماً في مدينة تيفولي بالقرب من رومية فقضت حياتها فيه تحف بها العظمة والجلال.
وقد أجمع المؤرخون على أنها كانت فتانة فائقة الجمال شديدة النزوع إلى الحروب والفتوحات، واشتهرت بحقها وسمو مداركها وشدة بأسا حتى جرت أوصافها مجرى الأمثال في الأعصر الخالية. وفي لبنان آثار عديدة منسوبة إلى زبيدة منها أقنية الماء الممتدة من نهر بيروت إلى المدينة ومن نهر إبراهيم إلى جبيل ومن نهر قديشا إلى كورة طرابلس.
ثم قام ديوكلتيانوس ويستنيانوس فحاولا إعادة تدمر إلى مجدها السالف فأخفق سعيهما: ومذ ضربها أورليانوس تلك الضربة النجلاء قضى على شهرتها وتاريخها قضاءً مبرماً فأخذت من ذلك الحين بالانحطاط إلى أن باتت أثراً بعد عين وغاصت في لجة عميقة من النسيان قروناً طوالاً كانت
стр. 317
فيها قرية حقيرة لا شأن لها يعرفها علماء الجغرافية بكونها حداً لبادية الشام في الشمال الغربي من حمص وحماه.
وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن معظم سكان تدمر وضواحيها كان في أيام زنوبيا مؤلفاً من العرب بدليل أن أكثر الأسماء الواردة في الكتابات اليونانية القديمة التي وجدت في تدمر عربية محضة ومثلها الكتابات التي وجدوها في حوران فإنها عربية اللفظ والمعنى وإن تكن مكتوبة بأحرف يونانية. وفي بعض التواريخ أن تدمر ظلت في أمن ن غزوات العرب المسلمين دهراً طويلاً ولكنها قاست الشدائد في حروب الأمويين والعباسيين سنة ٧٤٥م. وما يليها. وقد زارها العالم الفرنساوي فولني سنة ١٧٥٨ فوصفها أبدع وصف ومزق ما كان مسدولاً على تاريخها من الحجب الكثيفة وألفت وصفه لها أنظار العلماء والسياح فطفقوا يتقاطرون إليها من كل حدب وصوب لمشاهدة آثارها العجيبة.
فحبذا لو كانت حكومتنا الدستورية الجديدة تتمثل بالحكومات الأوروبية فتصرف بعض عنايتها إلى الآثار القديمة الحافلة بها البلاد السورية فإن في جمع هذه الآثار في متاحف
خصوصية من الفوائد المادية ما لا يقل قيمة في اعتبار الأمم المتمدنة عما في ذلك من عبر التاريخ البالغة والفوائد الأدبية للبلاد التي تشتمل على آثار جليلة كآثار تدمر وبعلبك ودمشق والقدس وغيرها مما يعرض لنا كل يوم أن نورده مثلاً من الأمثلة العديدة على بلوغ التمدن الشرقي أقصى درجات الكمال في زمن كانت أوروبا تتخبط في دياجي الجهل والانحطاط.
- بولس مسعد
стр. 318
نهر الصفا
وهو النبع المتدفق من عين زحلتا في جبل لبنان، أرسل إلينا وصفه هذا البديع سعادة الأمير أرسلان.
يا صاحبي قفا على نهر الصفا ... نهر لدينا بات أشهر من قفا
باكرته طرب الفؤاد وقد رمى ... فلق الصباح لثامه فتكشفا
نهر حسبت أديمه بلورة ... وهاجة أو نصل سيف مرهفا
ورشفت ريقة مائه معسولة ... فافتر عن ثغر الحباب تلطفا
نضج النهار عليه ذوب لجينه ... وكساه مخضر العشابة مطرفا
وحباه مؤتلق الحصى بجواهر ... أضحى بهن مختماً ومشنفا
متمايل الأعطاف قد غنت له ... طير السماء مثقلاً ومخففا
ومقلد بالسيد جيداً أعيداً ... ومزنر بالسر خصراً أهيفا
أقبلت أنظر في بديع حدوده ... غزل المياه موشعاً وملففا
عجت غواربه فتحسب أنه أسد يزمجر في الدجى متغطرفا
كم سرحة تلقاه يخبط جذعها ... أهوت إليه من الغصون مثقفا
وتكتلت أزباده فكأنها ... سرب الحمام البيض طار فرفرفا
والدوح ترشقه ببندق حبها ... فيذوب من رشقاتهن تخوفا
نهر جزيل المركمات تقسمت ... نعماه بين الضفتين فأنصفا
يسقي النبات بجانبيه كأنه ... دمع الحزين يبل جفناً أوطفا
لما رأيت سهاده لا ينقضي ... أيقنت أن وساده صلد الصفا
نسيب أرسلان
стр. 319
زار المرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي قلعة بعلبك فحفر على باب هيكل باخوس بيتين من الشعر هما:
يا بعلبك فريدة الأزمان ... بالصنع والإتقان والبنيان
لم تبقك الأيام في حدثانها ... إلا لتظهر قدرة الرحمان
ثم زارها الشيخ إسكندر العازار فكتب تحتهما بيتين على سبيل المعارضة:
يا معقلاً فيه العقول تحيرت ... يا معبداً لمفرق الأديان
لم تبقك الأيام في حدثانها ... إلا لتظهر قدرة الإنسان
ثم زارها الشيخ يوسف أبو صعب فكتب تحت الأربعة أبيات بيتين:
يا بعلبك عروسة الأزمان ... ونديمة المريخ والميزان
لولا الذي في النفس منه بقية ... لأعدت فيك عبادة الأوثان
стр. 320
قلعة بعلبك
إيه آثار بعلبك سلام ... بعد طول النوة وبعد المزار
ووقيت العفاء من عرصات ... مقويات أواهل بالفخار
ذكريني طفولتي وأعيدي ... رسم عهد عن أعيني متواري. .
خرب حارت البرية فيها ... فتنة السامعين والنظار
معجزات من البناء كبار ... لأناس ملء الزمان كبار
ألبستها الشموس تفويف در ... وعقيق على رداء نضار
وتحلت من الليالي بشاما ... ت كتنقيط عنبر في بهار
وسقاها الندى رشاش دموع ... شربتها ظوامئ الأنوار
زادها الشيب حرمة وجلالاً ... توجتها به يد الإعصار
رب شيب أتم حسناً وأولى ... وأهن العزم صولة الجبار
معبد للأسرار قام ولكن ... صنعه كان أعظم الأسرار
مثل القوم كل شيء عجيب ... فيه تمثيل حكمة واقتدار
صنعوا من جماده ثمراً يجنى ولكن بالعقل والأبصار
وضروباً من كل زهرٍ أنيق ... لم تفتها نضارة الأزهار
وشموساً مضيئة وشعاعاً ... باهرات لكنها من حجار
وطيوراً ذواهباً آبيات ... خالدات الغدو والأبكار
في جنان معلقات زواهٍ ... بصنوف النجوم والأنوار
следующие страницы →