Полный текст (2 201 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ممالكهم أن تضمها إلى مملكتها الجديدة وظلوا يراقبون حركاتها بعين الحذر وهم مترددون بين محاربتها وموالاتها إلى أن تبوأ أورليانوس العرش فحصر همه في إخضاعها. وسار بجيوشه إلى المشرق وقاتلها في عدة مواقع، أشهرها موقعتان في سهل إنطاكية وسهول
حمص استظهر فيها عليها، وبلغ إلى تدمر فحاصرها وأشار على ملكتها بالتسليم فأبت فشدد الحصار على المدينة وسلم أهلها سنة ٢٧٢. أما زنوبيا فركبت هجيناً تريد بلاد فارس فقبض عليها فرسان الرومانيين عند باب المدينة، وأخذها أورليانوس أسيرة إلى رومية وعاملها معاملة ملكة عظيمة الشأن مفاخراً بالنصر الذي أحرزه على أكبر ملكة كانت تهتز لها أعصاب الإمبراطورية الرومانية فأعد لها قصراً فخيماً في مدينة تيفولي بالقرب من رومية فقضت حياتها فيه تحف بها العظمة والجلال.
وقد أجمع المؤرخون على أنها كانت فتانة فائقة الجمال شديدة النزوع إلى الحروب والفتوحات، واشتهرت بحقها وسمو مداركها وشدة بأسا حتى جرت أوصافها مجرى الأمثال في الأعصر الخالية. وفي لبنان آثار عديدة منسوبة إلى زبيدة منها أقنية الماء الممتدة من نهر بيروت إلى المدينة ومن نهر إبراهيم إلى جبيل ومن نهر قديشا إلى كورة طرابلس.
ثم قام ديوكلتيانوس ويستنيانوس فحاولا إعادة تدمر إلى مجدها السالف فأخفق سعيهما: ومذ ضربها أورليانوس تلك الضربة النجلاء قضى على شهرتها وتاريخها قضاءً مبرماً فأخذت من ذلك الحين بالانحطاط إلى أن باتت أثراً بعد عين وغاصت في لجة عميقة من النسيان قروناً طوالاً كانت
стр. 317
فيها قرية حقيرة لا شأن لها يعرفها علماء الجغرافية بكونها حداً لبادية الشام في الشمال الغربي من حمص وحماه.
وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن معظم سكان تدمر وضواحيها كان في أيام زنوبيا مؤلفاً من العرب بدليل أن أكثر الأسماء الواردة في الكتابات اليونانية القديمة التي وجدت في تدمر عربية محضة ومثلها الكتابات التي وجدوها في حوران فإنها عربية اللفظ والمعنى وإن تكن مكتوبة بأحرف يونانية. وفي بعض التواريخ أن تدمر ظلت في أمن ن غزوات العرب المسلمين دهراً طويلاً ولكنها قاست الشدائد في حروب الأمويين والعباسيين سنة ٧٤٥م. وما يليها. وقد زارها العالم الفرنساوي فولني سنة ١٧٥٨ فوصفها أبدع وصف ومزق ما كان مسدولاً على تاريخها من الحجب الكثيفة وألفت وصفه لها أنظار العلماء والسياح فطفقوا يتقاطرون إليها من كل حدب وصوب لمشاهدة آثارها العجيبة.
فحبذا لو كانت حكومتنا الدستورية الجديدة تتمثل بالحكومات الأوروبية فتصرف بعض عنايتها إلى الآثار القديمة الحافلة بها البلاد السورية فإن في جمع هذه الآثار في متاحف
خصوصية من الفوائد المادية ما لا يقل قيمة في اعتبار الأمم المتمدنة عما في ذلك من عبر التاريخ البالغة والفوائد الأدبية للبلاد التي تشتمل على آثار جليلة كآثار تدمر وبعلبك ودمشق والقدس وغيرها مما يعرض لنا كل يوم أن نورده مثلاً من الأمثلة العديدة على بلوغ التمدن الشرقي أقصى درجات الكمال في زمن كانت أوروبا تتخبط في دياجي الجهل والانحطاط.
- بولس مسعد
стр. 318
نهر الصفا
وهو النبع المتدفق من عين زحلتا في جبل لبنان، أرسل إلينا وصفه هذا البديع سعادة الأمير أرسلان.
يا صاحبي قفا على نهر الصفا ... نهر لدينا بات أشهر من قفا
باكرته طرب الفؤاد وقد رمى ... فلق الصباح لثامه فتكشفا
نهر حسبت أديمه بلورة ... وهاجة أو نصل سيف مرهفا
ورشفت ريقة مائه معسولة ... فافتر عن ثغر الحباب تلطفا
نضج النهار عليه ذوب لجينه ... وكساه مخضر العشابة مطرفا
وحباه مؤتلق الحصى بجواهر ... أضحى بهن مختماً ومشنفا
متمايل الأعطاف قد غنت له ... طير السماء مثقلاً ومخففا
ومقلد بالسيد جيداً أعيداً ... ومزنر بالسر خصراً أهيفا
أقبلت أنظر في بديع حدوده ... غزل المياه موشعاً وملففا
عجت غواربه فتحسب أنه أسد يزمجر في الدجى متغطرفا
كم سرحة تلقاه يخبط جذعها ... أهوت إليه من الغصون مثقفا
وتكتلت أزباده فكأنها ... سرب الحمام البيض طار فرفرفا
والدوح ترشقه ببندق حبها ... فيذوب من رشقاتهن تخوفا
نهر جزيل المركمات تقسمت ... نعماه بين الضفتين فأنصفا
يسقي النبات بجانبيه كأنه ... دمع الحزين يبل جفناً أوطفا
لما رأيت سهاده لا ينقضي ... أيقنت أن وساده صلد الصفا
نسيب أرسلان
стр. 319
زار المرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي قلعة بعلبك فحفر على باب هيكل باخوس بيتين من الشعر هما:
يا بعلبك فريدة الأزمان ... بالصنع والإتقان والبنيان
لم تبقك الأيام في حدثانها ... إلا لتظهر قدرة الرحمان
ثم زارها الشيخ إسكندر العازار فكتب تحتهما بيتين على سبيل المعارضة:
يا معقلاً فيه العقول تحيرت ... يا معبداً لمفرق الأديان
لم تبقك الأيام في حدثانها ... إلا لتظهر قدرة الإنسان
ثم زارها الشيخ يوسف أبو صعب فكتب تحت الأربعة أبيات بيتين:
يا بعلبك عروسة الأزمان ... ونديمة المريخ والميزان
لولا الذي في النفس منه بقية ... لأعدت فيك عبادة الأوثان
стр. 320
قلعة بعلبك
إيه آثار بعلبك سلام ... بعد طول النوة وبعد المزار
ووقيت العفاء من عرصات ... مقويات أواهل بالفخار
ذكريني طفولتي وأعيدي ... رسم عهد عن أعيني متواري. .
خرب حارت البرية فيها ... فتنة السامعين والنظار
معجزات من البناء كبار ... لأناس ملء الزمان كبار
ألبستها الشموس تفويف در ... وعقيق على رداء نضار
وتحلت من الليالي بشاما ... ت كتنقيط عنبر في بهار
وسقاها الندى رشاش دموع ... شربتها ظوامئ الأنوار
زادها الشيب حرمة وجلالاً ... توجتها به يد الإعصار
رب شيب أتم حسناً وأولى ... وأهن العزم صولة الجبار
معبد للأسرار قام ولكن ... صنعه كان أعظم الأسرار
مثل القوم كل شيء عجيب ... فيه تمثيل حكمة واقتدار
صنعوا من جماده ثمراً يجنى ولكن بالعقل والأبصار
وضروباً من كل زهرٍ أنيق ... لم تفتها نضارة الأزهار
وشموساً مضيئة وشعاعاً ... باهرات لكنها من حجار
وطيوراً ذواهباً آبيات ... خالدات الغدو والأبكار
في جنان معلقات زواهٍ ... بصنوف النجوم والأنوار
стр. 321
وأسوداً يخشى التحفز منها ... ويروع السكوت كالتزآر
عابسات الوجوه غير غضاب ... باديات الأنياب غير ضواري
في عرانينها دخان مثار ... وبألحاظها سيول شرار
تلك آياتهم وما برحت في ... كل آن روائع الزوار
في مقام للحسن يعبد بعد ال ... عقل فيه والعقل بعد البار
* * *
أهل فينيقيا سلام عليكم ... يوم تفنى بقية الأدهار
لكم الأرض خالدين عليها ... بعظيم الأعمال والآثار
خضتم البحر يوم كان عصياً ... لم يسخر لقوة من بخار
وركبتم منه جواداً حروناً ... قلقاً بالممرس المغوار
أن تمادى عدواً بهم كبحوه ... وأقالوه إن كبا من عثار
وإذا ما طغى بهم أوشكوا أن ... يأخذوا لاعبين بالأقمار
غير صعب تخليد ذكر على الأر ... ض لمن لدوه فوق البحار
شيدوها للشمس دار صلاة ... وأتم الرومان حلي الدار
نحتوا الراسيات نحت صخور ... وأبانوا دقائق الأفكار
وأجادوا الدمى فجاز عليهم ... أنها الأمرات في الأقدار
سجدوا للذي هم صنعوه ... سجدات الإجلال والإكبار
بعد هذا أغاية فترجى ... لتمام أم مطمع في افتخار
خليل مطران
стр. 322
٣ - بين مصر وسورية
حييت يا وطناً تصبو القلوب إلى ... أرجائه وبه الأرواح تغتبط
شمس المعارف في علياه جامعة ... أطرافه وهي فيما بينها وسط
ففي ذرى الأرز حبل من أشعتها ... يلقى وحبل على الأهرام منبسط
إبراهيم اليازجي
القطران الشقيقان
حفرت معاول الفعلة ترعة السويس، فكانت كالمبضع بتر شرياناً بين عضوين في جسم واحد، طالما توارد فيه الدم صعوداً من مصر إلى سورية ونزولاً من سوريا إلى مصر. فإذا كانت سورية قد انفصلت عن مصر بثغرة لا تزيد فجوتها عن ٦٥ متراً، فلا تقولن إن يد ده لسبس
стр. 323
غلبت الطبيعة. فالطبيعة لا تغالب، وإذا ما غولبت غلبت. ولكن الإنسان كان قبل مدنيته يخضع الطبيعة ويذللها، فصار بعد ازدهار المدنية يستخدم بعلمه قواها وقوتها، ولكنه يحس من نفسه أنه خاضع لتلك القوات والقوى.
إذا كان مصرائيم وكنعان قد اجتازا برزخ السويس من سورية إلى مصر، فصيرا مناقعها حقولاً، وبحيراتها سهولاً، وأكامها مدناً، وروبيها دساكر وقرى. وإذا كان توتمس وقواده قد عبروا ذلك البرزخ إلى سورية واكتسحوا الأمصار، وثلوا العروش، ونصبوا لهم نصباً على ضفة الفرات، فإن سلاتس زعيم الرعاة قد نهج نهجهم فاجتاز البرزخ إلى مصر ونصب على ضفات النيل هياكل وتماثيل. وإذا كانت عبادة الإله أودنيس والآلاهة الزهرة قد ترامت من قنن لبنان إلى هضاب أصوان، فإن عبادة الإله أوزيريس والآلاهة أيزيس قد استفاضت من شاطئ بحرية المنزلة إلى شاطئ العاصي. وإذا كان الغزاة والفاتحون قد عدوا سورية قلعة مصر، فإن الصناع والتجار الآسيويين قد حسبوا مصر مزرعة سورية، فهبطها يعقوب بأبنائه يمترون، وجاءها الفينيقيون يتجرون.
ظن الرومان أنهم إذا قالوا في الهياكل والمساجد أن ابن مصر من جالية النوبة لا من جالية فينيقيا واليمن، غرسوا في فؤاده حب الأسود الأفريقي لحسبانه أخاً، واقتلعوا من صدره حب الفينيقي والآشوري الأبيض لحسبانه غريباً. ولكن الطبيعة التي لا تخضع إلا لنظامها أبت على المصريين أن ينقادوا إلى الكتب التي قالوا لهم أنها مقدسة. على أن
стр. 324
لغة تلك الكتب بنبراتها ومقاطعها فينيقية سورية. بل أبت طبيعة الأرض عليهم أن يكونوا إلا أخوة السوريين لصقاء دارهم، بل أبت التقاليد الواحدة إلا أن يكونوا متحدين فلم ينل الرومان من تعاليمهم منالاً لأن كل ما يخالف ناموس التكوين والوجود فانٍ، وما ينجم عنه - وكان ثمرته - خالد باقٍ.
* * *
انقضت العصور المظلمة، وباعدت الأيام والأقدار بين اللغتين، وفرقت بين الدولتين
والإلهتين، إلى أن جمع بينهما عيسى بتعاليمه. ثم تلاه محمد بفرقانه. فازداد تفاعل القطرين واحتكاكهما، وعاد أحدهما طريق الآخر في البشارة بالدين، والفتح بالقوة. فما انبعث نور من مصر إلا ليكون وهجه في سورية، وما تلألأ ضوء في سورية، إلا ليكون أول سطوعه في مصر. وما استفاض علم في إحداهما إلا لتكون أول بوارقه في الأخرى. وذلك كان شأنهما من يوم كونتا، وذلك سيكون ما دامت الأرض على تكوينها والأفلاك على دورانها.
وإذا كانت قناة السويس قد عدت في هذا العصر ثغرة فاصلة فتحتها يد المدنية، فإن تلك اليد الفاصلة نفسها قد وثقت روابط الصلة، وأحكمت عرى التواصل بأثير الهواء وثبج الماء، فلا تعد القناة الآن فاصلاً. ومن على حافتيها يتخاطب المتقابلان، ومن فوق مائها يتصافح الأخوان ومن ذا الذي يمنع الهواء أن يهب، والماء أن يصب.
علم عبد الملك بن مروان المصريين لغة العرب فصاروا عرباً، وعلم خلفاؤه السوريين هذه اللغة فصاروا بها أخوة المصريين، فاجتمع لهم
стр. 325
من روابط الإخاء والوئام والاتحاد اللغة والجوار، إن لم نزد عليهما الدين. وإذا ما تفاهم الناس تحابوا، والكلمة التي تحتقرها إذا حدثت، هي التي تعلم الأمم، لأن بها يبرز الفكر جلياً للسامعين، فمن كلمته بلسانه كنت أخاه بذلك اللسان ونقلت إلى رأسه ثمار عقلك، وإلى صدره خوافي صدرك. وتأخذ منه ما عنده وتعطيه ما عندك. تتأدب بأدبه ويتأدب بأدبك، وتتعلم من علمه وتعلمه من علمك، وفكر لا يبرز بحلة الكلام وجوده كعدمه.
هكذا كان شأن البلدين بعد الفتح الإسلامي وصيرورة لغتهما لغة واحدة. فما نبت فن في أحدهما حتى جنى الآخر ثماره، وما ظهر علم أو عالم حتى كان للاثنين معاً. فإذا قلبت صفحات التاريخ، وتراجم النوابغ، ظهرت لك هذه الحقيقة ناصعة، حتى كأن حبل المدنية واللغة في القطرين سلك كهربائي، إذا ارتج طرفه في بلد ارتج سائر في البلد الآخر، وإذا أضاء مصباحاً في القاهرة، أضاء مثله في دمشق وبغداد. وإذا ما ضربت السياسة للأوطان حدوداً، فإن العلم لا وطن له وإن كان للعالم وطن. وإذا صح أن يقال بين الأمم الأخرى أن حدود الوطن باللغة، فإن هذا لا يصح بين مصر وسورية ولغتهما واحدة.
حكم محمد علي مصر وأنشأ المدارس، ونقل العلم إلى لغة العرب ليعلم مصر، ولكنه علم بلاد العرب كلها ذلك العلم وكان يكفيهم منه أن ينقله إلى لغتهم ليتفهموه. ففي رؤوس جبل
لبنان وفي أطراف سورية تجد في خزانات الكتب كتب الطب للرشيدي، والجغرافيا لكلوت بك، والفلك لمختار باشا، والهندسة لوهبي بك، والزراعة لأحمد ندى إلخ. وفي أطراف تلك
стр. 326
البلاد تجد أطباء شيوخاً ومهندين هرمين تلقوا العلوم في مدارس مصر.
وبدت النهضة الأدبية في سورية منذ خمسين عاماً، فانتفعت بها مصر: فصحف البستاني ومجلاته وكتبه وقواميسه ودائرة معارفه، ومؤلفات الشدياق، وكتب اليازجي، وتصانيف فانديك، ومطبوعات اليسوعيين والأمريكان وتآليفهم كانت لسورية ومصر معاً. وهذه مجلات مصر وسورية وصحف كلتيهما كأنها مجلات الأخرى وصحفها. وهؤلاء كتاب مصر وسورية وعلماؤها كل واحد منهم كاتب كلا القطرين وعالمه.
تصعد الجبل في سورية أو تهبط الوادي، فتسمع المغنين يتغنون بقصيدة شوقي، أو منظومة حافظ، وتطوف الأرجاء هنا، فتسمع الأدباء يتحدثون بمؤلفات اليازجي أو الشرتوني أو البستاني، وتطالع المجلات وفصولها فلا تجد فرقاً بين كاتب مصري ومصنف سوري. وإذا تدرجت في البحث والتنقيب ونزلت إلى صميم الشعب وحياض العامة، رأيت التقاليد بالأغاني والأناشيد والرقص والعزف واللهو والحزن والمآكل والملابس والأفراح والمآتم والأثاث والفرش وتدبير المنزل نقل بعضها أو أكثرها أو كل جديد متقن منها من بر الشام إلى بر مصر، أو من بر مصر إلى بر الشام. فهما في اللغة والرقعة الجغرافية بلد واحد وإن لم تكونا في السياسة كذلك.
فإذا كانت الزهور قد أنشئت لزيادة التعارف بين أدباء القطرين وعلماء المصرين، فإنما هي قد رمت إلى غاية جلى وغرض نبيل، قد يكون أقل منافعه سرعان التعارف والترابط بين الأدباء، حتى يزداد الشعبان نفعاً، بها، بفضل لغتهما الواحدة.
داود بركات
стр. 327
تحية الشعراء
١ - من شعراء مصر إلى سورية
لمصر أم لربوع الشام تنتسب ... هنا العلى وهناك المجد والحسب
ركنان للشرق لا زالت ربوعهما ... قلب الهلال عليها خافق يجب
أم اللغات غداة الفخر أمهما ... وإن سألت عن الإباء فالعرب
إذا ألمت بوادي النيل نازلة ... باتت له راسيات الشام تضطرب
لو أخلص النيل والأردن ودهما ... تصافحت منهما الأمواه والعشب
بالواديين تمشى الفخر مشيته ... يحف ناحيتيه الجود والدأب
نسيم لبنان كم جادتك عاطرة ... من الرياض وكم حياك منسكب
في الشرق والغرب أنفاس مسعرة ... تهفو إليك وأكباد بها لهب
هذه يدي عن بني مصر تصافحكم ... فصافحوها تصافح نفسها العرب
فما الكنانة إلا الشام عاج على ... ربوعها من بنيها سادة نجب
حافظ إبراهيم
يحن لمصر من سكن الشاما ... ونحن نود لو كانت مقاما
منابت لا تجف بها الخزامى ... ولا تشكو أزاهرا الأواما
وأرض تنبت اليوم المعالي ... وكانت تنبت الرسل الكراما
على لبنان زهري الهضاب ... على الأردن خمري الحباب
على القدس المفضل في الكتاب ... على تلك القصور على القباب
سلام متيم لولا الليالي ... تفيده لما بعث السلاما
عبدنا الله لا خوف انتقام ... ولكن قيل عدن في الشآم
فأكثرنا الصلاة مع الصيام ... لتجمعنا الشآم لدى الزحام
ولو لم نعتقد صدق المقال ... لما صلى فتى منا وصاما
عبد الحليم المصري
стр. 328
٢ - من شعراء سورية إلى مصر
أيه يا مصر أنت منزل قوم ... أخذوا قسطهم من المدنيه
قد هجرنا لأجلك الوطن الأول ... مهوى أهوائنا الأصليه
واتخذنا لنا أخلاء من أهلك ... أهل النهى وصدق النيه
نشأت بيننا الصلات قديماً ... وسنبقى مادامت الذريه
كم نعمنا فيما مضى وشقينا ... فاقتسمنا حظوظنا بالسويه
بين مصر والشام عهد قديم ... هو عهد الإخاء والوطنيه
عقدته السماء والأرض والنا ... س فكان الوثيقة الأدبيه
فلتعش مصر وليعش ساكنوها ... وعليك السلام يا سوريه
نقولا رزق الله
سلام على الوادي الخصيب ونيله ... على نبته غضاً على قومه غرا
بني النيل أنتم ألين الناس جانباً ... وأبسطهم كفاً وأرحبهم صدرا
بني النيل إنا إن أقمنا وإن نسر ... نرد لبني النيل السعادة واليسرا
وهذي أيادينا نصافحكم بها ... فانتم لها أوفى وأنتم بها أحرى
الدكتور إبراهيم شدودي
مصر العزيزة دام العز منتسباً ... لقومك الغر من فرع ومن سلف
أبناؤك اليوم من أبناء شرقهم ... مكان هادي السرى في المهمه القذف
قد مدن الغرب من آثار ملكهم ... وأشرق الشرق من سيارة الصحف
كرام نفس إلى حلم إلى أدب ... وأهل عزم إلى ظرف إلى لطف
أمين البستاني المحامي
стр. 329
وأي شيء بمصر لا يتيمنا ... مصر حوت كل ما شاق الورى وسبى
وأعشق الأنس يجلو لي دجى كربي ... وفي الكنانة أنس يكشف الكربا
وأعشق اللغة الفصحى وقد ضربت ... في مصر اللغة الفصحى لها طنبا
دار إذا قال فيها نازح وطني ... أحب منها إلى قلبي فقد كذبا
أهدي السلام (لشوقيها) و (حافظها) ... و (للخليل) ومن يبقى من الأدبا
رشيد مصوبع
الحركة الأدبية
كانت سورية في النصف الأخير من القرن الغابر مهد كتاب مشاهير وأدباء أعلام كان لهم اليد الطولى في نهضة اللغة العربية والآداب الرقية، ولما ضاق عليهم هذا المضمار في ربوع الشام، هاجروا زرافات إلى وادي النيل، فكانت الديار المصرية خير مسرح تجلت عليه عرائس أفكارهم وبرزت إليه نفائس خواطرهم. بل وجدوا في تلك الديار التي حلوها على الرحب والسعة تكملة لسليقتهم. وهكذا إذا كانت الشام قد أنبتتهم فإن مصر انتمهم وأنضجت أفكارهم فأنتجت أينع الأثمار بعد أن كانت حملت ألطف الأزهار. وما عهد اليازجي والنقاش والحداد وأديب إسحق وغيرهم ببعيد. وعليه فيصعب على من شاء أن يكتب تاريخ الآداب العربية الحديث أن يفرق بين القطرين ويميز بين كتاب البلدين. وجل الكتاب أن لم نقل كلهم قد نسقوا نسيم لبنان العليل ورشفوا ماء النيل السلسبيل. فيحق لكلا القطرين أن يدعيهم.
وكانت ريح الاستبداد العاصفة قد شتتت شمل السوريين ونثرتهم في كل أنحاء العالم، فطرحتهم مطارح النوى إلى أقصى بلاد الله، فعرفوا مجاهل أفريقيا ومفاوز
стр. 330
أمريكا وبطاح أستراليا. ولما كان السوري ميالاً بطبيعته إلى الكتابة والتحرير حمل معه إلى المهجر طرسه وقلمه فأنشأ الصحف والمجلات وخدم اللغة العربية أينما نزل، والبريد يحمل إلينا في كل أسبوع جرائد شتى ومطبوعات متنوعة من مراكش وكندا والولايات المتحدة والمكسيك والبرازيل والأرجنتين إلخ.
ولما سكنت عاصفة الاستبداد التي كادت تجتاح كل عقل مفكر وقلم محبر، هب نسيم الحرية اللطيف فرد إلى سورية بعض أبنائها بعد أن كان قد خيل أن لا تلاق بع ذاك الفراق. فرأت بيروت صاحب المهاجر النيويوركي وصاحب المناظر البرازيلي وصاحبي الراوي والمصور الإسكندريين ورأت دمشق صاحب المقتبس وطرابلس المغربي ورحبت حلب بأدبائها وبغداد بشعرائها. . . ولكن الكثيرين قضي عليهم في أرض منفاهم، فخمدت أنفاسهم وتقطعت أوصابهم، فكان لحدهم في أرض غير التي هز عليها مهدهم. . . وإن سورية لتذكرهم اليوم في عينها دمعة محرقة لأنها تشعر بالحاجة إليهم لإنارة العقول وتثقيف الأذهان في طور الانتقال الصعب الذي تمر به الآن، وهي تقول: رحمة وسلام على من مات، وأهلاً وسهلاً بمن عاد. . .! بل هي تلقي نظرة ملؤها الشكر إلى شقيقتها
مصر التي حفظت لها أبناءها وأثمار أحشائها. وتدعو الكتاب المصريين لزيارة ربوعها، فإن التضييق الذي كان يقصيهم عنها قد اندرس وزال، فيلاقون كل حفاوة وإكرام، ويشعرون عندما يطأون الأرض السورية أنهم ليسوا بالأعراب فإن كتاباتهم قد سبقتهم وأعدت لهم السبيل، فصبيان المدارس يروون شعرهم ونثرهم، والكتاب يوردون رأيهم وقولهم. ولنعم النسب نسب الأدب.
ولقد وقفت مجلتا نفسها على القيام بهذه الخدمة منذ نشأتها، وهي دائبة بمعاونة الأدباء، الذين يقلدون جيدها بدور نفثاتهم، على متابعة هذه الخطة التي نالت رضى العموم. ولهذا نحن نقدم إليك أيها القارئ العزيز هذا العدد الكبير، وقد بذلنا المجهود في تزيينه بالرسوم العديدة وتحليته بأنفس ما جادت به قرائح الكتاب ونحن موقنون بأنك سترتاح إلى هذا الموضوع الجليل وتقدره حق قدره
стр. 331
لأنك بواسطته ستعرف أشياء كثيرة عن البلدين المتجاورين أو القطرين الشقيقين، والتعارف يؤول إلى التحاب والتواد، وعن ذلك ينجم التضامن في المصالح والتساند في المرافق، ومن أحوج منا الآن إلى التضامن والتساند.
فإلى قادة الأفكار في القطرين نوجه خصوصاً الدعوة إلى العمل على زيارة الترابط في الشؤون المادية والأدبية. ويا حبذا لو تألفت لجان في مصر تزور سورية ولجان في سورية تزور مصر. فتدرس هذه وتلك الأسباب التي توثق عرى التآلف للأخذ والرد شأن الأقطار الأخرى في الغرب، عسى أن تنبعث من احتكاك هاتين المدنيتين القديمتين شرارة توقد مصباح المدنية الحديثة في مصر وسورية فينير الظلام الذي كدنا نضيع في دياجيه، بعد أن كان أجدادنا المصريون القدماء والفينيقيون ينيرون العالم بفنونهم وصنائعهم. فيحق أن نعيد حينذاك الآية من الشرق النور النور الطبيعي والنور الأدبي.
* * *
وفي هذه المناسبة لا يسعنا إلا لسداء صميم شكرنا وشكر قراء الزهور العديدين لكل الأدباء الذين ساعدوا بنوعٍ خاص من تدييج هذه المجموعة، معتذرين للذين اضطرنا ضيق المجال إلى تأجيل كتاباتهم الرائقة، فإن الموضوع كما قدمنا واسع الأطراف لا يمكن استيعابه في كتاب واحد ولنا في سائر أعداد المجلة متسع كافٍ لإيراد ما تأخر هذه المرة.
стр. 332
العدد ٧ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١٠
غلاء المعيشة
موضوع يستحق البحث والتمحيص، وداء يدعو إلى إعمال الفكرة لاستئصال جراثيمه التي تمكنت من جسم الأمة فباتت تنخره نخراً حتى كادت تقضي عليه.
ولسنا نطرق هذا البحث كالأبحاث التي تطرقها المجلات من حين إلى حين فتضرب على أوتارها على نغم واحد، أو يعمد إلها الكتاب والمنشئون متى جمدت قريحتهم وأغلق عليهم إيجاد موضوع يطلقون ليراعهم فيه العنان، بل نطرق هذا الموضوع لأنه حديث السواد الأعظم من الشعب الشاغل الأكبر للأفكار. ومن لم يقل به علناً أصبح يهدس به سراً. فإن مجموع الشعب لا يشتغل بالأحزاب والمضاربات ولا يهتم للتصريحات السياسية والأنباء البرقية. ولكنه يصرف جل كلامه واهتمامه إلى الغلاء المحدق به من كل جهة: غلاء المأكول، غلاء المشروب، غلاء المسكن، غلاء الملبس. . إلخ.
كل شيء غالٍ: الحياة غالية، الموت غالٍ. .! وليس ذلك من
стр. 333
قبيل المبالغة. فإن الجمعيات الخيرية قد صارت تدفع منذ مدة لدفن الموتى الفقراء أضعاف ما كانت تدفع من ذي قبل.
* * *
ماذا يفيد ما تدعوه تمدناً عصرياً إن لم يكن وراءه إلا رفاهية الأغنياء وبذخهم - وهم القليلون - وشقاء الفقراء وبؤسهم - وهم الكثيرون؟ وهل نعد تمدناً أو حضارة أو رقياً تلك الحركة الآئلة إلى هنا الأفراد وعناء المجموع؟
يتبادر إلى الذهن أن رواج المعاملات وكثرة المعامل وسهولة المواصلات التي تقرب بين شواسع الأقطار إلى غير ما جاد به العصر من الاكتشافات والاختراعات المسهلة أبواب الارتزاق لمما كان يجب أن يؤدي إلى محاربة الغلاء وزيادة الرخص وتوفير أسباب الهناء والسعادة في الطبقة الوسطى. فهل نحن حاصلون على ذلك؟ وهل كانت النتيجة كذلك في أطراف المعمور؟ قليلة هي البلدان التي فازت بهذه الأمنية. فإننا نرى على الغالب أن كل هذه الأمور الآنفة الذكر لم تجر إلا رفه ذوي اليسار وتنعم أصحاب الدرهم، بعد أن ساعدتهم على ابتزاز الأموال واحتكار ثروة العباد.
من أحسن محاسن الشرائع السهر على مصالح الأفراد والعمل على الذود عن حقوقهم ومرافقهم. وكل حكومة عاقلة عادلة تدرك واجباتها وتفهم أنها القيمة على الرعية. . . وما ألطف وأسمى ما كان يقول هنري الرابع ملك فرنسا: أود لو تمكن كل شعبي من أن يطبخ
اللحم في كل
стр. 334
أسبوع ويذوق شيئاً من رغد العيش. . .
وقد أطلعنا مؤخراً على إحصاء ظهر عن نفقات المعيشة في فرنسا فأخذنا منه أن هذه النفقات ظلت تتصاعد منذ أول القرن التاسع عشر حتى سنة ١٨٨٣ وأنها أخذت منذ ذاك العهد تتناقص تدريجاً. وما ذلك إلا بفضل الحكومة الساهرة على كل الطبقات من رعاياها فإن معدل نفقات المآكل كان في منتصف القرن الغابر ١٠٥٢ فرنكاً سنوياً فنزل في سنة ١٩٠٣ إلى ٩١٥ فرنكاً. والفرق عظيم إذا قابلنا بين النفقات في بلادنا منذ خمسين سنة وبينها اليوم ورأينا الصعود الفاحش الذي طرأ عليها حتى أصبحت أضعاف أضعاف ما كانت عليه.
وما رأينا صعوداً في الإحصاء المذكور عن فرنسا إلا على أجار المنازل وهناك أسباب شتى لا تخفى قضت بذلك. على أن الكثيرين يسعون إلى ترخيصها حتى تسهل المعيشة من هذا القبيل أيضاً. فإن شركات متعددة نهضت تشتري الأراضي وتبني فيها المساكن الملائمة لتأجيرها بأثمان غاية في الاعتدال. ويا حبذا لو رأينا عندنا مثل هذه الشركات ونحن في أمس الحاجة إليها.
قلنا إن نفقات المعيشة في فرنسا نقصت في نصف القرن الغابر. وإن الدخل قد زاد زيادة تذكر فإن الماهيات ارتفعت حتى ١١١ في المئة عما كانت عليه. ومن المعروف أن الشعب الفرنساوي بات الآن من أسعد الشعوب وأغناها. ولا نبحث عن سبب غناه في غير ما تقدم.
* * *
стр. 335
وإذا نظرنا إلى باقي البلاد نرى أن نفقات المعيشة قد ازدادت. ومعدل هذه الزيادة ١٥ في المئة في كل من إنكلترا وألمانيا والنمسا. بيد أن الفرق بيننا وبينهم هو أنهم باتوا يهتمون ويشكلون اللجان من الاقتصاديين الخبيرين لمداواة هذا الداء ونحن جامدون لا نخطو خطوة في سبيل هذا الإصلاح الضروري تاركين للطبيعة أن تطبب مرضنا هذا. فالطبقة الموسرة لا يهمها زيادة بضع مئات من الجنيهات على نفقتها، والطبقة المتنورة على حد قول المثل عينها بصيرة ويدها قصيرة. . . هذا والشعب المسكين يكاد يرزح تحت أعباء حمله الثقيل.
أما وقد ضرب الغلاء أطنابه في أكثر الأنحاء فلننظرن في الأسباب الداعية إليه والعلاج الواقي منه.
إن هذه الأسباب منها اقتصادية ومنها سياسية ومنها أدبية أما الأسباب الاقتصادية فهي ناجمة عن حماية التجارة التي لا يزال معمولاً بها في أكثر البلدان. ولا ننكر أن هذه الحماية قد تجر نفعاً ولكنها في الغالب تساعد أصحاب المعامل والأراضي الواسعة دون سواهم بضرب الرسوم الفاحشة على الواردات الأجنبية فيصبحون ولا مزاحم لهم يتقاضون الأسعار الباهظة عن سلعهم وأغلالهم والناس مضطرون إلى قبولها. وإذا أضفنا إلى ذلك زيادة الطلب على كل الأصناف نرى أن غلاء المعيشة هو معلول طبيعي لهذه العلة.
أما الأسباب السياسية أو الإدارية فهي زيادة الماهيات وأجرة العملة. وليست هذه الزيادة مبنية على مقاسمة الأرباح بين العامل وصاحب
стр. 336
العمل بل ناتجة عن الاعتصابات المتعددة فزاد ثمن الأشياء لزيادة أجور العمال وتنقيص ساعات العمل وقد رأينا مثلاً في السنة الماضية صعود أسعار الفحم مع أن مناجمه غنية متوفرة لأن إضراب الفعلة عن العمل شهوراً طويلة قد قلل المحصول.
وهناك أيضاً أسباب أدبية لها تأثير في الغلاء أكثر مما يظنه البعض. فإنه قد سادت في عصرنا روح المساواة والتماثيل في المعيشة. فابن هذه الأيام يجهد نفسه وكثيراً ما يبذل ماء وجهه ليجاري جاره في الأكل والشرب والملبس والمسكن وكل مظاهر الأبهة والفخفخة ولو كان بين ثروة هذا وذا بون شاسع.
وقد نزلت النساء إلى هذا الميدان فكان لهن النصيب الأوفر، وغني عن البيان ما يتأتى عن هذه المنافسة من غلاء الأسعار وزيادة النفقات.
أما ملافاة هذه الأسباب ومداواة هذا الداء فأمر منوط بالحكومات والأفراد: على الحكومات أن تسعى لإزالة السببين الأولين أعني الاقتصادي والسياسي وذلك برفع حماية التجارة شيئاً فشيئاً واستبدالها بحرية المبادلة المطلقة ثم بضمانة حرية العمل للعمال وسن القوانين لوقايتهم. . . وعلى لأفراد نبذ هذه الأضاليل والأوهام فليست المساواة الحقيقية قائمة على بعض مظاهر خارجية بل هي مبنية على مساواة الحقوق والواجبات. وعليهم أيضاً الرجوع إلى بعض البساطة القديمة ففيها هناء أكبر ورغد أكثر ونعيم أوفر. . .
стр. 337
في رياض الشعر
يا ليل الصب متى غده
نشرنا ص ٢١٣ معارضة شوقي بك للقصيدة المشهورة يا ليل الصب. . . فكان لها أجمل وقع بين الأدباء. وجاءنا على أثر ذلك معارضات ثلاث حال دون نشرها تخصيص الجزء الماضي بموضوع مصر وسوريا والمعارضة الأولى من سعادة إسماعيل باشا صبري والثاني من عزتلو ولي الدين يكن بك والثالثة من سعادة الأمير نسيب أرسلان.
١
أقريب من دنف غده ... فالليل تمرد أسوده
والتفت تحت عجاجته ... بيض في الحي تؤيده
حرب عندي لمسعرها ... شوق مازلت أردده
هل من راق لصريع هوى ... هل من آسٍ يتعهده
حتى مَ يساوره كمد ... يبلي الأحشاء تجدده
وإلى مَ يصارعه ألمٌ ... إن هم يقوم ويقعده
في القصر غزال تكبره ... غزلان الرمل وتحسده
صفرت كفي منه ومضى ... وقد امتلأت مني يده
كم صغت التبر له شركاً ... وقضيت الليل أنضده
وأشاور (شوقي) بل أدبي ... هل أقصر أم أتصيده
مولاي أعيذك من ضرم ... لا يرحم قلباً موقده
أدرك بحياتك من رمقي ... ما بات هواك يهدده
стр. 338
قد بان الحب لذي عينين وهذا الشوق يؤكده
(شوقي) جوّد في الشعر وقل ... آمنت بأنك أوحده
إسماعيل صبري
٢
الحسن مكانك معبده ... واللحظ فؤادي مغمده
يا سيدتي هذا حر ... لم يعرف قبلك سيده
الليل وطيفك يعرفه ... إن كان فؤادك يجحده
كم يوحي طرفك لي غزلاً ... وأنا في شعري أنشده
وتساجلني الأطيار هوى ... في الدوح أبيت أردده
للصبح سناؤك أبيضه ... لليل غرامي أسوده
أحببت قلاك فمطلقه ... عندي عذب ومقيده
إن ضل حنانك عن قلبي ... فأنا بولوعي أرشده
قد بات دلالك يخذله ... وجمالك كان يؤيده
زيدي تيهاً ازدد كلفاً ... كلفي إن رثّ أجدده
(شوقي) إن بنت يضاعفه ... (صبري) إن جرت يؤكده
خلان هما شمسا فلك ... طرفي مع طرفك يرصده
فصلي بالله ولو حلماً ... ومضناك جفاه مرقده
وعديه اليوم لو كذباً ... الصب يماطله غده
ولي الدين يكن
стр. 339
٣
مضناك عصاه تجلده ... هل أنت بعطفك منجده
منهوك الجسم به كمدٌ ... إحناء الأضلع موقده
ترجيع الورق يهيجه ... ووميض البرق يسهده
وله نفس لو ما خفقت ... أحشاه لعز تردده
إن تهجره فعزاءك في ... دنف يتهامس عوده
لا يسري طيفك في غلس ... قد زور نورك فرقده
ما حال فؤادي في شغفي ... يستبكي الصخر توجده
إن يغدو الصدغ يصدعه ... ويروح الخد يخدده
ويكر الطرف فياسره ... فيقوم الفرع يصفده
والصد له جرح جلل ... لولا الآمال تكمده
أفدي مولاي فكل فتى ... يشقيه الحب ويسعده
كم فزت بمرأى طلعته ... فوزاً يتقطع حسده
وسكرت براح شمائله ... سكراً ما فاه معربده
غصن أغرتني رقته ... أترى شكواي تؤوده
والشعر صداح في وله ... يهوى الأغصان مغرده
نسيب أرسلان
стр. 340
تقلب سعادته في أسمى مناصب الحكومة المصرية فعرف بالهمة والحزم وأصالة الرأي. وخاض ميدان الأدب فكان من المجلين، وتسابقت الصحف والمجلات إلى نشر مبتكرات أفكاره العالية، فأطلق عليه الأدباء لقب أستاذ الشعراء وهو لا يزال يحلي الزهور منذ ظهورها بنفثات يراعه الشائقة حتى أصبحت له المكانة الكبرى عند قرائها.
стр. 341
الحمل والذئب والليث
نظم عزتلو الفاضل إبراهيم بك العرب شيئاً كثيراً من الحكايات على السنة الحيوانات على نسق الشاعر الفرنسوي لافونتين. وقد بعث إلينا ببعض تلك الحكايات ننشر منها اليوم الحكاية الصغيرة الآتية:
حمل أبصر ذئباً بالفلا ... ورأى الشر بدا من مقله
اعترته رجفة من خوفه ... وتمشى حائراً في خبله
فاحتمى بالليث كي يحفظه ... ورأى في الليث أقصى أمله
فأتاه التف من مأمله ... وانقضى ما يرتجي من أجله
رب من ترجو به دفع الأذى ... عنك يأتيك الأذى من قبله
العرب
تمدن المرأة العصرية
في ٢٣ يوليو (تموز) أقيمت حفلة شائقة في حديقة الأزبكية بمصر إكراماً لعيد الدستور العثماني. وقد مثل فريق من الأدباء رواية أبطال الحرية وفي ختام الحفلة تلت حضرة الآنسة الأديبة هدى كيورك تحية العلم بنطق فصيح. فأعجب بها كل الحاضرين وقد أرسلت إلينا المقالة الآتية فدلت على براعتها في فن الإنشاء كما كانت قد دلت على مهارتها في فن الإلقاء. وإننا نثبت مقالتها بمزيد السرور طالبين من فتياتنا ونسائنا أن يطرقن هذه المواضيع الاجتماعية لما يترتب على بت هذه الأفكار من المنافع الجمة.
من زمن ليس ببعيد كنا نسمع الرجل المتعلم يئن ويبعث من صدره التنهدات لحالة الجهل المستولية على المرأة. وقد بقي مدة آسفاً متحسراً
стр. 342
لعدم وجود أنثى تعادله في المعارف، وتماثله في الأفكار، لترفع قدر بنات جنسها وتبين تأثيرها أدبياً في الهيئة الاجتماعية، نافية ما نسب إليها من ضعف المدارك وجهل الواجبات. وقد دامت هذه الحالة المحزنة مدة طويلة دون أن يسمع صوت يبشر بطريقة تربية حديثة تبدد ظلام الجهل المتلبد. وتقشع غيومه الكثيفة إلى أيامنا هذه حيث لاح لنا نور العلم من خلال المدارس التي شيدت في كل الأنحاء وصارت المخرجات منها تعد بالألوف والمئات. غير أن الرجل الذي كان يئن بالأمس من جهل المرأة وضعف إدراكها، أصبح اليوم يتحسر على تقدمها ومعارفها. وتمنى لو بقيت على الجهل التام بدلاً من أن تذوق العلم غير الصحيح الناشئ عن التربية العصرية المقتبسة من قشور التمدن الغربي الحديث. فلنبحث الآن عن الحقيقة لنرى ما هي الخطة التي اتخذناها لنرتقي في التمدن ونكتسب ثمار العلم.
يلوح لي بأن أول شيء عرفناه نحن معشر النساء من أنواع التمدن هي آفاته وأولها المودة. فقد تبعناها وبذلنا جهدنا في تتميم شروطها متمثلات بنساء الغرب، وواضعات كل إرادتنا في قبضة أيديهن لتدرننا كيفما شئن وشاءت أذواقهن. فكم من جاهلة منا عدت نفسها سعيدة وترنمت وهماً لعدم تأخرها في شيء عن مماثلة الغربيات ولكن فيما يتعلق بالمودة فقط. وكم من أخت لها ازدرت بنصائح العقلاء والمسنين واستهزأت بشخصهم إذ لم تجد عليهم رداءاً مطابقاً للمودة. فتنكرهم إن كانوا أهلها وتجحدهم إن كانوا محسنين إليها، وكل هذا عملاً بأمر المودة. . . ولو أن
стр. 343
هذه الآفة بقيت عند أرباب الثروة واليسار لهان أمرها وقل ضررها، غير أنها تخطت كل الحدود ودخلت حتى بيوت المسكنة والفقر فرأينا الرجل
الذي يصل ليله بنهاره في الكدح والجد ليقوم بأود معاشه، أصبح اليوم مضطراً مجبوراً إلى أن يكرس ما يربحه ثمن رداء تنتظره ابنته هدية باردة، وهي جالسة على منصة حكمها ودلالها. لأنها تبعث المودة هي أيضاً فلا ترتضى بحالة والديها ولا تكتفي بما لديهم من وسائل المعيشة. استنزفوا عرق جبينهم لتربيتها في المدارس الكبرى طمعاً في تعليمها الواجب لتكون فخرهم في حياتهم فكانت النتيجة آيلة إلى خرابهم. فقد خيبت آمالهم ولم تكتسب سوى المودة والتقليد.
نفختها روح الكبرياء وملكها حب التشبه بالكبراء، فظنت نفسها أرفع قدراً من والديها فأتتهم آمرة متحكمة. وإذا لم يتموا رغائبها ويجيبوا مطالبها خشنت أخلاقها، وأوقعت الاضطراب والكدر في المنزل غاضبة على هذا مستهزئة بذاك إلى أن يستملك الحزن قلبا فتضيع الشجاعة وتقطع الرجاء وتقول لليأس مرحباً.
مثل هذه الأعمال جعلتنا سخرية عند العقلاء وحملتهم على الاعتقاد بأننا سبب عنائهم وشقائهم وقاطعات سلك تقدمهم.
أطلقوا علينا هذا الحكم ونحن في القسم الأول من حياتنا.
وأما الحكم الثاني فيكون نتيجة الحكم الأول. فإذا دخلت إحدانا ميدان الحياة وحصلت القليل من الثروة تراها ماثلت صاحبات الألوف والملايين في لبسها وبذخها. فاشتغلت في زينتها ولهوها. وتخلت عن
стр. 344
إدارة بيتها. وألقت كل هذه المهمات على عاتق الخدم لتحرص على راحتها وتتفرغ لسرورها. وإذا أرادت أن تولي سياسة منزلها بعض الاهتمام نراها تسيء التصرف لأنها لم تتعلم أصول التدبير والإدارة العائلية بل كانت في شاغل عنها في تدبير زينتها والتفنن في زيها.
وإذا رزقها الباري مولوداً لتحميه بعنايتها وتحرص عليه ساهرة على مستقبله، ترمي به إلى المراضع فيشب على أيدي المربيات دون أن تسمعه كلمة نصح أو تأديب. وربما دفعها حب الذات والملذات إلى تأخيره عن المدرسة إذا كانت ماليتها لا تقوى على إسرافها ونفقات ابنها، فتكون قد ضحت مستقبله على مذبح جهلها وحب ذاتها. وهكذا تنفق مالها وتتلف آدابها وتحط من قدرها وتضيع مستقبل عمرها وهي تجري وراء المودة والتقليد. ومع هذا كله لا تريد أن تفتح أذنها لغير كلمات الثناء والإطراء والويل لمن يقول أمامها إن
النساء سبب الشقاء. . . .
هذه هي حالة أكثرنا في هذا العصر وهذه هي ثمرات علمنا وتمدننا أبمثل هذا الاستعداد وعلى هذا المنوال نتهيأ لتربية الأحداث، وأوضاع الناشئة من لبن المبادئ ما صفي وراق، لنحفظها من أردان الفساد ونبث فيها روح المروءة وعزة النفس والغيرة على الوطن. قلنا إذا لم نطرح هذه الترهات والسفاسف إلى قعر البحار فتسعى إلى الحاجيات قبل الكماليات ونعمل على حفظ كيان الحياة قبل تزيينها، فلا يمكننا أن نقوم بمهمتنا في هذه الحياة بل نعيش تعيسات ونسبب تعاسة غيرنا. وعليه فلا يصح أن نتعلم التطريز ونترك الخياطة، وأن نهتم بالموسيقى ونهمل تدبير
стр. 345
المنزل، وأن نعتني بالرقص قبل تربية الأولاد، وأن نبرع في التصوير ولا ندري مشاركة الرجال في تذليل مصاعب الحياة، وأن نقرأ الروايات الخيالية قبل التواريخ.
نحن لم نتشبه بالغربية سوى بمادة واحدة عرضية وذات نتائج مضرة لأن أختنا الغربية إذا تبعت المودة تكون عرفت قبل ذلك كل ما تجب معرفته فلا يخشى عليها والحالة هذه من التهور في دركات الهلاك. فلماذا نحن لا نماثلها في معارفها كما نسعى لمماثلها في أزيائها. لماذا لا نأخذ عنها مثلاً نشاطها وجدها وتعلقها بلغتها وحسن عاداتها، هل رأينا قط فتاة غربية أتقنت لغة أجنبية قبل لغتها؟ أما نحن الشرقيات فقد أصبحت عندنا عادة مألوفة بل قاعدة مكتوبة أن نتقن أية لغة كانت أجنبية ولا نعلق أدنى أهمية على لغتنا ولماذا؟ لأن للمودة دخلاً أيضاً في هذا الباب. فقد رأينا فلانة عملت هكذا فتبعناها وتوهمنا أن اللغة الإفرنسية أو الإنكليزية أرق وألطف من العربية. . . فما هذا الجهل وما هذه الأوهام. فلا كانت أيام أدت بنا إلى هذه الحالة ومكنت الغربية من أن تسخر بنا وتستخف بعقلنا، فهي بتمسكها بلغتها وارتقاء معارفها جعلتنا نحتاج إليها ونخشى أن تنتهي باستعبادنا ونحن لم نزل غافلات غير عارفات أنه بإحياء لغتنا نحيا وباعتبارنا أصلنا نعتبر. . . لننظر إلى الرجال نر على أية حالة من الرقي والتقدم هم فكل يوم نسمع بعالم كبير منهم ومصلح مفكر بينهم يسير وتتبعه الألوف سعياً وراء الإصلاح هذا ونحن متقاعدات متكاسلات مع أننا لو أحيينا فينا روح الحمية وأقبلنا بنشاط على طلب المعارف لما قصرنا عن إخواننا
стр. 346
الرجال في إعداد ما يقوم عليه الترقي والعمران. فلنشعر إذاً عن ساعد الجد والهمة لنكتسب
علماً واستفادة كلما زادت في عمرنا ساعة فنعد للوطن رجالاً يؤيدون أعمالنا ونبين للعصور الحاضرة والآتية كيف تسير المرأة مع الرجل فتدركه.
هدى إسكندر كبورك
المال والجمال
كل ما يحب ويعبد، يمل فيهمل إلا المال والجمال. .
بالأصفر الوهاج تمهدت سبل العمران وقامت المشاريع العظام، وطالما كان صلة العقد
بين الدارين.
وجاء في حديث الأقدمين إن ربة الفجر تزوجت طيثون لجماله وزفس منحه الخلود.
الواحد رب ثان، والآخر صفة من صفات الرحمن
أقنومان في جوهر واحد وللناس في عبادتهما مذاهب.
بينا الملكة تطل من الأعالي، تبتسم لها الخليقة معجبة بمنظرها الفتان.
صوادح الطير تحييها بالتغريد وبنو الإنسان بالتمجيد
تبزغ الشمس فاللجين يذوب على فروع المشرق، وقبيل الغروب تغزل الشمس خيوطاً
من عسجد.
فكأنها تغازل الطبيعة بغمزات ساحرات، مودعة فيها روح الحياة.
من ثم يسفر القمر مستنيراً بنور ملكة النور، وقد جمع بين بعض صفات الأقنومين، فكان
زينة العالمين في سكينة الليل الهادي.
стр. 347
وهناك من قطب إلى قطب، ومحيطٍ إلى محيط، تسير النجوم وتدور مشعشعةً بأنوارها
الذهبية، حيث الأفق يبدو:
بساط زمردٍ نثرت عليه ... دنانير تخالطها دراهم
وما أبدع المذنبات حين تفيض بسيال من نضار:
تشرق الشمس وتغيب ومثلها القمر والنجوم وكل يمثل الجوهر الفرد بأشرف التشابيه،
فحبذا المنوال؟
وما أدرك ما الجوهر الفرد؟ هو ربة الجمال؛ إلاهة الغنى والثروة!
* * *
وماذا نرى: أمجد ابن الإنسان؟ علام تطاولت الأعناق وحدقت الأحداق؟ ما هذا الموكب
السامي الأنور؟
هذا موكب حملة العرش! وما عرش بلقيس. . .
وهو السدة العظمى، مرصعة بالدر والجوهر. فسناؤها يأخذ بالأبصار!
وها قد نصبوا العرش! ولمن نصبوه؟
لملكة النور، ملكة اللجين والعسجد
ومن هي تلك
هي ربة الجمال، إلاهة الغنى والثروة!
* * *
أي سكان المدينة! الأبواق الأبواق!
فاسمعي يا سماء، وأنصتي أيتها البرية الصامتة. . .
الملكة هابطة على عرشها المجيد. كأنها وحي منزل من روح الله الجميلة
стр. 348
فينوس تتجلى في سحابتها الذهبية، محفوفة بإلاهة الهواء، فهي فتنة الآلهة.
أبولون ومينيرفا في ركابها، جوبيتير يرنو إليها شغفاً، من أعلى قمم جبال إيدا
فاتنة الفلاسفة وسالبة عقول الحكماء تنجلي بمظاهر جبروتها
مخرسة البلغاء، ومنطقة الخرساء تتسنم أريكة ملوكتها
فلا سلطان فوق سلطانها، وإمام عرشها تخضع القوات
كنوز ابن داود تحت سلطتها، ومفاتيح الجنان في يدها
فالملوك في أعتابها، والعظماء على أبوابها يسترحمون ويستعطفون
تفعل ما تريد، فتعز وتذل ولأجلها قام تنازع البقاء
تصلي نيران الحروب، فتسير القلاع في البحار، والجبال في القفار، والقصور في الهواء
تغزو فتقهر، وتبرم الصلح كيف تشاء
نشاهد بها فتاة الدهر فلا تشيب، مالكة نواصي الزمان وقائدة أعنة العصور من جيل إلى
جيل
ومن هي تلك؟
هي ربة الجمال، إلاهة الغنى والثروة!
* * *
هي الألف والياء، سلطانة الآيات والمعجزات، كانت وحدها العامل الأكبر على إظهار
مواهب البشر
стр. 349
فأقيموا لها الأعياد، وأشعلوا الشموع حول كنوزها، وأوقدوا المباخر
قدموا القرابين على مذابح أقدامها، وارفعوا الأصوات بالصلوات
فالحياة منها ولها، وبها نسعد ونشقى
سبحوها بصنوج الهتاف وآلات الطرب، قدسوا اسمها وخبروا بكل عجائبها
فالأرض والسماء بذكرها تحدثان!
ومن هي تلك؟
هي ربة الجمال، إلاهة الغنى والثروة وغاية متمنيات بني الإنسان
فالسلام لك يا لذة الأنام ومحبوبة الأرباب
السلام لك يا حياة النفوس ومعبودة القلوب
السلام لك والمجد أيتها الملكة الجميلة والغنية. . .
(إنطاكية) سمعان بطرس اللادقاني
الخريف
ظهرت سحابة في كبد القبة الزرقاء، وابتل جناح الهواء، واغرورقت مقلة السماء، فوقعت على الأرض بعض نقط ماء. . . تركت السنونو الديار مهاجرة إلى أقطار شاسعة، وهب نسيم بارد فألوى سنابل الحقل وأحنى غصون الأشجار الباسقة. عري وجه الأرض من دبيبها وصارت الدنيا كهلة وقد ولت أيام شبابها فقلنا: ها الخريف قد أقبل والصيف قد أدبر. . .
стр. 350
عبس وجه الطبيعة، واكفهرت طلعة السماء فاستحالت زرقتها سواداً، واتشحت بثوب الغيوم الكالح حداداً، وجادت المزن حزناً بدمعها الصافي، فبرد بعض ما فيها من الحر والحرقة، فسالت في مآقي الأرض حمراء أسفاً ووجداً على هجر شبابها.
اصفر العشب الأخضر من لوعة هذا الفراق، وبكت الشجر فتساقطت منها الأوراق، وأصبحت تلطم جذعها بغصونها الجرداء، وحيث كنت تسمع تغريد الطيور الشجي الرخيم، لا تسمع الآن إلا حفيفاً رائعاً أشبه بزفرات المهجور الحزين. إذ أن ريح الشمال قد هبت وكان لهبوبها في الغاب صدى نوح وعويل، وأخذت تتلاعب بالأوراق الذابلة المتناثرة كتلاعب الرزايا بالأنام.
وكأن الطيور قد أنفت هذا المشهد، فأخذت تشق الفضاء ولسان حالها يقول: نحن رسل الزهو والزهر، ووفود الصفاء والبشر. . . لا تألف إلا الرياض الخضرة والحدائق النضرة، وإلا تحول تغريدنا إلى نوحٍ ورثاء، وأصبح أشبه بنعيق البوم والغربان. فنعود متى عاد الربيع. . .
أما تأثير هذا الفصل في النفوس فشديد. وليس بأقل من تأثيره في الطبيعة. فيشعر الإنسان بانقباض يستولي على فؤاده، ويسمع في داخل صدره صوتاً ينذره بقرب فصل الشتاء فصل الشيخوخة، فيتساءل حزيناً: وهل أرى فصل الربيع ثانية؟ هل أرى الأشجار تخضر والأطيار تعود. . . فيستسلم لهذه الأفكار التي تغذي النفوس بغذاء الحقيقة، وتروي القلوب التي حرقها الظمأ إلى المجهول. ويا نعم ما قال الشاعر:
стр. 351
إن فصل الخريف وافى إلينا ... يتهادى في حلية كالعروس
غيره كان للعيون ربيعاً ... وهو ما بيننا ربيع النفوس
ومن أمعن النظر في حياة الإنسان يراها كفصول السنة:
فصل ربيع مزهر مثمر، يطيب فيه الهواء ويروق أديم السماء. تشرق شمس الهناء، والإقبال فتبدد غياهب الكروب، ويسطع على الأفق بدر السعادة والآمال، فيضيء ظلمة القلوب، فتتفتح أزهار الصفاء، وتنضج أثمار الرجاء. . .
وفصل شتاء محزن تتلبد غيوم الشدائد في سماء مظلمة ناقمة؛ فتمطر ثلجاً تجمد له حركة القلوب الخافقة، وتسيل دموع الأعين الحارة. تعصف رياح الجزع فتتلاعب بأوراق الآمال الذابلة، وتقصف رعود المصائب فترمي القلب البشري بصاعقة اليأس القاتلة.
تلك هي حياة الإنسان: عسر ويسر، راحة وشقاء، شدة ورخاء، ورد وشوك، طلوع ونزول، شروق وأفول، حلاوة العسل ومرارة الحنظل، ابتسامة ثغر ونقطة دمع، ابتهاج الربيع وكآبة الخريف.
الكلمات الأجنبية والعامية في اللغة العربية
نشرنا في الجزء الرابع من الزهور ص ١٣٧ وفي العدد الخامس ص ٢١٥ الكلمات العربية التي باشر نادي دار العلوم وضعها لبعض اللكمات الأجنبية أو العامية وأبدينا ما عنّ لنا من الملاحظات بشأن هذه الأوضاع. واقترحنا
стр. 352
حينذاك على أعضاء النادي أن يفسحوا المجال لسائر أدباء الأقطار العربية حتى يتسنى لهم مشاركتهم في الرأي تعميماً للفائدة. وجعلنا مجلة الزهور المنتشرة في البلاد العربية واسطة لمبادلة الآراء في هذا الموضوع. فتناقلت الصحف والمجلات بحثنا هذا وذيلته بما عرض لها من الملاحظات. وقد جاءنا من أحد مراسلينا في بغداد كلام بهذا الشأن نعرضه على أعضاء نادي دار العلوم. وقد عرف القراء هذا الكاتب من مقالته الشائقة النهضة الأدبية في العراق ص ١٨٥ التي كان لها وقع عظيم في بلاد العرب. قال:
تلقى العلماء في بغداد أحسن التلقي ما أخذه نادي دار العلوم على نفسه من تتبع الألفاظ الأعجمية والعامية لوضع مقابل أو مرادف لها في العربية وأول شيء يعن لنا في هذا الصدد أنه يحسن بأعضاء النادي أن يشركوا سائر أهل الديار العربية في هذا العمل الخطير ليكون الجميع يداً واحدة في استحسان الموضوعات الحديثة أو دفعها وإلا وقع النزاع وانتفى الانتفاع.
لابد من أن تفسر الكلمة الإفرنجية أو العامية قبل أن يوضع لها مرادف في العربية. بل ويحسن أن يكتب مرادفها بالإفرنجية، وإذا كانت إفرنجية أن تكتب بأحرف تلك اللغة ليهتدى بها. وإلا فقد تكون اللفظة شائعة في ديار مصر ومجهولة في ما سواها. كما هو الأمر في الحروف الآتية: استمارة، وبولك نوت، وجول، وترسينة وغيرها فإننا لم نفهم المطلوب منها.
وأما (انفيتيانرو) فإن وجوده وجوداً طبيعياً في البلاد الصخرية أو الجبلية من بلاد اليمن والحجاز وديار مضر وربيعة وبكر مما حدا العرب إلى وضع حرف يؤدي معناه. وقد سموه جَديرَة واللفظة إلى اليوم معروفة
стр. 353
في بلاد اليمن وديار مضرو الجزائر هذا فضلاً عن أن اللفظة فصيحة في هذا المعنى فقد جاء في الصحاح ويقال للحظية من صَخْرٍ. جديرة ولا يمكنهم أن يعرفوها يومئذ أحسن من هذا التعريف. ومن مادة ج د ر اشتقوا الجدير وهو مكان قد بني حواليه جدار (الصحاح) والجدار هو الحائط. وكل درج من درج هذا الميدان
المدرَّج عبارة عن جدار لما قبله.
(بوية) المشهور في معنى البوية ما يقابله بالفرنسية وهو بالعربية الأدلم وقد استعملوا أيضاً في هذا المعنى الفارسية الأرَنْدَج وأما إذا أرادوا به ما تدهن به الحيطان وغيرها من آنية وأوعية فهو في الأول والثاني: الدهان ويقابله بالفرنسية ,
(خارطة) لم ترد الخريطة بمعنى الخارطة لهذا المخطط الأرضي. إلا أن يكون ذلك من باب المعرب الحديث. وإنما قالوا فيها تخطيط الأرض أو رسم الأرض أو مصور الأرض. ومن ذلك عناوين بعض الكتب في الجغرافية مع رسومها. إلا أن الخريطة قد وردت بمعنى أو في كلام المولّدين.
(طابور) ليست هذه الكلمة محرفة عن العربية تابور وإنما هذه هي نفس التركية طابور فحرّفها المحدثون بصورة تابور، والتركية من أصل بولوني فالكلمة إذاً لم تدخل في لسان آل عثمان إلا بعد سنة ١٥٦١ وأما في كتبا لعرب فلم ترد تابور إلا بعد شيوع اللفظة التركية بين العثمانيين والذي استزل أهل النادي للقول بعربية اللفظة وجودها في تاج العروس بل تنبيه على عجمتها. بيد أن صاحب التاج كثيراً ما يغفل عن
стр. 354
أصل اللفظة. وإلا فسائر أمهات اللغة ودواوينها القديمة لا تذكرها.
(دوسيه) المستعمل في العراق في هذا المعنى الإضبارة وقد جاءت بهذا المعنى في كتب العرب وأما ملف فلا تؤدي هذا المؤدى إلا ببعض تكلف.
هذا ما بدا لنا وهو فوق كل علم عليم.
(بغداد) ساتسنا
حالة آداب العرب
في عصر الجاهلية وعلى عهد الخلفاء
اقترحنا على الأدباء في الجزء الأول من الزهور كتابة نبذة عن الوسائل الواجب اتخاذها لترقية اللغة العربية بعد إيراد لمحة وجيزة فيما كانت عليه أيام الجاهلية وعلى عهد الخلفاء. فاستحن الموضوع كثيرون، ولكن الذين حاولوا الكتابة فيه كانوا قليلين، لأنه يقتضي بحثاً وتدقيقاً عظيمين. وكان المجلي في هذا الميدان حضرة الباحث المدقق عيسى أفندي إسكندر المعلوف، فأفاد فيما كتب، وأجاد فيما اقترح، وها إننا ننشر اليوم مقدمته عما كانت عليه آداب العرب في عصر الجاهلية وعلى عهد الخلفاء مرجئين القسم الثاني، وهو ما يجب اتخاذه من الوسائل لترقية تلك الآداب إلى العدد الآتي:
العرب من القبائل السامية التي انتشرت في شبه الجزيرة المنتسبة إليهم، وقد بقوا سحابة عصور طويلة بلا كتابة فحفظت آثارهم بأشعارهم ورواتهم، وعرفوا بفرعين عظيمين البائد والباقي: فالقبائل البائدة طمست آثارها كعاد وثمود وطسم وجديس ممن أقاموا في عمان والبحرين واليمامة
стр. 355
واشتهر منهم لقمان الحكيم صاحب الأمثال التي يقال أن أصلها من الشعر المقفى ولغتها حميرية. والقبائل الباقية هي بنو قحطان وبنو عدنان ويعرفون بالعرب العاربة وكانت كتابتهم الحميرية أو القلم المسند القديم انتشرت في اليمن فكانت لغة القبائل البادية وعرفت بلغة قحطان وقد وجدت آثارها في جبل الصفا في حوران وفي مأرب (اليمن) وحروفها منفصلة ولما اعتمد الإسلام على لغة قريش العدنانية تغلبت على اللغات الأخرى وأماتتها. واللغات السبع المشهورة بالفصاحة في العرب العرباء هي: لغة قريش وهذيل وهوزان واليمن وطي وثقيف وبني تميم. ومن القلم المحيري اشتق الكوفي ثم النسخي وفروعه إلى عهدنا.
وكانت نهضة العرب قبل الإسلام بنحو قرن أي في أثناء القرن السادس للميلاد ولقد رقاهم احتكاكهم بالحبشة والفرس والروم من مناوئيهم.
وكان الشعر في أول أمره عندهم مقاطيع وأرجازاً فقصده المهلهل، وأول من أطال الرجز وقصده الأغلب العجلي بزمن النبي ( ﷺ ) ثم العجاج. وسئل أبو عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ فقال نعم ليسمع عنها. قيل وهل كانت توجز؟ فقال نعم ليحفظ عنها. .
ومن أقدم أشعارهم احتضار جدهم يعرب بن قحطان، ومنظومات الحارث بن مضاض الأصغر الجرهمي وشداد بن عاد، وعاد بن عوض وثمود بن عابر وزرقاء اليمامة وربيعة بن نزار والزباء وعامر بن حليس والمرقش الأصغر إلى أن نبغ أصحاب المعلقات والمجمهرات والمنتقيات والمذهبات والمرائي والمشوبات والملحمات فكانت المعلقات من الطبقة الأولى وما يليها من الثانية إلخ.
следующие страницы →