← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الملاعب والثغور والمحطات لمراقبة الفتيات. هذا مجمل ما جرى في هذا المؤتمر من الأبحاث التي دارت كلها حول وجوب حماية المرأة، وخصوصاً الفتاة القاصرة، من الأخطار التي تتهددها، والمرغبات التي تحدق بها حتى تقودها إلى مواخير الفساد، فلا تجد بعد ذلك يداً شفيقة تكسر قيود الفحشاء إلي تغل يديها، وتبقيها راسفة في أدنى دركات الانحطاط الإنساني، فتتاجر - أو يتاجر الغير - بجسمها وقلبها، وهي دامية الفؤاد، دامعة العين. . . * * * وقد رأينا الحكومة المصرية تبذل بعض المساعي في هذا الشأن على أن التدابير التي اتخذت حتى الآن لا تعد كافية لمحاربة هذه الآفة الاجتماعية التي تفتك بفتيات ساذجات لا سلاح لهن يتقين به سهام الأهواء الفاسدة والعواطف الملتوية. وإننا نرى بمزيد الأسف أن أكثر محلات التخديم عندنا قد أصبحت واسطة لمعاونة الرذيلة على الفضيلة، بل محلات سمسرة للمضاربة في بورصة الأعراض، تعرض فيها البنات في سوق الأهواء لينتقي المخدوم له خادمة تخدم بيته وأمياله الفاسدة، فتقتضي عنده القليل من الزمن، ثم تخرج من منزله الذي أضاعت فيه عرضها لتدخل المحل الذي تضيع فيه بقية الحياة والشرف الباقية. وهذه هي حكاية أكثر تاجرات الهوى، حكاية قليلة الفصول، هائلة المغزى. أما بشأن مراقبة المحطات والثغور، فإنك تجد في البلاد الراقية جمعيات من أفاضل الرجال وفضليات النساء توفد بعض أعضائها إلى المحطة

стр. 527

أو إلى الميناء، عند وصول كل قطار أو باخرة، لمراقبة القادمين، حتى إذا ما وجدوا بينهم فتاة قاصرة غريبة وحدها، بحثوا عن سبب هجرتها من بلادها، فأعادوها إلى أهلها، أو تولوا أمرها بإيجاد عمل لها تكتسب منه رزقها دون بذل ماء وجهها. فما أجدرنا بتأليف مثل هذه الجمعيات العاملة، وبلادنا الشرقية، كما لا يخفى، محط لرحال الأجانب من كل أقطار المعمور، يقذف إليها تيار المهاجرة في كل أسبوع أناساً مختلفي الأخلاق والطبقات، بل الأحرى أن تؤلف كل جالية من الجوالي - وخصوصاً في مصر - مثل هذه الجمعية، أو تجعل في جمعياتها الخيرية لجنة تهتم بهذه الشؤون وتتولى مراقبة البنات القاصرات اللواتي لا يجدن لهن في بلاد الغربة معيناً ولا مرشداً. وما قلناه عن محلات التخديم والمحطات والمواني، يقال أيضاً عن المسارح والحانات وعن بائعات الزهر والموسيقيات والمغنيات الصغيرات في الشوارع حيث نشاهد منهن جيشاً جراراً يطوف القهوات، والواحدة منهن، على صغر سنها، تسعى في تقليد الكبيرات بحركاتها وغمزاتها ومداعبة الجالسين وتتعود منذ نعومة أظفارها سماع بذيء الكلام والمغازلة السمجة. فإلى كل هذه الأمور نلفت أنظار الحكومة وجمعيات الطوائف المختلفة. فإن صيانة كيان الأمة وأخلاقها وقوتها لفي صيانة آدابها. وكما إننا اتخذنا التحوطات الشديدة ضد الهواء الأصفر، فلنتخذ تحوطات أشد وأعم ضد هواء المفاسد، فإن هذا الوباء أهول فتكاً وأسوأ عاقبة من ذاك.

стр. 528

الشيخ صالح التميمي ١ ً - تمهيد - شعراء العراق في عهد داود باشا كثيرون. ومع كثرتهم لا يعرفهم إلا القليل. وهذا القليل أيضاً هم من أهل بغداد لا غير. فكأنك قلت أو تقول: لا يعرهم أحد. وعليه فالتنويه بأسماء أولئك الأدباء الأفاضل ضربة لازبٍ على كل من عرف شيئاً من أمر فضلهم أو أدبهم أو علمهم. ولما كنت قد جمعت من الكتب ما يندر وجودها عند الغير لكونها أعز من الغراب الأعصم، أو أعز من الأبلق العقوق. جئت بهذه الترجمة لأنادي بفضل هذا النابغة الذي لا تروى له ترجمة في الكتب التي تروي ترجمة من هو دونه قدراً ومرتبة. ٢ ً - ولادته وصوبته - ولد صالح التميمي في قصبة الكاظمية سنة ١١٨٠ هجري (= ١٧٦٦م) وما كاد يراهق إلا وتوفي والده. فلما أصبح التميمي يتيماً ورأى نفسه من الميل إلى الشعر وقرضه ما لا يقوى على دفعه، رحل إلى النجف ليتلقى أصول الأدب واللغة على الشيوخ الأجلاء

стр. 529

أعلام العلم الموجودين في تلك البلدة. وكان في أثناء تحصيله العلم ينظم أغاني تزري بحسن الغواني، ويتناقلها أهل الصقع من لسان إلى لسان حتى طبقت شهرته ديار العراق كلها جمعاء. ولقد وقعنا على تلك الأغاني من الأنواع المشهورة يومئذ في هذه البلاد حتى لا يكاد يصدق أن ناظم بردتها وموشي حبرتها ذاك اليافع النابغ. فقد قال بعد رحلته من الكاظمية إلى النجف ذاكراً أحد أقرانه وقرنائه: يا غائباً غاب السرور لأجله ... ما لذي لي عيش وأنت بعيد إني رأيتك في المنام معانقي ... وأظن أني في المنام سعيد لما انتبهت وجدت روحي وحدها ... الدار قفر والمزار بعيد وقال من الموال وهو في النجف: عصر الصبا فات ما له من رجوع أو عود ... هيهات أسلى بنغمات الأوتار أو عود من لامني لو همت وأضحيت شبه العود ... وأبات بهموم ما تحصى همومي بعد ألماً تناله بالصبوة ما تناله بعد ... يبين شبيك وتبقى بالجهالة عود

стр. 530

وقال من باب العتابة: تخطرت جنها بكرة بلوني ... هذولاً بمحبتهم بلوني ويوم أوافيهم بين بلوني ... صار ما نفع بي الدوا وقال من باب الزهيري: من يوم ساروا فلا جرح القلوب يطيب ... حيث زروع الهنا بفراقهم ما حلا هيهات من بعدم يوم أشوفه إبطيب ... يا محسن للصبر وين الشقي الما حلى من عقب عطر الخدود إيسرني أي طيب ... والله إن الشهد من بعدهم ما حلا هل كيف مر الصبر لي بالفراق إيطيب

стр. 531

وقال من نوع الدوبيت: خليلي لو رأيتني بالضيق ... مربوط بلساني ذا المنطيق خلت قوامي والعروق تقطعوا ... وليس من يشبه لأمري ويفوق هذه أمثلة من نظمه قبل شدوه الأدب على الأصول المتعارفة في المكاتب والمدارس فكيف لا ينتظر منه النظم البديع. ثم من بعد أن تلقى العلم واللغة وآدابها والقريض وأصوله، برع في النظم والنثر حتى فاق من سواه من شعراء العراق في ذلك العصر. ٣ ً - شبابه وخلقه - قد ذكرنا أن ولادته كانت في الكاظمية (مدفن الكاظمين موسى ومحمد الجواد) وأنه تلقى العلم في النجف وكلاهما من أشرف المزارات عند الشيعة. ولهذا نشأ صالح شيعياً متمسكاً بمذهبه كل التمسك محتقراً لمذهب السنة بل ومتعصباً تعصباً ذميماً كارهاً لأهل الذمة على اختلاف نحلهم ومللهم. وكان كلما صادف في طريقه ذمياً مهما كان تشهد للحال وغض طرفه. وإذا أتى مجلساً، ورأى فيه ذمياً، لم يدخله. وإذا كان في مجلس ودخل ذمي نهض للحال لكي لا يجتمع تحت سقف واحد معه. وتصرفه هذا أثر في شعره كل التأثير حتى انه كان يحتقر كل كلام نثراً كان أو شعراً صادر من يهودي أو نصراني. وكان صالح مربوعاً حسن الصورة ممتلئ الجسم بدون أن يكون بديناً حنطي اللون، كبير العينين أوطف أبلج كبير الأذنين واسع الجبهة، أسود شعر الرأس بدون أن يكون فاحماً. عريض الوجه أنافياً، واسع الفم ثخين

стр. 532

الشفتين حسن الشاربين، دقيق أسلة اللسان رقيق لحمته، قليل شعر اللحية لطيف الأطراف من يدين ورجلين ناعم ملمس البشرة. ٤ ً - أخلاقه - قد سبقنا فقلنا أنه كان متديناً إلا أنه كان متعصباً غاية التعصب، وكان إذا جلس في مجلس لا يرفع صوته بل يغض منه وإذا مشى في الطريق لا يلتفت إلى هنا وهناك، بل سار سيراً متئداً غضيض الطرف. وكان طلق اللسان حسن المحادثة طيب الأخلاق ولاسيما مع أخوانه في المذهب، واسع الحفظ يروي شيئاً لا يقدر من شعر الجاهلية والمخضرمين وصدر الإسلام. وكان يحفظ من النكات أغربها، ومن اللطائف أوقعها في النفس وكانت محاضراته مفيدة جداً، لا يصاحبه أحد إلا وقد استفاد منه فائدة علمية أو أدبية أو شعرية. وكان لا يحتمل تقريظ شاعر بحضوره وإذا سمع شيئاً امتعض من المقرظ امتعاضاً لا يوصف بل وربما عاداه أو قال فيه أبيات هجو وعرّض بع تعريضات لا تليق برجل أديب فاضل راوي أحاديث مثله. ٥ ً - نبوغه وبعض مقاطيع من شعره - لما نشأ صالح يتيماً ولم يكن ذا ثروة تذكر، اتخذ الشعر وسيلة للاسترزاق فنجح بل أفلح. وكان أول أمره أنه كان يفد على أعراب خزاعة وكان فيهم يومئذ أدباء أجلاء يقدرون الأدب وأصحابه كل القدر. ووجد في أسرة شيوخها يداً ندية تنضح بسائل بل بجامد ناضر هو النضار، فزاد في ترطيب لسانه وحل ما تعقد منه. وأفادته وفادته حتى قادته إلى أن يكون من القادة بين قالة الشعر. وأخذ يتردد إلى كبراء بغداد ووزرائها الأعلام وعظماء أشرافها الكرام، حتى ذاع

стр. 533

اسمه بين الملا من قاسٍ ودانٍ، بل وانقاد العاصي لشعره وله دان. فبقي في دار السلام متربصاً تحسن الأيام. حتى كانت سنة ١٢٣٢ هجري (= ١٨١٦م) التي وزر فيها داود باشا وكان من محبي المعارف ومنشطي أبناء الأدب وإذا بالسعد قد أقبل يتهادى إليه بين الفوز وبعد الشهرة. وعليه فما كاد الوزير يستقر على منصة الوزارة حتى دعا إليه شاعرنا الشيخ صالحاً، وميزه من بين الكتاب والشعراء، واختصه بنفسه وصار شاعره وجليسه في سره وجهره. واعترافاً بهذا الفضل أنشأ التميمي كتابين وسم أولهما باسم شرك العقول. وغريب المنقول وذكر فيه أيام الوزير المذكور وما جرى في أيامه من المقاتل والمعارك والأحداث. وسم الثاني باسم وشاح الرود. في نظم الوزير داود ودونه جميع ما انشده من الشعر بحقه وبحق ولده وبحوادث أسرته، وحشاه لطائف ونكات جرت في عهده. وكل ذلك بأسلوب شائق تستطيبه الآذان وينبسط له الجنان. وأول قصيدة وشى طرازها للوزير داود هي هذه: زهت الرياض وغنت الأطيار ... وزها المقام ورنت الأوتار وصفا بها العيش الأنيق وروقت ... فيها المياه وجادت الأمطار وعلت على دوح الأراك حمائم ... وتزاهرت بفنائها الأقمار والقصيدة طويلة فيها ٥٢ بيتاً كلها على هذا النمط، نمط انحطاط الشعر بعد عهد العباسين. وقد نظم الشيخ في مديح الوزير وآله ومن ينتمي إليه أكثر من ٥٠ قصيدة. ومما ميزه به الوزير أنه لم يجز لشاعر عراقي أن ينظم أبياتاً لبناء عمومي

стр. 534

من الأبيات المسماة بالتواريخ فقد خص ذلك بالتميمي، ولذا ترى في ديوانه كثيراً من هذه التواريخ كتبت على أبواب المساجد والمدارس والمكاتب. وقد قال الوزير بهذا الصدد: لا يفتى ومالك في المدينة إشارة إلى علو كعبه في هذا المقام. ومما نظمه من هذا القبيل تاريخ أنشأه للسيف الذي بناه داود باشا في الجانب الغربي من بغداد وعلى دجلة في المحل المعروف اليوم برأس الجسر قال: أقسم بالله الذي زينت ... سماؤه بالخنس الكنس إن الذي شيد هذا البنا ... ذو همة بالفلك الأطلس داود ذو الأيدي ومن علمه ... ما حل في شخص سوى هرمس فقل لمن يجهد في مكسب ... من ناطق فيه ومن أخرس أوف إذا كلت ومن بعد ذا ... أرخ وبالميزان لا تبخس - سنة ١٢٤٠ والسيف هو محل تباع فيه الحبوب ولاسيما الحنطة والشعير. وقد قال فيه تاريخاً ثانياً وقد كتب في محل آخر: دع هرمي مصر وبانيهما ... ولا تقل ذا من عجيب الزمان وانظر إلى دجلة في كرخها ... تجد بناء دونه الفرقدان شيده داود عن حكمة ... تخفى وسر العدل منها يبان لكي إذا باع به واشترى ... ذو سفه يخشى مكين المكان وفي الأقاليم جرى أرخوا ... من يخسر الميزان حكماً يهان - سنة ١٢٤٠ ومثل هذه التواريخ لا تحصى. إلا أن الذي شهر ذكره في الآفاق

стр. 535

هو تعرضه لخالية بطرس كرامة وقد أشرنا إلى ذلك في الزهور ص ١٨٨ - ١٨٩ ورد النصراني عليه والجملة ثلاث قصائد قد أصبحت أشهر من قفا نبك بين أدباء العراق. ومن مصنفات صاحب الترجمة كتاب ألفه للشاه زاده أخي علي شاه سماه الأخبار المستفادة من منادمة الشاه زاده ومبنى العنوان يد على معنى الديوان. وفي ذلك العهد عقد عرى الصداقة مع صاحب الحويزة يومئذ وهو السيد عبد علي فنظم له الروضة السائرة ووفد بها إليه سنة ١٢٣٥ هجري (= ١٨١٩م) فأجازه عليها أحسن إجازة. وكان الشيخ من المكثرين في الشعر وله ديوان كبير وكان واسع الاطلاع على أنساب العرب ووقائعهم وأيامهم وتواريخهم. ومن غريب أمره أنه كان لا يسمع شعراً إلا ويعرف قائله ولو لم يذكر له اسمه. ولهذا أحبه الكبار والصغار واتفقوا على موالاته. بيد أنه لم ينظم الشعر إلا في مدح الأمراء والولاة وكبار الحكام ولم يعرض بضاعته على هذا وذاك ولهذا قيل فيه شاعر الأمراء. ومن مميزاته أنه كان سريع الجواب عارفاً بدقائق اللغة وأسرارها لا تخفى عليه خافية وإذا سئل عن شيء فيها، نطق بالجواب بدون تلعثم، وأبدى من السداد أقرب موارده وأعذب مياهه. ولذا صار شعره في البدو والحضر مسير الشمس والقمر، لسلاسته وتدفق مياهه الرائقة. وقد اجتهد حساده أن يخفوا شعره ما استطاعوا لكن لم يفلحوا. وهل يفلح الظالمون؟

стр. 536

وقد شعر شاعرنا بهذه الشائبة شائبة حساده فقال: لا ذنب لي عند حسادي سوى أدبي ... وشهرة دفنوا فيها وما نشروا بلاغة طار في الآفاق طائرها ... في كل قطر لآدابي ولي خبر ولما دالت دولة الوزير داود باشا في سنة ١٢٤٧ هجري (= ١٨٣١م) قدم الوزير علي رضا باشا إلى بغداد فمدحه هو والوزير داود باشا بقصيدة كان لها رنة وطنة منها هذه الأبيات: ظفرت بداود الوزير والمردى ... قوارع خطب لا يفك اصطلامها ولو ظفرت فيه نزار ويعرب ... بيوم هياج والذمام ذمامها فخاطبها مستعطفاً عن حياته ... لعاجله قبل الخطاب حمامها على أنه ما مد كف مسالم ... وترتكب الأمر العظيم عظامها واعلم حقاً أنني إن ختمتها ... بذكر علي قيل مسك ختامها وله قصائد في أنواع الأبواب من زهريات وربيعيات ورثائيات وإخوانيات ما يضيق دون استيعابه في هذا المقال. ٦ ً - أفول شمسه ووفاته - المرء كالشمس يبدو صغيراً ثم يكبر ثم يميل إلى الزوال، وكلما طعن في السن ظهرت فيه دلائل وزوال أيامه. وشاعرنا التميمي لم يشذ عن هذه القاعدة المطردة أو كادت تكون مطردة. فإن شعره أخذ بالانحطاط ولم تبق فيه تلك النضارة نضارة الشباب وجدة الإهاب، وكان قد تجاوز السنة الثمانين إذ بلغ الواحدة والثمانين. وكان قد أدرك هذه الحقيقة ولهذا لم يعد ينظم الشعر كما كان ينظمه في عهد الغضاضة، وانقطع للعبادة والزهادة فجاءته المنية وهو في بغداد نهار الخميس

стр. 537

بعد الظهر لست عشرة خلون من شهر شعبان سنة ١٢٦١ هجري (= ١٨٤٤م) وحضر دفنته أناس لا يحصى عدهم، ودفن بجوار الكاظمين وقد رثاه شعراء عصره ومنهم عبد الباقي أفندي العمري والشيخ عبد الحسين ابن الشيخ قاسم محيي الدين وغيرهما. ولم يعقب التميمي إلا ولدين لا غير. أحدهما الشيخ محمد سعيد الشاعر وقد اشتهر بنظمه بعض الشهرة. والآخر لم يكن على أسالٍ من أبيه وقد مات كلاهما ولم يعمرا كأبيهما. وهكذا انقطع نسل هذا الشاعر كأنه لم يلد ولم يولد. وما عيش الفتى في الناس إلا ... كما أشعلت في ريح شهابا فيسطع تارةً حسناً سناه ... ذكي اللون ثم يرى هبابا (بغداد) ساتسنا المرأة العصرية فتحت حضرة الآنسة هدى كيورك باب هذا الموضوع في مقالة أولى أدرجتها في الزهور فرأيت من الواجب علي أن أدافع عن بنات جنسي بما أراه حقاً فرددت عليها بمقالٍ سبق. ولكن حضرتها أعادت الكرة فرأيت أن أعود إلى الموضوع لأنه جليل جدير بالبحث. وقد صادف كلام مناظرتي استحساناً عند الرجال حتى باتوا يشمتون بنا. قالت حضرتها إن المرأة الحكيمة المدبرة التي وصفتها قليلة بل نادرة، لا يجوز أن يبنى عليه حكم عام. وهذا ما أخالفها فيه. فأنا نظرت قبلما

стр. 538

كتبت إلى ما حولي من النساء والبنات فوجدتهن كثيرات بل أكثر من اللواتي وصفتهن في مقالها. فبنيت حكمي عليهن، وصح لي بناء هذا الحكم. وجدت فيهن الإخلاص والوفاء وحسن الإدارة والسهر على الشؤون المنزلية. بل كم رأينا من الوالدين يفضلون البنات على البنين لأنهم وجدوا في البنات تعزية ومعيناً، ولم يروا من البنين إلا إسرافاً وتبذيراً. ألا ناشدتك الله يا هدى هل تعرفين بنتاً مهما أسرفت، أو امرأة مهما تفننت بالأزياء توصلت إلى أكثر ثورة أبيها أو زوجها. ولكن كم من الشبان بددوا الأموال الطائلة التي ورثوها عن آبائهم، وكم من الرجال أطاروا دوطة نسائهم. نظرة إلى من حولنا تثبت صحة ما ذكرت. وقد سبق لي القول، وأعيده الآن، إن معظم ما آخذت به المرأة العصرية من التفرنج والتورط في المودة مصدره الرجال الذين يميلون إلى هذه المظاهر، فهل يرجع كل اللوم إلى المرأة الضعيفة التي تجاريهم؟ وإذا كان لا يصح حجب الأفكار لأننا في عصر الحرية والنور. فأنا أجاريك في ذلك - وإن كانت هذه الحرية اسماً بلا مسمى - وأرى من الواجب أن تنهض المرأة لتدافع عن حقوقها المهضومة فتنالها كاملة وتتوصل إلى المنزلة التي تستحقها في المجتمع الإنساني. وقد أصبحت والحمد لله تدرك ذلك، فرأينا بين أخواتنا الكاتبات والطبيبات والممرضات والمحاميات بين الأشواك بل صار أمامنا حديقة فسيحة من الزنبق يعطر شذاها الأرجاء. هي ليست نجمة صغيرة تحجبها الغيوم بل هي مجموع كواكب

стр. 539

ترصع صدر السماء. وعلينا نحن إذا كتبنا أن نكتب في الحث والتنشيط لا في الملامة والتأنيب. فكفانا من الرجال سوء ظن ببنات جنسنا، حتى باتوا ينسبون ما أكتب وتكتبين على صفحات الزهور الزاهرة إلى أقلام رجال متسترين كأنه لم ينبغ من بنات حواء كاتبات مجيدات وشاعرات بليغات. ولي بأدب مناظرتي وكتاباتها الشائقة خير حجة أدمغ بها من داخله مثل هذا الريب. (بيروت) ادما كيرلس وقد جاءنا في هذا الموضوع رد من صاحب الإمضاء، وقف فيه موقف الحكم بين الكاتبتين قال: بين هدى وأدما أمامي الآن على منضدة الكتابة مجلة الزهور حيث مناظرة الآنستين الأديبتين ص ٣٣٠، و٤٣٥، و٤٨٣. أتسمحان يا سيدتي لهذا القمل الضعيف بأن يجول مع رتبي يراع قوي من الجنس اللطيف، غير متعمد نصرة واحدة على أخرى، فأنتما متفقتان في الموضوع مختلفتان في الشكل. وها أنا أسعى إلى التوفيق بينكما. ملاحظة قبل الموضوع: مقالة الكتابة الأولى أحدثت تأثيراً كبيراً بين شقيقاتها. وسمعتهن مراراً يتحدثن بما كتبت، واسمحي يا سيدتي أن أقول لك: إن أكثرهن كان ناقماً عليك. وهذا برهان يثبت مبدئياً إن ما قلته حق لأنه جرح - ولا يجرح غير الحقيقة. ورد الكاتبة الثانية أرقص بنات جنسها طرباً وعجباً، وتمنين

стр. 540

قطع البحار فعلاً، كما قطعنها شعوراً لمصافحتها أو لتقبيلها - بحسب درجة التأثير - شكراً وامتناناً، لدفاعها عنهن. واسمحي لي يا سيدتي أن أقول لك: إن هذا أيضاً يثبت مبدئياً ضعف بنات الجنس اللطيف فهن يغضبن لأقل ملاحظة تبدى لهن، ولو عن حسن قصد، ومن إحداهن، ويطربن إذا ما ردت واحدة منهن على مغضبتهن - ولو كان الرد لم ينف حقيقة. فهن عشيقات المدح والإطراء طبعاً، مجفلات من أقل نقد وتأنيب. ولنأت الآن إلى الموضوع: قالت هدى: المودة أهلكت بل طلعت دين النساء والرجال معاً - تعبيرك يا سيدتي أخف من تعبيري ولكن تعبير أقرب إلى الواقع على فظاظته - المودة أهلكت النساء لأنهن ضربن صفحاً عن الوصية الأولى من الوصايا العشر، وعبدن الزي، وصلين للتفرنج، وصمن للتقليد. . . والمودة أهلكت الرجال لأن المصاريف أربت على المداخيل، فتطرق العجز إلى ميزانية البيت، وصارت العائلة مضطربة قلقة في كل أحوالها لاضطراب الماديات وتقلقل المال. . وسطت الزخرفات على الواجبات فأهلت المرأة عن زوجها وبنيها، فشغلت عنهم بزينتها - سلسلة متواصلة أدت بالشرق إلى الخمول ومن ظن أن محل الفساد غير هذا فقد أخطأ - هذا ما قالته هدى. أمنت ادما على قول مناظرتها، إلا أنها أخذت عليها عدم عطفها على المتحليات بالفضائل من أخواتها، وهن كثيرات، وعتبت

стр. 541

عليها لإجمالها الكلام، ثم فوقت إلى صدور الرجال أسهماً، لولا أنها من يد الجنس اللطيف الضعيف، لأصابت نحور القارئين لتشفي القارئات - هذا ما ردت به أدما. لم تنف كاتبة بيروت ما أثبتته كاتبة مصر. إذن قول الأولى حقيقي وإن جارحاً، والداء موجود بل عضال يجب الإسراع إلى معالجته وإلا اتسع الخرق على الراتق. أما الرد بأن في الشرق بنات ونساء عرفن واجباتهن وتسربلن بدثار من الفضائل قشيب، فتحصيل حاصل. بمعنى أن الكاتب الاجتماعي ينظر إلى المجموع لا إلى الأفراد، فإذا صحت النظرية على الجماعة وشذ عنها بعض الأفراد، لم ينف الشذوذ صحة المبدأ، بل كان له دعامة موطدة وقد قيل: لا قاعدة بلا شواذ. الحماسة مشكورة يا سيدتي البيروتية ولكن الحرية المطلقة أحق بالشكر وأحرى بالثناء. إذا كنا عمياً لا نبصر وأتينا اختصاصياً ماهراً فجعل لنا أعين زجاج يخالها المرء لأول وهلة عيوناً حقيقية فهل هذه الحيلة تنفي عنا العمى وترد إلينا البصر؟ - إنها في نظر العاقل ألعوبة صبيانية تقلل من مقام فاعلها لأنه شاء أن يغر نفسه ويضحك على ذقون الناظرين إليه، وهو لم يحسن الحيلة. إذا قلنا إن النساء غير كاملات بيننا فذلك لا يفيد أن الرجال كاملون فالرجال في الشرق ولا شك غارقون في بحر من النقائص والشوائب وكما أن وجود أفراد فاضلين من الجنس النشيط لا يدفع المظنات عن الجنس

стр. 542

كله، هكذا قل عن وجود صفوة من النساء الكريمات اللاتي لا يغنين شيئاً عن المجموع وهو وأبيك بعيد عن الكمال. . . كما لا تجهلين. وعليه فالكاتبتان متفقتان على أن في الجنس اللطيف ما يستدعي الإصلاح والإصلاح العاجل، ولم تختلفا على وجود البعض منهن متحلياً بحلى الأدب والفضل. وأكبر شاهد على أن الكتابة الأولى لم تقصد أن تنفي كل مليحة عن بنات جنسها أنها مبدئياً تعتقد أنها هي نفسها على الأقل في معزل عن تلك الشوائب التي تدعو أخواتها إلى الإقلاع عنها. والكاتبة الثانية أثبتت لنا عملياً وجود هذا البعض بما كشفته لنا عن أسرار المرأة الفاضلة وتفننها بالتبديل والتعديل، حتى يخال المرء أن كل شيء عندها جديد حين يكون قد أكل الدهر عليه وشرب. . . كل هذا حسن يا سيدتي والأحسن منه - وإن غاظكن - هو أن تعلمن أن عمار الكون متوقف على حسن رأيكن، وأنا اعتقد أن خراب الكون لا يهمكن كثيراً إذا عمرت الدائرة الصغيرة التي توجد فيها كل واحدة منكن. وعليه فأقول لسيادتكن إن هذه الدائرة التي تعشن بها لا تعمر ولا تصلح إلا بصلاحكن: الود والبنت يتمشيان على آثار والدتهما أكثر من اقتفاء أثر والدهما. والتربية البيتية - وهي أساس كل شيء حسن في العائلة - منوطة بالمرأة دون الرجل. فإذا أقلعت المرأة عن؟ الزخارف والرفارف والمشارف والحرير أحسنت إلى نفسها وإلى أولادها وكل من حواليها. فبالله عليكن يا سيداتي اتركن التفرنج والتزخرف واهتممن قليلاً

стр. 543

بترتيب منزلكن وتربية أولادكن تربية جدية لا تربية دلع وتخنيث، فتشب الأولاد أشد تأنثاً من الإناث إلى آخر ما هنالك من النقائص التي لا تخفى على بصيرتكن - وإذا كنا معاشر الرجال لا نحترم إلا المتفرنجة، وإن كانت محتقرة، ونحتقر الغير متفرنجة، وإن كانت محترمة، فهذا سقوط منا فعلمننا يا رعاكن الله أن نحترم فيكن الأدب والفضل والجد والترتيب والعلم الصحيح، لا أن نحترم القبعة إذا حجبت دائرتها نور الشمس والبرد إذا قيد أرجلكن حتى تتدحرجن وتتزحلقن كلما عثرت قدم لكن - وما أكثر ما تزل القدم في تلك المقيدات! سأغضبكن يا سيداتي بكلامي هذا وإن كان عن حسن نية وسأغضب صاحب الزهور باضطراري إياه إلى نشره، لأنه متفانٍ بخدمتكن، ولكن متى علمتن أنني أطوع لكن من البنان وإنني لا أرى للحياة معنى إلا بوجودكن، حملتم كلامي على محمل الإخلاص. وموقتاً أخفي اسمي خوفاً من غضبكن والسلام على من اتبع هدى. حسون إحياء الآداب العربية ذكرنا في الجزء الماضي (ص ٤٩٤) المذكرة التي قدمها إلى مجلس النظار عطوفة رئيسه بشأن إحياء آداب العرب وننشر الآن كما وعدنا ملخص التقرير المقدم بهذا الموضوع من سعادة أحمد حشمت باشا ناظر المعارف: رئيس مجلس النظار عطوفتلو أفندي حضرتلري تفضلتم عطوفتكم بدعوتي لدرس المفكرة المقدمة من حضرة أحمد بك زكي عن الأسباب والوسائل المؤدية لإحياء العلوم والآداب العربية بمصر مع

стр. 544

مجموعة الكتب التي استنسخها حضرته بالفوتوغرافية واستحضرها من الأستانة وأوروبا ولقد أمعنت النظر في هاتين المسألتين وأبدي اليوم لعطوفتكم ما أراه في هذا الشأن. إن هذه المفكرة تشرح بأجلى بيان ما كان للقاهرة من التأثير في رفع منار العرفان وترقية الآداب العربية. فإنها بفضل مركزها وعناية أهلها، أصبحت في أوائل العصور الحديثة محطاً لرجال أهل العلم، ومهبطاً لطلاب الفضل. ولقد أشار صاحب المفكرة إلى مبلغ الأريحية التي كان يجود بها ملوك مصر وسلاطينها، وازدهاء رونقها في بلاد الشرق. فكانت النتيجة من هذا العمل المزدوج، أن ظهرت في سماء المعارف العربية كتب جليلة حافلة بالبحث في الموضوعات المفيدة في كل فن ومطلب، ولكن سوء الحظ قضى بأن لا يصل إلى أيدينا من تلك المصنفات الثمينة سوى النزر اليسير. ثم جاء دور الأفول فكان من دواعي الانحطاط أن مصر أضاعت ذخائرها وكنوزها في التقلبات التي أصابتها مما لا فائدة من ترديد ذكراه الآن. فانطفأ ذلك السراج الوهاج، وهبا ذلك الذكاء المصري. بيد أن شعاعاً ضئيلاً من الأمل تبدى في الأفق. فنبعث معه ذلك الذكاء من مرقده، بعد أن كان الناس يظنونه قد دخل في خبر كان ولكنه في الحقيقة إنما كان في سبات لا في ممات والفضل في تجدد هذه الحياة الأدبية راجع إلى محمد علي الكبير وإلى حفيده إسماعيل. لذلك توخى صاحب المفكرة أن يستفيد من هذه اليقظة الأدبية. فأخذ يعمل إلى إيجاد الوسائل اللازمة لتجديد عهد الآداب العربية في ظل خديوينا المحبوب عباس الثاني الذي تعود أن يقفو آثار أسلافه الفخام في سلوك المكارم وتجديد مفاخر المآثر. وللوصول إلى هذه الغاية التي مازال ينشدها واضع المشروع، قد اقترح حضرته تنظيم دار الكتب الخديوية تنظيماً يشمل جميع فروع الإصلاح التي تستوجبها مكانتها، لتأتي بالثمرة المطلوبة، وتقوم بالخدمة الواجبة عليها.

стр. 545

وإنني أوافق حضرته من هذه الوجهة موافقةً تامة، ولذلك شرعت فعلاً في درس هذا الإصلاح درساً دقيقاً، لأتمكن في وقت قريب من جعل خزانة كتبنا النفيسة كفيلة بالقيام بجميع الأغراض التي أنشئت لأجلها، أو التي يحق لنا انتظارها منها، حتى تكون من أقوى العوامل في نشر أنوار العلوم العربية. ثم أشار صاحب المفكرة إلى انه يجب إرجاع المطبعة الأهلية إلى مجيد عملها السابق وذلك بطبع التآليف التي تفخر بها علماء مصر، حتى يتسنى لأهل الجيل الحاضر أن يشمروا عن ساعد الجد، ويواصلوا سلسلة الابتكار في العلوم والآداب التي بدأ بها أجداده الأمجاد. وقد رأى صاحب المشروع من الواجب عليه أن لا يقف عند الإشارة إلى نظريات مبهم أو إبداء رغائب مجردة عن وسائل التنفيذ، مما لا يكون كفيلاً باستكمال وسائل النجاح، فلذلك أفرغ وسعه، وبذل جهده، ولم يضن بشيء من ماله ووقته وراحته، حتى تيسرت له كل الأسباب المؤدية لتحقيق الخطة التي رسمها لنفسه، وذلك أنه قرن العلم بالعمل، فانتهز فرصة الانقلاب الذي حصل في الدولة العلية، وشخص إلى الأستانة وتمكن هناك من استخدام الفوتوغراف في نقل جلائل المؤلفات التي تزدهي بها الآداب العربية، خصوصاً تلك التي كانت فيما مضى من أجمل الذخائر في الخزائن المصرية. ولم تقف همة هذا البحاثة عند حد التنقيب وتلمس تلك الآثار من كنوزها في القسطنطينية، بل واصل سعيه أيضاً في ربوع العلم بأوروبا لاستيفاء كل المعدات ولإتمام عمله على أحسن حال. هذا وقد ألمع في مفكرته بإيضاح وجيز إلى كل واحد من هذه المصنفات النادرة فكتب نبذة قصيرة تكشف عنها اللثام وتبين الفوائد التي تعود على اللسان العربي والأمة المصرية من العناية بطبعها وتعميم نشرها. ولقد رأيت من الواجب أن أستعلم عما إذا كان لهذه المصنفات أو لبعضها أثر ما في دار الكتب الخديوية، أو في إحدى مكتبتي الأزهر الشريف والمجلس

стр. 546

البلدي بالإسكندرية. فوافتني هذه المعاهد الثلاثة ببيانات تسمح لي بالتصريح بأن المؤلفات التي نقلها حضرة أحمد بك زكي لا توجد أصلاً ضمن مكاتبنا ومجاميعنا الأهلية، وأنها لم تطبع حتى الآن، وإن في طبعها نفعاً عظيماً للمتنورين من أبناء مصر وسائر أهل العلم على الإطلاق. ولا ريب في أن حكومة الجناب العالي الخديوي الآخذة بناصر الآداب العربية ستقدر هذه الكنوز حق قدرها وتعمل على اقتنائها، وإضافتها إلى خزانة كتبها النفيسة، خصوصاً وأن معظمها مما جادت به قرائح البارعين من المصريين. وليس من الصواب أن يقف عمل الحكومة الخديوية عند هذا الحد، بل يتحتم علينا أن نبادر إلى السعي في طبعها، بحيث لا يمضي قليل من الزمن حتى تصبح منهلاً سائغاً للقاصد، ومورداً عذباً لكل طالب. ونحن إذا نظرنا إلى أهل الشرق وإلى العلماء المستشرقين في هذه الأيام تراهم جميعاً يتهافتون إلى الوقوف على كل ما له ارتباط بالحضارة الإسلامية. ولا شك عندي في أن الحظ الأوفر في هذه النهضة المباركة ينبغي أن يكون لمصر، إن لم تكن هي القائدة لحركتها والمدبرة لشؤونها، وذلك نظراً لمركزها الطبيعي ولما كان لها من الأيادي البيضاء على العلوم والآداب. وبهذه المناسبة أرى من الواجب أن نشكر المعاهد العلمية الغربية، لما تبذله من المساعي في تأييد هذه الحركة والأخذ بناصرها. ولا غرو فإن المستشرقين الذين تفتخر بهم المدارس الجامعة في بريطانيا العظمى وسائر أوروبا وأمريكا، لا يألون جهداً في العمل على نشر الكتب التي صنفها جهابذة العرب وبحثوا فيها عن شتى الموضوعات. فهؤلاء المستشرقون لا يزالون يدأبون على العمل مع الصبر في التحصيل والدرس، والبراعة في التنقيب والبحث. وبذلك تيسر لهم أن ينشروا طائفة كبيرة من أمهات الكتب العربية النفيسة، وقد يترجمونها في بعض لأحايين إلى لغاتهم، أو يتخذونها موضوعاً لمباحثهم كيما يشاركهم قومهم في الاستفادة منها. وهم بهذا السعي يبثون فينا روح الأمل باسترجاع كنوز آدابنا الشرقية رويداً رويداً ومن المؤكد أن

стр. 547

هذا الأمل لا يلبث أن يدخل في حيز الإمكان ويتحقق في عالم الوجود، إذا ما تعهدته مصر بالقسط الواجب عليها من المساعدة. ولقد آن للحكومة الخديوية أن تعضد العلماء المصريين وتفتح لهم مجال البحث ليتمكنوا من الاستمرار على التنقيب والتأليف فيعيدوا في مصر عصر آبائهم ويصنعوا مثل ما صنعوا. وأرى لإطراد هذه الحركة أن نبدأ منذ اليوم بطبع الموسوعتين اللتين تفتخر بهما مصر والعرب على الإطلاق، وأعني بهما نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري ومسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله العمري. لأن هذين الأثرين الجليلين قد انعدما من بلادنا في جملة ما أضاعته من الكنوز الغوالي على أثر ما انتابها من الطوارق والطوارئ. ولقد أعيى العلماء الغربيين استكمال هذين الأثرين النفيسين، فلم يوفقوا إلى جمع أشتات هذه الضآلة المنشودة مع ما بذلوه من الجهد في كثير من الأزمان، حتى أتاح الله لأحد مواطنينا فتيسر له بعد متاعب احتملها مدة عشرين عاماً واهتدى لجمع المواد والأجزاء التي يتألف منها هذان السفران، وأثبتها كلها بالفوتوغراف فحق لنا بعد ذلك أن نهنئ أنفسنا على هذا النجاح الباهر. وإذا أخذنا في طبع هاتين الموسوعتين بسعد الجناب الخديوي العالي، الذي تفضل فأظهر عنايته العالية بأمرهما، فلا شك أن الإقبال على اقتنائهما سيكون عاماً عند جميع الطبقات وخصوصاً عند الفئة المولعة بالدرس وأرباب العقول المستنيرة بمصر والشرق بل يتعداهما إلى الجامعات ودور الكتب في البلاد الأجنبية والمستشرقين الذين يقدرونهما حق قدرهما لأنهم استفادوا منهما. وعلى ذلك فإنني أشير بتشكل لجنة من أهل الدراية تختارها نظارة المعارف العمومية لتهيئة هذين السفرين للطبع ويكون من خصائصها النظر في الأصول، وضبطها بالدقة قبل تسليمها للمطبعة الأهلية، لأن الطبع إذا ما باشرته الحكومة الخديوية بنفسها وأشرفت عليه برعايتها، يجب أن يكون مستوفياً لكل أسباب

стр. 548

الكمال ليجيء مناسباً لحاجات العلم والنقد في العصر الحاضر. ورأى أيضاً مخابرة نظارة المالية لتأمر المطبعة الأهلية بتوسيع نطاق القسم الأدبي حتى يتسنى له طبع ثلاث ملازم أو أربع في اليوم الواحد. ولعل سعادة ناظر المالية يسمح بتخفيض شيء من مصاريف الطبع للمعاونة على ترويج هذا العمل الأدبي العميم الفائدة الذي من شانه المساعدة على ترقية الأفكار وتعميم المعارف إذ بفضل هذه المنحة يمكننا أن نزيد في عدد النسخ بغير زيادة في النفقات والأكلاف. وبذلك يتسنى لنا أيضاً تخفيض قيمة الاشتراكات وأثمان البيع تخفيضاً محسوساً يساعد على زيادة الإقبال وتسهيل أسباب الانتفاع. بقي علينا أن ننظر في تدبير المال اللازم للشروع في هذا العمل الخطير وهو متوفر لدينا لوجود المبلغ الاحتياطي في دار الكتب الخديوية فإن هذا الاحتياطي مخصص بطبيعة الحال لإحراز واستنساخ وطبع المحفوظات العربية، وقد بلغ آخر أغسطس الماضي ٩٣٩٢ جنيهاً مصرياً. ويجب الإشارة إلى أن استخدام ذلك المبلغ الاحتياطي في هذا السبيل النافع، ستنتج عنه ثمرة مفيدة لدار الكتب الخديوية من الوجهة المادية المحضة، فضلاً عما يترتب عليه من المزايا الأدبية الكثيرة. وعلى كل حال فلو فرضنا أن هذا المشروع لا يكون من ورائه مغنم مادي، فإن الحكومة الخديوية ينبغي لها أن تغتبط بهذا المسعى الذي يفضي إلى إفاضة نور الأدب العربي في بلاد الشرق، وذلك لأن الجامعات في بلاد الإنكليز والمطابع الأهلية في ديار أوروبا، هي التي تأخذ دائماً على عاتقها طبع المؤلفات الأهلية الكبيرة القيمة الواسعة الحجم ولو أدى ذلك إلى خسارة مالية فادحة وذلك لقصور يد الأفراد عن القيام بما تقتضيه من النفقات الجسيمة. أما مشروعنا هذا فإنه بعيد عن ذلك بالمرة، لما فيه من الكاسب التي تدعو إلى الإقدام عليه والاهتمام بشأنه. فإذا صدفت هذه الآراء والاقتراحات ما أبتغيه لها من حسن القبول لدى عطوفة الرئيس رجوته أن يسمح لي باتخاذ الوسائل اللازمة لإنجاز هذا المشروع

стр. 549

على أحسن حال لكي يزيد في شرف هذا العصر الأسعد، المشمول بيمن خديوينا المحبوب الأمجد، الحامي لواء العلم والأدب، الراغب في تقدم لسان العرب. وفي الختام أرجو عطوفتكم قبول فائق الإخلاص وجليل الاحترام. ناظر المعارف العمومية أحمد حشمت مصر الأدبية مصر تعرف أدباء سورية وهؤلاء يعرفونها! فهي إذا لم تكن منشأ جمهورهم وأمهم الحنون فهي منشأ ومربية كثيرين منهم ولا ريب. عرفت أديب إسحق، وسليم النقاش، وأمين الشميل، وسليم وبشارة تقلا، وخليل اليازجي، ونجيب الحداد، وبشارة زلزل، وإبراهيم اليازجي، من حملة الألوية في طليعة النهضة الأدبية الحديثة. وحضنت يعقوب صروف، وسبلي شميل، وفارس نمر، وجرجي زيدان، ومحمد رشيد رضا، وسليمان البستاني، وداود عمون، وخليل مطران، وسليم سركيس، ورفيق العظم، وأمين الحداد، ويوسف الخازن، وإسكندر شاهين، وداود بركات، وعبد الحميد الزهراوي، وسامي قصيري، وسليم عنحوري وخليل زينية، ونقولا رزق الله، وأمين البستاني، وطانيوس عبده، ومصطفى صادق الرافعي، ونجيب شاهين، وانطون الجميل، وفرح أنطون، ويوسف البستاني، ورشيد عطية، ونقولا حداد، وعبد القادر المغربي، ونجيب هاشم، من حملة الأقلام اليوم. وربت محمد عبده، وقاسم أمين، ومحمود سامي البارودي، وإبراهيم

стр. 550

المويلحي، وعبد الله نديم، وإبراهيم اللقاني، وعلي الليثي، ومصطفى كامل ونشأت أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وإسماعيل صبري، وفتحي زغلول، وعلي يوسف، وأحمد لطفي السيد ومحمد المويلي، وحنفي ناصف، وولي الدين يكن، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وإمام العبد، وعبد الحليم المصري، ومحمد مسعود، وأحمد الكاشف، وأحمد فؤاد، وأحمد نسيم، وأحمد محرم العرب، وعبد الرحمن شكري، ولطفي جمعه وكثيرين آخرين وعطفت علي جمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، وعبد المحسن الكاظمي. فإذا كان للآداب العربية جنة فمصر جنتها يجري في أرباضها النيل. وإذا كان مجلى لعرائس الأفكار فسماء مصر موحى الشعر وملهم البيان. ولست أدري أفي طبيعة مصر نفسها خاصية الأدب وقد كانت مصر منذ القديم ولا تزال إلى يومنا هذا أم الأدب والمتأدبين، أم هي الحياة فيها توحي الشعر، وتستنزل البيان. وقد قام في وادي النيل في كل زمان شعراء مجيدون، وكتاب أفاضل منذ فتحها عمرو بن العاص إلى اليوم وقد احتلها الإنكليز. ولست أدري - وقد نشأ في سورية شعراء ومنشئون كثيرون - أسباب الفرن بين النفسين المصري والسوري! خذ أدباء اليوم في القطرين تجد ذلك الفرق بيناً ظاهراً. أدباء مصر يبتكرون طريقتهم في كل عصر، وأدباء سورية يقلدون إما الإفرنج وإما الجاهليين. أنا أحب إلي أن تغلب علي لهجة رؤبة العجاج ومهيار الديلمي من أن تتملكني لهجة الفريد ده موسه أو واشنطون ارفنغ. إن لغتي لغة مهيار ورؤبة أهذبها بما يقتضيه يومي من التهذيب

стр. 551

ولكنها ليست لغة موسه أو ارفنغ فتلين لي وتطيعني أو إذا هي لانت أو أطاعت فليس وسطي وسطها، وحياتي حياتها، وإقليمي إقليمها، وبياني بيانها. ولعل مثل هذه النظريات هو ما ابتعد بأدباء مصر عن مثل هذا التقليد. أو لعل الأقاليم الحارة تطبع أهلها على حب الملاهي فيتولد فيهم الخيال والابتكار ويلهمون الجديد والبيان فإذا هم اقتبسوا عن الإفرنج فالمعاني والأغراض ليس الطريقة والبيان. أو لعل حكومات مصر كانت العامل على ذلك بإطلاقها الأفكار وتنشيطها الأدباء؟ ذكرت هذه العوامل وفي اعتقادي أن العامل الأكبر والأقوى إنما هو مدينة مصر ومصر الحديثة أرقى الأمصار الشرقية مدينةً ولا ريب. انظر إلى تاريخها منذ فتح العرب مصراً وامتزجت مدينتهم فيها بمدينة الأقباط المتسلسلة من الفراعنة والورم والفرس والكلدانيين والآشوريين وغيرهم إلى أن تولاها الأتراك ثم دخلها الفرنساويون وإلى أن احتلها الإنكليز فتهافت عليها الغربيون من كل صوب، نجدها مزيجاً من مدنيات مختلفة متباينة وقد بلغت اليوم شأواً بعيداً من الرقي أو ليس في بعض هذا متسع للقول بأن مصر أرقى من سورية في الحضارة وأن الآداب إنما تتكيف بتكيف الحضارة وتمشي مع المدنية في طريق واحدة؟ رب قائل يقول إن أدباء سورية الذين هاجروا إلى مصر إنما هم الذين كانوا زعماء النهضة الأدبية الحديثة فيها. فأنا لا أنكر ذلك ولكنني أرى أيضاً أنه لولا مدينة مصر ولولا الاستعداد الذي وجده أولئك الزعماء في حكومة مصر وبلاد مصر، لما استطاعوا أن ينهضوا تلك النهضة الصحيحة،

стр. 552

وإلا فلماذا - وهم سوريون - لم يرقوا بالآداب في سورية إلى الحد الذي رقيت إليه في مصر؟ ذلك أنهم استطاعوا أن ينهضوا بسورية نهضتهم بمصر ولكن مدنية سورية لم تكن عوناً لهم في عملهم الشاق فوقفت تلك النهضة في منتصف الطريق. إذا وصف حافظ قلم المرحوم الشيخ محمد عبده بقوله: إذا مس خد الطرس فاض جبينه ... بأسطار نور باهر اللمعات كأن قرار الكهرباء بشقه ... يريك سناه أيسر اللمسات فلأن حافظاً عرف الكهرباء فلما لامسها اهتز. ولما مس لولبها أنارت فأوحى إليه هذا العلم ذلك المعنى فقاله بذلك البيان المأثور عنه. يقول كارليل الكاتب الإنكليزي المشهور إن كل إنسان خلق شاعراً وإنما تتفاوت قوى الشاعرية فيه بتفاوت قوى عواطفه وبيانه وبتفاوت قوى المؤثرات المحيطة به. والمصري حواليه من مدنيته وفطرته وطباعه وعاداته وأخلاقه ألوف من المؤثرات تستفز نفسه. وتستثير فؤاده، غير أني - والمجال لا يسمح بتعدادها - أتجاوز عنها إلى إحداها فأذكرها بالإيجاز وهذا المؤثر الذي أريده هو الغناء. أنا لا أعرف إلى اليوم مصرياً واحداً ليس يستخفه طرف الإنشاد ولا يذهب بلبه الصوت الحسن. خذ أياً شئت في مصر وأسمعه يا ليل ثم انظر إليه تره طرباً ثملاً يتلوى تلوي المغني في غنائه. ويتمايل معه كيف مال ويرقص رقص الدف بيد الناقر عليه وينتفض انتفاض الأوتار تحت ريشة العواد. فالمصري كما ترى يؤثر في الغناء كل التأثير فكيف به

стр. 553

إذا كان شاعراً والشاعر كما قال شوقي: خلق الشاعر سمحاً طرباً. . . شوقي أطربه عبده الحمولي بقوله: يا ليل فقال فيه: يسمع الليل منه في الفجر يا ليل فيصغي مستمهلاً في فراره وهزه إنشاد المغني يا ليل الصب متى غده فقال أبياته الجميلة: مضناك جفاه مرقده وإسماعيل صبري طرب لغناء بعضهم فنظم له القد المشهور: قدك أمير الأغصان وخليل مطران استخفه الطرف فنظم لمغنيه الدور المغروف: الكمال في الملاح صدف ومراد فرج المحامي استفزه صوت مطربه فكتب له الدور المعروف أيضاً: سلمت روحك يا فؤادي والغناء في مصر أشهر من أن يوصف. فإذا قيل أن الموسيقى أخت الشعر وجدت مصراً مصداقاً لهذا القول ولا ريب: والغناء كما قلت أحد المؤثرات المحيطة بشعراء مصر فهو يستفز نفوسهم. ويستثير عواطفهم فيطربون له. ويهيج شاعريتهم. فيستنزل على ألسنتهم الإلهام ويوحي البديع إلى بيانهم. فيعمدون إلى الابتكار. وينبذون التقليد. هذه كلمتي في مصر الأدبية وأنا أعلم حق العلم أني لم أستوف الموضوع حقه ولا نظرت فيه من جميع أطرافه كما يقتضي البحث الدقيق. - (البرق) أمين تقي الدين

стр. 554

المراسلات السامية وعدنا القراء في الجزء الفائت بإتحافهم بالمراسلة الشعرية التي دارت بين أميرين من أمراء القريض، المرحوم محمود سامي باشا البارودي والأمير شكيب أرسلان اللبناني. وهي قصائد غراء لم يسبق نشرها قبل الآن، تكاتب بها الشاعران أيام كان البارودي منفياً في جزيرة سيلان - كما سيجيء في ترجمته التي سننشرها قريباً. وكان سعادة الأمير الأرسلاني قد استشهد في بعض كتاباته أولاً وثانياً بأبيات للبارودي، وذلك على غير معرفة شخصية بينهما فكتب محمود باشا إلى الأمير بالمقطوعة الآتية: أشدت بذكرى بادئاً ومعقباً ... وأمسكت لم أهمس ولم أتكلم وما ذاك ضناً بالوداد على امرئ ... حباني به لكن تهيبت مقدمي فأما وقد حق الجزاء فلم أكن ... لأنطق إلا بالثناء المنمنم فكيف أذود الفضل عن مستقره ... وأنكر ضوء الشمس بعد توسم وأنت الذي نوهت باسم ورشتني ... بقول سرى عني قناع التوهم لك السبق دوني في الفضيلة فاشتمل ... بحليتها فالفضل للمتقدم ودونكما يا ابن الكرام حبيرة ... من النظم سداها بمدح العلا فمي فأجابه الأمير بما يأتي: لك الله من عان بشكر منمنم ... لتقدير حق من علاك محتم وشهم أبي النفس أضحى يرى يداً ... تذكر فضل أو جميل لمنعم رأى كرماً مني تذكر قوله ... فدل على أعلى خلالاً وأكرم ولو كان يدري فاضل قدر نفسه ... رأى ذكره فرضاً على كل مسلم

стр. 555

أيعجب من تنويه مثلي بمثله ... لعمري الذي قد شق في شعره فمي ومهما يكن من أعجم فبفضله ... يرى ثقفياً في الورى كل أعجم إذا مطر الغيث الرياض بوابل ... فأي يد للطائر المترنم إذا ما تصبت بالعميد صباحة ... بوجه فما فضل العميد المتيم وهل ينكر الإحسان إلا لآمة ... وينكر حسناً غير من طرفه عمي وهل في شهود الشمس أدنى مزية ... وقد جاء ضوء الشمس لم يتكتم رويدك لا تكثر لدهرك تهمة ... ولا تيأسن من أهله بالتوهم فما زال من يدري الجميل ولم يكن ... لتأخذه في الحق لومة لوم وأنت الذي لو أنصف الدهر لم يكن ... لغيرك في العلياء صدر التقدم جمعت العلى من تلدها وطريفها ... فجاءت كعقد في ثناك منظم غدت خطتي إما يراع ومخدم ... وأنك قطب في يراع ومخدم ولم أر كفاً مثل كفك أحسنت ... إلى المجد أرعاف المداد مع الدم جمعتهما جمع القدير بكفه ... إلى محتد سام إلى المجد ينتمي ولو كان يرقى المرء ما يستحقه ... إذاً لبلغت النيرات بسلم وأنت الذي يا ابن الكرام أعدتها ... لأفصح من عهد النواسي ومسلم وأنشرت ميت الشعر بعد مصيره ... لأعظم نثراً من رفات وأعظم وأشهد ما في الناس من متأخر ... يدانيك فيه لا ولا متقدم ولو شعراء الدهر تعرض جملة ... لمنجدهم من كل حي ومتهم لأبصرت شخص البحتري منك بحتراً ... وخلق أبي تمام غير متمم لك الآبدات الآنسات التي نأت ... وأنست عكاظ الشعر بل كل موسم

стр. 556

لكم أسهرت جفن الرواة وخالفت ... حظوظك منها شرد غير نوم شغفت بها طفلاً فأروي بديعها ... ولم أرو من وجدي بها نار مضرم ولا عجب أني أحن صبابةً ... فيسري الهوى بالقول للمتكلم أفي كل يوم فيك وجد كأنه ... طوى جانحاً مني على نار ميسم أحمل ريح الهند كل تحية ... فكم من صبا منها عليك مسلم وقد طالما حدثت نفسي وعاقني ... ترددها ما بين أقدم وأحجم حلفت بما بين الحطيم وزمزم ... وبالروضة الزهرا ألية مقسم لألفيت عندي دوس مشتجر القنا ... وخوضي في حوض من الطعن مفعم أقل بقلبي في المواقف هيبة ... وأهون من ذاك المقام المعظم وهب أنني باز قد انقض أشهب ... فهل يطمع البازي بلقيان ضيغم ولكن لي من عفو مولاي ساتراً ... فها أنا ذا منه به بت أحتمي أمحمود سامي إن يك الدهر خائناً ... وطال عليك الزجر طائر أشأم فما زالت الأيام بؤساً وأنعماً ... وحظ الشقا بالمكث حظ التنعم ولولا الصدى ما طاب ورد ولا حلا ... لك الشهد إلا من مرارة علقم عسى تعتب الأقدار والهم ينجلي ... وينصاح صبح السعد في ذيل مظلم وأهديك في ذاك المقام تهانئاً ... حبيرة مسدٍ في ثناك وملحم (لهذه الرسائل بقية) شكيب أرسلان

стр. 557

ونفسك فابدأ بتصويرها ... بما أنت من خالدٍ فاعل وإلا مضى الجسم مع رسمه ... ولا يخلد الزائل الزائل (نظم صاحب الرسم وهو في الخامسة عشرة من عمره) عبد بلا ثمن يا من أقام فؤادي إذ تملكه ... ما بين نارين من شوق ومن شجن تفديك أعين قوم حولك ازدحمت ... عطشى إلى نهلة من وجهك الحسن وتستعيذ إذا ألفتك مبتسماً ... من لؤلؤ بالنهى حرزاً من الفتن جردت كل مليح من ملاحته ... لم تتق الله في ظبي ولا غصن فاستبق للبد بين الشهب رتبته ... تملكه في أفقه عبداً بلا ثمن إسماعيل صبري

стр. 558

أزهار وأشواك صنعة زوجي؟ بين ضيوفنا الكرام في مصرا لآن تلك التي ستجلس يوماً ما على عرش من أعظم عروش العالم، أعني بها قرينة ولي عهد ألمانيا. رافقت زوجها، ولي عهد اليوم وإمبراطور الغد، في قسم كبير من سياحته لتعرف البلاد وتطلع على شؤون الأمم. وقد نزلت في ربوعنا، في أرض داسها قبلها رجال عظام ونساء شهيرات، فعلى الرحب والسعة. . . حكاية صغيرة عن هذه الأميرة الكبيرة: كانت البرنسيس تهتم بإيجاد عمل لإحدى الأوانس. واتفق أنها قرأت في إحدى الجرائد إعلاناً من صاحب أحد المخازن يطلب فيه دموازيل مساعدة في البيع. فرأت الأميرة أن تقصد صاحب المخزن بنفسها لتوصيه بالآنسة. دخلت إلى المخزن، وقد صبغ الحياء جبينها، وقالت مترددة: قرأت إعلانك في الجريدة. أنت تريد مساعدة. . . فتبسم التاجر - ولم يكن يعرف الأميرة - ووضع يده على كتفها قائلاً: بكل أسف يا ولدي، لا أرى شكلك موافقاً. ولكن لا بأس، عودي إلى بعد شهر وأحضري معك ما لديك من الشهادات. . . . ما اسمك؟ - سيسيليا - وهل أنت متزوجة؟ نعم - وما صنعة زوجك؟ - الآن. . . لا شيء. ولكنه سيكون يوماً. . . إمبراطوراً. إدارات البريد قرأت في الصحف الإنكليزية أن حركة البريد في مدينة لندرا قد

стр. 559

زادت في الأعياد الأخيرة نحو ٧٥ في المئة. فقد وزع في أسبوع العيد ٢٥ مليوناً من الرسائل. وقد جرى كل ذلك بأتم انتظام ولم يتأخر التوزيع إلا في مئة ديك رومي و٢٥٠ إوزة و٨٠٠ طرد من الطيور الداجنة و٢٠٠ طرد من الزبدة والبيض وذلك لنقص في العنوان. وقد أعلنت مصلحة البريد أمر هذه الطرود وسلمتها إلى أصحابها بعد أن أثبتوا شخصيتهم ثم كان هناك شيء من الطرود يخشى عليها من العطب والتلف إذا تأخر تسليمها فكانت المصلحة تبيعها وتحفظ ثمنها لأصحابها. انقل ذلك لمصالح البريد في بعض الأنحاء حيث يخطف كل عدد من الزهور غير مؤمن عليه. وأكتفي اليوم بهذه الإشارة، راجياً أن لا اضطر إلى التصريح. . . حاصد ثمرات المطابع ظهر القسم الثالث من كتاب دروس التاريخ الإسلامي تأليف حضرة الكاتب البليغ الشيخ محيي الدين الخياط وقد سبق لنا الكلام عن هذه الدروس عند صدور الجزئين الأولين منها. أما القسم الذي أمامنا فهو يتناول مجمل تاريخ بني أمية وهو مزين بخريطة الدول العربية الإسلامية.

стр. 560

وظهر أيضاً الجزء الثاني من كتاب سمير الليالي الذي وضعه محمد أفندي الصوفي السكري وقد تكلمنا عنه عند صدور الجزء الأول منه ومجمل أبحاثه جغرافية. أما هذا الجزء فقد دون فيه أشهر الحوادث التاريخية وأورد معلومات شتى وفوائد كثيرة. الحمل خارج الرحم: رسالة طبية وضعها حضرة العالم الدكتور محمد أفندي عبد الحميد طبيب مستشفى قليوب، بحث فيها بحثاً دقيقاً موضوع الحمل فأورد أقوال نُطس الأطباء في هذا الموضوع وأردفها باختباراته الشخصية ويسرنا أن نرى كثرة الكتابة عن هذه الموضوعات الاختصاصية في اللغة العربية مما يدل على نهضة حقيقية. فنثني على حضرة الدكتور عبد الحميد وننتظر منه متابعة أبحاثه في لغتنا. ضحايا البشرية: مجموع مقالات عمرانية انتقادية من قلم حضرة الأديب ندره أفندي نقولا ألوف. لهجتها تدل على ثورة في صدر كاتبها انفجرت بزفرات كلها تألم مما يؤلم ومما لا يؤلم من هذه البشرية التي لا تعد ضحاياها. والذنب تارة على المجتمع الإنساني وتارة على الأفراد أنفسهم الذين يذهبون ضحية جعل معنى الحياة. وقد كتبت مقدمة هذه المقالات حضرة المنشئة الأديبة السيدة لبيبه هاشم صاحبة فتاة الشرق.

стр. 561

القواعد الحسابية للأعمال التجارية والزراعية: وضع هذه المجموعة حبيب أفندي داود بحري وجمع فيها جملة قواعد حسابية كثيرة الأهمية في القسم الزراعي كتضريب قيم الفدان والقيراط والسهم معاً بأية فئة كانت وتضريب قيم الأردب والكيلة إلخ. وفي القسم التجاري قواعد الفائدتين البسطة والمركبة وقواعد الشركة وكيفية تقسيم الخسائر والأرباح. لباب الخيار في سيرة المختار: لمؤلفه الكاتب القدير الشيخ مصطفى الغلاييني منشئ النبراس ومدرس العربية في المكتب السلطاني البيروتي صدره بلمحة إجمالية من حالة العرب وعاداتهم وممالكهم قبل الإسلام. ثم تناول سيرة نبي الإسلام وما تخللها من الحوادث التاريخية الخطيرة بأسلوب لذيذ مفيد. رفيق الجندي المسيحي: دعي المسيحيون إلى الخدمة العسكرية بعد إعلان الدستور فرأى حضرة الفاضل الأبد يواكيم الفرنسيسي أن يضع لهم هذا الكتاب المفيد حيث تكلم عن شرف الخدمة العسكرية وحب الوطن وممارسة الفضائل المتحتمة على من ينخرط في سلك الجندية. من كل حديقة زهرة * يباع كل يوم في باريس سبعمئة ألف كارت بوستال مصورة.

стр. 562

* في أمريكا مئة امرأة تنفق الواحدة منهن على ملابسها في السنة ١٥٠ ألف فرنك، وألف امرأة تنفق ٧٥ ألف فرنك، وعدد لا يحصى تنفق الواحدة منهن من ٣٠ إلى ٤٠ ألف فرنك. ولإحداهن ولع خاص بالمناديل الثمينة فلا يكلفها المنديل الواحد أقل من جنيه. * افتتح في بروكسل متحف للجرائد. ومنشئوه فان دن بريك كان قد جمع ٣٥ ألف نسخة من جرائد مختلفة. وهي أكبر مجموعة من هذا النوع وقد أهداها صاحبها المذكور إلى المتحف الجديد مع سبعمئة كتاب عن الصحافة والصحافيين. ولدى متحف الصحافة هذا خمسة آلاف نسخة مزدوجة للمبادلة. * يقدر رئيس قلم الإحصائيات في الولايات المتحدة قيمة الهدايا التي تبودلت في بلاده بمناسبة أعياد الميلاد بخمسمئة مليون فرنك. هذا ما عدا التقادم المالية من المصارف والشركات والمحلات التجارية إلى مستخدميها. وقد وزعت البنوكة من هذا القبيل ٥٠ مليون فرنك تقريباً، وأهدت جمعية احتكار الفولاذ إلى عمالها معاشات قيمتها ٦٠ مليوناً. * اقترح أحد النواب الفرنسويين على المجلس سن ضريبة مقررة على حملة الأوسمة والنياشين. * مضى قرن كامل على احتكار التبغ في فرنسا. وقد باعت الحكومة في السنة الأولى بمبلغ ٦٠ مليون فرنك وهي تبيع الآن سنوياً بمبلغ أربعمئة وخمسين مليوناً وبلغ ربحها الصافي في هذه المدة خمسة عشر ملياراً ونصف مليار. كل هذه المبالغ ذهبت دخاناً في الفضاء.

стр. 563

ختام السنة الأولى هذا الجزء هو الجزء الثاني عشر والأخير من السنة الأولى للزهور التي تتألف منها الآن مجموعة من أنفس ما جادت به قرائح مشاهير كتاب العرب في هذا العصر. ويرى القارئ من إلقاء نظرة على الفهرس العام عدد وشهرة الكتاب الذين حصلت إدارة هذه المجلة على مساعدتهم بالتحرير لتكون الزهور كما وعدنا عند صدور الجزء الأول رابطةً بين أدباء الأقطار العربية، لأن المقصود من المجلة أن تكون معرض أقلام مختلفة لا مجموع مقالات من قلم كاتب واحد. وكلما كثر عدد محرري المجلة زادت قيمتها وزاد الإقبال عليها. هكذا نفهم المجلة وهكذا عملنا على أن تكون الزهور فتحققت آمالنا بفضل أنصار الأدب وأعوان العلم. ويحق اليوم للزهور بعد قطع المرحلة الأولى من عمرها أن تنافس بمحرريها وهم من أشهر من حمل قلماً عربياً، وأن تفتخر بقرائها وهم الطبقة الراقية من الأمة العربية. وستظل عاملة على إرضاء مشتركيها بالتحسن المتواصل والاحتفاظ بخطتها الأدبية المنزهة عن الشخصيات والتحزبات الجنسية والمذهبية. وإذا حق لها هذا الفخر فإنه يجب عليها إسداء صميم الشكر للمحررين فيها ولقرائها ووكلائها الأدباء على مؤازرتهم لها، ولحضرة صاحب مطبعة المعارف ومديرها وعمالها النشطين على ما بذلوه من سبيل حسن الطبع والترتيب مما صادف استحساناً كبيراً عند أصحاب الذوق. أحسن قصيدة وأحسن مقالة طالعت أيها القارئ في الاثني عشر عدداً من الزهور المجموعة لديك مقالات وقصائد كثيرة ولابد من أن تكون فضلت واحدة منها على سواها. فنقترح الآن عليك أن تكتب لنا عن المقالة أو القصيدة اللتين حازتا تفضيلك. - ومتى اجتمعت لدينا الأجوبة الكافية ننشر عنوان القطعتين اللتين تنالان أكثر الأصوات. -

стр. 564

العدد ١٢ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩١١ السنة الثانية نودع اليوم السنة الأولى من حياة هذه المجلة ونستقبل السنة الثانية قطعت الزهور المرحلة الأولى من عمرها وهي لم تر إلا ابتسامة الرضى من المنشطين، ولم تسمع إلا كلمة التشجيع من القراء والمشتركين. قطعت الشوط الأول في مضمار النهضة الحديثة، وأقلام أعلام الأدباء تحدق بها فتقيها كل عثرة، ونفثات كبار الكتاب والمفكرين تحوم حواليها في كل خطوة. فأدركوا بها الغاية التي وضعتها نصب عينيها منذ وجودها. ظهرت هذه المجلة وقد غص عالم الأدب بالصحف والمجلات ومع ذلك فقد أتيح لها أن تفسح مجالاً واسعاً وتحرز لنفسها مقاماً سامياً. ندون ذلك في مطلع السنة الجديدة لا فخراً ولا مباهاة، ولكن إقراراً بفضل مشاهير الأدباء الذين خصوها بنفثاتهم الرائقة، واعترافاً بكرم القراء الذين شاؤوا أن يروا فيها الصحيفة الأدبية التي كانت إليها نفوسهم تائقة. فكان إقبال أولئك على تحريرها داعياً إلى إقبال أولاء على اقتنائها. قلنا في أول مقالة رسمنا فيها للقراء خطة هذه المجلة أننا سعينا لجعلها

стр. 565

رابطة بين كتاب الأقطار العربية حتى يتعارفوا وتتمكن فيما بينهم أواصر الأدب. ونشرنا إثر ذلك أسماء الكتاب والشعراء الذين وعدونا من أنحاء مختلفة بإبراز بنات أفكارهم على أوراق الزهور. ولم يكونوا بالنفر القليل. فأثنى الجميع على هذه الخطة الجديدة وأجمعوا على استحسان هذه الفكرة ولكن فريقاً أبى عليهم تحفظهم إلا أبداء الشك في التمكن من تحقيق هذه الأمنية العزيزة. وهي حمل أُدباء العرب على الاشتراك في تحرير صحيفة تكون لسان حالهم. واقروا بأنه لو أتيح لمجلة أن تجمع هذه الشتات لكانت في مقدمة المجلات. غير أننا لم ندخر وسعاً للوفاء بما وعدنا كما يتبين لك ذلك من مراجعة أسماء من وعدنا بنشر كتاباتهم وأسماء من ساعدونا فعلاً وهي مدونة في فهرس السنة الأولى. فتجد أن عدد الكتاب الذي اشتركوا في تحرير الزهور يناهز المئة وهي نتيجةٌ نفاخر بها لأن المجلة الحقيقية - كما ذكرنا في أحد الأعداد السالفة - هي معرض أقلام مختلفة، لا كتابة عن مجموعة مقالاتٍ لكاتب أو كاتبين. وقد وعد عموم هؤلاء الكتاب بالمثابرة على إتحاف قرائنا بدرر أقوالهم. وفاوضنا غيرهم أيضاً بهذا الشأن فكان مثل من تقدمهم مدعاةً لنزولهم أيضاً إلى هذا الميدان. أبواب المجلة وسنحفظ التبويب الذي سرنا عليه حتى الآن فقد صادف استحسان العموم وهو: ١ً - باب المقالات التي يدبجها مشاهير الكتاب في موضوعات متنوعة
следующие страницы →