← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

القواعد الحسابية للأعمال التجارية والزراعية: وضع هذه المجموعة حبيب أفندي داود بحري وجمع فيها جملة قواعد حسابية كثيرة الأهمية في القسم الزراعي كتضريب قيم الفدان والقيراط والسهم معاً بأية فئة كانت وتضريب قيم الأردب والكيلة إلخ. وفي القسم التجاري قواعد الفائدتين البسطة والمركبة وقواعد الشركة وكيفية تقسيم الخسائر والأرباح. لباب الخيار في سيرة المختار: لمؤلفه الكاتب القدير الشيخ مصطفى الغلاييني منشئ النبراس ومدرس العربية في المكتب السلطاني البيروتي صدره بلمحة إجمالية من حالة العرب وعاداتهم وممالكهم قبل الإسلام. ثم تناول سيرة نبي الإسلام وما تخللها من الحوادث التاريخية الخطيرة بأسلوب لذيذ مفيد. رفيق الجندي المسيحي: دعي المسيحيون إلى الخدمة العسكرية بعد إعلان الدستور فرأى حضرة الفاضل الأبد يواكيم الفرنسيسي أن يضع لهم هذا الكتاب المفيد حيث تكلم عن شرف الخدمة العسكرية وحب الوطن وممارسة الفضائل المتحتمة على من ينخرط في سلك الجندية. من كل حديقة زهرة * يباع كل يوم في باريس سبعمئة ألف كارت بوستال مصورة.

стр. 562

* في أمريكا مئة امرأة تنفق الواحدة منهن على ملابسها في السنة ١٥٠ ألف فرنك، وألف امرأة تنفق ٧٥ ألف فرنك، وعدد لا يحصى تنفق الواحدة منهن من ٣٠ إلى ٤٠ ألف فرنك. ولإحداهن ولع خاص بالمناديل الثمينة فلا يكلفها المنديل الواحد أقل من جنيه. * افتتح في بروكسل متحف للجرائد. ومنشئوه فان دن بريك كان قد جمع ٣٥ ألف نسخة من جرائد مختلفة. وهي أكبر مجموعة من هذا النوع وقد أهداها صاحبها المذكور إلى المتحف الجديد مع سبعمئة كتاب عن الصحافة والصحافيين. ولدى متحف الصحافة هذا خمسة آلاف نسخة مزدوجة للمبادلة. * يقدر رئيس قلم الإحصائيات في الولايات المتحدة قيمة الهدايا التي تبودلت في بلاده بمناسبة أعياد الميلاد بخمسمئة مليون فرنك. هذا ما عدا التقادم المالية من المصارف والشركات والمحلات التجارية إلى مستخدميها. وقد وزعت البنوكة من هذا القبيل ٥٠ مليون فرنك تقريباً، وأهدت جمعية احتكار الفولاذ إلى عمالها معاشات قيمتها ٦٠ مليوناً. * اقترح أحد النواب الفرنسويين على المجلس سن ضريبة مقررة على حملة الأوسمة والنياشين. * مضى قرن كامل على احتكار التبغ في فرنسا. وقد باعت الحكومة في السنة الأولى بمبلغ ٦٠ مليون فرنك وهي تبيع الآن سنوياً بمبلغ أربعمئة وخمسين مليوناً وبلغ ربحها الصافي في هذه المدة خمسة عشر ملياراً ونصف مليار. كل هذه المبالغ ذهبت دخاناً في الفضاء.

стр. 563

ختام السنة الأولى هذا الجزء هو الجزء الثاني عشر والأخير من السنة الأولى للزهور التي تتألف منها الآن مجموعة من أنفس ما جادت به قرائح مشاهير كتاب العرب في هذا العصر. ويرى القارئ من إلقاء نظرة على الفهرس العام عدد وشهرة الكتاب الذين حصلت إدارة هذه المجلة على مساعدتهم بالتحرير لتكون الزهور كما وعدنا عند صدور الجزء الأول رابطةً بين أدباء الأقطار العربية، لأن المقصود من المجلة أن تكون معرض أقلام مختلفة لا مجموع مقالات من قلم كاتب واحد. وكلما كثر عدد محرري المجلة زادت قيمتها وزاد الإقبال عليها. هكذا نفهم المجلة وهكذا عملنا على أن تكون الزهور فتحققت آمالنا بفضل أنصار الأدب وأعوان العلم. ويحق اليوم للزهور بعد قطع المرحلة الأولى من عمرها أن تنافس بمحرريها وهم من أشهر من حمل قلماً عربياً، وأن تفتخر بقرائها وهم الطبقة الراقية من الأمة العربية. وستظل عاملة على إرضاء مشتركيها بالتحسن المتواصل والاحتفاظ بخطتها الأدبية المنزهة عن الشخصيات والتحزبات الجنسية والمذهبية. وإذا حق لها هذا الفخر فإنه يجب عليها إسداء صميم الشكر للمحررين فيها ولقرائها ووكلائها الأدباء على مؤازرتهم لها، ولحضرة صاحب مطبعة المعارف ومديرها وعمالها النشطين على ما بذلوه من سبيل حسن الطبع والترتيب مما صادف استحساناً كبيراً عند أصحاب الذوق. أحسن قصيدة وأحسن مقالة طالعت أيها القارئ في الاثني عشر عدداً من الزهور المجموعة لديك مقالات وقصائد كثيرة ولابد من أن تكون فضلت واحدة منها على سواها. فنقترح الآن عليك أن تكتب لنا عن المقالة أو القصيدة اللتين حازتا تفضيلك. - ومتى اجتمعت لدينا الأجوبة الكافية ننشر عنوان القطعتين اللتين تنالان أكثر الأصوات. -

стр. 564

العدد ١٢ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩١١ السنة الثانية نودع اليوم السنة الأولى من حياة هذه المجلة ونستقبل السنة الثانية قطعت الزهور المرحلة الأولى من عمرها وهي لم تر إلا ابتسامة الرضى من المنشطين، ولم تسمع إلا كلمة التشجيع من القراء والمشتركين. قطعت الشوط الأول في مضمار النهضة الحديثة، وأقلام أعلام الأدباء تحدق بها فتقيها كل عثرة، ونفثات كبار الكتاب والمفكرين تحوم حواليها في كل خطوة. فأدركوا بها الغاية التي وضعتها نصب عينيها منذ وجودها. ظهرت هذه المجلة وقد غص عالم الأدب بالصحف والمجلات ومع ذلك فقد أتيح لها أن تفسح مجالاً واسعاً وتحرز لنفسها مقاماً سامياً. ندون ذلك في مطلع السنة الجديدة لا فخراً ولا مباهاة، ولكن إقراراً بفضل مشاهير الأدباء الذين خصوها بنفثاتهم الرائقة، واعترافاً بكرم القراء الذين شاؤوا أن يروا فيها الصحيفة الأدبية التي كانت إليها نفوسهم تائقة. فكان إقبال أولئك على تحريرها داعياً إلى إقبال أولاء على اقتنائها. قلنا في أول مقالة رسمنا فيها للقراء خطة هذه المجلة أننا سعينا لجعلها

стр. 565

رابطة بين كتاب الأقطار العربية حتى يتعارفوا وتتمكن فيما بينهم أواصر الأدب. ونشرنا إثر ذلك أسماء الكتاب والشعراء الذين وعدونا من أنحاء مختلفة بإبراز بنات أفكارهم على أوراق الزهور. ولم يكونوا بالنفر القليل. فأثنى الجميع على هذه الخطة الجديدة وأجمعوا على استحسان هذه الفكرة ولكن فريقاً أبى عليهم تحفظهم إلا أبداء الشك في التمكن من تحقيق هذه الأمنية العزيزة. وهي حمل أُدباء العرب على الاشتراك في تحرير صحيفة تكون لسان حالهم. واقروا بأنه لو أتيح لمجلة أن تجمع هذه الشتات لكانت في مقدمة المجلات. غير أننا لم ندخر وسعاً للوفاء بما وعدنا كما يتبين لك ذلك من مراجعة أسماء من وعدنا بنشر كتاباتهم وأسماء من ساعدونا فعلاً وهي مدونة في فهرس السنة الأولى. فتجد أن عدد الكتاب الذي اشتركوا في تحرير الزهور يناهز المئة وهي نتيجةٌ نفاخر بها لأن المجلة الحقيقية - كما ذكرنا في أحد الأعداد السالفة - هي معرض أقلام مختلفة، لا كتابة عن مجموعة مقالاتٍ لكاتب أو كاتبين. وقد وعد عموم هؤلاء الكتاب بالمثابرة على إتحاف قرائنا بدرر أقوالهم. وفاوضنا غيرهم أيضاً بهذا الشأن فكان مثل من تقدمهم مدعاةً لنزولهم أيضاً إلى هذا الميدان. أبواب المجلة وسنحفظ التبويب الذي سرنا عليه حتى الآن فقد صادف استحسان العموم وهو: ١ً - باب المقالات التي يدبجها مشاهير الكتاب في موضوعات متنوعة

стр. 566

٢ً - في جنائن الغرب ننشر تباعاً تحت هذا العنوان خير ما يؤخذ عن آداب اليونان والرومان والفرنسيين والانكليز والألمان والايطاليان والروس وغيرهم من الغربيين قديماً وحديثاً لأن ذلك يكسب لغتنا ثروة طائلة من المعاني الجديدة والمباني الحديثة. كما ترى في مجموعة السنة الأولى. ٣ً - في حدائق العرب ننشر فيه صفحات مطوية من خير ما قاله الغابرون من كتاب العرب لأن لدينا كنوزاً مدفونة نحن في أشد الحاجة إلى الانتفاع بها. ٤ً - في رياض الشعر نعرض في هذا الباب عرائس القصائد التي يزفها إلى قرائنا أشهر شعرائنا. - ولما كانت قد تراكمت علينا مواد هذا الباب حتى تكاد تضيق عنها صفحات هذه المجلة ولو خصصناها كلها بالشعر رأينا إحالة كل ما يأتينا من هذا القبيل على لجنة مؤلفة من ثلاثة من شعرائنا المعروفين ينتقون منها ما يرونهُ ملائماً للنشر. أو يقولون كلمتهم في تلك القصائد إذا أراد ناظموها. ٥ً - أشواك وأزهار يوالي تحرير هذا الباب صديقنا حاصد الذي عرفهُ القراء منتقداً دقيقاً بين الجد والهزل. أما نقد الكتب على الطريقة التي سلكناها فسنتابعهُ كل ما وقع لدينا كتاب يستحق الإفاضة في البحث. الوكلاء والاشتراكات طلب الكثيرون منا أن يكونوا وكلاء للزهور في أنحاء مختلفة. وكنا لا نجيب دائماً إلى طلبهم لأن الدفع سلفاً قد أغنانا عن كثرة

стр. 567

الوكلاء على أن من رغب في أن يكون وكيلاً لهذه المجلة عليه أن يجد لها على الأقل ستة مشتركين جدد. أما دفع الاشتراكات خارج العاصمة فنطلبهُ مقدماً. وأفضل طريقة لإرسال البدل هي حوالة على بوسطة مصر أو على أحد المصارف المعروفة. المبادلة والهدايا وقد أكثر أيضاً عدد الزملاء الذين يطلبون مبادلة الزهور على أن كثرتهم تحول دون إجابة طلب الجميع. وقد جاءنا في السنة الماضية ما يناهز المئة صحيفة أو مجلة أو نشرة مع طلب المبادلة. ولا يخفى أن إجابة الجميع من المتعذرات. وأكثر من ذلك عدد الأندية والجمعيات المختلفة التي تكتب لنا تستهدينا المجلة خدمة للأدب وإحياءً للمشروعات العلمية وهذا جلُّ ما تتمنى ولكن كثرة الطلب اضطرتنا إلى الرفض وكل ما في الإمكان حسم ٣٠ في المئة من أصل الاشتراك لهذا الأندية شأننا مع طلبة المدارس. الكتب أعلنا في بداية السنة الماضية أن إدارة المجلة مستعدة لتقديم كل الكتب التي يطلبها المشتركون مع تنزيل يُذكر من أصل الثمن وذلك خدمة للقراء الذين كثيراً ما لا يعرفون أين يجدون مطلوبهم. وقد طلب منا في أثناء السنة ٢٧٠ كتاباً تقريباً. ولما كانت الطلبات تتكاثر يوماً عن يوم رأينا أن نتفق مع أصحاب المكتبات الشهيرة لتكون المفاوضة معهم رأساً مع حفظ حقوق خصوصية لمشتركي الزهور سنعلنها مع اسم هذه المكتبات في عدد قادم.

стр. 568

إيماءة زائر إلى بعض ما بأورشليم وبيت لحم من الصدقات الجاريان والمآثر الباقيات إن شوقي إلى أول أرض طلعت عليها شمس الإنجيل حملني هذه السنة على زيادة أورشليم وبيت لحم. فأبحرت من بيروت يوم الجمعة ثالث حزيران ومعي ابن عمي ميخائيل فانتهت بنا الباخرة إلى مدينة يافا عصر السبت ونزلنا عند الآباء الفرنسيسيين الكرام. وبعد ظهر الأحد علونا متن الباخرة البرية نريد بيت المقدس فلم ينقض إلا أربع ساعات حتى نعمت العين برؤية المدينة المقدسة لكن لا بالأعمال الصالحة بل بقتل الأنبياء ورجم المرسلين وصلب المسيح. ولقد تذكرت والقطار بنهب تحتنا الأرض ما كان القدماء يكابدون من مشاقِ السفر ومكارهه فقلت أين سرعة تلك اليعملات والهملَّعات والعُذافرات من سرعة هذا القطار. وأين العصور الخالية من عصر البخار والكهرباء الذي انبسط فيه سلطان العقل على القوى الطبيعية فسخرها لخدمة الجمعية البشرية حتى هان الصعب ولأن القاسي. ودنا العاصي. فصار يتسنى لنا السفر إلى الأرض المقدسة بل إلى أقصى المعمور براحةٍ وأمان حتى إذا قلنا السفر راحة ونزهة لا نكون قد أخطأنا كما أن

стр. 569

الذين قالوا السفر قطعة من العذاب لم يخطئوا فكل يصف السفر على ما هو في عصره. هذا ولقد رأيت هنالك من آثار رجال الفضل والخير الحاملين لواء المحبة البشرية ما دعاني إلى أن اكتب هذه الرسالة القصيرة إشادة بذكرهم وإثارةً لما في أفئدة غيرهم من كامن الرحمة وقد استحسنت أن أقدم على ذلك كلاماً في دواعي التعظيم والتكريم لتلك الديار الفلسطينية فأقول لا بدَّ لتفضيل بقعةٍ على بقعة من داعٍ ذاتي أو داعٍ خارجي. أما الداعي الذاتي فهو جودة التربة وطيب الهواء وعذوبة الماء ولذة الثمار وحسن الموقع والخصب. وأما الداعي الخارجي فهو ما يأيتها أما من رجل ممتاز بعلمٍ أو باختراع، وأما من حادثة عظيمة تقع فيها كذي قار والجفار وذات الرمرم وهي مواضع جرت فيها وقائع حروب فقالوا: يوم ذي قارٍ ويوم الجفار ويم ذات الرمرم. فكل بقعةٍ توصف بإحدى هاتين الصفتين أو بكلتيهما تحوز الكرامة في عيون الناس. فهل شغف الناس بزيارة الأرض المقدسة إلا لما طبعوا عليه من العناية بحفظ آثار العظماء والفضلاء وكل من عرف بمنقبة أو اشتهر بحادثة كبيرة أو باختراع نافع فهم يتغالون بأثمانها ويتفاخرون بإحرازها. فيا لحسن بخت من توجد عنده اليوم رسالة بخط ذي القرنين مثلاً أو بخط إسناده أرسطو الفيلسوف فيتزاحم أغنياء الغربيين على اشترائها بأغلى ثمن كما يتزاحمون على شراء جوهرة كبيرة

стр. 570

صافية فهم يتخذون مثل ذلك حلية خزائنهم وآية عظمتهم. وكما طبعوا على العناية بحفظ آثار العظماء طبعوا أيضاً على الحنين إلى كل بلدٍ نبغ فيه فاضل أو خرج منه عظيم حتى إذا حانت لهم فرصة لزيارته اغتنموها تبريداً لغلة الشوق بلقائه أن حياً وبرؤية بلده أو بيته أو رمسه أن ميتاً فهذا عاهل الألمان قد زار يوم كان في دمشق قبر صلاح الدين الأيوبي ووضع عليه أكليلاً أجلالا لذلك الملك المشهور بالبسالة والحزم ولم يردّه عن تكريم الرمس ما كان بين ضجيعه وبعض ملوك الألمان من الوقائع الحربية. ولقد جربت ذلك بنفسي فإني لما كنت العام الماضي في طريق حلب لم أكد أحول نظري عن جهة المعرة حتى جاوزت وذلك أن في قلبي حنيناً إلى بلدةٍ تشرفت واشتهرت بأنها مولد أبي العلاء المعري. فكم من بلد شرف من أجل أنه مولد شهير. وكم من بقعة عظم قدرها وبعد ذكرها لما أنها مدفن عالم نبيل أو فيلسوف عظيم أو فاتح عزيز. فهذه جزيرة القديسة هيلانة قد انتشر ذكرها في كل ناحيةٍ من الأرض لمجرد أنها كانت منفى نادرة الزمان بل يتيمة الأيام نابليون الأول عاهل الإفرنج. وهذه تواريخ المدن والممالك لا يُذكر فيها الأمن تنبه بهم أوطانهم وتعتز بهم بلادهم فيجعلهم المؤرخون قلائد على أعناق تلك الممالك وتيجان مجد على رؤوس تلك الأمم. فإذا كان إلى هذا الحد يبلغ أعظام الناس لأوطان المشاهير ومنازلهم وقبورهم فماذا عسى يكون إعظامهم للأرض التي ولد ونشأ فيها السيد المسيح الذي أبى أن يحفل بالظاهر الحسن والباطن قبيح.

стр. 571

فصب كل وصايا الذين في وصية واحدة وهي المحبة التي جعلها ينبوعاً لكل حسنةٍ وفضيلة وجعل كل ما سواها من التكاليف الدينية وقايةً لها بل ماذا عسى يكون شرف أرض وطئها مشترع تنقاد إلى أنجيله ممالك ضخمة وأممٌ عظيمة قد صارت بقية أمم الأرض تقفي على آثارها وتنهج منهاجها تعلم أمة تهوى الفلاح ولا تجري وراءها متبعةً خطاها في العلم والصناعة والزراعة والتجارة. فهذه المملكة اليابانية لم تصعد من هاوية الجهل والخمول إلاّ باقتصاصها آثار الممالك التي انبسط عليها نور الإنجيل أورشليم - هي مدينة يقصدها الإسرائيلي لأنها كانت قاعدة مملكتهم وفيها كان هيكلهم العظيم ويزورها المسيحي تبركا بما بها من الآثار المسيحية ويردها المسلم ليزور الجامع الأقصى فتلك الآثار الدينية التي تجرّ الناس إليها من قاصي الديار ودانيها قد صارت أشهر من أن تذكر وأعرف من أن توصف. فإن استغنى بلدٌ بذكر اسمه عن التعريف فأورشليم وبيت لحم لا يتقدمهما في ذلك بلد في المعمور. فليس في المشرقين أبعد منهما ذكراً ولا أشرف منهما أثراً فلا أجد حاجة إلى وصف تلك الآثار وإن كان تأثيرها في نفسي كتأثير الماء على الكبد الظمأى إذ لا إخال أحداً يتلو كتب العهدين ويمرّ بأسماء كثير من الأمكنة التي تردّد إليها السيد المسيح ورسلهُ وصنع فيها الآيات كبيت عنيا وقانا الجليل ما لم تلتهب بين جوانحه لواعج الشرق إلى زيارتها.

стр. 572

ولما رأيت القبر المقدس الذي تمسح به المسيحيون والمهد الذي يتبركون بزيارته ثم رأيت ما رأيت من الأديار الكبيرة والمدارس المجانية والمضايف الواسعة النظيفة الحسنة الأثاث التي تكرم مثوى الزوّار وتستحسن وفادتهم فتقدم لهم مثل ما يقدم للغني السخي في بيته. فعندئذ تخيلت تلك الآثار المكرمة قد استحالت ينابيع ذهب يعيش عليها خلقٌ كثير. وتمثلت جبل الجلجلة وبستان الزيتون وادي تبر وقلت في نفسي لو جمع ما أنفق الزوار في طريق الأرض المقدسة من لدن ابتداء النصرانية إلى اليوم لربما وازن ما على جبل الجلجلة من التراب. فأورشليم هي معرض الكرم المسيحي الأوربي فكم للآتين والروم والبروتستانت هنالك من أيادٍ بيض على نصارى تلك المدينة وسائر الأرض المكرمة فثمة من المدارس والمياتم والمضايف ما يقضي بالفضل لأصحابها وينادي بلسان حاله هذه الثمرات الطيبة إنما هي ثمرات الإيمان. ألا وان الأرض المقدسة كلها ألسنة تنطق بفضل الآباء الفرنسيسيين الذي تقدموا الجميع في هذه المبارّ فالمسيحيون هنالك سابحون في غمر مكارمهم متقلبون على بساط نعمهم فهم الذي يجمعون الحسنات الجمة من مسيحي أوربا وأميركا لينفقوها على المسيحيين من قطان الأرض المقدسة وزوارها. سعيد // الخوري الشرنوني ويلي ذلك كلام عن المسجد الأقصى ووصف ابن خلدون له سنذكره في العدد القادم.

стр. 573

في حدائق العرب الأحنف هو أبو فخر الضحاك بن قيس التميمي الأحنف. وكان قد شهد مع علي بن أبي طالب وقعةً بصفين. فلما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه الأحنف يوماً فقال له معاوية: والله يا أحنف، ما أذكرُ يوم صفين إلاّ كانت حزازةٌ في قلبي إلى يوم القيامة. فقال له الأحنف: والله يا معاوية، إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا. وإن السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادها. وإن تدن من الحرب فترا ندنُ منك شبراً. وإن تمشِ إلينا نهرول إليك. ثم قام وخرج وكانت أخت معاوية من وراء حجابٍ تسمع كلامهُ. فقالت: يا أمير المؤمنين من هذا الذي يتهدد ويتوعدُ. فقال: هذا الذي إذا غضب غضب لغضبه مئة ألف من بني تميم ولا يدرون لما غضب. وأخبر النويري عنه قال: كان معاوية قد كتب إلى عماله أن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار. فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو بن حزم من المدينة، والأحنف بن قيس في وفد أهل البصرة. ثم أن معاوية قال للضحاك بن قيس الفيهري: لما تجتمع الوفود إني متكلمٌ فإذا سكتُ، فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد ولد معاوية وتحض عليها. فلما جلس معاوية للناس، تكلم فعظم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقها، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال الضحاك: يا أمير المؤمنين، أنه لابدّ للناس من والٍ بعدك فذلك أحقن للدماء، وأصلح للدهماء،

стр. 574

وآمن للسبيل، وخيرٌ في العاقبة. والأيام عوجٌ كل يوم في شأن. ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن هديه. وهو من أفضلنا علماً وحلماً، وأبعدنا رأياً. فحوله عهدك واجعله لنا علماً بعدك ومفرغاً نلجأ إليه ونسكن إلى ظله. وتكلم عمرو بن سعيد الأشدق بنحو من ذلك. ثم قام يزيد بن المقنع العذري فقال: هذا أمير المؤمنين وأشار إلى معاوية فإن هلك فهذا وأشار إلى يزيد ومن أبى فهذا وأشار إلى سيفه. فقال معاوية: أجلس فأنت سيد الخطباء فأذعن من حضر من الوفود. فقال معاوية للأحنف: ما تقول يا أبا بحر. . فقال الأحنف: نخافكم أن صدقنا، ونخاف الله إن كذبنا. وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره، وسره وعلانيته، ومدخله ومخرجه فإن كنت تعلمه لله تعالى ولهذا الأمة رضىً، فلا تشاور فيه. وإن كنت تعلم منه غير ذلك، فأنت صائرٌ إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا. ومن أقوال الأحنف المأثورة: رب غيظ تجرعتهُ مخافةَ ما أشدُّ منه كثرة المزاح تذهب الهيبة السؤدد كرم الأخلاق وحسن الفعل الداء اللسان البذي والخلق الردي السنة الأولى للزهور في الإدارة مجموعة الزهور للسنة الأولى مجلدة تجليداً متقناً وثمنها خمسون قرشاً صاغاً. ويضاف إلى ذلك أجرة البريد للخارج.

стр. 575

الأب كابون وتولستوي أو حكيما روسيا لقد عرف العالم أجمع تولستوي ومبادئه الفلسفية وقد قرأوا مصنفاته الكثيرة حتى طبق صيته الخافقين، فلم يبق محل إلا وانتشر فيه اسم هذا الفيلسوف العظيم ولا مجلة إلا وذكرت اسم هذا الحكيم بالإعجاب والتكريم. ولكن قليلون هم الذين يعرفون فيلسوف روسيا الثاني الكاهن العظيم كابون. ولذا أحببت أن أنقل لقراء العربية على صفحات الزهور ترجمة حياة هذا الكاهن العظيم وشيئاً من مبادئه السامية التي أدهشت العالم بأسره وخصوصاً الروس وقد عاش بينهم وتألم لآلامهم، الأمر الذي جعله مكرماً ومحبوباً من الفلاحين البؤساء الذين كانوا يعاملون معاملة قاسية تقشعر لهولها الأبدان ويندى منها جبين الإنسانية خجلاً، وأنني أنقل هذا عن إحدى المجلات الأميركية بقلم إحدى سيدات روسيا اللائي لهن القدح المعلى في فن الإنشاء واسمها بريبشكوفسكا. قالت: لقد خفي اسم هذا الكاهن العظيم قائد فلاحي روسيا يوم ثار ثائرهم من جراء الظلم الذي أصابهم من أصحاب الأملاك. وإن ما يعرف من مبادئ هذا الأب الورع المحروم من الكنيسة لتصرفه تصرف مهيج سياسي لهو أقل من القليل. ذلك لانصراف أفكار الجمهور للمظاهر الخارجية والترهات الباطلة. فسداً لهذا النقص وحباً في نشر مبادئه السامية القاضية على الظلم وذويه، أحببت أن أنشر عنه ما يزيد العموم معرفة به:

стр. 576

إن الأب كابون لم يكن ديموقرطياً ولا اشتراكياً فوضوياً ولا حراً متطرفاً بل كان للفلاحين كما كان تولستوي للإشراف. كلاهما تولستوي وكابون مؤمن بالقوة المبدعة، وكلاهما ينظر للعالم نظر الآسف المتحسر ويعد بذل النفس في سبيل فكر سامٍ شريف ومبدأ قويم منتهى ما يتطلبه البقاء الإنساني. الأب كابون كتولستوي له اعتقاد ثابت في القوة الأدبية المودعة في الإنسان وفي قوة نفسه الخالدة. الله والإنسان هما في نظر الفلاح الروسي تقريباً على التوازي وهذا هو السبب في عدم وجود شيء يصعب على الروسي العقلي القيام به. وهذا الاعتقاد يشمل عموم العقليين في البلاد الروسية ولكن معظم هذا الاعتقاد أو هذا العلم علم النفس يظهر باجلى وضوح في حياة بطلي روسيا في هذا العصر. وهاتان الطبيعتان تقصد بذلك تولستوي وكابون مع تشابههما تمام التشابه تظهران لتعمل كل واحدة ما يغاير الأخرى في ذات البيئة والظروف كلتاهما تطلب راحة الشعب ورفاهيته الراضخ. ولكن بينما نرى الفيلسوف تولستوي يحض الناس على نبذ التباغض وأبطال الحروب والرجوع إلى الطبيعة فيحفظ كل حقه لذاته، نرى الأب كابون يحثهم على العمل والدأب، ويدعوهم باسم الله الأزل للحياة والعمل، ويأمرهم بطلب حقوقهم الموهوبة من القوة المبدعة ولو آل ذلك لامتشاق الحسام وخوض غمرات الحرب والصدام. أما النتيجة

стр. 577

التي يرمي إليها هذان الفيلسوفان فواحدة، وما اختلافهما إلا في الطرق المؤدية إلى هذا النتيجة. فواحد يحلق في السماء ويتيه في التصورات الجميلة والأحلام الذهبية. والآخر ينزل إلى الأرض فيضع نفسه بجانب أخوانه التعساء ويبذل النفس والنفيس ليضع حداً لآلاتهم المبرحة ويجبر قلوبهم المنكسرة. وهو لا يصبر على هذا الضيم ولا يتوانى في إنقاذ إخوانه من الحيف المحدق بهم. ذلك لأنه يرى العار كل العار في أن ينظر إخوانه في البشرية يرزحون تحت نير العبودية، فيتألم لآلامهم فقط ولا يرمي إلى انتشالهم من وهدة سقوطهم. لذا أبت نفسه الشريفة إلا أن تستبيح ما حرمته الحكومة فتثير أفكار الفلاحين عليها ليطالبوا بحقوقهم المهضومة وقد كان يصرخ متألماً إلى السلاح! إلى السلاح! ليها الشعب التعس. حتى م ترضخ للذل؟ ألست الشعب صاحب النصرات القديمة والمجد الأثيل؟ فانزع عنك ثوب خمولك فإنه يحول بينك وبين الحقيقة الساطعة. فارتد ثوب الشجاعة لتحفظ مجداً طريفاً وتعيد عزا تالداً أودت به أيدي الوحوش الضارية وحوش الإنسانية. أما تولستوي فكان ينادي بأعلى صوته: تألموا أيها التعساء فإن العالم مملوءٌ بالمفاسد، وإن ما يدعونه مدنية وارتقاء لهو الانحطاط بعينه فاصبروا يا من مزقت أفكارهم حجب اللانهاية فعرفت أموراً قصرت عن إدراكها أفكار أقرانهم. واحتملوا الآلام، فإنكم بهذا تنالون السعادة وارجعوا إلى أمكم الطبيعة فإنها أكبر مخلص لكم هذا هو وجه الاختلاف بين هذين الحكيمين وهو ينحصر في الطرق كما ذكرت آنفاً ولا يتناول الغاية

стр. 578

إنه ليصعب على البعيدين عن روسيا الذين لا يعرفون من شؤونها غير ما يقرأون في المجلات والجرائد السياسية أن يتصوروا حالة الفلاح الروسي من حيث مذلته وانحطاطه وتألمه وصبره وقوته العظيمة. لذا أحب أن أظهر من أمرهم ما اختفى ومن أفكارهم ومبادئهم ما توصلت إليه. إن حالة الفلاح الروسي من حيث ذله وتألمه عن علمها القاصي والداني مما تنشره الصحف لذا أصبح الكلام عليها من قبيل تحصيل الحاصل. أما اعتقاده ومبادئه فأراني مضطرة إلى ذكرها لأنها ما تزل مجهولة بسبب الضغط الشديد وتقييد الصحافة. يقول فلاحو روسيا بأن العدل الله يقضي على الكائنات كلها بالسعادة والسرور دون فارق بين غنيّ وفقير، ويبغي للجميع على السواء الوسائل الآيلة لتعزية قلوبهم. وإنه يحظر عليهم عمل الشر وظلم بعضهم البعض، فلا يغتصب أحدهم حق أخيه ولا يؤذيه في عمله بل يكون له عوناً فيدرأ عنه كل شر مفاجئ. وهذا الاعتقاد عام يشمل عموم الفلاحين في بلادنا وهو قديم ولكنه في هذه الأيام تجاوز حيز القول إلى حيز العمل فصاروا يؤيدونه بالفعل. وقد توسعوا به حتى قالوا أن إلهاً صالحاً براً حكيماً خلق الإنسان من العدم وخلق له الأرض ليعيش فيها آمناً. وما وجدت هذه السهول الواسعة والرياض الجميلة والإحراج والأنهار إلا ليتمتع بها كل فرد فيعمل في السهول على قدر طاقته فلا يعارضه في عمله معارض ولا يهضم حقه أحد فلهذا لا يرهبون الشغل، بل يصلون إناء الليل بأطراف النهار كادّين، مبتهجين بمرأى الطبيعة وعندهم رغبة شديدة في معرفة أحوالها وإظهار مكنوناتها.

стр. 579

هذه هي مبادئهم ذكرتها باختصار على أمل أن أرى في بلادي كثيرين كالأب كابون يبذلون كل مرتخص وغال في سبيل إنهاض هذا الوطن المحبوب من وهاد المذلة والخمول إلى أوج السعادة والرقي، فنعيش آمنين وننشق نسمات الحرية اللطيفة والسلام حمص شكري عافل نحن وهم في التربية والمرأة ١ - هم يصحبون تربية العقل بتربية الجسم فتصح منهم الأجسام والعقول. ونحن نهمل تربية الجسم فيضعف العقل فلا تصح منا لا العقول ولا الأجسام. ٢ - هم أحسنوا تربية المرأة فحسنت تربية الرجال. ونحن أهملنا تربية الأم فساءت تربية الأطفال. ٣ - هم يخيفون أولادهم بذكر الحقائق. ونحن نخيف أولادنا بالأوهام، فيشب رجالهم لا يخشون الحقائق التي ألفوها. ويشب رجالنا تزعجهم الخيالات. ٤ - المرأة عندهم شريكة الرجل يحتاج إليها في كل لحظة. والمرأة عندنا رفيقتهُ لا يطلبها إلا وقت الشهوة. ٥ - المرأة عندهم محترمة في الطريق، وعندنا عرضة فيه لكل سبّ وتضييق.

стр. 580

٦ - اجتهدوا في اقتباس الحسن من مدنيتنا. واجتهدنا في تقليد القبيح من مدنيتهم. في الملاهي والمقابر ٧ - ملاهيهم لتثقيف العقول. وملاهينا لإرضاء الشهوات. ٨ - قابرهم جنات الدنيا ومقابرنا جحيمها. في العلم والعلماء ٩ - طالب العلم وطالب المال عندهم لا يشبعان. وعندنا لا يكادان يبلغان طرفاً منهما إذ هما يكتفيان. ١٠ - العالم عندهم بعمل بعلمه. وعندنا يتحدث به. ١١ - هم يرون قوى الطبيعة فيفكرون في استخدامها، ونحن نراها فنعجب بها أو نهرب منها. ١٢ - علماؤنا إذا استفتيتهم رجعوا إلى ذاكرتهم في إجابتك. وعلماؤهم إذا سألتهم حكموا المعقول في إفادتك. في الاقتصاد ١٣ - أكثرنا ينفق فوق ما يكتسب، وأكثرهم يكتسب فوق ما ينفق. ١٤ - يأتون بلادنا ليربحوا فيها. ونقصد بلادهم لننفق فيها. ١٥ - هم يجدّون وراء الثروة. ونحن نرى الثروة بجانبنا ولا نكلف أنفسنا مد اليد إليها.

стр. 581

١٦ - حبس أغنياؤنا الأموال فملكتهم. وأطلق أغنياؤهم الأموال فملكوا بها. ١٧ - ترفع كبيرنا عن الأعمال التجارية والمالية، فملكه صغيرهم بها. ١٨ - لا نملك في بلادهم، ويملكون في بلادنا. فيستخدموننا في الأرض. ونشتري منهم حاصلاتنا. ١٩ - فقيرهم إذا احتاج اشتغل، وفقيرنا إذا احتاج سأل. في فلسفة الحياة ٢٠ - عندهم حب الأمة مقدم على حب النفس. وعندنا حب النفس مقدم على حب الأمة. ٢١ - الاتحاد عندهم رأس مال الأعمال العظيمة وسر نجاحها، وعندنا العمل العظيم يوجب التفريق فيه حب الاستئثار به فلا يتم أبداً. ٢٢ - تتكل الأمة فيهم على أفرادها، ويتكل أفرادنا على الأمة. ٢٣ - إذا اعترض العامل منهم عائق أزاله، وهذا عمل الرجال. وإذا اعترض العامل منا عائق أن واشتكى، وهذا عمل الأطفال. ٢٤ - الرجل منا يرجو من المستقبل تحسين حاله. والرجل منهم يعمل على تحسينه بنفسه. ٢٥ - رجلهم يبدأ بنفسه قبل الناس، ورجلنا يبدأ بالناس قبل نفسه. ٢٦ - حكوماتهم تخدم الأمم. وأممنا تخدم الحكومات. ٢٧ - هم ينظرون إلى مستقبلهم. ونحن ننظر إلى ماضينا. لهذا هم تقدموا ونحن تأخرنا. صالح جودت

стр. 582

في رياض الشعر محمود باشا سامي البارودي ولد سنة ١٨٤٠ وتوفي سنة ١٩٠٤ هو محمود سامي بن حسني بك حسني وكان أبوه من أمراء المدفعية في الجيش المصري. وجده عبد الله بك الجركسي من الكشاف في أوائل عهد محمد علي. والكاشف يشبه مأمور المركز اليوم. وقد أضيف إلى اسم عائلتهم لفظ البارودي نسبه إلى إتياي البارود التي كانت في التزام أحد أجداده - ولد صاحب الرسم في السراي المعروفة باسمه والتي فيها اليوم إدارة الجريدة وتلقى العلم في المدارس الحربية التي أنشأها جد العائلة الخديوية ثم سافر إلى الأستانة وانكب فيها على الدرس ووظف في نظارة الخارجية. ولما سافر الخديوي إسماعيل باشا

стр. 583

إلى الأستانة سنة ١٨٦٣ دخل البارودي في بطانته وعاد معه إلى مصر ثم أرسل مع بعض الضباط إلى باريس ولندرا لمتابعة الأعمال العسكرية وعند رجوعه رقي إلى رتبة قائم مقام ثم إلى رتبة أمير آلاي. وقد سافر مع الجيش المصري الذي أوفدته مصر لمساعدة الدولة العثمانية على إخماد الثورة في كريد سنة ١٨٦٨ واشترك أيضاً في حرب الدولة مع الروس سنة ١٨٧٧ وقد تقلب في مناصب عديدة عسكرية وإدارية. وبعد إقالة الخديوي إسماعيل باشا وتولي توفيق باشا عُين البارودي ناظراً للأوقاف. وكان في كل هذه المدة يحبر القصائد الشائقة ويجمع الكتب النفيسة فكان من أكبر أركان النهضة الأدبية الحديثة ولا يزال الشعراء حتى يومنا يعترفون له بالأسبقية. وقد كانت له اليد الطولى في إنشاء الكتبخانة الخديوية. ولما دخل الإنكليز مصر بعد ثورة عرابي كان البارودي من جملة الذين حكم عليهم بالنفي إلى سيلان مع زعيم الثورة. وإلى ذلك العهد ترجع المراسلات السامية التي ننشرها وقد عاد إلى مصر من المنفى قبل وفاته بقليل وتوفي في ١٢ ديسمبر ك ١ سنة ١٩٠٤ هذا ملخص حياته. ولما كان له تأثير كبير في النهضة الأدبية سنعود فيما بعد إلى درس آثاره الكتابية. المراسلات السامية بدأنا في الجزء الأخير من السنة الفائتة بنشر المراسلة الشعرية التي دارت بين الأمير شكيب الأرسلان والمرحون محمود باشا سامي البارودي، يوم كان هذا الأخير منفياً في جزيرة سيلان. وقد نشرنا رسم الأمير الأرسلاني، وهاذ نحن ناشرون الآن رسم البارودي مع بقية المراسلات التي دارت بين الشاعرين ثم كتب محمود سامي باشا إلى لأمير شكيب بهذه القصيدة أدّي الرسالةَ يا عصفورة الوادي ... وباكري الحي من قولي بإنشادي ترقبي سنة الحرّاسِ وانطلقي ... بين الخمائل في لبنان ورتادي

стр. 584

لعلّ نغمةَ ودٍّ منك شائقة ... تهزُّ عطف شكيب كوكب النادي هو الهمامُ الذي أحي بمنطقِهِ ... لسانَ قوم أجادوا النطق بالضادِ تلقي به أحنفَ الأخلاق منتدياً ... وفي الكريهة عمراً وابن شدَّادِ أخي وداداً وحسبي أنه نسبٌ ... خالي الصحيفة من غلٍ وأحقادِ أفادني أدباً من منطقٍ شهدت ... بفضله الناس من قارٍ ومن بادِ عذب الشريعة لو أن السحاب همى ... بمثله لم يدع في الأرض من صادِ سرت بقلبي منهُ نشوةٌ ملكت ... بحسنها مسمعي عن نعمة الشادي يا ابنَ الكرام عدتني منك عادية ... كادت تسدُّ على عيني باسدادِ فاعذر أخاك فلولا ما به لجرى ... في حلبة الشكر جري السابق العادي وهاكها تحفةً مني وإن صغرت ... فالدرّ وهو صغيرٌ حلي أجيادِ فأجابه الأمير شكيب بالقصيدة التالية: هل تعلم العيس إذ يحدو بها الحادي ... أنَّ السرى فوق أضلاع وأكبادِ وهل ظعائن ذاك الركب عالمةٌ ... أنَّ النوى بين أرواحٍ وأجسادِ تحملوا ففؤادي منذُ بينهم ... في إثرهم نضوُ تأويبٍ وإسآدِ يرتادُ منزلهم في كل قاصية ... وحجبهُ لو درى أحرى بمرتادِ بين الجوانح ما لو أنتَ جايبهُ ... أغناك عن لفّ أغوار بانجادِ وفي الفؤاد كشطر الكفّ بادية ... في جنبها تيهُ موسى ليس بالبادي كم بتُّ أنشد أحبابي وأُنشدُهم ... في الهند يا شدَّ ما أبعدت إنشاديِ ولو أناجي ضميري كنت مُسِمعهم ... قولي كأنهمُ في الغيب إشهاديِ من كان دون مرامي العيس منزعهُ ... فلي هوى دون أمواج وأزبادِ

стр. 585

دون الخضارم أن ضل الحبيب سرى ... فإن وجدي نعم القائف الهادي هوى بأروع لو أن الزمان درى ... لما أحلَّ سواه الصدرَ بالنادي سامي الأرومة في أعراقهِ نسبٌ ... في المجد لا يشتكي من ضعف إسنادِ أرقُّ من شمأل الوادي شمائله ... وعند شدّ الليالي صخرة الوادي من معشرٍ لو يقيس الناس شأوهم ... إلى العلى افتقروا فيه لإرصادِ يا من لنا ردُّه من فائتٍ عوضٌ ... يمحى به وزرُ أحقاب وآمادِ أن يحجبوك فما ضرَّ النجوم دجى ... ولا زرى السيف يوماً طيّ أغمادِ لا بأس أن طال نجز السعد موعدهَ ... فأعذب الماء شرباً في فم الصادي عسى لياليك قد سلّت ضغينتها ... وقد صفت كأسها من سؤر أحقادِ واستأنف الدهر سِلماً لا يكدرها ... فالدهر قد يرتدي حالات أضدادِ لو كان يُسعد قوم قدرَ فضلهم ... ما لاقَ مثلك أن يحظى بإسعادِ النسيم العاشق قصيدة تلاها في جمعية شمس البر في بيروت في الشهر الفائت إلياس أفندي فياض وهو الشاعر المعروف لدى أدباء القطرين هذه قصة جرتلنسيم الرو ... ض فيما مضى من الأزمانِ وردت في كتاب سحرٍ قديم ... خطه فكر ساحرٍ شيطانِ لم يكن قادراً على فهم معنا ... هُ سوى شاعر لعوب المعاني وُجد الشعر حينما وُجد السخـ ... ـر شقيقين ليس يفترقانِ

стр. 586

قيل أن النسيم قد كان يوماً ... يتمشى على ربى لبنان كتمشي المصطاف لا شغل يدعو ... سوى حسن منظر الوديانِ هائماً لا يقرّ منهُ قرارٌ ... من مكان يميل نحو مكانِ تارة يلثم الزهور وطوراً ... يرتمي في معاطف الأغصانِ إذ أتى منزلاً عظيماً لشيخٍ ... من شيوخ القرى رفيع الشانِ فانبرى داخلاً إليه من الكوَّ ... ةِ وثباً من غير ما استئذانِ ثم بنتٌ للشيخ تغزل صوفاً ... وهي في مأمن من الحدثانِ تعزل الصوف كفها ولها جف ... نان بالسحر والهوى غزلانِ عبث الزائر الجسور بشعر ... ناعم فوق رأسها الفتانِ فتدلت أطرافهُ الشقر من ... فوق عيون سود وخد قاني ورأى صاحبي النسيم جمالاً ... ما رآه من قبل في إنسانِ فغدا شاخصاً إليها مديماً ... نحوها نظرة الفتى الحيرانِ ذلك الأهوج الخفيف المرائي ... القليل الثبات في كل شانِ فاضح العاشقين ناشر أسرار ال ... هوى بين كل قاصٍ ودان أصبح الآن بابنة الشيخ صباًّ ... مستهاماً بحبها متفاني عاشق لا يُرى ويكفيه منها ... إن يراها في كل حال وآن حيث كانت يكون في البيت أو في ال ... روض بين النسرين والريحانِ كل شي منها يراه فما تخ ... جل منهُ وليس بالخجلانِ همهُ كل همه أن يراها ... في سرور وغبطة وأمان جاعلاً نفسه كما تشتهي ... برداً فحراً على اختلاف الزمانِ

стр. 587

فإذا الليل كان ليل شتاء ... يخز البرد فيه وخز السنانِ صار حالاً إلى هواءٍ لطيف ... فاترٍ وفق نسبة الميزانِ وإذا اليوم كان يوماً شديداً ... يلذع الحرّ فيه كالنيرانِ جاءها من ذرى الجبال بنفح ... منعش الروح منعش الجثمانِ وإذا استشعر انقباضاً بها ... يوماً مضى مسرعاً إلى البستانِ وأتاها من الطيور الشوادي ... بارق الأنغام والألحانِ وإذا الفصل كان فصل خريف ... وغدا الروض مثل وجه العاني وخلا خدرها من الزهر من ... ورد ومن نرجس ومن أقحوانِ سار خلف الفراش في الحقل ... يجنيهِ كما تجتنى زهور الجنانِ وأتاها منهُ بباقات حسن ... مدهشات من سائر الألوانِ من عقيق ولازورد وياقو ... تٍ وتبر وأبيض كالجمانِ تتجارى في خدرها طائرات ... لامعات الجناح كالعقيانِ وإذا كان في يديها كتاب ... درسُهُ محوج إلى الإمعانِ وانتهت من تلاوة الوجه منهُ ... ثم همت بدرس وجه ثانِ فتراه بنفخةٍ قلبَ الوجه فلي ... ست تحتاج مد البنانِ ولكم وقفة له ليس تنسى ... عند ذاك السرير ذي الأركانِ وقد استحوذ النعاس عليها ... وتولى الكرى على الأجفانِ يجتلي حسن معصمين أضاءا ... فوق ملموم صدرها الملآنِ ولكم زحزح الستار وأدنى ... ثغره فوق ثغرها الظمآنِ فرواها كما ارتوى دون أن ... تخجل منه وليس بالخجلانِ

стр. 588

هكذا عاش في هواها زماناً ... ناعم البال خالي الأشجانِ حاسباً أن للصفاء دواماً ... هل دوام الصفاء بالإمكانِ ودّعِ الحبَّ يا نسيم فقد جا ... ءك خصم أقوى إلى الميدانِ جاء من يخطب الفتاة فتى ... في عصره كان أبسط الفتيانِ ما له ميزة على من سواه ... غير مال يفيض كالغدرانِ غرها كثرة الحليّ فمالت ... وقديماً تهوى الحليَّ الغواني رضيته بعلاً فيا خيبة الآما ... ل من ذلك المحب العاني آه مهما يكُ النسيم لطيفاً ... طيب النشر عاطر الأردانِ كيف يسطيع ضد مال وجاه ... وحلي بهية اللمعانِ لهف قلبي عليه بعد مزيد الع ... زّ يمسي في ذلة وهوانِِ واقفاً خلف كوة البيت يشكو ... بانين كأنه الثكلانِ وله كالحمام طوراً هديلٌ ... وفحيح آناً كما الثعبانِ ولكم حدثته بالشر نفسٌ ... ما لها بالشرور قبل يدانِ فابتغى أن يصير عاصف ريح ... هادماً بيتها على السكانِ ولدن وافت الكنيسة بالموكب ... تبغي إتمام عقد القرانِ عيل صبراً فثار ثورة ليثٍ ... وأثار الغبارَ ملء العيانِ وانبرى للشموع يطفئها غيظاً ... ولم يحترم جلال المكانِ زاد حقداً فرام تجفيف ما في ... الكأسِ حتى تبقى بلا قربانِ ومدير الناقوس مما اعتراه ... أسمع الناس دقة الأحزانِ كل هذا لم يجدِ نفعاً وتمَّ ... العرسُ رغماً عن ذلك الهيجانِ

стр. 589

فمضى هائماً على وجهه والصد ... ر يغلي بالحقد كالبركانِ ساح في الأرض مستغيثاً ملو ... ك الريح من كل صادق معوانِ بين هيف وزعزع ودروجٍ ... وسموم وعاصف مرنانِ ثم وافى من بعد عامين في ... جيش خضمّ يموج كالطوفانِ يزرع الرعب في البلاد ويكسو ... هوله الشيب هامة الشبانِ خارباً في طريقه كل ما ... مرَّ عليه من عامر البلدانِ وصل البيت وهو يحسب أن ... يذريه في الهواء مثل الدخانِ إذ رأى في جوانب الدار مهداً ... فيه طفلٌ يبكي بغير بيانِ ولدى الطفل أمه وهي من ... خوفٍ عليه شديدة الخفقانِ فتلاشت قواه وانتصر الحب ... عليه والحب ذو سلطانِ فجثا قرب طفلها آخذاً عنها ... يهزُّ السرير كالغلمانِ بيروت إلياس فياض لاعب القمار ومدمن الخمر لابد لكل حي على وجه المعمورة من فطرة غريزية وميل طبيعي يسوقه إلى تنفيذ مآربه وقضاء حويجاته. وما الإنسان إلا عبد خاضع وخادم مطيع لكل ما يجول بفكره من كبيرة وصغيرة. فلاعب القمار ومدمن الخمر ومستعمل التبغ ومتعاطي المنبهات والسارق والزاني كل منهم يكتسب هذه العادات الذميمة والأفعال الرذيلة التي تؤول به إلى مهاوي التهلكة من مصدرين. أولهما وراثي عن آبائه وأجداده.

стр. 590

وثانيهما تقليدي عن أصحابه ورفقائه. فالوراثي هو ما يتلقاه من الوالدين اللذين اعتادا النزوع عن الفضيلة وعمدا إلى ارتكاب كل ما تأباه النفوس الطاهرة، فلا تعجب إذا رأيت الطفل يشب على أخلاق والده. فإذا كان الوالد سارقاً لقن ولده منذ نعومة أظفاره قواعد السرقة وشروطها. ويا له من درس مميت حياة الطفل الأدبية: وإن كان مدمن خمر علمهُ - على غير علم منه - طريق الحانة وارتياد محلات السكر وأوحى إليه فلسفة احتساء الكؤوس. وقد يطبق له العلم بالعمل فيمد له يده تحمل سماً زعافاً ويتناول الولد الكأس بإخلاص من يد أبيه ويتجرعها واثقاً بالمحبة الأبوية التي تريد الخير لأبنائها. ولا تسل يا صاح عما يصيب هذا الابن المسكين في مستقبل الأيام من الشقاء والحياة التعيسة التي أسست أركانها اليد الأبوية الأثيمة بل لا تسل عن تقهقر بلادٍ يربى أطفالها على هذا النمط. أعرف سكيراً هشمه الدهر بنابه وأناخ عليه بكلكله حتى أنفق كل ما لديه من مال وعقار فيما هو عليه من العادات التي لا تسمن ولا تغني من جوع وأصبح يلتحف السماء ويفترش الغبراء. وإذا بزغت شمس الصباح جال على بيوت أهل المدينة قارعاً باباً بعد آخر متوسلاً. فإذا أتاح الله له شيئاً من القوت وبعضاً من الدراهم رجع إلى الخامورجي وأعطاه ما لديه من النقود في طلب كأس خمر يروي بها ظمأه الذي لا يروى. ثم يرجع إلى كوخه خارج المدينة فيجد زوجته البائسة التي كثيراً ما يغمى عليها من كثرة البكاء والنحيب على ما حل بها وبه من البؤس والشقاء.

стр. 591

والمصدر التقليدي هو ما تكتسبه هذه الفئة من المعاشرات الرديئة التي تجمع أفراداً لا آداب لهم ولا أخلاق غير الافتخار بمباراة أمثالهم في الرذائل وعمل ما تقشعر منه الأبدان. وهذه الفئة مؤلفة من الرعاع والأوباش وبينهم أولاد المثريين الذين ورثوا عن آبائهم مالاً طائلاً. أضاعوه - لنقص في تربيتهم وآدابهم - في أماكن اللهو والطرب. على أنه كثيراً ما يكون المقلد لرفيقه أو المقتبس عن عشيره من عائلة شريفة المبدأ ومن أبوين شريفين يربيان أولادهما على الفضيلة والآداب القويمة التي لا تزعزعها يد الدهر. وإذا أحصيت الآفات القتالة في المعترك الحيوي كان أولها لعب الميسر الذي يهدم أركان الفضيلة. ويجلب العار والمذلة ويبدل الأفراح أتراحاً ويمزج كأس الحياة بمرارة حنظلية فينغص عيش مرتاده ويستفرغ قواه المادية والأدبية. حينذاك يثوب إلى رشده ويندم على ما فرط منه حيث لا ينفع الندم هذا أن لم تدفعه شدة الضيق وأنفة النفس إلى الانتحار تخلصاً من هذا الشقاء المقيم. ولعمري إذا كان المقامر حديثاً في مزاولة هذه المهنة وقضت عليه بد الزمان ونكبة الدهر بخسارة عاجلة وظهر طالعه المنحوس وهو يرى مواله تتسرب من جيبه إلي جيب سواه لا يكاد ينتهي من لعبه إلا وتتوالى عليه جيوش الذهول والأوهام فيضيع لبه ويفقد رشده ولا تمضي بضع دقائق إلا وهو مساق إلى حيث لا يدري وهو تارة يضحك وطوراً يبكي. وكثيراً ما تقوده هذه الحالة إلى السرايا الصفراء مأواه

стр. 592

حيث يلتقي برفقائه ليقضي معهم ما بقي له من الحياة التعيسة. فهذه نتيجة المقامرة وهذا هو الجنون بمعنى الكلمة. وأما إذا ربح المقامر بعد توالي خسارته فقلما يحترس على ماله. فتسول له نفسه - والنفس أمارة بالسوء - بالتقدم خطوة ثانية إلى الأمام في الملذات والموبقات لصرف دريهماته المكتسبة عن غير طريق العمل والنشاط. فالمقامر والحالة هذه سواء كسب أو خسر فهو كمن يبحث عن حتفه بظلفه. إن القمار أبيت اللعن مضيعة ... للمال والصيت وإلا رزاق والزمن فإن رأيت فتى يلهو بمقمرةٍ ... هييء له أدوات الغسل والكفن فو الله أنه يسوءنا كثيراً نحن معشر المصريين انتشار مثل هذه الآفات بمصرنا السعيدة وشقيقها السودان المصري. حيث إنها من دواعي التأخير وعثرة في سبيل الرقي والتقدم العصري. عطبرة (السودان) عبد المطلب لبيب بين القصور والأكواخ لمن القصور هنا؟ شامخة البنيان. تناطح الجوزاء في سماء الخيلاء؟ من الذي شيدها وبناها، وبزخرف الصنائغ حلاها وجلاها، فما الخورنق والسدير والإيوان، عند بداعة صنعها والاتقان. ولمن هاتيك الأكواخ هناك؟ خاملة الشأن، تعانق العساليج في ربي الأكام وظليل الوديان! كأنَّ من أنشاها وكونّها، بزهور الفردوس

стр. 593

وشاها وزينها، فما وشّاها وزينها: فما بهرجة القصور وزينتها، إزاء بساطة هيئتها. هو روح في عالم الخيال يطوف! ويستقصي كنه ما جريات القرون فإذا ما داني المدينة العجباء، انشقت جباهُ حصونها والأسوار، عن مشهد المملكة الدنيا، بل دار النقمة والويلات!. وما صوتٌ، إلا وانفتحت الأبواب، فلا حرَّاس ولا حجَّأب. وطرفةُ عينٍ وانزاح كل حجاب. فملوك تراؤا فوق عروش الملكية، قيدتهم قوانين البلاد، وحكام على منصات الأحكام، أعيتهم قضايا العباد. ورعايا تناوبتهم الضربات، بها الأغنياء والفقراء في حرب عوان نار وطيسها تشوي الحساد، مظالم ومغارم، شيدوها فوق أنقاض الأماني ومهاوي الآمال، وتقاليد وعادات، شوهت وجه الهيئة الاجتماعية وحياة الكل شؤون وشجون، تقسمتها ذكرى الماضي وهمّ الحاضر وأمل الآتي. أما حياة البؤساء فمذلةٌ وهوان! وهنا، هنا الإنسان عدو أخيه الإنسان! فكأن صراخ التذمر والشكوى يصم سماع الأجيال وانسدلت الأستار! فما البكاء، وما صرير الأسنان. أو ترى السعادة اسماً بلا مسمى، أم أثراً بعد عين؟ بل هي سر الحياة. وأين السر يكون؟ في ذلك المنبسط الهادي، مهد البساطة والأمان، في تلك الأكواخ المنسية، مبعث الراحة ومهبط الحرية، حيث

стр. 594

لا شقاء ولا ضوضاء، والطبيعة في هدوّ وسكون وهناك عندما الفجر يلوح. على النغمات الأطيار ونسمات الأسحار، يرتاد فضاء اللاَّنهاية صوت رنان، تردّد صداه الأزمان: سلاماً يا ابنة الطبيعة الساذجة، يا ربيية الفضيلة الطهري، البرية من عيوب المدنية. . وتبرز فتاة الكوخ، ومظهرها رسول الشفقة وعامل النشاط وملاك السلام، وتحيي الأكوان! فتحنُّ إليها الإلهة وتباركها السماوات! وهناك يتجلى شبح الإنسانية! فيقيم الصلاة، ويقدم القربان بين تصاعد بخور الذكرى. وحنان الألحان السماوية، حتى إذا ما حل الروح، بارك الأم وابنتها، وتوارى. وفي ثغره ابتسامة الأبدية. . . انطاكية سمعان بطرس اللاذقاني تمدن المرأة العصرية دارت خلال السنة الماضية على صفحات الزهور مناقشة في المرأة العصرية وتمدنها بين الآنستين هدى كيورك وأدما كيرلس، نددت الكاتبة الأولى بالمرأة لأنها أخذت بقشور التمدن دون اللباب وفندت الثانية أقوالها مبينة أن الذنب - أن كان هناك ذنب - على الرجل لا على المرأة. وانقسم القراء إلى قريقين فريق يؤيد هذه، وفريق ينتصر لتلك. وكتب أحد الأدباء بإمضاء حسون محاولاً أن ينصف بين الكاتبتين. ولكن الآنسة أدما رأت في مقاله ما يشفُّ عن التجيز فبعثت إلينا بالرد الآتي:

стр. 595

طال الآخذ والرد في هذا الموضوع وما كنت لأعود إليه اليوم لولا تعرض حسون للوقوف موقف الحكم فكان صارماً شديدأً وإني والكثيرات من رفيقاتي لمندهشات من فتح صاحب الزهور صدر مجلته لمثل هذا الحكم الجائر، وهو الكاتب الذي طالما ترنمنا بكتاباته الشائقة في الدفاع عن حقوق المرأة المهضومة. . وقبل أن أجول الجولة الأخيرة في هذا الموضوع أرجو من الأدباء أن لا يحملوا كلامي على محمل الامتعاض من انتصار الغير لمناظرتي. كلاّ وإيم الحق، بل أن ذلك ليطربني وأرى فيه دليلاً أدمغ به خصمي إذ هو يعترف أن في صفوفنا نحن النساء من يجاهر بالحق ولو كان علينا. . وبعد هذه المقدمة أقول لحضرة الخصم الجديد الذي يحاول الظهور بمظهر الحكم المنصف: يا أيها الرجل المعلم غيرهُ ... هلاّ لنفسك كان ذا التعليمُ وقبل أن تنظر إلى القذى في عين أختك انزع الجسر من عينك. ثم أصلح تربية الرجال لأن الرجل بيده كل شيء في شرقنا، وليست المرأة - إن صالحة وإن صالحة - إلا صنعة يديه أدبياً. فهي إذا كانت الآن كما تزعمون فلانكم أنتم أردتموها كذلك يا معشر الرجال. وأنا قد كتبت ما كتبت واثقة بالإصابة لأن ما قلته من البديهات التي لا تحتاج إلى برهان، وقوة الحقيقة أوضح من نور الشمس. ولكن أكثر الأذهان في هذا العصر لا تكترث لأقوال النساء. على أنه لابدَّ من أن يأتي عصرٌ ينظرون فيه لا إلى من قال بل إلى ما قال. فيظهر الخفي على أهل هذا الزمان بأحسن جلاء. ويرى هذا القلم الذي يعدُّونه قصبة مرضوضةً

стр. 596

سيفاً ذا حدين فيثبت الحق ويزهق الباطل أن الباطل كان زهوقاً. أنا لم أقل بعصمة النساء ولا بعصمة واحدة من نساء العصر، ولكني اعتقد اعتقاداً خالياً من كل ريب أن المخطئين أكثر من المخطئات، والواقع أصدق شاهد. تعود الرجل أن ينظر إلى المرأة نظر القوي إلى الضعيف ولكل امرئ من دهره ما تعود. وعليه فهو يحكم بلا خشية كما يشاء هواه لأن أنصاره كثيرون، بخلاف المرأة الضعيفة التي تنزل إلى ساحة المناظرة الأدبية واحدةً تجاه جيشٍ عظيم من الرجال وأهل المنهج القديم من النساء. ولكن لابدَّ من أن تنمو البذرة التي تلقيها وتثمر في أوانها. والإصلاح في أول أمره لا يكون إلاّ من أفراد قليلة ولكنه من طبيعته ينمو ويقوى إلى أن يبلغ الكمال. هذا ويحق لي أن أردّ حكم حسون أفندي واستأنف القضية إلى محكمة ترأسها أحدى السيدات لأنه ليس من العدل أن يكون الرجل في موضوعنا خصماً وحكماً في آن واحد. فضلاً عن أني وحضرة مناظرتي الكريمة لم نحكم بيننا حسوناً. . ولا غراباً. لأن نعيق هذا وتغريد ذاك عندنا سيّان والسلام بيروت أدما كيرلس أحسن مقالة وأحسن قصيدة سألنا القراء أن يكتبوا لنا عن أحسن مقالة وأحسن قصيدة استحسنوهما في مجموعة السنة الماضية. فجاءتنا أجوبة كثيرة والأراء فيها مختلفة. وسننشر النتيجة في العدد القادم ليتسنى للبعيدين أبداء رأيهم.

стр. 597

في جنائن الغرب نار السماء في الجوّ سحابة مسودة الأطراف، تبهت تارة، وتارة تتقد وهي عابسة للكون كأنها الصيف المحرق. إنها سابحة في الفضاء فتحلو مشاهدتها لرائيها الذي يخال في الوقت نفسه أن ريح الليل الهابة تحمل ضوضاء مدينة بأسرها قد أسكرتها حرارة التقبيل وكثرة الملذات. أمن السماء اندفعت هذه السحابة أم من البحر صعدت أو لُفظت من الجبال أو هي مركبة الجحيم النارية حاملة شياطين إلى كوكب من الكواكب القاحلة؟ قماء هي الآن ولكن يا للذعر إذ كيف يندفع بين حين وآخر من جوفها غير المدرك لهيب ساطع يتلوى كالثعبان البحر ثائر وأمواجه مزبدة وهي أمواج عالية لا يدرك البصر طولها والأسماك تسبح في هذه المياه العميقة فتبدو تارة على سطحها كقطع من الفضة وتارة تتوارى في اللجة. وكأن الأفق البعيد ملامس لهذا البحر فتتمازج زرقة السماء بزرقة الماء رأت السحابة النارية ذلك فثبتت وسألت: أَأُجفف هذه المياه؟ فأجابها صوت يقول: كلاّ! فاندفعت بقوة زفرة الرب ناشرة الظلمة في الأرجاء هوذا خليج على ضفتيهِ آكام خضراء قد ضربت عليها خيام

стр. 598

يصدر عنها أغانٍ شجية ينقلها الهواء إلى السماء. وها هم أناس رُحل يصيدون الأسماك والأطيار، وهم عائشون أحراراً موطنهم العالم كله إذا أرادوا ذلك وفراشهم الأرض وغطاؤهم السماء. إنهم قبيلة تلئهة حياتها في الشمس والهواء، وها هم أفرادها بين أطفال وشيوخ ونساء وفتيان وفتيات قد كونوا شبه دائرة وأخذوا يرقصون حول نار مشبوبة يتصاعد لهيبها حيناً أفقياً وحيناً تعبث به الرياح. إنهم مجهولون وقد أسفرت النساء منهم عن أذرع كالأبنوس وصدور كالليل فلاحت النهود السوداء. تعروا رجالا ونساء فألقوا بأنفسهم للاستحمام معاً الماء فامتزجت أصوات البشر الصادرة من صدورهم بهدير الأمواج. ورددت الريح الهابة صدى صنوج وغناء فتوقفت السحابة النارية في الفضاء فصاح بها صوتُ خفي: إلى الأمام. . مصر كبساط من سندس زاه منعكسة عليه شمس كالذهب الأصفر وكل ما فيها وديان. يغازلها في الشمال بحر بارد وفي الجنوب رمل محرق وهي ضاحكة بينهما ضحك السعادة والاطمئنان. هناك ثلاثة شواهق مثلثة الزوايا أقامها الإنسان وهي تدهش البصر، وقد مزقت رؤوسها الجو، وتجمعت حول قواعدها الرمال وإلى جانبها إله من الحجر الوردي اللون قد آل على نفسه حراستها لئلا تهب ريح سموم كاللهب فتضطرها إلى أحناء الرؤوس. وهناك مسلات منصوبة ونيل هادئ منساب تحركه نسمات تدفع الزوارق نحو مدينة تلامس منازلها الماء

стр. 599

سلطانة الكواكب متهادية نحو الغرب، خالعة على المدينة ثوباً من الورد، وقد داعب النسيم الماء العذي فطرقت مسامع مصر تنفسات عشيقها النيل الذي جعل يرنو بعينه الدامية إليها وهي منارة الأمصار. هوذا سلطان منير قد طلع يتهادى في فضاء فسيح صافٍ لا تشوبه سحابة وأخذ يتبع آثار مصدر نوره كما يتبع العشيق خطوات معشوقته مستعداً منها سعادة تدوم ما دام لم يكن هناك احتكاك. سألت السحابة قائلة: أين أقف؟ فأجابها صوت اهتزت له الأرض: ابحثي. الأرض كجمرة تتأجج ولا تشاهد العين سوى رمال يذرها هواء ملتهب وهي رمال تبدو حيناً شامخة كالجبال وتظهر حيناً منبسطة كالسهول فنحن أذن في الصحراء التي تجتازها قوافل الجمال ولا يعرف منعزلاتها الندية سوى الله. وهي صحراء كبحر يتصاعد الدخان منه وزبد أمواجه تراب من النار. فسألت السحابة أأحول هذه الأتون المترامي الأطراف إلى بحيرة تخترقها الأفلاك؟ فأجابها صوت من السماء: إلى الأمام! إلى الأمام! هذه بابل ذات القلاع المتهدمة، بل هذه هي المدينة العظيمة التي انبثقت منها مفاخر الفتوحات ولكنها خرب وانهارت فارتسمت أظلال الأطلال ذات المنظر المؤثر على أربعة جبال تحيط بها أحاطة السوار. بل هذه هي الدائرة التي أقيمت فيها سلم يرقى بها إلى السماء. ولكن السلم

стр. 600

حطمت فأصبح لا يسمع في تلك الأطلال سوى فحيح الأفاعي وزئير ملوك الغابات، ولا يرى حولها غير النخيل المحلقة في جوانبه العقبان. فسألت السحابة: أأجهز على هذه البقايا؟. . فأجابها الصوت السماوي: إلى الأمام! إلى الأمام!. فاندلع منها لسان ناري كان لاندلاعه دويُّ كقصف الرعود وقالت: إلى أين المساق؟. هاهما مدينتان تناطح قصورهما الجو ويتخلل طرقها وساحاتها الحدائق فتعبث النسمات بأزهارها ورياحينها فيمتزج شذاها العطر بزفرات دنسة صادرة عن أجسام وطئ ذووها الفضيلة بقدم الرذيلة فقتلوها في نفوسهم قتلاً فاستسهلوا تضحية الطهارة للعار والعفاف للشهوات، فباتوا عرايا تحت تأثير هزات الحب، سكارى بخمرة الوصل، فيا أيتها المدينتان الجهنميتان المندفعتان في لجج الأهواء، الخالعتان عنهما أكليل الكمال، الدائبتان في إيجاد سافل المسرات إنكما وصمة المدن ومصدر دنس للأمم جمعاء. ها نجمة الصبح قد أشرقت متلألئة في سماء مكفهرة الأفق، والمدينتان في سبات، إذ قد انقطعت ضوضاء القبلات وهمدت النفوس وانعكست أشعة القمر على أجسام منطرحة على الثرى وهي جامدة كالجثث لما حل بها من العياء، فأخذ الهواء من جوانب سادوم متجهاً نحو عاموره وللحين حجبت السحابة السوداء السماء، فقال لها القائل العلوي بصوت يصم الآذان. هنا! فانفجرت السحابة انفجاراً ذا دوي هائل، واندلعت
следующие страницы →