Полный текст (2 201 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
سيفاً ذا حدين فيثبت الحق ويزهق الباطل أن الباطل كان زهوقاً.
أنا لم أقل بعصمة النساء ولا بعصمة واحدة من نساء العصر، ولكني اعتقد اعتقاداً خالياً من كل ريب أن المخطئين أكثر من المخطئات، والواقع أصدق شاهد. تعود الرجل أن ينظر
إلى المرأة نظر القوي إلى الضعيف ولكل امرئ من دهره ما تعود. وعليه فهو يحكم بلا خشية كما يشاء هواه لأن أنصاره كثيرون، بخلاف المرأة الضعيفة التي تنزل إلى ساحة المناظرة الأدبية واحدةً تجاه جيشٍ عظيم من الرجال وأهل المنهج القديم من النساء. ولكن لابدَّ من أن تنمو البذرة التي تلقيها وتثمر في أوانها.
والإصلاح في أول أمره لا يكون إلاّ من أفراد قليلة ولكنه من طبيعته ينمو ويقوى إلى أن يبلغ الكمال.
هذا ويحق لي أن أردّ حكم حسون أفندي واستأنف القضية إلى محكمة ترأسها أحدى السيدات لأنه ليس من العدل أن يكون الرجل في موضوعنا خصماً وحكماً في آن واحد. فضلاً عن أني وحضرة مناظرتي الكريمة لم نحكم بيننا حسوناً. . ولا غراباً. لأن نعيق هذا وتغريد ذاك عندنا سيّان والسلام
بيروت
أدما كيرلس
أحسن مقالة وأحسن قصيدة
سألنا القراء أن يكتبوا لنا عن أحسن مقالة وأحسن قصيدة استحسنوهما في مجموعة السنة الماضية. فجاءتنا أجوبة كثيرة والأراء فيها مختلفة. وسننشر النتيجة في العدد القادم ليتسنى للبعيدين أبداء رأيهم.
стр. 597
في جنائن الغرب
نار السماء
في الجوّ سحابة مسودة الأطراف، تبهت تارة، وتارة تتقد وهي عابسة للكون كأنها الصيف المحرق. إنها سابحة في الفضاء فتحلو مشاهدتها لرائيها الذي يخال في الوقت نفسه أن ريح الليل الهابة تحمل ضوضاء مدينة بأسرها قد أسكرتها حرارة التقبيل وكثرة الملذات.
أمن السماء اندفعت هذه السحابة أم من البحر صعدت أو لُفظت من الجبال أو هي مركبة الجحيم النارية حاملة شياطين إلى كوكب من الكواكب القاحلة؟
قماء هي الآن ولكن يا للذعر إذ كيف يندفع بين حين وآخر من جوفها غير المدرك لهيب ساطع يتلوى كالثعبان
البحر ثائر وأمواجه مزبدة وهي أمواج عالية لا يدرك البصر طولها والأسماك تسبح في هذه المياه العميقة فتبدو تارة على سطحها كقطع من الفضة وتارة تتوارى في اللجة. وكأن الأفق البعيد ملامس لهذا البحر فتتمازج زرقة السماء بزرقة الماء
رأت السحابة النارية ذلك فثبتت وسألت:
أَأُجفف هذه المياه؟ فأجابها صوت يقول: كلاّ! فاندفعت بقوة زفرة الرب ناشرة الظلمة في الأرجاء
هوذا خليج على ضفتيهِ آكام خضراء قد ضربت عليها خيام
стр. 598
يصدر عنها أغانٍ شجية ينقلها الهواء إلى السماء. وها هم أناس رُحل يصيدون الأسماك والأطيار، وهم عائشون أحراراً موطنهم العالم كله إذا أرادوا ذلك وفراشهم الأرض وغطاؤهم السماء. إنهم قبيلة تلئهة حياتها في الشمس والهواء، وها هم أفرادها بين أطفال وشيوخ ونساء وفتيان وفتيات قد كونوا شبه دائرة وأخذوا يرقصون حول نار مشبوبة يتصاعد لهيبها حيناً أفقياً وحيناً تعبث به الرياح. إنهم مجهولون وقد أسفرت النساء منهم عن أذرع كالأبنوس وصدور كالليل فلاحت النهود السوداء.
تعروا رجالا ونساء فألقوا بأنفسهم للاستحمام معاً الماء فامتزجت أصوات البشر الصادرة من صدورهم بهدير الأمواج. ورددت الريح الهابة صدى صنوج وغناء فتوقفت السحابة النارية في الفضاء فصاح بها صوتُ خفي: إلى الأمام. .
مصر كبساط من سندس زاه منعكسة عليه شمس كالذهب الأصفر وكل ما فيها وديان. يغازلها في الشمال بحر بارد وفي الجنوب رمل محرق وهي ضاحكة بينهما ضحك السعادة والاطمئنان.
هناك ثلاثة شواهق مثلثة الزوايا أقامها الإنسان وهي تدهش البصر، وقد مزقت رؤوسها الجو، وتجمعت حول قواعدها الرمال وإلى جانبها إله من الحجر الوردي اللون قد آل على نفسه حراستها لئلا تهب ريح سموم كاللهب فتضطرها إلى أحناء الرؤوس. وهناك مسلات منصوبة ونيل هادئ منساب تحركه نسمات تدفع الزوارق نحو مدينة تلامس منازلها الماء
стр. 599
سلطانة الكواكب متهادية نحو الغرب، خالعة على المدينة ثوباً من الورد، وقد داعب النسيم الماء العذي فطرقت مسامع مصر تنفسات عشيقها النيل الذي جعل يرنو بعينه الدامية إليها وهي منارة الأمصار. هوذا سلطان منير قد طلع يتهادى في فضاء فسيح صافٍ لا تشوبه سحابة وأخذ يتبع آثار مصدر نوره كما يتبع العشيق خطوات معشوقته مستعداً منها سعادة تدوم ما دام لم يكن هناك احتكاك.
سألت السحابة قائلة: أين أقف؟ فأجابها صوت اهتزت له الأرض: ابحثي.
الأرض كجمرة تتأجج ولا تشاهد العين سوى رمال يذرها هواء ملتهب وهي رمال تبدو حيناً شامخة كالجبال وتظهر حيناً منبسطة كالسهول فنحن أذن في الصحراء التي تجتازها قوافل الجمال ولا يعرف منعزلاتها الندية سوى الله. وهي صحراء كبحر يتصاعد الدخان منه وزبد أمواجه تراب من النار. فسألت السحابة أأحول هذه الأتون المترامي الأطراف إلى بحيرة تخترقها الأفلاك؟
فأجابها صوت من السماء:
إلى الأمام! إلى الأمام!
هذه بابل ذات القلاع المتهدمة، بل هذه هي المدينة العظيمة التي انبثقت منها مفاخر الفتوحات ولكنها خرب وانهارت فارتسمت أظلال الأطلال ذات المنظر المؤثر على أربعة جبال تحيط بها أحاطة السوار. بل هذه هي الدائرة التي أقيمت فيها سلم يرقى بها إلى السماء. ولكن السلم
стр. 600
حطمت فأصبح لا يسمع في تلك الأطلال سوى فحيح الأفاعي وزئير ملوك الغابات، ولا يرى حولها غير النخيل المحلقة في جوانبه العقبان.
فسألت السحابة: أأجهز على هذه البقايا؟. . فأجابها الصوت السماوي: إلى الأمام! إلى الأمام!.
فاندلع منها لسان ناري كان لاندلاعه دويُّ كقصف الرعود وقالت: إلى أين المساق؟.
هاهما مدينتان تناطح قصورهما الجو ويتخلل طرقها وساحاتها الحدائق فتعبث النسمات بأزهارها ورياحينها فيمتزج شذاها العطر بزفرات دنسة صادرة عن أجسام وطئ ذووها الفضيلة بقدم الرذيلة فقتلوها في نفوسهم قتلاً فاستسهلوا تضحية الطهارة للعار والعفاف للشهوات، فباتوا عرايا تحت تأثير هزات الحب، سكارى بخمرة الوصل، فيا أيتها المدينتان الجهنميتان المندفعتان في لجج الأهواء، الخالعتان عنهما أكليل الكمال، الدائبتان في إيجاد سافل المسرات إنكما وصمة المدن ومصدر دنس للأمم جمعاء.
ها نجمة الصبح قد أشرقت متلألئة في سماء مكفهرة الأفق، والمدينتان في سبات، إذ قد انقطعت ضوضاء القبلات وهمدت النفوس وانعكست أشعة القمر على أجسام منطرحة على الثرى وهي جامدة كالجثث لما حل بها من العياء، فأخذ الهواء من جوانب سادوم متجهاً نحو عاموره وللحين حجبت السحابة السوداء السماء، فقال لها القائل العلوي بصوت يصم الآذان. هنا! فانفجرت السحابة انفجاراً ذا دوي هائل، واندلعت
стр. 601
السنة النار اندلاعاً، وهوت على قصور تناطح السماء، فتحولت المدينتان إلى أتون متسعر ذي لهب قاتم يزعج النفوس واستفاق الأهلون الذين لم يفكروا هنيهة في الله، وأصوات الدماء توجف القلوب وانهيار الجدران يروّع الأسماع، فاندفعوا في الطرق المتقدة والذعر آخذ منهم كل مأخذ، فصارت الأجسام إلى بقايا سوداء.
هوذا الملك يشرف من قصره والكاهن من معبده والرجل والمرأة من مخدع غرامهما الدنس، ولكن كيف السبيل إلى الفرار والنار المضطرمة تلتهم وتدمر. فقل أذن أن الجحيم قد انفتح لابتلاع الأرض وما عليها من مبان وإناس.
لم تبق النار على شيء
وعبثأً حاولوا استمداد الآلهة فإن يد الله قد ضربت فسحقت الإنسان مع الصخر، ولا شت العشب وجففت الماء، وحولت عواصف تلك الليلة الرهيبة رواسي الجبال من حال إلى حال
هناك سواد منتشر في الأرض وفي السماء
هناك الآن صخور قاحلة جرداء لا يكاد ينبت فيها عشب حتى يصفر ويذبل ويموت، فإن الهواء الذي يهب في تلك الأرجاء يلهب ويحرق.
لم يبق للمدينتين من أثر. ولم يدع الماضي لعبرة الحاضر والمستقبل سوى بحيرة مرة تغلي كمرجل لذكرى نار السماء
تعريب حنا صاوه
فيكتور هوجو
стр. 602
جرائدسوريا ولبنان
أصبحت الجرائد العربية كثيرة في سوريا ولبنان. فلا يمر بنا أسبوع إلا نقرأ فيه عن صدور جريدةٍ جديدة لكاتب جديد.
ولا يخفى أن الإنسان لا تمكنه الأحوال من مطالعة الجرائد كافة لأنه لا قبل له بالاشتراك فيها بأسرها ولو كان موسراً كثير المال
ولما كان لي نزعة خاصة إلى مطالعة الجرائد والمجلات العربية فقد أحببتُ أن أعرف الأخوان بالصحافة والصحافيين في سوريا ولبنان. جاعلاً بين الفريقين صلة تعارف ورابطة أخاء.
فقسمت الصحافة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول الجرائد اليومية والقسم الثاني الجرائد الأسبوعية والقسم الثالث المجلات الشهرية والنصف شهرية.
ولما كان ذرعي يضيق عن مطالعة الجرائد جمعاء فقد ذكرت في هذه السطور أهم الجرائد التي أقراها دائماً، فإذا أغفلت جريدة فلأنني لم اقرأها طويلا. أو لأنني سمعت باسمها فقط. فعذراً من أصحاب هذين القسمين:
١ - الجرائد اليومية
١ً: الأحوال بيروت: صاحبها سابقاً خليل البدوي وأصحابها حالا رعد وبوبز. هي الجريدة الوحيدة التي تصدر في كل البلاد العربية مرتين في النهار. كاتبها سليم العقاد. هو أعرف المحررين بأسرار الصحافة.
стр. 603
تكثر هذه الجريدة من التلغرافات والأخبار المحلية. لهجتها مسيحية. تدلي إلى تخرب. جرئية في انتقادها الموظفين والمأمورين.
٢ً: لسان الحال بيروت: صاحبها خليل سركيس. هي جريدة المعندلين. كاتبها رشيد عطية اللغوي المدقق. قراؤها التجار والكهول. آراؤها السياسية على خطة واحدة فهي نسخةٌ من الطان والليفانت هوالد هي سائرة على قاعدة القديم على قدمه أما في الانتقاد فهي والأحوال على طرفي نقيض.
٣ً: المفيد بيروت: صاحباها عبد الغني العريسي وفؤاد حنتس. يساعدهما في الكتابة أحمد
صلاح الدين. هم ثلاثة أشخاص في روحٍ واحدة. جريدتهم جريئة. ولها مواقف تشهد لها بحبها للعرب. وهي الجريدة البروتية الوحيدة التي تقرأ في الاستانة بروية واهتمام. فمنزلتها في بيروت منزلة طنين في الاستانة. قراؤها عديدون. وأكثرهم من ناشئة المسلمين.
٤ً: النصير بيروت: صاحبها عبود أبي راشد. محررها سعيد عقل الداموري. كاتب وشاعر معاً. هو سركيس بيروت. حركة دائمة. وأسرع كاتب في تسقط الأخبار، وخصوصاً اللبنانية. تطبع كل يوم مضاعف بعض الجرائد اليومية. هي تمثل صوت الشعب كما أن لسان الحال يمثل مشيخة الشعب.
٥ً: الرأي العام بيروت: صاحبها ومحررها طه مدور. جريدتهُ
стр. 604
مندفعة كثيرة الانتشار بين الشبيبة المسلمة. تريد أن تسبق المفيد. والمفيد لا يشق له غبار - محالفته ثلاثية - يغمس صاحبها قلمه في سويداء قلبه. فهو يكتب ليفيد أكثر مما يستفيد.
٦ً: الاتحاد العثماني بيروت: صاحبها الشيخ أحمد طباره. هي عند المسلمين كلسان الحال عند المسيحيين، لها برقيات خاصة - والمفيد أيضاً - وخطتها سائرة مع الزمان.
٧ً: حديقة الأخبار بيروت: هي الجريدة الأولى التي تأسست في سوريا بفرمان سلطاني في ١ ك ٢ يناير سنة ١٨٥٨. منشئها المرحوم خليل الخوري الشاعر الشهير. وقد تحول امتيازها لعهدة أخيه وديع الذي يحررها. مادتها ضعيفة. أخبارها وتلغرافاتها منقولة.
٨ً: الثبات بيروت صاحبها اسكندر الخوري. رئيس تحريرها خليل زينيه، وهو شيخ المحررين، وأخفهم روحاً وأطولهم باعاً.
والثبات هي الجريدة البيروتية الوحيدة التي تصدر عند الظهر. أما بقية الجرائد اليومية - ما عدا أحوال المساء - فإنها تصدر صباحاً إلا يوم الأحد. أما جريدة المفيد فإنها تصدر الأحد وتحتجب الجمعة.
٩ً: المقتبس دمشق: صاحبها محمد كرد علي، مؤرخ مدقق وكاتب سريع الخاطر. يهتم بشؤون المسلمين اهتماماً شديداً. قوة الجريدة متوزعة بينها وبين المجلة.
١٠ً: العصر الجديد دمشق: صاحبها المحامي ناصيف أبو زيد. تختلف جريدته ارتقاءً وترتيباً باختلاف كتاب العصر فيها فقد تولى
стр. 605
إدارتها عيسى إسكندر المعلوف فجرجي
الحداد وسليم العنحوري فاسكندر المرحالا. فالعصر في دمشق الشام كالصدق المحتجب في بونس إيرس.
١١: الكائنات دمشق: صاحبها أديب نظمي. كاتب كبير. في إنشائه رقة وسلاسة. وفي نفحةٌ من مفحات الأديب ولو لم يكن. في دمشق العصر الجديد المسيحي والمقتبس الإسلامي لكان لهذه الجريدة شأنٌ يذكر في أرض الشآم.
هذه هي أهم الجرائد اليومية ومن وصفها ترى أن فيها المتطرفة والمعتدلة والمحافظة.
حليم إبراهيم دموس
وسيأتي الكلام عن الجرائد الأسبوعية والمجلات
من كل حديقة زهرة
تبلغ قيمة الأشجار المغووسة في شوارع برلين مليون مارك وعددها ٤٥ ألف شجرة مزروعة في ثلثمئة شارع. ولدى المجلس البلدي ٢٥٠ بستانياً و٧٠٠ مساعد لخدمة هذه الأشجار والحدائق العمومية. وثلاثة أرباعهم من النساء.
من عادات اليابانيين في أعراسهم أن العروس توقد ليلة زفافها مشعلا وتقدمه إلى خطيبها وهو يتناوله ويحرق بناره الألعاب التي كانت للفتاة في صباها.
في روسيا عدد كبير من البوليس السري. ولا يقل عدد النساء المنخرطات في هذا السلك عن ألفي امرأة. ويبلغ رواتب البعض منهن
стр. 606
خمسين ألف فرنك. فكيف يقال أن المرأة لا تحفظ سراً.
أكبر مدفع ٍ في العالم موجود الآن في قلعة كرونستاد روسيا وقد صب في معامل كروب الشهيرة. ووزن قنبلته ألف ومئتا كيلوغرام وهو يقذفها إلى مسافة ١٩كيلومتراً ويكلف كل طلق من طلقاته ٧ آلاف و ٥٠٠ فرنك.
ثبت أن ميكروب السل لا يتسرب إلى لبن الماعز فهو خير لبن يغذى به الطفل المحروم من لبن أمه.
في ولاية ميشيغان تبيع الحكومة رخصاً بحيز لصاحبها أن يسكر متى أراد وحيث أراد دون أن يتعرض له البوليس كما تباع رخص الصيد وغيرها.
لا غنى للإنسان عن الملح ويجب أن يأكل منه ١٥ غراماً على الأقل و٣٠ على الأكثر.
يقول الفلكي الأميركي ولد مركمبغرت أن النجم الذي سار وراءه المجوس إلى بيت لحم لم يكن إلا مذنب هالي.
لدى إنكلترا أسطول من زوارق الصيد يبلغ ٢٦ ألفاً و٥٠٠ زورق يركبها مئة وستة آلاف صياد.
تفتخر السيدة سارة برملي من بوننجهام في انكلترا بأنها أكبر نساء العالم سناً. فإن لها من العمر ١١٢ سنة وقد عاشت في ثلاثة قرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين لأنها ولدت سنة ١٧٩٩.
стр. 607
عشرة أعداد الزهور
صدر في السنة الماضية اثنا عشر عدداً من الزهور في ٥٦٠ صفحة. ولما كان العدد الكبير من المشتركين يغيرون محل إقامتهم في شهري الصيف حدث تبلبل في توزيع المجلة وفقد منها أعداد كثيرة، ولذلك رأينا أن نوقفها في شهري الصيف مصدرين منها عشرة أعداد بدلاً من الاثني عشر. ولكي لا يخسر القراء والمشتركون شيئاً زدنا عدد صفحات الأعداد كما ترى ذلك الآن حتى تبقى مجموعة العشرة أعداد ٥٦٠ صفحة كمجموعة الاثني عشر عدداً. وخصصنا هذه الزيادة برواية شهرية تصدر في كل جزء إجابةً لطلب الكثيرين.
стр. 608
أزهار وأشواك
مات محمد العبد الأديب المعروف بشعره الطلي، وزجله اللطيف، المشهور بلونه الأبنوسي القاتم الذي كان يعد لون عنترة معه بياضاً ناصعاً، مات إمام، فكان لمنعاه رنة أسف وحزن، لأنه عاش بائساً ومات بائساً، وكان يلقب نفسه في حياته إمام البؤساء ورئيس حزبهم وقد تطوع في هذا الحزب الكثيرون من الأدباء واقروا له بالرئاسة والإمامة. وله ولهم في هذا الموضوع قصائد جميلة تناقلتها الصحف. نظم إمام في موضوعات كثيرة ولكن الفكرة السائدة في شعره هي الأنين والشكوى من الزمن. فقلما تطالع له بيتاً ولا ترى الدمع نافراً من حروفه ولا تسمع الزفير متصاعداً من تفاعيله. وكانت له طريقة في إنشاد الشعر تشبه الندب والرثاء. ولكنه كان مع ذلك خفيف الروح لطيف المعشر لا يمل جليسه له حديثاً، وله في الإشارة إلى لونه نوادر ونكات ظريفة منها جوابه المشهور لمن سأله عن امتناعه عن الزواج وهو ذلك البيت:
أنا ليلٌ وكلُّ حسناء شمسٌ ... فاجتماعي بها من المستحيل
لقيته يوماً وقد شدَّ عنقه بربطة حمراء فسألته عن السبب فقال: ليعرف الناس أين ينتهي جسمي وأين يبتدئ رأسي وكنت ماراً صباح يوم قرب البوستة فلقيت أماماً في قهوة كان يكثر التردد إليها فقال: هل لك في سماع شيء من الشعر؟ - فقلت: هات - قال: أجببت أمس أن أحذو حذو زميلي وابن لوني عنترة العبسي فظمت أبياتاً في الحماسة. . وتلاها علي فإذا هي تهديد للأعداء وتغزل بالردينيات
стр. 609
والمشرفيات وتغني بخوض غمرات القتال، فقلت له: سبقت والله فارس بني عبس فكأنك رضعت من لبن المعامع وربيت بين السيوف والرماح فقال: ومع ذلك ألا ترى الجبن والخوف متجسمين في كل بيت فأجبته: لا أفهم إلى ما تشير فقال اسمع، بينما كنت أنظم هذه الأبيات ليلة أمس إذا بحركة بدت من ناحية النافذة فارتعدت فرائصي خوفاً، وكاد لبي يطير شعاعاً، ولم يكن ذلك ألا قطة جارتنا قفزت من كوة الدار. . . .
وكان إمام بعيد الشهرة في سوريا وأميركا وكان يراسل عدة جرائد وقد أحرز بعض جوائز مالية في سباقات فتحتها صحف تلك البلاد. وسيكون لنعيه أسف هناك كما كان له هنا. ولكن ذلك لا يجديه نفعاً بعد مماته، كما أن شهرته لم تدفع عنه بؤسه في حياته. وهكذا يعيش ويموت الأديب في الشرق: كحصاة تلقي في الماء الراكد فتحدث بعض تموجات
سرعان ما تضمحل، وانتهى! ولم يكن إمام العبد ليشذ عن هذه القاعدة رحمات الله عليه. .
أم ولا كالأمهات
جرت هذه الحادثة منذ شهرين، في أيام الأعياد، ولم يتسن لي أن أقصها على قرائي وقارئاتي قبل اليوم، ليشاركوني في التلذذ بها، لأنها وأيم الحق لذيذة جداً، بل هي ألذ من حلوى العيد، أو أن ذوقي وجدها كذلك. . . دعاني أحد الرفاق مع صاحب الزهور لمناولة الطعام عنده، فأجبت الدعوة. وقضينا ساعات رائقة بين أكل مريء
стр. 610
وشرب هنيء وحديث عذب. وكان لصاحبي ولد يذهب ويجيء بيننا فرحاً مرحاً. ويعرض علي الألعاب التي أهديت إليه في العيد وهو معجب خصوصاً بلعبةٍ تدور بلولب خاص وتسير كأنها القطار البخاري. فقلت للولد على سبيل المداعبة:
أي متى يحملك الإعجاب بحركتها الخفية على كسرها؟
فالتفتت إلي الوالدة وقالت:
بالله عليك يا حاصد هلا سألته أي متى يحمله الدرس والاجتهاد على اختراع مثلها؟
وقف الولد عن كل حركة وحدق عينيه الجميلتين في عيني أمه كأنه يحاول أن يرى في تلك المرآة الصافية معنى ذلك القول الذي لم يدرك كنهه عقله الصغير وقال بكل سذاجه: الحق معكِ يا أماه. . .
قبلت الولد وانحنيت إجلالاً أمام تلك الأم الفاضلة. وقد ذكرني كلامها ما قاله قائد ألماني في خطبة كان قد ألقاها منذ أيام وجيزة: يا قوم أنتم في هذه المواسم تبحثون عما تهدونه إلى أولادكم، لا تفتشوا طويلاً، اهدوا إليهم سيوفاً وبنادق لتتربى فيهم روح الشجاعة والبسالة فينشأوا أشداء أقوياء. بل رأيت كلام هذه الأم الفاضلة أعقل واسمى من كلام القائد. ولما تركنا المنزل قال لي صاحب الزهور: عسى أن يكون وياشد ما تكون دهشة هذه الأم عندما ترى كلامها مدوناً في هذه الصفحة.
стр. 611
صلاة الحصان
للغربيين عطفٌ على الحيوانات يفوق عطفنا على إخواننا بني الإنسان. وقد ألفوا الجمعيات الكثيرة للرفق بالحيوان وانفقوا في هذا السبيل الأموال الطائلة لتخفيف أوجاع الحيوان غير الناطق. وقد ابتدعت إحدى هذه الجمعيات في الولايات المتحدة طريقة لطيفة للوصول إلى
هذه الغاية. فألفت صلاة دعتها صلاة الحصان وطبعت منها الملايين من النسخ وعلقتها في الشوارع والمحلات العمومية. وإليك نصها كما قرأتها في جرائد تلك البلاد:
بخضوع أرفع إليك صلاتي يا معلمي اطعمني وارو ظمأي. وبعد العمل والتعب امنحني فرصة للراحة في الإسطبل الخاص. بلغني أوامرك بالكلام لأن صوتك أفعل بي من اللجام والسوط. علمني وعودني العمل بتمام إرادتي. لا تضربني عند الركوب ولا تجذبني بسير اللجام عند النزول. وإذا أنا لم أفهم حالاً لا تسرع وتقبض على السوط بل أنظر جيداً إلى اللجام لعله يجرحني وإلى الحديدة التي في رجلي لعلها تؤلمني. وإذا رأيتني أعلك حديده اللجام انظر إلى أسناني. لا تقطع ذنبي لأنه سلاحي الوحيد، أُحارب به الذباب المحيط بي. يا معلمي العزيز إذا جعلني كبر سني ضعيفاً وعاجزاً فلا تحكم علي بالموت جوعاً، بل أحكم علي بالإعدام ذبحاً تخفيفاً لعذابي. وفي الختام سامحني لأجل هفواتي، وأقبل هذه الصلاة التي أرفعها إلى مقامك السامي بكل تقوى، آملا أن تحوز قبولاً. فأنني مولود حساس مثلك أستحق الشفقة والرحمة. آمين حاصد
стр. 612
رواية الشهر
مغارة العظام
١
أمسيكم بالخير يا جدعان
أسعد الله مساك يا سليم! أهلاً وسهلاً
كل عام وأنتم بخير
وأنت بألف خير. يا مرحباً بك. تفضل واجلس
وكان الداخل - سليم - فتى في مقتبل الشباب، تبدو على وجهه سمات السذاجة والقناعة، وهو لابس عباءةً قد التفع بها على زي القرويين في لبنان، متلثم بكوفية ترد عنه هجمات البرد وتكسب هيئته شيئاً من الشجاعة والإقدام. وعند دخوله انتصب الجميع واقفين ووضع كل يده اليمنى على صدره حسب العادة إجابةً للتحية. فجلس سليم القرفصاء في حلقة الإخوان والأصحاب، وهو يردد: تفضلوا، ربنا يحفظكم. . .
وكان قد جاء لقضاء السهرة مع زمرة من عشرائه في بيت أحدهم، وكانت الليلة ليلة رأس السنة. وقد جرت العادة في مثل هذه الفرصة أن يجتمعوا فيتداولوا الأحاديث المتنوعة والأخبار والنوادر. وكثيراً ما خالط أصواتهم رنة الأقداح، وطيبت أرواحهم بنت الراح.
فلما اجتمع شملهم في تلك السهرة خاضوا كل المواضيع. فتكلموا عن العام الجديد والأحوال الحاضرة، وعن المزروعات وبشائر الموسم، وعن العادات والتقاليد فأدى بهم الحديث بالطبع إلى ذكر الأيام الغابرة والأسف عليها والحنين
стр. 613
إليها. فقال: العم أبو حبيب وكان أكبر الجميع سناً.
لا يذهب يومُ ويأتي مثله. سقى الله أيام أجدادنا فإنها كانت أيام خير ومروه وشهامة.
وهكذا أخذوا يثنون على العصور الماضية وطفق كل يسرد ما رواه له أبوه وأجده عن أمور شتى ونوادر متنوعة وخصوصاً ما يتعلق بالبسالة والبأس وقوة الجنان. هذا وسليم صامت لا ينطق بحلوة ولا مرة. على أنه كان يتأفف في قلبه من الحط من شأن رجال اليوم وإقدامهم. فاعترضهم أخيراً قائلاً:
بارك الله في همم الرجال: لا تظنوا أن النخوة قد تلاشت أو أن الشجاعة قد فقدت من
صدورنا. وما أيامنا إلا كأيام من تقدمنا. وفي كل عصرٍ رجالٌ لا يهابون الموت إذا تمثل لهم، وآخرون يخشون ظلهم إذا انعكس في ضوء القمر.
فاشتد حينذاك الجدال وأدى إلى التحزب للماضي أو الانتصار للحاضر. وجاء في عرض الكلام ذكر مغارة العظام وخوف الناس من المرور بجانبها، فقال أحد الحاضرين لسليم:
إذا كنت يا صاحبي كما تدعي لا تقل شجاعةً وبأساً عن أبائك وأجدادك. هل لك أن تقصد مغارة العظام في مثل هذه الساعة فتدق فيها وتداً؟
أدق وتداً وآتيكم بجمجمة. . . قال سليم ذلك ببعض البساطة الدالة على ثبات جنانه.
فوقع كلامه على الحاضرين موقع الدهشة. لأن المكان المذكور كان قفراً، قد انتصبت فيه صخور جرداء، لا نبات هناك ولا أثر للحياة، وكان في منعطف ذلك الموضع مغارة واسعة ألقيت فيها من أمدٍ مديد عظام وجماجم كثيرة فأكسبتها اسمها ومغارة العظام وكان ذلك القفر مخيفاً رهيباً. وإذا اضطر بعض القرويين للمرور به نهاراً يسير وجلا مذعوراً ويهرول دون أن يحول نظره إلى تلك المغارة المشؤمة
стр. 614
وهو يكثر من ذكر اسم الله العظيم مستعيذاً به من شر الأبالسة والجن. أما في الليل فما كنت تجد من يتجرأ على المرور من هناك ولو ملكته كل أملاك القرية لأن السكان كانوا يزعمون أن أرواح الموتى تطوف ليلاً في ذلك المكان، فيا ويل من يراها أو تراه.
ولذلك أحدث جواب سليم دهشة في الحاضرين، فنسبوا كلامه في بداية الأمر إلى المزاج أو الإدعاء. لكنه اتبع القول بالفعل وقام للحال فالتفع بعباءته وتلثم بكوفيته وقال: على الله الاتكال وخرج والجميع في حيرة من أمره.
٢
في بيت منفرد عن بيوت القرية فتاة يتيمة اسمها تعيش وحدها مع جدتها العجوز وتكتسب قوتهما بعرق جبينها من غزل القطن وتسليك الحرير.
وكانت الفضائل قد زينت روحها كما أن الطبيعة قد زانتها بالجمال واللطف المقرون بالشجاعة وليس ذلك بالشيء النادر بين القرويات.
وكان قد خطبها شاب يتيم مثلها ومكمل الصفات مثلها وهو صاحبنا سليم الذي عرفناه في مطلع هذه الرواية فأقسمت له أن تحفظ عهده وتصون وده، وعاهدها هو على مثل ذلك.
فكان الحب بينهما متبادلاً.
وكان إبراهيم عبد الله أحد الشبان المعروفين بسوء الأخلاق ولؤم الطباع قد فتن بهوى سلمى وأخذ يزاحم سليماً في حبها. ولكنها لم تكن تلتفت إليه. وكثيراً ما حاول أن يستميلها تارةً بالوعد وطوراً بالوعيد فلم تكن ألا لتزيد نفوراً منه. وقد علم خطيبها سليم بواقع الأمر فلم يكترث له لأنه كان واثقاً بمقدرته وفضله على إبراهيم ومكانته من قلب خطيبته. سيما وأنه يعرف في قرنه الوهن والجبانة فكان يعرض عنه ازدراء أو شفقة.
وقد جاء سليم في أول تلك السهرة ليلة رأس السنة فزار خطيبته. وقدم
стр. 615
لها ولجدتها الهدايا البسيطة في ذاتها العظيمة بما قارنها من عواطف حبه. واتفق أن دعيت الجدة ليلتئذٍ إلى بيت كانت صاحبته مشرفة على الولادة، فلبت الدعوة عملاً بالواجب المرعية حرمته بين القرويين، وإذ ذاك لم يسع الشاب إلا الرحيل أدباً ولياقة، فسار قاصداً حلقة الأصحاب للسمر معهم فكان من أمره معهم ما عرفناه.
وبقيت سلمى وحدها تتسلى بذكر خطيبها، وإذا بالباب قد فتح فجأة ودخل إبراهيم عبد الله وهو في منتهى التهيج. فإنه كان يترقب فرصة يخلو له فيها الجو. فطال انتظاره حتى عيل صبره وكاد يقطع الأمل لو لم تواطئه الأيام وتمهد له السبيل في هذه الليلة. ولما دخل صاح بالفتاة والآن. . . . وهجم عليها. ففرت من وجهه ولجأت إلى زاوية البيت فتبعها. ولما ضاق بها المكان ولم تجد لنفسها مناصاً رجعت إليه لتدفعه، فوقع نظرها على خنجر في منطقة، فانتشلته بأسرع من لمع البرق وصاحت إليك عني وإلا قتلتك وكان التهيج والغضب قد أخذا منه مأخذهما حتى كاد يفقد رشده، فهجم عليها. ولكنها قابلته بطعنة خرقت أحشاءه. فوقع على الأرض صريعاً يتخبط بدمه ولم يلبث أن فاضت روحه الخبيثة.
وحينئذٍ اضطربت الفتاة واستولى عليها الذعر من هول هذا المشهد ونظرت إلى السماء نظر الخائف المستغفر ولسان حالها يقول: يا إلهي أنت الشاهد على غدره، لم يكن لي وسيلة أخرى لصيانة شرفي. أنا برئية يا إلهي.
ولكن إذا كانت بريئة في عين الله فكيف يعلم البشر براءتها وكيف يصدقون كلامها؟ وماذا عسى أن يكون من أمرها وكيف العمل للخروج من هذا المأزق الحرج. . . لم تجد سبيلاً إلا مواراة الجثة وكتمان الأمر خشية الفضيحة والهوان، ولكن ما الحيلة ومن يكون
نصيرها وسليم غائب، وجدتها بعيدة عنها، وكيف الوصول إليهما دون أن تتنبه الظنون.
دارت كل هذه الأمور في رأس الفتاة واستولت الحمى على دماغها المضطرب
стр. 616
فلم تر إلا أن تستجمع قواها وتتكل على شجاعتها فتقوم وحدها بستر أمرها. فعمدت إلى الجثة ووضعتها في كيس وحملتها على ظهرها وقد ضاعف الرعب قواها وسارت قاصدة مغارة العظام لتواريها هناك.
٣
وصلت المغارة وقد أنهكها التعب فتقدمت وهي ترتعد خوفاً ورعباً، وكان لأقدامها وقع مروع يرن في أذنيها كصوت قضاء رهيب. وقد حجبت الغيوم المتلبدة في كبد السماء وجه القمر الساري فساد على تلك الأطلال ظلامٌ مدلهم ترتعش من هوله الأبدان. تقدمت الفتاة وهي تعثر تارةً بجمجمة وتارة ببعض العظام المتراكمة فيزداد اضطرابها ورعبها. ولما وصلت إلى الداخل أخذت تعمل على مواراة الجثة تحت كومة من العظام إذ طرق مسامعها وقع أقدام على باب المغارة.
فانتفضت مذعورة وقد أخذتها القشعريرة. فحولت نظرها إلى الخارج فتراءى لها خيال قائم أمامها يتقدم ببطء وهدوء ورأت نفسها وحدها في هذا المكان المخيف، ولا مجير ولا معين، فافتكرت: آه لو كنت هنا يا سليم ورأيت في أي حال أصبحت تلك التي قادها حبك والاحتفاظ بعهدك إلى هذا المكان في مثل هذه الساعة.
ثم ما لبثت أن عاد إليها الجلد بعد أن استعانت بالله، فعمدت إلى العظام والجماجم المحيطة بها وأخذت تقلبها بعضها على بعض، فأحدثت قرقعة مخيفة رددتها جدران المغارة، وتواتر بها رجع الصدى. وكانت سلمى ترمي من وراء ذلك إخافة الطارق في مثل هذه الساعة. فلم يخطئ ظنها لأن الخيال وقف برهة كمن داخله الخوف. لكنه عاد فأخذ يتقدم إلى الأمام شيئاً فشيئاً، وسلمى واجفة لكنها تزيد في قرقعة العظام.
٤
ولم يكن الداخل إلا سليم، فإنه جاء قاصداً مغارة العظام ليأتي بالجمجمة التي راهن
стр. 617
عليها رفاقه. فلما وصل وقف عند الباب وسرح بصره في الداخل، فلم ير شيئاً من اشتداد الظلام، فتقدم قليلاً فسمع تلك القرقعة في المغارة، فأول حركة بدت منه الرجوع إلى الوراء، لكنه
نفى عن مخيلته ما تصوره حلماً وتقدم وهو يظن أن أذنيه اسمعتاه شيئاً وهمياً. . . ولكن زادت الضجة. . . لا محل للريب، إن في المغارة أحداً. . . أمن عداد الأحياء وأم من عالم الأموات. . .؟ تقدم بضع خطوات، والقرقعة تزيد كأن الأبالس حلفت أن تقلق راحة هذا المكان: ولكن لابد لسليم من أن يأخذ جمجمة ويقوم بوعده ولو خرج الشيطان بنفسه ليحول دون مبتغاه.
فما زال يتقدم. وحينذاك انجلى القمر قليلاً فتراءى للشاب منظر هائل: جثة منتصبة أمامه تتقدم نحوه ووراءها يلوح خيال لم يتميزه. . . ثم انبعث من وراء الجثة صوتٌ يلقي الرهب في القلوب: يا من لا يخاف من الأحياء ارتعد أمام الأموات، فأوجس سليم خيفة مما رأى وسمع، وكاد يطير فؤاده روعاً. لكنه ما برح يتقدم كمن تجرهُ قوة جذابة، فما شعر إلا وقد سقط عليه شيء ثقيل بارد، ولم يكن ذلك غير الجثة، فصرخ بسم الله. . . . واستل خنجره، فأجاب صوتٌ ضعيف: استرني أيا كنت يسترك الله.
وكان القمر قد سطع بكل جلاء فأضاءت المغارة ومن فيها، فعرفت سلمى الخيال الداخل عليها، وعرف سليم الشبح المنتصب أمامه، ففتح ذراعيه وهتف:
أنت هنا يا سلمى. . .!
حفظاً لعهدك يا سليم. . .!
وأشارت إشارة معنوية إلى جثة مزاحمه المطروحة على قدميه بين العظام والجماجم ففهم كل شيء
стр. 618
العدد ١٣ - بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩١١
كل مياه البحر
لا تغسل الأدران التي تعلق بقلب الفتى من سوء التربية
لو شئنا أن نورد ما قاله الفلاسفة والشعراء والكتاب وأساتذة الاجتماع عن الولد، ذلك المخلوق الطاهر، لضاقت عن ذكر بعضه فقط المقالات الطوال. فإن الولد كان ولم يزل موضع عناية كل من اهتم بخدمة بني الإنسان وترقية شؤونهم، لأن هؤلاء الأطفال هم الحجارة التي نعدها لبناية الغد. وبقدر ما نسعى في صقلها وحسن وضعها يجيء وضع بناية مستقبلنا جميلاً متقناً. فمهنا كتبنا وسطرنا في هذا الموضوع الجليل لا نكون وفيناه حقه من الاهتمام.
ريع الجميع من كثرة القضايا التي تعرض على المحاكم بشأن التعدي على آداب الأولاد وهتك حرمتهم وتسطير حروف الفحشاء على صحيفتهم التي كانت بيضاء ناصعة، فعادت وقد مرت عليها يدُ المنكر فذرة سوداء. وقد زاد هذه الحوادث شناعةً وفظاعة أن أبطاها المشؤمين هم ممن يطالب منهم أكثر من سواهم السهر على نور الآداب لئلا تطفئة أهواء المفاسد.
стр. 619
ثم أنهم اتخذوا فريسة لنار شهواتهم أغصاناً رطبة ناضرة.
وإذا كانت هذه الأعمال تشجب وتستنكر وهي تكون برضى الفريقين فكيف يعبر عنها حين تتم قسراً وعنوة مع من لم يبلغوا سن الرشد ولم يعرفوا من لذات هذه الدنيا إلا قبلات أم حنون، ومن آلامها إلا الحرمان من لعبة أو تأنيب والد شفيق.
فهل بعد ما نرى ونسمع صباح مساء يمل القراء لو طرق الكتاب موضوع الآداب مراراً وأكثروا من الحض على التربية وهي المصل الواقي الشافي من كل هذه الأوبئة؟ لا لعمري أن الواجب الأول على حملة الأقلام قبل التسابق في نشر الأنباء السياسية وإذاعة الاكتشافات العملية الجري والمباراة في هذا الميدان.
تتبدئ تربية الولد بين جدران المنزل وفي حجر العائلة بين الأخوة والأخوات حين تكون نفس الطفل كما قال عنها الشاعر اللاتيني هوراس كالشمع المرن تتكيف بالكيفية التي يريدها وليُّها ومن منا إذا تطلع في مرآة الذاكرة إلى تلك الأيام البعيدة لا يذكر كلمة سمعها أو حادثة شهدها كان لها أكبر تأثير على ضميره الأبيض ولا بياض السوسنة في الحقل،
وأشد وقع على قلبه الصافي ولا صفاء الماء المتدفق من الصخر.
ولكن ما أقل سهرنا على أولادنا وأكثر تغافلنا عنهم وهم في العقد الأول من العمر. انزل معي أيها الوالد إلى أي شارع شئت من شوارع المدينة وافتح هناك عينيك وأذنيك. تنظر ما تنبو منه عينك وتسمع ما
стр. 620
تنفر منه أذنك بل أنت لست بحاجة إلى فتح هذه وتلك فإن المشاهد المخجلة تلفت منك الأبصار قسراً، والكلمات البذئية تشق إلى أسماعك سبيلاً. بل علام أدعوك إلى ذلك وكثيراً ما تسمع وترى طفلك الصغير يأتي من الحركات ويفوه من العبارات بما يأبى القلم تسطيره، وذلك على مرأى منك ومسمع وأنت باسم له مشجع لعمله بسكوتك المذنب. . .
وعندما يبلغ الولد العقد الثاني من العمر ويصير يافعاً ينتقل القسم الأكبر من واجب تربيته عن عاتق الوالدين إلى عاتق المؤدب في المدرسة. ففي هذا الطور من العمر تتفتح أزهار النفس وتستعد لطرح ثمرها. فإن وجدت الأزهار هواءً نقياً وماءً طاهراً، جاءت نضرة زاهية. وإن لاقت هواءً ساماً وماءً فاسداً، جاءت ذابلة قبل الأوان. فترى الشاب شيخاً هرماً ويا تعس من كان هذا شبابه. . .
وفي هذا العمر تزداد مهمة متولي التربية أهمية بازدياد الأخطار المحدقة باليافع: أخطار داخلية لأن عقله بات يفهم ما لم يكن يفهمه وقلبه أصبح لعبة في تيار الأهواء النفسانية، وأخطار خارجية لأن هناك عشراء السوء يضعون يدهم بيده للسير في طرق الضلال؛ ودواعي الفساد تحدق به من كل جانب وتتنازع إرادته الضعيفة التي لم تتقو في نار الاختبار ولم تتصلب في خبرة الدنيا والناس.
وما عسى أن يكون مصير الفرد الذي ألقيت بذرة الرذيلة في قلبه طفلاً، ووجدت من يتعهدها ويعمل على إنمائها في صدره يافعاً. .؟ إلا أن مصير هذا المسكين لا محالة إلى أدنى هوات الانحطاط الإنساني.
стр. 621
وهيهات أن يقبض الله له يداً فيها من القوة ما يكفي لانتشاله من هذه الوحدة. وإذا أسأنا تربية أولادنا فلا نعجب لكثرة الجرائم وتعددها بل فلنعجب لأنها لم تبلغ أضعاف ما نحن سامعون.
فلنجعل أذن شؤون التربية نصب أعيننا فلا ندخر وسعاً لأبعاد الأولاد عن كل أسباب الفساد
فنحفظ لهم حياة النفس والجسم. وعلى نظارة المعارف أن تزيد سهراً وتيقظاً في تعهد معاهد العلم، فتطهرها من حين إلى حين لئلا تنمو فيها ميكروبات أوبئة الآداب. وعلى رجال البوليس أن يحافظوا في الشوارع على حرمة الآداب فلا نسمع في غدواتنا وروحاتنا تلك الألفاظ البذيئة التي تعلو في الطريق على كل صوت. . .
تشكلت جمعية رعاية الأطفال بهمة بعض الأفاضل الغيورين على مصالح بلادهم فأخذت تعمل بجد ونشاط لوقاية الأطفال ودرء الأمراض والعاهات عن أجسامهم النحيفة، فنعم ما فعلت.
واهتمت الحكومة بوضع قانون يتعلق بتشغيل الأحداث واضعة نصب أعينها في سن هذا القانون صحة الولد لئلا تذبل وتذوي بين جدران المعامل ساعة هي في طور نموها، فحبذا ما فعلت.
ولكن يتحتم علينا مع الاهتمام بشؤون الأولاد المادية أن نوجه اهتمامنا إلى شؤونهم الأدبية، فنعمل على وقاية القلب كما نعمل على وقاية الجسم. حتى يسلم هذا وذاك من الأمراض القتاله.
وعليه فيجب أن تؤلف جمعيات لهذه الغاية تأخذ على عاتقها الاهتمام بهذه المسألة الخطيرة وما هذا على من يحب أبناء جلدته بالأمر العسير.
стр. 622
وهكذا نكون أعددنا للمستقبل رجالاً أقوياء جسماً ونفساً، فيكسبون أمتهم قوة مادية وقوة أدبية تدفعها إلى مقدمة الأمم الراقية.
قال ألفرد ده موسه، وهو ذلك الشاعر الطائر الصيت الذي رشف كأس الملذات حتى الثمالة: يا ويل من يدع الفساد يتملك فؤاده. فإن قلب الفتى أشبه بإناء عميق. فإذا كان أول ماء يسكب فيه فاسداً فإن كل مياه البحر لا تكفي لغسله لأن هذا الإناء بعيد القرار وشائبة الفساد في قعره.
فلنجتهد إذن ليكون أول ماء نسكبه في قلوب أطفالنا نقياً من كل دنس، مستخلصاً من أجمل زهور الفضائل.
إيماءة زائر
إلى بعض ما باورشليم من المآثر تابع
المسجد الأقصى نعم قلت إني لا أتعرض لوصف تلك الآثار، غير أن قلبي لا يسمح لي أن أذكر أورشليم وأعرض عن ذكر الحرم فإنه أبدع ما رأيت حتى اليوم وقد عثرت في تاريخ ابن خلدون على ما أظن أن السواد الأعظم من القراء لا يعرفونه وهذا نص قوله:
وأما بيت المقدس وهو المسجد الأقصى فكان أول أمره أيام الصابئة موضع الزهرة، وكانوا يقربون إليه الزيت فيما يقربونهُ يصبونهُ على الصخرة التي هناك. ثم دثر ذلك الهيكل وأتخذها بنو إسرائيل حين ملكوها قبلة لصلاتهم. وذلك أن
стр. 623
موسى صلوات الله عليه لما خرج ببني إسرائيل من مصر لتمليكهم بيت المقدس كما وعد الله أباهم إسرائيل وأباه إسحق من قبله وأقاموا بأرض التيه. أمره الله باتخاذ قبةٍ من خشب السنط عين بالوحي مقدارها وصفتها وهيا كلها وتماثيلها، وأن يكون فيها التابوت ومائدة بصحافها ومنارةً بقناديلها وأن يضع مذبحاً للقربان. وصف ذلك كلهُ في التوراة أكمل وصفٍ، فصنع القبة ووضع فيها تابوت العهد. وهو التابوت الذي فيه الألواح المصنوعة عوضاً عن الألواح المنزلة بالكلمات العشر لما تكسرت ووضع المذبح عندها. وعهد الله إلى موسى بأن يكون هرون صاحب القربان. ونصبوا تلك القبة بين خيامهم في التيه يصلون إليها ويتقربون في المذبح أمامها ويتعرضون للوحي عندها. ولما ملكوا الشام وبقيت تلك القبة قبلتهم ووضعوها على الصخرة ببيت المقدس وأراد داود ﵇ بناء مسجده على الصخرة مكانها فلم يتم لهُ ذلك. وعهد به إلى ابنه سليمان فبناه لأربع سنين من ملكه ولخمسمائة سنة من وفاة موسى ﵇ واتخذه عمده من الصفر وجعل به صرح الزجاج، وغشى أبوابهُ وحيطانهُ بالذهب، وصاغ هيا كلهُ وتماثيله وأوعيتهُ ومنارتهُ ومفتاحه من الذهب، وجعل في ظهره قبراً ليضع فيه تابوت العهد وهو التابوت الذي فيه الألواح وجاء به من صهيون بلد أبيه تحمله الأسباذ والكهونية (كذا في الأصل) حتى وضعه في القبر. ووُضعت القبة والأوعية والمذبح كل واحد حيث أعد له من المسجد وأقام كذلك مما شاء الله ثم خربهُ بختنصر بعد ثمانمائة سنة من بنائه وأحرق التوراة والعصا، وصاغ الهياكل ونثر الأحجار. ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزير نبي بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس
الذي كانت الولاية لبني إسرائيل عليه من سبي بختنصر وحدَّ لهم في بنائه حدوداً دون بناء سليمان بن داود
стр. 624
عليهما السلام فلم يتجاوزوها. ثم تداولتهم ملوك يونان والفرس والروم واستفحل الملك لبني إسرائيل في هذه المدة ثم لبني خسمان (كذا في الأصل) من كهنّهم ثم لصهرهم هيرودوس ولبنيه من بعده وبني هيرودوس بيت المقدس على بناء سليمان ﵇ وتأنق فيه حتى أكملهُ في ست سنين فلما جاء طيطش من ملوك الورم وغلبهم وملك أمرهم خرب بيت المقدس ومسجدها وأمر أن يزرع مكانهُ. ثم أخذ الروم بدين المسيح ﵇ ودانوا بتعظيمه، ثم اختلف حال ملوك الروم في الأخذ بدين النصرانية تارةً وتركه أخرى. إلى أن جاء قسطنطين وتنصرت أمهُ هيلانه وارتحلت إلى بيت المقدس في طلب الخشبة على الأرض التي صلب عليها المسيح بزعمهم فأخبرها القساوسة بأنهُ رمي بخشبته على الأرض وأُلقي عليها القمامات والقاذورات فاستخرجت الخشبة وبنت مكان تلك القمامات كنيسة القمامة (كنيسة القيامة) كأنها على قبره بزعمهم. وخربت ما وجدت من عمارة البيت وأمرت بطرح الزبل والقمامات على الصخرة حتى غطاها وخفي مكانها جزاءً بزعمها لما فعلوه بقبر المسيح ثم بنوا بإزاء القمامة بيت لحم وهو البيت الذي ولد فيه عيسى ﵇. وبقي الأمر كذلك إلى أن جاء الإسلام وحضر عمر لفتح بيت المقدس وسأل عن الصخرة. فأري مكانها وقد علاها الزبل والتراب، فكثف عنها وبني عليها مسجداً على طريق البداوة وعظم من شأنه ما أذن الله من تعظيمه وما سبق من أم الكتاب في فضله حسبما ثبت.
ثم احتفل الوليد بن عبد الملك في تشييد مسجده على سنن مساجد الإسلام بما شاء الله من الاحتفال كما فعل في المسجد الحرام وفي مسجد البني ﷺ بالمدينة وفي مسجد دمشق. وكانت العرب تسميه بلاط الوليد وألزم ملك الروم أن يبعث الفعلة والمال لبناء هذه المساجد وأن ينمقوها بالفسيفساء فاطاع لذلك وتم بناؤها على ما اقترحه ثم لما ضعف أمر الخلافة أعوام الخمسمائة من الهجرة في
стр. 625
آخرها وكانت في ملكة العبيديين خلفاء القاهرة من الشيعة واختل أمرهم، زحف الفرنجة إلى بيت المقدس فملكوه وملكوا معه عامة ثغور الشام وبنوا على الصخرة المقدسة منهُ كنيسة كانوا يعظمونها ويفتخرون ببنائها حتى إذا استقل صلاح الدين بن أيوب الكردي بملك مصر والشام ومحا أثر العبيديين وبدعهم
زحف إلى الشام وجاهد من كان به من الفرنجة حتى غلبهم على بيت المقدس وعلى ما كانوا ملكوه من ثغور الشام، وذلك لنحو ثمانين وخمسمائة من الهجرة، وهدم تلك الكنيسة وأظهر الصخرة وبنى المسجد على النحو الذي هو عليه لهذا العهد. انتهى.
هذا وأما الذي أردت الإيماء إليه من بعض ما بأورشليم وبيت لحم من الصدقات الجاريات والمآثر الباقيات فهو المدرسة الصلاحية في القدس الشريف ومدرسة اليتامى العلمية الصناعية في بيت لحم.
أما المدرسة الصلاحية المعروفة بمدرسة القديسة حنة فهي مدرسة كهنوتية كبيرة متقنة البناء مجانية معدة لمائة وخمسين طالباً، ومدة الطلب فيها عشر سنين، لكنها مخصصة بمن يترشح لخدمة الله من طائفة الروم الكاثوليكيين دون سواها. وكلما انتهى فوج تستقبل فوجاً آخر. والقائمون فيها على إنارة العقول بالتعليم وتهذيب الأخلاق بالترويض رجالٌ ممن برزوا في حلبة الفضل وممن أخذوا السبق في مضامير العلم. إلاًَّ وهم إجلاء من الرهبان البيض الذين كأنما بياض ثيابهم ينادي ببياض سرائرهم. وقد تخرج في هذه المدرسة العظيمة الشأن عدة من الكهنة الذين تعتز بهم المنابر وتستنير بأقوالهم المجامع والمحافل ويفوح من آثارهم شذا الفضائل فإذا نظرت يا رعاك الله إلى ما تجني من العوائد الكبيرة طائفة يقوم على إرشاد أبنائها رجال من أهل العلم والصلاح من أمثال
стр. 626
هؤلاء عظم في عينك قدر منشئ هذا المعهد العلمي الحري بأن يُدعي (بيت النور والفضل) وجلت في نفسك همتهُ ولاح لك ضوء حكمته. ولاسيما متى اعتبرت سداد رأيه بتوسيده أمر التعليم والتربية والإدارة في ذلك المعهد إلى أولئك الرهبان الذين أفصى همهم أن يوقدوا مصابيح العلم ويبذروا بذور الفضائل ويزيلوا من أمام المجتمع الإنساني دواعي الشقاء ويكشفوا حنادس الجهل وناديت بأعلى صوتك يا رحمة الله أسقي قبر الكرديناك لا فيجري الذي دخل سورية محسناً وودعها محسناً.
وأما مدرسة البنين ببيت لحم فهي بناية بل بنايات هائلة عالية كأنها خطيب فصيح متبوئ منبر الثناء على همة رجل الفضل الذي أخذت آثاره من النفع بأوفر حظ، وضربت له من مجد العاجلة والآجلة بسهام لا بسهم. فقد زرت هذا المعهد الرحب الذي أسكرت منشئه خمرة الهيام بتعليم الصغير، واستغرقته لذة الغرام بتربية اليتيم، فرأيت فيه زهاء المائة من
الفتيان يتعلمون عشر صنائع من الصنائع اللازمة للبلاد ورأيت من مصنوعاتهم ما يشهد لهم بالبراعة والحذق في الصناعة وقد عرفوا بذلك حتى صار المتأنقون من أهل اليسار من الأطراف القريبة والبعيدة يستصنعونهم ما يحتاجون إليه.
стр. 627
وهم يتعلمون مع تلك الصنائع العشر ثلاث لغات الفرنجية والطليانية والعربية، ويلقى في أذهانهم من بذور التعاليم والآداب المسيحية ما أجمع الكون على أنهُ منبثق أنوار المدينة.
ثم أن تلك المدرسة مجانية تبذل لذلك العدد العديد من اليتامى كل ما يعوزهم من طعام وكسوة وكتب وأدوات صنائع ولا تطلب من تلك النفقة الباهظة عوضاً إلا وجه الله الكريم. فأولئك اليتامى وكل من اتصل به خبر هذا الأثر الجليل يقولون: رحم الله (الأب انطون بلوني) الذي أعلى للجميل معالمه وحمى مكارمهُ فلقد كانت أيامه أيام المبار والمحامد وأزمان المكارم والمآثر.
ومن حسن نظر هذا الغيور في عواقب الأمور أنه لما طعن في السن ووصل إلى عصر يوم الحياة خشي على هذا الميتم الكبير وسائر المدارس التي أنشأها في الناصرة وفي بيت جمال وفي كرم الزان أن تغلق أبوابها وتنضب ينابيعها فسلمها إلى من لا يألون جهداً في المحافظة عليها بل إلى من لا يصرفهم عن إنمائها وتوسيعها غرضٌ من الأغراض فهم جماعة من الآباء الساليسيان متجردون لخدمة الله بتعليم الأحداث والسعي لتخفيف شقاء الحياة (بيروت)
سعيد الخوري الشرتوني.
السنة الأولى للزهور
في الإدارة مجموعة الزهور للسنة الأولى مجلدة تجليداً متقناً وثمنها خمسون قرشاً صاغاً. ويضاف إلى ذلك أجرة البريد للخارج.
стр. 628
بين هدى وأدما
عود إلى تمدن المرأة العصرية
قرأت أدبية بيروت كلمتي بين هدى وأدما فأغضبتها وهي على ما هي عليه من لين العبارة ونعومة المعنى وقرأت ردها علي فأخذتُه بحلم وسعة صدر على ما فيه من القوارص والمغامز فكان غضبها وحلمي دليلين على نقيضين: ضعف النساء ورصانة الرجال.
قبل الموضوع لي ملاحظة:
أولاً: عتبت الآنسة أدما ورفيقاتها على صاحب الزهور لأنه وسع لمقالي صدر مجلته فهي إذن تريد أن يباح القول ويمنع عن فريق آخر، ويصدر الحكم لصالح الفريق الأول. فالداعي وإن لم يكن من القضاة ولا المحامين يرى أن استئثار خصم بالكلام دون الآخر يجعل البحث والحكم باطلين، وهي حقيقة بديهية ما كانت لتخفي على الآنسة أدما ورفيقاتها لولا ثورة العواطف. ولو أنهن رغبن بحرية الكلام وإباحته للخصوم لأثبتن رحابة صدرهن. أما الآن فقد سجلت السيدة أدما ورفيقاتها المندهشات على أنفسهن واحدة من تلك المميزات التي تؤكد ضعفهن وتكون حجة للرجال عليهن.
ثانياً: جاء في ردها فإذا كانت المرأة الآن كما تزعمون فلأنكم أنتم أردتموها كذلك يا معشر الرجال.
هنا قررت الآنسة الأديبة ضمناً أحقية دعوانا وسلمت أن المرأة هي
стр. 629
فعلاً كما وصفناها وإن حالها تستدعي العلاج العاجل لكنها ترى أن المرأة ما أصبحت هكذا إلا لأننا نحن أردناها هكذا.
معنى هذا: إن النساء ما هن إلا مخلوقات وجدن لإرضاء الرجل لا غير.
أيرضيك هذا الاستنتاج المنطقي يا سيدتي؟
ثالثاً: كتبت أديبة بيروت المتحمسة جداً ثلاث رسائل طالعناها بشغف وأثنينا على همة ونهضة ناسجة بردها إلا أن النقطة الوحيدة في الرسائل الثلاث هي أن في النساء فاضلات وأيدت ذلك بالحجج الدامغة، وأن في الرجال غير فاضلين وأثبتت ذلك بالبراهين الناصعة كل هذا صحيح، وكل هذا مسلم به، ولكن ليس هنا الموضوع.
مثلاً: أب له عشرة أولاد خمسة ذكور وخمس أناث. في الذكور ولدان شقيان وثلاثة
فاضلون. وفي البنات اثنتان فاضلتان وثلاث شقيات. أراد الأب إصلاح ما أعوج في الأناث الثلاث فأجبنهُ: ما لك ولا صلاحنا ألا ترى أن في أولادك الذكور شقيين وأن بيننا نحن فاضلتين، فما دام بين أخوتنا الذكور أشقياء وما زال بين شقيقاتنا فاضلات دعنا في جهلنا.
أجواب البنات الثلاث مقنع سديد أم هو برهان فاسد؟
وجوابك يا سيدتي لا أراه مستنداً على دعائم أوطد. ولما كان في النظريات الصرفة بعض الصعوبة اسمحي لي أو أورد حكايتي مع امرأتي قديماً وحديثاً وهو بحث واقعي لا يحتاج إلى فلسفة وقولي لي إذا لم تكن حكايتي هي حكاية سائر الفتيان والفتيات التي تحدث كل يوم: يا طير
стр. 630
والأمثال تضرب للبيب الأمثل.
لما كنت عازباً وقد مضى على ذلك زمن ليس باليسير كنت أحسبني لا أتزوج أبداً لدواع لا محل لذكرها أهمها اعتقادي بعدم مقدرتي على القيام بكل الواجبات التي تطلبها المرأة إلى أن علقت يوماً بفتاة فتانة.
ترددت على بيت أهلها وبعد المعاشرة عرفوا أميالي ولم يقصدوا منعي عن فتاتهم فأخبروني بأنها كما أحب:
عمرها ١٨ سنة، تتقن فن الطبخ، وتعرف أن تهيئ ألف شكل وشكل، غير مكترثة بالمودة، ولا تحب النظر إلى الأكبر منها وهي فوق ذلك تحب تدبير بيتها بنفسها ولا تتكل على الخادمات في شيء، فضلاً عن أنها تحب اللغة العربية لغة أهلها وهي تكاد تكون متعصبة لها.
وكان الهوى قد دب في الصدر وقضى على بقية كانت لا تزال تحبب إلي العزوبة فاستسلمنا للأقدار وعقد الزواج.
مضى شهر العسل وابتدأت المعيشة البيتية العادية، فماذا رأيت؟
علمت في أثناء الحديث أن عمرها ٢٤ سنة لا ١٨ وقالت معتذرة: لا تزعل. فنحن النساء نخصم دائماً ٣٠ بالمئة على الأقل من عمرنا.
فقلت: قيدنا الأولى يا سيدتي وبتنا ننتظر أخواتها.
أتيت يوماً إلى البيت فلم أجد الطعام جاهزاً فسألت عن السبب فقالت مولاتي: الخادمة
متمارضة وأنا لا أعرف من شغل المطبخ شيئاً. ففي بيت أهلي كان لكل عمله: لي الزينة والنزهات، وللطاهي الطبخ،
стр. 631
وللخادمة التنظيف وما أشبه. .
فقلت: قيدنا الثانية يا سيدتي.
لم تمض مدةٌ وجاءتنا سيدة من المثريات كثيراً تلبي من الملابس الثمينة ما يدهش وعليها من الحلي ما يقدر بمئات الجنيهات وربما الألوف. فأخذت سيدتي تسألها عن هذا وذاك وهي معجبة مفتونة وأنا أقول: سؤالها من قبيل حب المعرفة بالشيء ولا الجهل به فقد أكد لي أهلها أنها لا تنظر إلى الأكبر منها. ذهبت الزائرة الكريمة وإذا بسيدتي تقول: ما أجمل حلقها سألت لك عن البائع فهو زيفي تعال ننزل ونشتر مثله. . . فدهشت وقلت: ولكن. .
لا لزوم إلى لكن. . أنا أعلم أن المبلغ ليس متوفراً كله معك الآن فندفع قسماً ونعطي وصلاً بالباقي فندفعه بعد سنة.
أمرك سيدتي. ولكن اسمحي لي أن أقيد الثالثة.
قيد ما تريد بشرط أن نشتري الحلق وانظر كم أنا حريصة: ما طلبت غير الحلق وتجاوزت عن المشبك وعن أسورة الماس وغيرها من الحلي.
أشكر لك تجاوزك وحرصك يا سيدتي: ثم رزقنا طفلاً صغيراً وبعد أن مننتني سيدني ما شاءت بسبب هذا المولود حسبت أنها تغير شيئاً من خصالها فتنبته إلى المنزل وتصبح حريصة حباً بولدها فضلاً عن اعتقادي أنها ستحرص عليه حرصها على عينيها السوداوين وما كان أشد دهشي حين طلبت حالاً مرضعاً. فقلت ولكن المرضع لا تنتبه إلى الولد
стр. 632
فقالت: شيء مضحك. وهل تريد أن أنهك جسمي. لا لا. أحضر المرضع حالاً. أما يكفيك أني أعطيتك ولداً. آه منكم يا رجال.
فقيدنا الرابعة.
جاء دور تسمية المولود. فسألتها عن الاسم الذي تريده قالت ويلهلم فيكون سمي امبراطور ألمانيا.
قلت: يا سيدتي أنا عربي وابن عربي وأحب أن اسمي ابني اسماً عربياً. أيكون اسمي حسون واسم ابني ويلهلم.
فضحكت مولاتي مني ومن اسمي وقالت ومن قال لك أني لم افتكر بتغيير اسمك. يجب أن
تسمي نفسك: إدجار فقلت: سمي ابنك كما تريدين واسمحي لي أن أبقي اسمي كما هو: بعد ها لكيرة جبة حمرا. هذا قليل من كثير مما جرى لنا وعندي زيادة للمستزيد.
فرأيت أن دوام الحال على هذا المنوال من المحال فأخذت اسعى بتحسين الحالة رويداً رويداً متربصاً الفرص السانحة الملائمة إلى أن أصبحت سيدتي اليوم من خيرة العقيلات رأياً وتدبيراً وحرصاً وطبخاً إلى آخر ما يلزم من الأعمال البيتية. .
وقد قرأت عليها ما تقدم وولدنا أمامنا يصغي باندهاش عمره خمس سنين فتبسمت وقالت: حقاً أن المرأة تجهل الحال المحزنة التي تكون فيها حتى تتغير فحينئذٍ ترى الفرق الهائل بين ما هي وبين ما يجب أن تكون فكم أنا مديونة لك يا عزيزي. . .
стр. 633
الحيدرية
١ - لمعة عامة في أهل هذا البيت في الزوراء بيت شريف المحتد، عريق النسب، كثير العلماء، شهير بالفضلاء والأدباء، اسمه بيت الحيدرية وأول من نبه منهم الجد الأعلى الشريف أحمد الأعرابي وكان من بادية الحجاز فتحضر في المدينة فأصبح من أكابرها المعدودين وممن يشار غليه بالبنان. ويتصل نسبه بموسى الكاظم.
وقد هاجر بعض من سلالته إلى العراق والبعض الآخر إلى بلاد ما وراء النهر. فالذين احتلوا العراق جاؤوه أيضاً من بلاد وراء النهر وكان أول نزولهم في البصرة فأقاموا فيها معززين وما أبطأوا أن غدوا من سادتها العظام ورؤسائها الفخام يأخذون جزية اليهود والنصارى والصائبة الذين كانوا في تلك الحاضرة. ثم أبدلت الجزية بدراهم معينة في عهد السيد عبد الغفور الحيدري مفتي الشافعية في بغداد. وكان يتقاضاها من خزينة البصرة. وكان لهؤلاء السادة عدة قرى في جوار بغداد مثل شهربان وهبب وشروين وغيرها. ونحو ثلاثين قرية في نواحي شهرزور وذلك من عهد السلطان سليمان خان الذي ملك من سنة ١٥٢٠ - ١٥٦٦ م إلى أيام السلطان عبد المجيد ١٨٣٩ - ١٨٦١. وأما اليوم فإن السادة الحيدرية وأن كانوا أغنياء ولهم أراضٍ كثيرة بيد أنهم لا يضارعون أجدادهم بوفرة حطام الدنيا.
وكان إفناء الحنفية والشافعية في دار السلام منحصراً في السلالة
стр. 634
الحيدرية قبل وقوع طاعون بغداد الجارف الذي اجتاح المدينة سنة ١٢٤٧هـ - ١٨٣١ م. ثم انحصر بهم إفتاء الشافعية فقط. وجميع إجازات علماء العراق تنتهي إلى الحيدرية وتنتمي إليهم. بل وبعض إجازات بلاد الروم أيضاً أي آسية الصغرى تنتمي إلى أحمد بن حيدر صاحب المحاكمات الشهير.
وأما الذين ظعنوا إلى ديار ما وراء النهر فإنهم أصبحوا هناك أيضاً من امرائها العظام وفضلائها الكرام، بل نشأ منهم الدولة الصفوية في الديار الفارسية. واتصال هذه الدولة بالحيدرية يرتقي إلى الشيخ صدر الدين بن القطب الشيخ صفي الدين أبي الفتح إسحاق. وكان الصفوية على مذهب أجدادهم مذهب السنة والجماعة. ثم تشيعوا وأول من عدل عن سنة آبائه وزاغ عنها إسماعيل شاه الصفوري. وذلك أن واحداً من أصحاب هذا المذهب نفث في صدره أنه إذا تشيع هو وعساكره يقهر عدوه السني السلطان سليم خان ويورده
حياض الخاسرين الخاسئين. ففعل، إلا أن الواقع لم يحقق ما كان في النفس من الأمنية.
قال السيد إبراهيم فصيح بن صبغة الله الحيدري، وهو الذي أخذنا عنه معظم أنبائنا وأفاداتنا: إن الشيخ صفي الدين رأى في المنام أن قد خرج من يده اليمين نور امتد إلى عنان السماء. ومن يده اليسرى كلب فلما أفاق قصّ الرؤيا على أحد المعبرين. فأول النور بأنهُ سيكون له ولد يتناسل منه العلماء إلى انقراض الدنيا. وأما الكلب فإنهُ سيولد له ولد يتناسل منه أناس خوارج عن جادة الكتاب والسنة والجماعة. وقد
стр. 635
وقع ذلك لأن الحيدرية من لدن صفي الدين إلى يومنا هذا ولله الحمد لم تنقطع العلماء منهم. بل ورثوا العلم عن أب وجدٍ. ولا فخر. وأسأل الله تعالى أن يمد ذلك إلى قيام الساعة كما أول ذلك. والملوك الصفوية ارتدوا على أعقابهم وترفضوا وتركوا مذاهب آبائهم أهل السنة والجماعة. فنعم الجدود. ولكن بئس ما خلفوا انتهى كلامه بخرفه.
هذا كله من جهة النسب إلى الأب الأعلى. وأما من جهة الأم فإن السلطان حسن الأيلخاني المعروف بسلطان حسن الطويل أو الشيخ حسن الكبير الذي ملك بغداد وآمد ديار بكر وخراسان ونواحيها كان فرعاً من هذه الدوحة العريقة في الشرف وقد توفي الأمير المذكور سنة ٧٥٧ هـ=١٣٥م.
٢ - أسعد صدر الدين الحيدري إذا وعيت ما قرأت ثبت لديك أن هذا البيت بل الأولى هذه الدوحة كثيرة الفروع والأفنان وشيجة العروق متشعبة الأغصان، والأحاطة بمن نبغ من رجالها من الصعب العسر الحصول عليه. إلا أننا نذكر بعض من اشتهر ذكره في العراق وامتد صيتهُ إلى أبعد الآفاق. فمنهم أسعد صدر الدين مفتي الحنفية ببغداد وهو ابن العلامة عبد الله الحيدري البغدادي وكان من الرجال الدُهاة. وكبار الرواة. ذا هيبة ووقارٍ. وجاه كبارٍ. نال من القبول والكلمة النافذة بين العباد. ما جعله بين أول مستشاري ولاة بغداد. ودرس العلوم العقلية والنقلية أربعين سنة متوالية وعاش حتى ناهز عمره الثمانين من الأعوام. وأخذ عنه العلم عدة علماء أعلام، منهم: العلامة الكبير والوزير الخطير
следующие страницы →