Полный текст (2 201 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وللخادمة التنظيف وما أشبه. .
فقلت: قيدنا الثانية يا سيدتي.
لم تمض مدةٌ وجاءتنا سيدة من المثريات كثيراً تلبي من الملابس الثمينة ما يدهش وعليها من الحلي ما يقدر بمئات الجنيهات وربما الألوف. فأخذت سيدتي تسألها عن هذا وذاك وهي معجبة مفتونة وأنا أقول: سؤالها من قبيل حب المعرفة بالشيء ولا الجهل به فقد أكد لي أهلها أنها لا تنظر إلى الأكبر منها. ذهبت الزائرة الكريمة وإذا بسيدتي تقول: ما أجمل حلقها سألت لك عن البائع فهو زيفي تعال ننزل ونشتر مثله. . . فدهشت وقلت: ولكن. .
لا لزوم إلى لكن. . أنا أعلم أن المبلغ ليس متوفراً كله معك الآن فندفع قسماً ونعطي وصلاً بالباقي فندفعه بعد سنة.
أمرك سيدتي. ولكن اسمحي لي أن أقيد الثالثة.
قيد ما تريد بشرط أن نشتري الحلق وانظر كم أنا حريصة: ما طلبت غير الحلق وتجاوزت عن المشبك وعن أسورة الماس وغيرها من الحلي.
أشكر لك تجاوزك وحرصك يا سيدتي: ثم رزقنا طفلاً صغيراً وبعد أن مننتني سيدني ما شاءت بسبب هذا المولود حسبت أنها تغير شيئاً من خصالها فتنبته إلى المنزل وتصبح حريصة حباً بولدها فضلاً عن اعتقادي أنها ستحرص عليه حرصها على عينيها السوداوين وما كان أشد دهشي حين طلبت حالاً مرضعاً. فقلت ولكن المرضع لا تنتبه إلى الولد
стр. 632
فقالت: شيء مضحك. وهل تريد أن أنهك جسمي. لا لا. أحضر المرضع حالاً. أما يكفيك أني أعطيتك ولداً. آه منكم يا رجال.
فقيدنا الرابعة.
جاء دور تسمية المولود. فسألتها عن الاسم الذي تريده قالت ويلهلم فيكون سمي امبراطور ألمانيا.
قلت: يا سيدتي أنا عربي وابن عربي وأحب أن اسمي ابني اسماً عربياً. أيكون اسمي حسون واسم ابني ويلهلم.
فضحكت مولاتي مني ومن اسمي وقالت ومن قال لك أني لم افتكر بتغيير اسمك. يجب أن
تسمي نفسك: إدجار فقلت: سمي ابنك كما تريدين واسمحي لي أن أبقي اسمي كما هو: بعد ها لكيرة جبة حمرا. هذا قليل من كثير مما جرى لنا وعندي زيادة للمستزيد.
فرأيت أن دوام الحال على هذا المنوال من المحال فأخذت اسعى بتحسين الحالة رويداً رويداً متربصاً الفرص السانحة الملائمة إلى أن أصبحت سيدتي اليوم من خيرة العقيلات رأياً وتدبيراً وحرصاً وطبخاً إلى آخر ما يلزم من الأعمال البيتية. .
وقد قرأت عليها ما تقدم وولدنا أمامنا يصغي باندهاش عمره خمس سنين فتبسمت وقالت: حقاً أن المرأة تجهل الحال المحزنة التي تكون فيها حتى تتغير فحينئذٍ ترى الفرق الهائل بين ما هي وبين ما يجب أن تكون فكم أنا مديونة لك يا عزيزي. . .
стр. 633
الحيدرية
١ - لمعة عامة في أهل هذا البيت في الزوراء بيت شريف المحتد، عريق النسب، كثير العلماء، شهير بالفضلاء والأدباء، اسمه بيت الحيدرية وأول من نبه منهم الجد الأعلى الشريف أحمد الأعرابي وكان من بادية الحجاز فتحضر في المدينة فأصبح من أكابرها المعدودين وممن يشار غليه بالبنان. ويتصل نسبه بموسى الكاظم.
وقد هاجر بعض من سلالته إلى العراق والبعض الآخر إلى بلاد ما وراء النهر. فالذين احتلوا العراق جاؤوه أيضاً من بلاد وراء النهر وكان أول نزولهم في البصرة فأقاموا فيها معززين وما أبطأوا أن غدوا من سادتها العظام ورؤسائها الفخام يأخذون جزية اليهود والنصارى والصائبة الذين كانوا في تلك الحاضرة. ثم أبدلت الجزية بدراهم معينة في عهد السيد عبد الغفور الحيدري مفتي الشافعية في بغداد. وكان يتقاضاها من خزينة البصرة. وكان لهؤلاء السادة عدة قرى في جوار بغداد مثل شهربان وهبب وشروين وغيرها. ونحو ثلاثين قرية في نواحي شهرزور وذلك من عهد السلطان سليمان خان الذي ملك من سنة ١٥٢٠ - ١٥٦٦ م إلى أيام السلطان عبد المجيد ١٨٣٩ - ١٨٦١. وأما اليوم فإن السادة الحيدرية وأن كانوا أغنياء ولهم أراضٍ كثيرة بيد أنهم لا يضارعون أجدادهم بوفرة حطام الدنيا.
وكان إفناء الحنفية والشافعية في دار السلام منحصراً في السلالة
стр. 634
الحيدرية قبل وقوع طاعون بغداد الجارف الذي اجتاح المدينة سنة ١٢٤٧هـ - ١٨٣١ م. ثم انحصر بهم إفتاء الشافعية فقط. وجميع إجازات علماء العراق تنتهي إلى الحيدرية وتنتمي إليهم. بل وبعض إجازات بلاد الروم أيضاً أي آسية الصغرى تنتمي إلى أحمد بن حيدر صاحب المحاكمات الشهير.
وأما الذين ظعنوا إلى ديار ما وراء النهر فإنهم أصبحوا هناك أيضاً من امرائها العظام وفضلائها الكرام، بل نشأ منهم الدولة الصفوية في الديار الفارسية. واتصال هذه الدولة بالحيدرية يرتقي إلى الشيخ صدر الدين بن القطب الشيخ صفي الدين أبي الفتح إسحاق. وكان الصفوية على مذهب أجدادهم مذهب السنة والجماعة. ثم تشيعوا وأول من عدل عن سنة آبائه وزاغ عنها إسماعيل شاه الصفوري. وذلك أن واحداً من أصحاب هذا المذهب نفث في صدره أنه إذا تشيع هو وعساكره يقهر عدوه السني السلطان سليم خان ويورده
حياض الخاسرين الخاسئين. ففعل، إلا أن الواقع لم يحقق ما كان في النفس من الأمنية.
قال السيد إبراهيم فصيح بن صبغة الله الحيدري، وهو الذي أخذنا عنه معظم أنبائنا وأفاداتنا: إن الشيخ صفي الدين رأى في المنام أن قد خرج من يده اليمين نور امتد إلى عنان السماء. ومن يده اليسرى كلب فلما أفاق قصّ الرؤيا على أحد المعبرين. فأول النور بأنهُ سيكون له ولد يتناسل منه العلماء إلى انقراض الدنيا. وأما الكلب فإنهُ سيولد له ولد يتناسل منه أناس خوارج عن جادة الكتاب والسنة والجماعة. وقد
стр. 635
وقع ذلك لأن الحيدرية من لدن صفي الدين إلى يومنا هذا ولله الحمد لم تنقطع العلماء منهم. بل ورثوا العلم عن أب وجدٍ. ولا فخر. وأسأل الله تعالى أن يمد ذلك إلى قيام الساعة كما أول ذلك. والملوك الصفوية ارتدوا على أعقابهم وترفضوا وتركوا مذاهب آبائهم أهل السنة والجماعة. فنعم الجدود. ولكن بئس ما خلفوا انتهى كلامه بخرفه.
هذا كله من جهة النسب إلى الأب الأعلى. وأما من جهة الأم فإن السلطان حسن الأيلخاني المعروف بسلطان حسن الطويل أو الشيخ حسن الكبير الذي ملك بغداد وآمد ديار بكر وخراسان ونواحيها كان فرعاً من هذه الدوحة العريقة في الشرف وقد توفي الأمير المذكور سنة ٧٥٧ هـ=١٣٥م.
٢ - أسعد صدر الدين الحيدري إذا وعيت ما قرأت ثبت لديك أن هذا البيت بل الأولى هذه الدوحة كثيرة الفروع والأفنان وشيجة العروق متشعبة الأغصان، والأحاطة بمن نبغ من رجالها من الصعب العسر الحصول عليه. إلا أننا نذكر بعض من اشتهر ذكره في العراق وامتد صيتهُ إلى أبعد الآفاق. فمنهم أسعد صدر الدين مفتي الحنفية ببغداد وهو ابن العلامة عبد الله الحيدري البغدادي وكان من الرجال الدُهاة. وكبار الرواة. ذا هيبة ووقارٍ. وجاه كبارٍ. نال من القبول والكلمة النافذة بين العباد. ما جعله بين أول مستشاري ولاة بغداد. ودرس العلوم العقلية والنقلية أربعين سنة متوالية وعاش حتى ناهز عمره الثمانين من الأعوام. وأخذ عنه العلم عدة علماء أعلام، منهم: العلامة الكبير والوزير الخطير
стр. 636
والي بغداد الشهير داود باشا فإنهُ لازمهُ قبل الوزارة سبع عشرة سنة وقرأ عليه المعقول والمنقول حتى فاق أقرانهُ. ومما يؤسف له أننا لم نستطع أن نتوفق إلى العثور على تاريخ ولادته ولا على سنة وفاته.
وأما تأليفه فمنها: ١: حاشية على تحفة المحتاج للشيخ العلامة ابن حجر الهيتمي المكي. حاكم فيها بين المحشين على التحفة. جمع فيها وحقق وأوعى. ٢: حاشية على المحقق عبد الحكيم الهندي علي الخيالي. ٣: حواشيه على حاشية العلامة اللقاني المصري على شرح الغزي للتفتازاني في علم الاشتقاق. ٤: حواشيه على حاشية القرباغي في المنطق. ٥: حواشيه على حاشية العلامة الطحطاوي على الدر المختار. ٦: شرحه على اللغز البهائي المشتمل على علوم شتى. وغير ذلك من التعاليق والحواشي المفيدة المختلفة ولكن لم نقف له على شعر منظوم ولا على كتب تاريخية ولا على مصنفات رياضية أو ما ضاهي هذه الأبحاث العقلية أو الأدبية أو اللغوية.
٣ - صبغة الله الحيدري ولد صبغة الله بن إبراهيم الحيدري في قرية ماوران ورحل إلى بغداد في صباهُ فاستوطنها وهو شيخ مشايخ علماء بغداد في عصره وقد أخذ عنه العلم جميع معاصريه في الموصل وبغداد وما بينهما. وكانت وفاته في بغداد في طاعون سنة ١١٨٧ هـ=١٧٧٣م.
وممن نبغي من أولاده الملا عيسى فإنه كان فاضلاً أديباً تلقى العلوم عن أبيه صبغة الله فبرع فيها ولما سافر إلى بغداد أمين العمري قرأ عليه واستفاد منه كثيراً. وتوفي قبل أبيه ونبغ أيضاً ابنه الآخر حيدر مفتي
стр. 637
بغداد وعالمها أخذ العلم عن أبيه ففاق اقرأنه وذويه، أقام بالإفتاء مدة طويلة في حياة والده إلى أن توفي بطاعون بغداد سنة ١١٨٧ هـ=١٧٧٣ م.
وممن أخذ عنه المعقول والمنقول: أمين العمري. ومن قبله شيخهُ السيد موسى الحدادي الموصلي والعلامة الملا جرجس الأربلي والملا حمد الجميلي وخير الله العمري. وغيرهم.
ومن تآليفه: ١: حاشيته علي البيضاوي. حواشيه على حواشي المدقق عصام الدين على شرح الكافية للجامي. ٣: حواشيه على الحاشية المسماة بالمحاكمات على العقائد الدوانية لجده العلامة أحمد بن حيدر. ٤: حواشيه على الكتب الحكمية الصعبة المأخذ.
٤ - إبراهيم بن حيدر هو والد صبغة الله المتقدم ذكره. ولم نقف على سنة ولادته ولا على عام وفاته. وله تآليف جمة. منها: ١: حاشية على تحفة المحتاج لابن حجر المكي. ٢: شرح الزوراء للدواني. ٣: الإلهامات الربانية وهو سفر جليل يتناول كل بحث وفن. ويسميه بعضهم الملهمات واسمه يدل على فحواه لأنه يحوي خواطر في مختلف العلوم. ٤:
شرح بانت سعاد. ٥: تفسير القرآن في مجلدين. ٦: شرح تشريح الأفلاك في الهيئة. ٧: الحاشية الدقيقة على حاشية لحاشية قول أحمد علي الفناري في المنطق. ٨: الحاشية على حاشية الوغ بيك على شرح المسعودي في آداب البحث. ٩: حاشية على حاشية المحقق ميرزا خان على حاشية السيد السند على شرح المطالع في المنطق. ١٠: حاشية على الجوامع في أصول الفقه. ١١: حاشية على شرح عصام الدين على رسالة البيان. ١٢: حاشية
стр. 638
على الكواكب الدرية في القواعد الجفرية. وغير ذلك من الحواشي بل الغواشي التي ليس تحت إيرادها بل ومطالعتها فائدة جزيلة إذ هي على الحقيقة عقبات تصد المطالع عن الوقوف على الحقيقة مثل كتابه: حاشية على حاشية عبد الحكيم الهندي على شرح الشمسية في المطق.
٥ - الشيخ حيدر بن أحمد هو والد إبراهيم المار ذكره. ولا نعرف أيضاً يوم ميلاده ولا يوم رحيله. وكان أيضاً من أساطين العلم المعدودين في وقته: قال عصام الدين عثمان العمري الموصلي في كتابه الروض النضر في ترجمة أدباء العصر وهو كتاب خطي موجود في دير مبعثنا العراقي ما نصه: نشر ألوية التدريس في قرية ماوان. فقصدته رجال التحصيل من كل مكان. والتفت إلى الإفادة عرضاً. فأزحمت الفضائل بعضها بعضاً. فقصدوه من سائر البلدان. ومن خراسان وطخارستان. والعجم وداغستان. وصنف وأفاد. وملأ بتأليفاته الأقطار والبلاد. فحاز المعالي. واستخدام الأحرار والموالي. وتفرد في فنونه. حتى نزل من جسد الفضل منزلة عيونه وقبره تحت قلعة إربل يزار. إذا كان عليه الحول في المكارم والمدار.
وله من التآليف: ١: حاشية على شرح مختصر المنتهى في أصول الفقة. ٢: حاشية على شرح التجريد في علم الكلام. ٣: حاشية على شرح حكمة العين في الحكمة. ٤: حاشية على حاشية اللاري على شرح القاضي الرومي على الهداية في الحكمة. ٥: حاشية على شرح العقائد العضدية للدواني. ٦: حاشية على حاشية الخيالي على شرح العقائد
стр. 639
النسفية للتفتازاني. ٧: حاشية على أشكال التأسيس في الهندسة. ٨: حاشية على شرح عصام الدين على الرسالة العضدية. ٩: حاشية على إثبات الواجب. وغيرها من هذا الطرز الذي يضيع فيه الزمان إذا أوردنا أسماءها. وكأن تأليف الحواشي على الحواشي على الشروح على
الشروح على الشروح من مزايا هذا البيت.
٦ - أحمد بن حيدر هو والد الشيخ حيدر المذكور وسنو ولادته ووفاته مجهولة أيضاً لم نقف عليها مع ما بأيدينا من كتب الحيدرية الخطية. ومن تآليفه: ١: حاشية على شرح العقائد الدوانية المشهورة باسم المحاكمات لأنه حاكم فيها بين جميع الحواشي الواقعة على الشرح المذكور. وصارت جادة تقرأ عند التكميل في الديار العراقية وغير ذلك من البلاد العربية بل وفي البلاد الهندية أيضاً من متعلمي اللغة الضادية. ٢: كتاب رد الرافضة. ٣: كتاب إثبات غسل الرجلين في الوضوء وأبطال المسح. ٤: رسالة كبيرة في تفسير هذه الآية: [الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاةٍ] ٥: حاشية على الشفاء في علم الحكمة لابن سينا. وقد استشهد المؤلف في تأليفه هذا بالفاضل العلامة عبد الحكيم السيالكوتي الهندي وكانا قد تعارفا في إحدى السفن البحرية في أثناء السفر وأهدى أحمد الحيدري نسخةً من كتاب المحاكمات إلى صديقة السيالكوتي وهذا أهدى إليه كتاب المطول بخط مؤلفه العلامة التفتازاني مع حاشيته عليه بخطه. والحاشية على المطول الذي أهداها السيالكوتي إلى الحيدري هي أول نسخة وصلت إلى الديار العراقية.
стр. 640
٧ - حيدر بن محمد الصفوي هو والد أحمد السابق ذكره. وكان أيضاً من العلماء العاملين وله حاشية عظيمة على تحفة ابن حجر وكان مفتي الشافعية في خطة العراق ترجع إليه فحول العلماء في الفتوى وكان يدعى في العراق بابن حجر الثاني وكان معاصراً له.
٨ - محمد بن حيدر بير الحيدري هو والد أحمد المشار إليه. وله حاشية على إثبات الواجب. وهو أول الواردين من ديار ما وراء النهر إلى العراق وقد نشر فيه العلوم العقلية والنقلية وتلقتهُ العلماء بالتعظيم وأخذوا عنه الحقائق العلمية وكان يتكلم باللغة التركية الجغطائية. وولد ابنه حيدر المذكور آنفاً في العراق من امرأة تزوجها من الطائفة الباشورية من أولاد عبد الله بن عمر بن الخطاب وهم أيضاً بيت علم وفضل وجاهٍ أقدم أهل العلم وغيرهم في العراق لأن جدهم أتى العراق من زمن أبيهم الأكبر عبد الله بن عمر بن الخطاب.
٩ - حيدر بير الدين ١٠ - الشيخ أمين الدين وأخذه العلم عن آبائه بالتسلسل ونسبهُ الأعلى.
ونختم مقالتنا هذه بكلام السيد إبراهيم فصيح الحيدري تتمة لما أتينا بذكره قال: ووالد محمد العلامة المشار إليه هو الشيخ العلامة المرشد الكامل حيدر بير الدين بن أمين الدين له خوارق عظيمة وقد جمع بين علم الظاهر والباطن.
ووالد هذا العلامة المرشد المشار إليه الكامل الشيخ أمين الدين له كرامات وخوارق عجيبة جمع علم الظاهر والباطن. وكل واحد من هؤلاء
стр. 641
الرجال العظام أخذ العلم عن أبيه وكمل عليه إلا أحمد بن حيدر صاحب المحاكمات فإنه أخذ عن أبيه العلوم النقلية وبعض العقلية وأخذ عن غيره بعض العقلية وسمع الحديث عن عبد الملك العصامي عن الشيخ ابن حجر المكي كما هو مذكور في ثبته.
وأخذ جدنا محمد العلم والطريقة عن أبيه بير الدين عن أبيه العلامة إبراهيم برهان الدين عن أبيه المرشد الكامل الشيخ صدر الدين عن أبيه سلطان المشايخ الشيخ صفي الدين أبي الفتح إسحاق عن القطب الشيخ أحمد أخي حجة الإسلام أبي حامد الغزالي.
وأخذ جدنا صفي الدين أيضاً عن أبيه الشيخ أمين الدين عن والده العلامة المرشد الشيخ قطب الدين عن والده العلامة الحافظ المرشد الشيخ صلاح الدين رشيد عن والده العلامة الولي الكبير فيروز شاه عن أبيه الولي الكبير محمد شاه عن أبيه الولي المرشد الكامل شرف شاه عن أبيه الشيخ محمد عن أبيه الولي الجليل الشيخ إبراهيم الملقب بالأذهم عن أبيه الشيخ جعفر عن أبيه الشيخ محمد عن أبيه الشيخ إسماعيل عن أبيه المحدث الحافظ أحمد الإعرابي عن أبيه المحدث الحافظ الشيخ محمد عن أبيه الإمام أبي محمد القاسم عن أبيه الإمام أبي القاسم حمزة عن أبيه الإمام الهمام موسى الكاظم عن أبيه الإمام جعفر الصادق عن أبيه الإمام محمد الباقر عن أبيه الإمام زين العابدين عن أبيه الإمام الشهيد السيد شباب أهل الجنة وقرة عين أهل السنة أبي عبد الله الحسين عن أبيه الإمام والبطل الضرغام
стр. 642
أسد الله الغالب علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين عن سيد المرسلين وأفضل العالمين ابن عمه محمد المصطفى ﷺ فلله الحمد على هذا النسب العالي ولا ترى نسباً كنسب الحيدرية في أخذ كل عن أبيه وهو من عجيب الاتفاق وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
بغداد
ساتسنا
الجرائد والمجلات في مصر
يؤخذ من التقرير الأخير الذي أصدرتهُ مصلحة البوستة المصرية أن عدد الجرائد في مصر قد هبط في سنة ١٩١٠ المنصرمة من ١٤٤ جريدة ومجلة إلى ١٢٤.
وكان أكثر النقصان في الصحف العربية فإن ١٦ جريدة منها احتجبت ولم يحتجب من الصحف الإفرنجية سوى جريدتين.
وفي مصر ٢٩ جريدة عربية سياسية، و٤١ جريدة أفرنكية سياسية و٤ جرائد شرقية غير عربية، و١٧ مجلة علمية وأدبية وصناعية عربية و٩ أفرنجية، وجريدة هزلية عربية، و٣ مجلات قضائية عربية، ومجلة واحدة أفرنجية، وثلاث مجلات طبية عربية، ومجلتان أفرنجيتان، و٩ مجلات عربية دينية، ومجلتان أفرنجيتان، ومجلتان عربيتان نسائيتان ومجلة أفرنجية ومن هذه الجرائد ٨٠ تصدر في مصر و٣٧ في الإسكندرية و٣ في بورسعيد و٣ في طنطا وواحدة في أسيوط.
стр. 643
في جنائن الغرب
نشرنا حتى الآن تحت هذا العنوان بعض مختارات من كتابات مشاهير أدباء الغرب، وقد أحببنا اليوم أن نأخذ صفحة عن اللغة التركية وهي مرصعة بالمعاني النفيسة:
الابتسامة
الابتسامة هي علامة الابتهاج، وبشيرة الأرواح الحساسة.
الابتسامة عدوة لجيوش الهموم تهاجمها فتمزق شملها شذر مذر
الابتسامة مرآة الباطن، الابتسامة لسان القلب
كل شي في الكون ابتسامة
الابتسامة، واسطة فعالة تجعل العدو صديقاً
الابتسامة، دواء القلوب المنكسرة
الابتسامة، سبب لتعارف القلوب
الابتسامة، أمضى سلاح للنساء
رب ابتسامة ينكسر بها القلب، وابتسامة ينجبر بها، وابتسامة تلتئم بها القلوب المنكسرة.
الابتسامة موهبة إلهية يتفجر منها ينبوع السعادة لكافة البشر في لمعان البروق، ورعد الصواعق وخرير المياه، وتغريد الطيور، ابتسامة. النور، والضوء، واللون، والجمال، والروض، والربيع، والورد وروض الورد - كلها ابتسامة.
جميع الكائنات تبتسم، السحر بنسيمه، والصباح بفجره، والشمس
стр. 644
بطلوعها والمساء بشفقه، والليل بضوء قمره، ولمعان بحومه، والشبوبية بنضارتها، والشيبة ببياضها، والسماء بأمطارها، والأرض بمراعيها، والكلام بمعناه، والنظر بغمزه، والغناء بوزنه، والموسيقى بتوافق ألحانها تبتسم المسرة لانخداعنا بها، والمشقة لانتقامها منا.
يبتسم المرء باختلاف الأحوال الطارئة عليه في زمن التحقير، ووقت التبشير وحيثما يقع بمصيبة، وعندما يسر، وفي الحزن واليأس والأمل والمحنة والظفر.
ضحك الأطفال كنغمات البلابل، وضحك النساء كرائحة الرياض العطرة، وضحك الرجال كأصوات الصواعق إذ في ضحك الأطفال عصمة، وفي ضحك النساء شفقة، وفي ضحك الرجال عزم وثبات.
الابتسامة، هي التي تستقبل الآتين إلى عالم الوجود وهي التي تودع الراحلين إلى عالم البقاء.
فالعالم هو الذي يجعل حياته ابتساماً وضحكاً ويبتعد عن أراقه دمعة في زمانه الضحوك المبتسم.
فيسكن في البيت الضحوك، ويشارك في حياته من تضحك وتبتسم، ويتخذ أحباء يضحكون، ويمضي سحابة حياته في الضحك والابتسام.
الطالب البائس
ذكرنا كلمة في العدد الماضي عن المرحوم محمد أمام العبد الشاعر البائس الذي كان يقول أن سواد جلده حداد على حظه. وقد أحببنا أن ننقل إلى قرائنا شيئاً
стр. 645
من نثره، وهو كلام له في البؤس والبائسين، قال:
خرجت ذات ليلة من داري وأنا بين الهم والغم، وفي صدري من الأشجان ما في قلبي من الأحزان، فضربتُ في الطريق من غير صديق. اللهم إلا نفس يتردد، وحزن يتجدد، فما زلت كذلك حتى اكتنفني التعب، وغلب علي النصب. وكنت على مدى النظر من الجزيرة فرأيت أن أكون فوق الجهد، لأدني مسافة البعد، فصدقت. عزيمتي بعد جهاد، وبلغت اربتي أو كدت أكاد، وما هي إلا خطرة مرت مر النسيم، تحت سجن الليل البهيم، حتى بصرت بظل يسرع في مشيته، وكأني به يقاضي الأقدار في محنته، ولما أمسى مني حيث أمسيت منه، تسرب إلى نفسي أن أقف منه على نفسه لأن البائس يميل إلى البائس، واليائس يحن إلى اليائس. والوجوه صحيفة لما تخفيه السرائر أو تضن به الضمائر. فألقيت عليه تحيتي فأردفها بأحسن منها، ثم جعلت له إلى الحديث سبيلاً فتمشى الحزن في صدره حتى كدت أحس به في صدري، وأسبل من جفونه دموعاً في كل دمعة لؤلؤة بيضاء ترى على خده ياقوتة حمراء كأنها بنت الشفق، في ذلك الغسق.
فقلت له: ما شأنك يا بني؟ وما أمر الجائحة التي نزلت بك؟
فقال لي بصوت لا يسمعهُ إلا من أراد أن يتسمع: إنني ولدت في يومٍ أخذ صباحه بمسائه، وذهب ظلام بضيائه. فتوفي والدي قبل عقد التمائم، فأسلمتني الأقدار إلى أم حنون لا تملك من المال غير ما يغني عن السؤال، وكانت تلك الأم الكيسة تعمل صباح مساء في بيت
стр. 646
وحدتها أو دار هجرتها، وكنت أنا في ذلك العهد من طلاب العلم في المدرسة.
فما قنعت الأقدار بفعلتها الأولى، بل نزلت علينا في ليلة اختلفت أجرامها وتنكرت نجومها، وكثرت همومها، ولم تزل بنا حتى أصابت والدتي بعلة طوتها في لحدها، واسقمتني من بعدها. فلم أجد من يقوم بتربيتي من بني الإنسان في هذا الزمان بعد ما أبعدتني المدرسة عن مناهل العلم وتركتني أتلمس نصيراً من الوهم.
وأنا الآن لا أملك غير نفس أبي اليأس أن يبتعد عنها قيد شبر، وفؤاد أصبح غرضاً لسهام الدهر. فامتعضت قليلاً وقلت في نفسي أما آن للأغنياء أن تساعد زمرة الفقراء؟ رب أن
ناظر المعارف أولى الناس بإجابة هذا النداء. فإن لم يكن كذلك فقد ضاقت المسالك، والأمر لله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
محمد أمام العبد
رثاء إمام
وقد أرسل إلينا الأدباء مراثيهم يندبون فيها زميلهم وصديقهم العبد، فلم نتمكن من نشرها سيما وقد عزم حضرة عز الدين أفندي صالح علي جمع مختارات إمام مع أقوال لأدباء فيه. فلترسل إليه في الإسكندرية (بوستة ثابتة). غير أننا ننشر الأبيات الآتية التي جاءتنا مت عزتا وإبراهيم بك العرب، وفيها خير وصف لحالة الأدباء:
يا إمام القريض بالشعر تُرثى ... وقليلٌ على الإمام الرثاءُ
ما وفى بالوفاء فيك خليلاً ... أين مني ومن حليل وفاءُ
стр. 647
ليتني عندما أحببت نداء الله ... أخبرتُ حين جاء النداءُ
كنت أوفى عهداً وأرعى إِخاءً ... أن مثلي لديه يُرعى الإخاءُ
شغلتني عنك الشؤونُ ببعدٍ ... علم الله ليسَ فيهِ جفاءُ
تعبٌ كلها الحياةُ لعمري ... وعناءٌ لا ينتهي وشقاءُ
عشتَ في الدهر تشتكي ألم البؤ ... س وحظُّ الأديب ذاك البلاءُ
هكذا هكذا الأفاضل تشقى ... في حياةٍ وتسعد الجهلاءُ
أن حظَّ الأديب أضيقُ حظٍ ... حُسبَ الفضل قسطه والذكاءُ
فإذا عاش فالهجاء نصيبٌ ... وإذا مات فالرثاءُ الثناءُ
كل من مات ظامئاً لم يفدهُ ... أنهُ بعده يفيض الماءُ
أو يجدي المدفونَ عمران قبرٍ ... فيهِ جسمٌ عليهِ يجري الفناءُ
ليس للمرءِ في الحياة سوى يو ... م سرورٍ يطيب فيهِ الهناءُ
إنَّ هذي الحياةَ من عاشَ فيها ... ألفَ عام أو ساعةً فسواءُ
فحياةُ الأديب داءٌ عضال ... وممات الأديب نعم الدواءُ
العرب
أنا قاتل عصفوري
في فجر يوم من أيام الربيع، بكرت إلى رواق من منزلي في وسط سهل يقبع، يشرف على حديقة غناء، ومروج ملونة بين خضراء وحمراء وصفراء.
جلست إلى تلك المناظر البديعة، الجامعة بين اعتدال الطقس
стр. 648
وسكون الطبيعة، أروح النفس في فضاء أرجائها، واملأ العين من بديع بهائها، ولم تكن الغزالة بعد أرسلت أشعتها أو بأن سماطها، وقد أخذت الطيور تغادر أعشائها وأوكارها، وترسل في الفضاء الهادئ شجي أصواتها، ما بين هديلٍ وسقسقة، وسجعٍ وقطقطة، فكان من مجموع تلك الأصوات الرخيمة العذبة، ذات الألحان الشجية، جوقة موسيقية، ألفتها القدرة الألهية، لعبادته سبحانهُ وتوحيده، ولقنتها الكائنات شكرها له على سوابع نعمه وللاستزادة من رحمته وجوده.
وأنا في ذلك الاستطراد من حالٍ إلى حال، ما بين مشاهدة الطبيعة وركوب الخيال، حط بي الطوف عند كناريين، متماثلين في حسن الحلية وجمال المنظر متحاكيين، يتداعبان فوق غصنٍ وهو يميل تحتهما أو يختلج ويضطرب، كما شاء أو شاء لهما الحب واللعب، ثم يعود فيتثنى أو يستقيم، كأنه راحة بسطتها الطبيعة إليهما للتسليم، أو ذراع تهدهدهما به تهدهد الأم لابنها الفطيم على سماع نوس هبات النسيم.
أقر هذا المشهد ناظري، وبدا لي التأمل فأخذت أتأملهما والسرور آخذ بعطفي، ذلك والعصفوران في مداعبة وطفر، وكر ومفرّ، هذا يجثم، وذاك ينقز أو يدوم، هذا يرفرف حول ذاك أو يزف، وذاك يدف هرباً من هذا أو يسف، ثم يهفان إلى الأرض يمرحان ويتلبدان، ويعودان إلى الغصن يجتمعان.
شاهدت ذلك مبهور النظر طروب السمع، فهبت بي عاطفة الاستئثار والميل إلى الجشع، فمددت لذينيك المتحابين السعيدين شركاً
стр. 649
اصطادهما به، حتى كان صباح الغد وافيت الشرك فرأيت أحدهما فيه.
مضى الربيع وتلاه الصيف وأعقبه الشتاء، والعصفور ملكي أفعل به ما أشاء، وقد حبستهُ في قفصٍ ذي صنع بديع محكم البنيان، وشكل جميل بهي الألوان، وكنت أتعهده بكل صنف تمكنت من جلبه من صنوف مطعم البغثان، ولكن العصفور كان قليل الأكل مقهم الشهوة، نادر الاستحساء نزر النغبة، وكان كلما ازددت به اعتناءً واهتماماً، ازداد مني نفوراً واعتصاماً، أو جئت أستميله تململ وتلوى، وكأنه يشكو جراحاً بالحشى أو أنه كره مقامه
واجتوى.
انقضى فصل الشتاء وأنا أعالج نفرته ووحشته، وأراود سآمته وكأبته، وأخذت لذلك بجميع أسباب رفاهية الطيور وراحتها، واحتلت بصنوف الحيل التي تؤدي إلى استمالتها، فلم يكن ما يستمال به ويرضيه، أو يحفف من زهده في حياته ويسليه على يأسه من تحقيق أمانيه.
جاء الربيع وأخذت الكائنات المرئية تتحلى بحلاها البهية، والطبيعة تعرض مصنوعاتها السنية، قمن زهرٍ تبسم عن ثغره، وشجر جاد بثمره، ونسيم سرى بنسماتِه، وجدول جرى هادئ في منعرجاته، وبرزت الطيور من مكامنها، وعادت تصدح على أفنانها، ولكن طيري لم يشترك مع بني جنسه في أفراحهم ومسراتهم، كأنه لم يكن منهم وهو بعيد عنهم وعن مختلفاتهم، حتى كان صباح يوم وأنا في شغلٍ شاغل، طرق أذني صدح شجيٌ متواشل، فأسرعت مستبشراً فرحاً إلى وجهة مصدره، استعلم عن مرسله وأتحقق صدق خبره، فألفيت كناري
стр. 650
مضطرباً هائجاً في قفصه يروح ويجيء لا يستقر، وقد عاينته في مجيئه ورواحه ملازماً جانباً واحداً من قفصه، وناظراً صوباً واحداً لا يحيد عنه حدقة بصره، فاتجهت وجهته انظر فرأيت على زجاج النافذة المطبق، كنارياً آخر قد انشب مخالبهُ في الأفريز منه وتعلق، وناءى بجؤجؤه فارشاً جناحيه على الزجاج، وقد فتح منقاره يلهث تعباً مع اضطراب في الجسم واختلاج، وهو يحدُج إلي حيناً ويحدق إلى العصغور السجين حيناً، ويتبادل معه صدحات متقاطعة متداركة متواصلة مملوؤة حناناً وحنيناً. كأنها أُحاح مكروب مكدود، أو همهمة مصدور مفؤود، طال عليها العهد، ولم يقو على حبسها عن النفث بها منه جهد، فأرسلها رنيناً ثم أدركها نادماً وأراد إخفاءها أو ملاشاتها بين جوانحه فتراجعت مترددة في فيه مسممةً لها في قفص الضلوع منه هنيناً.
نظرت وسمعت فحرت في أمري، وبقيت لا أعي فعلاً آتيه ولا أدري، وفي هذا الحين وقف العصفور المحبوس بغتة وأرسل صوتاً ليس بالصدح المألوف، ولا بالتغريد المعروف، وإذا هو كرير صدرٍ مثقل بالغموم، وتأوه فؤاد مكلوم، زفر به صاحبه زفيراً، مد به النفس حيناً فكان شجياً مثيراً، ثم رمى به فإذا هو بقية روح كان الأمل قد حبسها عند حد التراقي، ودفع بها اليأس فغادرت صاحبها قتيل الاستبداد والاسترقاق
ملكتُ جسمه وحياته ولم أملك فؤاده وعواطفه وهو الحر الكريم فكنت قاتله
أيها المستبدون اتقوا الله في خلائقه وعباده
فيليب مخلوف
стр. 651
في رياض الشعر
الأخوان الشاعران
في سورية اليوم أخوان شاعران، بل بلبلان مطربان، تكفي الإشارة إليهما، لمعرفة اسميهما، وهما تامر بك وشبلي بك ملاط، ينشدان من على قمم لبنان قصائدهما المرقصة، فيرنُّ صداها في كل بلاد العرب. أصاب كبيرهما مرضٌ في عقله إثر حوادث سياسية لا مجال لذكرها الآن. فبات يهيم على وجهه، لا سلوى له إلا الشعر ينشده إبّان إفاقته من ذهوله. وصغيرهما شبلي بك يتولى الآن باشكتابة القلم العربي في جبل لبنان بعد أن خاض ميدان الصحافة وأنشأ جريدة
стр. 652
الوطن البيروتية فكان له فيها جولات صادقة كما أن له في الشعر وسائر فنون الأدب المنزلة السامية وقد سبق لنا نشر منظومة من شعره (ص ٥١٠ من السنة الأولى) عند وجوده في مصر. وقد أحببنا الآن أن ننشر رسم الأخوين مع شيء من شعرهما:
الشاعر المريض
قال تامر بك يصف حالته في مرضه وهو كما وصف:
دعاني أجرع الغمَّا ... فجفني بالأس نمّا
وخلاّني أُصيحابي ... وسهم الغدر قد أصمى
فلم أُبصر أخاً يُرجى ... ولا خالاً ولا عمّا
وراح الحظ عن شكوا ... يَ في أذن له صمّا
وجدَّ الدهر في قهري ... يحثُّ الهمةَ الشما
رأيت الناس تخشاني ... كأني وأبئُ الحُمَّى
فلا أدري أحيّاً ب ... تُ أم ميتاً قضى ظلما
أرى بيني وبين البؤْ ... س وداً طافحاً يمَّا
أما من مفسدٍ واشٍ ... سعى بالوشي مهمّا
فخلى ودَّنا شملاً ... شتيتاً لن يرى لمّا
يميناً حار عقلي في ... حياةٍ تشبه الحلما
أرى فيها من الأضدا ... د ما يستوقف الفهما
أعاجيبٌ قضت مني ... شؤوناً بالأذى جمَّا
فبي كالضرب آلاماً ... وما من ضاربٍ همّا
стр. 653
وكالتجريح أوجاعاً ... وما من جارحٍ أمَّا
وكالنيران تشوي الرو ... ح ثمَّ اللحم والعظما
ولا نارٌ ولا جمرٌ ... وما يُشعلُ الفحما
وكالأدواء أعراضاً ... تُذيب الصخرةَ الصمّا
وما من علة تُشكى ... لطبٍ يبرئُ السقما
وكالأغلال في جسمي ... ولم أحملْ به دهما
وعقلٌ ذاهلٌ ساهٍ ... سجينٌ موثقٌّ رمَّا
كأني غير موجودٍ ... وموجود قد اهتما
أراني قد أرى ريناً ... بأنف الحق قد شما
أشكُّ اليومَ بي حتى ... وجودي خلتهُ وهما
فقبلي لم يكن سجنٌ ... يعمَّ الروحَ والجسما
حبيسُ الروح عن حسٍّ ... وفكرٍ سرَّ أو غمَّا
وعن حفظٍ وعن ذكر ... وعن حكمٍ ولو مهما. . .
حبيس الفعل ثم النط ... ق لا حتى ولا أمَّا
ولا سمعٌ ولا شوق ... ولا لمس ولا شما
قوى محبوسةٌ جمعا ... ءُ مما خص أو عما
فعالٌ وانفعالاتٌ ... ولا حريةٌ ثمّا
وحسّاس جمادٌ في ... زمان واحدٍ حكما
مقود غير مختار ... كأني آلةٌ صما
إذا ما حشرةٌ أزّت ... عرتني هزّة رغما
стр. 654
وإن صرّ الذباب الغثُّ ... صرّت أضلعي مما. . .
ويأتيني البكا عفواً ... ويعصيني البكا لما. . .
ولا أستطيع جذب النف ... س عن ضحكٍ بي أنتما
ولا أقوى على ضحكٍ ... إذا أميتهُ أمّا
وحال كالغني شكلاً ... بقفرٍ مدقعٍ نمَّا
رياشٌ جمة شتى ... ومالي مسّها جزما
طعامٌ شائق حلوٌ ... ولكن مرَّ لي طعما
ونوم دون تهويم ... تراه أعيني حتما
شؤون لو رواها الح ... رُّ نالت سمع من صمّا
وقالوا جِنَّةٌ عاثتْ ... بعقلي فالتوى رقما
وقالوا إنما القسي ... سُ فيه نافعٌ حسما
خرافاتٌ وأوهامٌ ... تعيب العقلَ والعلما
وقالوا إنهُ داءٌ ... لأعصابي قد انضما
ومنهم من رأى شيئاً ... ولا أكنى ولا سمى
فهذا النزرُ مما بي ... على ما استطعتهُ نظما
ولا أرتادُ للأيا ... م تمداحاً ولا ذمّا
فذا حظي من الدنيا ... فدعني لا تزدْ غمّا
تامر ملاط
стр. 655
الوردة الذابلة
بسمَ الحبُّ للربيع محيّا ... فهفا القلب للهوى وتهيا
نشقةٌ من عبير أثواب ميّا ... تترك الشيخ في الغرام صبيا
وتردُّ الفتى المكفّن حيا
يا دمَ القلب فوق زهر الخدودِ ... كم معنى فدىً لها وعميدِ
وقتيل كما قتلتُ شهيد ... وشقي يشقى - وكم من بليد
يدّعيها وبالهوى يتزيا
стр. 656
ما الهوى أن يكون كالزيزفون ... (خيره ما يكون كالزيتون)
مثمراًو الثمارُ فوق الغصون ... كملاح الولدان ملئ العيونِ
يتناغون بكرةً وعشيا
حول أم تذري دموع الحنان ... كلآلٍ منثورةٍ أو جمان
وأبٍ بين تلكم الغزلان ... خافق القلب حالم بالأماني
حبذا الحلم بالمنى ذهبيا
تتمشى بأهلها الأجيالُ ... فعيالٌ في أثرهنّ عيالٌ
كل ما في الوجود طيفٌ خيال ... يتراءى كما تراءى الآلُ
ثم يمضي وما يغادر فيّا
في بلاد الشام بيتٌ عالٍ ... أفسد الحسنُ فيه بعضَ الخصال
وإذا شئتَ قل جبين الجمال ... فيه قد مس حمأة الأوحال
وهوى للحضيض شيّاً فشيا
لم تصن بالعفاف عزَّ الجبين ... ربةُ البيت عن هوىً وفتونِ
فانتحى زوجها مكان الظنون ... وهي لجت تمادياً في الهونِ
فأضاعا نهج الحياة السوّيا
لست أدري ما للضلال دعاها ... ربما زوجها به أشقاها
هي تاهت لما رأته تاها ... وتباهت لما رأته تباهى
بحياةٍ ماتا بها أدبيّا
ولو أن الحسناء كانت فقيره ... ربما قال بعضهم (معذوره)
стр. 657
غير أن الحسناء كانت كبيره ... بغناها وبالخصال صغيره
تستبيحُ الهوان بغياً وغيا
لم تقف قلبها عن حب واحد ... شأن من صادها على الرغم صائد
بل كما قيل أطعمت كلَّ وارد ... واستوى عندها الخلي والواجد
ونضت برقعَ الحيا علنيا
فتحامت مكانها السيداتُ ... وتجافت عنها الظبا الخفرات
والأديبات في النسا الراقيات ... طرحتها كذاك تلقى النواة
وطوتها يدُ المعرة طيا
يا ابنة التيه صحوة وأفيقي ... ودعي الكرع في فساد الرحيق
حان أن تنهجي سواء الطريق ... إن ذنباً جنيته بالعقيق
قد سرى سمه إلى سوريا
وبكت منه بنتكِ العذراءُ ... يوم قالوا كأمها (أسماءُ)
دُمية كالصباح لا أهواءُ ... ساورتها ولم يمسّ الهواءُ
من لظى خدها الدم الوردّيا
وردةٌ في منابت الشوك صلى ... من هيام لها البها وأهلاَّ
تتجلة وفي القلوب مصلى ... لهواها فيه التسابيح تتلى
ذلك الحسن كان روحانيا
ملكٌ فر من يدي رضوانِ ... ويد الخلد والنعيم الثاني
كلما لاح مائساً غصنُ بان ... أكبرت قده مهى عسفان
وأتقى الناس لحظه البابليا
стр. 658
أيها الهابط التراب لتشقى ... كان أفق الجنان للحسن أبقى
بذنوب الآباء أصبحت رقا ... ليس غير الهوان والضيم يُلقى
فاهجر الأرض أو تعيش شقيا
كل ما في الرياض من أزهارِ ... كل ما في السماء من أقمار
كل هذا تلقاه عند العار ... شهب الرجم أو لهيب النار
أو ضباباً من الشقا أبديا
هفوات الجدود والآباء ... عثرات الأحفاد والأبناء
ذاك ما جاء في فم الأنبياءِ ... عن إله الشرائع الغراء
بشقاء البنين كان نبيّا. . .
بلغت بنت زينت العشرينا ... تجتني من أحلامها الياسمينا
وتشمُّ الريحان والنسرينا ... من رياض الصبا جوىً وحنينا
وتناجي سرَّ الشباب الخفيّا
طالما شادت القصورُ رجاَء ... طالما هزّها الصبا كبرياء
لست أرضى تقول إلا العلاء ... لست أرضى إلا الغنى والثراَء
لستُ أرضى إلا الفتى اللوذعيا
أنا بنت الصباح ثغراً وخدّاً ... أنا بنت الجوزاء قدراً ومجداً
قلْ لدهرٍ يروم للحسن حدّا ... إن قومي النجوم عماً وجدّا
وأبي المشتري وأمي الثريا
يا ابنةَ الصبح أنتِ بنتُ الظلامِ ... أنت بنت الأحلام والأوهام
стр. 659
ليس بالوجه حلةُ الإعظام ... ليس بالحسن حلية الآرام
إن يكن منبتُ الجمال دنيا
قد يكون الجمال سعداً ونحسا ... قد يكون الجمال ليلاً وشمسا
فاقرائي من جمال أمك طرسا ... تعلمي أن دون عرسك رمسا
جاده وابلُ الشقاءِ سخيا
أنت لم تذنبي إلى الناس ذنبا ... أنت أنقى من مدمع الصب قلبا
لكن الكون ظالم فهو يأبى ... أن يبرّيك كارهاً أو محبا
أو يرى ثوبك النقيّ نقيا
خرجت بنت زينبٍ للخلاءِ ... في أصيل مفضض الزرقاء
حيث كانت معاشر الأغنياء ... تتلاقى قبيلَ كل مساء
تنشق الريح والهوا البحريا
فاشرأبت من دونها الأعناقُ ... وتمشت لوجهها الأشواقُ
وسعت إثر خطوها الأحداقُ ... فتراءوا كأنهم عشاقُ
عبدوا ذلك البها الملكيا
ذاك حيث انثنت شكا وتوجد ... ذاك أن لاح ثوبها يتنهدْ
ذاك يبدي أشايراً لا تحمد. . . ... أبهذا يا قوم مرقى ومصعد
للمسمى تمدناً غربيا؟
أين تلك الشمائل العربيه ... أين تلك الشهامة الشرقيه
أين تلك النفوس وهي أبيه ... أين تلك الأبصار وهي حييه
رحم الله مجدنا الشرقيا!!!
стр. 660
وقت كانت أسما تجيء وتذهب ... سمعت قائلاً بها يتريب
إن أسما لو لم تكن بنتَ زينب ... قارنت في الفتيان حراً مهذّبْ
من كرام العيال شهماً غنيّا
كلمات رنت بأسماع أسما ... رنة السهم أو أشد وأصمى
وردت سرّ أمها والمعمى ... من حياة كانت بلاءً وظلما
لفتاةٍ لم تأتِ أمراً فريّا
صغرت نفسها هواناً وذلاّ ... وامّحى ظلُّ عجبها واضمحلاّ
لحظةٌ لم تدع لأسماء ظلاّ ... من ليالي أحلامها البيضِ قبلا
فجرى دمعها وكان أبيّا
وسرت في العظام منها الحمى ... سرياناً راع الطبيب وهمّا
أم أسما لا كان مثلك أمّا ... ليس بالجسم داء بنتك أسما
إن في القلب داءَها المخفيا
فتواري عنها إلى الظلماتِ ... ودعيها ترجعْ إلى الجناتِ
أن تكوني شر النسا الأمهاتِ ... فهي شمس العرائس الطاهراتِ
وهي زهر الآداب طيباً وريّا. . .
بين دمع ولوعةٍ وزفير ... جثت الأمُّ قرب ذات السريرِ
وتراَءت لها أفاعي الضمير ... نازلات منهُ بمثل القبورِ
تنهش اللحم ما لعظام مرّبا
وتراءت أمامها الأشباحُ ... وضحايا الخداع والأرواحُ
стр. 661
يوم كانت ولحظها السفاحُ ... دمُ قتلاه مهرقٌ ومباحُ
وهي تسقى دم الكروم هنيا
لا وفاءٌ لا عزة لا صدودُ ... لا ضمير لا ذمة لا عهودُ
لا شرفٌ ضائعٌ وكف جحود ... وفؤادٌ له الدنايا قيودُ
لم تفارقهُ يابساً وطريّا
فأحست بما جنت في صباها ... وبكت حظها دماً وبكاها
وانحنت فوق بنتها ترعاها ... وهي بالخلد شاخص ناظراها
والردى هاتف إلى القبر هيا
ربِّ قالت رفقاً بشمس حياتي ... خذ حياتي واحفظ حياة فتاتي
ما مضى فات والذي هو آتِ ... قمت فيهِ بالزهدِ والصلواتِ
وسقيت التراب من عينيا
أنا بنت الهوى وبنت الخطيه ... أنا أشقى من كل أمٍ شقيه
أنا يا رب مريم المجدلية!! ... نظرة من علاك تشفِ الصبيه
وتجدد إيماني العيسويا. . .
أمَّ أسماء فات وقت المتاب ... فاسألي للفتاة خير الثواب
والبس بعدها سواد الثياب ... واندبي الغصن ذابلاً في التراب
وصباح الشباب ليلاً دجيا. . .
ذبلت وردة الشام سقاما ... وهي ترنو إلى الحمام ابتساما
لا غرام حتى تخاف الحماما ... إن من عفَّ ليس يدري الغراما
وفؤاد الفتاة كان خليا
стр. 662
لم تقل حين أومأت بالسلام ... ساعة الموت غير هذا الكلام
كل ذلي وشقوتي وسقامي ... وبلائي وما رأيت أمامي
كل هذا جنتهُ أمي عليا
شبلي ملاط
جرائد سورية ولبنان
(سبق الكلام عن الجرائد اليومية وفي العدد القادم كلام عن المجلات)
٢ - الجرائد الأسبوعية
١ - المناظر: صاحبها نعوم لبكي، الكاتب المعروف في سورية ومصر والمهجر. جريدته ربنة عاقلة، تقرأ مقالاتها وأخبارها بسرورٍ وارتياح. هذا ذات مبدأ في كل مباحثها. وهي محتجبة الآن. وستظهر قريباً في لبنان.
٢ - البرق (بيروت): صاحبها بشارة الخوري. الكاتب الرقيق والشاعر اللطيف. جريدته عنوان الاعتناء، ومثال الذوق والترتيب. تقرأها الشبيبة الراقية. وتخشى الحكومة اللبنانية وحزب المتصرّف سهام شواردها ورؤوس حرابها. وهي أكثر الجرائد انتشاراً.
٣ - المراقب (بيروت): صاحبها جرجي شاهين عطية. كاتب عاقل. وشاعر صميم. جريدته رصينة، ولها مباحث سياسية جديرة بالاعتبار. تطربك افتتاحياتها، وتسليك رواية أسبوعها.
٤ - الحرية (بيروت): صاحبها داود مجاعص. كاتب جريء
стр. 663
متطرف. كثير الذكاء. قليل الاعتناء. له صيحات مشهورة قبل ٢٤ تموز جريدته عدوة المتصرّف ومريديه. وحي محتجبة الآن لأسباب قاهرة.
٥ - الوطن (بيروت): كان يومياً بعناية الشاعر المطرب شبلي بك ملاط. وقد أصبح أسبوعياً بإدارة باترو باولي. هو كاتب متطرف. له انتقادات صائبة. وملاحظات مفيدة.
٦ - الحارس (بيروت): صاحبة أمين الغريّب، صاحب المهاجر سابقاً. كاتبٌ عصريّ متفنن، خلق ليكون صحافياً. يصدر جريدته مرتين في الأسبوع بحجم المناظر. له اعتناء خاص في انتقاء المواضيع والأخبار اللذيذة المسلّية.
٧ - البشير (بيروت): أنشأه الآباء اليسوعيون بعد احتجاب مجلة المجمع الفاتيكاني. مديره الأب لويس معلوف الزحلي المولد. يصدر اليوم مرتين في الأسبوع وله خطة قديمة لم يحد عنها قط. هو في ثباته على مبدأه خيرٌ من أكثر الجرائد المتقلبة.
٨ - النشرة الأسبوعية (بيروت): أنشاها المرسلون الأمريكان. يحرر رئيسياتها ويعتني بلغتها العالم الكبير إبراهيم الحوراني. وهو كاتبٌ بليغ وشاعر مدهش. له قلمٌ سيال يجعل
للنشرة رونقاً.
٩ - لسان الاتحاد (بيروت): صاحبها فيلكس فارس. كاتبٌ وخطيبٌ جريء، أفكارها جديدة، يميل إلى الخيال. للجريدة اعتبارٌ وشأن عند أعضاء الاتحاد والترقي. ولو أن سرعة انتشار الجريدة تتوقف على سرعة قلم كاتبها لكان لسان الاتحاد أوسع الجرائد انتشاراً.
стр. 664
١٠ - أبابيل (بيروت): صاحبها حسين محيي الدين حبَّال. كاتبٌ جارح مصيب وجريدتهُ وطنية بحتة وانتقاداتها عادلة.
١١ - الإقبال (بيروت): صاحبها عبد الباسط الأنسي. محررها الشيخ محيي الدين الخياط. هو أغزر كتّاب المسلمين البيروتيين مادة، وأعلاهم كعباً. هو عندهم الأستاذ البستاني عند المسيحيين. ولو أنه يهتم بالمواضيع العمومية اهتمامه بالمواضيع الإسلامية لكان الإقبال أنفع الجرائد وأرقاها.
١٢ - لبنان: صاحبها إبراهيم الأسود. هو من الحكومة وللحكومة ومع الحكومة. يناصرها ويدافع عنها في كل حين. وتختلف الجريدة رقياً باختلاف محرريها. ويكتبها اليوم محبوب الشرتوني وهو كاتبٌ وشاعرٌ مجيد. مركز الجريدة بيروت.
١٣ - الصفاء (عاليه - لبنان): صاحبها علي ناصر الدين، محررها ولده أمين ناصر الدين. هو شاعرٌ فحل وكاتبٌ بليغ. للجريدة اعتناءٌ خاص بالمواضيع الدرزية اعتناء البشير بالمسائل اليسوعية، والإقبال بالشؤون الإسلامية.
١٤ - المهذب (زحلة): صاحبها الخوري بولس الكفوري. هي الجريدة التي تعيش في لبنان لتفيد دون أن تستفيد. منشئها شمعة مضيئة في زحلة تذوب لتنير غيرها. كاتب افتتاحياتها اليوم خليل سعد. وهو عالمٌ كبير وكاتب ناضج.
١٥ - البردوني (زحلة): صاحبها اسكندر الرياشي. هو يكتب
стр. 665
للشبيبة والشبيبة المقبلة على جريدته ولو اعتدل في الهزليات لكان البردوني أفضل جريدةٍ في زحلة.
١٦ - زحلة الفتاة: صاحبها إبراهيم الراعي. محررها شكري بخاش. كانت مجتهد حرّ. الجريدة صلة بين زحلة والمهجر. لها اهتمامٌ خاص بتاريخ زحلة ورجالها الذين اشتهروا بالسيف والقلم والصناعات. تعتني في محلياتها اعتناءً شديداً.
١٧ - الإخاء (حماه): صاحبها جبران مسّوح. كاتبٌ عصري متطرف ولكنه مصيب. له انتقادٌ عادلٌ على الجرائد والمجلات العربية التي تنقل ولا تشير إلى مكان النقل. للجريدة مباحث اجتماعية خليقة بالاعتبار.
١٨ - حمص (في حمص): صاحب امتيازها سيادة المطران اثناسيوس عطا الله. محررها قسطنطين يني. كاتبٌ عصري رقيق وشاعر أرق، تعتني الجريدة في شؤون المهاجرين. ولا عجب، فمنهم نشأت. وبمكارمهم نمت وأزهرت.
هذه أهم الجرائد الأسبوعية التي أقرؤها دائماً على وجه التقريب. وهناك جرائد عديدة كالحقيقة. والأيام، والخرج، وحط بالخرج، والرشيد، وصدى الجامعة العثمانية، وحمارة بلدنا، وطرابلس، وعيواظ، والحكمة، والروضة، ولبنان الرسمية، والاتفاق، والأجيال، والشعب، والتقدم، والراوي، والمنتخبات، والنفير، والكرمل، والزهرة، وفلسطين، وغيرها من الجرائد التي ضربت عن ذكرها صفحاً لعدم تمكني من قراءتها طويلاً والسلام.
- حليم إبراهيم دموس
стр. 666
أزهار وأشواك
سمكة أبريل
رويت لقرائي السنة الماضية حكاية هذه السمكة أو الكذبة فاكتفي اليوم برواية إحدى الكذبات المشهورة في هذا الصدد: أعلن أحد الظرفاء في جريدة باريسية عن رغبته في الزواج وطلب من الراغبات في الاقتران به أن يكتبن إليه عن عنوانهنّ إلى نمرة عينها لهن. وأردف هذا الإعلان بإعلان آخر عن لسان فتاة غنية جميلة تطلب من الشبان الراغبين في الزواج مثل ما طلب في إعلانه الأول من الشابات. فاجتمع لديه في مدة وجيزة ما يناهز المئتين من الأجوبة الواردة من الفتيات ومثلها من أجوبة الفتيان، فأجاب كلاً بمفرده ضارباً له موعداً في إحدى ساحات باريس العمومية للمقابلة وطلب من الفتى - أو الفتاة - أن يزين صدره بوردة بيضاء لسهولة التعارف ثم كتب - دائماً باسم مستعار - إلى مدير البوليس ينبئه بوجود مؤامرة من الحزب الملكي ضد الجمهورية وعزم الأعضاء على مباغتة الحكومة بمظاهرة كبيرة وأفهمه أن شارة المتآمرين وردة بيضاء. فلما أزف الموعد اجتمع في الساحة المعينة أربعمئة فتى وفتاة تقريباً وعلى صدورهم الورد الأبيض. وإذا بالبوليس مقبلٌ بخيله ورجله للقبض على أعضاء المؤامرة الموهومة. ولم يلبث أن جاءت إشارة تلفونية من المحافظة أن قد أتاها أن المسألة من قبيل كذبة أول أبريل. . . فضحك البوليس وضحك المتآمرون وضحك خصوصاً مدبر هذه الحيلة. . .
стр. 667
زيٌّ جديد
وما أكثر أزيائك يا سيدتي! وما أدهش تفننك في ملابسك. . . ضلّ الحكيم القائل لا جديد تحت الشمس أو أن قوله وصل إلينا ناقصاً مبتوراً، ولا شك أنه استثنى مما نفى فقال:. . . إلا ما تولدهُ أدمغة النساء ويا لله من أدمغة بنات حواء! حملت في ما مضى الحملة الشعواء على مودة المقيدات فنالني ما نالني من غضب السيدات أثناء تلك الحملة. ولذلك لستُ بمجددها اليوم بمناسبة مودة السراويل والشناتين التي بدت طلائعها في ربوعنا، بل أن أتقهقر بانتظام أمامها. وأخلي لها المكان، فامرحي أيتها الحسناء ما شئت في شنتانك الجديد وسروالك الحديث، فقد كفى ما أصاب رجليك وساقيك من الضغط والتقييد. وأنا أضع على رسمك الذي زينت بهِ هذه الصفحة باقة من أزهاري، حافظاً أشواكي لوقتٍ
آخر.
الحكومة والأدباء
أبت حكومتنا المصرية إلا أن تضع يدها على كل كاتب أديب أو شاعر بليغ. وآخر من استهواه ذهبها الوهاج واستماله راتبها الضخم حافظ إبراهيم شاعر النيل، فاختطفته من بين الرياض التي كان يغازلها، والنجوم التي كان يناجيها، وجماعة البؤساء التي كان يسليها، ووضعته في المكتب الخديوية لينسقها ويحليها، ومن عرف ما في دماغ حافظ من بديع المحفوظ أيقن أن الحكومة قد ضمّت إلى مكتبتها الجامدة مكتبة حية. وإذا كان
стр. 668
قد شق على الكثيرين أن يروا حافظاً منصرفاً عن خدمة دولة الشعر إلى دولة الإدارة فإنهم يتعزون متى عرفوا أنه ضمن حياته عن غير طريق القصبة المشقوفة. وقد خاطبه أحمد نسيم بهذه الأبيات:
أديبَ الأمتين لك البقاءُ ... سعدت فلا عناء ولا شقاء
نقضت عنك أيامٌ طوال ... من البأساءِ وارتفع البلاءُ
أتيتُ إليك في بردَى أديبٍ ... كريم لا يدنسه الرياءُ
يصوغ لك التهاني في قوافٍ ... لها بك في متانتها اقتداءُ
كعهدك لا تكن إلا وفياً ... سجيّته المروءةُ والوفاءُ
أتحجبك المناصب عن نسيم ... وتُبعدك المراتبُ والعلاءُ
وألا كيف كنتَ فأنت خدنٌ ... خليقته المودةُ والإخاءُ
أتذكر يومَ تذكر بؤس عيش ... وأنت إزاَءه وأنا سواءُ
ويوم نذمُّ دنيانا ونشكو ... أناساً خاب عندهمُ الرجاءُ. . .
تقول إذا استطعت وهبت نفسي ... فما عندي سوى نفسي سخاءُ
فأما الآن ليس لديك عذرٌ ... ولا لك عن مواساتي إباءُ
إذا أنشدتُ بين يديك شعري ... وتمداحي فقد وجب العطاءُ
وفي عشرين ديناراً لمثلي ... إذا مُنحت قنوعٌ واكتفاءُ
بحق البؤسِ إن لم تعطينها ... فما لك بعدها إلا الهجاءُ
وإلا فالسلامُ عليك مني ... إذا قالوا على الشعر العفاءُ
فليحذر حافظ اليوم هجاء زملائهِ المعجبين بهِ بالأمس، وليكن لحالهم ذاكراً، ولعهدهم حافظاً.
حاصد
стр. 669
رواية الشهر
العروسان
أغرم لوتيك بإيقون الرائعة الجمال، وكان كلاهما في سن يحن فيها القلب إلى القلب، وتتوق النفس إلى النفس. وكانا يقطنان بريطانيا والعادات القديمة لا تفتأ مرعية تتجلى فيها بأبهى مظاهرها والطباع الكريمة تظهر بأجمل حلاها. وكان حبهما طاهراً يرفع قلب الإنسان إلى أعلى مراتبه السامية، ويهذّب الطباع على خير ما تبتغيه البشر. فإذا خرجا من الكنيسة يوم الأحد استقرا الأنظار وتكلما بالعيون كما كانا يتراسلان كتب الهيام مع هبوب النسيم وتألق النجوم. غير أن إيفون كانت فقيرة لا تملك سوى بقرة واحدة تنتجع الكلاء في الرياض الخضرة وترد الماء في المناهل العذبة. وكان لوتيك قبلة حبها وكعبته غنياً يملك العقارات والضياع وكروم التفاح ولم يكن لأحد من السادة ما كان له من الحلي والحلل النفيسة والدرر اليتيمة. أما والد لوتيك فكان رجلاً محنكاً ذا خبرة بأحوال العالم عليماً بأسرار الغرام فشعر بحب ولده وقال يوماً لزوجته حنة: إني أرى لوتيك يكاد يكون مقطباً فلا يبسن إلا متجهماً ولا يتكلم إلا مدمدماً. ألف الأسى فكأنما بين الأسى قرب وبين قلبه الدامي. على أني عرفت علة حزنه وسبب وجومه فإنه قد اختار لك كنة فتاة فقيرة لا تملك من حطام الدنيا إلا بقرة وهو مالها التليد الوحيد ولكنها بديعة ذات محاسن هيفاء القد تخجل البدر إذا طلع والنجم إذا سطع. ألا يمكن الفضيلة والجمال أن يعوضا عن الغنى والجاه لنضربنَّ صفحاً عن غرامه ولندعه وشانه وليقترن بحليلة أصمت فؤاده بنبال هواها وتيمته بجمال طلعتها.
وآهاً لك أيها القلم تكسر على صخور عجزك وتمزق يا قرطاس بين أنياب ضعفك فإنكما لا تستطيعان أن تعربا عما خامر قلبي ذينك الشابين من السرور والجذل لما أنبأهما والد لوتيك برضاه عن زفافها إليه. فلا خير في يراعٍ يخون الفكر ولا ينقاد للقلب
стр. 670
ولا جناح إذا مزق طرس ينوء بوقر حديث الابتهاج. فانطرح لوتيك بين ذراعي والديه ودموعهُ تهمي. أما إيفون فإنها ضمن يديها إلى صدرها ورفعت عينيها إلى السماء شاكرة لرحمان. غير أنه لم يكن لها من يقاسمها أفراحها فالموت القاسي كان قد مزق بمخالبه المفترسة حياة والديها وزج بهما في أعماق القبور.
بزغت غزالة النهار مائسة تبدد عن الأفق غيوم الظلماء كما كانت شمس الحب تمزق بأضوائها المتلألئة حنادس الحزن والأسى عن قلب لوتيك وعشيقته إيفون. قرع الناقوس واحتشد القوم في الساحة العمومية ينتظرون بذاهب الصبر قدوم العروسين ليسرحوا الأنظار في حسن محيا إيفون الفتاة. وما كنت ترى إلا عيوناً شاخصة ولا تسمع إلا أفواهاً تقول ما أجمل وأبهى سنا طلعتها. فرفع الكاهن يديه وقال: ليبارككما رب السماء وليسكب عليكما غيث رضوانه ما أحسن مثلكما فعلى الأغنياء أن يمدوا يد المصافحة إلى البؤساء لنهم كلهم أبناء أسرة واحد، اذهبا وعيشا بسلام آمنين.
بالقرب من تلك القرية جزيرة صغيرة تتحطم على صخورها أمواج البحر المتلاطمة وتأوي الطيور إليها فتؤنس وحشتها بشجي ألحانها حتى أن القادم إليها يكاد يحسب نفسه قد هبط في جنة عدن أو صعد إلى عالم الأبرار وكان يسكنها ناسك قوَّست الأيام ظهره وأضعفت السنون بصره وكان على كل من يتزوج من سكان هذه القرية أن يقدم له شيئاً من العسل واللبن. فركب العروسان القارب ترافقهما أصوات الغناء وعزف آلات الطرب حتى إذا قاما بالعادة المرعية وقدما للناسك الهدايا المعدة ركبا البحر فشاهدا من أهواله ما لا يعبر عنه إذ سمعا للجبال صفيراً وللرياح دوياً عظيماً وزفيراً والأمواج تطرب لسماع أصوات الرياح فكانت طوراً تبتعد وتضطرب وتارة تلتطم وتصطفق فلما أيقنا أنهما لا يجدان إلا فضل الله واقياً ومجيراً قالت إيفون: رب نجنا من وهدة العطب ولك منا أن نزور مذبح هامة رسلك. فاستجاب الله الدعاء. فهدأ البحر وسكن وحصل بعد الشدة الفرج وشما من السلامة أطيب الأرج.
следующие страницы →