← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أزهار وأشواك سمكة أبريل رويت لقرائي السنة الماضية حكاية هذه السمكة أو الكذبة فاكتفي اليوم برواية إحدى الكذبات المشهورة في هذا الصدد: أعلن أحد الظرفاء في جريدة باريسية عن رغبته في الزواج وطلب من الراغبات في الاقتران به أن يكتبن إليه عن عنوانهنّ إلى نمرة عينها لهن. وأردف هذا الإعلان بإعلان آخر عن لسان فتاة غنية جميلة تطلب من الشبان الراغبين في الزواج مثل ما طلب في إعلانه الأول من الشابات. فاجتمع لديه في مدة وجيزة ما يناهز المئتين من الأجوبة الواردة من الفتيات ومثلها من أجوبة الفتيان، فأجاب كلاً بمفرده ضارباً له موعداً في إحدى ساحات باريس العمومية للمقابلة وطلب من الفتى - أو الفتاة - أن يزين صدره بوردة بيضاء لسهولة التعارف ثم كتب - دائماً باسم مستعار - إلى مدير البوليس ينبئه بوجود مؤامرة من الحزب الملكي ضد الجمهورية وعزم الأعضاء على مباغتة الحكومة بمظاهرة كبيرة وأفهمه أن شارة المتآمرين وردة بيضاء. فلما أزف الموعد اجتمع في الساحة المعينة أربعمئة فتى وفتاة تقريباً وعلى صدورهم الورد الأبيض. وإذا بالبوليس مقبلٌ بخيله ورجله للقبض على أعضاء المؤامرة الموهومة. ولم يلبث أن جاءت إشارة تلفونية من المحافظة أن قد أتاها أن المسألة من قبيل كذبة أول أبريل. . . فضحك البوليس وضحك المتآمرون وضحك خصوصاً مدبر هذه الحيلة. . .

стр. 667

زيٌّ جديد وما أكثر أزيائك يا سيدتي! وما أدهش تفننك في ملابسك. . . ضلّ الحكيم القائل لا جديد تحت الشمس أو أن قوله وصل إلينا ناقصاً مبتوراً، ولا شك أنه استثنى مما نفى فقال:. . . إلا ما تولدهُ أدمغة النساء ويا لله من أدمغة بنات حواء! حملت في ما مضى الحملة الشعواء على مودة المقيدات فنالني ما نالني من غضب السيدات أثناء تلك الحملة. ولذلك لستُ بمجددها اليوم بمناسبة مودة السراويل والشناتين التي بدت طلائعها في ربوعنا، بل أن أتقهقر بانتظام أمامها. وأخلي لها المكان، فامرحي أيتها الحسناء ما شئت في شنتانك الجديد وسروالك الحديث، فقد كفى ما أصاب رجليك وساقيك من الضغط والتقييد. وأنا أضع على رسمك الذي زينت بهِ هذه الصفحة باقة من أزهاري، حافظاً أشواكي لوقتٍ آخر. الحكومة والأدباء أبت حكومتنا المصرية إلا أن تضع يدها على كل كاتب أديب أو شاعر بليغ. وآخر من استهواه ذهبها الوهاج واستماله راتبها الضخم حافظ إبراهيم شاعر النيل، فاختطفته من بين الرياض التي كان يغازلها، والنجوم التي كان يناجيها، وجماعة البؤساء التي كان يسليها، ووضعته في المكتب الخديوية لينسقها ويحليها، ومن عرف ما في دماغ حافظ من بديع المحفوظ أيقن أن الحكومة قد ضمّت إلى مكتبتها الجامدة مكتبة حية. وإذا كان

стр. 668

قد شق على الكثيرين أن يروا حافظاً منصرفاً عن خدمة دولة الشعر إلى دولة الإدارة فإنهم يتعزون متى عرفوا أنه ضمن حياته عن غير طريق القصبة المشقوفة. وقد خاطبه أحمد نسيم بهذه الأبيات: أديبَ الأمتين لك البقاءُ ... سعدت فلا عناء ولا شقاء نقضت عنك أيامٌ طوال ... من البأساءِ وارتفع البلاءُ أتيتُ إليك في بردَى أديبٍ ... كريم لا يدنسه الرياءُ يصوغ لك التهاني في قوافٍ ... لها بك في متانتها اقتداءُ كعهدك لا تكن إلا وفياً ... سجيّته المروءةُ والوفاءُ أتحجبك المناصب عن نسيم ... وتُبعدك المراتبُ والعلاءُ وألا كيف كنتَ فأنت خدنٌ ... خليقته المودةُ والإخاءُ أتذكر يومَ تذكر بؤس عيش ... وأنت إزاَءه وأنا سواءُ ويوم نذمُّ دنيانا ونشكو ... أناساً خاب عندهمُ الرجاءُ. . . تقول إذا استطعت وهبت نفسي ... فما عندي سوى نفسي سخاءُ فأما الآن ليس لديك عذرٌ ... ولا لك عن مواساتي إباءُ إذا أنشدتُ بين يديك شعري ... وتمداحي فقد وجب العطاءُ وفي عشرين ديناراً لمثلي ... إذا مُنحت قنوعٌ واكتفاءُ بحق البؤسِ إن لم تعطينها ... فما لك بعدها إلا الهجاءُ وإلا فالسلامُ عليك مني ... إذا قالوا على الشعر العفاءُ فليحذر حافظ اليوم هجاء زملائهِ المعجبين بهِ بالأمس، وليكن لحالهم ذاكراً، ولعهدهم حافظاً. حاصد

стр. 669

رواية الشهر العروسان أغرم لوتيك بإيقون الرائعة الجمال، وكان كلاهما في سن يحن فيها القلب إلى القلب، وتتوق النفس إلى النفس. وكانا يقطنان بريطانيا والعادات القديمة لا تفتأ مرعية تتجلى فيها بأبهى مظاهرها والطباع الكريمة تظهر بأجمل حلاها. وكان حبهما طاهراً يرفع قلب الإنسان إلى أعلى مراتبه السامية، ويهذّب الطباع على خير ما تبتغيه البشر. فإذا خرجا من الكنيسة يوم الأحد استقرا الأنظار وتكلما بالعيون كما كانا يتراسلان كتب الهيام مع هبوب النسيم وتألق النجوم. غير أن إيفون كانت فقيرة لا تملك سوى بقرة واحدة تنتجع الكلاء في الرياض الخضرة وترد الماء في المناهل العذبة. وكان لوتيك قبلة حبها وكعبته غنياً يملك العقارات والضياع وكروم التفاح ولم يكن لأحد من السادة ما كان له من الحلي والحلل النفيسة والدرر اليتيمة. أما والد لوتيك فكان رجلاً محنكاً ذا خبرة بأحوال العالم عليماً بأسرار الغرام فشعر بحب ولده وقال يوماً لزوجته حنة: إني أرى لوتيك يكاد يكون مقطباً فلا يبسن إلا متجهماً ولا يتكلم إلا مدمدماً. ألف الأسى فكأنما بين الأسى قرب وبين قلبه الدامي. على أني عرفت علة حزنه وسبب وجومه فإنه قد اختار لك كنة فتاة فقيرة لا تملك من حطام الدنيا إلا بقرة وهو مالها التليد الوحيد ولكنها بديعة ذات محاسن هيفاء القد تخجل البدر إذا طلع والنجم إذا سطع. ألا يمكن الفضيلة والجمال أن يعوضا عن الغنى والجاه لنضربنَّ صفحاً عن غرامه ولندعه وشانه وليقترن بحليلة أصمت فؤاده بنبال هواها وتيمته بجمال طلعتها. وآهاً لك أيها القلم تكسر على صخور عجزك وتمزق يا قرطاس بين أنياب ضعفك فإنكما لا تستطيعان أن تعربا عما خامر قلبي ذينك الشابين من السرور والجذل لما أنبأهما والد لوتيك برضاه عن زفافها إليه. فلا خير في يراعٍ يخون الفكر ولا ينقاد للقلب

стр. 670

ولا جناح إذا مزق طرس ينوء بوقر حديث الابتهاج. فانطرح لوتيك بين ذراعي والديه ودموعهُ تهمي. أما إيفون فإنها ضمن يديها إلى صدرها ورفعت عينيها إلى السماء شاكرة لرحمان. غير أنه لم يكن لها من يقاسمها أفراحها فالموت القاسي كان قد مزق بمخالبه المفترسة حياة والديها وزج بهما في أعماق القبور. بزغت غزالة النهار مائسة تبدد عن الأفق غيوم الظلماء كما كانت شمس الحب تمزق بأضوائها المتلألئة حنادس الحزن والأسى عن قلب لوتيك وعشيقته إيفون. قرع الناقوس واحتشد القوم في الساحة العمومية ينتظرون بذاهب الصبر قدوم العروسين ليسرحوا الأنظار في حسن محيا إيفون الفتاة. وما كنت ترى إلا عيوناً شاخصة ولا تسمع إلا أفواهاً تقول ما أجمل وأبهى سنا طلعتها. فرفع الكاهن يديه وقال: ليبارككما رب السماء وليسكب عليكما غيث رضوانه ما أحسن مثلكما فعلى الأغنياء أن يمدوا يد المصافحة إلى البؤساء لنهم كلهم أبناء أسرة واحد، اذهبا وعيشا بسلام آمنين. بالقرب من تلك القرية جزيرة صغيرة تتحطم على صخورها أمواج البحر المتلاطمة وتأوي الطيور إليها فتؤنس وحشتها بشجي ألحانها حتى أن القادم إليها يكاد يحسب نفسه قد هبط في جنة عدن أو صعد إلى عالم الأبرار وكان يسكنها ناسك قوَّست الأيام ظهره وأضعفت السنون بصره وكان على كل من يتزوج من سكان هذه القرية أن يقدم له شيئاً من العسل واللبن. فركب العروسان القارب ترافقهما أصوات الغناء وعزف آلات الطرب حتى إذا قاما بالعادة المرعية وقدما للناسك الهدايا المعدة ركبا البحر فشاهدا من أهواله ما لا يعبر عنه إذ سمعا للجبال صفيراً وللرياح دوياً عظيماً وزفيراً والأمواج تطرب لسماع أصوات الرياح فكانت طوراً تبتعد وتضطرب وتارة تلتطم وتصطفق فلما أيقنا أنهما لا يجدان إلا فضل الله واقياً ومجيراً قالت إيفون: رب نجنا من وهدة العطب ولك منا أن نزور مذبح هامة رسلك. فاستجاب الله الدعاء. فهدأ البحر وسكن وحصل بعد الشدة الفرج وشما من السلامة أطيب الأرج.

стр. 671

وآهاً لك يا أيام الفرج والسرور ما لك تمضين كوميض البرق ما لك تمرين مر السحاب ولا تعودين. يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا ... دهراً وردَّ من الهوى يوماً كفى مضى شهر على عرسهما. رعياً لكما أيها الزوجان المسيحيان أن الدين يأمركما فسافرا وودعا الأوطان والأهل والخلان. والوداع يا بريطانيا الحبيبة الوداع. مضى اليوم الأول والقلب راجف ولكن للأيام حداً وللأسى نهاية فكما يفنى السرور هكذا تفنى الهموم. أما كانا يجددان العزم بحديث الحب وغضاضة الشباب، ألا يكفي الغرام لتبديد ما تلبد في أفق سماء النفس من غيوم السآمة والكآبة. كانا يمشيان باحترام ويركعان أمام المعابد ويتصدقان على الفقراء. وإذا ما الشمس أحرقت بلظى أوارها ولهيب شعاعها أديم الأرض التجأا إلى ظل بعض الأشجار فأكلا الخبز تقشفاً وشربا الماء صرفاً وشكرا المولى ورب العباد. وكان الناس يرونهما ماشيين مطرقين والسبحة في أيديهما. على أن الحب فضاح فكان حنو نظرهما واضطراب قلبيهما يذيعان سرهما على الطريق ويهزان أفئدة الناس عطفاً عليهما. وإذا رآهما الشيوخ قالوا: حاجان يؤمان بين الله. أما الفتيات فيخلنهما عاشقين يتبادلان كلمات الصبابة والهيام. فلما اجتازا الوابور ووصلا إلى نيفير فاجأهما نبأ فشو الطاعون في تلك الضواحي وكان الموت يحصد بمنجله البتار كل من تقع يداه عليه، فقال لوتيك: بدار نهرب من هذه البلدة لئلا يصيبنا الداء. ولكنها لم تجب شيئاً بل اصفر وجهها واصطكت ركبتاها وارتجفت شفتاها ووقعت بين ذراعي زوجها وقالت: اهرب أنت وحدك يا حبيبي ودعني فإني مصابة، فقال لوتيك: ويلاه ماذا تقولين؟ لا تموتي بربك لا تدعيني وحدي. قلت كلا إني لا أقضي بل أنا ذاهبة لأعد لك مكاناً في جنة الخلد ودار البقاء فلا تجزع يا حبيبي إني أنتظرك. تحت عرش الله إلى الملتقى. غداً يكثر الباكون منا ومنكم ... وتزداد داري عن دياركم بُعدا تحمل يا قلب تحمل ولا تتفطر حزناً وكمداً. وضع جثتها في التابوت بعد أن زودها بقبلاته الحارة وأنشده لها بصوته الرخيم غناء الوداع الأخير وحفر لها جدثاً تحت ظل

стр. 672

دوحة وزينهُ بالأزهار وسقاه بالدموع ثم مضى ولم يدع الحزن في قلبه ولم يذر. قضى النذر وعاد ووقف على قبر الحبيبة وقال: أفدي بروحي ذلك الوجه الذي ... جمع الجمال وحسن ذاك المبسم زيحي لثامك يا ابنة الصبح التي ... قد أصبحت شرفاً لكل الأنجم فمتى ترى عيناي ما قتلت به ... روحي عسى تحيي بمنظره السمي فلو انجلت كل الغواني لي ولم ... أكُ ناظراً لسناك لم أتنعم فضعي يديك على ضنا صدري عسى ... تدرين ما فعل الحمام بأعظمي عبثت أيادي الدهر بي فأذبنني ... وأعادت العبرات مثل العندم ها أنا ذا يا حبيبتي رجعت، ها أنا ذا قد أعتقت من أسر ذلك النذر المشؤوم، لقد ذهبت حتى ينابيع التيبر وصليت على أعظم الشهداء والقديسين فلا شيء الآن يوقف حياتي في هذا العالم إنها تطير مشتاقة إليك. يا رب أنت أعطيتني حياتي فلا تبخل علي الآن بمماتي. وأنتم يا حراس القبور والأموات أستحلفكم باسم الله وابنه أن تضمانا كلينا في قبر واحد وأن تكتبا عليه هذين البيتين: كنا على ظهرها والعيش في مهل ... والعيش يجمعنا والدار والوطنُ ففرق الدهر بالتشتيت الفتنا ... فاليوم يجمعنا في بطنها الكفنُ. قال هذا ووقع على القبر جثة هامدة. أنشدي أيتها الطيور احزن الألحان وخذ، مثلاً مما ترى أيها الإنسان. لما فتحوا قبر إيفون ليضموا لوتيك إليها توردت وجنتاها المصفرتان وأفتر ثغرها وتنحت ليلاً ووسعت لحبيبها مكاناً. فدهش الناس مما رأوا ونصبوا لهما قبراً منيفاً يركع بجنبه للصلاة من يريد أن يفتح قلبهُ للحب الزواجي الطاهر. (عن فيكتور هوغو) - حلب، لويس أسود

стр. 673

العدد ١٤ - بتاريخ: ١ - ٥ - ١٩١١ زهرة الشباب ١ يوم من أيام الربيع: جو السماء صافٍ ووجه الأرض زاهر زاهٍ. خرجت إلى البرية وفي النفس عوامل لم أدرك سرها المكنون، وكنت آنئذٍ أجد لذة قلبية في الوحدة والانفراد. نظرتُ إلى المغرب، فرأيتُ الشمس تتوارى وراء بحار من الذهب والياقوت، وستار الليل يمتدُّ شيئاً فشيئاً على وجه البسيطة وقد هبَّ نسيم لطيف ممسَّك فأحنى سنابل الحقل، وطلع القمر على أفق المشرق يتمايل تيهاً ويتمايس عجباً بين النجوم الزواهر وهو يرسل إلى الأرض أشعة أنواره الذهبية. وبينما أنا أسير مرتشفاً هذه الأنوار العلوية، مستنشقاً هذه الروائح العطرية، إذ ظهرت لي في غسق المساء مخلوقةٌ عجيبة نظرت إليَّ وابتسمت، وقد سترها رداءٌ أنصع بياضاً من زنابق الحقل، ولاحت على وجهها حمرة أبهى من حمرة الورد الذي يكلل رأسها. وكان شعرها

стр. 674

الذهبي مسترسلاً على كتفيها. ومن عينيها الدعجاوين تنبعث أنوار الأمل والطهارة. . فمدَّت نحوي إحدى يديها وأشارت إليَّ بالثانية إشارة الحنو والانعطاف. . . فبقيت برهةً شاخصاً إليها أقول في نفسي: لاشك إنها من سكان السماء. إذ لم يكن في بهائها الرائع شيءٌ أرضي، وكانت تحيط بها أنوار سماوية فتزيد في سنائها سناء. فمددت يدي وهتفت: ومن؟؟؟. . . . فأجابتني بصوتٍ أرقّ من نسيم الربيع وأعذب من نغمة الشحرور: يا صاحٍ، وضعني الإله الخلاق في صدرك عند ولادتك، فنموت وترعرعت معك وها أنا قد بلغت أشدي مع سنتك السادسة عشرة. فحياتي حياتك وموتي موتك. أنا شقيقتك وأكون رفيقتك في قطع مفاوز هذه الحياة إلى أن أذوي وأذبل فأطرح على الحضيض، فأتركك في نصف الطريق بعد أن نكون قطعنا معاً النصف الأول منها، وليس هذا اليوم ببعيد يا أخي. فحياة الزهرة رمزٌ عن حياتي القصيرة. فمتى ذبلتُ تأسف عليَّ حين لا يجدي التأسف. فلا ماء عينيك يحييني ولا حرارة قلبك تنعشني. . . أنا لستُ غنية، وكل ثروتي في الزهور التي تكلل رأسي، لكني سأسكب عليك نعماً يحسدك عليها كبار الأرض وأغنياؤها. وأضع على مفرق رأسك إكليلاً يغبطك به كل من نظر إليه. سأتتبع آثارك دائماً دون أن تنظرني غير أنك دائماً تشعر بوجودي. . . سأنفخ من روحي الطاهرة في الطبيعة لتروق عينك

стр. 675

وتبتسم لك في صباحك ومسائك. . . لكن عليك أن تقدّر هذه النعم قدرها قبل أن تفلت من يديك. وأدّخر منها للنصف الثاني من الطريق حيث أكون قد غادرتك. . . . . قالت وكان كلامها ينسكب على قلبي كندى الصباح وبعد برهة استأنفت الكلام: قلت لك يا أخي إن حياتي قصيرة ولكنه بوسعك أن تطيلها أو تقصرها. إن رجليّ نحيفتان فلا تقدني في المسالك الوعرة، وحمرة وجهي أبهى من حمرة الورد فلا تكدرها بريح الأهواء اللافحة، واعمل كي لا ينخزك الضمير إذا ما فقدتني. ومتى فارقتك فليبق ذكري محفوظاً طيَّ صدرك فينعشك ساعة القنوط ويضيء نبراسه ظلام حياتك وحينئذ أحنت رأسها نحوي كالملاك الحارس وشعرت بيدها تخطُ على جبهتي علامة سرية ففتحت يديَّ فكنت كالقابض على الهواء وتوارى طيفها في غسق المساء. . . ٢ يوم من أيام الخريف: عبس وجه السماء واكفهر، وعريت الأرض من بهائها ورونقها. وكنت سائراً أجد في حزن الطبيعة صورة حزني وقد استولت عليًّ الوحشة التي تستولي على القلوب عند غروب شمس النهار. فتراءت لي مخلوقة نظرت إليَّ وبكت، وقد اتشحت برداء ممزق بالٍ، ولاحت على خديها صفرة أشبه بصفرة الأوراق المتناثرة وقد حرقت

стр. 676

عينيها دموع الأسى، وكانت محنية الظهر كزنبقة ذابلة قُطعت عنها مياه الحياة. فعرفت فيها تلك التي ظهرت لي منذ خمسة عشر عاماً، وهتفت بصوت الرعشة: وما تريدين الآن؟. . . فأجابتني بصوتٍ أشد حزناً من زمهرير هواء الشتاء: قد أزفت ساعة الفراق وهو فراق أبدي، وقبل أن أتركك أحببت أن أودّعك وداعي الأخير. . . لقد أنكرتني يا ناكر الجميل. قمت أنا بكل وعودي لكنك لم تكترث لها. وضعت على رأسك إكليل الطهارة وخفرتك بحراس الإيمان والأمل والمحبة. . . آنست وحدتك بأحلام ذهبية وشغلت مخيلتك بأفكار زهرية، جعلت السماء تبسم لك والأرض تتهلل أمامك. أما أنت فقل لي بربك ماذا صنعت بكل هذه المواهب. . .؟ بذّرتها ودستها بالأقدام. . . فهتف بصوتٍ تخنقهُ العبرات: قد زال الغشاء عن عينيّ. ألا رحماك إبقي. . . ردّي إليَّ الأمل والمحبة فأفارق الحياة ولساني يستمطر عليك البركات. فأجابت: أنت ستعيش بعد. أما أنا فعما قليل سأموت. انظر إليّ واعرف ما قاسيتُ من المشقات. أنهكتَ قواي وهددت عزيمتي. كنتُ أرفع إليك نداء الاستغاثة وأسألك الرحمة، أما أنت فلم تفهم هذا النداء بل كنت تقودني وتدفعني إلى المهالك. فمزَّق ثوبي شوك الطريق وأدمى

стр. 677

قدميّ. وأحرقتني حرّ الهجيرة واستنزف ينبوع الحياة فيَّ. لم تعد ترطب زهرتي بماء الإيمان والرجاء فذبلت زهوري وتساقطت على الأرض ذاوية فنثرها الهواء في كل الأنحاء. . . كل هذا وأنت لا ترحم ولا تشفق. أما الآن فها قد جمد الدم في عروقي وعلا جبهتي اصفرار الموت فأتيت أودعك الوداع الأبدي الأخير. . . .!. فصرخت صرخة اليأس: لا. لا تموتين بل تعيشين فلم تنبس ببنت شفة، فأردفت قائلاً: ومن تكونين أيتها المخلوقة العجيبة. . .؟. فقالت: يا أخي أنا لست الآن شيئاً. . . لكنني كنت زهرة شبابك. قالت وتوارت عني في غيوم السماء فمددت يدي فلم أقبض إلا على زهور سقطت من إكليلها الوردي فأخذتها فإذا هي ذابلة لا أثر فيها لطيبها السابق ولنضارتها السالفة. فذرفت دموع الندامة وهتفت: ربي اقبل توبتي وامح خطيئتي واغسل ذنوبي يا أرحم الراحمين. . . . إلى السراية الصفراء تدل الإحصاءات الأخيرة في كل مملكة من العالم المعروف على أن عدد المجانين يزداد يوماً عن يوم وهي نظرية تخالف المألوف فإن العالم كما نعتقد في تقدم إلى الأمام نحو المدنية والرقي العقلي ولا أدري ما

стр. 678

معنى هذا التقدم إلى الرقي العقلي مع ازدياد عدد المجانين!! مسألة فيها نظر. محسوس بل وملموس باليد تقدم الصناعة ومشاهد بالعين تفوّق المكتشفين والمخترعين عن أسلافهم إذ لا أظن أن ابن آدم سبق فاخترع المنطاد أو اكتشف الكهرباء في حقب الزمان العابر أو عثر على مجاهل الأرض أو اخترق اللحم بأشعة فنظر العظم أو استأصل المعدة وعمل جهازاً لحياة صاحبها فعاش بدونها أو تطرف في الأبحاث الكهربائية فكلم أخاه على بعد شاسع بلا واسطة أو استخدمها لنقل صورة المتكلم في ثوانٍ لتظهر أمام المخاطب. مع الاعتراف بكل ذلك لا أدري معنى لهذا التقدم مع ازدياد عدد المجانين إلا إذا كان ازدياد عددهم يعد تقدماً للجنون!! أو أن أكون أنا مجنوناً هربت من السراية الصفراء ولا عجب فكم بين غير المحبوسين بها من هم أجدر وأولى بدخولهم فيها مصفدين بالحديد مقيدين بالأغلال. روى لي أحد الثقاة أن رجلاً كان يدعى علي كجك من نسل الأتراك الذين تمصروا يسكن حياً بالقاهرة من الأحياء الوطنية خرج يوم جمعة للصلاة بالمسجد فلقيُه رهط ممن لا خلاق لهم - وكثيرٌ ما هم - فابتدروه بقولهم علي كشكش ومازالوا به حتى خلص منهم بدخوله إلى المسجد. حبس نفسهُ في بيته شهرين وظن بعد ذلك أن الرهط انقشع أو نسيهُ فخرج في يوم جمعة إلى المسجد ولكن القوم قابلوه بمثل ما فعلوا وزادوا على ذلك قولهم حرامي المشمش ومازالوا به حتى جنّ

стр. 679

الرجل فتناول حجراً وضرب به أحدهم فشج رأسه فاستاقوه إلى المخفر ومنه إلى المحكمة حيث كان المرحوم الشيخ محمد عبده على كرسي القضاء الأهلي ولما سأله القاضي عن جرمه اعترف ولم يجحده ولكنه قال إنه فعل ذلك عن سبب فسأله القاضي عن السبب فقال صلّ على النبي فأجابه الإمام فكرر الرجل طلب الصلاة على النبي مراراً والإمام يجيبهُ إلى أن ملَّ القاضي من هذه المطاولة فقال ألا تقص السبب؟ فقال المجرم إذا كنت وأنت الإمام المعروف مللتَ الصلاة على النبي أفلا أملّ أنا من صياح هؤلاء خلفي بما أكره؟ هذا هو أحد المجانين جن من الناس وراح فريسة أخيه الإنسان لا ذنباً جنى ولا جرماً ارتكب ولا حشيشاً تعاطى ولا شأواً قصده فلم يدركه فكأنما كلما تقدم الإنسان تأخر وكلما داوينا جرحاً سال جرح. دخلت طور الكهولة وعركت شطراً طويلاً من الدهر وعاشرت الناس أجناساً متعددة بأخلاق متباينة - عاشرتهم حسب أخلاقهم وإني أقسم بمن يرحم روح المسكين حرامي المشمش إني عييت عن درس طباعهم ومعرفة طلباتهم. يعضك أحدهم بنيابه ويجبهك لأنك لا تصلي ويقول لمن حوله أبيبه فإن صلاة العشاء قد وجبت!!! يذكر أحدهم أخاه الإنسان في غيبته ذكراً مؤلماً حتى ليكاد يبكي من حدته وحتى تظن أنه إذا قابله قتله، وقبل أن يتم اغتيابه يحضر ذلك المذكور بالسوء فيقفز المغتاب دون الجماعة للقياه ويأخذه ملء حضنه

стр. 680

ويقبله عشراً ويجامله ويفسح له مكاناً بجانبه ويشرب نخبه!!! يسمع الجالسون ذلك ويرونه ولا يجرأ أحدهم على صفه المغتاب الأثيم بل يسكت وهو بسكوته يساعد على انتشار الرذيلة. يأخذك أحدهم على معزل ويقول لك أنه يريد أن يكلمك في أمر ذي شأن ولكنه سريّ جداً ويهمك الاطلاع عليه حتى إذا ما شوّقك إلى سماعه استحلفك بالطلاق أن لا تبوح به لأحد فإذا فعلت وحلفت قال لك أن فلاناً قال عنك كذا وكذا وكذا فتصبح في حيرة لا أنت بالقادر على مناقشة المغتاب الحساب لأنك مقيد بالحلف ولا أنت بالقادر على كظم غيظك فتبتلى بمرض في فكرك فتجن فتساق إلى السراية الصفراء ولا ادري على من يكون الذنب في جنونك - أعلى المغتاب أم الجالسين معه الذي تجردوا من الشجاعة الأدبية أم ذلك الذي بلّغَك فكسر قلبك. تضيق نفسك ليلة فتذهب إلى محل التمثيل عسى أن يذهب بهمك فتجد المكان غاصاً بجمهور المتفرجين فينشرح صدرك وتظن أننا عرفنا أين نقضي سهراتنا حتى إذا بدأ التمثيل ووصل الممثل إلى قطعة محزنة مثل موت رومية على قبر حبيبته جولييت ثم موت جولييت ظهرت لك أخلاق القوم بكل مظهرها إذ ترى الجمع وقد اختبط - تسمع تصفيقاً حاداً وطلب استعادة تلك القطعة المحزنة ليس لأن الممثل أو الممثلة أجاد أو أحسنت بل لظنهم أن تلك التأوهات التي مثلتها الممثلة أحسن تمثيل إنما هي خلاعة منها - ذلك لأنهم لم يفقهوا معنى لما سمعوا -

стр. 681

ترى ذلك وتسمعهُ فتذهب إلى بيتك محموماً بحمى دماغية فتجن فتؤخذ إلى السراية الصفراء. تجول بطرفك بين من حولك فتجد شباكاً منصوبة للكيد بك خيوطها بأيدي من أحسنت إليهم فتصرف وقتك في التفكير فيما عساه أن يكون سبباً لانقلاب ذلك الإحسان إلى هذه الإساءة فلا تجد سبيلاً لحل المعضلة فيختلط عليك الأمر فتجن فتؤخذ إلى السراية الصفراء. تسمع السارق يفتخر أمام الجمهور بسرقته والزاني يحدث الناس بحوادث فحشه وفجر العاهرات معه والسكير يزهو على الحضور بنموذج عربدته والكاذب يضحِك من حوله بنكات كذبه - فإذا ما وجهت بلومك إلى أحدهم هبَّ الجمع المحتشد حولهم ورموك بالغلظة وسوء الخلق ونسبوا أولئك المجرمين لخفة الروح والدم. فكأنما الناس قد أجمعوا أمرهم على استحسان المنكر فإذا كنت حراً يجري في عروقك دم أحمر جننت فتؤخذ إلى السراية الصفراء. أحبس نفسك في بيتك بين أولادك أو كتبك وإذا مررت بقوم فمرّ بهم مر الكرام ولا تختلط بهم تعش سعيداً، أو فجهز وصيتك إذا أردت الاختلاط بالناس لأنك ستجن حتماً وتساق إلى السراية الصفراء. عطبره (السودان) محمد فاضل

стр. 682

أيها البدر يسر الزهور أن تقدم اليوم إلى قرائها أديباً لبنانياً لم تشغله وظائف الحكومة عن الاشتغال بالعمل والأدب، وهو حضرة رشيد بك نخلة قائم مقام قضاء جزّين. وسيرى القراء في ما سيتحفهم به على صفحات هذه المجلة من المقاطيع الشعرية والمقالات الأدبية أية منزلة رفيعة أدركها في عالم الكتابة. ولما كان حضرته مجهولاً من أدباء مصر اقترحنا على أحد مواطنيه من الكتّاب المطلعين على أسرار الأدب أن يكتب للزهور درساً بيانياً عنه سننشره في عددٍ تالٍ: تآكلت العيون، وتناهبت القلوب، وما تركت مضجعاً هادئاً، ولا جنياً مطمئنة أيها البدر. . . ما التصقت في كبد القبة الزرقاء ساهياً لاهياً إلا لتزيد غصة عاشقيك، وتحول ملايين أميال المسافة بينك وبين القلوب، فيمتنع التفاهم حتى بالخفوق والأنين أيها البدر. . دموع الحب وتنهدات الوحشة وزفرات المهجورين، زهور منثورة على قدمي نورك وبهائك يا عريس السماء. . . شكاوي الموجعين وتذكر المساكين وصدى قرع صدور البائسين، نغماتٌ ربما طربت لها وأنت نشوان عالق حيث تنخلع عنك الرقاب أيها المحلّق السماوي. . . الطوى من يوم إلى يوم، والسهر من ليلٍ إلى ليل، والتسجي على نواتئ الصخور ومناخز الأشواط، بالعين السابحة والفكرة السائحة، كل ذلك ربما اتخذته تفرغاً إليك وتدلهاً أيها المحبب البدري.

стр. 683

انتزاع الإحساس من الآدميين، وتجلمد قلوب بني الإنسان، وتعري شجر الخريف من لباسه الورقي، ونضوب موارد الماء، وعقم بطن الدأماء، كل هذا ربما اعتبرته تجرداً لحبك وتخلياً عن سواك أيها الكوكب الدري. . . أنت منذ كنتَ، ونحن منذ كنا. . . أنت تنظر إلى ما هو دونك نظراتٍ ليس فيها من المعنى إلا أنك ذو نظرٍ وتنظر (وقد لا يكون ذلك) ونحن على وفرة ما حول العيون من البهارج والجمال لا ننظر إلا إلى ما فوق. . . إليك أنت ننظر. . . بكل المعاني وبملء ما يتسع مجال النظر. أيها السراج المشعل بغازٍ إلهي والعالق في لا شيء. الليل إذا كفر وتولى الصب الضجر، وسئم المهجور موعد مبزغ النور، وافترشت جنبهُ التراب والتحفت بأم السحاب، وتحول من حركة إلى سكون ومن فكرٍ إلى عيون. . يقولون إنك أنت السلوى بدون مَنّ، وأنك إن لم تكنها إذاً فمن. . . أهو كذلك يا سمير العاشقين. . . القلوب مواطن الرحمة - قبل هذا الجيل - فهل لك بين ضلوعك أيها البدر ذاك العضو الأجوف الذي يسمونه قلباً. . . . رشيد نخلة السنة الأولى للزهور في الإدارة مجموعة الزهور للسنة الأولى مجلدة تجليداً متقناً. وثمنها خمسون غرشاً صاغاً ويضاف إلى ذلك أجرة البريد للخارج.

стр. 684

في حدائق العرب الوفاء خرج النعمان بن المنذر يتصد على فرسه اليحموم، فأجراه على أثر حمار وحش، فذهب به الفرس في الأرض ولم يقدر على رده. وانفرد عن أصحابه وأخذته السماء بالمطر. فطلب ملجأ يتقي به حتى دفع إلى خباء وإذا فيه رجل من طيّ يقال له حنظلة بن أبي عفراء ومعه امرأة له. فقال النعمان هل من مأوى - قال حنظلة: نعم. وخرج إليه وأنزله وهو لا يعرفه. ولم يكن للطائي غير شاة، فقال لامرأته: أرى رجلاً ذا هيئة وما أخلقهُ أن يكون شريفاً خطيراً فماذا نقريه؟ - قالت: عندي شيءٌّ من الدقيق، فاذبح الشاة وأنا أصنع الدقيق خبزاً. فقال الرجل إلى شاته فاحتلبها ثم ذبحها واتخذ من لحمها مضيرة، فأطعمه وسقاه من لبنها، واحتال له بشراب فسقاه. وبات النعمان عنده تلك الليلة. فلما أصبح، لبس ثيابه وركب فرسه ثم قال: يا أخا طي أنا الملك النعمان فاطلب ثوابك - قال أفعل أن شاء الله. ثم لحقته الخيل فمضى نحو الحيرة. ومكث الطائي بعد ذلك زماناً حتى أصابته نكبة وساءت حاله فقالت له امرأته: لو أتيت الملك لحسن إليه. فأقبل حتى انتهى إلى الحيرة. وكان النعمان قد سكر في بعض الأيام وله نديمان يقال لأحدهما خالد بن المضلل وللآخر عمرو بن مسعود بن كلدة فأمر بقتلهما. ولما صحا سأل عنهما فأُخبر بخبرهما فخزن عليهما حزناً عظيماً لأنه كان يحبهما محبة شديدة

стр. 685

وأمر بدفنهما وبنى فوقهما بناءين طويلين يقال لهما الغَريَّان وجعل لنفسه كل سنة يوم بؤس ويوم نعيم يجلس فيهما بين الغرييّن. فكان يكرم من وفد عليه في يوم النعيم ويقتل من وفد عليه في يوم البؤس. ولما وفد عليه حنظلة وافق وفده يوم البؤس. فلما نظر إليه النعمان ساءه وفوده في ذلك اليوم وقال له: يا حنظلة هلا أتيت في غير هذا اليوم؟ - فقال أبيتَ اللعن لم يكن لي علم بما أنت فيه - فقال: لو سنح لي في هذا اليوم قابوس لم أجد بداً من قتله، فأطلب حاجتك من الدنيا وسل ما بدا لك فإنك مقتولٌ لا محالة - وقال: أبيت اللعن وما أصنع بالدنيا بعد نفسي - فقال النعمان: لا سبيل إلى غير ذلك - قال: إن كان لابد منه فأجلّني حتى أعود إلى أهلي فأوصي إليهم وأقضي ما عليّ ثم أنصرف إليك - قال: فأقم لك كفيلاً - قال: فالتفت الطائي إلى شريك بن عمرو بن قيس الشيباني وكان يكنى أبا الحوفزان وهو صاحب الردافة فقال: يا شريكاً يا ابن عمرو ... هل من الموت محاله يا أخا كل مصابٍ ... يا أخا من لا أخا له يا أخا النعمان فيك ال ... يوم عن شيخٍ بكفاله ابن شيبان كريم ... أنعم الرحمن باله فأبى شريك أن يكفله. فوثب إليه قراد بن أجدع الكلبي وقال للنعمان: أبيت اللعن عليَّ ضمانه. فرضي النعمان بذلك وأمر للطائي بخمس مائة ناقة. فانصرف الطائي وقد جعل الأجل حولاً كاملاً من ذلك اليوم إلى مثله من القابل. فلما حال الحول وقد بقي من الأجل يوم واحد، قال

стр. 686

النعمان لقراد: ما أراك إلا هالكاً غداً فقال قراد: فإن يك صدر هذا اليوم ولَّى ... فإن غداً لناظره قريب فذهب قوله مثلاً. ولما أصبح النعمان ركب كما كان يفعل حتى أتى الغريين فوقف بينهما وأمر بقتل قراد. فقال له وزراؤه: ليس لن أن تقتله حتى تستوفي يومه. فتركه النعمان وهو يشتهي أن يقتله ليسلم الطائي. فلما كادت الشمس تغيب وقراد قائم مجرد في إزارٍ على النطع والسياق إلى جانبه رفع له شخص من بعيد. وكان النعمان قد أمر بقتل قراد، فقيل له: ليس لك أن تقتله حتى يتبين الشخص. فكفّ عنه حتى دنا وإذا هو الطائي. فلما نظر إليه النعمان، قال: ما الذي جاء بك وقد أفلتَّ من القتل قال: الوفاء - قال: وما دعاك إلى الوفاء! - قال: ديني - قال وما دينك؟ - قال: النصرانية - قال: فاعرضها علي. فعرضها، فتنصر النعمان وأهل الحيرة جميعاً وكان قبل ذلك على دين العرب. وترك تلك السنة من ذلك اليوم وأمر بهدم الغريين وعفا عن قراد والطائي وقال: ما أدري أيكما أكرم وأوفى. أهذا الذي نجا من السيف فعاد إليه أم هذا الذي ضمنه. وأنا لا أكون ألأم الثلاثة. وقد أخذ المرحوم الشيخ خليل اليازجي هذه الحادثة وبنى عليها رواية تمثيلية شعرية عنوانها المروءة والوفاء. وألف في هذا الموضوع أيضاً الأديب ميشال أفندي سرسق روايةً تمثيلية فرنسوية العبارة مثلت في باريس وبيروت منذ بضع سنوات وعنوانها '

стр. 687

خطاب ألقته الآنسة الأديبة هدى كيروك في السوق الخيرية التي أقيمت في المشغل النسائي الذي أنشأته الجمعية الخيرية للروم الكاثوليك: نعم أن عطف القلب مجدٍ ونافعٌ ... ولكن عطف الكف بالبذل أنفع سلامٌ على جمهور عطف قلباً وكفاً، سلام على كرام دفعتهم حماسة الشرف، وحرّكتهم رقة الإنسانية إلى مثل هذا الاجتماع، سلام لوجوهٍ باسمة، وتحية لنفوسٍ آنسة، أتت تفتح أبواب المساعدة، وتمهد سبل السعادة لأخوات بائسات بتنَ زمناً طويلاً يقرعن أبواب ضمائرنا طالباتٍ رحمةً وإغاثة. فنعم الإجابة إجابتكم إياهن اليوم في هذا المجتمع الخيري، نعم القلوب الرقيقة، ونعم الأيادي الكريمة. سيداتي وسادتي، قد احتفلنا في السنة الماضية بافتتاح المشغل الخيري وكنا نعلل النفس بنجاحه واتساعه. ومع ذلك كنا نخشى أن تنتابه يد النسيان، وتسدل عليه غشاءً كثيفاً ككثير من المشاريع التي تنشأ في المشرق بين الرياحين والأزهار، ولا تلبث أن تختنق بين شوك التخاذل والتقصير. غير أن هذا المشروع قد نجا بعون الله وقد رأينا تلك الغرسة الضئيلة التي زرعت بالأمس شجرةً باسقة بفضل ما بذل في إنمائها من الهمة الشماء والتفاني المتواصل. وإن اجتماع هذا اليوم لبرهان ساطع على ما للطائفة من الميل لفعل الخير والبذل في سبيل الإحسان. نعم أيها السادة الأفاضل، إن الطائفة على العموم قد ساعدت هذا المشروع بكل قواها. فراعيها الجليل ببركاته وإرشاده، وأغنياؤها ببذلهم

стр. 688

وسخائهم. وعقلاؤها بأفكارهم وآرائهم، وأعضاء جمعيتها الخيرية برقابتهم ونشاطهم وتذليلهم أشد الصعاب ليُسَيّروا المشروع في الطريق القويم. هنا هي النهضة الحقيقية. وهذه هي الجمعيات الخيرية التي يقوم بها نجاح الأمة وبمساعدتها إتمام فروض مقدسة. وقد اتقدت تلك الروح الحميدة في صدور السيدات بكل ما لها من الحماسة والإقدام، وجعلت ذلك الجنس الضعيف جيشاً باسلاً يتغلب على الصعوبات ويقاوم كل معارض في سبيل الخير، ويفتح الجيوب بكل ما لديه من أنواع الرقة والتأثير. فلذا رأيتم جمعية لأوانس متحليات برداء الطهر والفضيلة تبرز لنا من الأشغال اليدوية ما نعده كنوزاً ثمينة إذ حاكته أيدي عذارى متقدات غيرة متفانيات حباً في سبيل منفعة البائسة وانتشالها من وهدة الفاقة. وقد اتفقت تلك القلوب الشفيقة وتعاضدت فتألقت جمعية خيرية قضت سنة كاملة في استخراج الفوائد والأشغال، لتحيي هذه الحفلة في هذا اليوم، وتدعونا للاشتراك فيه تنشيطاً لها ومساعدة. فنشطوا وساعدوا وافتحوا أيديكم الكريمة، وجودوا على هؤلاء الأخوات موضوع جهاد الأنفس الأبية، جودوا بما يُطَيّبُ عيشهن لأهنئهن بحضوركم وأناديهن: ثقنَ أيتها العزيزات وأعلمن بأنكن أيدٍ عاملة ضمن دائرة الجمعية بل دائرة الرحمة بين آباء وأمهات وإخوان وأخوات جلّ غايتهم صيانتكن وضمان مستقبلكن فافرحن إذاً وصفقنَ واصرخن معي: بشرى الأيتام فقد صانتهم يدُ الإحسان. . .! - هدى إسكندر كيورك

стр. 689

الفتاتان الشرقية والغربية ما السنن وفيضانه، والهواء الأصفر وسريانه، وعبد الحميد وطغيانه، بأهول مما ابتليت به الفتاة الشرقية من الجهل المبين، والحيف المشين. تعسة أنت أيتها الفتاة! الكتّاب يسلقونك بألسنة حداد ودعاة الإصلاح ينظرون إليك ظلاماً، أنت هي داءُ الشرق يقول أولئك، وهؤلاء يصيحون أنت هي دواؤه، بينا نرى زيداً ينادي بوأدك وعمرو يعمل على كيدك! ذاك يقودك إلى الأمام إلى فردوسك المفقود وسؤددك القديم، إلى مجدك، إلى نعيمك، إلى سمائك الخالدة وهذا يتبجح ويصرخ بملء فيه: مكانك تحمدي أو تستريحي. تعسة أنتِ أيتها الفتاة! خيَّروك فحيّروكِ فارقبي يوماً يحرجونك فيخرجونك، يوم تصعقين بنيازك نهضتك عمد الضلالات، وتقوضين بما أوتيت من الحكمة أسس التقاليد والعادات، يوم تشقين بصولجان عظمتكِ سجوفاً حاكتها أكفُّ الجهالات في الأعصر المظلمات، يوم تنعشين من صرعتك، وتنشطين من عقالك، يوم يأتي عليك حين من الدهر تنوئين فيه بأعباء ثقال، يوم تصمين أذنيك عن استماع المورطين في شبهات الجل الضاربين في بهماء الغرور: في ذلك اليوم: يوم تزلزل بكِ الأرض زلزالها ويصير سافلها أعلاها، يومَ تضجّ بكِ الدنيا من

стр. 690

أقصاها إلى أقصاها، قولي: إن التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسراها. أيتها الفتاة: أنت أمّاً أشقى منك فتاة. وما الذنب ذنبك لأنكِ نشأت كما أراد قيّمك وذووكِ، وشاء أهلكِ وأوبكِ. اتخذوك عانية فلم يتقوا الله فيك، وحسبوك سائمة فباعوك بيع السماح فوق ما حمّلوك، فيا حبذا لو خلَّقوك بأخلاق غير أخلاقهم، وعلموا أنكِ خلقتِ لزمانٍ غير زمانهم. أيتها الفتاة! لو علمتِ خطورة مركزك وما يصير إليه أمركِ. يوم تضحين أمّاً ترضع أولادها لبان الغباوة وتنهلهم أفاويق الشقاء، لو علمتِ ذلك لرغبت عن الزواج وفضلتِ حياتكِ فتاة حمقاء على أن تكوني أماً شعراء. اسمعي ما يقول هملت: إلى الدير أيتها الفتاة إلى الدير، وإذا أردتِ أن تتزوجي فتزوجي الموت. إن الموت ستار للعيوب. يستخف الشرقيون بوقر الأمومة فيقدمون فتاتهم عليها غير هيابين، فيستحدثون وقراً يهبط كاهلهم، يا ويل الشرق ممن عرمت نفوسهم وزاغت أبصارهم وكانوا الحوائل دون تهذيب الفتاة ورقيّ أمّ المستقبل. الجنة تحت أقدام الأمهات - حكمة أدركها بنو الإنسان إلا المشرقان، يا ويحنا أنورد نفوسنا موارد المخاوف ومصادر المهالك، والحيوانات العجماوات قد خصت في طبائعها بالميل عما فيه هلكتها وصرعتها، وهي لا تفهم خطاباً ولا تحير جواباً، إنها لمصيبة تقصم الظهر وتسحق العظم. كلمات كالليمون الحلو حلوة في البداية مرة في النهاية. شلّت يميني

стр. 691

إذا كنت لا أجاهر بالحق ولو كان الحق يجرح أحياناً، أيظنُّ عاقل أنه يمكن لهذا الشرق أن يستطفَّ على عالم العقل والحقيقة وأن يتشرب روح التمدن القديم ما دام مقام المرأة غير متعير فيه؟ أو نبلغ الكمال التي تتوخاه الشعوب الراقية وتسدد نحوه الخطوات ما دامت نفوسنا صغيرة؟. أيتها المرأة، أيتها الفتاة، أنتِ لم توجدي لتكوني في أقفاص ذهبية تخلب بجمالها وتسلب بقوامها، ولا لتباهي كما يباع البلبل والببغاء. ولا لتشوه محاسنك وتمسخ مصوناتك، أنتش لم توجدي لنسيب الناثر وتشبيب الشاعر، ولا ليقول فيك صريع لحظكِ وقتيل طرفكِ: قتولٌ بعينيها رمتك وإنما ... سهام الغواني القاتلات عيونها ولا لتخدعي بقول القائل: إذا قامت لحاحها تثنَّت ... كأنَّ عظامها من خيزران إن هذه إلا خواطر يوحيها شيطان الشاعر على الخواطر، والجمال كما تعلمين في عين الناظر. دخل عمرو بن العاص على معلوية وعنده ابنته عائشة فقال: من هذه يا أمير المؤمنين. فقال: هذه تحفة القلب - فقال: انبذها عنك، فإنهن يلدن الأعداء ويقربن البعداء ويولدنَ الضغائن. - قال: لا تقل يا عمرو ذلك فوالله ما مرَّض المرضى ولا ندب الموتى ولا أعان على الإخوان إلا هنَّ - فقال عمرو: لقد حببتهنَّ إلي يا أمير المؤمنين. أنت خلقت لغاية أسمى وغرض أجل وحياة أرقى وزمنٍ يفهمك

стр. 692

وتفهمينه ويعرفك وتعرفينه! إن هذا الزمان وأريد بالزمان بينه قد هضم حقك، وغمط فضلك، ونكث عهدك، ولم يوفّكِ قسطك، فلا تركني إليه ولا تعولي عليه بل اجعلي رائدك سوء الظن به، إن سوء الظن من حسن الفطن. رحماكِ يا نفس الأمين، ولله أبوكَ يا جميل، وسلام عليم يا وليَّ الدين، إذا كان للحق أنصار فأنتم أنصاره وإذا لم يكن للفتاة حماة فانتم حماتها وقادتها، سيروا على بركة الله مسراكم ولا تحفلوا بتنطع المتنطعين واستهتار المستهترين. أيتها الفتاة الشرقية، لقد سبقتكِ أختكِ ربيبة الغرب لأنها يقظى وأنتِ في منام، تجرين شوطاً فتسبقك بأشواط، ومن سبق في أول الميدان سبق في آخره. ولكن لا يهولنكِ هذا القول ولا يقعدنك عن السعي فيما يقيل عثرتك وينهض بكِ من كبوتكِ لأن ليس على المجتهد حرج ولابد دون الشهد من إبر النحل. أنتِ إذا امتثلت بالسلحفاة التي أدركت شفعة الجبل قبل الأرنب الذي استخف بطئها وازدهى بسرعته (ولا أراك إلا ممتثلة) فإني مبشركٍ بنجاح باهر وفوزٍ عظيم بحول الله. أتستهجنين ما أتته شجاعة جان دارك وحصافة كاترين وحكمة فكتوريا وأنت القائلة. قيَّدوني هوَّلوني ضربوا ... موضع العفة مني بالعصا كذب الأعجم لا يقربني ... ما معي بعض حشاشات الحيا

стр. 693

أتستغربين أمر المطالبات بحقوق الانتخاب ومنك الزباء والخنساء وفيك القائلة: النار ولا العار، والحتف ولا الإقامة على الخسف. في مجلس نواب أسوج سيدة تنوب عن جم غفير وعدد كثير من بني بجدتها وهي تعمل مع الرجل جنباً إلى جنب وسرعان ما يجري على أثرها آرام التايمز وغزلان السين. فإلى الأمام يا ابنة قحطان، وإلى العلا يا ابنة عثمان، حلّقي في سماء هذا الوجود وانعمي نظرك في جناية يدك يتبدَّ لعينيك البون بين الفتاتين كما يتبدى الصبح لذي عينين، أرسلي من كنانة لحظيك سهماً يبقر بطن الجهل، واحملي عليه بما أوتيت من قوة الأسود وعظمة الآلهة حملة ترقص لها عجائز وائل وحينئذٍ قولي: وإني وإن كنت الأخيرة عصرها ... سآتي بما لم تأتِ قبلي الأوائل بيت جالا (فلسطين) إسكندر الخوري البيتجالي حول تمدن المرأة العصرية تابعت بمزيد الشغف المناقشة التي دارت على صفحات هذه المجلة الزاهرة بين هدى وأدما ونزول حسون إلى ميدان الجمل. وسرني كثيراً طرق هذا الموضوع العمراني الجليل لما فيه من الفائدة العائدة على الجنسين ولو كابر الرجال وادّعوا أنهم بغنى عن الإصلاح لإدراكهم آخر درجات الكمال. أكبرتُ الشجاعة الأدبية التي أبدتها هدى في نقد

стр. 694

أخواتها، وأعجبتني الحمية التي أظهرتها أدما في الانتصار لهنَّ، وقلت إن كلاهما ترمي إلى الإصلاح وإن اختلفت الطريق. وسرّني في بداية الأمر إقدام حسون وإن كانت ساءتني فيما بعد مغالطاته وانتقاله من العموميات إلى الخصوصيات. وإنّ في سكوت هدى وإحجامها عن الردّ لأكبر دليل على موافقتها لي فيما أقول. يطول بي المجال لو أردت تفنيد مزاعم حسون. وأنا أسلّم معهُ أن في النظريات الصرفة بعض الصعوبة فليسمح لي أيضاً أن أكتفي بإيراد حكايتي مع زوجي - كما أورد لنا حكايته مع زوجته، وهو - كما يقول - بحثٌ واقعي، لا يحتاج إلى فلسفة، وليقل لي إذا لم تكن حكايتي هي حكاية معظم الفتيات مع الفتيان يا طير والأمثال تُضرب للبيب الأمثلِ. . . . لما كنت فتاة عزباء - وقد مضى على ذلك زمن ليس باليسير - كنت أحسبني لا أتزوج أبداً لأسباب يطول ذكرها - أهمها خوفي من شبان العصر وما آلت إليه حالهم وأميالهم. زارنا في أحد الأيام شابٌ فأعجب والدي ما ظهر عليه من الرزانة والرصانة. وأكثر الترداد إلى بيتنا وهو دائماً بمظهر الكمال والسكينة. فكان إذا دعوناه إلى الطعام وقدمنا له كأساً من المقبلاتً التي تؤخذ قبل الأكل، تمنع وأظهر كرهه لكل ما يشتم منه رائحة المسكر. وإذا قضى عندنا سهرته وعرضنا عليه أن يشاركنا في إحدى تلك اللعبات البسيطة التي تتداولها العائلات وليس فيها ما يؤاخذ عليه، رفض لميله مبدئياً عن

стр. 695

كل ما يشبه الميسر والمقامرة. وهذا وأهلي يزيدون إعجاباً به، وانتهى الأمر بأن فاتحهم بميله إلى فتاتهم ورغبته في الاقتران بها. فأجابوه بطيبة خاطر وأكد أنه لا يريد شيئاً من دوطتي (أو مهري) بل إن هذا المال يبقى لي ولمن نرزق من الأولاد. وكان نصيبٌ، وكان اقتران وكان شهر عسلٍ وانقضى، ويا ليته ما ابتدا. . . . أعددت الطعام في إحدى الليالي وبت منتظرة قدوم شريك الحياة الساعة والساعتين، إلى أن سمعت كرَّة عربةٍ فأسرعتُ إلى فتح الباب وقابلت الزوج بالابتسامة المعتادة، فقابلني بوجهٍ عبوس، فقلت: أشغلتَ بالي أيها العزيز بتأخيرك غير المعتاد. فأجاب ببرودة: - لا لزوم إلى انشغال البال، فإن هذا التأخير من عاداتي حيث أكون في الكلوب مع أصحابي. . . ولم ألبث أن رأيت العادة راسخة. لأنني كنتُ أقضي معظم الليل وحيدة وهو بين السركل والكلوب والنادي، ولا يعرف باب البيت إلا عند بزوغ الفجر. وكان في بداية الأمر يدّعي أنه مضطرٌ إلى ارتياد هذه المحلات لمقابلة أناس ذوي شأن تهمه مقابلتهم. ثم لم يعد يرى ما يدعو إلى التستر فكان يجاهر بانشغاله عني بالبوكر والبريدج والبكارا. - ولكنك، وأنت خطيبي، كنت تكره حتى اللعبات العائلية فما حملك الآن. . .؟ - أنا اكره ما أريد وأحب ما أريد، فليس هذا من شأنك.

стр. 696

فسكت وقيدت الأولى. . . . هذا وهو يتمادى في هذه العيشة الطائشة ولا يترك طاولة اللعب إلا لطاولة الشرب فيجيئني وقد تخدر دماغه، وتشنجت أعصابه من الوسكي المعززة بالكونياك المدعوم بالابسنت. - عهدتك تكره كل ما يشتم منه رائحة المسكر فما. . . - أكره وأحب على ذوقي. وأنت تعرفين طريق بيت أبيك. . . فسكت وفي القلب غصة، وفي العين دمعة وقلت: قيدنا الثانية. لا أحب إطالة الحديث لأن هذه الذكرى تؤلمني. أخذ يعرض عني تماماً لميه عن بساطة الزوجة إلى تبرُّج الغانيات، أنهكه السهر، وهدّ قواه الكحول، فأهمل شغله وصار يقضي نهاره بالراحة وليله بالملذات، فمدّ يده إلى دوطتي ثم إلى مصاغي، فذهب كل شيء على طاولتي اللعب والشرب، وأنا صابرة خشية العار والفضيحة. قصتي هي قصة معظم الزوجات حتى أصبح الإسهاب فيها من باب الابتذال فأكتفي بما تقدم. حكاية بحكاية يا حسون فعساك أن تعرض بعد الآن عن سرد الحكايات، وإلا خرجت من هذا الموضوع منتوف الريش مهشم الجناح. . . غرّد ما شئت وزقزق ما أردت، فقد تحسنُ التغريد والزقزقة، ولكن دع عنك محاولة درس قلب النساء، فقلب النساء لا يعرفه إلا من كوَّنه وهو وحده يعلم ما يقاسي هذا القلب من الظلم والعذاب. - سلمى

стр. 697

٢ وجاءنا أيضاً ردُّ من سيدة فاضلة جمعت بين أنفة البدويات ولطف الحضريات إذ قضت شطراً من صباها في قبائل العرب الرحَّل بين الجياد والرماح، ثم انتقلت إلى منازل الحضر تزّين مجتمعاتهم بظرفها وأدبها. فأكرم بسيدة تهزُّ في آن واحد السيف والقلم وكلاهما في يدها ماضٍ قاطع. وإليك ما كتبته: قرأتُ مقالة حسون أفندي للدرجة في الجزء الثاني من الزهور رداً على مقالة الآنسة أدما فعنَّ لي أن أكتب كلمة في الموضوع وإن كنت أفضل حمل المغزل على حمل اليراع. لا أنكر ما في مقالة حسون من خفة الروح، ويعجبني ما يحتاط به لنفسه قبل طرق موضوعه من المقدمات والملاحظات. وجرياً على ذلك أطلب إليه أن لا تأخذه الحدة مما سأقول لأني أميل إلى بعض الخشونة الطبيعية مني إلى الرقة المصطنعة والمجاملات المصطلح عليها. وعليه فأؤكد له أنه لا يرى أبرّ مني في نصحه ولا أخلص في ردعه. حكايتك مع زوجتك مدهشة لعمر الحق. وأنا أشك كثيراً في أنك متزوجٌ حقيقة، لأنه لو كان كذلك لما وصف المرأة بما وصفتها به إذ جردتها عن كل ما يسمى قلباً. ولكن أسلم معك جدلاً أن حكايتك واقعية وأنها حقيقية كما رويت ووصفت. فأقول حينئذ أن هذا لا يفيد موضوعك شيئاً ولا يكسبك برهاناً يعوّل عليه. لأننا نكاد لا نجد امرأة واحدة في الألف تشابه امرأتك هذه الغريبة الأطوار. ثم أننا نرى من جهة ثانية أن كل الذنب عليك لأنه كان بإمكانك مدة

стр. 698

خطبتك لها أن تتحقق من أميالها وأخلاقها. ذكرت إعراضها عن العربية لغة قومك وكان يسعك أن تعرف ذلك قبل الزواج من حديثك لها ومكاتبتك إياها. آخذتها بشغفها بالأزياء، وهذا أمرٌ كان من السهل أيضاً الاطلاع عليه من ملابس خطيبتك وطريقة تزييها. أوردت تمنينها لك بالمولود، وهذا يدل على سخافةٍ في عقلها كان بوسعك أن تعرفها من جلسة واحدة فضلاً عن معاشرتك لها - كما تقول - وأنت خطيبها. وهكذا قل عن سائر ما أوردت من المآخذ والمغامز. فلا لوم إذن إلا على نفسك. وهب إن عين الحب عمياء وأنك غفلت عن أمورٍ كان يجب أن لا تغفل عنها، فإن أمثال من وصفت من النساء كثيرٌ بين الرجال. فإذا كانت المرأة عادةً تخصم ٣٠ في المئة من عمرها فكم يخصم الرجل الذي يخضب شعره لتسويد شبيبته؟ قبيح بكم معشر الرجال أن تحملوا هكذا حملة على النساء. والمرأة أول ما وقع عليه نظركم في هذا العالم وهي التي أرضعتكم وسهرت عليكم الليالي الطوال وهزت مهدكم وصانتكم بحنانها وبلّغتكم ما بلغتم من الرقي. وأنتم تسومونها عذاباً وأختاً وزوجة. وعلى كل فإن امرأتك يا حسون درّة ثمينة وكل ما عددته لها من الذنوب لا يذكر، لأنك شهَّرت بها وهتكت حرمتها وهي لا تزال بك مغتبطة وعنك راضية. سردت لنا حكايتك معها ولو أتيح لها أن تقص لنا حكايتها معك لسمعنا مثل شكواك وأكثر - على ما أظن - وأنا أعتذر بما ألفته من

стр. 699

حرية البدو لأقول: عن امرأة سيادتكم قبلت النصح ورضيت الإصلاح ولكن سيادتكم الله اعلم إذا كان. . . . - هند الريان (الزهور) نرى أن المتناقشين على ما في مناقشتهم من اللذة والظُرف قد خرجوا كثيراً عن دائرة البحث الأول، ويا حبذا لو حصروا مناقشتهم في نقطة معينة، لأن الموضوع واسعٌ متشعب الأطراف يصعب استيعابه إذا لم يتم البحث في كل فرع على حدة. في جنائن الغرب الحب المكتوم كثيرون هم الشعراء والكتاب الذين أحبوا وتغنوا في شعرهم بذكر الحبيب ولم يبوحوا قط باسمه محافظة على كرامته أو لغير ذلك من الأسباب. ومنهم من لم يدع الحبيب نفسه يدري بعاطفة المحب ومثل هؤلاء العشاق يعشقون بحواس الروح لا بحواس الجسد وقليل ما هم. نروي اليوم من هذا القبيل قصة الشاعر الفرنسوي فليكس أرفر (١٨٠٦ - ١٨٥٠) فإنه أحبَّ امرأة مدة حياته كلها وتيمه هواها وهي تجهل ذلك تمام الجهل لأن مروءته أبت عليه أن يكاشفها بهواه وهي غير مطلقة الحرية، لئلا تخون واجب الأمانة المطلوبة منها لغيره. وقد نظم في هذا الموضوع قصيدة جميلة أحببنا أن نعربها لقرائنا بالنظر إلى شهرتها في الآداب الفرنسوية. وقد تكاثرت الأقوال والظنون لمعرفة تلك التي سلبت فؤاد الشاعر دون أن تدري فمنهم من توهمها مدام فيكتور هوغو ومنهم من تصور غيرها ولكن الشاعر لم يبح أبداً بهذا السر ويقول أن الحبيبة ذاتها ستقرأ أبياته ولا تدري من يعني. وهذا هو تعريب الأبيات:

стр. 700

في نفسي سرٌّ محفوظ، وفي حياتي حادثٌ مكتوم: هو غرامٌ أبدي تولّد في لحظةٍ من الزمن. ولما كان لا دواء لهذا الداء اضطررت إلى كتمانه، وتلك التي سببته لم تدر به قط. وآهاً علي: أمر بالقرب منها دون أن تنظر إلي. فأنا دائماً معها، ودائماً وحدي. وسأقطع مفاوز حياتي حتى النهاية وأنا لم أعط شيئاً ولم أتجرأ على طلب شيء. أما هي - وإن كان الله قد خلقها رقيقة الشعور شفيقة القلب - فستسير في طريقها غير مبالية ولا سامعة حفيف الحب الذي يرافق خطواتها. وهكذا، وهي في أمانتها التامة على الواجب، ستقول عندما تقرأ هذه الأبيات المملوءة بذكرها من هي تلك المرأة. . . .؟ تقول ذلك ولا تدري من هي. . . .! في رياض الشعر يا موت يا موت خذ ما أبقت ال ... أيام والساعات مني بيني وبينك خطوةٌ ... أن تخطها فرّجت عني إسماعيل صبري على قبري أقول لهم في ساعة الدفن خففوا ... عليّ ولا تلقوا الصخور على قبري

стр. 701

ألم يكف همٌّ في الحياة حملته ... فأحمل بعد الموت صخراً على صخر أحمد شوقي خيبة أمل وخيّب آمالي وقوفك دونها ... وأنك عند الظالمين مكين يسرك أني نائم الجد عاثرٌ ... ويرضيك أني للخطوب ألين ليهنك ما بي من أسى وخصاصةٍ ... وتقليبي الكفين حيث أكون حافظ إبراهيم المراسلات السامية ضاق العدد الماضي عن متابعة نشر المراسلات التي دارت بين المرحوم محمود باشا سامي البارودي والأمير شكيب أرسلان: كتب محمود سامي إلى الأمير من جزيرة سيلان: ردي التحية يا مهاة الأجرع ... وصلي بحبلك من لم يقطع وترفقي بمتيم علقت به ... نار الصبابة فهو ذاكي الأضلع طرب الفؤاد يكاد يحمله الهوى ... شوقاً إليك مع البروق اللمع لا يستنيم إلى العزاء ولا يرى ... حقاً لصبوته إذا لم يجزع ضمنت جوانحه إليك رسالة ... عنوانها في الخد حمر الأدمع فمتى يبوح بما أجن ضميره ... إن كنت عنه بنجوةٍ لم تسمع أصبح بعدك في دياجر غربةٍ ... ما للصباح بليلها من مطلع لا يهتدي فيها لرحلي طارق ... إلا بأنة قلبي المتوجع

стр. 702

أرعى الكواكب في السماء كأن لي ... عند النجوم رهينةً لم تدفع زهرٌ تألق في السماء كأنها ... حببٌ تردّد في غدير مترع وكأنها حول المجرّ حمائم=بيضٌ عكفن على جوانب مشرع وترى الثريا في السماء كأنها ... حلقات قرطٍ بالجمان مرصع بيضاء ناصعة كبيض نعامةٍ ... في جوف ادحى بأرضٍ بلقع وكأنها أكر توقد نورها ... بالكهرباءة في سماوة مصنع والليل مرهوب الحمية قائمٌ ... في مسحه كالراهب المتلفع متوشح بالنيّرات كباسلٍ ... من نسل حامٍ باللجين مدرّع حسب النجوم تخلفت عن أمره ... فومى لهن من الهلال بإصبع ما زلت أرقب فجره حتى انجلى ... عن مثل شادخة الكميت الأتلع وترنحت فوق الأراك حمامة ... تصف الهوى بلسان صب مولع تدعو الهديل وما رأته وتلك من شيم الحمائم بدعةٌ لم تسمع ريا المسالك حيث أمت صادفت ... ما تشتهي من مجثم أو مرتع فإذا علت سكنت مظلة أيكة ... وإذا هوت وردت قرارة منبع أملت عليَّ قصيدة فجعلتها ... لشكيب تحفة صادقٍ لم يدّع هي من أهازيج الحمام وغنما ... مشكاته حد السماك الأرفع نبراس داجيةٍ وعقلة شاردٍ ... وخطيب انديةٍ وفارس مجمع صدق البيان أعض جرول باسمه ... وثنى جريراً بالجرير الأطوع لم يتخذ بدر المقنع آية ... بل جاء خاطره بآية يوشع

стр. 703

أحيى رميم الشعر بعد هموده ... وأعاد للأيام عصر الأصمعي كلمٌ لها في السمع أطرب نغمةٍ ... وبحجرة الأسرار أحسن موقع كالزهر خامره الندى فتأرجت ... أنفاسه بالعنبر المتضوع يعنو لهما الخصم الألد ويغتذي ... بلبانها ذهن الخطيب المصقع هي نجعة الأدب التي من أمها ... ألقى مراسيه بوادٍ ممرع ملكت هوى نفسي وأحيت خاطري ... وروت صدى قلبي ولذت مسمعي فأسلم شكيب ولا برحت بنعمة ... تحنو إليك بأيكها المتفرع فلأنت أجدر بالثناء لمنةٍ ... أوليتها والبرّ أفضل ما رُعي أرهفت حدي فهو غير مفلل ... ورعيت عهدي فهو غير مضيّع وبثقت لي من فيض بحرك جدولاً ... غمر البحار بسيله المتدفع عذبت موارده فلو ألقت به ... هيم السحاب دلاءها لم تقلع وزهت فرائده فصارت غرةً ... لجبين كل متوجٍ ومقنع هو ذلك النظم الذي شهدت له ... أهل البراعة بالمقال المبدع أبصرت منه أخا أيادٍ خاطباً ... وسمعت عنترة الفوارس يدّعي وحلمت أني في خمائل جنةٍ ... ومن العجائب حالمٌ لم يهجع فضل رفعت به منار كرامةٍ ... صرف العيون عن المنار لتبّع فمتى أقوم بشكر ما أوليتني ... والنجم أقرب غايةً من منزعي فأعذر إذا قصر الثناء فإنني ... زرت المقال فلم أجد من مقنع لازلت ترفل في وشاء سعادةٍ ... وحبير عافيةٍ وعيشٍ أمرع (وفي العدد القادم جواب الأمير)

стр. 704

يا أيها الريح تمرُّ آناً مترنحاً فرحاً، وآونة متأوهاً نادباً، فنسمعك ولا نشاهدك، ونشعر بك ولا نراك. فكأنك بجرٌ من الحب يغمر أرواحنا ولا يغرقها، ويتلاعب بأفئدتنا وهي ساكنة. تتصاعد مع الروابي وتنخفض مع الأدوية وتنبسط مع السهول والمروج. ففي تصاعد عزم، وفي انخفاضك رقة، وفي انبساطك رشاقة. فكأنك مليكٌ رؤوفٌ يتساهل مع الضعفاء الساقطين ويترفع مع الأقوياء المتشامخين. في الخريف تنوح في الأودية فتبكي لنواحك الأشجار، وفي الشتاء تثور بشدة فتثور معك الطبيعة بأسرها، وفي الربيع تعتل وتضعف، ولضعفك تستفيق الحقول، وفي الصيف تتوارى وراء تقلب السكون فنخالك ميتاً قتلته سهام الشمس ثم كفنته بحرارتها. لكن - أنادباً كنت أيام الخريف أم ضاحكاً من خجل الأشجار بعد أن عرّيتها من ملابسها؟ أغاضباً كنت أيام الشتاء أم راقصاً حول قبور الليالي المكلسة بالثلوج؟ أعليلاً كنت أيام الربيع أم محباً أضناه البعاد فجاء يصعّد بالتنهيد أنفاسه على وجه حبيبته الطبيعة لينبهها من رقادها؟ أميتاً كنت أيام الصيف أم هاجعاً في قلوب الأثمار وبين جفنات الكروم وعلى يبادر القش؟ أنت تحمل من أزقة المدينة أنفاس العلل، ومن الروابي أرواح

стр. 705

الزهور. وهكذا تفعل النفوس الكبيرة التي تحتمل أوجاع الحياة بسكينة، وبسكينة تلتقي بأفراحها. أنت تهمس في أذن الوردة أسراراً غريبة تفهم مفادها فتضطرب تارةً، وطوراً تبتسم وهكذا تفعل الآلهة بأرواح البشر. أنت تبطئ هنا وتتسارع هناك وتتراكض هنالك، ولكنك لا تقف قط. وهكذا تفعل فكرة الإنسان التي تحيا بالحركة وتموت بالسبات. أنت تكتب على وجه البحيرة أشعاراً ثم تمحوها، وهكذا يفعل الشعراء المترددون. من الجنوب تجيء حاراً كالمحبة، ومن الشمال تأتي بارداً كالموت، ومن المشرق لطيفاً كملامس الأرواح، ومن المغرب تتدفق شديداً كالبغضاء. أمتقلب أنت كالدهر، أم أنت رسول الجهات تبلغ إلينا ما تأتمنك عليه؟ تمر غضوباً في الصحاري فتدوس القوافل بقساوة ثم تلحدها بلحف الرمال. فهل أنت أنت ذلك السيال الخفي المتموج مع أشعة الفجر بين أوراق الغصون، المنسل كالأحلام في منعطفات الأودية حيث تتمايل الزهور شغفاً بك وتتخاصر الأعشاب سكراً من أنفاسك؟ تثور ظلوماً في البحار فتحرك ساكن أعماقها، حتى إذا أزبدت حنقاً عليك فتحت فاهاً لجةً ولقمتها من السفن والأرواح لقماً مرة. فهل أنت أنت ذلك المحب المتلاعب حنواً بغدائر الأطفال المتراكضين حول المنازل؟ إلى أين تتسارع بأرواحنا وتنهداتنا وأنفاسنا؟ إلى أين تحمل رسوم
следующие страницы →