Полный текст (2 201 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
ألم يكف همٌّ في الحياة حملته ... فأحمل بعد الموت صخراً على صخر
أحمد شوقي
خيبة أمل
وخيّب آمالي وقوفك دونها ... وأنك عند الظالمين مكين
يسرك أني نائم الجد عاثرٌ ... ويرضيك أني للخطوب ألين
ليهنك ما بي من أسى وخصاصةٍ ... وتقليبي الكفين حيث أكون
حافظ إبراهيم
المراسلات السامية
ضاق العدد الماضي عن متابعة نشر المراسلات التي دارت بين المرحوم محمود باشا سامي البارودي والأمير شكيب أرسلان:
كتب محمود سامي إلى الأمير من جزيرة سيلان:
ردي التحية يا مهاة الأجرع ... وصلي بحبلك من لم يقطع
وترفقي بمتيم علقت به ... نار الصبابة فهو ذاكي الأضلع
طرب الفؤاد يكاد يحمله الهوى ... شوقاً إليك مع البروق اللمع
لا يستنيم إلى العزاء ولا يرى ... حقاً لصبوته إذا لم يجزع
ضمنت جوانحه إليك رسالة ... عنوانها في الخد حمر الأدمع
فمتى يبوح بما أجن ضميره ... إن كنت عنه بنجوةٍ لم تسمع
أصبح بعدك في دياجر غربةٍ ... ما للصباح بليلها من مطلع
لا يهتدي فيها لرحلي طارق ... إلا بأنة قلبي المتوجع
стр. 702
أرعى الكواكب في السماء كأن لي ... عند النجوم رهينةً لم تدفع
زهرٌ تألق في السماء كأنها ... حببٌ تردّد في غدير مترع
وكأنها حول المجرّ حمائم=بيضٌ عكفن على جوانب مشرع
وترى الثريا في السماء كأنها ... حلقات قرطٍ بالجمان مرصع
بيضاء ناصعة كبيض نعامةٍ ... في جوف ادحى بأرضٍ بلقع
وكأنها أكر توقد نورها ... بالكهرباءة في سماوة مصنع
والليل مرهوب الحمية قائمٌ ... في مسحه كالراهب المتلفع
متوشح بالنيّرات كباسلٍ ... من نسل حامٍ باللجين مدرّع
حسب النجوم تخلفت عن أمره ... فومى لهن من الهلال بإصبع
ما زلت أرقب فجره حتى انجلى ... عن مثل شادخة الكميت الأتلع
وترنحت فوق الأراك حمامة ... تصف الهوى بلسان صب مولع
تدعو الهديل وما رأته وتلك من شيم الحمائم بدعةٌ لم تسمع
ريا المسالك حيث أمت صادفت ... ما تشتهي من مجثم أو مرتع
فإذا علت سكنت مظلة أيكة ... وإذا هوت وردت قرارة منبع
أملت عليَّ قصيدة فجعلتها ... لشكيب تحفة صادقٍ لم يدّع
هي من أهازيج الحمام وغنما ... مشكاته حد السماك الأرفع
نبراس داجيةٍ وعقلة شاردٍ ... وخطيب انديةٍ وفارس مجمع
صدق البيان أعض جرول باسمه ... وثنى جريراً بالجرير الأطوع
لم يتخذ بدر المقنع آية ... بل جاء خاطره بآية يوشع
стр. 703
أحيى رميم الشعر بعد هموده ... وأعاد للأيام عصر الأصمعي
كلمٌ لها في السمع أطرب نغمةٍ ... وبحجرة الأسرار أحسن موقع
كالزهر خامره الندى فتأرجت ... أنفاسه بالعنبر المتضوع
يعنو لهما الخصم الألد ويغتذي ... بلبانها ذهن الخطيب المصقع
هي نجعة الأدب التي من أمها ... ألقى مراسيه بوادٍ ممرع
ملكت هوى نفسي وأحيت خاطري ... وروت صدى قلبي ولذت مسمعي
فأسلم شكيب ولا برحت بنعمة ... تحنو إليك بأيكها المتفرع
فلأنت أجدر بالثناء لمنةٍ ... أوليتها والبرّ أفضل ما رُعي
أرهفت حدي فهو غير مفلل ... ورعيت عهدي فهو غير مضيّع
وبثقت لي من فيض بحرك جدولاً ... غمر البحار بسيله المتدفع
عذبت موارده فلو ألقت به ... هيم السحاب دلاءها لم تقلع
وزهت فرائده فصارت غرةً ... لجبين كل متوجٍ ومقنع
هو ذلك النظم الذي شهدت له ... أهل البراعة بالمقال المبدع
أبصرت منه أخا أيادٍ خاطباً ... وسمعت عنترة الفوارس يدّعي
وحلمت أني في خمائل جنةٍ ... ومن العجائب حالمٌ لم يهجع
فضل رفعت به منار كرامةٍ ... صرف العيون عن المنار لتبّع
فمتى أقوم بشكر ما أوليتني ... والنجم أقرب غايةً من منزعي
فأعذر إذا قصر الثناء فإنني ... زرت المقال فلم أجد من مقنع
لازلت ترفل في وشاء سعادةٍ ... وحبير عافيةٍ وعيشٍ أمرع
(وفي العدد القادم جواب الأمير)
стр. 704
يا أيها الريح
تمرُّ آناً مترنحاً فرحاً، وآونة متأوهاً نادباً، فنسمعك ولا نشاهدك، ونشعر بك ولا نراك. فكأنك بجرٌ من الحب يغمر أرواحنا ولا يغرقها، ويتلاعب بأفئدتنا وهي ساكنة.
تتصاعد مع الروابي وتنخفض مع الأدوية وتنبسط مع السهول والمروج. ففي تصاعد عزم، وفي انخفاضك رقة، وفي انبساطك رشاقة. فكأنك مليكٌ رؤوفٌ يتساهل مع الضعفاء الساقطين ويترفع مع الأقوياء المتشامخين.
في الخريف تنوح في الأودية فتبكي لنواحك الأشجار، وفي الشتاء تثور بشدة فتثور معك الطبيعة بأسرها، وفي الربيع تعتل وتضعف، ولضعفك تستفيق الحقول، وفي الصيف تتوارى وراء تقلب السكون فنخالك ميتاً قتلته سهام الشمس ثم كفنته بحرارتها.
لكن - أنادباً كنت أيام الخريف أم ضاحكاً من خجل الأشجار بعد أن عرّيتها من ملابسها؟ أغاضباً كنت أيام الشتاء أم راقصاً حول قبور الليالي المكلسة بالثلوج؟ أعليلاً كنت أيام الربيع أم محباً أضناه البعاد فجاء يصعّد بالتنهيد أنفاسه على وجه حبيبته الطبيعة لينبهها من رقادها؟ أميتاً كنت أيام الصيف أم هاجعاً في قلوب الأثمار وبين جفنات الكروم وعلى يبادر القش؟
أنت تحمل من أزقة المدينة أنفاس العلل، ومن الروابي أرواح
стр. 705
الزهور. وهكذا تفعل النفوس الكبيرة التي تحتمل أوجاع الحياة بسكينة، وبسكينة تلتقي بأفراحها.
أنت تهمس في أذن الوردة أسراراً غريبة تفهم مفادها فتضطرب تارةً، وطوراً تبتسم وهكذا تفعل الآلهة بأرواح البشر.
أنت تبطئ هنا وتتسارع هناك وتتراكض هنالك، ولكنك لا تقف قط. وهكذا تفعل فكرة الإنسان التي تحيا بالحركة وتموت بالسبات.
أنت تكتب على وجه البحيرة أشعاراً ثم تمحوها، وهكذا يفعل الشعراء المترددون.
من الجنوب تجيء حاراً كالمحبة، ومن الشمال تأتي بارداً كالموت، ومن المشرق لطيفاً كملامس الأرواح، ومن المغرب تتدفق شديداً كالبغضاء. أمتقلب أنت كالدهر، أم أنت رسول الجهات تبلغ إلينا ما تأتمنك عليه؟
تمر غضوباً في الصحاري فتدوس القوافل بقساوة ثم تلحدها بلحف الرمال. فهل أنت أنت ذلك السيال الخفي المتموج مع أشعة الفجر بين أوراق الغصون، المنسل كالأحلام في
منعطفات الأودية حيث تتمايل الزهور شغفاً بك وتتخاصر الأعشاب سكراً من أنفاسك؟
تثور ظلوماً في البحار فتحرك ساكن أعماقها، حتى إذا أزبدت حنقاً عليك فتحت فاهاً لجةً ولقمتها من السفن والأرواح لقماً مرة. فهل أنت أنت ذلك المحب المتلاعب حنواً بغدائر الأطفال المتراكضين حول المنازل؟
إلى أين تتسارع بأرواحنا وتنهداتنا وأنفاسنا؟ إلى أين تحمل رسوم
стр. 706
ابتساماتنا وماذا تفعل بشعلات قلوبنا المتطايرة! هل تذهب بها إلى ما وراء الشفق - إلى ما وراء هذه الحياة. أم تجرها فريسة إلى المغائر البعيدة والكهوف المخيفة، وهناك تقذفها يميناً وشمالاً حتى تضمحل وتختفي؟
في سكينة الليل تبيح لك القلوب أسرارها. وعند الفجر تحلك العيون اهتزازات أجفانها. فهل أنت ذاكر ما شعرت به القلوب وما رأته العيون!
بين جنحيك يستودع الفقير صدى انسحاقه، واليتيم حرقته، والحزينة تأوهاتها، وطي أثوابك يضع الغريب حنينه والمتروك لهفته والساقطة عويل نفسها. فهل أنت حافظ لهؤلاء الصغار ودائعهم. أم أنت كهذه الأرض لا نودعها شيئاً إلا تحوله إلى جسمها؟
أسامع أنت هذا النداء وهذا العويل، وهذا الضجيج وهذا البكاء، أم أنت كالأقوياء من البشر تمتد إليهم الكف فلا يلتفتون وتتصاعد نحوهم الأصوات فلا يسمعون؟
أسامع أنت يا حياة للمسامع؟
خليل جبران خليل
عناصر الجنس المصري
كلها من جنس واحد
يصدر هذا العدد من الزهور والمؤتمر المصري لا يزال منعقداً في مصر الجديدة يتباحث أعضاؤه في شؤون البلاد الاجتماعية والاقتصادية ويضيق نطاق هذه المجلة عن إيراد كل ما جرى وقيل في هذا المجتمع الكبير، كما أن ذلك خارج
стр. 707
عن موضوعها. ولذلك نقتصر على تلخيص خطبة جميلة لسعادة العالم الدكتور اباته باشا في وحدة العناصر المكونة للجنس المصري قال:
أيتها الأمة المصرية، أحييك بكل إجلال وأكبرك بكل احترام. هل تسمحين بالخطابة لشيخ غريب عنك هو إيطالي مولداً وقلباً، إلا أنه أقام أكثر من نصف قرن في بلدك الكريم تحت هذا السماء الجميل، فأصبحت مصر وطناً ثانياً له وأصبح هو من أبنائك تجمعه بك صلة دائمة رابطتها الإخلاص.
قد خدمت هذا البلد بكل أمانة وفي خدمتي الطويلة رأيت كثيراً وفكرت كثيراً وحق علي اليوم أن اجهر بكل إخلاص باعتقادي، أجهر به مستريح الضمير غير مدفوع بمصلحة شخصية إليه، وأملي أنكم بعد أن تسمعوا هذا الاعتقاد من فم رجل على باب الثمانين لا يزال في قوته تتقبلونه منه بقبولٍ حسن، عسى أن يكون قوله نافعاً لكرامة الأمة ولإخاء أبنائها.
وإني إذا اشتركت قليلاً في عمل اليوم بخطابي هذا، إلا أني أطلب أولاً أن يزال كل سبيلٍ لسوء التفاهم. ولذلك يجب علينا أن نسعى أولاً في الاتفاق على معنى المؤتمر المصري وأني على ثقة تامة بأني أعرب عما في نفوسكم إذا قلت إن معنى المؤتمر المصري هو في عرفكم كما هو في عرفي ذلك المعنى الدقيق الذي هو أوسع وأكرم معنى. فإذا قلنا مؤتمراً مصرياً فقد قلنا مؤتمراً قويماً اجتماعياً لكل المصريين الذين هم أبناء أصل واحد لأنه إذا قيل في أي بلد آخر من بلاد العالم، إنكليزي، ألماني، فرنساوي، إيطالي، روسي أو تركي، فالاسم مطلق على أبناء الأمة بلا
стр. 708
تمييز بين الدين أو العقيدة.
أما وقد ثبت ذلك، فسأبرهن لكن بسرعة على أصل هذه الأمة وأقيم الحجة على أنكم من عنصر واحد.
إن جل مطمعي أن لا آتي بشيء جديد أو غريب، وأن لا أعطيكم إلا ماهر ملك لكم. لأني أود أن أكون الصوت المعبر عما يدور بخلدكم وأن أعبر عما في ضميركم إذا بحت لكم بما في ضميري. ولكني سأتكلم عن أشياء قل من يعرفها وأني أعتمد على عنايتكم حتى يسهل علي أداء مأموريتي. . .
كل شيء له علاقة بالعصور التي سبقت التاريخ المعروف لنا فهو قائم على الفروض، ولابد لنا إذاً من الاكتفاء بإلقاء نظرة سريعة على الأمم الأولى التي كانت في مصر. فمن هذه العصور الخيالية إلى عائلة منيس يجب علينا أن نعتبر سكان مصر الأولين أنهم الأبناء الأصليون لهذا البلد. في العصور الأولى جاء جماعةٌ من أهل البادية المقيمين على ضفاف البحر الأحمر واجتازوا الصحراء (صحراء العرب الآن) بينما اخترق صحراء ليبيا جماعةٌ من بدو الشمال وأقاموا في البلاد الواقعة تحت الشلال الأول حيث كان طمي النيل قد كوّن وادي النهر وقد تكاثر هذا الطمي حتى كوّن الدلتا إلى البحر الأبيض المتوسط.
وبينما الساميون الذين جاؤوا من آسيا والليبيون الذين جاؤوا من شمال أفريقيا يجتمعون جماعاتٍ وفرقاً كان الأتبيون الذين جاؤوا من الجنوب قد نزلوا إلى بلاد النوبة وأدخلوا فيها الجنس الأسود الذي لا يزال قائماً بها إلى الآن.
стр. 709
من هذه الاجتماعات الأولى تكوّنت العائلات الفرعونية الأولى لما انتشر طمي النيل في واديه أخصبت طبقات الأرض الأولى هذا الطمي القائم المسمى (كم) ومن ذلك سمي السكان الأولون للبلد تو - كم وقد بقي هذا الاسم علماً على البلد زمناً طويلاً.
وفي ذلك الحين رأى الفراعنة أن من الضروري لهم جداً أن يتخذوا إقليم كوبتوس مبدءاً لغزواتهم لأقاليم سينا الجبلية وأن يجلبوا منها (المافك) النحاس ثم دعتهم الحاجة الماسة لجلب الذخيرة إلى فرع النيل الأيمن. ولما كانت صحراء العرب هي أقرب الطرق إلى البحر الأحمر فقد أصبحت أسهل وأعمر النقط التي يرحل إليها سكان الجزء الأعلى الأقدمون وبذلك صارت مدينة كوبتوس مورداً للتجارة ومركزاً للمواصلات بين القصير والبحر الأحمر والصومال.
وقد لاحظ ذلك المقدونيون عند غزوهم مصر، فغيّروا اسم كمي باسم أجيبت الذي نسخوه
من اسم مدينة كوبتوس التي كانت ترحل منها القوافل لأنها كانت مركز التجارة. فكوبت أو كبيت كانت عاصمة إقليم كان يحرسه إله اسمه خيم وأصلها مشتق من اسم البلد القديم (كم) الذي يؤيده اللون الأسود. واليونانيون أضافوا لهذه الكلمة حسب عادتهم حرفاً يضعونه في أول الكلمات (ابثيلون) وبذلك كوّنوا كلمة إجيبت.
مصر العليا التي دعيت بهذا الاسم الجديد كان يرمز إليها بباقةٍ من زهر اللوطس، بينما كان الوجه البحري يرمز إليه بورقة بردى لأنه كان يوجد بكثرة زائدة في مستنقعاتها.
стр. 710
ومن ذلك الوقت وللأسباب التي قدمناها، صارت كلمة مصري تطلق على الأمة بأسرها الأرض والسكان القائمين عليها لا دخل للدين ولا للطبقات في ذلك مطلقاً، ولا يوجد في العالم إلا الإسرائيليين الذين يطلق عليهم كلمة يهود كأن دينهم علامة على أمتهم لأنهم لا يزالون منتشرين في العالم يسعون في تكوين مملكة صهيون.
فمن قال مصري، فقد قال أهل البلد الذين أطلق عليها الاسم والذين كوّنوا الأمة المصرية وذلك بالرغم عن ديانات الفراعنة أو المسيحيين أو المسلمين في ما بعد. فالمصريون هم المصريون فكل مصري قديم بدل عقيدته بالعقيدة الجديدة لا يزال مصرياً لأن الدين خاص بالشخص أو بالجماعة ولا دخل له في سلطة الأمة التي هي كل لا يقبل التجزئة، وكلٌّ منا يعاشر أشخاصاً لا يعرف عقائدهم وكلمة كافور المأثورة كنيسة حرة في أمة حرة لا تزال أثراً كبيراً للحاضر والمستقبل بالنسبة للأمم. . .
أيها المصريون أذكركم أنه يجب أن تتحدوا كلمة واحدة وأن تجمعكم أخوَّة واحدة مسيحيين كنتم أو أقباطاً أو مسلمين فالقوة في الاتحاد فليست الغاية نصرة المناقشات الدينية لأن الدين لا دخل له في الشؤون الوطنية.
مراعاة الحق العام والآداب الخاصة هي جزء من الوطنية والوطنية تشمل الجميع ولا شيء يخرج الناس من الأوهام القديمة ويريحهم منها إلا الذكاء. وما دمتم أيها المصريون عائشين في علاقات مستحكمة، أفلا يكون بعضكم محتاجاً للبعض! إن هذا الارتباط من لوازم الحياة ومن
стр. 711
طبيعة الأشياء ومن مقومات الوطنية، إن ضعف ضعفت وإن قوي قويت فوجب أن تكونوا أيها المتواطنون إخواناً.
يجب أن يكون بروغرام وحدتكم وعملكم المشترك مؤسساً على هذه القاعدة حرية
الأشخاص في عقائدهم غاية. والتربية والرقي الأدبي واسطة. فالسلام على أقوياء العزيمة من الرجال الذين يسعون إلى الوحدة لا من طريق الدين ولكن من طريق احترام عقيدة الفرد.
إنه إذا أراد أحد الكلام عن أي واحد من المصريين يعبر عنه بكلمة قبطي أو مصري. خطأ كبير، خطأ تاريخي، خطأ أدبي، خطأ وقع فيه كل الكتّاب بلا تفكر ولا روية لأنه بذلك قد أضلوا الحق أحياناً.
لابد أن تضيء الأفكار الجديدة في كل مكان، ولابد أن يسود الفكر الجديد في وادي النيل السعيد، ولابد أن نقول جميعاً بصوتٍ واحد تهتز له أركان المسكونة إنما المصريون متساوون، إنما المصريون أخوة. إن امتيازات الطبقات تزول ولكن الأمة لا تبيد أبداً، ففي خلط العناصر والمساواة بينها إيجاد روح واحدة للأمة.
فيا أيها المصريون إذا كانت العقائد قد فرّقت بينكم فلتقرب الأفكار وتجمعكم. كونوا خير خلف لأكبر سلف فإن آباءكم كانوا أهل مجد كبير.
يلزمنا أن نكرر القول بأن عقائد الفاتحين لمصر لا دخل لها في أصل أهلها المتناسق.
الأمة ليست خليطاً وليست هي كوم من الرماد تذروه الريح وتبعثره، ولكنها جسم حي كبير تجمعه روح واحدة مكونة من إرادات
стр. 712
مجتمعة ومن أفكار مشتركة ويجب أن تكون تربية الأمة قائمة على المحافظة على هذه الروح.
من المحتم أن يتعلم الأبناء في المدارس العليا والدنيا حب مصر وتاريخها، وإن يشبوا وهم يعتقدون أن مصر هي المصريون، هي كل واحد، هي كلكم جميعاً. لا يشوب هذا التعليم شائبة من أموركم الخصوصية وأحوالكم الدينية. فالمصري القديم لا يزال باقياً على أصله وأكبر برهان على ذلك أهل القرى الذين نراهم محافظين على صورة آبائهم الأولين.
وإني لا أبيح لنفسي أن أتكلم عن الحق والمساواة والرقي أمام مجتمعكم لاعتقادي أن هذه المبادئ السامية هي قائمة بينكم منقوشة في صدوركم ولاشك أنه سيأتي يوم قريب تضيء فيه على أرض مصر المباركة.
إن مصر تطل عليكم من أعلى آثار مجدها القديم تنظر إلى المستقبل بعين كلها أمل ترجو أبناءها أن يجتمعوا فيما بينهم وأن يتحدوا كأنهم شخص واحد حتى يطمئن قلبها وتعلم أن
أولادها بارون بها.
لتحيى الوحدة الوطنية فهي التي ستقربكم من بعضكم والتي ستشيد هذا البناء الفخيم الذي ترمون أساسه اليوم. . .
فيا مصر كم من تذكار يهيّجه في نفوسنا اسمك الكريم. فإن العالم بأسره يتطلع من زمن مديد إلى هذا البلد الذي لا يصادف أبناؤه إلا تعضيداً من البلاد الأخرى. وإنه يحقق للمصريين إذا نظروا إلى ماضيهم الجميل وإلى أصلهم الجليل أن يصيحوا بمزيد الإعجاب لتحيى مصر.
стр. 713
من كل حديقة زهرة
* كلف القطار الخاص الذي أنشئ للإمبراطور غليوم خمسة ملايين من الماركات، وقد اشتغلوا به مدة ثلاث سنوات وهو يقطر ١٢ عربة فيها غرف نوم والأكل والمكتب والحمام والاستقبال إلخ أي انه كناية عن قصر نقال.
* عرضت فتاة في الولايات المتحدة على إحدى السيدات مبلغ ٢٥ ألف دولار لتطلق زوجها وتدع لها حق الاقتران به، فرضيت.
* الضريبة على الكلاب قديمة، وقد بات بعض الحكومات ينوي وضع ضريبة على القطط بغية المساواة في عالم الحيوان.
* يحدث في الولايات المتحد ٣٠ حادثة قتل في اليوم أي ١١ ألفاً في السنة تقريباً. ولا يقبض إلا على اثنين من المئة منهم فقط. أما الباقون فيتمكنون من الفرار. ومعدل المجرمين الذين يلقى عليهم القبض في ألمانيا ٩٥ في المئة، وفي إسبانيا ٨٥، وفي إيطاليا ٧٧، وفي فرنسا ٦١، وفي إنكلترا ٥٠.
* يجب على المحامين في فنلندا قبل الحصول على الرخصة لمزاولة مهنتهم أن يتطوعوا بضعة أشهر في سلك البوليس.
* يزداد النظر حدة كلما امتد الأفق وبعد. فالعرب الذين يقطنون الصحراء الفسيحة هم أحد نظراً من سواهم. فينظرون على مسافة ١٠ أو ١٢ كيلومتراً أشياء لا يميزها غيرهم. وكذلك الأسكيمو في أوروبا، فإنهم يرون الكلب الأبيض على الثلج على مسافة بعيدة جداً. وما ذلك إلا لأن
стр. 714
عيونهم التي لا يقف أمامها حاجز تتعود النظر إلى بعيد بخلاف سكان المدن.
* أقدم شجرة في العالم شجرة اكتشفت في المكسيك يقدر علماء النبات عمرها بستة آلاف سنة وتبلغ دائرة قطرها ٣٥ متراً.
* تبني إحدى الشركات الأمريكية الآن في نيويورك بنايةً يبلغ علوها ٦٠٠ قدم وهي مؤلفة من ٥٠ طابقاً وليس فيها شيء من الخشب. وسيستعمل لإنارتها ١٥ ألف قنديل وفيها ١٦ مرقاة (اسنسور).
أزهار وأشواك
شم النسيم
كان يوم العيد وكان بعده يوم شم النسيم، احتفلت به مصر كبيرها وصغيرها، وغنيها وفقيرها، ساد السرور، وعم الابتهاج والحبور. جميلة الأعياد التي تشترك فيها أمة بأسرها، وخصوصاً متى كانت هذه الأمة - كأكثر أمم الشرق - مؤلفة من عناصر مختلفة، وإذا كان لا شيء يقرّب القلوب مثل الاشتراك في الأحزان فكذلك قل عن الاشتراك في الأفراح. فالعاطفة المتبادلة المشتركة مدعاة إلى التآلف والتسالم. كل ذلك تجلى بأجمل مظاهره في العاصمة وضواحيها - وفي سائر مدن القطر بالطبع - حيث كانت المسرة رائد الجميع والغبطة مرفرفة على كل الرؤوس، ولسان القوم ينشد مع صديقي الشاعر المصري:
العمر يومٌ للسرو ... ر وألف يومٍ للهموم
فدع النواح وهاتها ... صفراء بيضاء الأديم
стр. 715
راحٌ وريحانٌ ورو ... ضٌ زانه عودٌ وريم
وجرت على أوتاره ... أطرافه جري النسيم
فمغردٌ ومرددٌ ... هذا يدل وذا يهيم
ومصفقون مقاطعو ... ن ومستعيدٌ مستديم
أما في بيروت فقد غنى الرصاص بين القوم، وأبرقت الخناجر، وسالت الدماء، فما اغرب ما يفهمون من الحرية والمساواة والإخاء. . . .!
القبلة
تلك الحركة اللطيفة التي تغنى بها الشعراء قديماً وحديثاً، تلك الإشارة البليغة إلى ما تكنّه - أو لا تكنه - الضمائر أصبحت الآن في خطر عظيم. والقتال شديد حولها بين جماعة الأطباء وأهل الشعر والشعور: الأولون مهاجمون يريدون استئصالها من العادات والآخرون مدافعون يريدون الذود عنها. قرأت أن أطباء المجلس الصحي في ولاية إنديانا الأمريكية وزعوا منشوراً جاء فيه: بأمر من مجلس الصحة العمومية نحظّر التقبيل ولاسيما التقبيل في الفم فأصبحت القبلة الآن - على ما يقال - تختلس اختلاساً في تلك الولاية بعد أن كانت مباحة. على أن فريقاً من الشبان اجتمعوا وعلقوا على منشور المجلس الصحي
الملاحظة الآتية نحن لا تقبل فم أحد ولكننا لا نملك النفس عن تقبيل نرجس العيون وورد الخدود، فالقبلة ممنوعة في ولايتنا ولكنها مباحة في صفحة الوجه الصبوح. كن ما شئت إلا عضواً في مجلس الصحة. . . .
стр. 716
فما رأي قرائي وقارئاتي هل هم ينتصرون للأطباء للقضاء على القبلة، أم هم يقفون في جنب الحزب الثاني ويدافعون عنها. . .؟
هم وهن.
الله ما أشد الحرب التي أصلت نارها كاتبات الزهور الأديبات حول مسألة المرأة! هذه الحرب قديمة العهد - منذ آدم وحواء - ولكن أديباتنا قد جلن فيها جولات مشهودة على صفحات هذه المجلة. أنا اليوم لست كامل العدة لأنزل إلى الميدان، بل أقف بعيداً عن هذه المعمعة. وليسمح لي المتخاصمون أن أقص عليهم حادثتين من قبيل الرواية فقط:
الأولى: حاصر كونراد الثالث إمبراطور ألمانيا مدينة وينسبرج فلم يتمكن من فتحها وإخضاع سكانها إلا بعد حصار طويل، ولذلك أحب الانتقام وأباح لعسكره السلب والنهب لكنه شفق على النساء فأذن لهن بالخروج من المدينة سالماتٍ وبأخذ أثمن ما لديهن. وما أعظم ما كانت دهشته عندما رأى كل امرأة قد حملت زوجها على ظهرها. فسأل عن معنى ذلك فأجبن بصوتٍ واحد ألم تسمح لنا بأخذ أثمن ما لدينا؟ وهل أثمن من رجالنا؟ فأعجب الإمبراطور بسمو عواطفهن وعفا عن المدينة.
القصة الثانية: اشتدت العاصفة على إحدى السفن وهاجت عليها الأمواج وماجت حتى كادت تغرقها ومن عليها، فأمر القبطان أن يطرح إلى البحر كل ما هو ثقيل يستغنى عنه، فعمد أحد الركاب إلى امرأته وطرحها في لجج المياه قائلاً: هذا أثقل شيء لدي.
- حاصد
стр. 717
رواية الشهر
الملك المسروق
حكى الكاتب قال:
جلست إلى السفير بعد طعام العشاء وقد ملأ كأسي ثم ملأ كأسه من الكونياك اللذين الذي كان قد اعتاده، واتكأ في مقعده مسنداً رأسه على شماله، ومشعلاً في يمناه سيكاراً طيب النكهة كان يرسل دخانه دفعةً إثر دفعة فتفوح منه رائحة ذكية. وكنت صامتاً أنظر إليه محترماً سكوته فلم أشأ أن أبادئه الحديث حتى رأيته قد مد يده إلى الكأس فتجرعها ثم ملأها والتفت إلي وقال:
- من الأسف أن يظل تاريخ أوروبا السري مكتوماً عن الناس لم يدونه الكتاب ولم ينشروه!
فقلت متعجباً: أو لأوروبا إذن تاريخ سري غير معروف؟
فأمال السفير رأسه إلى الوراء، وامتص مصة طويلة من سيكاره ثم نفخ دخانها وقال:
- أو ترتاب في ذلك؟ إن البرنس بسمارك لم ينشر رسالته البرقية التي هاجت الحرب الفرنساوية الألمانية إلا منذ أيام خلت فهو قد خبأها نحواً من عشرين سنة. فالتاريخ السياسي الحديث مملوء حوادث جهلها إبان حدوثها هذا البارون روتر المسكين فبقيت سرية غامضة. أما الصحف فاكتفت بالقشور دون اللباب!
- ولكننا يا سعادة السفير - وكنا في باريس - يجب أن لا ننسى أن الرسالة البرقية يسهل كتمانها. وأما الحوادث الجلى. . .
- رويدك يا سيدي ولا تتعجل في حكمك! أمل يتصل بك مثلاً نبأ المرض الوهمي الذي أصاب ملك إسبانيا في حداثته؟
- المرض الوهمي؟
стр. 718
- وبعبارةٍ بسيطةٍ تلك الإشاعة القائمة يومئذ أن ألفونس الثالث عشر أصيب بداء معديٍّ خطر، وإنه لزم سريره في غرفته فلم يكن يسمح له بالخروج، ولا يؤذن لأحدٍ بالدخول عليه؟
- بلى أنا أذكر ذلك ولكن. . .
- ولكن الملك الصغير كان سليماً معافى! وأما أخبار الصحف فكانت كاذبةً ولم يكن يقصد منها إلا ذر الرماد في العيون فيعمى الناس عن الحقيقة التي لو عرفت حينئذٍ لأقامت إسبانيا وأقعدتها. إن ألفونس الثالث عشر لم يكن مريضاً في ذلك العهد ولكن مسروقاً!!
وكان السيكار قد احترق إلا بعضه فرمى السفير بعقبه إلى صحيفة فضية وأطفأه فيها ثم تناول آخر فأشعله وعاد إلى حديثه فقال:
- إذا شق عليّ أن أحدثك بخبر هذه الواقعة فلأني لعبت فيها الدور الأهم. فأنا أخاف أن يظن بي حب الإثرة والتباهي وذلك ما أأباه! لا تحن رأسك يا سيد فإني أقول ما أتيقنه!
- عفوك يا سعاد السفير! وكيف كان ذلك؟
- منذ خمس عشرة سنة نشرت الصحف الأوروبية نبأ خلاصته إن داءً عقيماً معدياً أصاب الملك الصغير فلزم غرفته ولازمته الملكة أمه واثنان من الخدمة الأمناء ولكنهما لم يكن يؤذن لهما بمخالطة أحد في القصر. وكان الأب أوليفا مربي الملك، والسنيور جويستالا رئيس الوزارة يومئذٍ الشخصين الوحيدين اللذين كان يباح لهما أن يعودا المريض. أما حكاية هذا المرض فكما سترى:
كانت الحكومة الإسبانية قد عزمت على الاحتفال باستعراض عسكري إكراماً لعيد القديس يعقوب شفيع إسبانيا، وقد أعلنت أن الملك والملكة أمه سيحضران الحفلة. وكان شعب مدريد قد تهافت في ذلك اليوم إلى الساحة الكبرى أمام القصر الملكي حيث وقف الجيش على أتم أهبةٍ وانتظام يرقب طلعة الملك عليه فيحييه ثم يبتدئ الاحتفال.
стр. 719
ففي صبيحة العيد وردت على الملكة رسالة مكتوبة على غلافها لفظة مستعجل ومختومة بطابع البريد من مدينة بامبلون. وإنك لتعلم أن فريقاً من الشعب الإسباني كان قد بنى آماله على موت ألفونس الثاني عشر بدون عقب ذكر ليولي على العرش الدون كارلوس. فلما ولد ألفونس الثالث عشر لم تذهب تلك الآمال لأن الدون كارلوس ما فتئ يطالب بالعرش لأسبابٍ شتى لا أرى فائدةً من ذكرها، ومثلك كاتباً صحافياً لا يجهلها. أما بامبلون هذه - وقد دلتني أمائر وجهك على أن ذكرها أثر فيك تأثيره في الملكة يومئذ - فهي مقر الكارلوسيين ووسط هذه الشيعة السياسية! فلما فضت الملكة تلك الرسالة وجدتها خلواً من التوقيع ولكنها قرأت فيها أن مؤامرة سرية قررت اغتيال الملك الصغير وعينت موعداً
للفتك به في يوم عيد القديس يعقوب، ومكاناً لارتكاب الجناية ساحة الاستعراض العسكري في ذلك العيد. فأطلعت الملكة الأب أوليفا على الرسالة فرأيا معاً إبقاء الملك في القصر وخروج البرنسس دزاستوري شقيقته البكر إلى ساحة الاستعراض بالنيابة عنه. أما ألفونس فاستاء كثيراً فألهاه مربيه بلعبةٍ تمثل فيلقاً من الجند مصطفاً في شبه ساحةٍ للقتال. ثم كان موعد الاحتفال فزايلت الملكة القصر إلى حيث الجيش والشعب ولازم الأب أوليفا تلميذه الصغير في كل صباح. ولكنه ما انقضت ساعة على ذلك حتى دخلت ساحة القصر عربة مقفلة تقل ضابطاً لابساً لباس جنرال إسباني وآخر كان يظهر بصفة أركان حرب. وأعلن الأول نفسه باسم الجنرال اسبينوزا رسول الملكة إلى الملك فأدخله الحجاب تواً إلى حيث ألفونس الصغير ومربيه.
وقطع السفير حديثه هنيهةً فقلت مستفهماً: عفوك يا مولاي وهل كان يوجد جنرال إسباني بهذا الاسم؟ فمد السفير يده إلى شاربيه ففتلهما بين السبابة والباهم وقد صعدهما إلى أعالي وجنتيه ثم قال:
نعم! غير أنه كان يقود في ذلك العهد الفرقة المعسكرة في برشلونة. مهلاً رويداً فإنك ستعلم كل شيء.
стр. 720
فلما مثل الجنرال بين يدي الأب أوليفا والملك الصبي قال لهما إن الجيش تظاهر بالاستياء لغيبة الملك فخشيت الملكة حدوث أمر ذي بال فأنفذته إلى القصر ليستصحب ألفونس الثالث عشر إلى ساحة الاستعراض. وكان الجيش في تلك الأيام الآمر الناهي في إسبانيا فلم يخامر الأب أوليفا ريبٌ في كلام الجنرال فهمّ إلى قبعة الملك فوضعها له على رأسه وأوعز إليه بالذهاب فوراً. وكان ألفونس في السابعة من عمره فقفز درج القصر قفزاً شأن الصغار إذا دعوا إلى ما يحبون، وركب في العربة المقفلة وإلى جانبه الجنرال اسبينوزا وأمامهما الضابط الآخر.
ولما عادت الملكة إلى البلاط على أثر الاستعراض استقدمت ولدها إليها فهب الأب أوليفا مرتبكاً وقص عليها ما كان. ففهمت جلالتها أن ألفونس إنما انتشل انتشالاً من قصره لأن الجيش لم يتظاهر بالاستياء المزعوم فهي لم تستقدمه إلى الحفلة قط. تصور يا سيدي إذن الألم الذي أحست به الملكة كريستيانا سليلة هابسبورج تلك المرأة التي كانت تخبئ تحت
عظمة الملك وأبهة التاج حنان الأم الرؤوف، وشغفت الأرملة ببنيها. إنني تشرفت بمعرفتها وقوبلت مراراً في مخدعها الملكي فما ظننت قط أن تلك الملاحة الخلابة، وذلك الجلال الباهر يلينان للحزن الوالدي حتى حده الأقصى. وكانت جلالتها حينئذ في موقفٍ حرج فاستشارت السنيور جويستالا فأشار بوجوب كتمان الأمر كل الكتمان مخافةً أن يغتنم الكارلوسيون تلك السانحة، أو يستفيد الجمهوريون من تلك الفرصة فتسود الفوضى، وتكون في المملكة من أقصاها إلى أقصاها ثورة لا تحمد عاقبتها. إن مخافة هذه الفوضى خلقت ذلك المرض الوهمي الذي أشرت إليه فزعمت الملكة أن ألفونس أصيب فجأة بداء عقيم، وإنه حجر عليه في غرفته، ورددت الصحف هذه المزاعم فعكف الشعب على الصلاة وبكر إلى الكنائس يتشفع القديس يعقوب!
* * *
وتوقف السفير هنيهةً عن حديثه فتناول كأسه وابتلع ما فيها دفعة واحدة، وأشعل سيكاراً جديداً وأشار إلي بأن أشرب فامتصصت مصةً من كأسي عملاً
стр. 721
بإشارته. ورأيته قد أمرَّ يده على جبينه ففركه قليلاً والتفت إلي فقرأ في عينيّ معنى الاستزادة والرجاء فتمجد في مجلسه وفتل شاربيه ثم تنحنح وعاد إلى حديثه:
أود إليك يا سيدي أن تعذرني عن متابعة حكايتي فقد بلغت فيها الآن حيث بدأ دوري بالعمل وأنا لا أريد أن أتباهى بأعمالي وإنما يكفيك أن تعلم أن الحظ أسعد إسبانيا بوجودي يومئذ في مدريد ولولاي لكان في تلك المملكة ما كانت المملكة في غنىً عنه. فدنوت بكرسي قليلاً من مقعده وتململت كمن ذهب صبره وقلت: كلي إصغاء إليك يا سعادة السفير. غير أن لي سؤالاً أستفيد جوابه. إنك كنت في مدريد في ذلك العهد فكيف كان ذلك فأنا لا أعهد أن سعادتك تقلدت السفارة في تلك العاصمة؟
فقطب سعادته جبينه وأليس وجهه هيئة الرزانة والوقار وقال: لا لم أكن سفيراً هنالك ولم تكن لي مهمة سياسية قط. فلا توقف علي في السؤال لأن من الأمر سراً أود كتمانه وغنما حسبك أن تعرف أنه كان لإحدى الأوانس الفاتنات دخل في وجودي يومئذ في عاصمة الإسبان.
فأحنيت رأسي احتراماً واعتذرت عن هفوتي بما حضرني ثم قلت وأنا أفرك كفاً بكف.
عفوك يا سيدي فقط قطعت عليك حديثك. فتبسم تبسمة من فهم براعة الطلب فارتحت إلى رضاه وسكت فقال:
هذا ما كان من أمر الملك والملكة: وأما أنا فلما أتاني أن ألفونس مريض وقد كنت أحبه ويحبني ويهفو إلي حين يراني أبرقت إلى باريس إلى أميل جيرولت وشركاه أن يرسلوا إلي أثمن وأجمل لعبة في مخزنهم المشهور وقد وصلتني في اليوم الرابع وهي تمثل فارساً مغربياً متقلداً سيفه ومعتقلاً رمحه وممتطياً هجيناً يتحرك بلولب فيمشي متثاقلاً.
وحملت اللعبة إلى القصر فلما قرأت جلالة الملكة كلمة ضروري على بطاقة زيارتي أمرت فوراً بإدخالي إلى الحجرة المحاذية حجرة الملك الصغير. وكانت سلسلة هابسبورج قد أخذ الحزن مأخذه منها، وتولاها اليأس وساورتها الهواجس
стр. 722
والرؤى غير أنها ما برحت حافظةً عزتها وكبرها؟ فلما مدت يدها مسلمةً قالت بالفرنساوية وهي تتكلف الرقة: أي داعٍ أتى بك إلينا يا حضرة البارون؟ فانحنيت ثم أجبت بالإسبانية وأنا أحسن هذه اللغة: نبئت أن جلالة الملك مريض فأتيت أعوده حاملاً إليه هدية تؤنسه في وحشته. وأني لأرجو أن أنال الحظوى في عينه فأسليه في بلواه ولست أخاف العدوى فأحجم عن القيام بالواجب.
وكنت أتكلم محدقاً في عيني جلالتها فلم تفتني معاني الحيرة فيهما فلما سكت قالت: يسوءني يا حضرة البارون أنني لا أتمكن من قبول التماسك فإن جلالته لا يستطيع مقابلة العواد. على أنني أعدك أنني لا أكتمه حديث لطفك ومروءتك متى تم له الشفاء. فقلت وقد بسطت بين يدي جلالتها اللفافة المتضمنة اللعبة: سمعاً وطاعة! لا أخال أني صديقي ألفونس مريض إلى حد أنه لا يستطيع التسلي بمثل هذه اللعبة الجميلة. حنانيك يا مولاتي فلا تمنعي عنه فرحه بي، ولا تمنعي ابتهاجي برؤيته! فحولت الملكة وجهها عني، ولوت رأسها ثم مدت يدها بمنديلها إلى عينيها تنشف لؤلؤتين صافيتين أبرقتا فيهما.
أسليلة هابسبورج تبكي؟ إن الملكة كريستيانا أرملة ألفونس الثاني عشر، وأم ألفونس الثالث عشر ملك إسبانيا نسيت عظمة الملك وفخفخة التاج، وعزة الصولجان، فرأيتها حينئذ أماً لا ملكة وكانت تلك الدموع دموع الأمومة لا دموع الملك!
فتقدمت من جلالتها جازعاً مرتبكاً وأنا أقول: رحماك يا سيدتي! أتراني ارتكبت إثماً بإلحاحي إلى هذا الحد فعفوك إذن عني! فمالت إلي وأمسكت بيدي قائلة بل أتيت كل جميل
وما قلت غير ما أشكرك عليه. إنني اعلم وفاءك فإذا بحت لك بالسر الذي يبكيني فلأني أعتقد بشرف خلقك: إن ألفونس لا يتمكن من قبول هديتك لأنه ليس في حجرته فقد انتشل من هذا القصر منذ أربعة أيام.
فصعقت في مكاني وهالني الأمر جداً ولكنه لم يذهب بثبات عزائمي، وحدة ذهني فلفت إلى جلالتها لفتة السائل المستفيد فأومأت بأن أجلس وجلست على مقربة مني، ثم قصت علي الحكاية كما قصصتها الساعة عليك. وزادت أنها أوعزت إلى
стр. 723
البوليس السري باقتفاء أثر العربة المقفلة التي دخلت القصر في صباح العيد وخرجت منه بالملك الصبي. غير أن البوليس لم يعلم قط أن ذلك الصبي المنتشل كان ألفونس نفسه. وكنت أسمع حديثها بإصغاء وانتباه شديدين فلما جاءت على آخر القصة أبرقت عيناي ولم يفتها بريقهما فنظرت إلي مستغيثة فقلت: علي يا سيدتي بالأمر فأرد إليك الملك المسروق في خلال خمسة أيام. فانتفضت في مقعدها انتفاض قلبها في صدرها وإنما الأم بعض حياة البائس رد إليه. ثم مدت يدها إلى يدي فشدت عليهما وهي تقول: أتعدني وفي وعدك مثل هذا التأكيد فكأن لك إذن نفوذاً عظيماً على الكارلوسيين؟ فقلت رويدك يا سيدتي لا تتهمي الكارلوسيين بمثل هذا الإثم الفظيع. إنني عرفت الدون كارلوس المطالب بعرش إسبانيا وشرفني بأن دعاني إلى مائدته الخاصة وصادقته فسبرت نفسه فأنا أعيذه من التدني إلى هذه السفالة. فبهتت جلالتها لدفاعي عن الدون ومريديه ثم قالت: كيف تفسر إذن الرسالة التي وردت علي من بامبلون قلت حيلة احتالها بعضهم طمساً للحقيقة ودفعاً للشبهات.
فقامت إلى خزانة في الحجرة التي كنا فيها وفتحت درجاً صغيراً وعادت إلي بالرسالة فقرأتها فإذا بها تحتوي طلب مليون بيستاس فديةً للملك وهي خلو من التوقيع غير أن في ختامها هذه الكلمات: بأمر جمعية اليد السوداء فلما تأملتها جيداً أعدتها لجلالتها قائلاً: وإن هذا التوقيع مستعارً أيضاً فاليد السوداء لم تقدم قط على انتشال الملك وإنما انتشله أثمة جناة استعاروا اسم جمعية اليد السوداء تهويلاً وتستراً. ثم اقترحت اقتراحي على جلالتها فرضخت له وأمضت لي كتابةً خلاصتها الإذن لي بعمل كل ما أراه نافعاً. فتسلحت بتوقيعها الملكي وانصرفت.
وكان أول همي أن أجد لنفسي صفة التبس بها عن المظان والشبهات ففكرت كثيراً فقر
رأيي على أن أستعير صفة طبيب إنكليزي فلبست اسم الدكتور هري برون وألحقته على بطاقة الزيارة بهذه الكلمات: من المدرسة الطبية في لندن.
فقلت عفوك يا سعادة السفير فقد كان التعبير الأصح من جامعة العلماء الطبيعيين في لندن فهز سعادته كتفيه غير مكترث لتصحيحي وقال: أنتم الإنكليز
стр. 724
جميعكم سواء في الأنانية. أو ظننت أن كل المدريديين يعلمون أن أطباءكم يميزون معاهدهم في تسميتها مدرسة أو جامعة؟ وتناول سعادته كأسه فتجرعها ثم ملأها وعاد إلي فقال: وقد اختر أن أكون طبيباً إنكليزياً لأن غرابة الأطوار منتشرة بين الإنكليز حتى لقد أصبحت أشبه بداء معدي أصبتم به أنتم سكان تلك الجزر البريطانية. وكان الدور الذي وددت أن ألعبه في القصر الملكي يقتضي شذوذاً في الأخلاق وهذا ما لا يتاح لي إذا لم أكن إنكليزياً. ثم بدأت عملي فاستنطقت الأب أوليفا استنطاقاً دقيقاً وسألته أن يريني آخر رسم للملك المسروق فرأيته يمثله أجمل تمثيل بعينيه الكبيرتين البراقتين وملامحه الدالة على العزة والعنفوان. وعرفت من الأب أيضاً أن تلك الصورة انتشرت انتشاراً عظيماً في المملكة وتداولتها الأيدي في جميع الأنحاء فعلقها التاجر في معرض تجارته، والغني في قاعة منزله والفقير على حائط كوخه. فقلت للأب حينئذ إذا كان ذلك كذلك فغنه يستحيل على سارقي الملك أن يخرجوا به في شوارع العاصمة في رائعة النهار فالشعب يعرفه والبوليس لا يجهله. ثم طلبت منه أن يسمي لي الخدمة الذين رأوا الصبي راكباً فيها فتردد في قبول طلبي زعماً أن جميع من في القصر يعتقدون بأن الملك عاد إلى بلاطه سليماً معافىً. ولم يكن من خلقي امتهان الإكليروس، واحتقار آرائهم وفلسفتهم رغم كوني غير كاثوليكي. إنك تعلم يا سيدي أن لا دين لي سوى حب فرنسا، وأن لا إله أعبده غير الشرف ومع ذلك فإني أحترم الكنيسة وما الإكليروس في نظري إلا كالنساء صنف من الناس أرى من النذالة أن يهانوا ويشتموا. إما انتم البروتستانت فقد برهنتم على ذكائكم بإقصائكم هذه الطغمة عن الشؤون السياسية.
- عفوك يا سعادة السفير. . . بل إقصائها فقط عن كراسي النيابة في مجلس العموم.
- هذا كذاك فالمعنى واحد. قلت إني أنفت من فلسفة الأب أوليفا ولكنني أبيت أن أتدنى إلى إهانته بل أفهمته أنه يجب أن لا تكون له إرادة في جانب نهيي وأمري. ثم مشى أمامي إلى دائرة الخدمة فنظرت في ساعتي وسألته متى خرج الملك فقال في مثل هذه الساعة ولهذا
فإن الذين شهدوا خروجه كانوا قليلي العدد. فقلت
стр. 725
ذلك خير وأبقى. ودعا الأب ثلاثة من الخدم بأسمائهم فهرولوا مسرعين فبادرتهم بالسؤال ولم أدع لهم سبيلاً للاختلاف والتلاعب في الشهادة ففهمت أن الملك كان ملتفاً بغطاء من القطيفة، ومنزوياً في العربة كمن يحس بشدة البرد، ولم أستفد غير ذلك مما يعول عليه. فعدت بالأب إلى حجرته وقد بدأت استخفه وأمله لكثرة ما كان يلقيه علي من الأسئلة الباردة ولما استقر بنا المكان وأخذت أفكر في السبيل المؤدي إلى الحقيقة، إذ فتح علينا الباب فجأة ودخل منه رجل فسلم على الأب أوليفا بخشوع واحترام. فمال الأب إلى أذني وأسر إلي إن الزائر الدكتور هناريز طيب القصر فأبيت أن أتعرف إليه لأنني خشيت أن يطارحني حديث المدرسة الطبية في لندن فينكشف له سري. ورأيت أن أشغل الأب عن زائره فسألته عن طعام الملك فقال إن جلالته يحب الأطعمة التي يقدمها السنيور غوميز رئيس طهاة القصر وقد ساءه في الأيام الأخيرة انحراف ألم بمزاج هذا الطاهي فلم يذق جلالته أقراص الحلوى والكعك وهو ولوع بها ولكنه لا يشتهيها إلا من صنع غوميز نفسه الذي لا يزال مريضاً حتى اليوم. على أننا نرجو أنه متى تم الشفاء لجلالته يكون السنيور غوميز قد تعافى أيضاً كما يرى حضرة الدكتور وفي تلك الآونة وقف الطبيب فودع بالاحترام كما سلم فقلت للأب علي بوكيل القصر الساعة. فلما مثل بين يدي أمرته بأن لا يدخل القصر مخلوق فيه حياة قبل أن يستأذن له منا اللهم عدا الملكة والسنيور جويستالا ثم قلت له: أما خدمة القصر فراقبهم وضيق عليهم فلا يخرج أحدهم على غير علم مني، وأما أنت فقدم لي في كل ساعتين تقريراً مسهباً فيه عن صفة كل طالب أذنت له بالدخول أو لم آذن. فانحنى الوكيل احتراماً ثم قال: وهل تشمل هذه الأوامر دائرة المطبخ حيث يكثر اختلاط الباعة بالطهاة والخدمة؟ فأرسلت إليه نظرتين حادتين وقلت: بل هي تشمل تلك الدائرة في الدرجة الأولى. وحذار الحليب خصوصاً فهو قارورة الميكروبات، ومنشأ الأمراض المعدية. ثم كانت ساعتان فأقبل علي الوكيل حاملاً تقريره الضافي فنظرت فيه ووعيته
стр. 726
تماماً ثم حملته إلى جلالته الملكة. . . ولكني ما لي أراك لا تشرب كأسك أتراك شغلت بحديثي عنه؟؟
فقلت: حديثك يا سيدي السفير أطيب من الكونياك. فتناول كأسه وابتلعه ثم أشعل سيكاراً وامتص منه بضع مصات ملأ دخانها سماء الغرفة وعاد إلي فقال: يذكرني دخان هذا
السيكار بليلة ساهرة مرت بي على شاطئ البوسفور في الأستانة على أثر خلع السلطان عبد العزيز وقد أحرقت في تلك الليلة عدداً ليس بقليل من أمثال هذا السيكار. . . لأن لخلع ذلك السلطان وموته حديثاً سأطرفك به في إحدى ليالينا فقد كنت في ذلك العهد موظفاً في سفارتنا في عاصمة الترك وحضرت بنفسي وقائع تلك الرواية المحزنة فلم يفتني شيء منها!
- عفوك يا سعادة السفير! وحملت التقرير إلى جلالة الملكة ثم كان ماذا؟
- فلما اطلعت جلالتها عليه لم تجد فيه ما يريبها غير أني رجوت منها أن تستعيد ذاكرتها وقائع الأيام الأخيرة في القصر، ومازلت أسمع حديثها حتى ذكرت أنها غضبت مرة من السنيور غوميز رئيس الطهاة وعاقبته. وكان لهذا الرجل ولد صغير سنه كسن الملك ألفونس يحبه الملك ويهفوا إليه، فأنفذه أبوه إلى ألفونس يستعطفه عليه ولكنني أبيت مصرة على عقابه.
وفيما كانت جلالتها تقص علي هذه الأحاديث إذ دخل علينا الوكيل فقال لي: أمرتني يا حضرة الدكتور أن أستميحك لأذن لك داخل إلى القصر وهو ذا الآن ولد صغير واقف بالباب يستأذن بالدخول على أبيه. فقلت: من الولد ومن أبوه؟ قال بدريلو غوميز ابن السنيور غوميز رئيس الطهاة. قلت لا يدخل. بل احرص عليه في حجرتك حتى تصلك أوامري بشأنه! فالتفتت إلي الملكة قائلةً: وما شأن هذا الصغير حتى يمنع من الدخول على أبيه؟ قلت عفوك يا سيدتي إن هذا الولد ليس بدريلو غوميز بل رسول أنفذه سارقو الملك إلى القصر. فامتقع وجه جلالتها، واضطربت اضطراباً فقد جاء فيه أن بدريلو غوميز دخل
стр. 727
القصر إذ أذنت له بالدخول ثم لم يخرج منه فكيف يمكن أن يكون هو هو الداخل الآن؟ ونظرت إلى جلالتها فرأيت في عينها معاني القلق والخوف فرأيت أن لا أكتمها الحقيقة فقلت: وعدتك يا سيدتي بإعادة ابنك إليك وها أنذا أبر بوعدي الآن قبل الميعاد المحدد. إنني ذاهب لآتيك بألفونس الثالث عشر!!
ثم خرجت ووقف على باب الدائرة المخصصة لسكنى السنيور غوميز وعائلته وطرقت الباب، فسمعت صوتاً من الداخل يقول: أو هذا أنت يا بدريلو؟ ثم فتح الباب نصفه فدخلت فإذا أنا برجل كبير الجثة، عرض الصدر، مفتول الساعدين، متين العضلات. فلما بصر بي
نظر إلي نظرتي نمر كاسر وقال: من أنت يا سنيور؟ قلت طبيب أرسلتني إليك جلالة الملكة لأعودك. قال أنا أشكر تعطفات جلالتها ولكنني لست بحاجةٍ إليك فقد زايلني الطبيب الساعة. قلت لا بأس ولكن أمر جلالتها يجب أتنفيذه فدعني أجس نبضك على الأقل ثم تناولت يده بغتة قبل أن يحير جوباً وقلت له إن نبضك سريع يا سيدي وأنا أرى أن حالك تقتضي تبديل الهواء لأن مناخ هذه الدائرة من القصر سام قتال. هلم بنا إلى الخارج. . . فاتقدت عيناه بالشرر وارتمى على مقعد هناك وقال: بلى أن رأيك سديد يا سيدي الدكتور غير أني أشعر بارتخاء في أعصابي فأنا لا أستطيع مزايلة هذا المكان اليوم! فلم أكترث لجوابه ولكنني تقدمت إلى باب مقفل في أقصى الحجرة وهممت بفتحه فإذا بذلك الرجل قد وثب إلي وثبة الذئب الجائع يريد أن يحول بيني وبين الباب فشهرت مسدسي وصوبته إلى صدره قائلاً له: مكانك أو تموت!! فارتد إلى الوراء خائفاً مذعوراً ففتحت الباب ودخلت فرأيت الملك مضطجعاً في كرسي طويل وماسكاً قرصاً من الحلوى يأكله قضمة قضمة.
حينئذ وقف السفير فتجرع كأسه ووضع باهميه في كمي صدريته عند الكتف وقدم رجله اليسرى مسافة نصف خطوة عن اليمنى ونظر إلي بكبرٍ وإعجاب فقلت: ثم كان ماذا؟ فهز كتفيه وقال بصوتٍ أجش: كان ما أنت تعرفه ويعرفه جميع الناس! أنني أعدت ألفونس الثالث عشر إلى سرير الملك الذي يتربع فيه اليوم!!
стр. 728
ثم سكت سعادته فقلت: ولا أبنت لي يا حضرة السفير كيف عرفت أن الملك كان لم يزل محجوزاً عليه في القصر: قال أخالك يا سيدي لم تصغ إلى حديثي كل الإصغاء. أو لم أقل لك إن أولئك الجناة لم يستطيعوا الخروج به من المدينة لأن الشعب يعرفه والبوليس لا يجهله؟ أو لم أقل لك أيضاً أن غوميز مرض قبل حفلة الاستعراض العسكري بنحو ثمانية أيام كان يعوده في خلالها الطبيب هناريز؟ إن غوميز هذا كان رئيس تلك العصابة الشريرة وأما الطبيب فلم يكن إلا أحد أعضائها. فمتى وعيت هذين الأمرين وتفهمت الوقائع جيداً سهل عليك أن تعرف ما عرفته.
- ثم ماذا كان عقاب هؤلاء الأثمة الأشرار.
- عفي عنهم لم يعاقبوا إذ كان من الخرق في الرأي أن يذاع في المملكة سر انتشال الملك على تلك الصورة. أما أنا فقد حمدت الاتفاق الذي أتاح لي الدفاع عن صديقي الدون
كارلوس وقد اعتذرت الملكة مني لإساءتها الظن بهذا الصديق الشريف ثم خصتني جلالتها بنوع من الشكر عن عملي كان لذيذاً وحلواً. إن الملكة كريستيانا امرأة جميلة فتانة! ولما استأذنت جلالتها بالانصراف قال لي: أما خدمتك لإسبانيا فالسنيور جويستالا رئيس الوزراء يشكرك عليها، وأما خدمتك لأم الملك فجزاؤها هذا التذكار مني إليك. ومدت يسراها فأخرجت من إحدى أصابعها خاتماً من ألماس ووضعته بيدها في إصبعي هذه. . . .
وتأملت يد السفير فلم أجد فيها الخاتم فقلت: وددت إليك يا سيدي أن تريني هذا التذكار الجميل. فتنهد ثم قال: فقدته في ساعة لذة ولهو فقد مر إلى يد أجمل من هذه اليد، فلا تسلني كيف وأين فإن الواجب يقضي بكتمان أسرار النساء. وحينئذ مد السفير يده إلى ساعته فوقفت مستأذناً فهز يدي وهو يقول: عدني بأنك لا تفشي حديثنا الليلة فأنتم الصحافيون لا تؤتمنون على سر ولا تقدسون شيئاً. فتبسمت وقلت بل عفوك يا سعادة السفير. . . فلم يدعني أتم حديثي بل قال: فأقسم أمامي إذن بأنك إذا نشرت هذه الحكاية لا تنشر اسمي فأعدك بأن أقص عليك أمثالها من تاريخ أوروبا السري فأقسمت لسعادته وودعته وهو يقول لي: إلى الغد!.
стр. 729
العدد ١٥ - بتاريخ: ١ - ٦ - ١٩١١
الزهور في عهدها الجديد
في غرة مارس من السنة الفائتة، صدر العدد الأول من مجلة الزهور متوجاً بأسماء أعلام الشعراء ومشاهير الكتاب، الذين وافقوا على الفكرة الباعثة إلى إنشاء هذه المجلة، وهي إيجاد صلة تعارف بني حملة ألوية الأدب في عموم أقطار العرب. وقد شاؤوا جعل الزهور لسان حالهم للتراسل فيما بينهم، واتخاذها مجالاً للمباراة في نشر نفثات أقلامهم وبنات أفكارهم. ألقيت هذه البذرة في عالم الأدب فنمت وأزهرت وأثمرت ومر على المجلة سنة وبعض السنة وهي سائرة على الخطة التي اختطها لها هؤلاء الأدباء. فكانت جنة غناء وروضة فيحاء تغني على أفنانها بلابل النظم وسواجع النثر، فأطربت الأسماع، ولذت الأفهام بما جمعته من عرائس الأفكار ومبتكرات الأقلام. وقد لقيت من الرصفاء الكرام أصحاب الجرائد والمجلات تنشيطاً كبيراً. فما صدر منها جزء إلا قوبل بأحسن كلمات التقريظ والثناء بل كثيراً ما فسحت تلك الصحف مجالاً بين صفحاتها لنقل ما كان ينشره امراء البيان في الزهور من شائق الكتابات. وقد يضيق الجزء والجزءان من هذه المجلة عن إيراد ما خطته صحف مصر وسورية وأمريكا والعراق والمغرب بهذا الشأن. فكانت شهرة محرري الزهور وإعلان الصحف عنها وتحبيذ خطتها مدعاة إلى انتشارها
стр. 730
وبعد صيتها في كل الأقطار. وقد جاء ما نشرته المجلة من رسوم ومشاهير الكتاب - أسوة بأمها المجلات الأوروبية - مشوقاً كبيراً إلى زيادة الإقبال عليها.
هذا ما أدركته المجلة في عهدها الأول.
* * *
ولما كانت الفكرة الداعية كما تقدم إلى إنشاء هذه المجلة متشعبة الفروع تقتضي القيام بأعمال جمة لتحقيق هذه الأمنية العزيزة، رأى صاحب الامتياز أن يحول الزهور إلى شركة تديرها وتقوم بجميع مقتضياتها من أقلام إدارة وتحرير ومكاتبات، واستيعاب أبواب المجلة الكثيرة، والبحث عما طوته الأيام من آثار الكتّاب النفيسة إلى غير ذلك من لوازم المجلات الكبرى فتم تأليف الشركة بعنوان
الجميل وتقي الدين وشركاؤهما
وهكذا أصبح بالإمكان أن نعد القراء والمشتركين الذين وضعوا يدهم بيدنا منذ أول ساعة
بإجراء تحسينات كثيرة في أبواب المجلة المعروفة، من مقالات وقصائد، وتعريف أهم آثار الغربيين، ونشر أحسن مختارات العرب، وفتح أبواب جديدة للأخبار العلمية والأدبية وتراجم الكتاب وغير ذلك مما يجعل المجلة جامعة كما يريدها القراء، كل هذا مع الاحتفاظ بخطتها الأدبية الصرفة البعيدة عن كل المنازع السياسية والمذهبية. ولذلك فنحن على يقين من حفظ ثقة المشتركين والقراء العديدين مع اكتساب ثقة غيرهم، وإنا سنعمل في كل الأحوال على إرضاء من أصبحت نفسهم تتوق إلى نشرة أدبية تطلعهم على مجرى الحركة الفكرية وليسوا بالنفر القليل.
تحرير الزهور
إن محرري الزهور في عهدها الأول - وهم خيرة الكتاب والشعراء الذين نفحوا هذه المجلة بالزهرات الطيبة الجميلة، فكان منها في كل شهر باقة، وكان من
стр. 731
مجموعها في الاثني عشر شهراً روضة زاهرة متضوعة الأريج - هؤلاء الكتاب والشعراء الذين أحبهم القراء وولعوا ببنات أفكارهم سيظلون على عهدهم الأول ينشرون في الزهور كل جيد نفيس وكل طيب رائق. على أننا - ونحن لا نريد إلا التحسين المتواصل - قد فاوضنا جمهوراً آخر من أدبائنا لمشاركتنا أيضاً في تحرير الزهور حتى تتحقق الآمال الموضوعة منذ البداية أساساً لحياة هذه النشرة، فتتم بذلك كله الصفة المميزة لها في عالم الأدب. وقد دفعنا طمعنا بالتحسين ورغبتنا في طرق كل جديد إلى إشراك كبار المستشرقين أنفسهم وقادة الأفكار الأجانب في تحرير هذه المجلة. فكتبنا إلى فريق منهم نستكتبهم مقالات خصوصية عن الحركة الفكرية في بلادهم لنعربها خصيصاً لقرائنا. ولنا بالقراء وطيد الأمل بأنهم سيكونون عوناً لنا في تحقيق هذه الأماني جميعها، فلا يبخلون علينا بكل وسائل التنشيط والتشجيع، ورجاؤنا إليهم أن يعتقد كل فرد منهم أن الزهور إنما هي منه وله.
أما إدارة المجلة الداخلية فسيتولاها أحدنا أمين تقي الدين فالرجاء من وكلاء الزهور ومشتركيها أن يعتمدوا توقيعه في كل ما يتعلق بشؤون المجلة
الجميل وتقي الدين وشركاؤهما
السنة الأولى للزهور
في الإدارة مجموعة الزهور مجلدة تجليداً متقناً وثمنها خمسون غرشاً صاغاً ويضاف إليها
أجرة البريد للخارج.
стр. 732
لو
الشبيبة ربيع الحياة، والشبان زهرة الوطن، والشيخوخة صيف الحياة، والشيوخ ثمرة الأمة.
وإذا كان الفيلسوف اليوناني يقول: أمة بلا شبيبة هي سنة بلا ربيع فيمكنا أن نزيد: أمة بلا شيوخ هي أزهار بلا ثمار.
صدر الشباب الرحب مملوء آمالاً ونشاطاً، وعافية وإقداماً. لكن الشباب لا يعلم، والشباب لا يدري. فتذهب قواه سدى، وتضيع سجاياه عبثاً. فهي كالقوة الميكانيكية التي لا يعرف صاحبها أن يستعملها فتضيع بلا جدوى ولا فائدة.
ورأس الشيوخ مملوء حكمة وعقلاً وتروياً وإدراكاً. لكن الشيوخ قد فقدوا النشاط والإقدام. عرفوا استعمال القوى بعد أن أضاعوها. وأدركوا صفات الشباب بعد أن فقدوها. فهم أشبه بالميكانيكي الذي تعلّم إدارة آلته بعد أن تخربت.
فيجب أن يكون الشيوخ في الأمة الرؤوس المفكرة، وأن يكون الشبان الأيدي المنفذة. فباتحاد هاتين القوتين تترقى البلاد وتسعد. وليس أكبر من أمة شيوخها يرشدون شبانها، وشبانها يطيعون شيوخها. بذلك افتخر الشاعر العربي بقبيلته إذ قال:
وفتية إن نقل أصغوا مسامعهم ... لقولنا أو دعوناهم أجابونا
وبهذا المعنى قال الإفرنج في أمثالهم:
стр. 733
لو علم الشباب. ولو قدر المشيب!. .
,
وقد أخذ إسماعيل باشا صبري هذا المثل الإفرنجي ونظمه في شعر عربي من شعره المعروف بسلاسة المبنى وبلاغة المعنى فقال:
لم يدر طعم العيش شبان ... ولم يدركه شيب
جهلٌ يضل قوى الفتى ... فتطيش والمرمى قريب
وقوىً تخور إذا تشبث ... بالقوى الشيخ الأريب
أواه لو علم الشباب ... وآه لو قدر المشيب
فلو كان الشباب يجمع إلى قواه الخبرة والتجربة لأتى بالمعجزات ولو كان المشيب يجمع إلى اختباره المقدرة على العمل لجاء بالآيات الباهرات. ولكن
آواه لو علم الشباب ... وآه لو قدر المشيب
عواطف وآمال
لا لا لم ينزل العندليب على الزهرة إلا ليشكو لها الصبابة ويبثها الهيام، ولم ترسل هذه عطرها إلا لتؤكد له جبها، وما فتقت عنها الآكام إلا لتضم بين ذراعيها الحبيب، فعطفاً على المحب أيها الإنسان. . .!
لله ما أنكد العيش وأنغصه إذا لم يقطعه السرور وتتخلله الأغاني!
стр. 734
وما أمرّ الحياة وأظلمها إذا لم يمتزج بشرابها سيال الحب ولم تسطع فيها أنوار الغرام!
ونظير مياه الينبوع تجري في السواقي وتخفيها البحار، وكمثل رياح القفر تهب في وريقات الزهور وتبتلعها أوراق الأشجار، تمضي الحياة الخالية من الحب ويتصرم الشباب تطويه الوحشة ويقصره السأم. . . .
دب النعاس بجفن ذكاء فاضطجعت على فراش الأمواج ونامت نوماً هادئاً رغماً عما كان بنفس هذه من الهيجان. ورأت ذكاء ولو في المنام حزن الأرض وانقباض أهلها فأرسلت فتاها فأتى وملأ الفضاء نوراً والقلوب رجاء.
هب النسيم نسيم الغروب فمزق عن الوردة اللباس وكساها بثوب من الإنعاش قشيب فأعجب لمعرٍّ وكاسٍ. . .
عسعس الليل وأوت إلى أوكارها الأطيار. وطالت ظلال الأشجار فزادت المكان وحشة، وساد السكون عميقاً فأخلدت عوامل الطبيعة إلى الهدّو، وما استطاع تقطيعه سوى أنفاس الباري يرسلها نسمات لطيفة فتزكي تلك الأرجاء، وتترك منها للإنسان أثراً جميلاً يستهوي القلوب ويسترق الأسماع. وكأن السرور جالب التأمل إن هو تناهى، فجلست على صخرة هناك وجعلت أتأمل.
بالطبيعة جلست أفتكر في أصل وجودها وكيف يكون فناؤها من أصغر زهرة فيها إلى أكبر سروة، فعجبت من عواملها ومجدت خالقها.
بهذا الهواء كيف يهب منها نقياً كأن أنفاس البشر لم تقو على
стр. 735
إفساده وقد اختلطت به مراراً. بهذا الليل وقد رأى العالم يرتكب تحت حمايته أفظع الذنوب وأشنع الآثام كيف يستره كأنه جهل أن من سكت عن الأشرار بالشر رمي ومن دافع عن المذنب بالذنب اتهم. . .
أحزنت نفسي هذه التصورات فبدت على وجهي منها دلائل القلق. وكأن الطبيعة وقد علمت أنني من محبيها لم تشأ أن تتركني حليف الغم والقلق وقد طلبت منها سميراً فأرسلت إلي ما
يلهيني فرأيت شبحين كانا يظهران تاراً من خلال الأشجار ويختفيان فأوقعاني في الريبة ولم يجدني ذلن نفعاً فرجعت أفتكر أيضاً ولكن لا فبين الأول والثاني خطى ومراحل.
* * *
تقدمت لأرى ما وراء ذلك وإذا بي أمام شاب تنبعث من عينيه شرارات القسوة والخشونة يداعب حيزبوناً تبينت بوجهها تجعدات جمة وبجبينها خطوطاً عديدة ولم أستطع علم هيئتها وإدراك كنه أمرها رغماً عن إحداقي بها وإعمال الفكرة في قراءة ما في نفسها. وهناك إلى جانب من الغاب كهلٌ ملقى على الحضيض دامي الأحشاء على وجهه سمة الوقار وبنظرته الحنو والإشفاق. ولم ألبث أن رأيت الشاب قد أخذ بذراع العجوز وتوغلا في الغاب. وأما أنا فتوسمت في خطوط جبين المرأة وبعد النظر طويلاً قرأت بأحرف كتب بعضها بشوكٍ غليظ وبعضها بزهورٍ لطيفة هذه الكلمة - الحياة - واستلفت نظري شيء ناتئ على كتف الشاب فحدقت فيه وتهجيت هذه الكلمة وقد كتبت بمداد أسود على
стр. 736
صحيفة من النحاس - الفساد - ولما بعدا عن الشيخ ووارتهما أغصان الغاب رجعت إليه فلقيته يئن أنيناً متقطعاً وهو يحتضر وكان احتضاره رهيباً مزعجاً فدنوت منه وسألته وأنت من أنت يا هذا فأجاب والنور يخرج من فيه: أنا الحب العذري - أنا الطهر - أنا العفاف.
قال هذا وتنفس الصعداء وكان بها خروج الروح. وأدرت لحاظي في هيئته فرأيته قد تحول كله إلى شعلة من نور ورأيت زهرة آسٍ كان يتضوع منها عرفٌ قوي الرائحة رغماً عن ذبولها. وساد السكون على تلك الأنحاء عميقاً فرجعت أدراجي نحو منزلي لما رأيت أن الهواء أصبح بارداً وشعرت بوطأة السكون.
بيروت، جميل مدور
نظرة إشراف عام
على ديار نجد
وقعت مقالات مراسلنا البغدادي الفاضل أحسن وقع عند قرائنا لأنه كشف فيها النقاب عن أمور وحقائق من اطلع عليها، وهي تتعلق ببلاد العرب وتاريخ النهضة الأدبية فيها. ونحن نبشر القراء اليوم بأن هذا الكاتب القدير سيدبج للزهور سلسلة مقالات في هذا الموضوع الجليل الذي لم يسبق إليه. وهو يبني كتاباته على أبحاثه الشخصية الواسعة مدعومة بما يستقيه من أوثق المصادر. وها نحن ننشر اليوم مقالته الأولى التي تشرح هيئة تلك البلاد وحالتها الحاضرة وهي مقدمة لأبحاث آتية. وفي هذه المناسبة نكرر له الشكر باسم الزهور وقرائها على ما يتحفنا به من المباحث الشائقة التي تعد خير خدمة للعلم والأدب. وإليك الحلقة الأولى من هذه المقالات:
стр. 737
١ - توطئة - خذ بيدك أي كتاب أردت، وتصفح أية مجلة شئت، وطالع أية جريدة شاقتك، بشرط أن يكون موضوعها الكلام على نجد، ثم قل في نفسك بعد أن تكون قد فرغت من الوقوف على ما راقك: هل هذا الذي قرأته صحيح يا ترى؟ - أقول: هلم ننظر إذا كانت شروط الصحة متوفرة في هذا السؤال. إن الكاتب الذي حبر تلك الأقوال لا يخرج عن إحدى هاتين الحالتين: إما أن يكون غريباً عن بلاد نجد، وإما أن يكون من أهلها وسكانها. فإن كان دخيلاً في تلك الربوع، فلا غرو إنه لا يستطيع الوقوف على الحقيقة كما لو كان من أبناء تلك الديار نفسها، لأنه قد قيل: وصاحب البيت أدرى بالذي فيه. وكيف يمكن الأجنبي أن يعرف من الأمور إلا ما يشاهده وهل يشاهد غير ظواهرها؟ بل كيف يسوغ لأبناء الوطن أن يبوحوا بجميع أسرارهم لمن كان غريباً عنهم؟
أما إذا كان من صميم أهلها فهو أيضاً لا يخرج عن إحدى هاتين الحالتين: إما أن يكون أمياً من طبقة الناس السافلة، وإما أن يكون علياً أو عالماً، فلا تكاد تراه ينطق إلا بما له ويسكت إلا عما عليه خوفاً مما يتوهمه فضيحة لأبناء وطنه، أو خشية أن يندد به تنديد خائن لبلاده.
ومن ثم وجب أن يكون الكاتب عن هذه الديار وطنياً صادق الوطنية. أديباً فاضلاً من علية الناس وأشرافهم، عارفاً بما اختفى من تلك
стр. 738
الربوع وما ظهر، بعيد النظر بأحوال أهلها،
كاتباً ضليعاً بل من حملة الأقلام الصادقي اللهجة، جريئاً مقداماً لا يخاف لومة لائم، محباً لترقي وطنه، ناطقاً بما له وعليه ليصح الاعتماد على كلامه في كل ما يقول.
وهذه الشروط كلها قد اجتمعت في سليمان أفندي الدخيل صاحب جريدة الرياض (من صحف بغداد الحرة). فهذا الرجل من صميم بلاد نجد، ومن خيرة سراتها، وقد جاب تلك الأقطار طولاً وعرضاً، وسافر إلى بلاد الهند وإلى غيرها من الديار المتمدنة وقابل بين الأمم الراقية في الحضارة والأمم السائرة إليها سيراً وئيداً أو حثيثاً، وعرف الداء ووصف الدواء، ولهذا طلبت إلى هذا الفاضل الأديب (وهو خال أحد أبناء ابن سعود) أن يتحفني بما يعرف عن نجد معرفة تفيد قراء الزهور وتكون المقالة شاملة لأحوال نجد شمول مشرف عليها من أحد جبالها، ناظراً غليها نظراً عاماً بعيني البصر والبصيرة معاً. فكتب لي مقالة حسنة وضاءة. وقد أدمجت فيها ما وقفت عليه في أثناء مطالعاتي، وما سمعته من بعض الأدباء الفضلاء من أهالي تلك الربوع فحصل من هذا الإدماج شيء يشبه تداخل للحمة والسدى. وقد أحطت بقوسين ما لحضرة الكاتب الصديق من النص الرائق الفائق إقراراً بفضله وبراعة قلمه وسداد آرائه. وأبقيت بدون علامة ما لهذا العاجز الذليل من الكلام النزر القليل.
٢ - موقع نجد وحدودها - ديار نجد واقعة في قلب بلاد العرب وهي سرتها. وحدودها من الشمال النفود الفاصلة بلاد الجوف عن بلاد
стр. 739
نجد. وهي النفود بوجه الإطلاق. ومن الجنوب النفود المسماة بالربع الخالي وهي بلاقع أو مفاوز أو فلوات لا تفرق بشيء عن نفود الشمال. ومن الشرق الإحساء والقطيف ومن الغرب بلاد الحجاز.
٣ - سكان نجد في الزمن الخالي وفي الزمن الحالي - كان أهل نجد في السابق كأغلب سكان بلاد العرب: أخلاطاً من أمم شتى من عرب وفرس وإدميين وعبران وآشوريين وكلدان وبابليين ثم امتزجوا امتزاجاً واحداً مع الزمان حتى أضحوا أمة واحة، ولما جاء الإسلام زادوا وحدة ولما ظهرت الوهابية بانوا كل البينونة عن سائر سكان الجزيرة حتى أضحوا أمة مستقلة بنفسها ولها أوصاف خاصة بها كالشجاعة والبسالة والتدين المفرط الضارب إلى التعصب والإباءة وعدم تحمل الضيم وتوقد الذكاء وحب التجارة الواقفة على أصول الشرع إلى غير هذه المناقب الدالة على أن النجديين من الناس الذين بانوا عن
سائر العرب بالمآثر الجليلة التي لا تشاهد إلا في السلف الخالي.
٤ - أقسام نجد - تقسم نجد إلى ثلاث إمارات ولكل إمارة
стр. 740
حاضرة قائمة بنفسها. الإمارة الأولى قاعدتها (الرياض) وهي حاضرة إمارة الأمير الخطير ابن سعود الذي قام بتجديد مذهب السلف الصالح وهو المذهب الذي يلقب الآن بمذهب الوهابية أو بالوهابية من باب الإطلاق أو من باب الأغلبية. وأهل نجد كلهم يلقبون بالوهابيين نسبة إلى من قام بالدعوة في بداية الأمر وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب. أما موقع الرياض فمعروف أي في جنوبي نجد.
الإمارة الثانية: إمارة الأمير الجليل ابن الرشيد وقاعدتها (حائل) وهي في شمال نجد.
الإمارة الثالثة: القصيم (بالصاد لا بالسين كما يكتبها بعض أهل الجرائد) وهي عبارة عن بلدتين كبيرتني وهما: (عُنيْزَة) وهي عاصمة إمارة (آل سليم). و (بُرَيْدة) وهي عاصمة إمارة (آل مُهنَّأ) وما بين هاتين البلدتين مسافة قدرها ست ساعات للراكب.
وكلتا البلدتين عُنَيْزَ وبُريدة دخلت في قبضة الأمير عبد العزيز بن سعود الموجود الآن.
٥ - العلم بوجه الإجمال في هذه الإمارات الثلاث - استناداً إلى ما تقدم، نقسم البحث إلى ثلاثة أقسام ونخص كل إمارة بكلام يناسبها مناسبة إجمالية فنقول: كانت ربوع ديار (الرياض) وتلقب حيناً (بالعارض) منبعث أنوار العلم والعرفان في عهد غضارة إمارة آل سعود. لكن أكثر هذا العلم يدور على علم التوحيد والكلام والأصول والتفسير والفقه واللغة وجميع العلوم الدينية وقليل من النحو والصرف وسائر علوم الآلة.
следующие страницы →