Полный текст (2 201 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
صحيفة من النحاس - الفساد - ولما بعدا عن الشيخ ووارتهما أغصان الغاب رجعت إليه فلقيته يئن أنيناً متقطعاً وهو يحتضر وكان احتضاره رهيباً مزعجاً فدنوت منه وسألته وأنت من أنت يا هذا فأجاب والنور يخرج من فيه: أنا الحب العذري - أنا الطهر - أنا العفاف.
قال هذا وتنفس الصعداء وكان بها خروج الروح. وأدرت لحاظي في هيئته فرأيته قد تحول كله إلى شعلة من نور ورأيت زهرة آسٍ كان يتضوع منها عرفٌ قوي الرائحة رغماً عن ذبولها. وساد السكون على تلك الأنحاء عميقاً فرجعت أدراجي نحو منزلي لما رأيت أن الهواء أصبح بارداً وشعرت بوطأة السكون.
بيروت، جميل مدور
نظرة إشراف عام
على ديار نجد
وقعت مقالات مراسلنا البغدادي الفاضل أحسن وقع عند قرائنا لأنه كشف فيها النقاب عن أمور وحقائق من اطلع عليها، وهي تتعلق ببلاد العرب وتاريخ النهضة الأدبية فيها. ونحن نبشر القراء اليوم بأن هذا الكاتب القدير سيدبج للزهور سلسلة مقالات في هذا الموضوع الجليل الذي لم يسبق إليه. وهو يبني كتاباته على أبحاثه الشخصية الواسعة مدعومة بما يستقيه من أوثق المصادر. وها نحن ننشر اليوم مقالته الأولى التي تشرح هيئة تلك البلاد وحالتها الحاضرة وهي مقدمة لأبحاث آتية. وفي هذه المناسبة نكرر له الشكر باسم الزهور وقرائها على ما يتحفنا به من المباحث الشائقة التي تعد خير خدمة للعلم والأدب. وإليك الحلقة الأولى من هذه المقالات:
стр. 737
١ - توطئة - خذ بيدك أي كتاب أردت، وتصفح أية مجلة شئت، وطالع أية جريدة شاقتك، بشرط أن يكون موضوعها الكلام على نجد، ثم قل في نفسك بعد أن تكون قد فرغت من الوقوف على ما راقك: هل هذا الذي قرأته صحيح يا ترى؟ - أقول: هلم ننظر إذا كانت شروط الصحة متوفرة في هذا السؤال. إن الكاتب الذي حبر تلك الأقوال لا يخرج عن إحدى هاتين الحالتين: إما أن يكون غريباً عن بلاد نجد، وإما أن يكون من أهلها وسكانها. فإن كان دخيلاً في تلك الربوع، فلا غرو إنه لا يستطيع الوقوف على الحقيقة كما لو كان من أبناء تلك الديار نفسها، لأنه قد قيل: وصاحب البيت أدرى بالذي فيه. وكيف يمكن الأجنبي أن يعرف من الأمور إلا ما يشاهده وهل يشاهد غير ظواهرها؟ بل كيف يسوغ لأبناء الوطن أن يبوحوا بجميع أسرارهم لمن كان غريباً عنهم؟
أما إذا كان من صميم أهلها فهو أيضاً لا يخرج عن إحدى هاتين الحالتين: إما أن يكون أمياً من طبقة الناس السافلة، وإما أن يكون علياً أو عالماً، فلا تكاد تراه ينطق إلا بما له ويسكت إلا عما عليه خوفاً مما يتوهمه فضيحة لأبناء وطنه، أو خشية أن يندد به تنديد خائن لبلاده.
ومن ثم وجب أن يكون الكاتب عن هذه الديار وطنياً صادق الوطنية. أديباً فاضلاً من علية الناس وأشرافهم، عارفاً بما اختفى من تلك
стр. 738
الربوع وما ظهر، بعيد النظر بأحوال أهلها،
كاتباً ضليعاً بل من حملة الأقلام الصادقي اللهجة، جريئاً مقداماً لا يخاف لومة لائم، محباً لترقي وطنه، ناطقاً بما له وعليه ليصح الاعتماد على كلامه في كل ما يقول.
وهذه الشروط كلها قد اجتمعت في سليمان أفندي الدخيل صاحب جريدة الرياض (من صحف بغداد الحرة). فهذا الرجل من صميم بلاد نجد، ومن خيرة سراتها، وقد جاب تلك الأقطار طولاً وعرضاً، وسافر إلى بلاد الهند وإلى غيرها من الديار المتمدنة وقابل بين الأمم الراقية في الحضارة والأمم السائرة إليها سيراً وئيداً أو حثيثاً، وعرف الداء ووصف الدواء، ولهذا طلبت إلى هذا الفاضل الأديب (وهو خال أحد أبناء ابن سعود) أن يتحفني بما يعرف عن نجد معرفة تفيد قراء الزهور وتكون المقالة شاملة لأحوال نجد شمول مشرف عليها من أحد جبالها، ناظراً غليها نظراً عاماً بعيني البصر والبصيرة معاً. فكتب لي مقالة حسنة وضاءة. وقد أدمجت فيها ما وقفت عليه في أثناء مطالعاتي، وما سمعته من بعض الأدباء الفضلاء من أهالي تلك الربوع فحصل من هذا الإدماج شيء يشبه تداخل للحمة والسدى. وقد أحطت بقوسين ما لحضرة الكاتب الصديق من النص الرائق الفائق إقراراً بفضله وبراعة قلمه وسداد آرائه. وأبقيت بدون علامة ما لهذا العاجز الذليل من الكلام النزر القليل.
٢ - موقع نجد وحدودها - ديار نجد واقعة في قلب بلاد العرب وهي سرتها. وحدودها من الشمال النفود الفاصلة بلاد الجوف عن بلاد
стр. 739
نجد. وهي النفود بوجه الإطلاق. ومن الجنوب النفود المسماة بالربع الخالي وهي بلاقع أو مفاوز أو فلوات لا تفرق بشيء عن نفود الشمال. ومن الشرق الإحساء والقطيف ومن الغرب بلاد الحجاز.
٣ - سكان نجد في الزمن الخالي وفي الزمن الحالي - كان أهل نجد في السابق كأغلب سكان بلاد العرب: أخلاطاً من أمم شتى من عرب وفرس وإدميين وعبران وآشوريين وكلدان وبابليين ثم امتزجوا امتزاجاً واحداً مع الزمان حتى أضحوا أمة واحة، ولما جاء الإسلام زادوا وحدة ولما ظهرت الوهابية بانوا كل البينونة عن سائر سكان الجزيرة حتى أضحوا أمة مستقلة بنفسها ولها أوصاف خاصة بها كالشجاعة والبسالة والتدين المفرط الضارب إلى التعصب والإباءة وعدم تحمل الضيم وتوقد الذكاء وحب التجارة الواقفة على أصول الشرع إلى غير هذه المناقب الدالة على أن النجديين من الناس الذين بانوا عن
سائر العرب بالمآثر الجليلة التي لا تشاهد إلا في السلف الخالي.
٤ - أقسام نجد - تقسم نجد إلى ثلاث إمارات ولكل إمارة
стр. 740
حاضرة قائمة بنفسها. الإمارة الأولى قاعدتها (الرياض) وهي حاضرة إمارة الأمير الخطير ابن سعود الذي قام بتجديد مذهب السلف الصالح وهو المذهب الذي يلقب الآن بمذهب الوهابية أو بالوهابية من باب الإطلاق أو من باب الأغلبية. وأهل نجد كلهم يلقبون بالوهابيين نسبة إلى من قام بالدعوة في بداية الأمر وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب. أما موقع الرياض فمعروف أي في جنوبي نجد.
الإمارة الثانية: إمارة الأمير الجليل ابن الرشيد وقاعدتها (حائل) وهي في شمال نجد.
الإمارة الثالثة: القصيم (بالصاد لا بالسين كما يكتبها بعض أهل الجرائد) وهي عبارة عن بلدتين كبيرتني وهما: (عُنيْزَة) وهي عاصمة إمارة (آل سليم). و (بُرَيْدة) وهي عاصمة إمارة (آل مُهنَّأ) وما بين هاتين البلدتين مسافة قدرها ست ساعات للراكب.
وكلتا البلدتين عُنَيْزَ وبُريدة دخلت في قبضة الأمير عبد العزيز بن سعود الموجود الآن.
٥ - العلم بوجه الإجمال في هذه الإمارات الثلاث - استناداً إلى ما تقدم، نقسم البحث إلى ثلاثة أقسام ونخص كل إمارة بكلام يناسبها مناسبة إجمالية فنقول: كانت ربوع ديار (الرياض) وتلقب حيناً (بالعارض) منبعث أنوار العلم والعرفان في عهد غضارة إمارة آل سعود. لكن أكثر هذا العلم يدور على علم التوحيد والكلام والأصول والتفسير والفقه واللغة وجميع العلوم الدينية وقليل من النحو والصرف وسائر علوم الآلة.
стр. 741
فلما أخذت دولتهم بالزوال تقلصت ظلال العلوم عنهم أيضاً رويداً رويداً وتشتت العلماء على أوجه شتى: فمنهم بالموت وآخرون بالمهاجرة إلى بلاد أخرى يرتزقون فيها لأن عيشتهم في السابق كانت متوقفة على ما يجريه الأمير ابن سعود من الرواتب الدارة الأخلاف الجارية من بين المال وهذا يمتلئ مما كان يجمع على ما جاء به الشرع الشريف من النظام والأصول المثبتة في الإسلام.
أما اليوم فلم يبق من تلك العلوم شيء في الرياض وانتقل أغلبه إلى بلاد (القصيم) و (حائل) السالفتي الذكر. ولا يوجد من يتعاطى العلوم فيها إلا أناس قلال. ووجودهم كعدمهم. وهم الذين خبطوا في الديانة خبط عشواء. وأظهروا التعصب الديني الأعمى وأشاعوا عنه
وعن أصحابه أموراً لا توافق مذهب السلف. وهي وإن كان اغلبها ملفقاً إلا أن لها بعض الحقيقة فجسمها خصومهم وحسادهم على تلك البقاع وعلى عزتهم فيها وانتصارهم على مناوئيهم إلى أن تقلص ضل دولة آل سعود ففرحوا بذلك فرحاً لا يوصف. وما زالت الحالة في تأخر وتقهقر حتى اضطر أكثر أهل تلك البلاد إلى المهاجرة للاسترزاق فظعنوا عنها مكرهين ولكن هجرتهم لم تبعد لأنهم لم يتجاوزوا الإحساء والزبير والبصرة. أما اكثرهم فتراهم في البحرين وعمان وسائر تلك الأصقاع وكلها لا تخرج عن بلاد العرب. والذين هاجروا لم يكتسبوا بهجرتهم علوماً تقدمهم إلا النزر القليل مما يوافق مشربهم وتغربهم أي معرفة أعداء الدول وقواها وبعض ممالكها ومستعمراتها وسياسة بعضها لبلاد نجد. والخلاصة أنهم يتأثرون
стр. 742
كل ما له تعلق ببلادهم.
والبعض منهم (وهم أفراد قليلون) وصلوا إلى الهند كمدينة لكنو وحيدر آباد وأمرتسر وغيرها ودرسوا بعض علوم الدين وشدوا شيئاً من الفلسفة وعلوم العمران والاجتماع. لكن علوم هؤلاء الأفراد لم تؤثر في قومهم التأثير المطلوب لما رجعوا إليهم قافلين بها، ولذا لا تراهم حظيين في عيون وطنييهم.
أما إمارة ابن السعود الآن وحاشيتها. وإن شئت فقل: أما مقدمو إمارة ابن السعود فإنهم على كفاية من العلم اللازم لإدارة شؤونهم حسب سعتها وما تطلبه منهم مكانتهم بل يوجد بينهم أفراد لا يستغنى عنهم لحل الأمور المعضلة أو المشكلة. وأكثرهم ممن تربوا في المدن.
وفي هذا العهد (أي منذ إعلان الدستور العثماني) انتبهوا انتباهاً عظيماً وهم في شوق لاعج إلى الاطلاع على حقائق الأمور والانضمام إلى الحكومة العثمانية. ولكن يا للأسف أن الحكومة لم تشرح صدرهم إلى اليوم فهي لا تراسلهم بل لا تنظرهم. لا بل لما طلب ابن السعود من ناظر الداخلية (طلعت بك) - حسبما بلغني - ليبعث إلى المجلس من قبله مبعوثين رده قائلاً: تفعل ذلك في الانتخاب الجديد.
ولما كانت بيني وبين الأمير ابن السعود قرابة (إذ أني خال أحد أولاده) مثلت بين يديه بعد ما قضيت سنين في الهند وشرحت له أحوال الدستور في الأمم الراقية فانشرح له صدره وأفادني بأنه يكون أول مؤيد له وأعظم مساعد للحكومة العثمانية في ما تريده وألححت عليه بأن
стр. 743
يوفد إلى الحكومة العثمانية مبعوثين من قبله ففعل وطلب ذلك لكنه رد كما تقدم
القول.
هذا وأهل هذه الإمارة يطالعون بلاعج الهوى الجرائد والمجلات وهي تأتيهم من كل حدب وصوب ويطلبون الكتب ولاسيما الحديثة الوضع ليقتنوها ويطالعوها. وهم يقبلون عليها إقبال الجياع على القصاع. غير أن الاضطرابات التي تحدث بين القبائل غالباً لأدنى سبب. وسنة الأعراب منذ القدم سنة الغزو والهجوم لا تدعهم يتفرغون لها كل التفرغ ليستفيدوا الفائدة المطلوبة. ومع هذا فإني أرى أنه لا تمضي سنوات إلا ويصلون إلى درجة حسنة من العلوم والآداب بمنه تعالى وكرمه.
٢ - وأما العلوم والآداب في حائل (ويقال لهذه الإمارة أيضاً الجبل وجبل شمَّر وهو جبل طيء في السابق) فهي على غير ما رأيته في الإمارة الأولى.
ومما يجب أن تعلمه قبل إيغال في البحث أن هذه البلاد قد وصلت إلى درجة تذكر في العلوم منذ سابق العهد. وإمارتها لشمّر منذ أن وجدوا إلى يومنا هذا. وقد استولى عليها آل السعود حين قويت شوكتهم وعظمت صولتهم. وما كادت شمسها تميل إلى الغروب إلا وعادت تلك الديار إلى أهلها الأقدمين. وكان أول أهلها ورؤسائهم: آل علي ثم انتقلت إلى طلال فبندر فمحمد الرشيد.
بغداد
ساتسنا
стр. 744
صحافة سورية ولبنان
٣ - المجلات
هذه مقالتي الثالثة عن صحافة سورية ولبنان. . . ولا يخفى أن للانقلاب العثماني الأخير فضلاً عظيماً على هذه المجلات التي أنا ذاكر. فمل يكن منها قبل إعلان الدستور إلا مجلة المشرق ومجلة المقتبس.
أما بقية المجلات فقد صدرت في العامين الأخيرين كما يظهر لك في هذا المقال.
وقد اجتهدت، في هذا القسم، أن أذكر تاريخ صدور لهذه المجلات متخيراً أوثق المصادر في ذلك فأقول:
١ - المشرق (بيروت): نشأت في أول كانون الثاني سنة ١٨٩٨. صاحبها الأب لويس شيخو اليسوعي. كاتب باحث. كثير التنقيب. كثير الاطلاع. مجلة شهرية يسوعية محضة. هي وجريدة البشير فرسا رهان في مضمار المدافعة عن الدين. لهجتها شديدة، وعبارتها بين بين.
٢ - المنتقد (بيروت): هي شهرية. نشأت في ١٥ أيلول سنة ١٩٠٨ صاحبها محمد باقر، كاتب رقيق، له ذوق سليم في ترتيب مجلته وتبويبها. متساهل في آرائه.
٣ - النبراس (بيروت): نشأت في ٢٢ كانون الثاني. صاحبها الشيخ
стр. 745
مصطفى الغلاييني، كاتب وشاعر مجيد. أصح أصحاب المجلات السورية عبارة. وقد احتجبت النبراس والمنتقد لأسباب قاهرة.
٤ - الحسناء (بيروت): شهرية نشأت في ٢٠ حزيران سنة ١٩٠٩. صاحبها جرجي نقولا باز، كاتب عصري مجيد. أستاذه الاجتهاد، ومدرسته المطالعة. هو نصير السيدات الخاص. أكثر مباحث مجلته ترقية الفتاة. قارئات المجلة أكثر من قرائها. لجرجي أفندي أسلوب خاص في كتابته.
٥ - الكوثر (بيروت): شهرية. نشأت في ١٨ تموز سنة ١٩٠٩. صاحبها بشير رمضان، كاتب مجتهد له اعتناء خاص في ترتيب المجلة. لا يضع فيها رسالة أو قصيدة نشرت في إحدى الجرائد. عبارته جزلة، ومجلته منتشرة جداً بين الشبيبة الإسلامية الراقية.
٦ - الكلية (بيروت): شهرية. نشأت في أول شباط سنة ١٩١٠. تصدر في الكلية
الأمريكانية، في اللغتين العربية والإنكليزية. الأولى بقلم الأستاذ بولس الخولي العالم المتفنن، والثانية بقلم رئيس الكلية هورد بلس الخطيب الشهير. أكثر مباحثها في شؤون المدرسة والأساتذة والتلامذة.
٧ - النفائس (بيروت) نصف شهرية. نشأت في ١ آذار سنة ١٩١٠. صاحبها أنيس الخوري. يكتبها كامل حمية، الكاتب الرقيق والشاعر المجيد. مباحث المجلة طلية. ولمحررها أسلوب داخله هزل يدلي إلى انتقاد.
٨ - الرابطة (بيروت): مجلة جامعة. نشأت في أول كانون الثاني
стр. 746
سنة ١٩١١. تصدر في المدرسة العلمانية الفرنسوية بثلاث لغات (العربية والتركية والإفرنسية) بعناية رئيس المدرسة المسيو ديشان، والأستاذ عساف بك الكفوري الكاتب العربي الصميم، والمجلة كاسمها رابطة ولاء وصلة إخاء بين التلامذة.
٩ - المسرة (حريصا - لبنان): نشأت في أول حزيران سنة ١٩١٠. أصحابها المرسلون البولسيون. يحررها السيد جرمانوس معقد أبلغ مطران عربي، له أسلوب خاص في إنشائه.
١٠ - النديم (جسر نهر بيروت): نشأت في ١٥ أيلول سنة ١٩١٠ صاحبها شاكر عون، عالم غير كاتب. والنديم أقرب إلى جريدة منه إلى مجلة.
١١ - النفائس العصرية (القدس): نشأت سنة ١٩٠٨ وهي مجلة شهرية. صاحبها خليل بيدس، كاتب اجتماعي رقيق. لمجلته اعتناء خاص في ترجمة الروايات المفيدة المسلية. قراء المجلة كثيرون. وأكثرهم من الأرثوذكس.
١٢ - الإنسانية (حماه): نشأت في حماه سنة ١٩١٠. صاحبها حسن رزق، كاتب متساهل، وشاعر بليغ. لمجلته اعتناء خاص في ترقية المرأة.
١٣ - المقتبس (دمشق الشام): نشأت أولاً في مصر سنة ١٩٠٥. صاحبها محمد كردعلي، كاتب مؤرخ. مجلته ثقة في سرد المسائل التاريخية. ولو كان حظه بقدر اجتهاده لكان لمجلته شأن عظيم في الشرق.
١٤ - العرفان (صيدا): نشأت سنة ١٩٠٩. صاحبها الشيخ أحمد
стр. 747
عارف الزين. مجلته جامعة. فيها من كل فن خبر. منشئها مثال التساهل الديني.
* * *
وهناك مجلات أخرى لم أذكرها لعدم قراءتي إياها طويلاً كالطبيب للدكتور إسكندر بارودي، والجسمانية للأب يوسف علوان، واللطائف الأهلية لمحمد جمل، والتلميذ للمدرسة العثمانية، والمجلة السورية لفيليب يوسف تيان، ومجلة الاقتصاد لأنيبال إبيلا، والحقوق لمعوشي وخلف، والعري، والعروس، والشبيبة وغيرها من المجلات التي لم تعش كثيراً لضعف مادتها العلمية من جهة. وفقر أصحابها من جهة أخرى.
حليم إبراهيم دموس
في جنائن الغرب
عفريت المنزل
معربة عن كتاب لفيكتور هوغو.
لوسي. . . ما لك ترتجفين. لا ترتعدي فرقاً، ولا تجزعي قلقاً. أتخشين عبدك، وهو يتفانى في سبيل خدمتك. أتخشين ممن يريد أن يظل قربك ما دام الليل ليلاً والنهار نهاراً. أتخافين من يبذل حياته وسعادته ليزيد يوماً واحداً في عمرك؟ ألا اغفري لي أيتها الصبية الجميلة إن أزعجك كلامي أو راعك منظري. فالكلام قد ضاق في صدري وأنا
стр. 748
أريد أن أتكلم فإن السكوت يؤلمني.
ألا قولي ما الذي يدعوك إلى البرية، إذا ما الشمس هتكت حجب السحب، وبددت جيوش الظلام، وتمايلت الحقول طرباً لهبوب نسيم الصباح البارد. ألا أمكثي في بيتك واسمعي ما يوحي به إليك عفريت دارك، وعي في صدرك ما يبث في نفسك من الحب والهيام. وإذا ما الكرى أسبل عليك ستاره، وبت سكرى من نشوة خمره الفتان. أنفث في صدرك ذكرى الأحباب ومن طوتهم الأيام وأدرجتهم القبور تحت أحجارها، وأكلل مهادك الجميل الوثير بأجمل الأزهار لوناً وأعبقها أرجاً. فأجعل أيامك كبعض أيام أيار، وليلك كبعض الليالي المقمرة.
وإن طمت بك السأمة مرة إلى استماع تغريد الأطيار تحت ظل الأشجار أو صفير البلبل المعجب عندما تمي ملكة النهار مائسة نحو ظلمات المغرب، أعير الأطيار شجي نغماتي، وأضع في فم البلبل أطرب آلاتي، وأنفخ في هبوب النسيم البليل بعض شذا الجنة فيحيي أنفاسك المنهوكة تحت وقر العمل. وإذا ما الغراب الأسحم نعق قرب دارك، طرته بعيداً وأقصيته عنك كيلا يوشوش عليك ذهنك أو ينغص عليك عيشك.
عندما تستسلمين بنفسك إلى زورق الصايد المتمايل فرقاً فوق تجعد الأمواج واضطراب المياه، فإني أنا أدفع بذلك الزورق الغارق إلى بر السلامة وآمر الأرواح فتهدأ وريح الجنوب فتهب باردة وتنفح وجهك الأحمر، وآمر الأسماك الصغير أن نبهج ناظريك بألوان ظهرها الذهبية
стр. 749
فتجلو عن نفسك صدأ الأحزان والكآبة.
وأنا كالكلب الأمين أحرس دارك من شر اللصوص، وأرافق أنعامك إلى مرعاها الأخضر، وأذب عنها الذئاب والضباع، وأرد إلى أسرابك ما شرد عنها من الأغنام. أصنع لك الجبنة عندما تدر لك قطعانك أبانها، وإذا ما الشمس نادت حي على الفلاح كنت أول بادئ في العمل فأهيئ لك خيلك وأجرد عنها أقذارها.
ألا تريدين أن تنظري إلي. . . آه لو لم ترفضي إذن لعلمت أن الأرواح ليست قبيحة كما تتوهمها عقول البشر، لي أجنحة أطير بها وعينان زرقاوان كرقيع السماء الصافي، أنا ابن الهواء، أنا ابن الهباء، ونحافة جسمي تدلك على صدق قولي.
ألا قولي يا لوسي ما بالك ترتعدين؟ إني لست أعجب من رعبك. إليك آخر سؤلي، وما العهد بك أن ترفضي نعمة طلبت إليك فاسمعي. إن الله يأذن للأشباح أن تلبس الهيكل الإنساني مرة في السنة. فأنا سآخذ صورة حبيبك مانيوس من نقشت صورته على سويداء قلبك وعلقت نفسك بهواه. ألا فاقبلي طيفي الشارد كما لو كنت إياه وارحمي شقائي. . . إن التي كانت ترتعد خوفاً وتغرق رعباً منذ هنيهة من ذلك الصوت الحنون الرخيم، وتطرده منتصرة بالصليب، قد علا وجهها الأحمر وصمتت حياءً وخجلاً، فدنا من فمها فمٌّ وتعانقا. أتلك قبلة بشرية أم قبلة روح طوتها الأيام فبعثها الغرام. . .؟
لويس أسود
стр. 750
في رياض الشعر
فؤادي
أقصر فؤادي فما الذكرى بنافعة ... ولا بمرجعة بعض الذي كانا
سلا الفؤاد الذي شاطرته زمناً ... حمل الصبابة فأخفق وحدك الآنا
ما كان ضرك إذ عقلت شمس ضحى ... لو أذكرت ضحايا العشق أحيانا
من يعص في الحب نصح الناصحين يذق ... في الوصل ناراً وفي الهجران نيرانا
إسماعيل صبري
ما كان
تنأى فتدنيك آمال مكذبة ... لم تبق ذكراً ولا هيأت سلوانا
قد كان ما كان من قلبي ومن نظري ... يا ليت ما كان قبل اليوم ما كانا
ولي الدين يكن
الحب المكتوم
نشرنا في جنائن الغرب من العدد الماضي تعريب أبيان بالعنوان المتقدم للشاعر الفرنسوي فليكس أرفر وقد نظم الترجمة شعراً صاحب الإمضاء قال:
بنفسي سر للغرام مكتم ... وحادث حب في فؤادي مبهم
تولد في قلبي على حين غرة ... وتلك التي أوحت به ليس تعلم
سأقطع عمري لا وصال ولا لقا ... ولا أمل يدني إليها فانعم
فواهاً على صب يمر بقربها ... وقد جهلت أن الذي مر مغرم
تسير ولا تدري بسر غرامه ... ولو علمت كانت ترق وترحم
إذا قرأت شعري تقول من التي ... تتيمه والقلب فيها متيم
أحمد نسيم
стр. 751
المراسلات السامية
وكتب الأمير شكيب أرسلان إلى سامي باشا البارودي جواباً على قصيدته العينية المنشورة في العدد الماضي:
أترى يحل هواك بين الأضلع ... ويحل لي بسواك ذرف الأدمع
وأبي أشرك فيك في دين هوى ... وأكون للتوحيد أول مدعي
وتظل تشرد بي لغيرك صبوة ... هي من سجوفك في المحل الأمنع
وأهيم في روض الحسان موزعاً ... قلباً وهي بالحمل غير موزع
قلب عليك تختمت أبوابه ... ما نحوه لسواك طرقة مطمع
إني طويت عن النسيم شغافه ... إن جاءني من غير تلك الأربع
وحجبت عن كل العواطف حجبه ... إلا الحنين لبدر ذاك المطلع
وأبحت إلا في الغرام هوادةً ... ومنعت إلا أنة المتوجع
أضحت تغاير في هواك جوارحي ... حتى ليغضب ناظري من مسمعي
وأغار من طرفي لغيرك ناظراً ... لمحاً ولو شيم البروق اللمع
ولو استطعت الشمس ذدت لهابها ... عن وجنتيك ولو سعت في رقع
ولقد أغار الهاجس من خاطرٍ ... من سر مهجة راهب متورع
يمشي إليك ولو بأعمق قلبه ... ويشير بالأفكار لا بالإصبع
درعت حسنك بالكمال وفتية ... من حول خدرك حاسرين ودرّع
في كلةٍ تذر الضراغم عندها ... من ذلة أمثال عفر الأجرع
ما للمطامع في الوصال ودونه ... خفر الشريعة والرماح الشرّع
نفسي الفدا لمقنع هجرت له ... أجفانهن شفار كل مقنع
تتهافت الأوهام عن حجراته ... ويرد خاطره المتيم إذ يعي
стр. 752
ذاك الحمى إلا على من أمه ... مني بممتنع الوجيب مشيع
أكنهت بالإقدام سر ضميره ... وحللت بالأقدام قلب المصنع
هي زورة تحت الظلام وردتها ... فرداً بلا عضدٍ. . . بلى قلبي معي
فنظرت من ذاك الهلال لنير ... وعلقت من ذاك الغزال بأتلع
وأسغت في نهل الشفاه وعابا ... ما ليس يعذب بعده من مكرع
بتنا كأنا خطرة في خاطر ... أو وهلة حلت فؤاد مروع
نبهت بالأغزال هاجع حبها ... وحماتها من غافلين وهجع
وسقيتها كأس الهوى دهقاً ولم ... يحل الهوى إلا بكأس مترع
متمليين من العناق كأننا ... قوس خلا لزيادة من منزع
أروي غريب حديث أحوال الجوى ... والراح ليس يطيب غير مشعشع
وصلٌ أعاد الشمل أي موصل ... لكن أعاد القلب أي مقطع
عاطيتها صرف الهوى وعفافنا ... طول التلازم لم يشب من موضع
كانت مضاجعنا تنث كمالنا ... لو كان يوجد منطق للمضجع
والليل يكتم ما ينم بسره ... أرج النسيم سرى بمسك أضوع
وترى المجرة في السماء كأنها ... در تناثر من سماء مضرع
حتى إذا شق الدحنة شوقها ... لقا ذكاء وشاب فود الأسفع
ورأيت أسراب النجوم تتابعت ... بفرارها مصع النعام الأمزع
ما كان أحوجنا بذاك لآية ... تأتي لنا في عكس آية يوشع
زحزحت عنها ساعدي وتركتها ... دون الكرى من تحت عبء مضلع
وطلعت أعثر بالسيوف ولو درى ... أهل السيوف مقامتي لم أفزع
أيفول مهجتي الكماة وما لهم ... فخر سواي إذا اغتدوا في مجمع
وترى تخون الخيل فارسها وهل ... يردى الحسين على يد المتشيع
стр. 753
أو من لهم مثلي إذا عبس الوغى - وتضاحكت أنياب ثغر المصرع
وتشاجرت سمر القنا وتجاذبت ... بذوائب والسيف شبه الأصلع
ولقد بذذت السابقين فمن لهم ... بوقوف سير بالمكارم موضع
وبلغت من سامي الفخار وجاءني ... التقريظ من محمود سامي الأرفع
خنذيذ هذا الدهر واحد أهله ... مقدام حلبته الغر الأبتع
القائل الفصح التي عن مثلها ... يثنى المقفع في بنان مقفع
لو جاء في العصر القديم لما روى ... إلا قصائده لسان الأصمعي
قد قاد مملكة الكلام وحازها ... أخذ الأعزة للذليل الأضرع
أن يعصه قول فلم يك لفتة ... حتى يذلل مستقيم الأخدع
سهل البيان عصيه للمحتذي ... فلأنت منه بين عاصٍ طيع
خلقت له عليا اللغات فلو هفا ... نحو الركاكة جاء كالمتصنع
تهجو المعاني حوّماً حتى إذا ... سامين فكرته هبطن بموقع
مازال يبدع قائلاً حتى يرى ... بدعاً على الأيام إن لم يبدع
إن أجدبت أرض الخلائق بالثنا ... فخلاله للحمد أمجد مرتع
أو حار قومٌ في الشعاب فإنه ... رب المضي على المضيء المهيع
أضحى يطارحني القريض وهل ترى ... من إصبع يوماً يقاس بأذرع
أملى إلي قصيدة فأذابني ... خجلاً وهيبةً خاشع متصدع
يا ابن الغطارفة الألى لم ينتموا ... إلا بأزهر في الندي سيمذع
يا غرو أن يرتج علي بحضرة ... إن قابلت شمس الضحى لم تسطع
فلو أن سحبان الفصاحة قائم ... في بابها ما قال غير متعتع
فهناك ما بهر الخواطر هيبةً ... وزرى بعارضة الخطيب المصقع
كل العقائل في حماك وصائف ... والمنشآت من الجواري الخضع
стр. 754
فأسلم رعاك الله سابغ نعمةٍ ... وأعاد عيشك للزمان الأمرع
وأعذر إذا قصرت عن حق فلو ... أمليت أسود مقلتي لم أقنع
رسائل غرام
بين نساء شهيرات ورجال عظام
الرسالة الأولى
من مسز هملتون إلى الأميرال نلسن
كانت مسز هملتون أجمل نساء عصرها حتى قال فيها أحد شعراء قومها: ليشفق الله عليك فما أشقاك في جمالك الساحر. وقد جرى لها مع الأميرال نلسن الشهير أمور معروفة في التاريخ انتهت بانفصالهما وبعثت إليه بالرسالة الآتية على أثر ذلك. قالت:
لا يشفع في كتابتي إليك إلا ذكرى أيامنا الماضية وأحلام الصبى التي كنا نتعلل بها. وقد انطوت اليوم صفحة تلك الآمال وانقضى ما بيننا من عهود كانت أشبه بحلم أعقبته يقظة هائلة.
كيفما التفت أرى العالم أشبه بفراغ لا تستطيع الكائنات جميعها أن تملأ زاوية من زواياه. ذلك لأن قلبي الذي كان طافحاً بأحلام السعادة قد أصبح اليوم خالياً ولعل قلبك أيضاً مثله فلا حب ولا آمال ول عهود ولا وعود.
стр. 755
هل تذكر أيامنا السالفة والعهود التي كانت تربط قلبينا معاً رباطاً كنا نهزأ إذا قيل لنا أن الأيام ستفت فيه؟ أمل تقل لي يومئذ أنك تحب الحياة لأنني في الحياة، وتخشى الخلود لأنه قصير المدى في أعين المحبين؟ فأين ما كنا نتعلل به من أحلام الشباب؟
* * *
. . . . أنا جالسة إلى نافذتي اكتب إلي هذه الأسطر ولا اعلم أين أنت. أنت بعيد عني ولعل بين وبينك شقة شاسعة من الماء والفضاء. أرى الشمس وقد أوشك قرصها أن يختفي وراء الأفق وهي تنثر التبر من أشعتها الذهبية. كنت أود لو أنها لم تكن مشرقة على هذا العالم لأن ذلك أدعى إلى مؤاساة الحزين ولأن في ابتسامتها شماتة بالقلب المنكسر. وما أوقعها عظمة في النفس وهي واقفة تلقي على الكون حية الوداع.
* * *
لست ألومك لما جرى. . . ولكنني آسف لزهرة غرسناها فلما آن قطوفها لفحتها ريح محرقة. فإذا كانت الآلهة تستطيع أن تعاقب البشر فهذا منتهى الشدة في العقاب. ألم أحب
الآلهة لنني أحببتك؟ ألم أتمثلك دائماً الكل في الكل؟ ألم أقل لك أنني أخشى أن ينتهي الخلود قبل أن يشبع القلب من حبك؟.
* * *
لزمت الفراش مدة فلم أترك غرفتي قط. لا أزال أشعر بضعف وشقاء. في لجو غيمة، وفي قلبي غيوم. ليتني أنسى الماضي وأعود إلى
стр. 756
ابتسامتي السالفة. أتذكر يوم كنت تقول لي إن ابتسامتي مسروقة من ثغور الملائكة؟ فأين أنت اليوم لتنظر ما قد حل بتلك الابتسامة؟
حقاً ما أظلم الآلهة: إنها تمنح الربيع للطبيعة، والأريج للأزهار، والحب للقلب، ولكنها تمنع الابتسامة عن ثغور الحزانى فما أشقى القلب الحزين - الحزين بسبب الحب!
* * *
فكرت فيك اليوم ملياً لسبب لا أدريه. ذكرتك فتمثلت نفسي كمن يستيقظ من حلم هائل. أصحيح أن ما بيننا قد انتهى؟ أصحيح أن صفحة الماضي قد انطوت؟ إذن لماذا لا تنطوي معها هذه الحياة؟ لماذا لا تخمد نبضات هذا القلب وتهدأ دقات هذا الفؤاد؟ أإلى هذا الحد يبلغ بالمرء الشقاء؟
* * *
إن الزمان هو الطبيب الأكبر يا. . . . هو سيشفيك من مرض الحب الذي ألم بك ردحاً من الأيام، وربما لا تزال آثاره في زوايا قلبك الذي كان قبلاً مسكناً لي. سوف يأتي يوم لا تذكر فيه من هذه التي تخاطبك الآن سوى شبح يتضاءل كلما مرت به الأيام إلى أن تسدل عليه حجاباً، وتقذف به في هاوية الماضي. وما أعرب تلك الهاوية اللاقرار لها - أبدية تفغر فاهاً لتبتلع كل تذكاراتنا العذبة، وأحلامنا الماضية - رحماك أيتها الأبدية بتلكم الآمال!
* * *
стр. 757
قلبي مفعم غماً وآلاماً مبرحة. ونفسي تميل اليوم كثيراً إلى الدير. ولكنني كلما ثبت إلى نفسي رأيت الدير أشبه بمقبرة تزج فيها الفتاة نفسها وتقضي على البقية الباقية لها من الآمال في هذه الحياة. يقولون إن الدير أول محطة على الطريق إلى السماء. ولكن فاتهم أنه أيضاً مقبرة للأحياء تدفن فيها المرأة ما أبقى من حشاشتها الغرام. . .
رشيد بك نخلة
السماء التي أظلت صاحب هذا الرسم أظلت غير واحد من أهل البيان. هي ألهمت هؤلاء وهي أوحت إليه. وكما متعت رشيداً بجمالها
стр. 758
وتصبت قلبه بآياتها. أنزلت تلك الآيات على قلوب كثيرين، وابتذلت أمامهم جمالها الفتان.
تلك السماء الصافية الأديم جوّادة تعطي، وكريمة لا تمنع، فالشاعر القدير من استفاد من عطائها، وأثرى بهباتها، واستنزل إلهامها، واستجلى بديعها، واقتبس من سحرها، واسترق من أسرارها. وعلى قدر هذه المواهب تكون مسؤولية الشاعر أمام نفسه، وأمام السماء التي أوحت إليه. لهذا أرى أن يسأل الأديب اللبناني عن كثير، ويطالب بمقدار وافر:
* * *
أمامي هذا الرسم ولي بصاحبه صلة مودة قديمة. إن رشيد بك نخلة معروف في لبنان لا يجهله مواطنوه. قد لا يعرفه بعضهم سياسياً حاذقاً ولكن جميعهم يعرفونه شاعراً مجيداً، وكاتباً بارعاً حلو الحديث أديب اللسان!.
ولد في الباروك إحدى قرى لبنان وحيداً لأبوين كريمين فنشأ كريم الأصل شريف التربية. لم يعرف المدرسة قط قبل أن كان يافعاً فلما أقام فيها بعض السنة ملّها وملته. ليس في فطرته ميل إلى التقيد ولا في خلقه غير حب الانفلات والحرية. كان في حداثته يقول الشعر العامي اللبناني ومنه تدرّج بفضل السليقة إلى الشعر الفصيح. أما قواعد العربية فاقتبسها من مطالعاته لدواوين الشعراء وكتب الأدباء فبات ينطبق عليه قول بعضهم.
стр. 759
ولست بنحوي يلوك لسنانه ... ولكن سليقيٌّ يقول فيعرب
* * *
في مكتبة الزهور شيء يسير من شعر هذا الشاعر المطبوع وإنما هو قليل من كثير لأن رشيداً محب للشعر جواد القريحة غير أنه قليل الاكتراث لبنات أفكاره وعدوٌّ للشهرة والظهور. يقول الشعر ليلذ نفسه ويطرب فؤاده فإذا ما اكتفى لذة وطرباً رمى بأوراقه في أدراج مكتبته فليس تنفتح عليها تلك الأدراج ولو ثقبناها بمسمار.
ولقد تسنى لنا أن نفوز ببعض تلك اللآلئ المكنوزة فرأينا أن ننشرها تباعاً تاركين للقراء أن يقدروا قيمتها الغالية ويعرفوا مك انت ها من الأدب.
قلت أولاً إن الشاعر الذي أوحت إليه سماء لبنان، وألهمته الطبيعة الباهرة الجمال في تلك
الربوع والأصقاع، مطالب بكثير، ومسؤول عن أدبٍ وفرٍ وبيان ساحر يكونان بمقدار ما استنزل مما حواليه من الوحي والإلهام. إذن فإن رشيداً سيكون ولا ريب حبيباً إلى قراء الزهور ولعله لا تشغله وظيفته السامية في حكومة جبل لبنان عن إتحافنا على التمادي بزهراته الطيبة؟
أمين
أنت
ملك أنت يا مادحة السرير ومنهنهة الصغير، ومعنى حيوة هذا الوجود أنت.
أنت آنست وحشة الجد الأول حيث كان، وحبك كان حماطة قلب
стр. 760
صاحب الحكمة، وجمالك هو نشيد الأناشيد، وكلما في هذه الحياة من القوة هو أنت.
أنت الضلع المسلوخ عن القلب، وأم البشرة الناعمة، وذات الجسم البض، والكتلة المكهربة التي كوّنتها يد المبدع العظيم، وكلما في الطبيعة من جاذبية وجمال هو أنت.
أنت وكلما يقع تحت معنى اللطف ورقة الشعور هو أنت.
أنت يا نقية القلب يا سلسلة المقادة يريدون أن يجعلوا منك غير ما هيأت الطبيعة. يريدون أن يمتهنوا امتيازات نوعك التي اختصته بها الفطرة. يدّعون أنهم يريدون لك الكمال وهم بذلك غنما ينتقصون قدرك ويستخفون بميزتك.
يحاولون أن يزيلوا عنك مزايا الأنوثة المحبوبة ويخلّقوك بأخلاق الرجال وأنت لو فطنت لعلمت أنهم بذلك إنما يحاولون تبغيضك إلى القلوب عدا أنهم يعالجون من ذلك أمراً أدّاً.
يقولون إنهم يريدون أن يجلسوك في صدور المجالس وعلى كراسي النيابة ويدججوك بالسلاح وينزلوك إلى ساحات القتال وأنت لو علمت ما خلقت لهذا.
يزعمون أن الأجيال الماضية ظلمتك، وإن عصر النور هذا سيرفع عنك تلك الظلامة بما سيعدون لجسمك الأبض من المقاعد الخشبية في تلك المجالس ويدفعونه لبنانك المنمنم من رهيف الحد.
يريدون أن يفتلوا ساعديك ويضخموا منكبيك ويميتوا من ذلك
стр. 761
القلب الملكي عاطفة الحنو والإشفاق ويبتذلوا مجلى جمالك وبهائك للعيون وبالجملة يريدون أن يجعلوك رجلاً وامرأة معاً.
هذا ما يريدون وذلك ما يعالجون ويدّعون نصرتك ويهزون لواءك.
أما أنا يا ذات المعصم وربة السوار، فلا أريدك إلا كما خلقت مادحة السرير منهنهة الصغير مؤنسة الوحشة مملكة القلوب ناعمة البشرة أنيقة الجسم منمنمة البنان رقيقة الشعور.
رشيد نخلة
(وسننشر في العدد القادم شيئاً من شعره)
أفكار وآراء
* عمل الطفل الصغير لا يفقد قيمته في جانب عمل جبار الأعمال، وعمل الفرد لا ينقص من قوته إنه جزء من عمل البشرية كلها.
* إتمام الواجب هو دليل الحياة، ومعنى الحياة وكمال الحياة، فمن لا يقوم بواجبه فلا حياة فيه، وقد يعيق سائر الكائنات عن عملها العظيم.
* الإنسان سيد المخلوقات، وأدقها صنعاً، وأكملها تركيباً، عليه من الواجب نحو نوعه ونحو سائر المخلوقات أكثر مما عليها جميعها، وهو يشتد إعراقاً في الإنسانية بقدر ما يشتد على القيام بالواجب.
* إن الراحة أو ما يدعونه في اصطلاح الفلاسفة سعادة إنما هو القيام بالواجب على أنواعه.
стр. 762
* بقدر ما يتعمق الإنسان في العمل ويتبحر في الفلسفة يزيد احتراماً لفضيلة واضعي الأديان، وتساهلاً في قبول الحكمة التي أتوها.
* قبل كل محبة أيها الإنسان حب ذاتك لأن من لا يحب نفسه لا يستطيع أن يحب الآخرين.
* من لم يجد بداً من إتلاف كيان المعتدي عليه صوناً لكيانه هو، فقد اختار أهون الشرين.
* إن الانتحار الذي يزيد عدد الملتجئين إليه كل عام في الشعوب الراقية لهو دليل على انحطاط أولئك الملتجئين إلى الموت فراراً من الحياة وهرباً من القيام بالواجب نحو نفوسهم.
* آدابك الفكرية تظهر على لسانك لأنه قرطاس تصوراتك، فجرّب أن تفتكر حسناً وتفعل حسناً، فلا تستطيع أن تقول إلا حسناً أيضاً لأنه من فضلة القلب يتكلم اللسان.
* يعتقد البعض أن لكل إنسان ملاكاً حارساً، وأنا أقول لك إن لكل إنسان شيطاناً أيضاً، وواجباتك الأدبية هي أن تقاوم هجمات هذا الشيطان حينما يريد التغلب على عقلك وضميرك، ولذة الانتصار في هذا العراك هي إضعاف المرارة التي تعانيها في مغالبة عواطفك وأهوائك.
متى عرفت أيها الإنسان كيف تتسلط على أهوائك، فقد عرفت كيف تضبط كل أعمالك، ومتى فهمت أنك تعيش لتفيد فقد عرفت كيف تستفيد لتعيش، فالطمع إذا كان مقروناً بغاية
حسنة فهو خلة محمودة رغماً عما يقول في مذمته المكابرون.
стр. 763
* من يعرف كيف يكسب الدينار عن طريق الاستقامة، لا يخشى من بذله في الطريق الحسنة.
* قد أجمع السواد الأعظم من الناس على جعل ما لا تصل إليه أفهامهم من مظاهر القوة صفة للخالق فإذا لم تقدر أن تعتقد ما يعتقدون، فاختر لنفسك معتقداً يعلمك الخير ويرتاح إليه ضميرك ويحيا به.
* خير للمرء أن ينظر إلى ما وراء المحسوس بعين الرجاء وآمال السعادة من أن يغمض عينيه ويستسلم إلى الحكم الظلمة.
* سيرة الإنسان في بيته تظهر أخلاقه الحقيقية أكثر مما يظهرها أي مظهر آخر.
* كما تكون العائلة تكون الأمة، والأمة المنحطة إنما هي مجموع تغلب فيه العائل المنحطة، كما ان الأمة النشيطة التي ينبغ أفرادها إنما هي مجموع تغلب فيه العائلة المرتقية.
* البيت يؤثر في الأفراد أكثر مما تؤثر فيهم المدرسة والكنيسة والجامعة، لذلك أطلق الناس على الرجل الفاضل اسم ابن البيت مضموناً به كل الألقاب والأوصاف الحميدة.
* بيتك هو المقدس الذي تطهر به نفسه، بل هو الكنيسة والكنيس والجامع والخلوة، وهو المكان الذي تلتهب فيه عليقة المحبة والتهذيب، وإذا لم يكن عليك أن تخلع نعلك من رجليك كما جعلت العزة على موسى، فعليك إن تخلع عنك كل وصمة عار أو فكر شرير يطرأ على ذهنك. هذا هو البيت بكل معناه، فواجباتك الأولى أن تحترمه كمقدس لك.
стр. 764
* حسن سلوكك في بيتك سعادة لك ولشريكة حياتك، ومدرسة لبنيك وبناتك، فإن كنت لا تستطيع هذا، فجرب أن تكون بلا بيت لئلا تنزل عن عرش رجوليتك وتقلل من هيبتك واعتبارك وتدوس الإنسانية وواجباتك نحوها.
* الأخلاق الحسان تلقى إليك كالوزنات التي أشار إليها يسوع الجليلي على شرط العمل بها وإنمائها، فإن لم يكن لك ضمير حي يطالبك بها، فلابد من أن تطالب بها من أولادك يوم يرون ذواتهم تعساء في حياتهم، ذلك إذا لم تستوف الطبيعة نفسها حقها منك.
سامي الراسي
أحسن مقالة وأحسن قصيدة ؟
سألنا القراء رأيهم في أحسن مقالة وأحسن قصيدة نشرت في السنة الأولى للزهور. فجاءتنا الأجوبة مختلفة مما يدل على الاختلاف في الأذواق.
مقالة رجوع الحبيب لجبران خليل جبران وقصيدة شوقي بك في رثاء تولستوي أحرزتا أكثرية الأصوات. وجاءت بعدها قصيدة فرعون وقومه لإسماعيل باشا صبري وقصيدة نفس مكرمة ونف تزدرى لولي الدين بك يكن.
ونالت قصيدتا صبري باشا أيضاً بكاء صديق ودمعة أصواتاً غير قليلة. ومثلها قصيدة شوقي بك إلى الحبيب.
ومقالة الرقيق الأبيض ومن القفص إلى العش أحرزتا خصوصاً استحسان القارئات.
стр. 765
أما محبو الأبحاث الأدبية فقد أعجبوا بوجهٍ خاص بتاريخ الآداب لعيسى معلوف وبالنهضة في العراق لساتسنا.
ومن المقالات التي نالت أصواتاً غير يسيرة العمال والحكومات والقطران الشقيقان لداود بركات وما كان في معناها من قلم تحرير المجلة في مفتتح العدد الأول وفي العدد الكبير مصر وسورية.
وقد جاءتنا كتابات أيضاً تعرب عن استحسان خطة درس الكتب كالريحانيات والنظرات ومجموعة الشميل والمقابلة بين شوقي والبوصيري وحافظ إبراهيم والفرزدق. وطلب أصحابها أن نكثر من هذه الدروس الانتقادية فنجيبهم: أعطونا كتباً وخذوا دروساً.
وأثنى الكثيرون على الأشواك والأزهار التي يجمعها حاصد وكتب إلينا أحد الظرفاء يقول: باقةٌ جميلة جمع فيها الورد والبنفسج والزنبق والياسمين: مجموع أزهار عطرية لا أعرف أيها أفضّل فلذلك جمعتها كلها وحرصت عليها في خزانتي.
هذا مجمل ما جاءنا من الأجوبة على سؤالنا نورده مع الشكر لكل الذين لبوا الطلب.
أزهار وأشواك
القبلة والقانون
ذكرت في العدد الماضي كلمة عن القبلة والصحة، وتحظير المجلس الصحي في ولاية إنديانا للتقبيل. وقد كتب إلي فريق من القراء نظماً
стр. 766
ونثراً يشاركون شبان تلك الولاية في احتجاجهم على هذا المنع الثقيل. ولم يأتني شيء بهذا المعنى من القارئات. مع أن رأيهن في الموضوع ذو شأن خطير. وقد قرأت خبر حادثة جرت في أمريكا - وأية غريبة لا تحدث في العالم الجديد؟ - مفادها أن قد طرح على القضاء حل هذا المشكل هل يجوز للزوج أن يقبل زوجته ساعة هي لا ترغب في ذلك. . .؟ جاوبت المحكمة سلباً، وحكمت على مستر جورج شوت بغرامة مئة دولار مع الأمر بعدم تقبيل زوجته قبل. . . الحصول على رضاها. ونحن نود لو صرحت لنا المحكمة برأيها في ما إذا كان الرجل مضطراً إلى تقبيل زوجته ساعة هي ترغب في ذلك وهو لا يرغب. . .؟ غريبة ثانية عن المحاكم الأمريكية: تضايقت امرأة من قبلات زوجها الكثيرة فرفعت أمرها إلى القاضي. فرتب للرجل عشر قبلات فقط في النهار تاركاً له الخيار في تقرير مواعيدها، فجعلها خمساً صباحاً وخمساً بعد الظهر. . . أف للقبلة ما أثقلها إذا كان شبح القانون واقفاً بين الشفاه والخدود. وقبحاً لها ما أمرّها إذا كانت تؤخذ بكمية ومواعيد مقررة كحبوب بنك ومستحلب سكوت. . .
بريد وبريد
مصلحة البريد وجدت لتخدم مصالح الجمهور. أنت تدفع الغرش أو الخمسة والعشرين سنتيماً على رسالة تكتبها لتصل تلك الرسالة إلى من كتبت إليه. ويتقاضى منك صاحب الجريدة أو المجلة علاوةً عن قيمة
стр. 767
الاشتراك تلقاء نفقات البريد، حتى تصل الجريدة أو المجلة إليك، لا إلى أحد عمال البوستة ليطالعها ويعيدها إليك متأخرة - هذا إذا خطر على باله أن يردّها. هذه أمور معروفة، فيثقل عليك وعلي ترديدها، ولكنها كثيرة ما تهمل فيضايقك ويضايقني إهمالها ولربما ألحق بنا ضرراً. وكيل إدارة الزهور مضطر إلى إرسال الأعداد إلى بعض الأنحاء مؤمناً عليها لئلا يختطفها عمال البريد في تلك الولاية. وكثيراً ما لا يجديه التأمين نفعاً ضد هذه الأيدي الطويلة. سبق لي تسديد شوكة من أشواكي
إلى هؤلاء القوم غير المحترمين. فتكسرت على جلدهم وهو أسمك من بعض الجلود. . . وإذا عدت اليوم إلى هذا الموضوع فلأقدم زهرةً من أعطر أزهاري لعمال البريد الأمريكي.
جاءني ظرف وعليه طابع من الولايات المتحدة ففضضته ووجدت فيه ظرفاً آخر مختوماً بالشمع مطبوعاً بطابع باريس، وضمنه رسالة من أحد أصدقائي هناك. فتعجبت للأمر، لكني قرأت على زاوية الظرف ما ترجمته وجد هذا المكتوب غلطاً ضمن رزمة جرائد فليرجع إلى صاحبه، فما أعظم الفرق بين بريد وبريد. . .!
حول إمام العبد
قلت في عددٍ مضى كلمة عن المرحوم إمام العبد وكان مدير هذه المجلة الجديد قد كتب نبذة في البرق عن ترجمة ذلك الشاعر فأرسل عز الدين أفندي صالح أحد أصدقاء إمام بهذه المناسبة بعض ملاحظات
стр. 768
خصوصية اقتطف منها بعض ما يأتي: كنت قد أشرت في ما كتبت إلى الأبيات الحماسية التي نظمها الشاعر الأسود محتذياً حذو ابن لونه شاعر بني عبس وذكرت كيف أن القطة القافزة من النافذة قد أطارت لبه شعاعاً وهو يفتخر بالأسنة والسيوف وإليك هذه الأبيات:
ولما التقينا والأسنة شرع ... ونادى المنادي لا نجاة من الحتف
عطفت على سيف المنية فانجلت ... صفوف وكان الصف ألصق بالصف
فرحت وفي وجهي وجوه عبوسة ... وعدت وأشلاء الفوارس من خلفي
فلم أر قلباً غير قلبي بجانبي ... ولم أر سيفاً غير سيفي في كفي
وقسم سيفي القوم قسمة عادل ... فأرضى الثرى بالنصف والطير بالنصف
وأشار كاتب ترجمة إمام في البرق إلى أبيات نظمها الشاعر في شاب توفي مسلولاً، وإليك بعضها:
عشق الموت مكرهاً في شابه ... رب موت تحار في أسبابه
قبل أن يدفنوه في الرمس ميتاً ... دفنته الأيام في جلبابه
فإذا رمت أن تراه بعين ... لا ترى غير أنةٍ في ثيابه
كيف تقوى كفاه في موقف ال ... عرض إذا كلفوه حمل كتابه
أيها الموت لا عدمتك خلاّ ... طالما أنقذ الفتى من عذابه
وأورد صديقي من النكات عن إمام غير ما أوردت قال: شد عنقه يوماً بربطة سوداء فقال أن أحد إخوانه لما رآه هكذا حسب قميصه غير مزرر فطلب منه أن يزرره.
وجلس يكتب فسقطت نقطة حبر على القرطاس فقال أن جليسه يومئذ قال له (نشف عرقك).
стр. 769
وأراد يوماً أن يذهب إلى البيت وليس في جيبه نقود. فركب عربة حتى إذا وصل إلى داره وولجها أطل للسائق من النافذة وقال له يا عربجي. سيدي مش عاوز يركب. . .
وقال إمام يتغزل بغادة بيضاء:
أنت عبدٌ والهوى أخبرني ... أن وصل العبد في الحب حرام
قلت: يا هذي أنا عبد الهوى ... والهوى يحكم ما بين الأنام
وإذا ما كنت عبداً أسوداً ... فاعلمي أني فتى حر الكلام
وقال متغزلاً بغادة سوداء مثله:
وسوداء كالليل البهيم عشقتها ... لأجمع بين الحظ واللون في عيني
إذا ضمَّنا ليلٌ تبسم ثغرها ... فلولا سناه بت في جنح ليلين
وقال شاكياً:
نسبوني إلى العبيد مجازاً ... بعد فضلي واستشهدوا بسوادي
ضاع قدري فقمت أندب حظي ... فسوادي عليه ثوب حداد
أضفت كل ذلك إلى ما سبق لي ذكره عن صديقي الإمام إعلاناً لفضله وقياماً بواجب الحرفة.
حاصد
تمدن المرأة العصرية
طالت المناقشة في هذا الموضوع وخرج المتناظرون كما قلنا في العدد السابق عن دائرة البحث الأول، فباتوا يتناقشون في ما إذا كان عدد الفضلاء يزيد على الفاضلات أو إذا كان الأمر بالعكس وهذا ما يصعب تقريره. وجاءتنا ردود كثيرة نظماً ونثراً يضطرنا ضيق المقام إلى الاكتفاء بتلخيصها أو الإشارة إليها. منها مقالة
стр. 770
طويلة معتدلة اللهجة بإمضاء منصف حاول صاحبها أن يوفق بين الفريقين فقال بعد مقدمة أثنى فيها على الآنستين اللتين فتحتا هذا الباب:
. . . قد أجادت الآنسة هدى بوصف الحالة السائر عليها العدد العديد من نسائنا وفتياتنا الجاهلات، وقد أصابت المرمى بانتقادها تلك العادات الذميمة التي ستؤول بنا إذا طال أمدها إلى الهلاك والدمار أدبياً ومادياً. ولكنها بالغت جداً أو أنها غلطت في التقدير فتوهمت أن الحالة أسوأ مما هي وتصورت أن الفاضلات من الشرقيات أقل من القليل، ووافقها على ذلك طيرها المغرد، فأصدرا حكمهما الجائر وأعلنا قضاءهما المبرم. وإني لمخالف لهما ف الرأي ومتفق مع كاتبة بيروت، فأرى أن الفاضلات الحكيمات لم يزلن والحمد لله أكثر كثيراً من الجاهلات الخاملات، مما يبشرنا بحسن المصير ويؤملنا بحميد المنتهى، بشرط أن نثابر على ما نحن مجدون في أثره من الإصلاح.
. . . . قُيّض للذكر طبقاً لناموس القوة وشدة البأس أن يكون المتسلط المتبوع، وللأنثى بحكم ضعف الجسم ونحافة البنية أن تكون الخاضعة التابعة. وهو ناموس سارٍ منذ بدء العالم حتى اليوم، وعام بين المخلوقات كافة دون استثناء. . . وعليه لا غرو إذا رأينا المرأة تتوخى أن ترضي الرجل في كل عمل من أعمالها وتحاول أن تنال منه الالتفات والإعجاب. فحق والحالة هذه للآنسة أدما أن تقول إن معظم ما تؤاخذ به المرأة العصرية من التفرنج والتورط في اتباع المودة سببه الرجال لأنهم يميلون إلى هذه المظاهر.
стр. 771
ثم بين الكاتب الأديب ما ألت إليه حال شبان هذا العصر من سوء فهم التمدن، وقال إن إصلاح المرأة الذي ينشده المتناظرون لا يتم إلا بإصلاح الرجال:
يجب علينا أن نصلح أنفسنا أولاً ومن ثم نسعى وراء إصلاح نسائنا وبناتنا، ولربما لا نبقى بحاجةٍ إلى هذا وقتئذ إذا أنهن يسبقننا حالاً إلى الإصلاح طبقاً لرغائبنا وسيراً مع أميالنا. وإن لمخالف حسوناً فيما نسب إليهن من الضعف ووهن المبدأ، فإنهن وإن يكن ضعيفات
الجسم نحيفات القوام، فهن قويات الشعور شديدات الإحساس، وما كان غيظهن من انتقاد الآنسة هدى وسرورهن من مدافعة أديبة بيروت إلا نتيجة هذين العاملين وهما كما يشهد الجميع رمز الرقي وعلامة التفوق في سمو الأخلاق. وقد نسي أديبنا على ما يظهر ما وصفهن به شيخنا العازار حيث قال:
وصفوا المرأة بالضعف وقد ... جهلوا ما قال فيها الكما
هي في الأرض إله مثلما ... خالق الأرض إله في السما
ثم رد منصف على حكاية حسون مع زوجته مما لم يخرج في المعنى عن رد سلمى وهند في العدد الماضي.
أما حسون فقد أرسل إلينا ردين الأول على سلمى والثاني على هند. ونحن لما تقدم من الأسباب نقتصر على نشر الأول منهما خصوصاً لأنه يرجع البحث إلى نقطته الأصلية ويظهر بأحسن بيان الغاية من هذه المناظرة، ويبين بطريقةٍ منطقية واضحة دور المرأة في المجتمع الإنساني ووجوب إصلاحها. ولنا الأم بأن يكون جوابه المقحم خاتمة هذه المناقشة، قال موجهاً الكلام إلى سلمى:
أسلم لك جدلاً بأن معظم الفتيان على شاكلة فتاك، وأسمح لنفسي
стр. 772
بأن أقرعه على سلوكه الفظ مع فتاة من مثيلاتك حليتها الأدب والفضل وزينتها اللطف وخفة الدم. . . ولكن تسليمي هذا لا يخرجنا من الدائرة التي رسمناها وهي أن وجود فتيان أشقياء لا يجيز للفتيات أن يكن على مثالهم. ولما كان قصدنا الإصلاح وكنت من المسلمات بوجود النقص الذي ذكرناه في السيدات وجب أن تسلمي حتماً بأننا على حق فيما ذهبنا إليه وبأنه يجب تقويم ما اعوج فيهن بصرف النظر عما في أخلاق الرجال من الاعوجاج. فعيب الرجل يقتصر غالباً على الرجل وحده على حين أن نقص المرأة يتعداها إلى أولادها وهذا هو السبب الذي يحملنا على المناداة بوجوب إصلاحها قبل إصلاحه وإليك البرهان:
قوام الهيئة الاجتماعية موقوف على قوام العائلة وقوام العائلة منوط بالتربية البيتية والتربية البيتية من اختصا المرأة دون الرجل: فالرجل عادةً بعيد عن البيت منهك في أشغاله. فهو لا يرى أولاده إلا خلسة ويظهر ذلك جلياً في البلاد الحية التي تتطلب الجهاد اليومي حتى يتمكن الإنسان من حفظ مركزه بين الناس.
أما المرأة فواجبها وحالها الطبيعية تقتضي عليها بان تكون في البيت مع أولادها. فهم يشبون على ما تريد ويتخلقون بأخلاقها.
فهي إذن مسؤولة عن التربية البيتية أي عن قوام العائلة. نظرة يا سيدتي إلى العائلات يثبت لك صدق ما قدمنا. ولا تجهلين أن أمثلة العامة هي فلسفة الشعوب وأن فلسفة الشعوب هي من أصدق النظريات وأشدها انطباقاً على الواقع ففي كل الدنيا تقول العامة ما معناه: إن البنت
стр. 773
هي صورة أمها. فنحن نقول: طب الجرة على فمها تطلع البنت مثل أمها. والفرنجة تقول: كما تكون الأم تكون البنت. ولما كانت التربية البيتية منوطة بالأم دون الرجل كما أسلفنا فحيث تكون الأم الصالحة تكون البنت الصالحة وصلاح البنت فتاة يكفل صلاحها أماً وهذا يكفل صلاح العائلة وصلاح العائلة يكفل صلاح الهيئة الاجتماعية.
إذا فصلاح الهيئة الاجتماعية موقوف على صلاح المرأة قبل الرجل.
تلك حلقة مقدمات ونتائج محكمة الرباط لا يتسع المكابر إنكارها.
فمتى تبين ذلك ظهر سبب تصدينا لهذا البحث وثبت حسن قصدنا وسلامة نيتنا. . .
(وليعذرنا أصحاب باقي الردود إذا اضطررنا إلى إهمالها والسلام).
مولود عجيب
كتب من المنصورة أن امرأة فقيرة قد وضعت مولوداً عجيباً عمره تسعة أشهر رحمية. وله رأس ووجهان وأربع أعين. اثنتان في مركزهما الطبيعي واثنتان في الجبهة، وله أيضاً أنفان وأذنان وفمان وشفتان علويتان وأرنبتان وفكان سلفيان، وما بقي من الجسم فهو طبيعي وقد ولد ميتاً وهو خنثى.
стр. 774
ثمرات المطابع
تذكار الماضي - إذا قال أديب الشعر في أيامنا الحاضرة نشره في الصحف والمجلات على زعم أن الناس لا يطربون إلا لشعره ولا تستهويهم إلا بنات أفكاره. وقد يغالي بعضهم في تهوسه إلى حد أنه يحسب أن شعره من ضروريات الحياة فالجرائد والمجلات في مصر وفي سورية لا تفتأ تحمل في كل عدد من أعدادها شيئاً كثيراً من شعر النشأة الحديثة، والقراء لا يبرحون يتعرفون إلى شعراء من هذه الفئة لم يكونوا يعرفونهم من قبل.
كذلك لم نجد أديباً من هؤلاء ولوعاً بالشعر يقوله في أغراض كثيرة ويجيده في مواقف عديدة وهو يكاد يكون مجهولاً من إخوانه الأدباء مثل صاحب ديوان تذكار الماضي.
إذا قرأت هذا الديوان لم تذكر أنك قرأت شيئاً منه في الصحف والمجلات ولا عرفت صاحبه إيليا أفندي ظاهر أبا ماضي لولا أبيات نشرتها له جريدة العلم منذ عهد غير بعيد، فإذا جربت أن تتعرف إلى هذا الأديب بأدبه وشعره عرفت أنه سمح القريحة يحاول أن يأتي في أكثر أبياته بالمعاني الجديدة فينظمها في قالب يغلب فيه اندماج اللفظ ومتانة التركيب.
стр. 775
ذلك كله جيد ولكن الأجود أيضاً أنما هو تلك السهولة التي يجدها الناظم في نظمه على اختلاف الأوزان الشعرية والمواضيع المتنوعة!
في الديوان قصائد تقع في نحو ثمانين صفة تحامى فيها شاعرها المدائح وأشباهها منصرفاً إلى أغراض ثانية هي أجمل وقعاً في النفوس، أكثر دلالة على الشاعرية.
وفي الديوان أيضاً كلمة وجيزة أهدى بها الناظم مجموعة أقواله إلى الأمة المصرية وقد خاطبها بقوله عن ديوانه هذا وهو بحمد الله لا يجمع بين دفتيه سوى ما يرضي الحق ويرضيك ويرضي هذا الفن الجميل على أن كلمته هذه تغتفر له في جانب ما في الصفحات التي تتلوها من القصائد والمواضيع المختارة.
والديوان في جملته يبشر صاحبه بمستقبل مجيد في عالم الأدب ولاسيما إذا هو اعتنى باختيار ألفاظه الشعرية وتنقيتها، وتجنب التعابير التي هي أقرب إلى العامي منها إلى الفصيح. أما الشاعرية في حد ذاتها فهو مطبوع عليها.
الواجبات - تقول الآية الذهبية: افعلوا بالناس ما تريدون أن يفعل الناس بكم. وتقول الحكمة السائدة: إذا عرفت الواجب عليك كنت إنساناً حقيقياً. وتقول كارمن سيلفا ملكة
رومانيا الحالية في كتابها خواطر ملكة: لا سعادة إلا في الواجب فمعرفة الواجب هي أصعب ما يلاقيه الإنسان في جميع أدوار حياته. وفي
следующие страницы →