← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ثم بين الكاتب الأديب ما ألت إليه حال شبان هذا العصر من سوء فهم التمدن، وقال إن إصلاح المرأة الذي ينشده المتناظرون لا يتم إلا بإصلاح الرجال: يجب علينا أن نصلح أنفسنا أولاً ومن ثم نسعى وراء إصلاح نسائنا وبناتنا، ولربما لا نبقى بحاجةٍ إلى هذا وقتئذ إذا أنهن يسبقننا حالاً إلى الإصلاح طبقاً لرغائبنا وسيراً مع أميالنا. وإن لمخالف حسوناً فيما نسب إليهن من الضعف ووهن المبدأ، فإنهن وإن يكن ضعيفات الجسم نحيفات القوام، فهن قويات الشعور شديدات الإحساس، وما كان غيظهن من انتقاد الآنسة هدى وسرورهن من مدافعة أديبة بيروت إلا نتيجة هذين العاملين وهما كما يشهد الجميع رمز الرقي وعلامة التفوق في سمو الأخلاق. وقد نسي أديبنا على ما يظهر ما وصفهن به شيخنا العازار حيث قال: وصفوا المرأة بالضعف وقد ... جهلوا ما قال فيها الكما هي في الأرض إله مثلما ... خالق الأرض إله في السما ثم رد منصف على حكاية حسون مع زوجته مما لم يخرج في المعنى عن رد سلمى وهند في العدد الماضي. أما حسون فقد أرسل إلينا ردين الأول على سلمى والثاني على هند. ونحن لما تقدم من الأسباب نقتصر على نشر الأول منهما خصوصاً لأنه يرجع البحث إلى نقطته الأصلية ويظهر بأحسن بيان الغاية من هذه المناظرة، ويبين بطريقةٍ منطقية واضحة دور المرأة في المجتمع الإنساني ووجوب إصلاحها. ولنا الأم بأن يكون جوابه المقحم خاتمة هذه المناقشة، قال موجهاً الكلام إلى سلمى: أسلم لك جدلاً بأن معظم الفتيان على شاكلة فتاك، وأسمح لنفسي

стр. 772

بأن أقرعه على سلوكه الفظ مع فتاة من مثيلاتك حليتها الأدب والفضل وزينتها اللطف وخفة الدم. . . ولكن تسليمي هذا لا يخرجنا من الدائرة التي رسمناها وهي أن وجود فتيان أشقياء لا يجيز للفتيات أن يكن على مثالهم. ولما كان قصدنا الإصلاح وكنت من المسلمات بوجود النقص الذي ذكرناه في السيدات وجب أن تسلمي حتماً بأننا على حق فيما ذهبنا إليه وبأنه يجب تقويم ما اعوج فيهن بصرف النظر عما في أخلاق الرجال من الاعوجاج. فعيب الرجل يقتصر غالباً على الرجل وحده على حين أن نقص المرأة يتعداها إلى أولادها وهذا هو السبب الذي يحملنا على المناداة بوجوب إصلاحها قبل إصلاحه وإليك البرهان: قوام الهيئة الاجتماعية موقوف على قوام العائلة وقوام العائلة منوط بالتربية البيتية والتربية البيتية من اختصا المرأة دون الرجل: فالرجل عادةً بعيد عن البيت منهك في أشغاله. فهو لا يرى أولاده إلا خلسة ويظهر ذلك جلياً في البلاد الحية التي تتطلب الجهاد اليومي حتى يتمكن الإنسان من حفظ مركزه بين الناس. أما المرأة فواجبها وحالها الطبيعية تقتضي عليها بان تكون في البيت مع أولادها. فهم يشبون على ما تريد ويتخلقون بأخلاقها. فهي إذن مسؤولة عن التربية البيتية أي عن قوام العائلة. نظرة يا سيدتي إلى العائلات يثبت لك صدق ما قدمنا. ولا تجهلين أن أمثلة العامة هي فلسفة الشعوب وأن فلسفة الشعوب هي من أصدق النظريات وأشدها انطباقاً على الواقع ففي كل الدنيا تقول العامة ما معناه: إن البنت

стр. 773

هي صورة أمها. فنحن نقول: طب الجرة على فمها تطلع البنت مثل أمها. والفرنجة تقول: كما تكون الأم تكون البنت. ولما كانت التربية البيتية منوطة بالأم دون الرجل كما أسلفنا فحيث تكون الأم الصالحة تكون البنت الصالحة وصلاح البنت فتاة يكفل صلاحها أماً وهذا يكفل صلاح العائلة وصلاح العائلة يكفل صلاح الهيئة الاجتماعية. إذا فصلاح الهيئة الاجتماعية موقوف على صلاح المرأة قبل الرجل. تلك حلقة مقدمات ونتائج محكمة الرباط لا يتسع المكابر إنكارها. فمتى تبين ذلك ظهر سبب تصدينا لهذا البحث وثبت حسن قصدنا وسلامة نيتنا. . . (وليعذرنا أصحاب باقي الردود إذا اضطررنا إلى إهمالها والسلام). مولود عجيب كتب من المنصورة أن امرأة فقيرة قد وضعت مولوداً عجيباً عمره تسعة أشهر رحمية. وله رأس ووجهان وأربع أعين. اثنتان في مركزهما الطبيعي واثنتان في الجبهة، وله أيضاً أنفان وأذنان وفمان وشفتان علويتان وأرنبتان وفكان سلفيان، وما بقي من الجسم فهو طبيعي وقد ولد ميتاً وهو خنثى.

стр. 774

ثمرات المطابع تذكار الماضي - إذا قال أديب الشعر في أيامنا الحاضرة نشره في الصحف والمجلات على زعم أن الناس لا يطربون إلا لشعره ولا تستهويهم إلا بنات أفكاره. وقد يغالي بعضهم في تهوسه إلى حد أنه يحسب أن شعره من ضروريات الحياة فالجرائد والمجلات في مصر وفي سورية لا تفتأ تحمل في كل عدد من أعدادها شيئاً كثيراً من شعر النشأة الحديثة، والقراء لا يبرحون يتعرفون إلى شعراء من هذه الفئة لم يكونوا يعرفونهم من قبل. كذلك لم نجد أديباً من هؤلاء ولوعاً بالشعر يقوله في أغراض كثيرة ويجيده في مواقف عديدة وهو يكاد يكون مجهولاً من إخوانه الأدباء مثل صاحب ديوان تذكار الماضي. إذا قرأت هذا الديوان لم تذكر أنك قرأت شيئاً منه في الصحف والمجلات ولا عرفت صاحبه إيليا أفندي ظاهر أبا ماضي لولا أبيات نشرتها له جريدة العلم منذ عهد غير بعيد، فإذا جربت أن تتعرف إلى هذا الأديب بأدبه وشعره عرفت أنه سمح القريحة يحاول أن يأتي في أكثر أبياته بالمعاني الجديدة فينظمها في قالب يغلب فيه اندماج اللفظ ومتانة التركيب.

стр. 775

ذلك كله جيد ولكن الأجود أيضاً أنما هو تلك السهولة التي يجدها الناظم في نظمه على اختلاف الأوزان الشعرية والمواضيع المتنوعة! في الديوان قصائد تقع في نحو ثمانين صفة تحامى فيها شاعرها المدائح وأشباهها منصرفاً إلى أغراض ثانية هي أجمل وقعاً في النفوس، أكثر دلالة على الشاعرية. وفي الديوان أيضاً كلمة وجيزة أهدى بها الناظم مجموعة أقواله إلى الأمة المصرية وقد خاطبها بقوله عن ديوانه هذا وهو بحمد الله لا يجمع بين دفتيه سوى ما يرضي الحق ويرضيك ويرضي هذا الفن الجميل على أن كلمته هذه تغتفر له في جانب ما في الصفحات التي تتلوها من القصائد والمواضيع المختارة. والديوان في جملته يبشر صاحبه بمستقبل مجيد في عالم الأدب ولاسيما إذا هو اعتنى باختيار ألفاظه الشعرية وتنقيتها، وتجنب التعابير التي هي أقرب إلى العامي منها إلى الفصيح. أما الشاعرية في حد ذاتها فهو مطبوع عليها. الواجبات - تقول الآية الذهبية: افعلوا بالناس ما تريدون أن يفعل الناس بكم. وتقول الحكمة السائدة: إذا عرفت الواجب عليك كنت إنساناً حقيقياً. وتقول كارمن سيلفا ملكة رومانيا الحالية في كتابها خواطر ملكة: لا سعادة إلا في الواجب فمعرفة الواجب هي أصعب ما يلاقيه الإنسان في جميع أدوار حياته. وفي

стр. 776

اعتبارنا أن الواجب لا يتسنى تحديده ووصفه فهو يتكيف بحسب الأحوال التي تقتضيه. غير أن من الواجبات ما أصبح عاماً معروفاً كواجبات الإنسان نحو نفسه، وواجباته نحو الهيئة الاجتماعية في نظر إجمالي وهو ما تحدّى ذكره ووصفه حضرة الفاضل سامي أفندي يواكيم الراسي أحد أدباء الجالية السورية في البرازيل في كتابه الواجبات - العامة والإفرادية. أهدى إلينا حضرته هذا الكتاب فطلعنا معظمه فإذا هو نتيجة تفكر وتعمق في ما يحيط بكل إنسان من الأحوال. وخلاصة نظرات دقيقة تدل على ذكاء الكاتب واستدلاله بصغائر الأمور على كبائرها شأن المفكرين الباحثين الذين يقفون في بحثهم وتفكيرهم عند الأشياء التي يتجاوز عنها الكثيرون منا، ويعنون بدرس المسائل التي لا يخطر لمعظمنا أن يعنى بها هنيهة ما. تلك هي فلسفة الأشياء الصغيرة تبنى عليها الحقائق والنتائج. فالواجبات - وإن كانا لا نوافق مؤلفه في كل أفكاره فيه - كتاب مفيد يحسن بأن يكون في مكاتب الأدباء إلى جانب الكتب العربية العصرية القليلة العدد في مثل هذا المواضيع المفيدة. أما لغته فسهلة سلسلة كأنما لم يحفل الكاتب إلا بالتعبير عن أفكاره بوضوح وجلاء غير مهتم لزخرفة العبارة وتزويق التركيب حتى لقد يعثر قلمه أحياناً ببعض الهنات فيهمله ويظل سائراً في طريقه. وكما يرى القارئ في غير هذا المكان فإننا اقتبسنا من الواجبات بعض الأفكار من الصفحات الأولى

стр. 777

منه دلالة على ما فيه من الفائدة. ولعلنا نفعل مثل ذلك في عدد آتٍ. نشكر المؤلف على هديته ونلفت الأنظار إلى كتابه. رواية البائسين - هي الرواية الاجتماعية الشهيرة التي وضعها فيكتور هوغو شاعر فرنسا الأكبر في نهضة آدابها الحديثة. وبطلها جان فالجان الذي حكم عليه بالنفي لأنه سرق كسرة خبزٍ ليسد بها رمق أولاد شقيقته يوم كانوا يتضورون جوعاً. كتبها مؤلفها سنة ١٨٦٢ وهو حينذاك في الستين من عمره. فنالت شهرة بعيدة وترجمت إلى معظم اللغات لأن كاتبها الكبير جمع فيها جل آرائه وأفكاره في الهيأة الاجتماعية. ويضيق بنا المجال اليوم لتحليل هذه المبادئ وإيفائها حقها من الدرس والبحث. جاءنا الجزء الأول من هذه الرواية منقولاً إلى العربية بقلم الكاتبين جرجي وصموئيل يني صاحبي مجلة المباحث الطرابلسية. وقد حاول المعربان أن يطابقا الترجمة عل الأصل قدر الإمكان ليحفظا أسلوب المؤلف وخطته الكتابية. . . وقد سبق لحافظ إبراهيم منذ بضع سنوات أن عرب أيضاً جزءاً من هذه الرواية فكان لظهوره ضجة في عالم الأدب العربي. ولا ندري لماذا أحجم شاعرنا عن متابعة عمله. هذا ونحن لا نزال نقول إن نقل آداب الإفرنج إلى لغتنا لمما يكسب العربية ثروة طائلة من المعاني بشرط أن يوفق أدباؤنا إلى تعريب الصالح منها وإيفائه حقه.

стр. 778

رواية الشهر زعيم اللصوص ١ على مسافة فرسخين من قرية ألبي إحدى قرى كالابريا فوق رابية صغيرة كنت ترى بيتاً قديم البنيان في وسط بقعة خضراء، وهو يشرف من الغرب على القرية المذكورة، ومن الشرق على غابات كثيفة وكان يسكنه قرويان - جاكوبو وامرأته حنة - عُرفا عند العامة بتقواهما وبرّهما. على أنه كان في القرية أناس يزعمون أن في الزوايا خبايا ويؤكدون أنهم كثيراً ما نظروا رجالاً من ذوي الشبهات مدججين بالسلاح يطوفون ليلاً حو هذا البيت المنفرد ويدخلون إليه من باب سري ثم ينسلون منه باكراً ويتوارون في الغابات. ومما كان يؤيد هذه الإشاعات أن جاكوبو كان يرصد بابه عند غروب الشمس فلا يقبل زيارة أحدٍ من أهالي القرية. فكان ذلك مدعاة لزيادة الريب والظنون. وفي الواقع لو أتيح لهؤلاء دخول هذا المنزل في إحدى ليالي شباط لأصبح ظنهم يقيناً وزعمهم رواية صدق. فإنك كنت ترى في إحدى القاعات بضعة عشر رجلاً شاكي السلاح بأزياء مختلفة جالسين ول طاولة عليها قطيع من اللحم المشوي وبالقرب منهم برميل يستقون منه خمراً فيأكلون ويشربون بشراهة. وكان جالساً على أحد طرفي الطاولة رجل يناهز الثلاثين من عمره تنم ثيابه وهيأته على انه زعيم هذه الجماعة. وكان بالقرب منه فتاة لا تتجاوز العشرين ربيعاً بديعة الجمال، رشيقة القد مدمجة المفاصل، قلما ينظر لها شبيه بين القرويين. وكانت علامات الحزن باديةً على محياها وهي تنظر إلى رفيقها ببعض الحنو. أما الباقون فكانت قد لعبت برؤوسهم حميا الخمرة فأخذوا ينشدون ما طاب لهم ويقهقهون بأعلى أصواتهم حتى اشتد اللغط. وكثرت الضوضاء. فصرخ بهم زعيمهم:

стр. 779

- وحق إبليس إن هذه الجلبة كادت تفضحنا، ألا تصمتون! وكان للمتكلم على ايظهر عظيم نفوذ في رجاله، إذ سادت السكينة للحال، فتابع كلامه قائلاً: - لا أعلم ماذا يحملني على التشاؤم هذه الليلة. . . وعلى كل فها أنا أقوم حارساً في الغرفة المطلة على الغابة، وابقوا أنتم هنا، كلوا واشربوا، ولكن اعلموا أني سأغمد خنجري في صدر من يأتي بضجة. قال، وأشار إلى الفتاة أن اتبعيني، وأخذ بندقيته وخرج وجلس مع رفيقته قرب نافذة الغرفة الثانية. ٢ - لم البكاء يا إميلي. .؟ - آه يا أنجلو! إن منظر هؤلاء الرجال يخيفني - لا تخافي يا عزيزتي، أنت قلبي، وما عهدي بقلبي يعرف الخوف. هؤلاء الرجال الذين يبارزون الموت لو رأوا رسم شخصه يرتجفون أمامي. وقد مازج خوفهم مني حبهم لي. فهم دون شك يعتبرونك ويجلونك ولا يسعهم إلا الائتمار بأمري. أما الفتاة فاتكأت إلى ذراعه بحنو واسترسلت في ذرف الدموع، فقال: - آه يا أميلي، لا شك أن الندم يستولي على قلبك الآن لأنك عرضت نفسك فتبعتني، ألا بربك ارجعي إلى ذويك، فلا أريد أن أنالك قسراً، لا أريد أن أعرضك إلى المخاطر والمهالك إلى المنفى والموت، فاعلمي يا عزيزتي أن كل خطوة من خطواتي تقودني إلى الهاوية، أما أنت فأمامك طريقان: طريق سهلة أمينة وهي الطريق التي تركتها، وطريق صعبة خطرة، في كل خطوة منها إثم وفي كل مرحلة جريمة وفي آخرها المشنقة، فاختاري لنفسك: - إني اختار الطريق التي تسير فيها أنت. - اسمعي إذن، لأنه يجب الآن أن تعرفي من أنا وما هي غايتي. . . كان أبي من عائلة شريفة النسب عريقة الحسب وكان من حزب البوربون فسقط

стр. 780

بسقوطهم. وكان شيخ القرية الجديد يخاف صلاح أبي ونفوذه فأصبح له عدواً لدوداً لأن الفضيلة لا تجعل صاحبها بمأمن من العدوان بل كثيراً ما يجعله هدفاً لاضطهاد الأشرار. وكان للشيخ المذكور ولد سكر من نشوة الكبرياء ولعبت في رأسه ثورة الأهواء وكان ينظر غلي بعين الحسد والضغينة لأني كنت أفوقه في الرماية وشدة الساعد. فكان يقابل تحياتي بكلام الهزء والسخرية ويعيرني حزبي كلقب عار وذل. . . آه إن خنجري كان يرقص حينذاك في غمده ونفسي تحدثني بأن أذيق هذا المتعجرف ثمرة عنفوانه، لكن التروي كان يسكن ثائري خشية ما سيجر ذلك على عائلتي من الولايات. . . كنت عند عودتي من شغلي مساء أرى أهلي في حالة الجزع التام: أمي وأختي تذرفان الدموع، وأبي يتمشى باضطراب ويرمي بنظرات اليأس إلى بندقيته القديمة المعلقة على الحائط. . . وعند هذه الذكرى انتصب انجلو واقفاً وقدحت عيناه شرراً، فمالت إليه الفتاة قائلة: - لا تنقطع عن الكلام يا أنجلو فإن عندما تتكلم أشعر بأنك تبث في شيئاً من روحك. . فكبح جماح غضبه المتصاعد وعاد إلى حديثه: - وكانت والدتي تعرف ما أنا عليه من الحمية فباتت تتوقع من يوم إلى آخر وقوع الصاعقة. . . كانت هي وأختي فيلومين تغزلان وأنا أبيع الغزل في آخر الأسبوع. . . آه ما كان أشد حبي لأختي. . ألا تتذكرينها يا إميلي. . . فإنها من عمرك وجميلة مثلك. . . قال هذا وسالت من عينيه دمعتان. . . وكان القمر في الخارج قد احتجب وراء غيمة سوداء وتراءت الأشجار كالأشباح. هذا وكان سائر الرفاق لا يزالون في القاعة يأكلون ويشربون. . فاستأنف أنجلو الكلام قائلاً: - فعادت أختي يوماً إلى البيت وهي تبكي بكاءً مراً وذلك بسبب أرنست اللعين ابن شيخ القرية الذي أسمعها كلمات تمس بشرفها. مرت بضعة أيام وإذا بي ذات صباح أمام ذلك الوغد اللئيم قرب منزلنا وهو يترصد خروج أختي ليكاشفها

стр. 781

بحبه. فوثبت عليه وألقيته على الحضيض وأوسعته ضرباً، وكدت أقضي عليه لو لم يخلصه بعض القرويين. ولما عدت إلى البيت وجدت عائلتي باضطراب عظيم فتقدم إلي أبي بكل وقار وأعطاني البندقية والخنجر وقال: يريدون أن تكون لصاً فاذهب إلى الوعر. . . فودعت أهلي وذهبت. ولما لم يتمكن أعداؤنا من إلقاء القبض علي حولوا كيدهم إلى ذوي. فاتهم أبي بمؤامرة سياسية مع حزب البوربون وهو بريء منها فزج في السجن. وكان أرنست السافل لا يزال يعلل النفس ببلوغ مأربه. ولما لم يكن الوعد ولا الوعيد يثنيان أختي فتحيد عن طريق الشرف عمد هذا الشيطان إلى حيلة جهنمية. وكان يعرف تماماً أن بعد فراري وسجن أبي لم يبق في البيت من يحمي حماه. فأتى مع أحد رفقائه في ذات ليلة ونادى أمي أن لها مكتوباً من وحيدها. وكانت والدتي قلقة البال لانقطاع أخباري عنها منذ أسبوعين، فأسرعت إلى فتح الباب وهي لا تعرف من المنادي. ففاجأها هذا الشرير بضربة كادت تفقدها الحياة ووضع على فمها الشبام أما أختي فوقعت مشغياً عليها من شدة الرعب. فنقلت إلى فراشها. . . وهكذا دخل العار إلى بيتنا. . . وعند الصباح كانت فيلومين قد فقدت الرشد لأنها لم تتحمل ما أصابها من المنكر. . . . قال أنجلو هذه الكلمات الأخيرة وقد جحظت عيناه وهو يلهث ويرتجف غيظاً. - يا لله ما أكبر مصابك يا أنجلو. . .؟ - فبلغ أبي في السجن خبر ابنته، فأبت نفسه الأبية احتمال العار. فمات وهو يلعن السماء والأرض أما أمي فبعد هدر دم ابنها وفضح ابنتها وموت زوجها كافراً قضت نحبها في أتعس حالة. أما أنا. . . أما أنا يا إميلي فلم أعد أفتكر بموت والدي ولا بما أصاب شقيقتي بل صرفت كل أفكاري إلى الأخذ بالثأر حلفت أغلظ الإيمان بان أنتقم من على مصائبنا شر انتقام. ولم تلبث الظروف أن بلغتني مرامي، إذ أعلمني أحد اللصوص - وكنت قد أصبحت منذ يومين زعيم إحدى جماعاتهم - أن شيخ القرية وابنه سيمران عند المساء قرب الغابة عائدين من المدينة. فذهبت ولم استصحب أحداً من رجالي لأذوق وحدي لذة الانتقام. فكمنت هناك ولما مر

стр. 782

الشيخ وجهت إليه رصاصة كانت القاضية عليه، أما أرنست فأصابت رصاصتي الثانية رجله فسقط عن جواده ولم أكن أقصد قتله كأبيه. فقدته إلى مغارة هناك وأوقدت ناراً وأخذت أذيقه من العذابات ألواناً وهو يبكي ويتضرع وأنا اضحك ضحكاً مخيفاً. . . آه أن الليلة التي قضاها معي تساوي تلك الليلة التي قضاها مع شقيقتي المسكينة. خرجت فيلومين من يديه وقد فقدت رشدها وشرفها، وخرج هو من يدي وقد أصبح جثة كالفحم وذهبت روحه الخبيثة إلى الأبالس. . . آه ما أشد ما كان فرحي في تلك الليلة. . . . قال وضحك ضحكاً أشبه بهرير الكواسر، فارتعدت فرائص إميلي وعادت إلى الوراء. ثم نكس أنجلو راسه وبكى. . . فاقتربت إميلي وأخذت يده وجلست بقربه وبقيا هكذا مدة. . . ولما رفع رأسه قال: - آه يا إميلي لست قاسياً بهذا المقدار، ولكني. . . فلم يتمم عبارته بل أخذ بندقيته بكل سرعة وحدق بنظره نحو الغابة كأنه يريد خرق الظلام بعينيه. فانتفضت إميلي قائلة: ماذا اعتراك؟ - فأجاب: رجال الدرك. . . ألا تنظرين هذه الخيالات؟. . . ثم أسرع إلى الغرفة، وصاح بجماعته: خيانة! وقعنا في الشرك! وكأن وقوع الخطر بدد عنهم سكرتهم فابتدروا السلاح واجتمعوا حول عريفهم سائلين: ما العمل؟ فأجاب أكبرهم سناً وكان قد نظر من النافذة إلى الجنود: يحاول رجال الشرطة أن يطوقوا هذا المنزل. فهيا بنا إلى الغابة ومتى راموا الدخول نهجم هجمة واحدة. هذا رأيي. فأجاب الجميع: وهذا رأينا. فقال انجلوا: وإميلي؟ ماذا نصنع بإميلي. فقال أحدهم تبقى هنا؟ - فأجاب أنجلو وأنا أيضاً أبقى - ولكنهم يقتلونك - يقتلوني ولكني لا أتخلى عنها - كم أهلكت النساء رجالاً. . . وكان جاكوبو وامراته صاحبا المنزل أثناء ذلك في بكاء ونحيب، يندبان سوء طالعهما. فتقدم أكبر اللصوص سناً وقال: لو كان الفداء لما تأخرنا. ولكن

стр. 783

يا زعيمنا إذا بقيت هنا فإنك تجلب الموت عليك وعلى من تريد خلاصها فاسمع لي: نشد وثاق الثلاثة - صاحبي المنزل وإميلي - ويدّعي جاكوبو أنها ابنة أخته أتت تزوره في هذه الأيام وأننا دخلنا هذا المساء إىل منزله عنوة وقيدناهم بعد الوعيد والإهانة. فتنطلي الحيلة على رجال البوليس، أما نحن فإننا نؤمل النجاة بنار بارودنا ومضاء خناجنرنا. فلم ير أنجلو بداً من لإذعان بعد موافقة الجميع على هذا الراي وقبول إميلي به، لاسيما وقد نادى اللصوص به: عليك يا زعيمنا الاعتماد. . .! فنزل الجميع بعد أن شدو وثاق الثلاثة المذكورين. فقالت حنة إذ ذاك لزوجها. أجل سندعي أن الفتاة ابنة أختك وهكذا ننجو ولكن الحكيم من قدم الحذر فإذا ألقي القبض على أنجلو ألا تبوح إميلي بكل شيء فإنها تحبه وتجود بكل شيء في سبيله فتكون العاقبة علينا وخيمة. فإذن - وأشارت إشارة معنوية إلى خنجره - تدعي إنهم دخلوا بالرغم عنا وأنهم قتلوا نسيبتنا. . . سمع أنجلو صوت استغاثة فصاح آه صوت إميلي؟ ما حل بإميلي. . . فأجاب أحد رفقائه: لا شيء. ولا سبيل للإحجام. . . وهجم اللصوص هجمة واحدة، وكان أنجلو بينهم كالأسد الكاسر ينشطهم بالقول والفعل ومسدسه لا يسكت وخنجره لا يغمد إلا فص الصدور. فاجتمع حوله معظم قوات العدو وتمكن رفاقه من النجاة. أما هو فظل يقاتل بكل بسالة ولكن ما تجدي البسالة والعدو يتكاثر حوله ويضيق عليه النطاق حتى قبضوا عليه وشدو وثاقه. ٣ هجم الليل، السكوت سائد والظلام باسط سدوله على الطبيعة. في قاعة سفلى رجل جريح ملقى على الحضيض: هو أنجلو وقد ألقي في هذا السجن بعد أن كل بالقيود. عيناه تقدحان شرراً والدم يسيل من جروحه. على الباب خفيران يتحدثان عن الواقعة الأخيرة. - لله ما أشد ساعد أنجلو وما أشد بأسه. . .

стр. 784

- نعم ولكن قتله لتلك الفتاة المسيكة - كما أفاد جاكوبو وامرأته - لمما يسمه بسمة الدناءة والعار. - إن في الأمر لسراً. فقد أمر الحاكم بتوقيف هذين الشخصين، فإن في أعمالهما وأقوالهما ما يفتح مجالاً للشكوك. خصوصاً أن ليس من يعرف لهما هذه النسيبة التي وجدت مقتولة في منزلهما، فإن جاكوبو. . . انقطعا عن الكلام لأن الحاكم بعينه كان قد دخل يتبعه أربعة من الرجال حاملين جثة فتاة، فقال الحاكم لأحد أتباعه: دعوا الجثة قرب السجين، وابق أنت هنا لاحظ كل حركاته فإن كلمة واحدة تكفي لإرشادنا إلى الحقيقة. قال هذا وانصرف، فأدخلوا الجثة ووضعوها قرب أنجلو دون أن يكلموه. ولم ينتبه هو لهم لأنه كان كالمغمى عليه من شدة الألم. وبعد قليل أفاق من غيبوبته فرأى على نور السراج الضئيل شيئاً بالقرب منه. فجر قيوده بكل عجز حتى وصل إليه. . . فلمس شيئاً بارداً. . . جثة إنسان. . . فرفع النقاب الذي كان يستر الوجه، فانتفض جسمه ثم بقي مدة صامتاً جامداً. . . وصرخ: إميلي. . .! عند الصباح دخل الحاكم إلى السجن وسأل الرجل عما كان من أمر السجين فأشار الرجل ونظر الحاكم. . . جثة على جثة. آثار العباسيين في بغداد تشتغل لجنة ألمانية مؤلفة من ١٥٠ شخصاً في بلدة سامراء من أعمال ولاية بغداد للتنقيب عن الآثار القديمة، بدأت بحفر الجامع الكبير المشهور بجامع الملوية فظهر أثر المحراب والأسطوانات والشاذروان. وكل هذه الأبنية بالجص، وهي من بنايات خلفاء بني العباس وقد مضى عليها نحو ألف سنة وهي ثابتة الأساس متقنة الصنع والهندسة، وبعد أن أخذ رسمها بالتصوير الشمس شرع العملة يحفرون من جهة نهر دجلة الحمامات والآبار وهي بمنية بالطين لا بالآجر ومبيضة بجص منقوش نقشاً هندسياً لطيفاً لا مثيل له في هذه الأيام.

стр. 785

العدد ١٦ - بتاريخ: ١ - ٧ - ١٩١١

стр. 786

تتويج ملك الإنكليز جرت حفلة تتويج جورج الخامس ملكاً على إنكلترا وإمبراطوراً على الهند في دير وستنمنستر حيث يُمسح ملوك بريطانيا العظمى كما كان ملوك فرنسا - في عهد الملكية فيها - يُمسحون في ريمس. والإنكليزي معروفون بشدة تمسكهم بتقاليدهم القديمة لاسيما في حفلاتهم الرسمية وما يتعلق بحكومتهم وحكامهم. فيوم التتويج يوم مشهود عندهم يبتدئ عند الصباح إذ يقبل الملك والملكة على الدير المذكور ويدخلان الكنيسة باحتفال عظيم ويجلس الملك على الكرسي الملكي القائم على منصة منصوبة في صحن الكنيسة. ويبتدئ التتويج بالاعتراف أي بتقديم خضوع الأعيان وبإعلان الشعب رضاه بالملك واستعداده لطاعته وخدمته. ثم يسأل رئيس أساقفة كانتربري الملك هل هو عاقد النية على أن يجري العدل والرحمة وأن يحكم طبق دستور البلاد وشرائعها فينهض الملك ويقسم على الكتاب المقدس أنه لفاعل. ثم يسير إلى عرش إدوارد الأول المنصوب بين المذبح والمنصة

стр. 787

ووراءه اللوردات حاملين السيوف. فيقف حوله أربعة من الأشراف وقد امسكوا ببساط مذهب فوق رأسه. ويكون على المذبح إلى جانب الحلى الملكية التي أحضرها اللوردات كوز ذهبي بشكل نسر باسط جناحيه وهو مملوء زيتاً. فيتقدم رئيس الأساقفة ويمسح بالزيت رأس الملك وجبهته وصدره ويديه، ويلبسه الحلة الملكية، ثم يأخذ السر تشريفاتي المهمازين ويركع أمام الملك ويمس بهما عقبيه. وبعد ذلك يجيء حامل سيف المملكة ويقدمه إلى السر تشريفاتي الذي يدفعه إلى رئيس الأساقفة وهذا يصلي عليه ثم يمنطق الملك بالسيف ويقول رئيس الأساقفة: بهذا السيف أجر عداً واقطع دابر الظلم، واحم كنيسة الله وساعد اليتامى والأرامل ورد الأشياء البالية وحافظ على الأشياء المردودة وأصلح كل خطأ وثبت كل صلاح. . . . فينهض الملك وينزع السيف ويضعه مسلولاً على المذبح ثم يعود إلى عرش إدوارد الأول حيث يقدم له رئيس الأساقفة الكرة الملكية، ويضع في بنصره خاتم الملك ويقدم له القفاز فيلبسه ويدفع له الصولجان قائلاً: اقبل الصولجان الملكي علامةً للقوة الملكية والعدل ويقدم له صولجاناً آخر عليه تمثال حمامة ويقول: تقلد عصا العدل والسلام ثم يأخذ رئيس الأساقفة التاج ويقول: اللهم يا تاج الأمناء، بارك وقدس عبدك هذا جورج مليكنا، وكما أنك كللت رأسه اليوم بتاج من الذهب النقي فاملأ قلبه بنعمة من عندك وكلل هامته بجميع الفضائل السامية. وبعد الصلاة يضع التاج على رأس الملك بكل احترام فينادي

стр. 788

الشعب بصوت واحد اللهم احفظ الملك ثم يضع الأشراف تيجانهم. الصغيرة على رؤوسهم وتضرب الطبول وتنفخ الأبواق فتطلق المدافع من برج لندرا.

стр. 789

ثم تقدم التوراة للملك وعند ذلك يحمله رؤساء الأساقفة والأساقفة ويضعونه على عرشه ويخضعون له ثم يقوم رئيس الأساقفة ويقبله في خده. ثم ينزع البرنس أوف وايلس تاجه عن رأسه ويركع عند قدمي الملك ويركع سائر الأمراء في اماكنهم بعد أن ينزعوا تيجانهم أيضاً ويلفظون يمين الطاعة فيقول البرنس أوف وايلس صورة العد وهم يرددونها بعده جملة فجملة. ويتم مسح الملكة وتتويجها على نسق ما تقدم. هذا ما جرى في حفلة تتويج الملك جورج الخامس في ٢٢ من الشهر الفائت، وقد طالع القراء في الصحف اليومية ما جرى من الحفلات الشائقة في بلاد الإنكليز ومستعمراتهم الواسعة احتفالاً بتتويج مليكهم. وفي الشهر الذي يلي التتويج يعين الملك كبير بنيه برنساً لواليس أو ولياً للعهد وهو البرنس إدوارد الذي بلغ السابعة عشرة من عمره. أما الملك جورج فهو خامس ملوك إنكلترا بهذا الاسم رقي العرش البريطاني في ٦ مايو من السنة الماضية، وكان مولده في ٣ يونيو سنة ١٨٦٥ وهو ابن الملك إدوارد السابع والملكة ألكسندرة كبرى بنات كريستيان السابع ملك الدانمارك. وهو منذ نعومة أظفاره كثير الميل إلى البحرية وقد انخرط في سلكها وتدرج في رتبها حتى بلغ رتبة أميرال. ولما توفي أخوه الأكبر البرس ده كلارنس أصبح هو ولي العهد سنة ١٨٩١. وفي ٦ يوليو سنة ١٨٩٣ تزوج بالأميرة فكتوريا ماري كبرى أولاد الدوق أوف تك وهو يكبرها بسنتين. وقد أطلقوا عليها منذ صغرها اسم

стр. 790

ماي وهي مشهورة بصلاحها وحبها للخير. وقد زارت مع زوجها أيام كان ولياً للعهد المستعمرات الإنكليزية. ثم قاما بزيارتهما الكبرى للهند سنة ١٩٠٦ فدرسا أخلاق الشعوب العديدة الخاضعة لدولة الإنكليز.

стр. 791

ولهما خمسة أولاد أكبرهم في السابعة عشرة من عمره وأصغرهم في السادسة. هذا ما يسمح المقام بذكره عن ملك الإنكليز الجديد وزوجته. وهو يحكم مئات الملاين من البشر في البلاد المترامية الأطراف. فيمكنه أن يردد قول فيليب الرابع ملك إسبانيا لا تغيب الشمس عن ممالكي ويكاد يقول ما قاله الرشيد: يا سحابة السماء أمطري حيث شئت فإن خراج الأرض التي تمطرين عليها يعود إلي. . . فعسى أن يكون عهد ملكه عهد وئام وسلام فتنتشر روح السلم وتسود فكرة العدل والإنصاف. في جنائن الغرب وصف الشلال وطلوع الشمس قال رسكن يصف شلالاً: قف بي إلى هذا الشلال نراقب قوس الماس المنحدر من علٍ كالسيف الصقيل لا ثلمة فيه ولا وصمة، يتفوق تلك الصخور كقبة من البلور الصافي. وهو سريع السقوط مستمرة فلا تكاد تحسبه متحركاً لولا زبدٌ يلوح لك فيه كالشهب المتناثرة، أو كالجوهر على شفرة الحسام. وتأمل مسقطه من صدر النهر حيث ترى كأن صخراً ناصع البياض طيرته الريح شظايا فانتشر في الجو شعاعاً. بل تأمل زرقة المياه المشوبة ببياض الزبد وسنائه تقل هو الجو الصافي ملأته الشمس ضياءً وبهاء. وإليك كلمة لرسكن أيضاً في الجداول والمجاري الصغيرة: ولله أودية سويسرا بمجاريها الصغيرة وكأني بها قد اختارت منحدرات الجبال مصدراً ومنبعاً، حباً منها

стр. 792

للطفر والقفز من أعالي الصخور إلى أسافلها، تاركةً ماءها على رحمة الهواء يقذف به ذات اليمين وذات اليسار، وينثره بلوراً صافياً تكسبه أنوار الشمس لون النضار. وإذا انتهت إلى المروج الخضراء ضللت ذاتها، ورخمت نغماتها، بين أعشابها ونباتها، وظلت في ظلالها، خيالات لها، إلى أن تنفذ منها مترقرقة متدفقة، كأنها تذكر غايتها إذ تبصر بواديها، فتهب مسرعة إليها. وطلوع الشمس في بعض البلدان أجمل منه في غيرها، وأجمل ما يكون في الأماكن القريبة من خط الاستواء. وقد وصفه أحد الكتاب كما يلي: تأتي الساعة الخامسة من الصباح ولا يزال الظلام مخيماً بسدوله. وعندئذ تفيق بعض العصافير وتبدأ تحرك سكون الليل بتغاريدها وأناشيدها كأنها تبشر بقدوم مليكة النهار قبلما يبدو موكبها الوهاج في أفق الشروق. وما هو إلا القليل حتى تتكاثر الأصوات من كل فج وصوب، وأغلبها من حناجر الأطيار المبكرة، فتأخذ حجب الظلام بالارتفاع شيئاً فشيئاً. ولا يأزف النصف الثاني من الساعة الخامسة حتى يلوح الفجر، وتذر شوارقه، ويتدفق النور فيضاً إلى أن يفعم الأرض والفضاء. وهنالك تبرز الشمس بحلتها الذهبية، وترسل بأشعتها العسجدية إلى مواطن الحياة من الطبيعة تبشرها بعودة الحياة، فتزقزق العصافير، وتتثنى الأزهار، وتخرج النحلة من قفيرها، وتبتهج الفراشة في مطيرها، فتلك ساعة تنتظرها البراعم وأكمام الأزهار وأوراق الأشجار لتكسب فيها زهواً ونشاطاً ورونقاً وجمالاً. ثم أن تلك النسمات العليلة البليلة، تستمد من النور ما تبل به وتنقه من علتها فتمر بك بما يبرئك أنت لو كنت عليلاً. مناظر تخلب الألباب وتفتن الأبصار، يرسمها للصور، ويصفها الشاعر، آيات من الجمال بينات. (من كتاب مسرات الحياة الذي عربه الأديب وديع أفندي البستاني وباشرت طبعه مطبعة المعارف).

стр. 793

نظرة إشراف عام على ديار نجد وكان أول أهل نجد ورؤسائهم: آل علي ثم انتقلت إلى طلاق فبندر فمحمد الرشيد فعبد العزيز ثم إلى ابنه متعب ثم إلى خال متعب سلطان ثم إلى سعود أخي سلطان ثم إلى سعود بن عبد العزيز خي متعب. ولهؤلاء في ذلك قصة تاريخية عجيبة طويلة لا يسع المقام ذكرها. ولما دالت إمارة آل السعود وافق آخرها نمو إمارة محمد الرشيد فانتقلت أكثر الكتب إلى حائل. وأنت تعلم أن لا صناعة ولا تجارة لأهل حائل إلا الغزو لا غير. ومع ذلك فتراهم قد سبقوا غيرهم في العلوم العصرية وذلك لاختلاف كبرائهم إلى الأستانة ومصر والحجاز أيام السلطان عبد الحميد المخلوع فأصبح البعض منهم يعرف اللسان التركي والفارسي. وترى في بلادهم اليوم الكتب العربية القديمة النادرة الثمينة التي لا ترى لها وجوداً في سائر البلاد العربية وأغلبها غير مطبوع. وتؤانس جماعة منهم تطالع الصحف السيارة والمجلات الموقوتة. وأهل هذه الديار متنورون أكثر من غيرهم من أهل تلك الأقطار في العلوم العصرية وأوسع اطلاعاً في الأمور السياسية. ولهم ميل شديد إلى الحكومة العثمانية، وهذا الميل أشد ظهوراً فيهم ممن سواهم. لكن الحكومة لا تزال في ريب من أمر العرب وإحجام عنهم. وعلى ما أرى: إنها تود أن تكون في

стр. 794

غنى عن نصرتهم. ولعلها تخاف من أنهم إذا تمدنوا قلبوا لها ظهر المجن وعادوا إلى مجدهم السابق. وهذا كله من التخيلات السياسية ومن الأوهام التي لم تدر في خلد العرب. ولما أتيت بغداد ورأيت الحالة الحاضرة أبديت ما أوجبته علي الوطنية العثمانية والعربية للطرفين المتقابلين المتصلين بجامعة الدين وشرحت ذلك بسلسلة مقالات بسطتها في جريدتي الرياض وبينت للعرب ما ينجم من الفوائد الجمة إذا انضموا إلى أبناء آل عثمان وصاروا يداً واحدة على الأعداء. ولقد أثر كلامي هذا في أبناء وطني تأثيراً عظيماً كان ذا نتيجة تذكر لكن ذهب هذا كله أدراج الرياح لما رأوا أن الدولة العثمانية لا تعيرهم أذناً مصغية ولا أحلاماً واعية. فلعل الزمان يحسن النيات في أبناء عثمان فيجني هؤلاء في بضع سنين ما لم يجنوه بحذرهم مدة سنوات متطاولة. هذا فضلاً عما شرحت للحكومة مما يجب أن تتخذه من الاحتياطات اللازمة لمنع دخول الأسلحة إلى بلاد العرب. وذكرت لها الوسائط الحسنى للبلوغ إلى تمدن صادق وأرسلته إلى أحد مبعوثي العراق. وبعد أن قرئ في المجلس حول إلى النظارة. ولا أدري بعد هذا ما جرى بع. ولعله ضاع أو احترق مع جملة الأوراق التي ذهبت في إحدى حرائق الأستانة في هذه الأيام الأخيرة. أما ميلهم إلى العلوم الأدبية كالشعر والنحو وعلوم الآلة والسياسة والاجتماع فمما تظهر منافعه عن قريب إذا ما تحسنت الأحوال وتوفرت وسائط النقل والانتقال بعد أمد غير بعيد بمنه تعالى وكرمه.

стр. 795

٣ - القصيم - البحث في علوم وآداب أهالي القصيم يتناول البلدتين المذكورتين اللتين تتقوم منهما فأهل هذه البلاد ليسوا كأهل الديار الأخرى. فلقد دخلوا بتجارتهم البلاد الكثرة من الأصقاع المتمدنة كالهند ومصر والشام ولندن ومدن أمريكا. وتجد بعضهم قد توطن تلك الربوع كما احتل بلاد العراق كبيرها وصغيرها. ولقد تقدموا في التجارة أحسن من غيرهم بكثيرة. وكذلك قل في العلوم على مختلف أنواعها وتشعب أفنانها. كل ذلك في البلاد المختلفة المذكورة كما في ديار قطرهم الواسع. فإنك لا تسير إلى بلدٍ إلا وتجد فيه منهم نفراً يتعاطى الأمور التجارية غير مغفل العلوم المعروفة في تلك البلدة. ولهذا إذا تيسر لك فدخلت بلادهم ترى فيهم هذا يكلمك بالتركية، وذاك يطارحك الكلام بالفارسية، وتسمع واحداً يذاكرك بالهندية، ويقبل إليك آخر بالإيطالية، ويقترب منك صديق محب يخاطبك بالفرنسوية إلى غير هذه اللغات من أردوية وتامولية وإنكليزية. أما التاريخ فهم يعتنون به أشد الاعتناء. وكذلك يزاولون علوم الاجتماع والسياسة مزاولة تفوق معالجة سواهم لها. وهنا نختصر القول زائدين على ما تقدم ذكره عن الإمارتين الأوليين بخصوص العلوم والمعارف انه لا يوجد في تلك الربوع مدارس أو مكاتب على ما نشاهده في البلاد الأخرى المتمدنة من ابتدائية ورشدية وكلية وجامعة. أما مدارسهم فهي مدارس خاصة بهم تشمل جميع المطالب وتجمع في ردهاتها كل طالب على السواء. فالتلميذ يأخذ أي كتاب كان أو أي كتاب أراد قراءته ثم يحضر

стр. 796

المدرسة ويقرأه على المعلم الموجود فيها بدون أن ينتظم في سلك حلقة لتلقي العلم معاً من الأستاذ في وقت محدود كما هو الأمر الجاري في المكاتب العصرية المنتظمة. وبيوت أكثرهم ليست إلا مدارس وأندية علم، إذ ترى فيهم من ينضم إلى رفيق ثانٍ له او إلى ثالث أو أكثر حسبما يتفقون عليه فيجتمعون في بيت واحد منهم. أو أنهم يجتمعون في كل يوم في بيت غير البيت الأول بل في بيت الرفيق على التوالي فيتدارسون في الكتب التي وقعت بأيديهم وهكذا يفعلون حتى النهاية على ما كان جارياً في سالف الزمن في أنديتهم ومجالسهم ومجتمعاتهم. ٦ - أخلاق أهلها - أخلاقهم وهي أخلاق العرب الأقدمين العزيزي النفس المتوقدي الذهن الأذكياء الأباة أخلاق لم تغيرها الحوادث والزمان فهم اليوم أهل كرم وشجاعة ووفاء وسماحة وحماسة وسيرتهم توافق قوانينهم وتنطبق عليها أتم الانطباق ولا تحيد عن الكتاب والسنة فهم يجلونها أعظم الإجلال ولا يتعبرون سواهما. نعم يوجد بين القبائل من يجري على قوانين وسنن وشرائع راجعة إليهم وخاصة بهم يقومون لها ويقعدون لكن إذا جاؤوا المدن رجعوا إلى الشرع الشريف في أمورهم وشؤونهم الاجتماعية. هذا فضلاً عن أن لهذه السنن من المزايا والمحاسن ما تفيد كل الإفادة تلك الأقوام في هاتيك الربوع ولولا ضيق المقام لأتينا على ذكر بعض منها إظهاراً لمنافعها ولما أودعتها من الحكمة البعيدة المرمى والمبنى والمعنى.

стр. 797

٧ - تجارتهم - التجارة التي يتعاطاها أهل تلك الأرجاء هي الخيل والإبل وكلاهما من أحسن ما وجد من جنسيهما في الدنيا كلها جمعاء. ولعلنا نعقد يوماً فصلاً نذكر فيه ما يجب الوقوف عليه ف هذا البحث. والتمر وأنواعه كثيرة وأسماؤه في تلك الأسماء القديمة لم تتغير وهذا يفيدنا في تصحيح بعض الألفاظ الواردة في هذا المعنى. والسمن واسمه عندهم الدهن كما يسميه العراقيون. والصوف والوبر، ويذهبون بكل صنف من هذه الأصناف إلى حيث يكون رواجه. فيذهب بالخيل مثلاً إلى بلاد الهند. وأغلب أصائل هذه الأنجاء من نجد. وينقلون الإبل إلى مصر والشام. ويحملون التمر إلى الحجاز. ويبيعون الدهن أو السمن في البصرة والكويت والحجاز حسب الوقت الذي يوافق نقله أو يصادف تصريفه وإنفاقه في موطن دون الموطن الآخر الذي رخص فيه. وهذا هو سر أسفارهم المترامية وتغربهم عن أقطارهم العزيزة. ولهم في ذلك من الصبر والجلد ما لا تراه في أقوام آخرين. فإنك ترى الواحد منهم يقيم نائياً على مسقط رأسه ثلاثين حولاً مثلاً ولا يتأفف من حالته البتة. وهم أهل سعي وكد وجد لا تعيقهم الأخطار الشديدة ولا الأهوال الهائلة عن الوصول إلى ما به منفعتهم. أفبعد هذا تتعجب من كون كثيرين منهم وصلوا إلى لندن وأمريكا والديار النائية. فلقد يقضي واحدهم الأيام الطوال والأعوام الكثار بدون أن يلتفت إلى وطنه. ٨ - زراعتهم - اغلب زراعتهم متوقفة على الحنطة والشعير والذرة (الأذرة أو الأدرة) والسمسم والدخن ويزرعون كل هذه الحبوب بقدر

стр. 798

حاجتهم إليها. وإذا حبست السماء ماءها عنهم اضطروا إلى جلب ما يحتاجون إليه من البلاد الأخرى كالكويت والبصرة والسماوة وغيرها. ولقد كانت الزراعة تتقدم عندهم تقدماً عظيماً لولا أمران أحدهما جور الحكام، والثاني قلة المياه. ولقد حاولوا مراراً استنباط المياه بالآلات المختلفة أو حفر الآبار الارتوازية فلم يتيسر لهم ذلك لصعوبة الطرق ووعورتها بحيث لا تستطيع العجلات السير فيها. وأما إذا قلت: فهناك جمال تضطلع بحملها. قلنا: تضطلع بحمل بعضها لا بكلها لأنه يوجد آلات ثقيلة غاية الثقل لا يحملها البعير الواحد بل ولا البعيران أو الثلاثة ومن ثم أصبح نقلها من البعيد التحقيق. ولولا ذلك لأصبحوا في غنى عن الديار الأخرى في كل أين وآن. بل لزادت حاصلاتهم على نفقتهم ولربحوا من التجارة بما فضل عندهم أموالاً طائلة تأتيهم من البلاد التي ينفقون اليوم فيها أموالهم للحصول على ما يحتاجون إليه. ٩ - الصناعة عندهم - ليس لهم من الصنائع إلا ما لغيرهم من مجاوريهم أهل الكويت والبصرى كالنجارة والحدادة والسكافة والخياطة وما ضاهى هذه المهن. ومهارتهم في صناعة الأسلحة غريبة فإنهم وإن كانوا أخلاء من جميع الوسائل الميسرة لهذه الغاية فإنك تراهم يصلحون ما يقع من أنواع الخلل ببنادق ماوزر ومرتيني. واغرب من هذا أنهم يفرغون المدافع إفراغاً محكماً ويحسنون التصرف بالمدافع الجديدة الطراز حتى أنك تخالهم أنهم تلقوا علم المدافع عن أصحابه المهرة. وإذا وقع في هذه الآلات خلل أصلحوه على أقوم وجه. ومع كل هذه البراعة والتفنن لا تشاهد

стр. 799

في أيديهم أدوات تامة العدد كما ترى في البلاد الراقية في المدنية. وعندي انه لو وجد في حوزتهم آلات تساعدهم على تحقيق أمنيتهم لبرزوا في الصناعات على من سواهم ولأتوا بكل عجاب. وأوقفك الآن على اغرب من هذا كله: إنهم يتحررون المباحث العلمية الدقيقة ويتتبعون الاكتشافات الحديثة كالكهرباء والسلك الجوي وبعض الآلات البرقية وما ضاهى هذه الموضوعات الجديدة. وأعهد واحداً في القصيم يضيء محله بالنور الكهربائي الذي هو من صنع يديه وقد ركب الأجزاء التي يتولد منه بإعمال فكرته. وإذا كانوا لا يحققون دائماً ما يعقدون النية عليه فهو لأنهم في شغل شاغل عنه بما يقومون به من أمر المعيشة وتطلبها في الأقطار النائية. ١٠ - ديانتهم - بقي علينا إيراد أمر الديانة ولاعتقاد عندهم. فقد أسلفت وقلت إنهم يعتمدون على الكتاب (القرآن) والسنة (وهي الصحيح عن رسوم الله ﷺ ) ولدي بحث جليل في هذا الموضوع وهو لا يخلو من فائدة لمن يريد تتبع الحقائق على وجهها الصادق الصحيح واستقراء ثوابت الأمور. ولعلي أعود إلى هذا المجال في فرصة أخرى. ١١ - هواء البلاد - لا تكاد تلفظ كلمة نجد إلا وتتصور هذه البلاد تحت عينيك ويهب عليك نسيمها ويتلاعب أمامك هواؤها الطيب الجاف لأن معنى نجد ما أشرف من الأرض وارتفع واستوى وصلب وغلظ. . . ولا يكون النجد إلا قفاً أو صلابة من الأرض في ارتفاع مثل

стр. 800

الجبل معترضاً بين يديك يرد طرفك عما وراءه. . . (عن التاج) - والهواء في منتهى الحرارة وقد تبلغ في الظل في بعض المواطن ٥٢ درجة بالميزان المئوي. وعند الصباح يهب نسيم طيب لذيذ في الصيف وإذا تكبدت الشمس السماء انقطع الهواء في شهر تموز وآب وأيلول حتى يكاد الإنسان يموت اختناقاً إلا أنه لجفافه لا يؤثر كثيراً في الصحة. ويضطر من يسكن تلك الديار إلى اتخاذ المآكل الخفيفة الهضم والانقطاع عن المسكرات والامتناع عن الأطعمة المطبوخة باللحوم الثقيلة. ١٢ - تأثير الهواء في السكان - أعلم أن اغلب الأمراض تتولد هناك من الكبد لشدة الحر. ومن مؤثرات الحر على أهل البلاد أن أغلبهم ضعاف نحاف سمر الألوان طوال القامة إلا أنهم أقوياء يحتملون الجوع والعطش والحر إلى درجة لا تكاد تراها في سواهم. وهم عصبيو البنية ذوو عزم شديد ومضاء بعيد إذا قصدوا شيئاً لا يرجعون عنه ولو كلفهم كرب الموت وإراقة الدماء وهم من بين جميع العرب سريعو تلقن العلوم والمعارف بل هم يتلقفونها تلقفاً لسرعة تناولهم إياها. وكذا قل عن الصنائع والفنون على اختلاف أنواعها وضروبها. ١٣ - عدد السكان - ليس في بلد من بلاد العرب من يحصي عدد الأنفس. هذا فضلاً عن أن هذا العمل يعد عندهم مشؤوماً. إلا أن العارفين يقدرون أهل نجد بما ينيف على مليون نسمة. ١٤ - نظرة وداع لبلاد نجد - يتضح لك مما أسلفنا ذكره أن بلاد نجد من أحسن بلاد جزيرة العرب تراباً وهواء. ولهذا قال ياقوت في

стр. 801

معجمه: لم يذكر الشعراء موضعاً أكثر مما ذكروا نجداً وتشوقوا إليها من الأعراب المتضمرة. من ذلك قول أعرابي: حنيناً إلى أرض كأن ترابها ... إذا أمطرت عود ومسك وعنبر بلاد كأن الأقحوان بروضه ... ونور الأقاحي وَشْيُ بُرْدٍ مُحَبَّرُ أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيام بنجد دونها الطرف يقصر وما نظري من نحو نجد بنافع ... أجل لا ولكني إلى ذاك أنظر أقي كل يوم نظرة ثم عبرة ... لعينيك مجرى ماؤها يتحدر متى يستريح القلب أما مجاوزٌ ... بحرب وأما نازح يتذكر وقال أعرابي آخر: فيا حبذا نجد وطيب ترابه ... إذا هضبته بالعشي هواضبه وريح صبا نجد إذا ما تنسمت ... ضحى أو سرت جنح الظلام جنائبه بأجرع ممراع كأن رياحه ... سحاب من الكافور والمسك شائبه وأشهد لا أنساه ما عشت ساعة ... وما انجاب ليل عن نهارٍ يعاقبه ولا زال هذا القلب مسكن لوعة ... بذكراه حتى يترك الماء شاربه (بغداد) ساتسنا الإسباذ والكهونية - كتب إلينا مراسلنا البغدادي يقول: جاء في مقدمة الأستاذ الشرتوني (الزهور ص ٦٢) تحمله (تابوت العهد) الإسباذ والكهونية والصحيح تحمله الأصيار أو الأسيار وهي جمع صِيْر أو سِير وهو أسقف اليهود أو حاخامهم الكبير. والكهونية صحيحها الكوهنية وهو جمع كوهن وهو الكاهن بلسان اليهود وقد ذكر هذه الرواية ابن خلدون فيم واضع كثيرة وهو لا يستعمل لفظة كاهن العربية. وبنو خمسان (ص ٦٣) صحيحها بنو حشمناي.

стр. 802

رسائل غرام بين نساء شهيرات ورجال عظام الرسالة الثانية من الأميرة أميليا إلى الجنرال فتزروي أرقت البارحة كثيراً فلم تغمض لي عين ولا استقر بي السرير. حاولت كثيراً أن أطبق أجفاني فكانت رسالتك الأخيرة تزيد في شجوني وتبعد عني النعاس. ولو أنك علمت ما سيكون من تأثيرها في ما خططت منها حرفاً واحداً. ليتك اليوم قريب مني. . . ليتك إلى جانبي فكنت ترى ما أبقاه لي حبك من حشاشة ذائبة وكبدٍ لا تلبث أن يقضي عليها اليأس. فإن كان فؤادك قد دبَّ إليه شيء من الفتور فلماذا تجعلني أعلل نفسي بأحلام

стр. 803

ذهبية ولماذا تخادعني بغرام أشبه بسحابة صيف تلوح قليلاً ثم تنقشع؟ ألم أفتح لك قلبي وأفرغ لك ما فيه من حب وآمال؟ فلماذا تحاول أن تستر عني مكنونات فؤادك وتسدل عليها حجاباً يحول بيني وبينك؟ أراني معذبة من أجلك يا شارل. فإن كان هذا العذاب جزاء حبي لك فانعم به من جزاء. إنني أستعذب كل عذاب من أجلك إلا فراقك. فإن كان قد قضي به علي فما أشقى القلب الرازح تحت ثقل الحب. . . ليس لي اليوم إلا تعزية واحدة هي التمتع بذكر ما فات. فأنا أنفق ساعات الفراغ في مراجعة رسائلك الماضية حتى لقد كاد بعضها يفنى من كثرة تلاوتي لها. ذلك لأن قلبي عطشان. . . عطشان إليك أيها المستريح من عناء الحب. . .! أتمثلك وق حجبت وجهك عني. أتصورك وقد طويت كشحك وسددت أذنيك فلم تعد تسمع نبضات هذا القلب ولا تبصر ما ألم به من النحول. أليس حراماً عليك أن تعتقل برباط الحب فؤاداً خلياً ثم تدير عنه وجهك وتقول ﵇؟ سامحك الله يا من لا أزال أذكره وأحبه!. أمامي صورتك التي أهديتها إلي. كلما نظرت إليها ثارت عواطفي في داخلي وفاضت نفسي إليك. عوّدتني أن ألقي بنفسي بين ذراعيك ففي أحضان من ألقي بها بعد اليوم؟ ليت الأبدية تتثاءب وتفتح فاها فكنت أثب إلى أحشائها وأتخلص من حياة كلها تعاسة وشقاء. حقاً ما أتفه الكائنات وأشد فراغها لولا الحب. لولاه لكانت ساعات الأبدية طويلة مملكة. أليس الحب تحية الملائكة لسكان السماء؟

стр. 804

أليست العين تستنير بأشعة الشمس والقلب يستنير بأشعة الحب ومصدر كليهما ابتسامة الآلهة؟ فإن كان يحتم على الإنسان عبادة الآلهة فلأنها مصدر الحب. في كلا الحب والعبادة تركع النفس أمام معبودٍ لا تدركه ولا تلم به. في كليهما تناجي النفس النفس وتهمس الروح إلى الروح وفي كليهما يكون السكون أبلغ من النطق. . .! لدي أخبار كثيرة كنت أود أن أكتب إليك عنها لولا أن قلبي رازح تحت عبء من الهموم. وما الذي يهمك اليوم من أخباري بعد أن طويت صفحة الماضي وتناسيت ما كان بيننا من عهود ووعود. أيكون حب الرجال أقصر من أيام البنفسج؟ أبمثل هذه السرعة تنطفئ تلك الشعلة الروحانية وتترك القلب في ظلام دامس؟ نزلت اليوم صباحاً إلى الحديقة فجلست تحت الشجرة التي تفيأناها معاً لآخر مرة. حدقت في الحجرة التي كنت جالساً عليها فثارت في عواطفي وأسرعت نبضات قلبي إذ تذكرت تلك الساعة السعيدة. هل تذكر أن الفصل كان ربيعاً والنسيم عليلاً وكل ما في الطبيعة يضحك ويبتسم؟ فما أعبد الفرق بين ذلك الربيع وهذا الخريف. وما أشد وطأة الخريف على القلب المنكسر. إنه يذكرني بخريف الحياة عندما تذبل زهرة الحب ويهدأ خفوق القلب وينقطع نشيد الملائكة - نشيد الحب الذي تهمس به الروح إلى الروح. لماذا أنت حزين منكسر القلب يا شارل؟ إن كان لأحدنا أن يحزن فلي أنا الحق الأسبق بذلك. وأما أنت فمم تشكو وما الذي يحزنك في

стр. 805

هذه الحياة؟ ألم يمنحك الله شباباً وجمالاً وعقلاً وكل ما يتمناه الإنسان في هذا العالم؟ أليس مجال المجد متسعاً أمامك وقلب كل امرأة فدية لك؟ فافرح إذاً لأن الحياة أقصر من أيام البنفسج. افرح لأن عبوستك تزيد في دجى هذا العالم وظلماته. افرح لأن أشعة الابتسام تبدد غيوم الحزن. افرح لأن العزاء الوحيد الباقي لي بعدك هو أن أراك سعيداً في هذه الحياة. سلام عليك من حشاشة ذائبة. سلام عليك من كبد مقروحة. سلام عليك من مقلة دامية. ربما كانت هذه آخر رسائلي إليك فقد أشار علي الأطباء بالابتعاد عن هذه المشاهد التي كيفما التفت تذكرني بك وبأيامنا الماضية. أما أنا فمقيمة على حبك. ثابتة في ولائك. مقسمة أن لا أنساك. . . سليم عبد الأحد التعليم الإجباري في مصر يسر الزهور أن يكون في عداد محرريها فئة من السيدات والأوانس تساعد في حملة الأقلام على نشر لواء النهضة الأدبية. وإلى هذه الفئة نضيف اليوم اسم حضرة الكاتبة الفاضلة كريمة سعادة اسكندر بك عمون المحامي الشهير صاحبة اليد الطولى في عالم الأدب كما سيرى القراء ذلك من الرسائل التي وعدتنا بنشرها في الزهور. وقد علمنا أن هذه الكاتبة الأديبة تشتغل بوضع في المرأة وواجباتها سنعود إليه في فرصة أخرى. وهذه الآن طليعة تلك الرسائل:

стр. 806

جعل أفاضل القطر المصري منذ سنوات عديدة أمر التعليم الإجباري حديث النفس في خلواتهم وموضوع البحث في مجالسهم علماً منهم بأن الترقي الصحيح لا يكون إلا إذا نال كل فرد من أفراد الأمة حظه من العلم فالحمد لله الذي أوحى إليهم بهذه النهضة العلمية المبشرة بانبلاج فجر النجاح والوئام. مصر بحاجة شديدة إلى ما يربط أبناء العناصر والأديان المختلفة فيها برباط متين، ويشغل همم أفرادها وأفكارها عما لا طائل تحته بما يفيدها ويرفه شأنها. فما هو هذا الشاغل وما هو ذلك الرباط المتين؟ هو العلم الذي يقيد أفراد الأمة بقيود الإخاء الأدبي ووحدة الطلب، ويحبب إليهم العدل ورعاية القوانين فيكفون عن المنازعات التي لا تجدي نفعاً، ويصبحون أهلاً للتمتع بالجلاء الذي طالما تاقوا إليه. وهو أيضاً الشاغل الذي يحبب إلى ذويه المال والتقدم فيطرحون عنهم الكسل ويسعون بجد مستزيدين من الثروة ما استطاعوا، آخذين عن الأمم الراقية كل ما من شأنه تحسين صنائعهم وزراعتهم فتزداد الأمة بأسرها بسطةً في عيشها ومنعة في كيانها. ومن اول نتائج تعميم التعليم أنه ينقص الجنايات نقصاً عظيماً على حد قول جول سيمون لا تفرغ السجون إلا إذا امتلأت المدارس ولا تمتلئ المدارس إلا إذا صار التعليم إجبارياً. والإحصاءات تؤيد ما نقول وتدل على أن متوسط عدد المجرمين ينقص بنسبة زيادة عدد المتعلمين. ففي إنكلترا مثلاً بلغ عدد تلاميذ المدارس الابتدائية ٥. ٠٠٠. ٠٠٠

стр. 807

تلميذ بعد أن كان ١. ٤٠٠. ٠٠٠ وذلك من سنة ١٨٧٠ التي صدر فيها دكريتو التعليم الإجباري إلى سنة ١٨٩٤. فكان من نتائج هذه الزيادة نقص السجناء من ٢٠٨٠٠ إلى ١٣٠٠٠ سجين ولو ازداد عدد هؤلاء بنسبة ازدياد عدد الأهالي لبلغ ٢٨. ٠٠٠ بدلاً من ١٣. ٠٠٠ سجين ولأصبحت نفقات السجون ٨. ٠٠٠. ٠٠٠ جنيه بدلاً من ٤. ٠٠٠. ٠٠٠ جنيه. ومن الإحصاءات التالية نرى شدة تأثير التعليم الإجباري في إنجلترا وويلس من سنة ١٨٧٠ إلى سنة ١٨٩٩. سنةجناياتمتشردونجرائم الأحداثعدد الأهالي١٨٧٠١٩٧٨٩١٠٦٠٢٢١٦٨١٠٠٠١٨٧٤١٦٢٢النقص كان تدريجياً٢٣٠٨٨٠٠٠١٨٧٩١٥٣٣٧٠٠٠٢٤٧٠٠٠٠٠١٨٨٤١٤٢٧٦٠٠٠٢٦٣١٣٢٥١١٨٨٩٠٩٤٥٢٧٨٣٠١٧٩١٨٩٢٩١٥١٠٠٢٩٠٥٥٥٥٠١٨٩٩٧٧٠٦٨٣٣٤٢٣١٠٦١٠٠٠ والحكومة الإنكليزية تخصص من مجموع الضرائب ٨ ملايين جنيه سنوياً لتنفق على الفقراء فلو ازداد عدد الفقراء بنسبة ازدياد عدد الأهالي لاضطرت إلى مضاعفة ذلك المبلغ أي إلى إنفاق ١٦ مليون جنيه. إن هذه النتائج تصدق على كل بلاد يكون فيها التعليم إجبارياً فلذلك نرى أعيان مصر يتوقون إليه وحكومتنا الحريصة على ترقي الأمة

стр. 808

راغبة فيه. فما هي إذاً الموانع التي صدتها عن نشره حتى الآن؟ هما اثنان. أولاص عدم وجود المال اللازم للقيام بنفقاته وثانياً احتياج الفلاح المصري إلى مساعدة اولاده له في زراعته. أما الأجوبة على الاعتراض الأول فهي أولاً أنه لا يتعين على مدارس التعليم الإجباري أن تتعدى حد الكتاتيب الصغرى ولا أن تعلم علوماً عالية. وإنما يكون التعليم الإجباري مقصوراً فيها على القراءة والكتابة ومبادئ الحساب وجغرافية مصر والقرآن الشريف. ولا ريب أن الفقهاء الذين يصلحون لتعليم هذه المبادئ كثيرون في البلاد المصرية، والرواتب التي يقنعون بها طفيفة جداً فلا تثقل كاهل الحكومة ولا تؤثر في ميزانيتها تأثيراً يذكر. ولقد فرضت الحكومة زيادة خمسة في المئة على أموال الأطيان الأميرية لتضاف إلى نفقات التعليم. فلو أبلغت هذه الزيادة إلى عشرة في المئة لقابلها أفاضل المصريين بارتياح كلي متى علموا أنها لازمة للتعليم الإجباري وأنها ستنفق كلها عليه. وفوق ذلك نعلم كلنا أن إيرادات الحكومة المصرية تفوق كل سنة نفقاتها بنحو ٥٠٠. ٠٠٠ جنيه فلماذا لا ينفق جزء من هذه الزيادة في سبيل التعليم الإجباري؟ ألا تفضل الحكومة أن تقول لنا عند نهاية كل عام أن زيادة إيراداتها عن نفقاتها كانت ١٠٠. ٠٠٠ جنيه فقط ولكنها تنفق عن سعة في سبيل تعليم الشعب من أن تقول أن المتوفر نصف مليون جنيه ولكنها قابضة يدها عن بذل المال اللازم لنشر التعليم وتاركةً القوم يتمرغون في أوحال الجهل؟

стр. 809

أما الجواب عن الاعتراض الثاني فهو أن أشد احتياج الفلاح لمساعدة أولاده له إنما يكون في زمن زرع القطن وخله وجمعه. وكل ذلك الزمن لا تزيد مدته عن الثلاثة الأشهر فما على الحكومة إلا أن تجعل تلك الأيام أيام الإجازات المدرسية فيربح فيها التلميذ عقله من عناء الدروس، ويروض عضلاته بالأشغال الزراعية. على أنه إذا كان لابد للفلاح من يد تعينه على عمله متى كان أولاده بعيدين عنه في المدارس فإن له من أيدي بناته تلك المعونة المطلوبة، إلى أن تسمح الأحوال بأن يشمل التعليم الإجباري صبيان مصر وبناتها. هند إسكندر عمون في رياض الشعر أمين بك ناصر الدين رئيس تحرير جريدة الصفاء اللبنانية شاعر مجيد وكاتب بليغ. شهير في سورية ومجهول في مصر فالزهور تفتخر بأن تضمه إلى عداد أنصارها الذين يتكاثرون يوماً فيوماً، وسيزداد القراء معرفة بأدبه الزاهر مما سنتابع نشره من شعره الرائق مشفوعاً برسمه ونبذة من ترجمة حياته وهو لا يزال في ربيعها: الحي يخاطب الجماد أو شاعر يناجي صورة أراك يا رسم لا تنفك مبتسماً ... أذاك شانك أم ذوق الذي رسما تستقبل الصبح جذلاناً بلا سبب ... ولا يسموك أن تستقبل الظلما سيان عندك يوم كله طرب ... وآخر بسمات الهم قد وسما ولا يروعك سيف الموت منصلتاً ... والخطب مندفعاً والدهر منقما

стр. 810

كفاك يا رسم فخراً أن مثلك لم ... ينقل لحاجته فوق الثرة قدما كفاك عزة نفس أن تدوم ولا ... تأتيك منة إنسان قد احتكما لا ينطوي لك قلب ما بقيت على ... حقد ولا يتعدى طبعك الكرما وأنت خير نديم للذين رأوا ... تجنب الناس أمراً يدفع السأما ترعى لراسمك العهد المتين ولا ... أرى من الناس إلا مخفراً ذمما والحي يسقم أحياناً وأنت على ... أتم عافية لا تعرف السقما ويدرك الهرم الإنسان بعد مدى ... وأنت غض شباب آمن هرما وتهزم الناس أرزاء تروعهم ... في حين يرجع عنك الرزء منهزما أراك تفصح عما فيك من طرب ... وأن عدمت لسناً ناطقاً وفما سلمت يا رسم من هم ومن كدر ... وما على الأرض حي منهما سلما يا ساهراً لم يذق ليلاً غرار كرى ... وراقداً لم يؤرق منذ ما رسما تضاحك الشمس منك الوجه مشرقة ... ويلثم البدر ثغراً منك قد بسما لك الطبيعة صفو العيش قد قسمت ... وضده وجزيل اليأس لي قسما كن موضعي ولا كن رسما فذلك لي ... خير وخذ فكرتي والطرس والقلما أمين ناصر الدين الحب المكتوم كان لأبيان فليكس أرفر الني نشرنا تعريبها في جنائن الغرب (ج ٣ ص ١٣٩) أحسن وقع في نفوس الأدباء لما فيها من رقة الشعور. ولقد تبارى الكثيرون من شعرائنا في سبكها في شعر عربي، غير أنهم لم يراعوا الأمانة في تأدية معاني الشاعر الإفرنجي. وكان أكثر ما نظم انطباقاً على الأصل ما جاءنا من حضرة الشاعر المجيد صاحب التوقيع، قال:
следующие страницы →