Полный текст (2 201 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
جعل أفاضل القطر المصري منذ سنوات عديدة أمر التعليم الإجباري حديث النفس في خلواتهم وموضوع البحث في مجالسهم علماً منهم بأن الترقي الصحيح لا يكون إلا إذا نال كل فرد من أفراد الأمة حظه من العلم فالحمد لله الذي أوحى إليهم بهذه النهضة العلمية المبشرة بانبلاج فجر النجاح والوئام.
مصر بحاجة شديدة إلى ما يربط أبناء العناصر والأديان المختلفة فيها برباط متين، ويشغل همم أفرادها وأفكارها عما لا طائل تحته بما يفيدها ويرفه شأنها. فما هو هذا الشاغل وما هو ذلك الرباط المتين؟
هو العلم الذي يقيد أفراد الأمة بقيود الإخاء الأدبي ووحدة الطلب، ويحبب إليهم العدل ورعاية القوانين فيكفون عن المنازعات التي لا تجدي نفعاً، ويصبحون أهلاً للتمتع بالجلاء الذي طالما تاقوا إليه. وهو أيضاً الشاغل الذي يحبب إلى ذويه المال والتقدم فيطرحون عنهم الكسل ويسعون بجد مستزيدين من الثروة ما استطاعوا، آخذين عن الأمم الراقية كل ما من شأنه تحسين صنائعهم وزراعتهم فتزداد الأمة بأسرها بسطةً في عيشها ومنعة في كيانها.
ومن اول نتائج تعميم التعليم أنه ينقص الجنايات نقصاً عظيماً على حد قول جول سيمون لا تفرغ السجون إلا إذا امتلأت المدارس ولا تمتلئ المدارس إلا إذا صار التعليم إجبارياً. والإحصاءات تؤيد ما نقول وتدل على أن متوسط عدد المجرمين ينقص بنسبة زيادة عدد المتعلمين. ففي إنكلترا مثلاً بلغ عدد تلاميذ المدارس الابتدائية ٥. ٠٠٠. ٠٠٠
стр. 807
تلميذ بعد
أن كان ١. ٤٠٠. ٠٠٠ وذلك من سنة ١٨٧٠ التي صدر فيها دكريتو التعليم الإجباري إلى سنة ١٨٩٤. فكان من نتائج هذه الزيادة نقص السجناء من ٢٠٨٠٠ إلى ١٣٠٠٠ سجين ولو ازداد عدد هؤلاء بنسبة ازدياد عدد الأهالي لبلغ ٢٨. ٠٠٠ بدلاً من ١٣. ٠٠٠ سجين ولأصبحت نفقات السجون ٨. ٠٠٠. ٠٠٠ جنيه بدلاً من ٤. ٠٠٠. ٠٠٠ جنيه. ومن الإحصاءات التالية نرى شدة تأثير التعليم الإجباري في إنجلترا وويلس من سنة ١٨٧٠ إلى سنة ١٨٩٩.
سنةجناياتمتشردونجرائم الأحداثعدد الأهالي١٨٧٠١٩٧٨٩١٠٦٠٢٢١٦٨١٠٠٠١٨٧٤١٦٢٢النقص كان تدريجياً٢٣٠٨٨٠٠٠١٨٧٩١٥٣٣٧٠٠٠٢٤٧٠٠٠٠٠١٨٨٤١٤٢٧٦٠٠٠٢٦٣١٣٢٥١١٨٨٩٠٩٤٥٢٧٨٣٠١٧٩١٨٩٢٩١٥١٠٠٢٩٠٥٥٥٥٠١٨٩٩٧٧٠٦٨٣٣٤٢٣١٠٦١٠٠٠ والحكومة الإنكليزية تخصص من مجموع الضرائب ٨ ملايين جنيه سنوياً لتنفق على الفقراء فلو ازداد عدد الفقراء بنسبة ازدياد عدد الأهالي لاضطرت إلى مضاعفة ذلك المبلغ أي إلى إنفاق ١٦ مليون جنيه.
إن هذه النتائج تصدق على كل بلاد يكون فيها التعليم إجبارياً فلذلك نرى أعيان مصر يتوقون إليه وحكومتنا الحريصة على ترقي الأمة
стр. 808
راغبة فيه. فما هي إذاً الموانع التي صدتها عن نشره حتى الآن؟
هما اثنان. أولاص عدم وجود المال اللازم للقيام بنفقاته وثانياً احتياج الفلاح المصري إلى مساعدة اولاده له في زراعته.
أما الأجوبة على الاعتراض الأول فهي أولاً أنه لا يتعين على مدارس التعليم الإجباري أن تتعدى حد الكتاتيب الصغرى ولا أن تعلم علوماً عالية. وإنما يكون التعليم الإجباري مقصوراً فيها على القراءة والكتابة ومبادئ الحساب وجغرافية مصر والقرآن الشريف. ولا ريب أن الفقهاء الذين يصلحون لتعليم هذه المبادئ كثيرون في البلاد المصرية، والرواتب التي يقنعون بها طفيفة جداً فلا تثقل كاهل الحكومة ولا تؤثر في ميزانيتها تأثيراً يذكر.
ولقد فرضت الحكومة زيادة خمسة في المئة على أموال الأطيان الأميرية لتضاف إلى نفقات التعليم. فلو أبلغت هذه الزيادة إلى عشرة في المئة لقابلها أفاضل المصريين بارتياح كلي متى علموا أنها لازمة للتعليم الإجباري وأنها ستنفق كلها عليه. وفوق ذلك نعلم كلنا أن
إيرادات الحكومة المصرية تفوق كل سنة نفقاتها بنحو ٥٠٠. ٠٠٠ جنيه فلماذا لا ينفق جزء من هذه الزيادة في سبيل التعليم الإجباري؟ ألا تفضل الحكومة أن تقول لنا عند نهاية كل عام أن زيادة إيراداتها عن نفقاتها كانت ١٠٠. ٠٠٠ جنيه فقط ولكنها تنفق عن سعة في سبيل تعليم الشعب من أن تقول أن المتوفر نصف مليون جنيه ولكنها قابضة يدها عن بذل المال اللازم لنشر التعليم وتاركةً القوم يتمرغون في أوحال الجهل؟
стр. 809
أما الجواب عن الاعتراض الثاني فهو أن أشد احتياج الفلاح لمساعدة أولاده له إنما يكون في زمن زرع القطن وخله وجمعه. وكل ذلك الزمن لا تزيد مدته عن الثلاثة الأشهر فما على الحكومة إلا أن تجعل تلك الأيام أيام الإجازات المدرسية فيربح فيها التلميذ عقله من عناء الدروس، ويروض عضلاته بالأشغال الزراعية. على أنه إذا كان لابد للفلاح من يد تعينه على عمله متى كان أولاده بعيدين عنه في المدارس فإن له من أيدي بناته تلك المعونة المطلوبة، إلى أن تسمح الأحوال بأن يشمل التعليم الإجباري صبيان مصر وبناتها.
هند إسكندر عمون
في رياض الشعر
أمين بك ناصر الدين رئيس تحرير جريدة الصفاء اللبنانية شاعر مجيد وكاتب بليغ. شهير في سورية ومجهول في مصر فالزهور تفتخر بأن تضمه إلى عداد أنصارها الذين يتكاثرون يوماً فيوماً، وسيزداد القراء معرفة بأدبه الزاهر مما سنتابع نشره من شعره الرائق مشفوعاً برسمه ونبذة من ترجمة حياته وهو لا يزال في ربيعها:
الحي يخاطب الجماد
أو شاعر يناجي صورة
أراك يا رسم لا تنفك مبتسماً ... أذاك شانك أم ذوق الذي رسما
تستقبل الصبح جذلاناً بلا سبب ... ولا يسموك أن تستقبل الظلما
سيان عندك يوم كله طرب ... وآخر بسمات الهم قد وسما
ولا يروعك سيف الموت منصلتاً ... والخطب مندفعاً والدهر منقما
стр. 810
كفاك يا رسم فخراً أن مثلك لم ... ينقل لحاجته فوق الثرة قدما
كفاك عزة نفس أن تدوم ولا ... تأتيك منة إنسان قد احتكما
لا ينطوي لك قلب ما بقيت على ... حقد ولا يتعدى طبعك الكرما
وأنت خير نديم للذين رأوا ... تجنب الناس أمراً يدفع السأما
ترعى لراسمك العهد المتين ولا ... أرى من الناس إلا مخفراً ذمما
والحي يسقم أحياناً وأنت على ... أتم عافية لا تعرف السقما
ويدرك الهرم الإنسان بعد مدى ... وأنت غض شباب آمن هرما
وتهزم الناس أرزاء تروعهم ... في حين يرجع عنك الرزء منهزما
أراك تفصح عما فيك من طرب ... وأن عدمت لسناً ناطقاً وفما
سلمت يا رسم من هم ومن كدر ... وما على الأرض حي منهما سلما
يا ساهراً لم يذق ليلاً غرار كرى ... وراقداً لم يؤرق منذ ما رسما
تضاحك الشمس منك الوجه مشرقة ... ويلثم البدر ثغراً منك قد بسما
لك الطبيعة صفو العيش قد قسمت ... وضده وجزيل اليأس لي قسما
كن موضعي ولا كن رسما فذلك لي ... خير وخذ فكرتي والطرس والقلما
أمين ناصر الدين
الحب المكتوم
كان لأبيان فليكس أرفر الني نشرنا تعريبها في جنائن الغرب (ج ٣ ص ١٣٩) أحسن وقع في نفوس الأدباء لما فيها من رقة الشعور. ولقد تبارى الكثيرون من شعرائنا في سبكها في شعر عربي، غير أنهم لم يراعوا الأمانة في تأدية معاني الشاعر الإفرنجي. وكان أكثر ما نظم انطباقاً على الأصل ما جاءنا من حضرة الشاعر المجيد صاحب التوقيع، قال:
стр. 811
يا غراماً في مهجتي أبدياً ... من لحاظ بلحظة دب فيا
حادث في الهوى تكتم حتى ... كاد يخفى في النفس مني عليا
لا دواء للداء مصدره الح ... ب الذي بات عن سواي خفيا
سببته تلك التي ليس تدري ... أنه قد غدا هوى عذريا
ويح قلبي أمر بالقرب منها ... لا أراها ترنو بلحظ إليا
معها دائماً ووحدي دوماً ... دانياً دائماً ودوماً قصيا
سوف أقضي الحياة لم أعط شيئاً ... كيف يعطى من ليس يطلب شيا
وأراها وإن تكن ذات قلب ... وشعور رقا كطبع الحميا
تتخطى الحياة ليست تبالي ... مات مضنى الغرام أو ظل حيا
وحفيف الهوى يرافق منها ... خطوات تخطفت مقلتيا
هكذا وهي في الأمانة ترعى ... لشروط الزواج عهداً وفيا
تقرأ الشعر وهي ملء سطور الش ... عر وصفاً ولطعةً ومحيا
ثم تغدو تساءل النفس عمن ... تركتني في الحب صبا بكيا
* * *
ويح حظي هي التي تيمتني ... بهواها وليس تعلم شيا
رشيد نخلة
مجد العرب
كفاك يا طير شدواً هجت بي طربا ... أما تراني حزين القلب مكتئبا
لو كنت مثلي مقصوص الجناح لما ... شدوت بل كنت تلقى الويل والحربا
لم ينصف الدهر جيدينا فطوقني ... من الحديد وحلّى جيده ذهبا
هب لي جناحيك مأجوراً أطر بهما ... ينفّس الجو عني هذه الكربا
стр. 812
أعرهما لي أطر في الجو مرتفعاً ... حتى أعانق في أبراجها الشهبا
نفسي تتوق إلى العلياء مذ علمت ... أني امرؤ ورثت أخلاقه العربا
إني لأعجب ممن يستخف بنا ... أن لا يرى خطة استخفافه عجبا
سلوا القرون الخوالي عن مفاخرنا ... سلوا الرماح سلوا الهندية القضبا
سلوا الزمان الذي كانت تتيه بنا ... فيه المعالي وكنا السادة النجبا
وكان فارسنا إن جال جولته ... في نصرة المجد رد الجحفل اللجبا
إن صاح رددت الآفاق صيحته ... واهتزت الأرض والأفلاك إن ضربا
كتائب تترامى في حميتها ... إلى الردى لا ترى جبناً ولا هربا
من كل لاحق روح راح يطلبها ... بسيفه غير ملحوق إذا طلبا
كالسيف منصلتاً والليث مفترساً ... والسيل منحدراً والبحر مضطربا
فجاءنا زمن صرنا به خدماً ... لغيرنا وغدت أرواحنا سلبا
أرى الممالك داستنا بأرجلها ... كما ركبنا على أعناقها حقبا
ما لي أرى الشرق لا تصفو موارده ... لأهله ويراها غيرنا ضربا
لو أن للشرق روحاً أو له كبداً ... ترق بث لنا شكواه وانتحبا
يا ويح للدهر يلهو بي ويلعب بي ... أبعد ما شاب يهوى اللهو واللعبا
أنا امرؤ في صميم الذل مرتبتي ... من مصر لا نبطا قومي ولا جلبا
يا أيها الموسرون اليوم يومكم ... شيدوا لنا من معالي جاهكم حسبا
رقوا المعارف تدعوكم بلادكم ... لا تخذلوها فإن الحق قد وجبا
كم من تعيس يسيل النحس من يده ... أمسى سعيداً وكم من غاصب غصبا
حلفا
محمد توفيق علي
ضابط بالجيش
стр. 813
شبت وما شاب
غرست هواك في قلبي ربيعاً ... فشبَّ وشبت في زمنٍ قريب
فما أنا راجعٌ زمن التصابي ... ولا هو بالغٌ زمن المشيب
عبد الحليم المصري
البدر والليل
لعلها آخر ما نظمه إمام العبد
كان إمام قد أشفى، فدعا بدواة وقلم وكتب الأبيات التالية، وفي حروفها على الورق ما يشعر بارتجاف يده، ثم أوصى إحدى النسوة اللواتي كن يعطفن عليه في شدته بأن ترسل ما كتب إلى مجلة الزهور. فلما قضى لرحمة ربه، وقد ضعضع الأسى والبؤس من حوله، ذهب أمر الرسالة عن تلك المرأة الحزينة، حتى إذا جفت الدمعة إلا قليلاً وبردت الجمرات إلا بعضها بلغت الأبيات إلينا وروح إمام ترفرف بين كلماتها وسطورها. وهذه هي:
تمنى أن يجازيني بوجدٍ ... فكان الوجد أسبق من مناه
واحرمني لذيذ النوم لما ... جرى حكم الإله على هواه
رآه البدر أحسن منه وجهاً ... فحدَّث نفسه لما رآه
وألبسني عليه الحب ثوباً ... يريك الليل أطول من مداه
عرفت الحظ من لوني وثوبي ... فأين يكون في الدنيا سناه؟
إمام العبد
стр. 814
في حدائق العرب
بمناسبة ما ذكرناه في أول هذا العدد عن تتويج ملوك الإنكليز أحببنا أن ننشر هذه الصفحات المطوية عن كيفية المبايعة عند العرب وعن الشارات الخاصة بالإمارة.
البيعة
البيعة هي في العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم إليه النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك. ويطيعه في ما يكلفه به من الأمر المنشط والمكره. وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعةً مصدر باع، وصارت البيعة مصافحة بالأيدي. هذا مدلولها في عرف اللغة ومدلول الشرع وهو المراد في الحديث في بيعة النبي ﷺ ليلة العقبة وعند الشجرة وحيثما ورد هذا اللفظ. ومنه بيعة الخلفاء، ومنه أيمان البيعة، كأن الخلفاء يستحلفون على العهد ويستوعبون الأيمان كلها لذلك، فسمي هذا الاستيعاب أيمان البيعة.
وأما البيعة المشهورة لهذا العهد فهي تحية الملوك الكسروية من تقبيل الأرض أو اليد أو الرجل أو الذيل، أطلق عليها اسم البيعة التي هي العهد على الطاعة مجازاً لما كان هذا الخضوع في التحية من لوازم الطاعة وتوابعها وغلب فيه حتى صارت حقيقة عرفية واستغني بها عن مصافحة أيدي الناس التي هي الحقيقة في الأصل.
شارات الملك
إن للسلطان شارات وأحوالاً تقتضيها الأبهة والبذخ فيختص بها ويتميز بانتحالها عن الرعية والبطانة وسائر الرؤساء في دولته، والمشتهر منها:
الآلة - من شارات الملك اتخاذ الآلة من نشر الألوية والرايات وقرع الطبول والنفخ في الأبواق والقرون.
стр. 815
السرير - أما السرير والمنبر والتخت والكرسي فهو أعوادٌ منصوبة أو آرائك منضدة لجلوس السلطان عليها مرتفعاً عن أهل مجلسه ولم يزل ذلك من سنن الملوك قبل الإسلام وفي دول العجم، وقد كانوا يجلسون على أسرة من الذهب. وكان لسليمان بن داود كرسي وسرير من عاج مغشى بالذهب. إلا أنه لا تأخذ به الدول إلا بعد الاستفحال والترف، أما
في أول الدولة عند البداوة فلا يتشوفون إليه. وأول من اتخذه في الإسلام معاوية واستأذن الناس فيه وقال لهم: إني قد بدنت. فأذنوا له واتخذه. واتبعه الملوك الإسلاميون فيه وصار من منازع الأبهة. ولقد كان عمرو بن العاص بمصر يجلس في قصره على الأرض مع العرب ويأتيه المقوقس إلى قصره ومعه سرير من الذهب محمول على الأيدي لجلوسه شأن الملوك، فيجلس عليه، وهو أمامه، ولا يغيرون عليه وفاء له بما اعتقد معهم من الذمة وإطراحاً لأبهة الملك. ثم كان بعد ذلك لبني العباس وسائر ملوك الإسلام شرقاً وغرباً من الأسرة والمنابر والتخوت ما عفى عن الأكاسرة والقياصرة.
السكة - وهي الختم على الدنانير والدراهم المتعامل بها بين الناس بطابع حديد ينقش فيه صور أو كلمات مقلوبة ويضرب بها على الدينار أو الدرهم فتخرج الرسوم عليها ظاهرة مستقيمة، بعد أن يعتبر عيار النقد من ذلك الجنس في خلوصه بالسبك مرة بعد أخرى. . . ولفظ السكة كان اسماً للطابع، وهي الحديدة المتخذة لذلك، ثم نقل إلى أثرها وهي النقوش الماثلة على الدنانير والدراهم، ثم نقل إلى القيام على ذلك والنظر في استيفاء حاجاته وشروطه وهي الوظيفة، فصار علماً عليها في عرف الدول، وهي وظيفة ضرورية للملك إذ بها يتميز الخالص من المغشوش بين الناس في النقود عند المعاملات، ويتقون في سلامتها الغش بختم السلطان عليها بتلك النقوش المعروفة.
الخاتم - وهو من الخطط السلطانية والوظائف الملوكية، والختم على الرسائل
стр. 816
والصكوك معروف للملوك قبل الإسلام وبعده، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أراد أن يكتب إلى قيصر، فقيل له أن العجم لا يقبلون كتاباً إلا أن يكون مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة ونقش فيه محمد رسول الله. قال البخاري جعل الثلاث كلمات في ثلاث أسر وختم به وقال لا ينقش أحد مثله. وقد تختم به أبو بكر وعمر وعثمان.
الطراز - من أبهة الملك والسلطان ومذاهب الدول أن ترسم أسماؤهم أو علامات تختص بهم في طراز أثوابهم المعدة للباسهم من الحرير والديباج أو الأبريسم تعتبر كتابة خطها في نسج الثوب ألحاماً وسدى بخيط الذهب أو ما يخالف لون الثوب من الخيوط الملونة من غير الذهب على ما يحكم الصناع في تقدير ذلك ووضعه في صناعة نسجهم، فتصير الثياب الملوكية معلمة بذلك الطراز قصداً للتنويه بلابسها من السلطان فمن دونه، أو التنويه
بمن يختصه السلطان بملبوسه إذا قصد تشريفه. . . وكان ملوك العجم من قبل الإسلام يجعلون ذلك الطراز بصور الملوك وأشكالهم أو أشكال وصور معينة لذلك. ثم اعتاض ملوك الإسلام عن ذلك بكتب أسمائهم مع كلمات أخرى تجري مجرى الفال أو السجلات. . . . وكان الدور المعدة لنسج أثوابهم في قصورهم تسمى دور الطراز. وكان القائم على النظر فيها يسمى صاحب الطراز. . .
(باختصار عن ابن خلدون)
стр. 817
ألفرد ده موسه
أذكريني كلما الفجر بدا ... فاتحاً للشمس قصر الذهب
وأذكريني كلما الليل مضى ... راكضاً بين جنود الشهب
وإذا ما صدرك ارتج على ... نغم اللذات وقت الطرب
أو دعاك الظل يا مي إلى ... لذة الأحلام عند المغرب
فاسمعي من داخل الغاب صدى ... صارخ فيه يناديك أذكري
أذكريني إن غدا صرف القدر ... فاصلاً ما بيننا للأبد
يوم لا تبقي الليالي والعبر ... من رجاء لفؤادي الكمد
وأذكري حباً به قلبي انفطر ... ووداعاً ذاب منه كبدي
وإذا الحب على القلب انتصر ... غلب البعد وطول الأمد
وأنا ما عشت يكفيني خبر ... منك والقلب يناديك أذكري
أذكريني عندما ألقى المنونا ... ويضم الترب ذا القلب الكسير
عندما تفتح للفجر الجفونا ... زهرة القفر على قبري الحير
لن تري من بعدها ذاك الحزينا ... إنما نحوك روحي ستطير
وبها أبقى على العهد أمينا ... جاعلاً حبك لي خير سمير
واسمعي من جانب القبر أنينا ... هاتفاً في ظلمة الليل أذكري
هذه أبيات عربها عن الإفرنسية حضرة الدكتور نقولا أفندي فياض، ولا شك في أن هذه القصيدة عصرية الفكر واللهجة لأنها نظمت سنة ١٨٤٢ وقد وضع لها ألحاناً تناسب معانيها الشجية بعض الموسيقيين
стр. 818
وأجمل هذه الألحان وأحبها إلى عشاق البيانو والكمنجة - لأنها أكثر وقعاً في النفس - نعمة ابتكرها الموسيقي الإرنسي جورج روبيس.
وناظم هذه الأبيات بالفرنسوية هو الذي يسميه الفرنساويون شاعر الشبيبة. هو ذاك الذي لا ينساه أبداً من قراه مرة، بل كلما قلب صفحات بعض الكتب الغزلية تعود إليه تلك المعاني البديعة، والتعبيرات المحزنة التي تصدع القلوب، فيكاد يرى ما بين يديه من القصائد، إذا ما قابل بين هذه وتلك، سبك أسجاع فارغة، وتلاحم اصطلاحات لغوية وكتابية ثقيلة، وثرثرة جالبة الصداع لفقدانها معاني العواطف، وعجزها عن إظهار آثار الآلام الروحانية.
يلقب القارئ صفحات الكتاب فتحول بين نظره والمجلد صورة الشاعر الفتى: رقة في الجسم ورقة في الشعور، خيالات أحلام متتابعة تجول في مياه العينين الصافيتين، علامات الذكاء الوقاد مرسومة على الجبهة الجميلة تحت طيات الطرة الذهبية، وعلى الشفة تحوم شبه ابتسامة، مزيج هيام ومرارة. . .
هو فتى العذابات والدموع الذي عندما تذكره يتبادر إلى ذهنك اسما بايرن الإنجليزي وادجر ألن بور الأمريكي. لأن في كتابات هؤلاء الثلاثة شيئاً من المشابهة والمقارنة، وكثير من شعب تخيلاتهم تتلامس في سماء الغزل، كما أنك تجد في حياة كل منهم ظروفاً ومميزات تجعله أشبه بالآخر برغم سكناهم بدلاً تختلف باللغة والتقاليد.
قيثارة ساحرة أوتارها العواطف، وأغنيتها النوح، وقرار هذا النوح
стр. 819
قروح القلب، شاعر الشبيبة في كل آن ومكان ألفرد ده موسه من لا يعرفه ولو بالاسم على الأقل؟
ولد ألفرد ده موسه في باريس سنة ١٨١٠ وتلقن دروسه في مدرسة هنري الرابع حيث امتاز على سائر أترابه بحدة ذكائه وقوة شاعريته. وبعد خروجه من المدرسة اخذ يدرس الشريعة ثم الطب. لكن مشاكلات المهنة الأولى والمنافرات التي لابد منها فيها، وشناعة التشريح وكراهته في المهنة الثانية أحدثت نفوراً في روحه الشديدة التأثر فعدل عنهما، وصار يمضي أكثر أوقاته في جنائن باريس وضواحيها حيث يختلي بذاته ويطلق العنان لتأملاته ويهيم ساعات طويلة في عالم الخيالات والأحلام.
وكان إذ ذاك فريق من الأدباء والشعراء الإفرنسيين قد ألفوا جمعية دعوها سناكل الغرض منها العمل على ترقية الشعر وتسهيل بعض الصعوبات التي تقيد فكر الناظم وتحدد حرية قلمه. وكان شاعر فرنسا الكبير فكتور هوغو رئيس تلك الجمعية. فدخلها موسه ولاقى فيها ما تتوق إليه نفسه من التحكك بمثل هذه النفوس السامية، والعقول الراقية، والقلوب الرقيقة. لاقى شعراء مثله، وذكاء مثل ذكائه. ومحاورات أدبية فنية مفيدة، وأصدقاء يفهمون طبيعته وأخلاقه ويقدرونها حق قدرها، بالنسبة لاشتباك مجانسات تخيلاتهم ومطالبهم. ولا شيء في الدنيا يشبه الروح الذكية أكثر من روح أخرى ذكية، والعكس بالعكس.
دخل موسه في جمعية كان هو أصغر أعضائها سناً، إذ لم يكن له من العمر سوى ثماني
عشرة سنة، فسعد حيناً. وكان الجميع يدعونه تحبباً
стр. 820
بنيامين أو الفتى الهائل ' فكتب قصائده الأولى متقلداً فيها تارة الشاعر الفرنسي اندره شنيه، وطوراً فكتور هوغو ذاته، وعرب في الوقت نفسه عن الإنجليزية كتاب تومس دوكنسي المعنون اعترافات أفيوني -
ولما لم يكن والد الفتى الشاعر راضياً عن حياة ولده على هذه الكيفية التي لا فائدة منها - على زعمه -، أراد أن يضعه في وظيفة تضمن له سعادة مستقبله المادية، لكن ألفرد لم يرد تضحية حريته العزيزة، وإضعاف ذكائه الفريد، واستعداداته الأدبية في مثل هذه الأشغال الاعتيادية. فأبرز إلى عالم القراءة مجموعة أشعاره الأولى، وكان عمره نحو عشرين عاماً. فكان لظهور هذا الكتاب دوي عظيم بين ذوي الأقلام، وانتقدته الجرائد، وذمه الناقدون وسخط على مؤلفه أعضاء الجمعية لأنهم رأوا أن بنيامينهم شط عن الخطة المحدودة، غير مبالٍ بقوانين النظم عندهم، وهم لم يكونوا نفوا تماماً قواعد الشعر المدعو بالكلاسيك وكانت منظومات ده موسه تضرب كلها على نغمة جديدة لم يسبقها تمهيد في تاريخ الآداب الفرنساوية. وقد اتبع هذه الخطة شعراء فرنسا مدة حتى أتى ادمون روستان فكان آخر هذه الفئة، وزارع بذور الشعر الحالي الذي ينعتونه بالمائل إلى الزوال وذلك لأن شعراء العصر يتصرفون بالأفكار والتخيلات والأوزان والأسجاع بحرية لم يسمع بمثلها من ذي قبل. وترى كثيرين يتعجبون كيف ضمت الأكاديميا الفرنسوية إلى أعضائها
стр. 821
منذ شهرين تقريباً أحد هؤلاء الشعراء، وهو هنري ده رنييه.
لم يبال ده موسه بالنقد والناقدين بل اكتفى برضى السيدات عن أشعاره، وإعجاب الشبيبة الفرنساوية بمنظوماته. فانفصل عن أعضاء جمعيته انفصالاً تاماً، ولم تضم سنة حتى نشر قصيدة أخرى اتبعها بمنظومات متعددة، لم يفهم قيمتها أبناء تلك الأيام إلا القليلون منهم. ولما كان في الثالثة والعشرين من عمره اجتمع بالكاتبة الشهيرة جورج ساند، وكانت هذه تكبره بخمس سنوات تقريباً، وقد مثلت هذه المراة النابغة دوراً مهماً مؤلماً في حياة الفرد ده موسه، وكان تأثير ذكرها في كتاباته عظيماً جداً حتى أنك تكاد لا تقرأ شيئاً مما كتبه بعد التقائه بها، إلا وترى فيه رمزاً يدل عليها. تحكك ذكاؤه بذكائها، وناهضت قواه الأدبية قواها، فأحدث هذا التحكك وهذه المناهضة، بين هذين النابغتين، شعلة محرقة، كما يحدث
في تلامس الأسلاك الكهربائية. وكادت هذه الشعلة تذهب بحياة الشاعر فأدرك الخطر وابتعد عنها ابتعاداً كلياً (١٨٣٥) لكن ذكرها تبعه كيفما توجه. فنظم كتابه إلى لامارتين ولياليه وهو يعينها دائماً، وهذه القصائد تعد من أبجع وأرق ما كتب بالفرنساوية في هذا الباب.
وكانت أيام ألفرد ده موسه الأخيرة معذبة تعسة، حتى سئم الحياة وأضحى ينتظر الموت بفروغ صبر، وتراكمت الأمراض على جسمه فأعيته وسحقت، او وزادت في سحق فؤاده. وظل على هذه الحال حتى وفاه القدر في سنة ١٨٥٩، فتوفي على أثر مرض في القلب، ولا عجب أن يموت
стр. 822
شاعر القلوب من علة من قلبه. وآخر كلمات لفظها تدل على كثرة أحزانه وكرهه الحياة إذ قال: سأنام عن قريب والحمد لله!.
وكانت الكاديميا الفرنساوية انتخبته عضواً في سنة ١٨٤٢ كما انه ظل سنين طويلة أمين خزانة الكتب في نظارة المعارف، ولا يخفى ما في هذين المنصبين من الشرف الذي يتمناه كثيرون لأنفسهم، لكن ألفرد ده موسه لم تكن تغره الظواهر الفارغة.
وقد كتب ما عدا منظوماته البديعة - وكان معاصرون يتهمونه بنقلها من منظومات لورد بايرن الشاعر الإنكليزي - مجلدات نثرية متعددة، وروايات تشخيصية أجاد فيها. فادعوا أيضاً أنها مسروقة من كتابات أدجر ألن بو والشاعر والكاتب الأمريكي. وهذا شأن الحساد دائماً، فهم يتهمون الممتاز عنهم بما يتصورونه ضده.
لا، ألفرد ده موسه لم ينقل عن احد، وأعظم فضيلة فيه كانت فضيلة الإخلاص. لكن حياة كل من هؤلاء الثلاثة كانت تعسة جداً، كأنه يبخل بالماديات على الذين أغناهم بالأدبيات، فإن معظم الرجال الكبار كانت حياتهم مفعمة بالأوجاع المتنوعة، مما لا تذوقه الأرواح الاعتيادية، والعقول الساذجة، ولا عجب في ذلك.
هذه نظرة عامة في حياة ناظم أذكريني فأفتكر به أيها القارئ ولو برهة، وارث لحاله، وقل معي: سلام عليك أيها الراقد تحت الصفصافة! سلام ورحمة!.
(مصر) مي
الزهور: سنقول كلمة عن الأديبة التي أتحفتنا بهذه المقالة في باب ثمرات
стр. 823
المطابع من هذا العدد. وبهذه المناسبة ننشر للقراء أبياتاً نظمها الشاعر خليل أفندي مطران وكتبها على
الصفحة الأولى من ديوان شعر لموسه أهداه إلى فتاة أديبة:
عاش هذا الفتى محباً شقيا ... وقضى نحبه محباً شقيا
وبكى دمع عينه في سطور ... جعلته على الندى مبكيا
منشد للغرام لم يشد إلا ... كان إنشاده نواحاً شجيا
شاعر كان عمره بيت تشبيبٍ ... وكان الأنين فيه الرويا
فأقر إي شرح حاله وأعجبي من ... ذلك القلب كيف بات خليا
إن في نظمه لحساً لطيفاً ... باقياً منه في السطور خفيا
فاذرفي دمعةً عليه تعيدي ... ورق الطرس بالحياة نديا
وتثيري من روحه نسماتٍ ... وتفيحي منها عبيراً ذكيا
الغناء العربي
في مصر
عبده الحمولي - زرئ الغناء العربي في مصر في أوائل الشهر الماضي بالمرحوم الشيخ يوسف المنيلاوي أحد مشاهير المغنين الذين عاصروا عبده الحمولي وأخذوا عنه.
كان الحمولي في مصر كما كان إبراهيم الموصلي في بغداد. كلاهما إمام المغنين في عصره. وكما التف حول الموصلي جماعة ممن عاصروه فأخذوا
стр. 824
عنه ثم تفننوا في الذي أخذوه وحسنوا فيه، هكذا الفت حول الحمولي كثيرون من المتأخرين فأخذوا عنه ثم تفننوا في الذي أخذوه أيضاً. وكان أشهر هؤلاء محمد أفندي سالم والشيخ يوسف المنيلاوي.
يخرج المالكين من حشمة الم ... لك وينسى الوقود ذكر وقاره
يسمع الليل منه في الفجر يا ل ... يل فيصغي مستمهلاً في فراه
شوقي
وكانت لعبده طريقة في غلناء ابتكرها لنفسه فأنزلته المنزلة الأولى
стр. 825
بين أرباب هذا الفن الجميل فاقتبس المنيلاوي ما حلا له منها وحسن فيه حتى لقد كان يسمعه الحمولي نفسه فيقول: أخذ عنا فسبقنا.
والله لو أنصف العشاق أنفسهم ... أعطوك ما ادخروا منها وما صانوا
وما أنت حين تغنيهم وتطربهم ... إلا نسيم الصبا والقوم أغصان
فأجاد في تقليده إياه ولم يزل إلى يومنا هذا المغني الوحيد الذي يقلد عبده في الأغاني التي سمعها منه وهي مزيته الأولى.
стр. 826
آثر الناس عن عبده أنه ولد في طنطا، وكان له أخ أكبر منه فوقع شقاق بين أخيه وأبيه، ففر به أخوه من وجه والدهما هائماً به في الخلوات لا يجدان أحداً يأنسان به ويلجآن إليه، حتى دنا الغروب فسخر الله لهما رجلاً آواهما في ليلتهما ثم أقاما عنده أياماً. ومن غريب الاتفاق أن الرجل كان يشتغل بصناعة الغناء ويضرب الآلة المعروفة بالقانون، فلما سمع صوت عبده أعجبه فعاد به إلى طنطا واشتغل معه فيها مدة وجيزة. وقد بقي تأثير تلك الوحشة والانفراد مع التعب والجوع في تلك الليلة التي خرج فيها عبده من بين أبيه مرسوماً في نفسه فكنت تراه إلى آخر عمره ينقبض صدره، ويتقطب وجهه كلما دخل عليه
أوان الغروب. ولما اشتهر صيته وتفرد في صناعه الغناء ألحقه المرحوم إسماعيل باشا الخديوي الأسبق بمعيته، وسافر معه إلى الأستانة مراراً فاقتبس شيئاً كثيراً من الغناء التركي وأدلخه في الغناء العربي وقد حسنه وتفنن فيه. وغنى وهو في عاصمة الترك السلطان عبد الحميد، واتصل بكبار أهل الدولة يومئذ فأوعزوا مقامه على شده أثرتهم بالعز لأنفسهم. وقصد إلى الأستانة مرة أخرى فلقي فيها ما أقصاه عنها كل حياته.
وآثروا عنه كرم الأخلاق ورقة المعشر والمروءة وسلامة الطوية. حدثنا بعضهم قال: جمع عبده في منزله حلقة من الفضلاء فغناهم حتى الهزيع الثالث من الليل. وأنه لكذلك إذ أقبل عليه خادمه الخاص فأسر إليه أمراً فهب من موضعه معتذراً للقوم بما حضره. ومشى عابس الوجه مقطب الحاجبين. ثم كانت ساعة ورجع إلى مكانه فجس عوده وغنى
стр. 827
أصحابه صوتاً شجياً مؤثراً كان يشرق بدمعه في خلاله. ثم استمر في الغناء حتى كان الهزيع الرابع من الليل، فهم ضيوفه بالانصراف، فأقبل عليهم يحدثهم في أمره قال: إنكم شاركتموني في فرحي فهلا تشاركونني في حزني؟ وكان له ولد وحيد أتاه الخادم بنعيه وهو يغني فمضى إلى ذويه فبكاه معهم حيناً ثم عاد فغنى أصحابه فقد آثره عنه بعض المغنين وأودعه في آلة الغناء المعروفة فونوغراف وقد سمعناه فهو منتهى ما يكون من الرقة والتأثير.
وآثروا عن مروءته وبذله للمعروف حوادث يعلمها الناس لا يجهلونها وجميعها يدل على أخلاقه الفاضلة ﵀.
محمد عثمان - إذا ذكرت عبده الحمولي تبادر إلى ذهنك فوراً ذكر المرحوم محمد عثمان. فقد كان هذا الرجل إلى جانب عبده ما كان معبد إلى جانب إسحق بن إبراهيم الموصلي. غير أن عثمان ابتلي بداء عقيم ذهب بجمال صوته وطلاوته فانصرف إلى تأليف الألحان فكان بصيراً بأخذ النغم من مواضعها وبجمعها على نسق مستحب كلفاً بصناعته، جاداً في إتقانها إرادة أن يستعيض عن طلاوة الصوت بحسن الأسلوب ولطف السياق ولهذا كان لا يغني منفرداً إلا على أجنحة الآلات. فإذا لحن أغنية وأسمعها لأول مرة خرجت متقنة الوضع رائقة للسمع، ولكن يبدو عليها إثر إعنات الفكر ويشتم منها ريح الشمع المذاب في السهر على تخريج أجزائها، وتوجيه ضروبها والملائمة بين رناتها ومعانيها. وعلى الحقيقة
стр. 828
فإن عثمان كان في أخريات عمره واضع معظم الألحان فيأخذه عبده عنه، وهو ضريبه، ويكسوه من الحلي والحلل ما تشاء بديهته الخاصة به.
الشيخ المسلوب - ومن ذكر محمد عثمان ذكر معه الشيح محمد عبد الرحيم الشهير بالمسلوب فقد كان هذا الرجل وما برح إلى يومنا هذا شيخ الملحنين. غير أن الكبر أقعده عن الإنشاد في السنين الأخيرة - وهو خير من أنشد الأذكار الصوفية في هذا العصر - وحالت الشيخوخة بينه وبين صناعته الجميلة فأقصى نفسه عن حلقات الغناء. ولكنه ما فتئ يجيد التلحين والوضع إذا سئل شيئاً منها.
стр. 829
إذا لقيت هذا الرجل الشيخ اليوم لقيت راوية للغناء العربي في هذا العصر. فإن حدثته حدثك من تاريخ الغناء في القرن الفائت ما لا تحتويه بطون الأوراق فهو تاريخ حي للغناء والمغنين.
محمد سالم - وكما أقعدت الأيام الشيخ المسلوب أعجزت معه أيضاً زميله محمد سالم وهو أحد أربعة يحق لنا أن نسميهم بأئمة الغناء العربي في مصر في العهد الأخير. نريد بالثلاثة الآخرين عبده الحمولي ومحمد عثمان وسلامة حجازي.
стр. 830
كان محمد سالم إبان عهده بالفن من نظراء عبده في الإتقان وجودة الأداء. وقد اعترف له عبده نفسه بذلك إذ كان يقول عنه
стр. 831
أحسن الأصوات ف مصر صوتان: صوت سالم في الرجال، وصوت ألمز في النساء.
المغنون والملحنون - من المغنين من اشتهر بالغناء وبالتلحين معاً، ومنهم من عرف بإحدى هاتين المزيتين فقط. فمن الفئة الأولى عبده الحمولي ومحمد عثمان، والشيخ سلامة حجازي.
ومن الذين أخذوا بالتلحين وحده الشيخ عبد الرحيم المسلوب، وأبو خليل القباني الدمشقي، وإبراهيم أفندي القباني، وداود أفندي حسني، وأحمد أفندي غنيمة.
أما الذين أخذوا وغنوا فكثيرون أشهرهم محمد أفندي سالم، والشيخ يوسف المنيلاوي، وعبد الحي أفندي حلمي، ومحمد أفندي السبع والشيخ سيد السفطي، وعلي أفندي عبد الباري، وكثيرون آخرون.
النساء المغنيات - ولم يكن نصيب النساء من الإجادة في الغناء بأقل كثيراً من حظ الرجال
منه فقد اشتهرت ألمز زوجة المرحوم عبده الحمولي بحسن الأداء ورخامة الصوت، وفهم أسرار الصناعة، وعرفت ليلى - وليلى أشهر من أن تعرف - بطلاوة الصوت وعذوبته والبراعة الفائقة في الأداء والمقدرة على الأخذ والتقليد.
وهناك قيان زاولن هذه الصناعة واختلفت منزلتهن فيها باختلاف استعداد كل قينة منهن، وباختلاف الوسط الذي نشأت كل
стр. 832
واحدة فيه. على أن أشهرهن اليوم توحيدة والسويسية وبهية اللواتي يغنين عامة الناس في قهوات مصر.
أشهر الأغاني - من الأغاني ما تداولها الناس وغنوها ناسين أسماء ملحنيها على حين أن الواجب يقضي بأن يعرف الملحن بالأغاني التي وضعها كما يعرف الشاعر بالقصائد التي نظمها. لهذا رأينا - ضناً بفضل أولئك الملحنين أن يذهب به النسيان - ذكر أشهر الأغاني مقرونة بأسماء الملحنين كما ترى.
أشهر الألحان التي وضعها عبدو:
أهين النفي وأتذلل إليكم. . .
غرامك علمني النوح. . .
كادني الهوى وصبحت عليل. . .
قده المياس زود وجدي. . .
جددي يا نفس حظك. . .
متع حياتك بالأحباب. . .
أشهر أغاني محمد عثمان:
يا ما أنت وحشني. .
قدك أمير الأغصان. .
القلب سلم من زمان. . .
عهد الأخوة نحفظه. .
اليوم صفا داعي الطرب. . .
أشهر أغاني المسلوب:
ناحت فأجبتها. . .
رايح فين يا مسليني. .
في مجلس الأنس الهني. . .
أشهر أغاني إبراهيم القباني:
الكمال في الملاح صدف
البلبل جاني وقال لي. . .
تضحكني الحواسد في غرامي. .
يعيش ويعشق قلبي. .
أشهر أغاني داود حسني:
يا طالع السعد افرح لي. .
دع العذول. .
سلمت روحك يا فؤادي. .
أسير العشق. .
عزيز حبك
القلب في ودك
стр. 833
نتيجة عمومية - لولا أن أتاح الله للغناء العربي في العهد الأخير المرحومين أبا خليل القباني، وعبده الحمولي، لكانت صناعة هذا الفن الجميل قد اندثرت ولم يبق لها أثر. فإن القباني نقل إلى مصر ما أخذه بالسماع والتواتر عن الأغاني العربية القديمة أحياها، والحمولي أخذ تلك الطريقة وهذبها ثم تفنن فيها حتى اختص بها وأخذها عنه معاصروه فذهبوا فيها أيضاً مذاهب شتى.
حبذا لو استطاعت الحكومة المصرية - وهيا لحكومة العربية الوحيدة التي تسعى أبداً إلى تخليط مجد العرب - أن تنشئ مدرسة لفن الموسيقى العربية فتحفظ هذا الفن من الضياع، وتعيد له مجده القديم. إن هذه لأمنية لنا على الحكومة لعلنا إن نعود إليها فنوفيها حقها من البحث.
ثمرات المطابع
تاريخ آداب اللغة العربية - واضع هذا السفر النفيس جرجي أفندي زيدان ليس بحاجة إلى التعريف. فهو من أشهر كتابنا وأكثرهم نشاطاً واجتهادا، ً وأجلهم خدماً للغة العرب وآدابها وتاريخ تمدن أممها. وإذا ما ذكر يوماً الكتاب الذين كانت لهم يد في النهضة الأدبية في هذا العصر جاء اسم زيدان في مقدمتهم. فإن مؤلفاته - بين تاريخ وروايات وآداب واجتماع - تعد بالعشرات. وهي - وإن اختلفت في القيمة
стр. 834
باختلاف موضوعها - وتشهد لصاحبها بسعة الاطلاع وحب البحث والتنقيب عن الحقائق وخصوصاً بالثبات على العمل، الأمر الذي لا يحق لكثيرين من كتاب الشرق أن يفتخروا به: ويسر الزهور التي وقفت نفسها على نشر آثار أدبائنا وتعريفهم إلى قرائها أن تعلن اليوم فضل هذا الرصيف الكريم وتزيين صفحاتها برسمه بمناسبة ظهور كتاب تاريخ آداب اللغة العربية. وهو كتاب يشتمل على تاريخ اللغة العربية وعلوها وما حوته من العلوم والآداب على اختلاف مواضيعها وتراجم العلماء والأدباء والشعراء. . . من أقدم أزمنة التاريخ إلى الآن وهذا الجزء الأول يحتوي على تاريخ آداب اللغة في عصر الجاهلية وعصر الراشدين والعصر الأموي.
لا يخفى على أديب ما هو عليه هذا الموضوع من تشعب الأطراف ووعورة المسلك واضطرار من يعالجه إلى الوقوع في هفوات عديدة. ولم يفت هذا الأمر زيدان أفندي فإنه العالم الحقيق الذي يعرف أن ما لا نعلم هو أكثر مما نعلم، فأشار إلى ذلك في مقدمته بكل صراحة وحرية ضمير شانه في ما تقدم من مؤلفاته. فإذا كان في النظرة العامة التي وضعها عن حالة العرب وآدابهم ولغتهم ولهجاتهم في الجاهلية نقص، أو إذا كان في سرد أسماء الشعراء سهو أو إهمال، أو في الحكم على شعرهم ولغتهم ما هو موضوع المناقشة فلأن الموضوع غير واقع تحت الحصر، ولأن المستندات الواجب الاعتماد عليها مبعثرة في مئات من الكتب بين مطبوعة وخطية وهذه الكتب منثورة في مكاتب مختلفة بين عواصم الغرب والشرق فلا
стр. 835
يتسنى الوقوف عليها. ولذلك ترى أن تاريخ الآداب العربية الذي نحن الآن بصدده قد جمع بين دفتيه جل ما يمكن جمعه من المعلومات عن هذه الآداب. وهو من هذا القبيل أشبه بواضع أول معجم لمفردات اللغة فإنه أغفل بطبيعة الحال كلمات كثيرة جاء بعده من استدركها ودونها فكمل عمله. وفي رأينا إن أكبر مساعد على وضع تاريخ شامل واف لآداب لغتنا هو أولاً: انتقاء مختارات من أدباء العرب. فإن هذه
الكتب على وفرتها - وأوسعها مجاني الأدب لا تفي بالمطلوب لاسيما من حيث التنسيق والتبويب - فالحاجة ماسة إلى تقسيم الكتاب حسب العصور وإيراد نبذة موجزة عن حياة كل كاتب أو شاعر مع أسماء مؤلفاته وإبداء رأي في كتاباته ثم ذكر المأثور من هذه الكتابات، على الطريقة التي سار عليها الإفرنج في تبويب مختاراتهم. والأكثر الثاني الذي يساعدنا على ضبط تاريخ آداب لغتنا هو الدروس الإرادية وذلك أن يعمد أدباؤنا المعروفون
стр. 836
إلى كاتب أو أكثر من كتاب العرب فيدرسونه درساً أدبياً وافياً من حيث ترجمته ونقد كتاباته وتأثير الوسط فيه إلخ فيضعون عنه لمحة تجمع زبدة الآراء وهكذا يتسنى من مجموع هذه الدروس إبداء أحكام صادقة وإيراد روايات راهنة عن كتابنا السالفين. وسنباشر ذلك في الزهور قريباً إن شاء الله. ويجدر بالجامعة المصرية وبغيرها من معاهدنا العلمية الشرقية أن تفرض على كل مرشح لنيل الشهادة النهائية وضع درس من هذه الدروس عن أحد شعراء العرب كما تفعل معاهد الغرب. هذه في رأينا أهم الوسائل التي توفر لدينا المعدات اللازمة لوضع تاريخ حقيقي لآداب لغة العرب.
فإلى زيدان أفندي نزف أطيب التهاني بما خدم به هذا الموضوع الجليل منتظرين توفيقه إلى إظهار الجزء الثاني من كتابه وهو سيكون ولا ريب أوفى بحثاً وأتم بياناً لأنه يتناول عصراً كثرت آثاره وتوفرت المعلومات عنه. وعلى كل حال فإن الكتاب يعد صفحة جميلة في حياة مؤلفه المملوءة بالأعمال الأدبية.
أزهار أحلام , - يسرنا أن نرى عدد الأوانس والسيدات اللواتي ينزلن إلى مضمار الكتابة يزداد يوماً فيوماً. فنحن اليوم نحتاج إلى صفحة كبيرة لتعداد أسماء الكواتب والشواعر عندنا. ويزيد سرورنا عندما نرى فتاتنا تحمل مع القلم العربي الريشة الإفرنجية، وتجاري الأجانب أنفسهم في لغتهم. عرف قراء العربية
стр. 837
الكاتبة الأديبة مي مما نشرته من الروايات الجميلة والمقالات الشائقة والأبحاث النفسانية الدقيقة في جريدة المحروسة الغراء وقد أتحفتنا بمقالة لطيفة عن ألفرد ده موسه نشرناها في غير هذا المكان من هذا الجزء. وأمامنا الآن كتاب شعر إفرنسي رقيق، في ذيله بضع صفحات نثرية جميلة، تأليف إيزيس كوبيا. وإيزيس ومي هما شخص واحد، والقلم الذي حبر المقالات والروايات العربية،
والريشة التي حاكت برد هذه القصائد الفرنسوية، تحملهما يد واحدة ويملي عليهما فكر واحد. الكتاب الذي نحن بصدده الآن مجموعة أزهار عطرية نبتت في رياض الأحلام الجميلة، وهي مهداة إلى روح لامرتين شاعر القلوب الحزينة، وهذه الروح المتألمة ترف على كل صفحاته وتجعل الكاتبة تقول في قصيدة هل هي شاعرة؟ معناه: البكاء والرأفة والحب والألم هذه هي صفات الشاعر وقد ظهر من المواضيع التي طرقتها الكاتبة أنها لا تصف إلا ما ترى، ولا تعبر إلا عما تشعر به. فجاءت منظوماتها صورة حقيقية لما يشغل فكرها ويحرك قلبها، ولذلك أنت تشاركها عند تلاوة أشعارها في هذه العواطف مهما كان رأيك في القالب التي سبكتها فيه. فلا تتمالك من أن تصبو معها إلى مصر ونيلها وآثارها وسهولها، وتحن معها إلى لبنان وجماله وأوديته. وإذا كانت إيزيس كوبيا شاعرة في نظمها فقد وجدناها أشهر منها في تلك الصفحات النثرية التي ختمت بها أزهار أحلامها حيث لم تعد مقيدة بقيود القافية والوزن، وكثيراً ما تكون الأزهار المنثورة أجمل من الأزهار المضفورة على شكل مقرر. ولولا ضيق المقام
стр. 838
لأتينا على ترجمة بعض هذه الأفكار المدونة في هذه الصفحات.
قالت إيزيس في مقدمة صغيرة استهلت بها مجموعتها: إذا كانت كتاباتنا صادقة، فلا أهمية لقيمتها من حيث الفن. فنحن تارة نتألم وتارة نفرح، ولكننا دائماً نتنهد. وإن التنهدات التي تملأ صدر الإنسانية متشابهة، وما الاختلاف إلا في توقيعها. . . فلا تحاولن يا من يطالع هذا الكتاب أن تنتقد أو تعلل، بل ابتسم، فإن ابتسامة التسامح هي أجمل زهور النفس. فلا تبخل علي بهذه الابتسامة التي التمسها. . . ونحن لم نبخل بهذه الابتسامة عند مطالعة هذا الكتاب، ولكنها كانت ابتسامة رضى عما فيه، وإعجاب بالقلم الذي كتبه.
منتهى الإفادة - من الكتب التي لها مساس بالحياة العائلية، كتاب منتهى الإفادة في أسرار الجمال والصحة والسعادة لمؤلفه حضرة البارع الدكتور أمين أفندي ناصيف. تصفحناه فوجدناه سفراً جليلاً يبحث عن الطرق الصحية لتحسين الخلقة ولتلافي العاهات ولتقويم الأعضاء منذ الصغر وللتدابير التي يجب اتخاذها لتجنب كل ما يشوه الوجه. وقد ذكر المؤلف عدة وصفات لنعومة البشرة ولحفظ الأسنان ولصحة العينين واعتدال القامة وغير ذلك وختمه بمباحث طبية جاء فيها على خلاصة ما يقال في الأمراض الكثيرة الشيوع،
وأسهل الطرق لعلاجها. والكتاب جدير بالمطالعة لما فيه من الفوائد الجمة.
стр. 839
تهنئة إخلاص - عرف قراء الزهور سليم أفندي عبد الأحد الكاتب المجيد الذي ينشر في هذه المجلة رسائل غرام بين نساء شهيرات ورجال عظام ونحن نقدمه اليوم إليهم شاعراً بارعاً في اللغتين العربية والإنكليزية. يدل على ذلك كراس صغير أهداه إلينا وفيه قصيدتان عربية وإنكليزية رفعها إلى جلالة الملك جورج الخامس بمناسبة تتويجه نقتطف من الأولى قوله في وصف الأسطول:
عرش تؤيده السفائن دونها ... شم الجبال الراسيات وتعضد
الشامخات السابحات تعج من ... أثقالها لجج المحيط وتزبد
تخد البحار وفي حشاها زفرة ... تمتد في موج الخضم فتوقد
وقوله:
يا باسطاً ظل السلام وناشراً ... للعدل ألوية بفضلك تشهد
فخر الملوك سيوفهم مسلولة ... وفخار سيفك أن سيفك مغمد
مجد إذا قيس الخلود ففترة ... تفنى وعرشك في القلوب مؤبد
أما القصيدة الثانية فقد نشرتها الصحف الإنكليزية في مصر وأثنت على ناظمها أجمل الثناء.
صحيفة الوجدان - نشرت الزهور في سنتها الأولى شيئاً مختاراً من نظم الأديب رمزي أفندي نظيم. وقد أتحفنا حضرته اليوم بمجموعة ما نشره في جريدة العفاف الغراء في مواضيع مختلفة وهي تبشر شاعرها الشاب بمستقبل مجيد في هذا الفن.
لغة العرب - هو عنوان مجلة أدبية تاريخية سيصدرها قريباً في
стр. 840
بغداد حضرة العالم المدقق الأب انستاس ماري الكرملي المعروف لدى علماء الشرق والغرب بأبحاثه الجليلة. والغاية الأولى من إصدار هذه المجلة كشف النقاب عن أحوال العراق وجزيرة العرب وأحوال أهلها وعلومهم وآثارهم وآدابهم إلخ. وحضرته أقدر من طرق هذه المواضيع. فنرجو له نجاحاً وفلاحاً في هذه المهمة النبيلة، وسنعود إلى هذا الموضوع ببيان أوفى. لأن هذه المجلة ومديرها الفاضل جديران بالتفات الأدباء والمفاوضة مع مدير مجلة لغة العرب في بغداد.
إلى قراء الزهور
عطلة الصيف
كتبنا في العدد الأول من هذه السنة الجملة الآتية:
صدر في السنة الماضية اثنا عشر عدداً من الزهور في ٥٦٠ صفحة. ولما كان العدد الكبير من المشتركين يغيرون محل إقامتهم في شهري الصيف حدث تبلبل في توزيع المجلة وفقد منها أعداد كثيرة. ولذلك رأينها أن نوقف إصدارها في شهري الصيف. وقد زدنا عدد صفحات كل عدد حتى تبقى مجموعة العشرة الأعداد ٥٦٠ صفحة كمجموعة الاثني عشر عدداً. . . . .
فعدد هذه الشهر والحالة هذه هو آخر عدد يصدر من الزهور قبل عطلة الصيفية وموعدنا القراء الكرام أول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
стр. 841
العدد ١٧ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١١
العودة
كان شهي يوليو وكان فصل الذهاب، فأخذت القطورات الحديدية والبواخر البحرية تقل الناس أفواجاً إلى مصايف مختلفة ألطف هواء واعدل مناخاً. فسكنت الحركة في العاصمة، وهدأ دولاب الأشغال، وأقفلت المعاهد العلمية.
وجاء الآن شهر أكتوبر، وهو فصل العودة والإياب، فعاد التاجر إلى متجره، والمحرر إلى قلمه، والموظف إلى ديوانه، والمحامي إلى مكتبه، والطبيب إلى عيادته، والتلميذ إلى درسه بعد أن جمعوا في عطلة الصيف ذخراً من القوة والنشاط لمواصلة العمل في مراحل هذه الحياة.
وقد عادت الزهور إلى قرائها وعاد قراؤها إليها، والشوق ملء جوانح الفريقين، بعد فراق شهرين. فهي ترحب اليوم بالجميع وتسأل للجميع كل صفاء وهناء.
* * *
نهنئ الجميع بسلامة العودة، ويلذ لنا اليوم أن نخصك بالتهنئة، أيها
стр. 842
التلميذ العزيز العائد إلى رياض المدرسة لتجني من زهر الآداب والعلوم عسلاً شهياً لك ولأهلك وبلادك. نخصك بالتهاني، وجميع القراء يشاركوننا في ذلك، لأن فيهم أباك وأمك، وأخاك وأختك.
منذ شهرين ونيف جرت الامتحانات في المدارس، وأقامت معاهد العلم الحفلات الشائقة لمكافأة ذوي الجد والاجتهاد. فنشرت أسماؤهم علناً، ولم تضن الصحف اليومية بإفساح محل واسع بين أخبارها للثناء على المبرزين من الطلبة وإطراء ذكاء من حاز قصب السبق منهم في ميدان الدرس. فكم كان يخالج صدرك حينذاك من عواطف الفرح والحبور لقيامك بالمفترض عليك إن كنت من الفائزين. أو كم كان يتلاعب في رأسك من أفكار التأسف والندم على ما فات من فرض أهملته أو درس تهاونت فيه أو واجب تأخرت عن القيام بع إن كنت من الخاسرين.
من يصف لنا ما دار في خلدك عند أو بتك إلى أهلك ظافراً غانماً أو خاسراً صفر اليدين؟ أو أي قلم يصور لنا ما كان في تقبيلك لأهلك وتقبيل أهلك لك من العواطف والمعاني؟
بهذه القبلة قلت لهم أنك فهمت ما يتكبدونه من الضحايا في سبيلك وسبيل تهذيبك إذا كان قد عدت ويداك مثقلتان بشهادات جدك، وإكليل الغار والظفر يعلو جبينك الوضاح المتلألئ بنور الغبطة والأمل. وكم كان إذ ذاك بقبلتهم لك من الفخر والابتهاج، لأنك شرفت اسمهم
الذي ستعرف به في المجتمع الإنساني، فأنسيتهم عرق الجبين وكد اليمين والنفقات الباهظة.
стр. 843
بهذه القبلة عبرت لهم عن شديد أسفك على ما فات وعزمك الأكيد على الدرس والاجتهاد إذا كنت قد رجعت إليهم ولم تفلح وكم كان بقبلتهم له من اللوم والتأنيب على خمولك وأنت لم تكسب شيئاً في الجهاد الأول من هذه الحياة. . . .
كل هذه الأفكار والعواطف خالجت صدرك وصدر ذويك، فشعرت بفرح أو حزن، وشهروا بذاك الفرح أو هذا الحزن. فعزمت على مواصلة السير في خطتك الحميدة كما في الماضي، أو على التعويض بالدرس والتكفير بالجد عن ذلك الماضي.
مضى الآن أكثر من شهرين على تولد هذه العواطف في صدرك. وقد قضيت هذا الردح من الزمن بين القمم الخضرة والمناظر النضرة، إذا كان أهلك من ذوي اليسار، فتنقلت بين ربى لبنان أو سويسرا، وزرت آثار الحضارة الجليلة في عواصم أوروبا، فانفتحت نفسك لشعر الطبيعة وسجدت مخيلتك لذكاء الأمم الراقية، أو أنك بقيت في بلدك تطالع وتدرس حركة الزراعة والأسواق تحت إدارة أبيك أو ولي أمرك فطبع فيك حب العمل والسعي وراء الرزق. وعلى كل فقد قضيت هذه الأيام بين ذويك، فجددت نشاطك وقواك وادخرت في المعيشة العائلية حزماً جديداً وعزماً أكيداً.
ما أعظم ما كان تأثيرك أيها التلميذ العزيز عندما نزعت ورقة التقويم اليومي فوجدت مسطراً على الورقة التي تليها بحرف ضخم أول أكتوبر وهو تاريخ العودة إلى المدرسة.
стр. 844
منذ شهرين استقبلك أهلك بقبلة اللقاء، واليوم يستودعونك الله بقبلة الوداع. وليست هذه القبلة بأقل من الأولى معنى ورمزاً. فتحوا ذراعيهم لضمك إلى صدرهم بعد عشرة أشهر قضيتها بين المحابر والأوراق، وهم يفتحونهما الآن لوداعك بعد شهرين قضيتهما بالقرب منهم. يودعونك ولسان حالهم يقول.
سر يا ولدي بالله الله مسراك، واقض سنتك المدرسية جاداً منعكفاً على دروسك مطيعاً لرؤسائك محباً لرفقائك، فترد منهل المعارف وترتشف كأس العلوم وتعود إلينا أكمل عقلاً وأوسع فكراً وأغزر أدباً وأكثر علماً. ضع نصب عينيك مستقبلك فهو سيكون غداً ما تريده اليوم فتحصد آتياً ما تزرعه حاضراً. أنت عماد بيتك وعصا شيخوخة أهلك، أنت محط
آمالنا ووارث شرفنا واسمنا وكل ما لنا. . . وعليك أن لا تنسى أنه لا منفذ للإنسان ولا معين في هذا الإعصار الهائل الذي ثارت رياحه وعصفت عواصفه على المجتمع الإنساني إلا الفضيلة والعلم فاجعل الكتاب أليفك والجد حليفك لتكون رجلاً نافعاً لبلادك وعضواً عاملاً على ترقية أبناء جنسك.
هذا بعض ما تقوله لك ساعة الوداع قبلة أبيك الحنون يا منتهى أمله وقبلة امك المحبوبة يا نور عينها ولن نزيد عليها شيئاً لأن فيها أحسن فصاحة وأبلغ بيان بل نقول لك: لا تنس هذه النصائح التي أملاها عليك قلب أعز الناس إليك، بل اتخذها دليلاً ومرشداً لك فهي تشدد عزيمتك حين التهاون والخمول، وتجدد أملك ساعة اليأس والقنوط. . .
стр. 845
لم أجدها
فتشت عنها فلم أجدها، وهي موجودة. ولا أزال أنشدها، فهل أجد تلك الضالة المنشودة؟
بين رفيقات طفولتي، وعشيرات شقيقتي بحثت، فلم أجد ضالتي!
جبت المدن والأقطار، وخبرت الناس ودرست الأميال والأخلاق وأنا أبحث عنها. طرقت الأندية والمجتمعات، وعاشرت المتمدنات المتعلمات باحثاً منقباً عمن أريد. فلم أجدها.
قصدت القرى والجبال. فاختلطت بالقرويات الساذجات، ودرست معيشة الفلاحين في مزارعهم، فتوهمت أني وجدتها، وإذا من توهمت أنها هي، هي غير من أطلب، فرجعت ولم أجدها.
درست تاريخ الأمم الغابرة والعصور السالفة، ونفضت غبار النسيان عن تلك الوجوه الماضية علّي أجد بينها تلك التي أرجو. فلم أجدها.
لكل شاعر عروس شعر يتغزل بحسنها، ولكل كاتب خريدة رواية يشدو بذكرها. فتشت بين العرائس والخرائد. فلم أجدها.
* * *
أسأل: أين هي؟ فلا أعلم. . . ومن هي؟ فلا أدري. . . وكيف هي؟ فلا أعرف. . . لساني قاصر عن وصفها، وقلمي عاجز عن تصويرها.
لا يعرفها غيري ليهديني إليها، أو يهديها إلي. لأني أنا أيضاً أجهلها وتكاد نفسي أيضاً تجهلها، فأفتش عنها ولا أجدها.
следующие страницы →