Полный текст (2 201 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
أحببت أن أجيء بهذه الأسطر مبينة بها حالة مدارسنا الحاضرة ليعمل مؤسسو المدارس على ملاقاة هذا الخلل، فيفوز بالغاية التي يرمون إليها من وراء إنشاء هذه المعاهد.
إن مدارس البنات في مصر ينقصها أشياء كثيرة، إن لم أقل إن ما ينقصها هو أهم ما وجدت لأجله. وذلك لأن المديرات سرن في تنظيم مدارسهن على طريقة لا تؤدي إلى الغاية المرموقة بل ربما كان القصد من إنشاء بعض مدارسنا الربح أو إنقاذ غاية أو لسبب آخر.
وجدت المدارس لتربية الأخلاق، وتثقيف العقول منذ الصغر إذ يسهل في ذلك العهد تكييفها بالكيفية التي يريدها من يتولون أمرها. فلذلك ليس الحمل الملقى على عاتق مديرات المدارس ومعلماتها بالحمل الخفيف بل هو عبء ثقيل كما لا يخفى على بصير.
تأتي الابنة للمدرسة تصحبها والدتها أو ولية أمرها، فتقابلها الرئيسة بوجهٍ باش مرحبة، مطنبة بوصف ما تبذله لتعليم تلميذاتها وتهذبهن، وهو وصف نظري جميل لو حققه العمل، تقول: مدرستي ليست كسائر المدارس، أنا أعلم تلميذاتي قبل كل شيء علم ترتيب المنزل والخياطة وباقي الأشغال اليدوية والقراءة والكتابة إلخ إلخ، وإن شاء الله في نهاية هذه السنة المدرسية سترين ابنتك قد اكتسبت الشيء الكثير وأمكنها في عطلة الصيف القادم أن تساعدك في تدبير أمور البيت.
فتخرج الأم والأمل ملء صدرها وقد طربت لهذا الوصف، وتدخل الابنة إلى المدرسة فتقضي فيها سنتها، ومتى جاءت عطلة الصيف
стр. 877
ورجعت الابنة إلى منزل والديها، تكون قد نسيت ما اكتسبته من أمها أو إذا كان قد خصها الله بمواهب الذكاء النادر ترجع إلى البيت كما كانت.
البروجرام الذي تلته الرئيسة جميل ولطيف وقد أفعم قلب الأم فرحاً. فما سبب عدم تقدم التلميذة؟ قد يجوز أن تكون السنة الأولى سنة إعدادية لا يعول عليها فعسى أن تجيء السنة الثانية بنتيجة أحسن.
تجيء السنة الثانية كالأولى والثالثة كالثانية، وتخرج الفتاة من المدرسة وهي لم تستفد إلا الشيء القليل الذي لا يكاد يذكر. فأين هي من ذلك البروجرام البديع! هل كان يا ترى حبراً على ورق أو علالة تعلل بها الأمهات؟ لم ننكر أن البروجرام كان جميلاً ولكن لم توفر المدرسة أسباب تنفيذه بإيجاد المعلمات ذوات الكفاءة لأن هم الرئيسة الأول كان إيجاد معلمة براتب طفيف. فلذلك نستنكر إنشاء المدارس للربح لأن المتاجرة بمعاهد التربية حرام، والغبن واقع على الفتاة أم المستقبل، فتخرج من المدرسة حيث قضت السنين الطوال ترتقي من صف إلى صف وقد اكتفت من العلوم بالقشور، فتعرف من النحو والصرف صعوبتهما، ومن الفلك والكيمياء اسمهما، ومن الطبيعيات غرابتها وقس على ذلك، هذه حالة معظم فتياتنا المتعلمات، وإن كان هناك فئة منها تنبغ في الدرس وتشرف المدرسة التي ربتها، على أن القليل لا يقاس عليه. وهذه حالة أكثر مدارسنا وإن كان هناك مدارس قد بلغت من التقدم شأواً بعيداً كبعض مدارس الراهبات والإنكليز.
هذه هي المسألة الخطيرة التي يجب على المفكرين وقادة الرأي العام
стр. 878
أن يحلوها محل النظر، فيولوا مدارس البنات شطراً من الاهتمام الذي يوجهونه إلى مدارس البنين، فتسعد البلاد برجالها الصالحين ونسائها الفاضلات.
(مصر)
لويزا خوري
أحمد عرابي
стр. 879
ثار عرابي ثورته سنة ١٨٨٢. فكانت من أهم الحوادث شأناً في تاريخ مصر الحديث، بل من أعظمها تأثيراً في السياسة الأفريقية. وقد مر عليها ما يناهز الثلاثين سنة وهي لا تزال تبدي لنا نتائجها المختلفة. أما شهرتها في الشرق وخصوصاً في القطرين المصري والسوري فهي تفوق كل شهرة سواها، وقد اتخذها العامة للتأريخ فيقولون مات فلان أو ولد فلان أو حدث ذلك سنة عرابي.
في ٢١ من سبتمبر الماضي غادر هذه الحياة موقد نار تلك الثورة الذي يرى القارئ رسمه في هذه الصحيفة، وكان قد غادر حياة السياسة منذ بضع عشرة سنة. . . ولد أحمد عرابي في قرية هرية رزنة في مديرية الشرقية حوالي سنة ١٢٤٨ هجرية من أبوين عربيين ودرس القراءة والكتابة على المعلم ميخائيل غطاس صراف تلك الناحية مدة خمس سنوات، ثم دخل المدرسة العسكرية وطرد منها بعد سنتين فالتحق بالأزهر حيث قضى أربع سنوات. وكان سعيد باشا والي مصر يبحث عن أولاد الفلاحين ليعلمهم ويوليهم الوظائف فدخل عرابي العسكرية ثانية وأظهر من الصفات ما مكنه من الوصول إلى رتبة بكباشي في سنين قلائل. وكان في هذه الرتبة على أول عهد إسماعيل باشا ولكنه اختلف مع رئيسه خسرو باشا فحكم عليه بالتوقيف ٨ أيام، فلم يمتثل لأن الضباط الوطنيين كانوا قد تشعبوا بالكره للجراكسة والترك بحجة أنه ما كان واحد منهم يرقى إلى أكثر من رتبة أميرلاي. فانضم عرابي إلى جمعية سرية ألفها علي الروبي لمعاكسة الجراكسة. ولما أرسل إسماعيل باشا
стр. 880
الحملة إلى الحبشة، عين عرابي مديراً للنقل في مصوّع. فنقص المال الذي بعهدته ٤٠٠ جنيه فعد الضباط المصريون اتهامه وشاية من الجركس، فعزله إسماعيل باشا من الجيش. فانصرف إلى خدمة الجمعية السرية بين العساكر وفي الأزهر فخشي علي مبارك باشا العاقبة فأشار إلى إسماعيل باشا بأن يستميل عرابي ورفاقه باللين ففعل ورقى ٧٠ ضابطاً إلى رتبة قائمقام ومنهم عرابي.
ولما تولى توفيق باشا أنعم عليه برتبة أميرلاي. وبعد قليل اختصم مع ناظر الجهادية عثمان باشا رفقي على قانون القرعة بحجة أنه يحول دون تقدم الوطنيين وأخذ مع علي فهمي وعبد العال حلمي بالسعي ضد الجركس والترك حتى استمالوا إليهم الجيش. ولما وثقوا من ذلك قدموا عريضتهم المشهورة إلى رياض باشا رئيس النظار فطردهم. ثم ارتأى
أن يحاكموا في قصير النيل فأبلغهم محمد سامي البارودي الخبر فاتفقوا مع الآلاي المعسكر بعابدي على أن يسرع لنجدتهم. أما دعوتهم إلى قصر النيل فكانت بحجة الاحتفال بعرس إحدى الأميرات وما كاد يصدر عليهم الحكم بالحبس حتى وصلا الآلاي وضرب أمام قصر النيل نفير الحريق فخرج عساكر قصير النيل لإطفاء الحريقة ودخل عساكر قشلان عابدين قصر النيل وخلصوا عرابي ورفيقيه وفر ناظر الجهادية.
وعاد عرابي إلى عابدين فائزاً وطلب من الخديوي عزل ناظر الجهادية والعفو عنه وعن زميليه وتعيين محمود سامي البارودي ناظراً للجهادية، فأجاب مطالبهم. وكان ذلك فاتحة كل الشرور لأن الحزب تهور كثيراً
стр. 881
حتى أن عربة نقل داست عسكرياً في الإسكندرية فحملوا العسكرية إلى رأس التين وأخذوا يطالبون الخديوي بدمه فعزل الخديوي ناظر الجهادية وعين داود باشا لهذا المنصب، فأمر داود باشا بنقل آلاي القلعة وآلاي الإسكندرية، فزاد هياج العرابيين وأعدوا العرائض يطلبون فيها الإصلاح وقدموها للخديوي وهو مع القناصل في عابدين. فوعد بالنظر فيها. ثم زار ثكنات العساكر ولما وصل إلى ثكنة عرابي بالعباسية لم يجده فيها. وعاد إلى عابدين فإذا بعرابي قد صف الجيش في الساحة وهو مستل سيفه يهدد السراي، فأطل عليه الخديوي وطلب منه أن يتقدم فوصل إلى باب السراي على جواده وسيف مسلول والضباط محيطون به فأمره الخديوي بإغماد سيفه ففعل ونزل عن جواده فسأله الخديوي: لماذا تفعل ذلك؟ فأجابه: لأنال خمسة أمور، الأول إسقاط الوزارة والثاني تأليف مجلس نواب والثالث زيادة عدد الجيش والرابع إنفاذ قانون العسكرية الجديد والخامس عزل شيخ الأزهر. فطلب القناصل من الخديوي أن يعود إلى قصره وقال قنصل الإنكليز لعرابي إن إسقاط الوزارة من خصائص الخديوي، وزيادة الجيش لا تسمح بها الميزانية، وعزل شيخ الأزهر لا يمكن أن يكون بلا سبب، وإنفاذ قانون العسكرية ينظر فيه مجلس النظار، وتأليف مجلس النواب من خصائص الأمة لا الجيش. فرد عرابي أنه يطلب ذلك كله بالنيابة عن الأمة وهذا الجيش أولادها وأنه لا يبرح مكانه حتى ينال مطالبه. فقال له القنصل ماذا تفعل إذا لم تجب مطالبك. فقال: عندي مليون شاب وليس لأحد أن
стр. 882
يتداخل بشؤوننا الداخلية. فعاد القنصل وتقرر بعد ثلاث ساعات من التباحث إجابة المطالب تدريجاً إلا مجلس النواب فإنه يؤخذ رأي الباب العالي بشأنه،
فأصر عرابي على إسقاط الوزارة فسقطت وألف شريف باشا وزارة جديدة، ونقل آلاي عرابي إلى رأس الوادي وآلاي عبد العالي إلى دمياط. ولما رأت الحكومة أن عرابي يبث روحه في الشرقية نقلته وكيلاً للجهادية فاشتغل حتى عزل الشيخ العباسي من مشيخة الأزهر وعين الشيخ الإمبابي بدلاً منه. ونفذت كل المطالب وتألف مجلس النواب. ولكن المراقبين على الميزانية وهما الفرنساوي والإنكليزي أبيا على مجلس النواب النظر في الميزانية، وسقطت الوزارة لهذا السبب، فألف محمود سامي الوزارة الجديدة واختار عرابي ناظراً للجهادية. فنفذ قانون الضمائم والمعاشات وعزل ٦٠٠ ضابط شركسي وتركي، وأرسل الآخرين إلى السودان وسجن ٤٠ ضابطاً كبيراً وفي مقدمتهم عثمان باشا رفقي بتهمة المؤامرة فحكم عليهم بالتجريد من رتبهم وبإبعادهم إلى السودان فأبى الخديوي التصديق على هذا الحكم.
ثم تفاقم الأمر وعرضت رئاسة النظار على مصطفى فهمي باشا فأبى قبولها. وأرسلت إنكلترا وفرنسا مراكبهما الحربية. فطلب الأسطولان عزل الوزارة وإبعاد عرابي وعبد العال وعلي فهمي، فاحتجت الوزارة على ذلك، ثم سقطت في ٢٦ مايو ١٨٨٢ وقبل شريف باشا تأليف وزارة جديدة. وورد تلغراف من آلاي الإسكندرية بأنهم لا يقبلون ناظراً للجهادية غير عرابي فأبقي في وزارته ريثما يصل الوفد الذي أرسله السلطان.
стр. 883
وأرسل إلى القناصل يتعهد بحفظ الأمن بشرط إبعاد الأسطولين من المياه المصرية. وأخذ عرابي يسعى لخلع توفيق باشا وتولية حليم باشا وتحصين المرابط المصرية. ووصل الوفد المرسل من الأستانة فشجع عرابي.
وفي ١١ يونيو ١٨٨٢ اختصم حمار ومالطي في الشارع الإبراهيمي بالإسكندرية فنجمت عن ذلك فتنة شديدة عقبتها مذبحة وتمارض قومندان الضابطة السيد قنديل وطلب المحافظ عمر باشا لطفي من أميرلاي الجند سليمان داود إرسال العساكر لإخماد الفتنة فأجاب أنه لا يفعل إلا إذا تلقى أمراً من عرابي. وبلغ عدد الجثث التي التقطت من شوارع الإسكندرية ٦٠٠ جنيه وهاجر في ذلك الأسبوع نحو ٢٠٠ ألف. وفي ١٣ يونيو سافر الخديوي إلى الإسكندرية، وأسقط وزارة شريف وألف وزارة راغب باشا، فظل عرابي فيها وطلبت هذه الوزارة العفو عن المجرمين، وأنعم السلطان على عرابي، فازدادت حماسة الحزب. وتخلل
ذلك مساعي الدول لعقد مؤتمر في الأستانة فسوّف الباب العالي وماطل. أما عرابي فإنه تولى قيادة ٩ آلاف جندي في الإسكندرية وأخذ بإقامة الحصون فاتخذت إنكلترا ذلك حجة وضربت الثغر فجأة فبدأ ضربها في الساعة ٧ صباحاً وظل حتى الواحدة والنصف بعد الظهر (١١ يوليو ١٨٨٢) وتولى الرعاع أمر المدينة فأحرقوها وأحاط ٤٠٠ جندي بسراي الخديوي بالرمل ليحرقوها، ولكن عرابي منعهم، ومكث أحد البكباشية مع ٢٥٠ عسكرياً على ولاء الخديوي وأرسل الأميرال سيمور ثلاث سفن لحماية السراي وارتد عرابي وعساكره إلى كفر الدوار وأعلن راغب
стр. 884
باشا عصيانه وطلبه الخديوي إلى رأس التين فأجاب أنه لا يطيع إلا إذا سافر الأسطول الإنكليزي. وقرر أعيان القاهرة استمرار الحرب وصدر أمر الخديوي بعزل عرابي ولكن مجلس الأعيان في العاصمة قرر إبقاءه.
وكان جيش عرابي بكفر الدوار مؤلفاً من ٤ آلايات مشاة وآلاي فرسان وآلاي طوبجية وبطارية مدافع، وأرسلت إليه المديريات ٢٥ ألفاً والعربان أفواجاً عديدة.
وبعد ذلك أصدر الباب العالي منشوراً بعصيان عرابي. وفي ٢٠ و٢١ و٢٢ أغسطس هاجم الإنكليز كفر الدوار وأخذوا بإنزال عساكرهم بالسويس فذهب عرابي إلى الوادي وبدأ القتال في ٢٣ أوغسطس وفي ١٢ سبتمبر هجم الإنكليز قبل الفجر على التل الكبير فانهزم العساكر وفر عرابي إلى مصر وتبعه الجيش الإنكليزي وفي ١٤ سبتمبر دخل الإنكليز القاهرة وفي ١٥ سلم لهم عرابي فسجنوه في العباسية ثم حوكم فحكم عليه بالإعدام واستبدل الحكم بالنفي فنفي إلى سيلان ثم صدر العفو عنه فعاد إلى مصر سنة ٩٧ مع رفاقه وأجرت الحكومة عليه ٦٠ جنيهاً في الشهر وسكن بجهة الناصرية حيث توفي.
أزهار وأشواك
فلسفة العيد
كان في الشهر الماضي ختام صوم رمضان وحلول عيد الفطر المبارك فأقيمت الأفراح والزينات وأقفلت المصارف والدوائر والمحلات التجارية
стр. 885
فاشتركت الأمة بأسرها في هذا العيد لا فرق بين المسلم والنصراني ولا النزيل والوطني، فكان ذلك مما تسر له خواطر محبي السلام، لاسيما في هذه الأيام حيث كثرت مشاغبات دعاة التفريق والخصام. وكان منظر الأولاد، وقد اشتركوا في العيد، من أبهج المناظر لأن روح التحزبات والغايات لم تنفث سمها في صدورهم الطاهرة. فرددنا قول شوقي:
فهذا بعلبته يزدهي ... وهذا بحلته يفخر
وهذا كغصن الربى ينثني ... وهذا كريح الصبا يخطر
إذا اجتمع الكل في بقعةٍ ... حسبتهم باقة تزهر
أو افترقوا واحداً واحداً ... حسبتهم لؤلؤاً ينثر
فلاسفة كلهم في اتفاق ... كما اتفق الآل والمعشر
ولا لغة غير صوت شجي ... كروض بلابلة تصفر
ولا يزدري بالفقير الغني ... ولا ينكر الأبيض الأسمر
فيا ليت شعري أضل الصغار ... أم العقل ما عنهم يؤثر
سؤال أقدمه للكبار ... لعل الكبار به أخبر
لا والله لم يضل الصغار، فليقتد بهم الكبار.
الجوق العربي
مديره عبد الله عكاشة، وقد جمع وإخوته إلى رخامة الصوت حسن الاستعداد. وواضع رواياته إلياس فياض، الشاعر والكاتب المعروف بالرقة والطلاوة. ومسرح تمثله التياترو المصري، وقد أُلبس حلة جديدة من الرواء بإدارة صاحبه إسكندر فرح وأخيه توفيق وأعضاؤه أفراد
стр. 886
جوق الشيخ سلامة، وهو أحسن جوق عرفناه. ومتعهد ملابسه كيريني، متعهد ملابس الأوربرا الخديوية. فكل أسباب النجاح متوفرة، كما ترى، لهذا الجوق العربي الذي بدأ بإحياء لياليه في منتصف الشهر الماضي. . . . نحن لا نقول إن الجوق قد بلغ
آخر مراحل الكمال، فهذا ما لا يراضه منا مديره الأديب. ولكننا نشهد أنه باذل همة تشكر في سبيل إرضاء الفن وحق القيام بشروطه ولا جدال في أنه قد خطا خطوة واسعة في ترقية التمثيل العربي. ولذلك نحن نصفق له كما صفق له الذين حضروا لياليه في مدن القطرين المصري والسوري. ضفرت باقة من أزهاري للقائمين بهذا المشروع. ولابد من تسديد بعض الأشواك إلى مرتادي مسارحنا العربية. يذهب الواحد منا إلى التياترو الإفرنجي، كالأوبرا او برنتانيسا مثلاً، فلا يجيز لنفسه الحضور بغير ملابسه الرسمية السوداء، فيجلس كما يشاء الأدب، ولا يدخن إلا في المجل المعد للتدخي. حتى ترى فيه الجنتلمن الكامل. وأما إذا رأيت هذا الشخص ذاته في تياترو الشيخ سلامة أو التيارو المصري، وهما لا يبعدان عن الأوبرا وبرنتانيا إلا بضع مئات من الخطوات، فإنك لا تكاد تعرفه، وقد جلس ومد رجليه على كرسي جاره، وأولع سيجارته، بالرغم من الحروف المرقومة على الجدران ممنوع التدخين أو اشتغل بقزقزة اللب بل تسمعه يقهقه ضحكاً في أشد المشاهد تأثيراً حتى يضايق الممثلين أيما مضايقة. . . فإلى متى نحن نحتقر أنفسنا؟ وما دمنا كذلك، فكيف نطلب من الأجانب أن يحترمونا. . .
стр. 887
كتشنر والفأر
تهمني السياسة بقدر ما تهم أسعار البورصة فراشة الحقل، أو بقدر ما تهم أزهاري وأشواكي إمبراطور الصين. ولذلك لست بمحدّث
стр. 888
قرائي عن المعتمد الإنكليزي الجديد إلا على سبيل الفكاهة. . . روي، والله أعلم، أن لورد كتشنر أوف خرطوم، لما كان قائداً للحملة السودانية، دخل إلى مضربه في أحد الأيام وقد اشتد عليه التعب والحر، وأوصى الجندي السوداني القائم على خفارته أن لا يدع أحداً يصل إليه لأنه في حاجة إلى قليل من الراحة. انطرح القائد بملابسه على مضجعه العسكري ونام، وبينما هو كذلك إذا بطلقين ناريين قد دويا في جانبه، فأفاق مذعوراً وهرول إلى خارج الخيمة وهو يظن أن العدو قد هاجم المعسكر على حين غفلة. فرأى الخفير والبندقية في يده، والابتسامة على شفتيه، فسأله عما هناك فأجاب: الرصاصة الثانية كانت القاضية عليه. . . . هو فأركان يحاول الدخول إلى الخيمة فخفت أن يزعج مولاي في رقاده.
مغزاه: سيرى العميد كثيرين من الزعماء يطلقون النار حوله - كالخفير - من أجل فأر،
بغية راحته.
حاصد
ثمرات المطابع
التشخيص الجراحي - لما تكلمنا عن رسالة الحمل خارج الرحم (زهور سنة أولى ص ٥٤٩) التي وضعها حضرة العالم الدكتور محمد أفندي عبد الحميد طبيب مستشفى قليوب، أثينا على همة المؤلف لنشره مثل هذه الأبحاث العلمية في اللغة العربية ورجونا من حضرته متابعة طبع
стр. 889
مثل هذه الكتب المفيدة. ولم يمض على ذلك بضعة أشهر حتى تحف الدكتور عبد الحميد العالم الطبي بمؤلف نفيس هو الذي نحن الآن بصدده، وقد استخلصه من أربع مؤلفات إنكليزية تعد من خير ما كتب في هذا الموضوع فجاء كافياً وافياً، وتناول تشخيص الإصابات كافة وما يطرأ عليها من المضاعفات كإصابات الرأس والعمود الفقري والمسالك الهوائية والحنجرة والصدر والبطن والحوض والمفاصل وأعضاء التناسل إلخ مع أبحاث مستوفاة في كل أنواع الخلوع والكسور والأورام والقروح. ومن يتصفح هذا الكتاب الضخم يدرك ما بذله صاحبه من العناية والتدقيق وتكبده من النفقات ليقدم لقراء العربية هذا السفر الثمين الذي كانوا بحاجةٍ قصوى إليه. فإذا هم أقبلوا على اقتنائه فإنهم لاشك واجدون فيه من الفوائد والمنافع ما لا يعد ثمنه شيئاً بجانبه. فلا يسعنا إلا إسداء الشكر الحميم للدكتور عبد الحميد الذي عرف كيف يخدم أمته وبلاده الخدمة الحقيقية، وهذا ما سمعناه من الكثيرين.
وقاية الشبان من المرض الإفرنجي والسيلان - وجاءنا كتاب طبي آخر ورد علينا من الديار الأمريكية لمؤلفه حضرة النطاسي الدكتور سعيد أفندي أبي جمره صاحب جريدة الأفكار البرازيلية، وقد بحث فيه بحثاً دقيقاً عن الأمراض الزهرية - المشتق اسمها من الزهرة آلهة الحب والجمال - وأورد تاريخها في العالم عموماً وفي الشرق خصوصاً ودخولها إلى بلادنا مع حملة بونابرت إلى القطر المصري
стр. 890
سنة ١٧٨٩ وامتدادها إلى القطر السوري لكثرة المعاملات بين القطرين وتسميتها بالمرض أو الحب الإفرنجي لأن مصدرها الإفرنج. ثم وصف كل أنواع هذه الأمراض وصفاً طبياً مع طرق معالجتها والوقاية منها، وسهل فهم كل ذلك بالصور والرسوم فخدم بذلك الشبان خدمة كبيرة عساهم أن يجدوا فيه ما يكفيهم شر هذا المرض الفتاك.
يا حسرتي عليك يا زعيتر - اشتهر شكري أفندي الخوري الكاتب الظريف بلطف أسلوبه وخفة روحه في الكتابة. وجريدته أبو الهول التي تصدر في البرازيل تشهد له بذلك وقد
امتاز على زملائه بالتعويل على اللغة العامية لإفهام الشعب ما يريد من الحقائق الأدبية والعمرانية. وله في عالم التأليف كتب لطيفة من هذا القبيل أشهرها رحلة فنيانوس. وإذا كان كتابه الأخير الذي أهداه إلينا أخيراً ينقص عن أسلافه من حيث الطبعية في اللهجة والحديث فهو لا يقل عنها مطلقاً من حيث دقة الملاحظة وقوة الوصف وشدة الانتقاد. وقد ذكر لنا فيه حكاية زعيتر - وهو قروي لبناني يهاجر إلى أمريكا بلاد الذهب - وما يصادفه أثناء هذه الرحلة من الحوادث والأمور الغريبة. ولا يسعك إلا أن تقهقه ضحكاً عندما تطالع حكاية هذه النوادر وهي بسيطة بحد نفسها ولكن قلم شكري الخوري يلبسها حلة ترتاح إليها النفس. وهو يذكرنا من حيث دقة الملاحظة والنقد بقلم فارس الشدياق، وإن كان بين إنشاء الكاتبين بون عظيم. وهو يشبه
стр. 891
تيودور بوترل وفردريك مسترال من حيث وصف عادات البلاد والتغني بجمالها، والحث على الاحتفاظ بتقاليدها.
غرازيالاّ - كتاب ثالث جاءنا من البرازيل في هذين الشهرين فلا يسعنا إلا الثناء على همة كتابنا الأدباء الذين هاجروا إلى أقصى الأمصار وباتوا ينشرون فيها لغتنا العربية. . . وغرازيالا هي الرواية الفلسفية الأخلاقية الغرامية التي ذاع صيتها في عالم الأدب الفرنسوي، ولا عجب فهي من أرق ما خطت يمين الشاعر الشعير لامارتين. وقد نقلها إلى العربية الأديب إسكندر أفندي كرباج. وكنا نود لو كان أكثر أمانة في الترجمة وأمتن سبكاً في التعبير لئلا يفقد شيء من جمال الأصل وطلاوته. على أن من مؤلفات لامارتين - كما في مؤلفات كل نوابغ الكتاب - صفحات قد يعجز عن تأديتها حقها من الترجمة أقدر المترجمين ولذلك نحن نقدر عمل مترجم غرازيالا حق قدره، فهو أجل وأشرف من ترجمة القصص التافهة.
رواية الشهر
أوله لهو وآخره قتل
كان في فلورنسا تاجر واسع الثروة تزوج بإحدى مثريات المدينة ورزق منها ولداً ذكراً دعاه ألفرد. ولم تكد تقر بالمولود عينه حتى دعاه خالقه إليه فترك وحيده يتيماً بعد أن أوصى به أرملته وذويه.
стр. 892
ترعرع الولد وأخذ يخرج في البلدة ويلعب مع أقرانه وما عتم أن شعر بميل خصوص إلى صبية كانت تلعب معهم اسمها ماري، فكان يخرج الولدان من منزلهما في ساعة واحدة ليلتقيا في مكان متفق عليه من قبل. وهناك يصرفان الساعات الطوال منهمكين في ألعاب لا لذة فيها ولا سلوى إلا أنها تجمع الولدين المتحابين وهما شاعران بفرح لا يدركان له سبباً حتى إذا دنت الشمس من المغيب واضطرا إلى الافتراق أحس كل منهما بوحشة زائدة وبحزن ما كان يخففه غير أمل اللقاء في اليوم التالي.
وقد كرت الأيام والأعوام والولدان يعيشان عيشة واحدة لا يلذ لهما شيء إذا افترقا ولا يحزنهما شيء إذا اجتمعا. . . ولما شبا عن الطوق فبرز نهدا الفتاة وانفتل ساعد الغلام تبدل ذلك الشعور الرقيق الكامن بحب ووجد وغرام. فأوجس أهلهم خيفة لاسيما أم الفتى، هي تحسب أن حب ابنها لتلك الفتاة يحمله على التهور والتفريط حتى وصل بها الخوف إلى أنها فاوضت عم الغلام بالأمر وقالت له: إذا دامت حال ألفرد وحال ماري على ما هي عليه فلا أعجب إذا أفقت يوماً وأنا جدة وهناك الفضيحة فأنى لنا تلافي الخطب قبل استفحاله؟. . . فأطرق العم يفكر كأن مسألة الغلام معضلة ولا كالمعضلات ولما أعياه التفكير ولم يوفق إلى حل للمشكلة أشار عل الأم بأن تعقد مجلساً عائلياً تطرح عليه المسألة فيتدبرها ويبت فيها رأياً يكون فيه خير الفتى وراحة الأم. . .
عقد المجلس العائلي وشرحت له الأم أسباب قلقها وجزعها ولم يكن في المجلس غير شيوخ ماتت قلوبهم فباتوا يحسدون الشباب ويضيقون عليه الخناق كلما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. وبعد البحث والتفكير والمداولة قر رأيهم على إبعاد الفتى آملين بذلك بلوغ المرام فيفعل البعاد ما لم تفعله النصائح فتتزوج الفتاة من جهة ويسلوها الفتى من جهة أخرى. . . . .
стр. 893
ثم كلف المجلس عم ألفرد بإبلاغه ذلك القرار بالطرق التي يراها مناسبة طبقاً لحاسات
الفتى وأمياله. . . فجاء العمل صبيحة يوم إلى ابن أخيه فرآه غارقاً في بحر من الغرام كم تاهت فيه سفن وضلت مراكب فاقترب إليه وبادره بالسلام مبالغاً بالملاطفة والمؤانسة حتى هش له الفتى وما كان يبسم إلا لحبيبة قلبه. . . .
ولما شعر العم باستعداد الفتى لسماع كلامه قال له بمزيد من الحنان:
ها أنت قد أصبحت رجلاً بحمد الله وآن لك أن تسافر إلى بلاد أرقى ووسط أرفع فتتفقه بالأسفار ومخالطة الأقوام، ثم تعود إلينا وقد تحليت بالأدب والعلم والاطلاع فيكون لك بين قومك كلمة وشأن. . . ولن يطول زمن هجرتك أكثر من سنتين فقط، فما رأيك؟. . . .
فابتسم الفتى ابتسامة دلت على انزعاج واضطراب وقال: ما فكرت قط يا عماه بهذه السفرة وها أنا بعد سماعي ترغيبك إياي فيها وتشويقي إلى اقتحامها كما كنت من ذي قبل: لا أحب السفر. فأنا هنا مرتاح إلى الطبيعة وما أنجبت، غير طامع بالمزيد فلا تكرهوني على ما لا ترغب فيه نفسي. . . .
فعض العم على شفتيه وأخفى الكيد وأظهر الجلد وأخذ يسرد على ابن أخيه البراهين والحجج والأسباب التي تقضي عليه بالسفر حتى ضاقت بالفتى أنفاسه ورأى أنه لم يعد له بين ذويه مقام فطلب إلى عمه أن يمهله إلى الغد فيعطيه الجواب الأخير.
خرج العم ونظر الفتى إلى واقع الحال فراعه. . . فكر بافتراقه عن معبودة قلبه فهاله فكره وتذكر ساعات لقياها حيث حديث الغرام أرق من النسيم وأشجى من نوح الحمام فهاجت أشواقه الذكرى فبكى ولسان حاله ينشد:
لا مرحبا بغد ولا أهلاً به ... إن كان توديع الأحبة في غد
ثم سار إلى حيث يلتقي عادةً بحبيبة قلبه فوجدها بانتظاره فراعه اصفرارها - وقد خبرها ذووه بعزمهم على تسفير ألفرد ورجوا إليها مساعدتهم حباً بخير الفتى، فوافقتهم مكرهة - وما وصل إليها حتى عرته هزة يعرفها من وقف تلك
стр. 894
المواقف فتقدم إليها واجلاً مضطرب الجوارح خفاق الفؤاد ومد إليها يداً مرتجفة باردة، فشدت عليها بيد مرتجفة باردة، وتناظر الحبيبان فتفاهما وعلما أن لابد من الفراق فتجسم بنظرهما كل ما في قلوب العاشقين من وجد وجزع وطوقا بعضهما بعضاً بدافع غير منظور وشهقا بالدمع، حتى إذا هدت حيلهما تلك الدقيقة بما فيها من هول الوداع ضم الفتى شفتيه إلى شفتي الفتاة وجمع كل ما في نفسه
من هوى وطبعه على تينك الشفتين بطابع من نار فانتفضت الفتاة انتفاض من جرى في عروقه تيار كهربائي وتراجعت إلى الوراء مذعورة وتراجع مذعوراً وقد شعرا بخطورة الموقف فافترقا وقد مزق الوداع نسيج قلبيهما.
أفاق ألفرد في اليوم التالي منهوك القوى شاحب اللون وأخذ يتأهب للسفر فدخلت عليه أمه وفهمت أن رأيه قد قر على مغادرة البلاد فسرت من جهة وحزنت على فراق وحيدها من جهة أخرى ثم جاء الأهل والإخوان فودعهم ألفرد وهو ينظر إليهم شارد اللحظات ويكلهم وعقله وقلبه حيث حلت حبيبته ماري، ثم سار ووجهته باريس عروس المدن. . .
وصل مدينة النور وفي قلبه ظلام القبور ووحدة الأجداث وبات ليلته الأولى فيها كما يبيت الملسوع متقلباً على فراش الآلام والأوجاع. وقد حاول بعدها عبثاُ أن يسلي فؤاده فما كان يزداد إلا شوقاً وحنيناً إلى الوطن إلى تلك البقعة الصغيرة، حيث محبوبته. فإذا هب نسيم حمله إليها السلام وإذا رف طائر ناشده المروءة والدمع هتون أن يحمله إلى أرض ميعاده ولسان حاله ينشد:
يا طير صوب بلادنا خدني معك ... جسمي أرق من النسيم شو بيمنعك
قلي بيمنعني نحيبك والبكا ... خايف تبلل جانحي من مدمعك
مضت السنتان - وهما مدة أسر الفتى - وقد كانت كل ساعة منهما دهر. فعاد ألفرد إلى فلورنسا وهو يتساءل: ترى ما حل بماري؟. . . حتى إذا وصلها وقلبه
стр. 895
خافق ونفسه جازعة علم أن حبيبته قد زفت إلى سواه فاسودت الدنيا بعينه ويئس من الحياة وعزم على الانتحار - وهو خاتمة الغرام - إلا أنه خطر على باله أن يرى حبيبته قبل الموت للمرة الأخيرة. انتظر ألفرد حتى أسدل الليل على المدينة سدوله وانسل تحت جنحه إلى منزل حبيبته وتوصل إلى غرفة نومها فاختبأ تحت السرير حتى خلت إليه فنزعت ثيابها ونامت وهي لا تشعر أن في الغرفة روحاً جاءت تودعها قبيل احتجابها في الأثير. . .
نامت فحلمت كأنها بالقرب من حبيبها ألفرد فطاب لها الحلم فكشف در ثناياها ابتسام خفيف. . . وكان ألفرد قد انساب في تلك الأثناء إلى سريرها فشعرت بحر أنفاسه فأفاقت وهي تحسب نفسها حالمة فإذا بها تضاجع رجلاً ليس بزوجها فهمت بأن تصرخ فضغط الفتى على يدها متمتماً: لا لا تجزعي. . . أنا ألفرد. . .
دهشت ماري وغسلها العرق البارد وهي لا تدري إذا كانت لا تزال حالمة حلمها اللطيف أو هي في الحقيقة تلمس حبيبها القديم. . . وما عتمت أن عادت إلى هداها فتحققت أن رفيق الصبا في جنبها فخافت كثيراً وقالت له: بالله عليه قم واذهب فزوجي في الغرفة معي وأنت تكاد تفضحني. . . فقال لها: لا تخافي. . . ما أتيت أفعل منكراً. أنت زففت إلى غيري فلتكن حياتك سعيدة، أما أنا فلم يبق لي مطمع في الحياة. . . دعيني أنام بقربك كما ينام الملك قرب الملك أو الأخ قرب الأخت فأحيا دقيقة وبعدها أموت غير آسف على الدنيا. . .
فحنت عليه ورق له قلبها وقالت: لك ما طلبت. . . فنام الفتى بقربها وقد تجسمت له السعادة فغاب فيها. . . أما هي فقد استغربت من حبيبها هذا الهدوء وما عهدها بالحب يبقي على العقل فأخذت يده يدها فوجدتها مجلدة فحسبت أن الغرام جلدها. . فنادته همساً: ألفرد! ألفرد!. . . فخافت وخامرتها الشكوك. . . فحاولت إنهاض رأسه فوجدته بارداً فحركت جسمه فانقلب كالعود، ففهمت وبهتت
стр. 896
وقد صعقتها الحقيقة: إن ألفرد قد مات. . . سكبت دمعة محرقة وشعرت أن عروق قلبها قد تقطعت ثم أفاقت ونظرت إلى ما حوليها فراعها ذلك الموقف وما فيه من أسباب القيل والقال فاستجمعت رشدها وصممت على رأي وقامت إلى زوجها فنادته فأفاق فقصت عليه كل ما حدث كأنها تروي حادثة وقعت لسواهم بعيدة عنهم ثم قالت: حينئذ ما كان يجب على أهل البيت أن يفعلوا وأمامهم تلك الجثة؟ فقال: كان يجب عليهم أن يقوموا إلى الجثة وينقلوها بكل هدوء إلى بيتها ويتركوها على الباب فيظن القوم في الصباح أن فقيدهم مات قضاء وقدراً. . .
فقالت: إذن قم وافعل ذلك بالجثة في سريري. . .
فذعر الرجل ثم ثاب إلى رشده وقد تحقق أن امرأته صادقة في كل ما روت فقام إلى جثة ألفرد ونقلها بمساعدة امرأته حتى أوصلها إلى باب منزله فتركاها هنالك وعادا من حيث أتيا والحزن ملء قلب ماري. . .
أصبح الصباح فوجد أهل ألفرد جثة الفتى على الباب فأعولوا وندبوا واستدعوا الطبيب فجاء وفحص الجثة فإذا الموت طبيعي فقرروا أنه كان قضاء وقدراً.
واحتفلوا بتشييع الجنازة فقال الرجل الذي مات ألفرد في بيته لامرأته: قومي بنا إلى
الكنيسة نرافق الجثة حتى لا يخالج الناس ريب. فقامت والحزن يقتلها وقد عاد إلى ذهنها ذكر أيامها الأولى فسارت خلف الجثة وعينها تسكب الدمع مدراراً حتى إذا وصلوا بها إلى الكنيسة وصولا عليها وهموا بحملها إلى مرقدها الأخير سمع القوم صرخة هي أشبه بتنهيد عميق تلاه هبوط جسم إلى صحن الكنيسة. . فتراكض الناس فإذا ماري جثة هامدة تحت تابوت ألفرد. . . .
راع ذلك المنظر القوم المحتشد فأحنوا الرؤوس خشوعاً وسكتت القلوب اضطراباً واحتراماً وجعلوا الجثتين في تابوت واحد وواروهما في لحدٍ واحد كأنهم شعروا بأن ليس لهم أن يفرقوا جسمين اتحدت روحاهما بالموت. . .
وهكذا اتحد هذان العاشقان في اللحد بعد أن افترقا على الأرض وقد فعل الموت ما لم يفعل الحب. . .
(عن الإفرنسية)
حسون
стр. 897
العدد ١٨ - بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩١١
الأعلام العربية
في اللغات الأجنبية
بالنظر إلى انشغال العالم السياسي بحوادث طرابلس الغرب ومراكش كثر في جرائدنا ورود أسماء العلم عن تلك الأصقاع العربية. ولما كانت الجرائد تستقي معظم أخبارها من الصحف الإفرنجية رأينا أكثر هذه الأسماء مشوهاً في الترجمة تشويهاً يكاد ينزلها منزلة الأعجمي من الألفاظ. فأحببنا أن ننبه إلى هذا الخطأ طالبين إلى كل من يهمهم هذا الأمر أن يعملوا على ملاقاته:
منذ أربع سنوات تقريباً أرسل الأستاذ نلينو إلى الجمعية الجغرافية الخديوية مقالاً بحث فيه عن أسماء العالم الإسلامي الجغرافية وما يطرأ عليها من الغلاط والتحوير في النقل من لغة إلى لغة. وليس الأستاذ نلينو بمجهول لدى المصريين، فإنه من علماء المشرقيات المعروفين، وبعد ما كان مدرس اللغة العربية في كلية بالرمة (جزيرة صقلية) اختارته الجامعة المصرية منذ سنتين ليدرس في القاهرة تاريخ العلوم عند قدماء
стр. 898
العرب. ولقد جاءت رسالته في الموضوع الذي ذكرناه طافحة بالملاحظات الجديرة بالاعتبار.
* * *
مهما كابر المكابرون لا ينكر أن الغربي الآن قد نال الأسبقية على الشرقي في ميدان الحضارة والعلوم. وقد أصبحنا في حاجةٍ إلى الرجوع إلى أبحاث علماء الغرب حتى في الأمور التي تتعلق بنا أشد العلاقة. فبتنا ندرس تاريخ أمتنا وجغرافية بلادنا في كتبهم ومؤلفاتهم. فأحدث ذلك عندنا تبلبلاً واضطراباً في ضبط الأعلام العربية وإرجاعها إلى أصلها. وهذا هو الأمر الذي قام الأستاذ نلّينو يدعو إلى تلافيه أعني آفة التحوير بل التشويه الذي يدخل على الأعلام الشرقية. فإن كتاب الإفرنج وعلماءهم قلما يحسنون نقل هذه الكلمات بلفظها الصحيح إلى لغاتهم. ولذلك، على ما نرى، سببان: الأول أن آذانهم لم تتعود سماع بعض مقاطع ومخارج لغاتنا فيسيئون كتابة ما يسمعون من أسماء الأعلام. والثاني - وربما كان هذا هو السبب الأساسي - إن اللغات الأجنبية تخلو من بعض حروف اللغات الشرقية ولاسيما الحروف الحلقية كالحاء والخاء والعين والقاف، فيستعيضون عنها بحروف تماثلها على قدر الإمكان، وكثيراً ما يخلط هؤلاء الكتاب بين
التاء والطاء، والدال والضاد، والسين والصاد، والقاف والكاف إلخ وذلك للسبب نفسه، أي خلو لغاتهم من حروف فارقة بين هذه المخارج، فتجيء كتاباتهم أحياناً بعيدة عن أصلها، غريبة في وضعها، وكثيراً ما يلبسونها بالنقل حلة
стр. 899
جديدة، فيتعذر على قارئها أو مترجمها إعادتها إلى أصلها. من ذلك أنهم يكتبون صلاح الدين سلادن، وفخر الدين فهردان، وابن رشد أفرويس، وابن سينا افيسن، ووهران أران، وعين ماضي أين مدها، إلى غيرها ما هنالك من هذا القبيل مما يطول بنا إيراده.
* * *
يأخذ الغربيون قطننا وحريرنا فيصبغونه وينسجونه ويعيدونه إلينا، فهل نستغرب إذا أخذوا كلماتنا فنحتوها وصقلوها وأعادوها إلينا مصبوغة بصبغة لهجاتهم؟
على أن هؤلاء الكتبة لا يلامون في كل الأحوال على هذا التحريف لما قدمنا من الأسباب. ولكن اللوم علينا، نحن معشر الشرقيين، فإننا عندما نقرأ مثل هذه الأسماء الشرقية أو نضطر إلى نقلها إلى العربية نأخذها عن الإفرنجية ونكتبها بحروف تماثل حروف صورتها الغربية كأنها غريبة عنا. فتبقى في حلتها الأجنبية كأنها من الكلمات الموضوعة في أكاديمية اللغة في باريس أو لندره أو برلين. ولا نذكر من هذا القبيل على سبيل الفكاهة إلا ذاك الذي ترجم سلادن (صلاح الدين) بلفظة سلادينوس (؟) ألا رحم الله السلطان الأيوبي وكفاه شر المعربين.
أما الآن - وقد أخذ علماء الغرب يقبلون أيما إقبال على درس العربية والفارسية والسريانية وسائر اللغات الشرقية من ميتة وحية - فإنهم تنبهوا للأمر، لأنه تعذر عليهم مراراً تطبيق أسماء الأعلام على أصلها عندما رأوها في ذلك الأصل بعدما ألفوا شكلها الأجنبي. فأخذوا
стр. 900
ينقبون ويبحثون ويطالعون في كتب قدماء العرب ليعيدوا إلى هذه الأسماء صورتها الحقيقية.
هذا بعض ما خطر على البال عندما تصفحنا مقالة الأستاذ نلينو. وكان حضرته قد كتب قبل اليوم ما مفاده:
طبع في بولاق سنة ١٨٩٣ كتاب اسمه تاريخ العرب وآدابهم لجامعيه فانديك وفيليبيدس، صدره الكاتبان بمقدمة جغرافية عن جزيرة العرب ترى فيها أكثر الأسماء مشوهاً أي
تشويه لنقلهما هذه الكلمات عن لغات أجنبية دون مراعاة أصلها فيجعلون مثلاً (ص ٦) جزيرة خوريان كوريان، وبلد الكويت قويط، وجبل العارض الجبل العريض، والقصيم القسيم. . . . .
هذا وقد توفق الأستاذ نلينو إلى تنقيح أسماء مختلفة فأعادها غىل أصلها وأكثرها من أسماء الأمكنة في مراكش والجزائر، وهي مغلوطة الكتابة حتى على الرسوم الجغرافية المعول عليا، وها نحن نورد أهمها للفائدة:
تل أمرنا والصحيح تل العمارنة، قبيلة دوي منيه والصحيح ذوي منيع. وسهل تافراته والصحيح سهل تافراطا، وقد ورد ذكره في ابن خلدون وسائر مؤرخي بلاد المغرب.
وقد ذكر العرب في كتبهم قبائل إيت سغروشن وأيت شخمان. فصارت في كتاباتنا الحديثة إيت شروشن وإيت سغمان. وقبيلة غياثة صارت رياطة.
ونحن نعتقد أن سبب هذا التحوير الأخير أن بعض الإفرنسيين
стр. 901
كما هو معروف يلفظ الراء كالغين، كذلك قل عن وادي تدغه فقد حوروها فصارت وادي طدرة.
أما وادي ذرا فصوابها وادي درعة ومدينة ششوان صوابها الشاون.
ولا مجال الآن إيراد كل الأسماء الجغرافية التي اعادها الأستاذ نلينو إلى أصلها كما وردت في كتب العرب فلا تبقى تحت رحمة المترجمين يشوهونها عندما ينقلونها عن الإفرنج بعد ما يكون هؤلاء قد حرّفوها في نقلها إلى لغتهم.
ولابد في هذا المقام من ذكر اسم عالم آخر هو من أبناء الشرق قد أدى مثل هذه الخدمة أعني به الأمير شكيب أرسلان اللبناني المعروف لدى قراء الزهور فإنه في رواية آخر بني سراج التي نقلها إلى العربية عن الكاتب الفرنسوي شاتوبريان بحث أدق بحث عن الأعلام الأندلسية الشائعة في إسبانيا حتى توفق إلى تطبيقها على أصلها.
ولما عني الأمير بتأليف تاريخ الجزائر وحياة الأمير عبد القادر وكان جل اعتماده على كتب إفرنجية استعان بالسيد محمد مرتضى الحسني لضبط أسماء الأعلام. وقد أشار الأستاذ نلينو في مقالته إلى آراء الأمير الأرسلاني واعترف بدقتها.
* * *
أما وقد رأينا الآن الداء فما يكون الدواء؟. . . إن الحاجة تدعو إلى وضع معجم لأسماء
الأعلام يكفينا شر آفة التشويه في النقل - ولكنا معرض لها - وأن يعول علماء المشرقيات على علامات خصوصية
стр. 902
يصطلحون عليها لكتابة ما ينقصهم من الحروف الشرقية.
ونختم هذه الملاحظة الإجمالية بما أشار إليه الأستاذ نلينو عن ضبط تلك الأسماء قال:
لا يتم ذلك إلا في بلاد الشرق، وأنا اعتقد أن نقطة الشرق المعينة للقيام بذلك هي مصر. ففي مصر تلك الجمعية الجغرافية التي خدمت العلم الخدم الجلي. . . وفي مصر نقطة تجلب إليها المسلمين من كل صقع، أعني بها الجامع الأزهر، وفيه الطلاب الذين يؤمونه من كل صوب فيمكن الاستعانة بهم على أخذ التعليمات اللازمة. وأخيراً نعرف في مصر جماعة من نخبة علماء المسلمين هم على تمام الاستعداد لتحقيق هذا المشروع إذ أنه في وسعهم، فضلاً عن معلوماتهم الشخصية، أن يستفتوا إخوانهم في سائر الأمصار الشرقية، الأمر الذي يتعذر على علماء أوروبا. وفي هذا العمل فائدة كبرى للغربيين، لأنه يضع حداً لهذا التشويه الذي جعل الدروس الشرقية وعرة المسالك، وللشرقيين لأنه يحفظ لهم إرثاُ لغوياً ثميناً باتت تتهدده أيدي النساخ والمترجمين.
ولسنا نزيد شيئاً على هذه الأقوال المملوءة حكمة، بل نضم صوتنا إلى صوت هذا المستشرق طالبين من القادرين على ملاقاة هذا الخلل ألا يتأخروا عن ملاقاته.
ولا يسعنا في الختام إلا تهنئة رئيس وأعضاء جمعيتنا الجغرافية الخديوية بما نالوه من التفات علماء أوروبا، وشكرهم على ما يبذلونه من الاجتهاد في سبيل تعزيز العلم في أصقاعنا.
стр. 903
في منازل الأموات
زيارة القبور وإكرام الموتى عادة شائعة عند أهل جميع المذاهب قديماً وحديثاً، ولا يخفى ما فيها من العبرة والذكرى والوفاء. وقد خصص المسيحيون اليوم الثاني من هذا الشهر للقيام بهذا الواجب (٢ نوفمبر: تذكار الموتى).
هناك في مثل هذا اليوم بين تلك المنازل المقفرة أقضي ساعة من الزمن في كل عام، وأقوم بواجب تفرضه علي المحبة ويقضي به تذكار المودة. ساعة أقضيها في بكاء ورثاء فتولد راحة في القلب وتسكيناً في الفؤاد، كأن الأحزان تذوب مع الدموع المتساقطة، والأشجان تتطاير وتضمحل مع الزفرات المتصاعدة.
هناك في منازل الأموات بين القبور الساكنة وتحت أشجار السرو الباسقة وقفت وبكيت، واتعظت وتعزّيت. . .
فيا طلاب العواطف الرقيقة ومحبي المواقف الرهيبة، اقصدوا المقابر في مثل هذا اليوم فتشعروا بأرق العواطف وتتمتعوا بأجل المواقف. . . .!
ويا عشاق الفنون الجميلة، أيها الشعراء والمصورون أموا القبور فتلقوا غذاء لقريحتكم، اسقوا أقلامكم بالدموع التي تذرف هناك، فتسيل منها أرق القصائد وترسم أسمى المناظر وأبدع المشاهد.
ويا أيها الأحياء زوروا منازل الأموات فتدركوا ماهية الحياة وجوهر الممات. . .
* * *
стр. 904
وصلت إلى المقبرة فوجدت بابها مفتوحاً والناس يتقاطرون إليها أفواجاً، وهم متشحون بالسواد حاملون الزهر والأكاليل المضفورة، وقد استولى عليهم الانقباض ورفرف على رؤوسهم روح الخشوع. فدخلت مع الداخلين حاسر الرأس كابت الفؤاد. وما وطئت قدمي هذه الأرض المقدسة حتى اعترتني هزة واستولت علي قشعريرة وهتف صارخ في صدري: سلام على أهل القبور الدوارس، سلام على سكان الديار الموحشة والمنازل المقفرة، رحمة وسلام عليكم أيها الراقدون بسلام. . . .!
وقفت منفرداً في إحدى زوايا المقبرة أدير الطرف حولي وأتأمل ما يكتنفني. . . . . هنا أم ثاكلة جاثية على ضريح وحيدها تذرف على بلاطه البارد عبراتها المحرقة وتسكب على الراقد طيه صيب صلاتها الحارة. وهناك يتيم جاث على قبر والدين اختفطهما ملاك الموت
قبل الأوان. وهنا أخ يبكي على رمس أخيه، وهناك حبيب يصلي على جدث حبيبه. وقد امتدت فوق هاتيك القبور أغصان السرو ذات الخضرة القاتمة الدائمة، ناشرة على مراقد الموتى ظلها الرهيب، وحفيف الأوراق فيها أشبه بالندب والعويل.
أخذت أطوف في أنحاء المقبرة، فرأيت قبوراً زينتها الأكاليل ونمت حولها زهور ورياحين زرعتها يد المحبة وسقتها دموع الوفاء فنبتت رمزاً عن الحب ودليلاً على الذكر وحفظ العهد. ورأيت غيرها عارية مهملة وعلى جوانبها قليل من العشب اليابس وليس من يضع عليها زهرة الذكر أو يذرف عليها دمعة الوداد، فقلت: أين الذين أحبوهم؟ تبرأ
стр. 905
منهم القريب، وانصرف عنهم الحبيب. . . . تابعت السير فإذا بأخشاب بالية وعظام نخرة فوقفت عندها بكل خشوع وإخبات، وتساءلت: لمن هي يا ترى؟
لو بعثرت للخلق أطباق الثرى ... هل يعرف المولى من العبد
فسقياً لك يا موت، أنت تسوي بين الكبير والصغير، فهذه بقايا الرفيع والوضيع، ورفات الغني والفقير، فمن يقدر أن يجد بينها فرقاً.
إلى هنا مصيرك يا ابن آدم مهما علوت وارتفعت. فجهلاً تتباهى وحمقاً تتفاخر وتعتز. إن الراقدين هنا كانوا مثلنا يعبرون نهر هذه الحياة فتردد شواطئ النهر صدى أصواتهم وأغانيهم، وها أن الموت قد أغلق أفواههم وأخمد أنفاسهم. . . تراءت لهم الدنيا بمجدها وزخرفها، ومدت إليهم كأس ملذاتها، فمدوا يدهم لارتشاف هذه الكأس، فانكسرت على أقدامهم. وتجلت لهم الحياة بمظهر الغادة الحسناء فنظروا إليها نظرة العاشق الميتم، فإذا بها قد انقلبت شمطاء شنعاء ثم اضمحلت كالدخان.
وبينما أنا أسير بين القبور أستنطق مرمرها الناصع وأناجي الراقدين تحت حجارتها إذ خيل إلي أن هاتفاً يقول:
كما أنتم كذا كنا ... كما صرنا تصيرونا
وخلت أن شبحاً قد خرج من كل ضريح وهو يشير إلي بكفنه قائلاً:
قف واعتبر يا من ترى ... قبري وما بي قد جرى
بالأمس كنت نظيركم ... واليوم صرت كما ترى
قل: ربنا ألف بنا ... وارحم عظاماً في الثرى
стр. 906
فوقفت واعتبرت وترحمت. ثم خرجت من تلك المنازل مودعاً الراقدين فيها متسائلاً: هل تطول غيبتي عنهم، أم تكون عودتي إليهم قريبة لأودع حبيباً أو نسيباً أو لأرقد بينهم رقادي الأخير. . . .؟
الشعر
قبل ان نعطي الكلام قياده، ونلقي على كاهل القلم زمانه، لا نرى بداً من أن نعرف ما هو المفهوم بالشعر عند أربابه وبماذا يختلف عن كل قول ليس بشعري.
يطلقون لفظ الشعر إجمالاً على كل صناعة تقوم بإظهار الحسن البالغ ومن ثم فقد يكون لحذاق المصورين والموسيقيين وغيرهم نصيب في ذلك كما لصانع الشعر بالقول.
أما على سبيل التخصيص، فالشعر حقيقة هو القول الذي يظهر الحسن البالغ بالأقاويل الشعرية وهي الأقاويل المخيلة فقط - أعني الغير موزونة - فالوزن واللحن.
والمراد بالوزن العروض، وهو رصف اللفظ وسكبه في قالب القريض. ويراد باللحن الأنغام التي تحدث من الوزن عند نظم الكلام وسكبه في مهيع التفاعيل، فاللحن إذن داخل تحت حكم القول الموزون. إنما في بعض الأشعار يتولد اللحن بنوع خصوصي بواسطة تطابق ألفاظ وتجانس حركات، فتنبعث نغمات أكثر مما في سواها مثلما في نوع
стр. 907
الموشحات التي استنبطها أهل الأندلس وفي الأزجال (راجع تلخيص كتاب أرسطاطاليس في الشعر تأليف أبي الوليد بن رشد).
وقد ينفرد على حدة كل من الأقاويل المخيلة والوزن واللحن فنرى المحاكاة المخيلة في الأوصاف ونرى الوزن في الرقص واللحن في الزمر وآلات الطرب كافة.
والمفهوم عند الفريق العظيم من بني نحلتي إلم أقل السواد الأعظم، إن الشعر هو كل قوم منظوم ومقفى بدون اعتبار المعنى الشعري ركناً ضرورياً له. على أن في هذا الاعتقاد شططاً فاحشاً، ومن ذهب هذا المذهب قل عنه ولا حرج بأنه يقفه معنى الشعر ولو كان من الذين امتطوا متنه وتقلدوا أعنته. فقد يدعى شعراً - وهو ليس منه - بعض أقاويل منظومة إذ أنها لا تتضمن إلا الوزن فقط وقد قيل: الشعر ما اشتمل على المثل السائر والاستعارة الرائعة والتشبيه الواقع وما سوى ذلك فإن لقائله فضل الوزن.
ومثيل ذلك كثير في كل اللغات كأقوال سقراط وانبادقليس في الطبيعيات وكل من استخدم الشعر في الرياضيات وعلم الهيئة والآداب.
ولا مشاحة في أن الأقاويل المخيلة فقط كالأوصاف وغيرها أقرب إلى حقيقة الشعر وأحق بأن تدعى شعرية من منظومات هؤلاء الذين نظروا بها الآداب أو قواعد الإعراب ودونوا فوائد علمية أو فلسفية لأن كل هذا خارج عن حد الحسن البالغ اللهم إلا إذا التجئ إلى
صورة الشعر الحقيقية وطلاوة طرازه فلم يفتهم ضرب التخييل ولا روح الشعر
стр. 908
كما فعل هوراس الروماني في الصناعة الشعرية وحذا حذوه بوالو الفرنساوي فإنه والحق يقال تلطف في تأدية القواعد وأودعها قالب القريض بصورة بديعة النزعة حتى جاء نظمه من باب الشعر.
الشعر إذن وضع ليمثل كل حسن سيان أدبي أو مادي، وكان من شأنه أن ينفذ إلى النفس فيحرك أوتارها مثل ذلك في وصف الخيال والجمال والصفاء والسناء والمكرمات وكل شيء تنبسط له النفس وتجد إليه كما في وصف مشاهد الكون الجميلة من رياض باسمة وبدور ساطعة وبقاع شاسعة وبحار واسعة.
وليس من خواص الشعر ولا من مواده سن الشرائع ونشر الحقائق وتدوين الوقائع والحوادث التاريخية.
ولربما التجئ في الشعر إلى استعارة ما لا يدخل في صناعته متى كان ذلك على سبيل التشبيه على شريطة أن يكون التشبيه واقعاً ومألوفاً كقول الطغرائي في لاميته:
لو أن في شرف المأوى بلوغ منى ... لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل
فهذا القول وإن كان من قضايا علم الهيئة إلا أن فيه تشبيهاً يقرب المعنى ويكسبه طلاوة.
وبعد ما تقدم يمكنا النظر في الشعر من الوجهة المعنوية والودهة اللفظية وهذا ما نراه في مقال آت.
حلمي المصري
стр. 909
رسائل غرام
بين نساء شهيرات ورجال عظام
الرسالة الثالثة
من كيلوباطرة إلى أنطونيوس
تحية وسلام يحملها رسول كليوباطرة حاكمة النيل المبارك، وسليلة البطالسة العظام، إلى أنطونيوس الشريف، النسر الجاثم على ضفاف التيبر.
مرت أربع سنوات على هجرك هذه البلاد التي دعاها آبائي في
стр. 910
القديم الأرض المظللة بأجنحة المجد والملائكة. قد عبثت بهبة الزهرة وهجرت هيكلها الذي فتحت لك فيه قلبي وخضدت شوكة كبريائي لأنني أحببتك غير حبي لسلفك القيصر وأردت أن أرى عرشك بقربي على ضفاف هذا النهر المقدس. أحللتني في قلبك إلى أن سحرتك عذارى فستا في شخص أوكتافيا الفاتنة فسدلت على الماضي حجاباً من النسيان وأغواك عرش روملس ففضلته على عرش أمجد في قلب امرأة طالما تمنى القياصرة والأكاسرة أن يركعوا عند موطئ قدميها.
كلما قارب الإله را أن يحتجب وراء الأفق ويغطس خلف أمواج الأبدية حملته لك تحيات أزكى من الطيب الآتي من الجنوب، وأنقى من النسمات المنبعثة من الرياحين. ذلك لأن الشعلة المقدسة لا تزال متأججة في أحشائي ولا تطفئها إلا رفرفة الأجنحة - أجنحة ذلك النسر الذي ينتقل الآن بين عذارى فستا كما تنتقل الفراشة في الحقول. فلتنتشر تلك الفراشة أجنحتها الذهبية وتعبر أمواج الأبدية راجعة إلى حيث الأزهار والرياحين.
ولقد كنت أظنك أيها القائد الشريف تكتفي بما قد نلته من جاه ومنعة، وتمسك عنان مطامعك عند الحد الذي بلغته من الشهرة والعظمة. فإنني أتمثل شبحك الهائل والمحبوب معاً - وقد ثبت قدمك الواحدة على ضفاف التيبر، والأخرى على ضفاف الفرات، فلم يبق أمامك مزيد للشهرة إلا في مخيلة الآلهة. لذلك أحبتك العذارى وصارت كل منهن تتغنى لك بنشيد ذلك الحكيم العبراني القائل أنا سمراء وجميلة يا بنات
стр. 911
الزهرة. لا تنظرن إلي لكوني سمراء لأن الشمس قد لوحتني. بنو أمي غضبوا علي فجعلوني ناطروة الكروم.
كن معافى أيها الشريف أنطونيوس. ولتحرسك الآلهة من قي الأعداء. ولكن لا تنس وأنت
مستو على منصة سلفيا إن في الأقاليم البعيدة عن حقول أريكية مليكة تضحي بتاجها في سبيل مسرتك ولا ينعم لها بال إلا إذا أشرقت عليها أشعة ابتسامتك. فتعال نتمتع بهذه الحياة في حمى أفروديتي. تعال نقم له معبداً في حقول الآلهة فنأكل ونشرب لن غداً نموت. لا تغرنك بسطة الملك وسعة الجاه فإن الحياة مستمدة من أشعة الزهرة لا من سهام مارس وكرسي رعمسيس ليس أقل مجداً من عرش روملس. تعال. تعال. لأن الحياة أقصر من أيام البنفسج، والأحلام التي أتعلل بها أبهج من أن يتمتع بها بنو البشر.
قد أعددت لك فلكاً ينسيك قصور رومية وعطرته بأريج يزري برياحين مادي وفارس وجعلت لك فيه من العبيد والإماء ما سوف تحسدنا عليهم الآلهة. فهلم إلي يا ساحر رومية وصديق القصير. هلم واسمع أناشيد الحب التي تلهج بها شفتاي. إن كان التيبر قد سحرك فالنيل يفك عنك قيود ذلك السحر. أو كانت تلال البلاتين قد أغوتك فإن أهرام الفراعنة تكون موطناً لقديمك. والأرض المظللة بأجنحة المجد والملائكة ترحب بك أينما حللت وحيثما أتيت.
إن رسولي الذي يحمل رسالتي هذه إليك يحمل أيضاً معه قارورة
стр. 912
طيب تقيك نبال الحاسدين وترشدم إلى حيث تقيم من هي مقيمة على عهود هواك. كن معافى. ولتحرسك الآلهة.
من كيلوباطرة، وارثة النيل
بقلم سليم عبد الأحد
الحاجة
(العفة ثوب تمزقه الحاجة)
يا مثيرة الآمال ومنبهة الأفكار، وجالبة الشقاء والنار التي تذيب العزائم وتحرق القلوب وتذل العزيز وتدفع المضطر بيد القسوة والغلظة إلى هاوية الجرائم والآثام. أنت الوباء الذي يفتك بالشرف والشعور، أنت المجتثة لجذور الضمير من الصدور. أنت القادرة وحدك على إنزال الشهب من أفلاكها والملوك من عروشها وإبراز الحقائق من مكمنها واستخراج اللآلئ من أصدافها.
كم ذات خدر طلعت عليها وهي في وحدتها تناجي ربها، وترجو منه إفراج كربتها، فانقضضت عليها انقضاض الباز على الورقاء، وأنشبت فيها مخالبك الحديدية حتى ضيقت عليها الأنفاس، وأريتها سبيل العيش أكثر سواداً من جناح الغراب وأضيق من سم الخياط.
كم حليم أخذت عليه مسالك التسامح، وكم كريم بلعت ما كانت تجود به كفه، وكم أبي راض بيومه باسم لغده غير باك على أمسه تخللت منه بين تيار العقل والقلب، وزينت له طريق الشر وهي منضدة بالنضار والتبر. فأثرت فيه شجوناً لذاعة لحشاه لم يقدر على إخمادها حتى قضيت
стр. 913
فيه مأربك وبلغت منه مرامك.
بيدك الأثيمة - أيتها الحاجة - تبذل الأعراض، وتهتك الحرائر، وتنضب مياه الوجوه.
وبيدك الأثيمة تفتح أبواب الشرور، وتشاد هياكل الرذيلة، وتحفر القبور لوأد العفاف والشرف والضمير.
وأنفاسك المستعرة بنار الشهوة تمر على الجباه العالية والأنوف الشماء فتترك عليها أثراً من دخانها الأسود يجذبها للتمرغ في جحيم الرذائل.
ليتك تخلعين عن منكبيك دثار الخفاء، وتظهرين أمام عين الرائي كما تظهر أفعالك الخبيثة، إذن لجردت من عزيمتي ماضياً أغمده في صدرك. إذن لأرحت العالم من شرك وبدلت هذا الناموس الفاسد الذي يسيرون عليه، وأطلقتهم من عقال الهم والشقاء، وأريتهم كيف يكون الهناء في العيش وأين يجدون السعادة التي ينشدونها.
(مصر)
محمد شريف وصفي
حقائق
رفع ستار ليل يونيو، فظهرت ألسنة النور المندلعة من فم الشمس. وكأنما هي ثكلت أولادها، فباتت تندبهم فأصبحت متلهبة الأنفاس محروقة الكبد تذيب دماغ الضب.
استعاذ الناس بمن لو أراد لأثلج كبدها وقالوا: اللهم إنك خالق
стр. 914
الإنسان وعالم بمقدار ما وهبته من القوة، وما ابتليته به من الضعف، وهو مسير بمشيئتك إن تشأ فرجت عنه بنسيم بليل ينعش قواه، وإن تشأ جعلت له في دنياه درساً وعظة ففتحت عليه ثغرة من ثغرات جهنم.
سمع الله نداءهم وحال بنيهم وبين ألسنة اللهيب ببساط من الغيوم بل قل ببساط من رحمته.
احتكت فأرعدت، وما هو في الحقيقة إلا صوت من قبل الله لمن يذكر أو يخشى يقول: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم بها ولا تكفرون. . ثم دمعت عيناها فبللت وجه الأرض وغسلت أوراق الشجر، فسكن الغبار وصحا الجو وظهرت الطبيعة بأجمل مظاهرها.
نظرت بعد ذلك الطير وقد اجتمعت فوق الأغصان فأقامت الصلاة لله خاشعة مؤتمة بكبير لها وسمعت القمري إلى جانبها يذكر الله، كأنه المقرئ يرتل سورة الكهف يوم جمعة في مسجد، أو الأرغن يلحن الترنيمات الإلهية في كنيسة يوم أحد.
نظرت الظباء وقد سرحت في مراعيها تحت ظل الأدغال بجانب الآساد والذائب كأنما هي بالبيت الحرام في شهر المحرم وسمعتها تهمس بذكر الله الذي بدلها عن الشر خيراً.
نظرت نهر النيل وقد مخض مياهه فتلاطمت أمواجه وتداخل بعضها في بعض فظهر سطحه كقباب من الفضة متجاورة صفت صفاً صفاً وكأنما قد ركبت على زنبق فهي دائمة الحركة، وسمعت من حركتها الحمد لله والثناء عليه.
стр. 915
نظرت الأشجار فإذا بها تهتز يمنة ويسرة كأنها صفوف من أرباب الطرق والأشاير يذكرون الله قياماً وقعوداً
نظرت ثنيات الهضاب والجبال تتثنى تحت رشاش دموع السحب فتحسبها المولوية ترقص على نغمات الناي.
نظرت ما نظرت وسمعت ما سمعت، فقلت: تباركت يا ذا الجلال والإكرام فهذه الكائنات كلها تحمدل بآلائك وتثني على نعمائك.
وبينا أنا أمتع نظري بهذه المرئيات إذا أوحت إلي الأمارة بالسوء أن أنظر إلى أكمل وأبدع
هذه المخلوقات وهو الإنسان هل حمد الله وأثنى على نعمته التي انعم عليه بها؟
أجبت وقد تميزت من الغيظ: تباً لك من نفس سيئة الظن، أتحسبين إن الإنسان، وهو سلطان هذه الكائنات، لا يشكر فضلاً ولا يذكر جميلاً؟
قالت: ليس الخبر كالخبر وحبذا لو كذب حدسي وخاب ظني.
قمت وأنا حانق على نفسي، ومررت في طريقي بحانات الخمر ومحال اللهو والقصف، فوجدتها غاصة بالناس على اختلاف طبقاتهم ونحلهم وبين أيديهم كؤوس أم الكبائر، يدور بها فتيان وفتيات، سمعت من فاجر القول وفاحش اللهجة ما أبدل سروري حزناً، سمعتهم يقولون ما أحلى السكر وما أجمل الخمر في هذا اليوم الصحو الذي لا يصلح معه إلا اللهو، ولا تظهر محاسنه غير الخلاعة، ولا ينعش الفؤاد فيه إلا ما حرم الله!!!
следующие страницы →