← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الزهرة. لا تنظرن إلي لكوني سمراء لأن الشمس قد لوحتني. بنو أمي غضبوا علي فجعلوني ناطروة الكروم. كن معافى أيها الشريف أنطونيوس. ولتحرسك الآلهة من قي الأعداء. ولكن لا تنس وأنت مستو على منصة سلفيا إن في الأقاليم البعيدة عن حقول أريكية مليكة تضحي بتاجها في سبيل مسرتك ولا ينعم لها بال إلا إذا أشرقت عليها أشعة ابتسامتك. فتعال نتمتع بهذه الحياة في حمى أفروديتي. تعال نقم له معبداً في حقول الآلهة فنأكل ونشرب لن غداً نموت. لا تغرنك بسطة الملك وسعة الجاه فإن الحياة مستمدة من أشعة الزهرة لا من سهام مارس وكرسي رعمسيس ليس أقل مجداً من عرش روملس. تعال. تعال. لأن الحياة أقصر من أيام البنفسج، والأحلام التي أتعلل بها أبهج من أن يتمتع بها بنو البشر. قد أعددت لك فلكاً ينسيك قصور رومية وعطرته بأريج يزري برياحين مادي وفارس وجعلت لك فيه من العبيد والإماء ما سوف تحسدنا عليهم الآلهة. فهلم إلي يا ساحر رومية وصديق القصير. هلم واسمع أناشيد الحب التي تلهج بها شفتاي. إن كان التيبر قد سحرك فالنيل يفك عنك قيود ذلك السحر. أو كانت تلال البلاتين قد أغوتك فإن أهرام الفراعنة تكون موطناً لقديمك. والأرض المظللة بأجنحة المجد والملائكة ترحب بك أينما حللت وحيثما أتيت. إن رسولي الذي يحمل رسالتي هذه إليك يحمل أيضاً معه قارورة

стр. 912

طيب تقيك نبال الحاسدين وترشدم إلى حيث تقيم من هي مقيمة على عهود هواك. كن معافى. ولتحرسك الآلهة. من كيلوباطرة، وارثة النيل بقلم سليم عبد الأحد الحاجة (العفة ثوب تمزقه الحاجة) يا مثيرة الآمال ومنبهة الأفكار، وجالبة الشقاء والنار التي تذيب العزائم وتحرق القلوب وتذل العزيز وتدفع المضطر بيد القسوة والغلظة إلى هاوية الجرائم والآثام. أنت الوباء الذي يفتك بالشرف والشعور، أنت المجتثة لجذور الضمير من الصدور. أنت القادرة وحدك على إنزال الشهب من أفلاكها والملوك من عروشها وإبراز الحقائق من مكمنها واستخراج اللآلئ من أصدافها. كم ذات خدر طلعت عليها وهي في وحدتها تناجي ربها، وترجو منه إفراج كربتها، فانقضضت عليها انقضاض الباز على الورقاء، وأنشبت فيها مخالبك الحديدية حتى ضيقت عليها الأنفاس، وأريتها سبيل العيش أكثر سواداً من جناح الغراب وأضيق من سم الخياط. كم حليم أخذت عليه مسالك التسامح، وكم كريم بلعت ما كانت تجود به كفه، وكم أبي راض بيومه باسم لغده غير باك على أمسه تخللت منه بين تيار العقل والقلب، وزينت له طريق الشر وهي منضدة بالنضار والتبر. فأثرت فيه شجوناً لذاعة لحشاه لم يقدر على إخمادها حتى قضيت

стр. 913

فيه مأربك وبلغت منه مرامك. بيدك الأثيمة - أيتها الحاجة - تبذل الأعراض، وتهتك الحرائر، وتنضب مياه الوجوه. وبيدك الأثيمة تفتح أبواب الشرور، وتشاد هياكل الرذيلة، وتحفر القبور لوأد العفاف والشرف والضمير. وأنفاسك المستعرة بنار الشهوة تمر على الجباه العالية والأنوف الشماء فتترك عليها أثراً من دخانها الأسود يجذبها للتمرغ في جحيم الرذائل. ليتك تخلعين عن منكبيك دثار الخفاء، وتظهرين أمام عين الرائي كما تظهر أفعالك الخبيثة، إذن لجردت من عزيمتي ماضياً أغمده في صدرك. إذن لأرحت العالم من شرك وبدلت هذا الناموس الفاسد الذي يسيرون عليه، وأطلقتهم من عقال الهم والشقاء، وأريتهم كيف يكون الهناء في العيش وأين يجدون السعادة التي ينشدونها. (مصر) محمد شريف وصفي حقائق رفع ستار ليل يونيو، فظهرت ألسنة النور المندلعة من فم الشمس. وكأنما هي ثكلت أولادها، فباتت تندبهم فأصبحت متلهبة الأنفاس محروقة الكبد تذيب دماغ الضب. استعاذ الناس بمن لو أراد لأثلج كبدها وقالوا: اللهم إنك خالق

стр. 914

الإنسان وعالم بمقدار ما وهبته من القوة، وما ابتليته به من الضعف، وهو مسير بمشيئتك إن تشأ فرجت عنه بنسيم بليل ينعش قواه، وإن تشأ جعلت له في دنياه درساً وعظة ففتحت عليه ثغرة من ثغرات جهنم. سمع الله نداءهم وحال بنيهم وبين ألسنة اللهيب ببساط من الغيوم بل قل ببساط من رحمته. احتكت فأرعدت، وما هو في الحقيقة إلا صوت من قبل الله لمن يذكر أو يخشى يقول: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم بها ولا تكفرون. . ثم دمعت عيناها فبللت وجه الأرض وغسلت أوراق الشجر، فسكن الغبار وصحا الجو وظهرت الطبيعة بأجمل مظاهرها. نظرت بعد ذلك الطير وقد اجتمعت فوق الأغصان فأقامت الصلاة لله خاشعة مؤتمة بكبير لها وسمعت القمري إلى جانبها يذكر الله، كأنه المقرئ يرتل سورة الكهف يوم جمعة في مسجد، أو الأرغن يلحن الترنيمات الإلهية في كنيسة يوم أحد. نظرت الظباء وقد سرحت في مراعيها تحت ظل الأدغال بجانب الآساد والذائب كأنما هي بالبيت الحرام في شهر المحرم وسمعتها تهمس بذكر الله الذي بدلها عن الشر خيراً. نظرت نهر النيل وقد مخض مياهه فتلاطمت أمواجه وتداخل بعضها في بعض فظهر سطحه كقباب من الفضة متجاورة صفت صفاً صفاً وكأنما قد ركبت على زنبق فهي دائمة الحركة، وسمعت من حركتها الحمد لله والثناء عليه.

стр. 915

نظرت الأشجار فإذا بها تهتز يمنة ويسرة كأنها صفوف من أرباب الطرق والأشاير يذكرون الله قياماً وقعوداً نظرت ثنيات الهضاب والجبال تتثنى تحت رشاش دموع السحب فتحسبها المولوية ترقص على نغمات الناي. نظرت ما نظرت وسمعت ما سمعت، فقلت: تباركت يا ذا الجلال والإكرام فهذه الكائنات كلها تحمدل بآلائك وتثني على نعمائك. وبينا أنا أمتع نظري بهذه المرئيات إذا أوحت إلي الأمارة بالسوء أن أنظر إلى أكمل وأبدع هذه المخلوقات وهو الإنسان هل حمد الله وأثنى على نعمته التي انعم عليه بها؟ أجبت وقد تميزت من الغيظ: تباً لك من نفس سيئة الظن، أتحسبين إن الإنسان، وهو سلطان هذه الكائنات، لا يشكر فضلاً ولا يذكر جميلاً؟ قالت: ليس الخبر كالخبر وحبذا لو كذب حدسي وخاب ظني. قمت وأنا حانق على نفسي، ومررت في طريقي بحانات الخمر ومحال اللهو والقصف، فوجدتها غاصة بالناس على اختلاف طبقاتهم ونحلهم وبين أيديهم كؤوس أم الكبائر، يدور بها فتيان وفتيات، سمعت من فاجر القول وفاحش اللهجة ما أبدل سروري حزناً، سمعتهم يقولون ما أحلى السكر وما أجمل الخمر في هذا اليوم الصحو الذي لا يصلح معه إلا اللهو، ولا تظهر محاسنه غير الخلاعة، ولا ينعش الفؤاد فيه إلا ما حرم الله!!!

стр. 916

نظرت ذلك وسمعت وقارنته بما نظرت وسمعت من الطير والحيوان، بل من الأشجار والجبال، فوددت لو مسخ الله ابن آدم فصار حجراً ولو أنطق تلك الحيوانات ودبت الروح في تلك الجبال والأشجار، لكي يتبدل العالم الفاسد بآخر نقي الذيل نقي القلب لا فجور فيه ولا فحش، واستغفر الله وأتوب إليه وإليه المرجع والمآب. عطبرة (السودان) محمد فاضل في جنائن الغرب ضعة الإنسان خواطر لبسكال لا شيء يثبت للإنسان حقارة قدره كنظره في العلة الحقيقية لاضطرابه المستمر الذي يقضي به أمد الحياة. . .

стр. 917

طرحت النفس في الجسد لتحل به زمناً قصيراً. . . تعلم أن العيس في الدنيا هو مسلك يؤدي إلى سفر أبدي وأنها لا تملك من الوقت للتأهب له غير زمن وجيز مدة عيشها في هذا الوجود. وحاجاتها الطبيعية تسلبها النصيب الأوفر من هذا الوقت، فلا يبقى لديها سوى النزر القليل تصرفه طوع إرادتها. ولكن هذه البقية اليسيرة تزعجها وتهمها حتى أنها لا تفكر إلا في إضاعتها. لأن إكراه النفس على مؤانسة نفسها وسوامها الفكر في ماهيتها كربة هي لا تطيق الصبر عليها. ولذا كان همها الأول ان تتغافل عنها فتدع هذا الوقت القصير الثمين يمر بلا ترو لاهية بما يشغلها عن الفكر فيها. ضعة الإنسان رائد كل ملاهيه ذات الجلبة والضوضاء وكل ما يدعونه لهواً ولعباً فإنه في حقيقة أمره لا يريد به إلا أن يقطع الوقت دون أن يشعر به أو بالحري دون أن يشعر بنفسه فيقيها بإضاعته ذلك الشطر من حياتها الغم والكره لذاتها اللذين هما لا محالة عاقبة التأمل فيها. لا ترى النفس منها شيئاً يسرها، لا ترى إلا ما يحزنها كلما أمعنت النظر في ذاتها فهذا الذي يلجئها إلى المعاشرة ويكلفها بشغلها في الأمور الخارجية أن تبحث عما يفقدها ذكرى حالتها الحقيقية. فإن سرورها كله متوقف على

стр. 918

هذا النسيان وليس لمن أرادها شقية بائسة سوى أن يلزمها مشاهدة نفسها وملازمتها. * * * للطبيعة كمالات لتظهر للعالم أنها صورة الله. ولها نقائص لتريهم أنها صورته فقط. * * * أهون على المرء تكبد الموت دون الفكر فيه من الفكر في الموت دون تكبده. * * * إنما الإنسان في الدنيا قصبة واهنة، اوهن قصبة في الخليقة، لكنه قصبة مفكرة. ليس للكون أن يتحالف عليه ليسحقه فقليل من البخار، أو نقطة من الماء كافية لتقتله. على أنه وإن سحقه الكون بأسره فهو يظل أرفع مما يسحقه لأنه ليموت وهو عالم بموته والكون غير شاعر بغلبته عليه. * * * يعرف الرجل أنه شقي، فهو شقي لأنه يشعر بشقائه، لكنه كبير لأنه يعرف هذا الشقاء. قليل يسلينا لأن قليلاً يشجينا. * * * ازدراء لفلسفة عين الفلسفة. * * * بلغ الزهو من الإنسان أن يتمنى الشهرة في أقاصي الأرض حتى يلهج بذكره كل قاطن فيها بعده، وبلغ العجب منه أن يضطرب فرحاً بما

стр. 919

يلقاه من الإكرام والحظوة لدى خمسة أو ستة من أقرانه. * * * إننا لا نقنع بحياتنا الطبيعية التي وهبت لنا منذ نشأتنا، بل نطمع في أن نحيا في مخيلة الناس حياة وهمية، ولذا نكلف أنفسنا أن تمثل بينهم في مظهر غير مظهرها. * * * بلغ الجنون من الناس أن يروا العاقل بينهم مجنوناً. * * * شقاوة الإنسان برهان على جلاله، فهي شقاوة سيد كبير وملك مقدم. * * * إذا ترقب الإنسان فكره في جميع هواجسه، رآه أبداً دائم الشغل بماضيه ومستقبله. فيكاد الإنسان لا يفكر في حاضره إلا لينير به غلس مستقبله. فليس الحاضر غرضه وما ماضيه وحاضره سوى عدة مستقبله. . . المستقبل فقط مطمح أبصاره فهو في الحقيقة لا يعيش بل يؤمل أن يعيش. * * * من أراد أن يتحقق زهو الإنسان وبطله فعليه أن يتأمل أسباب حبه ونتائجه. أما أسبابه فغامضة مجهولة، وأما نتائجه فهائلة مروعة. هذا السبب المجهول، هذا ليسير الذي تتعذر معرفته يقلب الأرض بطناً لظهر، ويزعج الأمراء ويقلق الجيوش ويحرك الدنيا بأسرها. . . . * * *

стр. 920

لو كان أنف كليوباطرة أصغر حجماً لتغيرت حال البسيطة برمتها. * * * أوشك كرومول أن يخرب النصرانية، ويحط الأسرة المالكة إلى الحضيض، ويرفع عائلته إلى الأوج لولا حبة رمل صغيرة حلت من جسمه في مجرى البول. ولكن هذه الحبة الصغيرة التي لم يكن ليعتد بها أينما وجدت كفت وقد حلت في هذا المحل لتقتله وتحط عائلته وتعيد الملك إلى العرش. * * * وجهان متشابهان لا يضحك كل منهما على حدته يضحكان بتشابههما إذا شوهدا معاً. * * * نرى حادثاً يتكرر أمامنا على هيئة واحدة فنقضي من تواتره بوجوب حدوثه كما نعتقد أعقاب الصبح للدجى. على أنه كثيراً ما تكذبنا الطبيعة فإنه لا شيء يضبطها حتى ولا نواميسها. تعريب - هزيز مرزا

стр. 921

في حدائق العرب الزوج والزوجة قال رجل للحسن: إن لي بنية فمن ترى أن أزوجها؟ - قال: زوجها ممن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها. * * * وقيل أيضاً للحسن: فلان خطب إلينا فلانة، قال: أهو موسر من عقل ودين؟ - قال: نعم. - قال: فزوجوه. * * * قال الأصمعي: اخبرني رجل من بني العنبر عن رجل من أصحابه، وكان مقلاً، فخطب إليه مكثر من مال مقل من عقل. فشاور فيه رجلاً يقال له أبو يزيد، فقال: لا تفعل ولا تزوج إلا عاقلاً ديناً، فإنه إن لم يكرمها لم يظلمها. ثم شاور رجلاً آخر يقال له أبو العلاء، فقال له: زوجه فإن ماله لها، وحمقه على نفسه. فزوجه فرأى منه ما يكره في نفسه وابنته، فأنشد: ألهفي إذ عصيت أبا يزيد ... ولهفي إذ أطعت أبا العلاء وكانت هفوة من غير ريح ... وكانت زلقة من غير ماء * * * خطب عمرو بن حجر إلى عوف بن محلم الشيباني ابنته أم أياس. فقال: نعم أزوجكها على أن اسمي بنيها، وأزوج بناتها. فقال عمرو بن

стр. 922

حجر: أما بنونا فنسميهم بأسمائنا وأسماء آبائنا وعمومتنا، وأما بناتنا فنزوجهن أكفاءهن من لملوك، ولكني أصدقها عقاراص في كندة وأمنحها حاجات قومها فلا ترد لأحد منهم حاجة. فقبل ذلك منه أبوها وزوجه إياها، وخلت بها أمها فقالت: أي بنية، إنك فارقت بيتك الذي منه خرجت، وعشك الذي منه درجت، إلى رجل لم تعرفيه وقرين لم تألفيه فكوني له أمة يكن لك عبداً، واحفظي له خصالاً عشراً تكن لك ذخراً: أما الأولى والثانية، فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له بالطاعة. وأما الثالثة والرابعة، فالتفقد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح. وأما الخامسة والسادسة، فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن تواتر الجوع مَلَهبة، وتنغيص النوم مغضبة. وأما السابعة والثامنة، فالاحتراس بمال، والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير. وأما التاسعة والعاشرة، فلا تعصين له أمراً، ولا فتشين له سراً، فإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره. ثم إياك والفرح بين يديه إذا كان مهتماً، والكآبة بين يديه إذا كان فرحاً. فولدت له الحرث بن عمرو جد امرئ القيس. * * *

стр. 923

قال ابن عبد ربه: الهناء كله مقصور على الحليلة الصالحة والزوجة الموافقة. والبلاء كله موكول بالقرينة السوء التي لا تسكن النفس على عشرتها ولا تقر العين برؤيتها. * * * ذكروا أن هنداً ابنة عتبة بن ربيعة قالت لأبيها: يا أبنت إنك زوجتني من هذا الرجل ولم تؤامرني في نفسي. فعرض لي معه ما عرض فلا تزوجني من أحد حتى تعرض علي أمره وتبين لي خصاله. فخطبها سهيل بن عمروا وأبو سفيان بن حرب فدخل عليها أبوها وهو يقول: أتاك سهيل وابن حرب وفيهما ... رضاً لك يا هند الهنود ومقنع وما منهما إلا يعاش بفضله ... وما منهما إلا يضر وينفع وما منهما إلا كريم مرزأ ... وما منهما إلا أغر سميذع فدونك فاختاري فأنت بصيرة ... ولا تخدعي إن المخادع يخدع قالت: يا أبت والله ما أصنع بهذا شيئاً، ولكن فسر لي أمرهما وبين لي خصالهما حتى أختار لنفي أشدهما موافقة لي. فبدأ بذكر سهيل بن عمرو فقال: أما أحدهما ففي ثروة وسعة من العيش، أن تابعته تابعك وإن ملت عنه حط إليك تحكمين في أهله وماله. وأما الآخر فموسع عليه منظور إليه في الحسب والنسب والرأي الأريب مدره أرومته وعز عشيرته شديد الغيرة كبير الطهرة لا ينام على ضعة ولا يرفع عصاه عن أهله.

стр. 924

فقالت: يا أبنت الأو سيد مضياع للحرة فما عست أن تلين بعد آبائها وتضع تحت جناحه إذا تابعها بعلها فأشرت، وخانها أهلها فأمنت فساء عند ذلك حالها وقبح دلالها، فإن جاءت بولد أحمقت، وإن أنجبت فعن خطأ ما أنجبت فاطو ذكر هذا عني ولا تسمه علي بعد. وأما الآخر فبعل الفتاة الخريدة الحرة العفيفة، وإني للتي لا أريب له عشيرة فتعيره ولا تصيره بذعر فتضيره. وإن لأخلاق مثل هذا لموافقة، فزوجنيه - فزوجها من أبي سفيان فولدت له معاوية وقبله يزيد. وقد قال سهيل في ذلك شعراً. فبلغ أبا سفيان فقال: والله لو أعلم شيئاً يرضي سهيلاً سوى طلاق هند لفعلته. وتزوج سهيل بن عمرو بعد ذلك امرأة فولدت له ولداً. فبينا هو سائر معه إذ نظر رجلاً يركب ناقة ويقود شاة. فقال لأبيه: يا أبت هذه ابنة هذه (يريد الشاة ابنة الناقة) فقال أبوه: يرحم الله هنداً - يعني ما كان من فراستها فيه. الحقائق عندهم أوهام عندنا إن القلب الذي لا يشعر بتألم الغير، لقلب قُدَّ من جلمد الصخر، لا يرى السعادة قط، والإنسان الذي لا يتألم لتألم أخيه الإنسان، لهو في شعوره وأمياله أقرب إلى الجماد منه إلى الحيوان. روح الإنسان جزء من روح الله فكل من لا يعني بترقية هذا الجزء يصبح مسؤولاً أمام الله والإنسانية. . .

стр. 925

ليت شعري متى تقف أنانية الرجل وحيوانيته عند حد يسمح لهذا الجزء بالرقي إلى أسمى درجات الكمال الأدبي؟. . . متى تفيق هذه النفس المتخدرة أعصابها بملاذ المحسوسات الخارجية، المعرضة عن الإصغاء إلى نغماتها الداخلية، اللاهية بزخرف المرئيات التي تجعلها آلة في يد ما يحدثه محيطها من المؤثرات الخادعة؟. . . متى تحس هذه النفس الملتحفة بأسمال العار الثملة من سورات الرخاء؟ شعلة رفق وحنان تذكرها بأختها أليفة الهم والكرب، حليفة الجهاد والعمل، ربة الخلة والعيال، نزيلة الكوخ والغار فتأوي إلى مفاقرها، وتلوي إلى خفيف أثقال أبهظت كاهلها، وفتت في ساعدها، وخلفتها كالأرض البراح مضرعة مستضعفة في زوايا هذا الكيان. ثمانون قرناً مرت على هذا المجتمع، وويلات البشرية المتألمة لم تخفف بعد. آلامها التي كانت ترزح تحتها هي نفس الآلام التي لا تزال تئن منها، والقروح التي كانت بالأمس تأكل لحمها هي نفس القروح التي تنخر اليوم عظمها. جمود متسولٍ على الطبقة العليا من بني الإنسان، قاض على شعورها، حائل دون رقي روحها، ولولاها لما رأينا الشقوة تبلغ حدها من هذا الوجود المملوء أوزاراً وأتعاباً: هذا الوجود، الذي يمثل الحاكم الظالم والشعب الخائن، بعيد عن العمران مائل إلى الانتقاض.

стр. 926

لو علم الظالم أنه باستقلاله الرعية واستذلالها يزيد عذابه في محكمة الخلود، وأن لا مفر للخائن من عذاب الضمير وتعنيف الوجدان، إذا هو أفلت من يد القانون، لما ظلم الظالم ولما خان الخائن. ولو كنت ممن يعتقدون بمذهب البسيمسم القائل بتقلص الخير تقلصاً تدريجياً من هذا الكون الفاسد وسيادة الشر فيه لتمنيت مع هارتمان الألماني أن تثور شرارة كهربائية فتحرق البشر في أقل من لمح البصر. ولكني أدين بدين ليس في شيء من هذا المعتقد الوهم المناقض لقاعدة بقاء الأنسب، والعامل على تقويض هذا المجتمع وتشنيعه بلا إثم ولا حرج. أدين بدين الحب ... ركائبه فالحب ديني وإيماني تأملات يتمخض بها فكر الكاتب في الصين فتلد فتصادف قلوباً واعية وآذاناً صاغية لربما أجزلت ثوابه وأعلت جنابه. وحقائق لو قذفها يراع في بلادنا غتت بلادنا في الضحك منها وسخرت واستغربت وصعرت خدها وصخبت وجازته بالجبنة والغلظة، وما ذاك إلا لأن الرقي في الصين - وهي في أول عهدها بالدستور يتخفر للانزلاق من حجر أمه ولابد له من يوم يعض نواجذخ ويبلغ أشده وهو عندنا موثوق بخناقه، مخنوق بوثاق من لا مبدأ لهم ولا اخلاق. لو لم أدن بدين الحب ولو لم يتغلغل في فؤادي حبي لبلادي لحطمت هذه القصبة، مجلبة المتربة، وجلوت عن هذه البلاد مهد الخمول والشقاء، وصقر المصلحين الأدباء.

стр. 927

ولو لم أعلم أن النفس لا تنتهج محجة الاهتداء، ولا تخف إلى معالجة دائها العياء إلا بالاستهداء إلى عيبها ونقائصها، وبالوقوف على ذاتها ومغامزها لصورت لبلادي الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، وأتيتها من خلب القول ما أقعدها عن كبير الفعل، والسلام. بيت جالا (فلسطين) - إسكندر الخوري في رياض الشعر المحبة ١ لولا المحبة لم تكن من ألفةٍ ... في العالمين ولا عهود إخاء ولكان بذل النفس في نفع السوى ... وهماً برأس الغول والعنقاء فارع المحبة فالإله محبة ... في صنعه والذات والأسماء ٢ أجهلت أن من الفضائل كلها ... غير المحبة لا يدوم ويخلد لولا المحبة كان سكان الثرى ... حطباً لها في كل أرض موقد إبراهيم الحوراني وقفة ولما استترنا بالظلام عن الورى ... ولم نستطع ستراً عن الدمع والعتب تنكرني عزمي وغابت فصاحتي ... فأنطقها صمتي وشجعها رعبي عبد الحليم المصري

стр. 928

بنتي ودواتي تطوف في البيت مثل ... العصفور تطلب حبا حتى التقت بإناء ... فيه الأرز تخبا تناولته وألقت ... به إلى الأرض غضبى وراعها ما أتته ... فأسرعت تتخبا حتى إذا صار امناً ... ذاك الذي كان رعبا وأيقنت أن من ما قد ... جنته لم يك ذنبا دبت إلى الحب دبا ... وأمعنت فيه نهبا * * * نزري الحبوب على الأر ... ض وهي تضحك عجبا فليس تقبل زجراً ... وليس تفهم عتبا وتملأ الأرض حباً ... وتملأ البيت حبا فقلت يكفيك زرعاً ... لا ترتجي فيه خصبا يا بنت قد ساء طفلٌ ... على العناء تربى فاستضحكت ... فرحاً إذ=ظنت أقول المربى * * * وكان عندي دواة ... كم فرّجت لي كربا وسوّدت لي حظاً ... وبيّضت لي قلبا توهمتها إناء الحل_وى ... فجاءته وثبا وهاجتمها تريد الحل ... وى غلاباً وغصبا أردّها لا تبالي ... أصدها هي تأبى

стр. 929

فكان موقفنا في ال ... خصام يشبه حربا تغلبت وهي طفل ... والطفل يأنف غلبا فكان حظ دواتي ... والحبر كسراً وصبا * * * وا رحمتا لدواتي ... وقد سباها الأحبا كانت لدى الغزو تسبي ... فصارت اليوم تُسبى طانيوس عبده إلى إسماعيل باشا صبري مما وجدناه في الأوراق الشعرية التي اهداها إلينا حضرة حنفي بك ناصف الأبيات التالية وقد نظمها منذ سنوات في تهنئة صديقه إسماعيل باشا صبري (وكيل الحقانية سابقاً) بوظيفة النائب العمومي: لم ينلها سواك من اهل مصر ... والمعالي بالخاطب الكفء تدوي طمحت أنفس إليها فصانت ... حسنها عنهمو صيانة بكر رادوها عن نفس فاستخفت ... بنهاهم وقابلتهم بهجر وابتغت كفأها فكنت رضاها ... فهي شمس جرت إلى مستقر ومنها: أمض فينا القانون لا فرق فيه ... بين زيد من الرعايا وعمرو وانصر الحق ما استطعت وأصلح ... أمره إن نصره خير نصر لا تكن ليناً فترمى بضعف ... لا ولا جافياً فترمى بكسر بين هذا وذاك نهج حميدٌ ... آمن من يجوزه كل شر حنفي ناصف

стр. 930

وصف القلم (بعثها الشاعر إلى صديق أهدى إليه قلماً محبراً) أهديتني قلماً كي أنشئ الكلما ... فبات شكرك عندي واجباً لزما لا غرو أن يهدي الأقلام ذو أدب ... من معشرٍ عشقوا القرطاس والقلما * * * أحسن به أهيفاً لدن القوام متى ... يسر على الطرس يجعل رأسه قدما يفتر حين يرى بيض الصحائف عن ... ثغر لطيف إخال الحبر فيه لمى كأن من سود أحداق الحسان له ... لوناً لذلك غير السحر ما رقما كأن (ريشته) الصفراء قد طليت ... بذوب شمس فباتت تكشف الظلما يكاد يغني عن التفكير صاحبه ... فيرقم الشعر جزل اللفظ منسجما يكاد يبتكر المعنى البديع له ... إن شاء منتثراً أو شاء منتظما وقت السلام يسيل الماء منه لمن ... يصدى ويرعف في وقت الخصام دما وتارةً تجتلى الأنوار منه إذا ... جد الحوار وطوراً يقذف الحمما وليس ينضب منه الحبر فهم كمن ... أهداه يأنف ألا يألف الكرما يهوى الطروس فلم يبرح يدغدغها ... حباً فتلثم منه جبهة وفما وحين يبكي تراها وهي ضاحكة ... مثل الرياض إذا دمع السحاب همى * * * نعم الهدية جاءتني مخبرة ... إن الهدايا (بمعناها) غلت قيما فاقبل ثنائي منظوماً على عجل ... إن الأمين إذا حق الثنا نظما أمين ناصر الدين

стр. 931

الزهور السياسية لعبت الزهنور في التاريخ دوراً خطيراً، وكان لها في الأحزاب السياسية شأن كبير وكثيراً ما كانت - وفي رمز الحب والوداد - رمزاً للبغضاء والعدوان. كانت إنجلترا في القرن الخامس عشر مرسحاً للحروب الأهلية. وكانت فيها عائلتان تتنازعان الاستيلاء على العرش. هما عائلة يورك وعائلة لانكاستر. وقد جعلت الأولى شعارها وردة بيضاء والأخرى وردة حمراءن ورسمت كل منهما صورة الوردة على وساماتها وأسلحتها وأزرار ملابس جنودها. ودارت في ذاك الوقت حرب طاحنة عرفت بحرب الوردتين. وكان الناس في القرن الثامن عشر يعتنون اعتناءً كبيراً بالقرنفل الأبيض ويفضلونه على جميع الأزهار خصوصاً بعد قتل الملك لويس السادس عشر. ومعلوم لدى كل من له إلمام بالتاريخ أن الملكة ماري انطوانيت سجنت وكانت تنتظر المشنقة بين ساعة وأخرى، وفي خلال سجنها كان يحضر لها كل صباح شخص من الحزب الملكي لبث مجهولاً إلى اليوم زهرة القرنفل الأبيض فكانت الملكة تغرزها في منطقتها السوداء ومن ذلك الحين سمي القرنفل الأبيض زهرة الملكة وأخذت السيدات يغرزن الأزهار في مناطقهن بعد أن كن يحملنها على صدورهن. وفي عهد الإصلاح كان أنصار العرش والكنيسة يتزينون بالقرنفل

стр. 932

الأبيض، وكان الأحرار يتزينون بالورد الأحمر. فكانت هذه الزهور تدعو كل يوم إلى معارك دومية، فإن كل حامل قرنفلة بيضاء عندما كان يصادف شخصاً في عروة ردائه وردة حمراء كان يقابله بالشتم والإهانة، وقد قابل مرة في ليموج أحد أنصار العرش شقيقة الذي كان من الأحرار وفي عروة ردائه وردة حمراء ولم يكن الواحد منهما من قبل يعرف مبدأ الآخر فتبارزا وقتل أحد الشقيقين شقيقه بسبب حمله الوردة الحمراء. وعلى عهد شارل الخامس كانت الأفضلية بين الزهور في فرنسا لزهر الزنبق وهو زهرة ملوك فرنسا. غير أن نابليون بونابرت قال قد انتهى عهد الزنبق واستبدله بزهر البنفسج الزكي الرائحة. وأقرب زمن إلينا عهد الجنرال بولانجه فإن هذا القائد اتخذ شعاراً له زهر القرنفل الأحمر فكان يتزين به هو وجميع أنصاره. ثم أن غليوم جد إمبراطور ألمانيا الحالي اتخذ الريحان شعاراً له وأمر بجعله الزهر الوطني للإمبراطورية الألمانية. ويقولون إنه كان يجمع بنفسه باقات الريحان في الحقول والسهول وهو زاحف على باريس في حرب السبعين التي قامت بين فرنسا وبروسيا. ثم أن الريحان والورد يعتبران الآن في نظر العالم أنهما من اختصاص الأمة الفرنسية. ولما احتفلت هذه الأمة ببلوغ شاعرها المشهور فيكتور هوجو الثمانين من عمره أحاطت به الشبيبة الفرنسية وعلى صدر كل فتاة زهرة ريحان أو وردة وكذلك في عرى أردية الشبان.

стр. 933

السنوسيون طرابلس الغرب التي استعرت نار القتال بسببها بين الدولة العثمانية وإيطاليا بلاد قاحلة وصحارى مترامية الأطراف متسعة الأكناف تبلغ مساحتها مليوناً و٥١ ألف كيلومتر مربع وعدد سكانها لا يزيد على المليون بكثير. وقد عرف القراء من الصحف اليومية معظم ما تهم معرفته بشأنها ولكننا أحببنا أن نذكر لهم شيئاً عن قبائل السنوسيين الضاربة في شمالي أفريقيا والتي كثر ذكرها في معرض العكلام عن تلك الحربن فنقول: إن قبائل السنوسيين من أشهر قبائل الغرب وأكثرها نزوعاً إلى القتال وأشدها شغفاً بخوض غمرات الحرب، وهي عزيزة الجانب نافذة الكلمة، تكاد بنظامها تحاكي إمارة من الإمارات، وبشجاعة أفرادها تفوق الرجال، وهي منتشرة في معظم تلك البقعة من أفريقيا، وقد لاقت منها فرنسا في الجزائر أهوالاً. ولا عجب إذا كانت قبائل السنوسيين ذات دربة في القتال وحنكة في الحرب فإن موقع البلاد الضاربة فيها على طريق الغزاة الفاتحين. فدعاها ذلك إلى المكافحة مدة عشرين قرناً ونيف. وإذا كانت قد هدأت وسكنت في النصف الثاني من القرن المنصرم فالسبب في ذلك راجع إلى شدة ما أصابها من جراء الحملة الفرنسوية الأولى سنة ١٨٥٢ وخصوصاً الحملة الثانية سنة ١٨٥٧. وتشهد بأهمية ذلك الموقع من الوجهة العسكرية الحركات الحربية المتعددة التي جرت في تلك الأنحاء. ففي هذه الأصقاع كان ممر الرومانيين والفندال والعرب، وفيها كان معترك المراودة والمهاودة والمراونة بعد الفتح

стр. 934

الإسلامي، كما أن سلاطين تلمسان وفاس قد تنازعوا السيادة هناك مدة ثلاثة قرون. وقام بعد ذلك مولاي إسماعيل معاصر لويس الرابع عشر ملك فرنسا واقفاً في وجه الأتراك الفاتحين في ذلك الموضع نفسه. وفي ذاك العهد كان السنوسيون منحازين إلى صاحب الجزائر. ولربما كان مولاي إسماعيل أول من تمكن من إخضاعهم بعد حملتين قويتين حملهما عليهم سنة ١٦٧٩ و١٦٨٠ فخرب دورهم واقتلع آثارهم وأنزل بهم الويلات حتى ساءت حالهم وتضعضعت أركانهم، ولم يسالمهم إلا بعد أن سلموا سلاحهم وخيولهم وبنى في جبالهم ثلاثة حصون منيعة. وأول مقابلة في ساحة القتال بين الفرنسويين والسنوسيين كانت سنة ١٨٤٤ وكان عددهم الأكبر وبأسهم الأشد في جيش سيدي محمد الذي انتصر عليه المارشال بوجو في معركة إسلي. وقد كان هذا الانتصار عظيماً، لكن المعاهدة التي تلته جرت على الفرنسويين كل ما لاقوا بعد ذلك من الصعاب في تلك الأمصار، لنهم كانوا يجهلون تخطيط البلاد فقبلوا بتحديد التخوم الفاصلة كما عرضت عليهم فأصبح قسم من القبائل داخلاً في منطقة الحماية الفرنسوية وظل قسم كبير خارجاً عنها، فصعب على فرنسا توطيد سلطتها في مستعمراتها الأفريقية. على أن الجيوش الفرنسوية لم تتقيد في حملة ١٨٥٢ بنص المعاهدة ولم تحترم تلك الحدود. فقد جاء في تاريخ الجزائر تأليف بليسيه ده رينو أن الجنرال ده مونتوبان لم يخش أن يجتاز التخوم الفاصلة، بل تعداها متتبعاً آثار السنوسيين، وقد فعل الجنرال ماك ماهون فعله من جهة

стр. 935

حدود تونس دون أن يقوم من يعترض. وذلك لأن أنظار الدول في ذاك العهد لم تكن متجهة إلى ذلك القسم من أفريقيا، ولم يحتج السلطان عبد الرحمن صاحب مراكش لأن فرنسا كانت قد هددته بالزحف على بلاده إذا صدر منه ما يقلقها. أما السنوسيون فدفعتهم جرأتهم إلى شن الغارة على القبائل الراضخة للفرنسويين، فجندت فرنسا ٤. ٥٠٠ مقابل بين مشاة وفرسان. وزحفت الحملة إلى جهة تخوم مراكش وكانت القبائل قد حشدت هنا جيشاً لا يقل عن ٦. ٠٠٠ محارب. ولكنه لم يهاجم الفرنسويين بل اكتفى بمناوشات صغيرة مدة من الزمن، ولما غولو على الهجوم أصابهم الفشل وعادوا خاسرين. هذا أهم ما كان في حملة سنة ١٨٥٢. أما حملة ١٨٥٩ فإنها كانت أكبر أهمية. وسببها أن رجلاً في بلاد الزاوية اسمه سيدي محمد بن عبد الله قام ونفخ في صدور السنوسيين روح الثورة والتمرد. فهجموا في شعر أغسطس من تلك السنة على سيدي ظاهر وكسروا الجنود الفرنسوية المرابطة هنالك وسلبوا القبائل الموالية لها. فلعبت برؤوسهم خمرة الانتصار وجمعوا جموعهم حتى بلغوا السبعة آلاف وهجموا على وادي التيولي فدحرتهم الجنود الفرنسوية فتقهقروا إلى ما وراء التخوم واشتدت الفوضى في البلاد فعزمت فرنسا على أن تضرب الضربة القاضية فأرسلت جيشاً يناهز العشرين ألف مقاتل بقيادة الجنرال ده مارتنبري فتحصنت القبائل في الجبال والمضايق. ولكن لما سدت في وجهها أبواب الفرج حضر الحاج ميمون أحد زعمائهم إلى

стр. 936

مضرب الجنرال ده مارتنبري طالباً الأمان والسلم وقدم الرهائن ورضي بدفع ضريبة مئة فرنك عن كل بندقية. هذا بعض ما جرى لفرنسا مع السنوسيين، وإيطاليا الآن في أول عهد مناوشاتها معهم، وهي لاشك لاقية من قوة بأسهم وشدة مراسهم ما يحملها الخسائر الباهظة بالمال والرجال. ونختم هذه اللمحة التاريخية الوجيزة بما كتبه عن السنوسيين أحد الصحافيين الإفرنج الذين زاروا طرابلس الغرب منذ مدة قريبة قال ما ملخصه: . . . . وبينما كنت سائراً في أحد الشوارع سمعت ضجة وأصواتاً تكاد تشق الفضاء وطبولاً تضرب ومزماراً يعزف ووقع حوافر جياد، فوقفت لأفتح طريقاً لجمهور كبير عن الأولاد والبرابرة والسودانيين، وما هي إلا برهة وجيزة حتى علمت أن هذه الحفلة أقيمت لشرذمة من فرسان السنوسيين قدموا إلى طرابلس. . . سار الفرسان أربعة أربعة بنظام مدهش وترتيب عجيب: وجوه سوداء ورؤوس تعلوها عمائم بيضاء وقد التحفوا باردية بيضاء أيضاً (برانس)، وبنادقهم مربوطة بسروج خيولهم والرماح على اكتافهم والسيوف متدلية إلى جانبهم. سار موكب هؤلاء الفرسان بترتيب عسكري جميل، وكانت ركاب الفارس ملتصقة بركاب الفارس المحاذي له، وخيلهم تسير بخطوات منسقة على نقرات الطبول ونغمات المزمار. وقد وقفت عند مرورهم جامداً لا أبدي حراكاً وقد دهشت لجمالهم الرائع وسوادهم اللامع وصحة أبدانهم وطول قاماتهم، وأيقنت أنه لو تم تنظيمهم على الطرق العسكرية الحديثة لحاربوا

стр. 937

مملكة عظيمة وحدهم. وقد رأيت هؤلاء السنوسيين أيضاً في إحدى قهوات طرابلسن رأيتهم جلوساً وقد خيمت عليهم السكينة، فلا ضجة ولا هرج بل كانوا كأنهم خارجون للانتقام وعلامات الرزانة والرصانة بادية على وجوههم. وقد جلست إلى جانبهم أتأمل حالتهم، وما هي إلا هنيهة حتى رأيتهم وقفوا وبسرعة البرق امتطوا صهوات خيولهم ونظموا صفوفهم وساروا تكتنفهم الهيبة والوقار. . . . هذا بعض الشيء عن السنوسيين الذين تعتمد عليهم الدولة الآن في رد غارات الطليان عن طرابلس الغرب. الوصايا العشر للنساء المتزوجات وضع أحدهم الوصايا العشر الآتية وهو يعتقد أن فيها سعادة النساء المتزوجات. فلتجربها قارئاتنا الكريمات وليعرفنا مبلغ صحتها: ١ - تحاشي الخلاف الأول مع زوجك، ولكن إذا لم يكن بد من حدوثه فاعملي على الخروج منه منتصرة لأن انتصارك الأول يرفع قدرك في عين رجلك. ٢ - لا تنسي أنك تزوجت رجلاً لا إلهاً، فتسامحي عن نقائصه.

стр. 938

٣ - لا تجعلي طلب الدراهم همك الوحيد مع زوجك، بل اعملي على الاقتصاد مما يعطيك. ٤ - إذا كنت تعتقدين أن زوجك بلا قلب فلا تعتقدي أنه بلا معدة. وإذا اعتنيت بمعدته فإنك تتوصلين بالطعام الجيد إلى اكتساب قلبه. ٥ - سلمي له بالحق من حين إلى حين في الجدال، فهذا مما يسره ولا يضركز ٦ - اقرأي الجرائد والمجلات ليس فقط لمعرفة أخبار المودة والحوادث المختلفة بل أيضاً لمتابعة الحركة الفكرية والأدبية، فيبتهج زوجك عندما يراك قادرة أن تحديثه بالعلوم والسياسة. ٧ - لا تكوني فظة غليظة في جدالك مع زوجك ولا تكوني البادئة في الخلاف، واعتبريه عادة أرقى منك. ٨ - سلمي من حين إلى حين بأنه أكثر منك إدراكاً للأمور وأقدر على حل المشاكل، ولا تعتقدي أنك معصومة عن الغلط. ٩ - إذا كان زوجك ذكياً عالماً فكوني صديقته، وإلا فكوني صديقته ومستشارته. ١٠ - كوني كثيرة الاحترام لأهل زوجك وخصوصاً لأمه، ولا تنسي أنها أحبته واعتنت به قبلك بكثير. . . . نقدم هذه النصائح للقارئات علهن يجدن فيها السعادة والهناء. . . .

стр. 939

ثمرات المطابع طبيب مستشفى قليوب وصاحب كتاب التشخيص الجراحي, والحمل خارج الرحم, والعملية القيصرية, والعلاج بعد العمليات إلخ.

стр. 940

العلاج بعد العمليات - تكلمنا في الجزء الأخير من الزهور ص ٣٢٨ عن كتاب التشخيص الجراحي الذي وضعه حضرة الدكتور محمد أفندي عبد الحميد، وأثنينا على همة هذا الطبيب البارع الدائب على إتحاف العالم العربي بأنفس الكتب العلمية الطبية. ولم يخطئ ظننا بصديقنا الدكتور عبد الحميد، فإنه ما كاد يفرغ من كتابه المتقدم ذكره حتى زف إلى القراء كتاباً آخر متمماً له لا يقل عنه نفعاً وفائدة، وعنوانه يكفي للدلالة على أهمية موضوعه. فهو يتناول طرق العلاج الواجب اتباعها بعد كل عملية من العمليات الجراحية المختلفة إتماماً للشفاء وتفادياً من المضاعفات التي تطرأ عادةً على المريض. وقد اعتمد في كتابه هذا على مؤلف شهير للعلامة لوكهارت ممري فجاء البحث كافياً وافياً من حيث الموضوع، طلياً واضحاً من حيث العبارة. أما الخدمة التي يقدمها الدكتور عبد الحميد فهي تعد من الأعمال التي يكفي ذكرها لإظهار فضل القائم بها. وإذا نحن عرفنا القراء اليوم بصورته المادية بعد أن عرفوا صورته الأدبية فلكي نذيع فضله وأدبه ونلفت كل قراء الزهور إلى كتبه النفيسة حيث يجدون الفوائد الكثيرة. تذكار المؤتمر القبطي - هو من الكتب التي جاءتنا في عظلمة الصيف فاضطررنا إلى إرجاء الكلام عنه لليوم وإن كان مضى على صدوره

стр. 941

بضعة أشهر. وهو كناية عن مجموعة رسائل مصورة بحث فيها واضعها حضرة الكاتب المعروف توفيق أفندي حبيب المحرر في جريدة الأخبار بحثاً مسهباً في تاريخ المسألة البطية والمؤتمر وما تلي وجرى فيه من الخطب والمناقشات. ولحضرة المؤلف معرفة واهتمام بشؤون طائفته وله في هذه المواضيع كتابات إصلاحية نافعةن وإن كان بعضها لا يخلو من التطرف شأن كل الذين يحاولون بث روح جديدة في الأجسام القديمة. فعسى أن تتحقق أماني النهضة التي يرجوها الكاتب الأديب. من أفواه الأسود - نالت رسائل الغرام التي ينشرها حضرة الناثر الشاعر سليم أفندي عبد الأحد في هذه المجلة تباعاً استحسان عموم القراء، وراق الجميع حسن أسلوبها الكتابي وطلاوة إنشائها. وقد أهدى إلينا اليوم رواية بالعنوان المتقدم ترجمها عن الإنجليزية وكان قد نشرها تباعاً في مجلة الشرق والغرب وهي كثيرة الوقائع متنوعة الحوادث رشيقة العبارة حسنة السبك مزينة برسوم جميلة وسيجد القراء فيها ما يلذهم. تاريخ حرب فرنسا وألمانيا - توجهت الأنظار في المدة الأخيرة إلى فرنسا وألمانيا بسبب اشتداد الأزمة المراكشية فكان ظهور هذا الكتاب في أوانه وهو من قلم جرجي أفندي يني الطرابلسي منشئ مجلة

стр. 942

المباحث وقد عني بإعادة طبعه بعد ما كان قد نشر فيم جلة الجنان يوسف أفندي توما البستاني وجبس ٢٠ في المئة من ثمنه لإعانة الأسطول العثماني. أما الكتاب فهو يتناول حوادث تلك الحرب الشعواء التي اتقدت نيرانها في السنة السبعين بين دولتي فرنسا وبروسيا وكان من أمرها ما كان، وفيه رسوم أبطال تلك الوقائع الشهيرة. وكنا نتمنى زيادة اعتناء في ضبط أسماء الأعلام لاسيما وهي من الأسماء المشهورة، فكثيراً ما ترد في الصفحة الواحدة مكتوبة على شكلين أو مغلوطة في أكثر من حرف. وعلى كل فيسرنا زيادة انتشار الكتب المفيدة في لغتنا وهذا التاريخ منها. لغة العرب - لم يبق من حاجة إلى تعريف القراء بمراسلنا البغدادي العلامة المدقق فإن أبحاثه عن بلاد العرب كان لها أجمل وقع عند العلماءو كنا قد أشرنا في الجزء الخامس من هذه السنة إلى قرب إصداره مجلة في بغداد. وها قد انفذ هذا المشروع وجاءتنا الأعداد الأولى من لغة العرب محققة ما كان ينتظر من أدبه الرائع وعلمه الواسع. وبدل الاشتراك في البلاد العربية ٩ فرنكات. والكاتبة تكون بعنوان دير الآباء الكرمليين في بغداد أو بعنوان الزهور بمصرز مجلة الآثار - مجلة أخرى أدبية علمية أصدرها كاتب مدقق معروف وهو عيسى أفندي إسكندر المعلوف صاحب الآثار الأدبية الكثيرة. وهي ستنال منزلة رفيعة في عالم الأدب بهمة منشئها وسعة إطلاعه ونشاطه في العمل. قيمة الاشتراك: ريال ونصف. وفي البلاد الأجنبية ١٠ فرنكات.

стр. 943

أزهار وأشواك مقاطعة الطليان لا حديث للقوم واهتما لهم إلا بأخبار الحرب الدائرة رحاها بين الدولتين العثمانية والإيطالية، والصحف السياسية تواصل القراء صباح مساء بأنباء آخر ساعة. وأصحاب الغيرة الوطنية يدعون ذوي المروءة إلى بذل الدرهم والتطوع للذود عن حياض الوطن ومقاطعة الطليان في صناعاتهم ومحصولاتهم، ولست أدعو أحداً من قرائي إلى أمرٍ أحجم عنه، فإني لا أخشى أن أقول أخشى على فخارتي أن تحطما ولكن هناك مقاطعة لغوية لا تجارية أحب أن أكون رافع لوائها. لم أعرف قطراً عربياً تفشت لغة الطليان في لغة قومه تفشيها في لغة وادي النيل، وإن كانت الألفاظ العربية المشتقة من الطليانية وأمها اللاتينية ليست بالشيء القليل، على أن شيوعها في مصر بلغ التطرف. فإذا جلست في قهوة تسمع المصري الصعيدي الذي يبيع الخبز ينادي عيش فينو وبائع الحلوى يجيبه طازة فريسكا وبائع العصفور التيان يصرخ بكافيكا إلى غير ذلك كالفراولة واللامبا والبنا وإذا انتبهت إلى حديث الشبان الذين على آخر مودة لا تسمع إلا: كنت في التيرو (يعني صيد الحمام) وذاهب إلى التياترو وأمثال ذلك. وإذا كنت في بيتك ساعة الظهيرة تسمع فجأة صوتاً يشق الفضاء روبافكيا يعني ملابس عتيقة للبيع. أما التجارة فتكاد لا تجد فيها مسمى غير إيطالي

стр. 944

الاسم كالمانيفستو والمايسترو والبلنشو والبروتستو وفرنكوبوردو إلخ. أنا لا أريد أن أكون لغوياً ثقيلاً متطرفاً ولكن كثرة الدخليل الإيطالي إلى لغتنا لمما يكاد يفسدها علينا. فهيا إلى المقاطعة! السلام التركي أريد هذه المرة أن يسر الوطنيون العثمانيون بأزهاري وأشواكي. فبعد أن دعوت إلى مقاطعة الطليان ها أنا داع إلى الاقتباس من الأتراك من حيث عادة السلام. . . . للتحية أنواع كضرب القدم بالقدم أو حس الأنف بالأنف أو غير ذلك من الاصطلاحات الغريبة ولكن الطريقة الأكثر شيوعاً هي المصافحة باليد، وهي وإن كانت تفضل سواها من أنواع التحيات التي أشرت إليها على أني أفضل ﵍ التركي وهو وضع اليد على الصدر فالفم فالرأس، ولهذا التفضيل في نظري أسباب منها شعرية ومنها صحية ومنها عملية. من ذلك أنك إذا حييت صديقاً على هذه الطريقة فكأنك تقول له: إن ذكرك في قلبي وعلى لساني وفي فكري. وإذا سلمت بالسلام التركي تأمن على نفسك من عدوى أمراض كثيرة تنتقل باللمس ناهيك بما يصيبك من مصافحة بعض الأيدي من الاشمئزاز وخصوصاً في أيام الصيف. والأطباء يوافقوني على ذلك. والعامة تقول عن الرجل الطماع إذا صافحته فعد أصابعك فسلم دائماً سلاماً تركياً تأمن على أصابعك العشر. وإذا دخلت إلى مجتمع عام وحاولت أن تسلم بالطريقة المعتادة أعني بالمصافحة

стр. 945

فإنك تحدث تبلبلاً يزعجك ويزعج المجتمعين، وكثيراً ما لا تعرف بمن تبتدئ ولا بمن تنتهي. أما إذا سلمت كما أشير فإنك بإشارة لطيفة تحيي الجميع بكل سرعة وأدب دون أن تزعج أو تنزعج. وفي الختام أترك قلمي وأضع يدي على صدري ففمي فرأسي وأحييك أيها القراء العزيز تحية تركية استنابولية ولن أصافحك بعد اليوم. . . . في منزل سليم سركيس اجتمع في الأسبوع الماضي رهط من الأفاضل وفيهم الباشا والبك والشيخ والأديب والشاعر والطبيب والتاجر احتفاءً بالسيدة نجلا صباغ صديقة سليم سركيس وصاحبة الأيدي البيضاء على المشروعات الأدبية والاجتماعية في الديار الأمريكية. جمع سركيس نخبة من أصدقائه (من كل النمر) في هذه الحفلة الزاهرة ولكني لم أر بينهم محامياً واحداً فقلت في نفسي: يخاف صاحبنا أن يجتمع بمن قد يفوقه بحركة اللسان ولا يجمع السيفان في غمد معاً. . . أديرت كؤوس الشراب ومدت موائد الطعام وسرعان ما كانت تفرغ هذه وتلك وتذهب إلى حيث. . . وقد حفظت قائمة الأكل لقرائي ليشاركوني ولو بالفكر في هذه اللذة: شوربا، دندي، باميا. بوغاشة، حمام. كتفه. ورق عنب. كستلاتة، الجاويش، الأرز، عيش السرايا، فطير باللحمة. كشك الفقراء (كذب الاسم) الماظية وفواكه متنوعة. ولولا مهارة الطباخ. وابتهاج الآكلين وبشاشة صاحب الدعوة لصيب أكثر من واحد بتخمة. وكانت بعد ذلك بعض سويعات

стр. 946

لطيفة انقضت بالهضم والمسامرة. وسركيس بملابسه البلدية كأم العروس ينتقل من حلقة إلى حلقة، ومدامته ترحب بالجميع بمنتهى الرقة والظرف، وولده أنور على ذراعي مرضعه ينظر مدهوشاً إلى أعمال أبيه. ومن محاسن هذه السهرة أن كل شاعر أو كاتب لم ير من المحتم الواجب أن ينغص عيش المتسامرين بقصيدة أو خطاب شأننا في كل اجتماعاتنا بل اكتفى القوم بأن طلبوا من خليل مطران أن يطربهم بشيء من النظم، فأسكرهم بالشعر بعد الخمر، وتلا قصيدة وصف بها حالته وحالة ابنة عمه المحتفل بها أيام كانا ولدين يلعبان على شاطئ النهر. ولو وفى صديقي خليل بوعده لكنت ناشرها اليوم للقراء. . . ثم وقفت السيدة نجلا وألقت كلمات هي الدر أو أغلى بلفظ مليح ونطق فصيح. فذكرت المهاجرين وتعلقهم بأبيهم الوطن وأمهم اللغة. وهكذا مضى هزيع من الليل والبشر مخيم على منزل نمرة ١٥ بشارع الفجالة بمصر. حاصد قوة تركيا وإيطاليا بمناسبة نشوب القتال بين الدولة العثمانية وإيطاليا ننشر لفائدة القراء الأرقام التالية وفيها مقابلة بين قوى الدولتين: القوى البحرية تركياإيطاليا مدرعات٧١١ طرادات مدرعة٠٠١٠ طرادات صغيرة٢٦ نسافات ١٠٢٣

стр. 947

رعادات وحراقات ١٥٧٤ غواصات٠٠٧ وبين المدرعات العثمانية السبع مدرعتان فقط يصح الاعتماد عليهما، وهما اللتان ابتاعتهما الدولة من ألمانيا، وتقطع الواحدة منهما في الساعة ١٧ عقدة. أما الأسطول الإيطالي فيعد في المنزلة الرابعة بين أساطيل أوروبا. القوى البرية تركيا إيطاليا جنود في السلم٣٨٠. ٠٠٠٣٨٤. ٠٠٠ في وقت الحرب١. ٠٠٠. ٠٠٠٣. ٠٠٠. ٠٠٠ مدافع ١. ٦٠٠ ١. ٧١٦ نفقات عسكرية٤. ٦٠٠. ٠٠٠ جنيه ١١. ٠٠٠. ٠٠٠ جنيه اللورد أفبري (هو كاتب وفيلسوف إنكليزي شهير وقد نقل حضرة الأديب وديع أفندي البستاني بعض مؤلفاته إلى اللغة العربية. ولما ذهب إلى لوندرا في هذا الصيف زاره في منزله وكتب عنه النبذة الآتية لتكون مقدمة لكتاب مسرات الحياة الذي سيظهر في هذا الشهر، وأرسلها إلينا فأحببنا أن ننشرها للقراء ليروا كيف يعمل ذوو الجد والنشاط على خدمة بلادهم وإخوانهم في الإنسانية): ولد اللورد أفبري في ٣٠ أبريل (نيسان) ١٨٣٤، فهو اليوم شيخ جليل، على أعتاب الثمانين، وفرد من أفراد العالم المعدودين، معروف لدى بضعة ملايين ممن طالعوا كتاباته، ولدى عشرات الملايين ممن انتفعوا بإصلاحاته. ففضله كبير عميم، وقدره رفيع عظيم. ولئن اعتبرنا صاحب المليون من الأصفر الرنان الذي يغلب أن يكون قد ابتز

стр. 948

أمواله ابتزازاً، وأتى كل فرية، واقترف كل إثم في سبيل جمعها وتوفيرها، فما قولنا في فردٍ أفاد الملايين من الناس، حتى أصحاب الملايين كما سترى؟ فهو رجل يعد برجال، وسيرته سيرة أبطال. وأنى لي في هذه العجالة أن أذكر جميع ما أعرفه عنه. مع أني لا أعرف إلا البعض من أعماله العظيمة، وآثاره الخالدة، وقد رأيت أن أكتفي بما يلي تأييداً لما سبق. ولعل قارئ هذه الأسطر من قراء معنى الحياة والسعادة والسلام اللذين نشرتهما الأول في أواسط ١٩٠٩ (وقد نفذت طبعته الأولى والثانية صادرة عن قريب) والثاني في أواخر ١٩١٠ (وطبعته على وشك النفاد). وإنما أذكر ذلك دلالةً على أن مؤلفات اللورد أفبري قد انتشر انتشاراً سريعاً حتى بين قراء العربية، على قلة عددهم وحداثة عهدهم بالإقبال على هذا النوع من المؤلفات. ولكن أين انتشارها بين ظهرانينا من انتشارها في إنكلترا وسائر الأقطار العربية! وإني لا اعلم أأخجل أم أفتخر إذ أقول إن غيرنا من الشرقيين أسبق منا إلى نقل مثل هذه الكتب إلى لغاتهم، وأكثر إقبالاً عليها واستفادة منها، فقد أعيد طبع معنى الحياة خمس مرات في اليابان ونقل إلى كثير من اللغات الشرقية التي لا تقاس بشيء من أهمية لغتنا الشريفة المحبوبة. . . ولا غرو فإنما اللغة بأبنائها. ولقد كانت أجيالنا الأخيرة أجيال ظلم وظلام، وجعل واستبداد، وتأخر وانحطاط. . . والله يعلم من الملوم ومن المسؤول. أجل أين انتشار هذه الكتب بين أقوامنا من انتشارها بين سائر الأقوام! فقد بيع من مسرات الحياة هذا ٢٥٠٠٠٠ نسخة في إنكلترا وحدها، وطبع أكثر من ٣٠ طبعة خارج البلاد الإنجليزية. وقد بيع من معنى الحياة ٢٠٠٠٠ نسخة إنكليزية، ونقل إلى كل من اللغات الأوروبية المعروفة كالفرنساوية والألمانية والتليانية إلخ وإلى أغلب لغات الدنيا

стр. 949

الحية والأقل شأناً كالبوهيمية واليونانية واليابانية والهندية (الهندوستاني) والروسية إلخ. وقد بيع للآن ٧٠٠٠٠ نسخة إنكليزية من كتابه محاسن الطبيعة وترجم إلى عدد كبير من اللغات كسابقيه. أما كتابه السعادة والسلام فقد ظهر في أواخر ١٩٠٩ ولا أعلم عدد النسخ التي بيعت منه إلى الآن ولا عدد اللغات التي نقل إليها. ولاشك أن نصيبه من الرواج كنصيب أمثاله إن لم يكن أعظم، لأنه آخر تآليفه وأتمها في هذا الموضوع. فإذا أحصينا عدد النسخ التي نفدت من الأربعة المذكورة من مؤلفاته، وذكرنا أن له غيرها في هذا الموضوع ما لا يقل عنها شاناً ورواجاً، وعلمنا أن مصنفاته عشرون ونيف، وأن ما نقل منها إلى الإفرنسية (تلك اللغة الغنية) أكثر من ١٢ وإن الرجل لا يزال ينفح العالم بنفثات يراعه - أجل إذا اعتبرنا كل ذلك سهل علينا أن نتصور كيف يكون لكاتب واحد ملايين من القراء. وهل المخاطب الكريم واحد من أولئك الملايين، وما أنا إلا واحد من مئات المترجمين لهذا المؤلف العظيم. فهل تراني كنت مبالغاً في القول إنه رجل برجال. على أن اللورد أفبري ليس كتاباً فقط. فقد أفاد العالم أجمع وإنكلترا خصوصاً بخدماته الجلى العلمية والإدارية والسياسية والاجتماعية كما يتضح لك مما يلي نقلاً عن رسالة نشرتها شركة التراجم بلندرا سنة ١٩٠٣: إن اللورد أفبري - من يعرفه جمهور العمال والمستخدمين في هذه البلاد ويذكرون جميله ويشكرون صنيعه، لأنه أول من منحهم العيد السنوي المعروف (ببنك هوليداي أي عيد المصارف البنوكة) وأول من سعى في أمر قفل محال العمل باكراً - هو رجل أتى في حياته من العمال العظيمة ما يكفي لإذاعة شهرة رجال. لأن نصيبه من خدمة العلم والآداب في القرن التاسع عشر كان نصيباً وافراً، ومصنفاته في التاريخ الطبيعي وسائر الفروع العلمية، فضلاً عن إصلاحاته المجلسية والاجتماعية، تبرهن لنا أنه

стр. 950

يمكن لرجل واحد أن يلعب في حياته عدة أدوار على مرسح هذا العالم، ويكون محرزاً الفخر الحقيقي لنفسه، وجالباً النفع العمومي على قومه وبني جنسه. ومن إصلاحاته الإدارية في عالم التجارة والماليات إحداثه الطريقة المعروفة بالتصفية المحلية. وحينما كان سكرتيراً لنقابة صيارفة لندرا (وهو مركز شغله مدة ٢٥ علماً) تم له أيضاً أن يصلح طريقة التصفية العمومية. وإذا أردت أن تتصور أهمية هذين الإصلاحين فحسبك أن تعلم قيمة الأوراق المالية التي تمر في الإدارة التي كان هو الداعي إلى تأسيسها قلما تقل عن ١٠٠. ٠٠٠. ٠٠٠ جنيه إنكليزي في اليوم الواحد. ونذكر في هذا المقام أنه تخرج في كلية ايتون حيث أظهر ذكاء غريباً، وفاز بقصب السبق في جميع الفروع، ولكنه لم يدخل جامعة اوكسفورد أو كمبردج بل دخل مدرسة العالم الكبرى وابتدأ حياته العلمية في الرابعة عشرة من عمره. وكل ما أحرزه من العلم والمعرفة بعد ذلك إنما احرزه بفضل رغبته وصدق عزيمته. والحق يقال إنه لم يرث من أبيه الأموال الطائلة فقط، بل ورث معها الأميال العلمية التي اتبعها وكان خير خلف لخير سلف. فإن أباه كان راسخ القدم وطويل الباع في الفلكيات والرياضيات وله آثار تأليفية خالدة. ولعل نجله الصغير (وهو فتى دون العشرين من السن) يكون خير خلف له أيضاً، فإنني رأيت فيه على حداثته شاباً غزير المواهب واسع الإطلاع، وقد خرجت معه لفسحة في الأحراج والجنائن المغروسة حول القصر، فشهدت وسمعت منه ما أود لو سمح المجال بذكره مثالاً للتربية الإنكليزية. ولنعد بعد هذا الاستطراد إلى حيث وصلنا من ذكر الإصلاحات التي أحدثها مؤلف هذا الكتاب في التجاريات والماليات، فنرى أن فضله يشمل حتى أصحاب الملايين، ولكنه غير مقصور على هؤلاء الأفراد القلائل، فإنه يعم الملايين، بلا
следующие страницы →