← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 36537

سجود التلاوة وأحكامه

صالح اللاحم

Полный текст (154 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الأول في أحكامه داخل الصلاة وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: في قراءة الإمام لما فيه سجدة في الصلاة. المطلب الثاني: في قيام الركوع مقام سجود التلاوة. المطلب الثالث: في تكرار السجود لتكرار قراءة ما فيه السجود. المطلب الرابع: في صفة أداء السجدة في الصلاة. المطلب الخامس: في القراءة بعد الرفع من سجود التلاوة وقبل الركوع. المطلب السادس: في سجود المأموم لقراءة نفسه. المطلب الأول: في قراءة الإمام لما فيه سجدة وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الصلاة الجهرية. المسألة الثانية: في الصلاة السرية. المسألة الأولى: في قراءتها في الجهرية: وقد اختلف أهل العلم في حكم ذلك على قولين.

стр. 72

القول الأول: مشروعية ذلك: ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ ومنهم: الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، ومالك في رواية ابن وهب عنه (٥). واستدلوا بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر: ﴿الم، تنزيل﴾ [السجدة: ١، ٢] ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٦) [الإنسان: ١]. ووجه الدلالة: ظاهر لاشتمال الأولى على سجدة. ونوقش: بأن عمل أهل المدينة على خلافه فدل على نسخه (٧). وأجيب عنها من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بأن عملهم حجة. الوجه الثاني: أنه لا عمل أقوى من عمل عمر وعثمان بحضرة الصحابة في المدينة (٨). ٢ - حديث أبي هريرة؛ قال: سجدنا مع النبي ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١] (٩). ووجه الدلالة: ظاهر. ونوقش: بما نوقش به سابقه.

стр. 73

٣ - أنه روي عن جمع من فقهاء الصحابة؛ منهم: عمر، وابنه، وأبو هريرة، وعثمان (١)، ولم يعلم لهم مخالف فكان إجماعًا (٢). القول الثاني: أنه تكره قراءتها في صلاة الفريضة دون النافلة: ذهب إليه مالك في رواية عنه؛ وهي المذهب عند أصحابه (٣). واحتج: للكراهة في الفريضة بما يلي: ١ - أنه إذا لم يسجدها دخل في الوعيد، أي: اللوم المشار له بقوله تعالى: ... ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] وإن سجد زاد في عدد سجودها (٤). ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أن السجود سنة ولا وعيد في ترك السنة، فهذا ليس قولكم. الوجه الثاني: بأن هذه العلة موجودة في النافلة ولا كراهة فيه عندكم. وأجيب: بأن السجود لما كان نافلة والصلاة نافلة صار كأنه ليس زائدًا (٥). الوجه الثالث: دعواكم أن سجوده زيادة، استدلال بمحل النزاع، فهو مسنون بفعل النبي ﷺ وليس بزيادة.

стр. 74

٢ - ولأنه يؤدي إلى أن يخلط على من خلفه، لأنه أمر غير معتاد في الصلاة (١). ونوقش: بأن التخليط إنما يحصل في حالة الإسرار في القراءة، وأما مع الجهر فأكثر من وراءه يعلم بموضع السجدة فيتأهب لها ولا ينكر السجود فيها (٢). أما عدم الكراهة في النافلة: فقد احتج له بعضهم: بأن السجود لما كان نافلة، و الصلاة نافلة صار كأنه ليس زائدًا بخلاف الفرض (٣). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن مقتضى الزيادة في الفرض البطلان، فكذلك في النافلة. وأجيب عنه: بأن الشارع لما طلبها من كل قارئ صارت كأنها ليست زائدة محضة (٤). الوجه الثاني: أنه لا فرق في الخوف من التخليط بين الفريضة والنافلة فلا بد لكم من دليل على الفرق. الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه هو القول الأول من الجواز بلا كراهة لما أوردوه من الحديث الصحيح في قراءته ص للسجدة، وضعف ما أورده الآخرون من دعوى النسخ، أو احتمال التخليط.

стр. 75

المسألة الثانية: في الصلاة السرية: وفيه فرعان: الفرع الأول: في حكم قراءة ما فيه سجدة . الفرع الثاني: في السجود. الفرع الأول: في حكم قراءة ما فيه سجدة: هذا وقد اختلف أهل العلم في حكم قراءة ما فيه سجدة في الصلاة السرية على الأقوال التالية. القول الأول: أنه يكره: ذهب إليه الحنفية (١) والحنابلة في قول، وهو المذهب (٢) وبعض المالكية (٣). ١ - لأنه إذا لم يسجد كان تاركًا للسنة، وإن سجد أوهم على المأمومين؛ إذ قد يظنون أنه غلط فقدم السجود على الركوع، وفيه من الفتنة ما لا يخفى (٤). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن ترك السنة لا يقتضى الكراهة؛ لأن ترك المسنون ليس مكروهًا، وإلا قلنا: إن صلاتنا في غير النعال مكروهة، ولقلنا بالكراهة إذا لم يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، ولقلنا بالكراهة إذا لم يجهر بالجهرية (٥).

стр. 76

الوجه الثاني: أن المحذور يزول إذا جهر بقراءة السجدة ليعلم الناس سبب سجوده فيتبعوه (١). ٢ - ولأنه إذا سجد زاد في عدد سجود الفريضة (٢). ونوقش: بأن هذا الاستدلال بمحل النزاع، والثابت عنه ﷺ السجود فليس بزيادة. القول الثاني: أنه يكره في الفريضة دون النافلة: ذهب إليه المالكية (٣). واحتجوا: لكراهة ذلك في الفريضة بما احتج به أصحاب القول الأول. أما عدم الكراهة في النافلة فقالوا: إن السجود لما كان نافلة، والصلاة نافلة صار كأنه ليس زائدًا (٤). وقد نوقش من وجهين: الوجه الأول: أن مقتضى الزيادة في الفرض البطلان فكذلك في النافلة. وأجيب عنه: بأن الشارع لما طلبها من كل قارئ صارت كأنها ليست زائدة محضة. الوجه الثاني: أن من دعواكم على الكراهة في الفريضة خوف التخليط على المأمومين ولا فرق في ذلك بين النافلة والفرض.

стр. 77

القول الثالث: أنه لا يكره مطلقًا: ذهب إليه الشافعية (١)، والحنابلة في قول (٢)، وابن حزم (٣). واستدلوا بما يلي: ١ - حديث عبد الله بن عمر ﵁: أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر، ثم قام فركع، فرأى أصحابه أنه قرأ سورة السجدة (٤). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث لا يصح، لأن في سنده أمية وهو مجهول، ثم هو من رواية سليمان التيمي وهو مدلس (٥). الوجه الثاني: على فرض صحة الحديث، فيحمل على أنه لبيان الجواز، فلم يكن مكروهًا، لأنه في مقام التشريع (٦). ٢ - أنه لا دليل على الكراهة، فعلى مدعيها إيراد الدليل. الترجيح: والذي يترجح لدي ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث من عدم الكراهة؛ لعدم الدليل المقتضي للكراهة، وضعف ما أورده الأولون للحكم بذلك.

стр. 78

الفرع الثاني: في حكم سجوده إذا قرأ في السرية: وفيه جانبان: الجانب الأول: في سجود الإمام . الجانب الثاني: سجود المأموم. الجانب الأول: في سجود الإمام: اختلف القائلون بكراهة قراءة ما في السجود في الصلاة السرية في حكم سجوده إذا قرأ على قولين: القول الأول: أنه يشرع له السجود: ذهب إليه الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة في قول (٣). ١ - لما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ سجد في الظهر، ثم قام فركع، فرأى أصحابه أنه قد قرأ سورة السجدة (٤). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: ضعف الحديث لضعف إسناده، فلا يصح الاحتجاج (٥). الوجه الثاني: لو سلم بصحة الحديث، فإنه يحمل على أنه لبيان الجواز فلم يكن مكروهًا لكونه في مقام التشريع.

стр. 79

٢ - ولتقرر السبب في حقه وهو التلاوة (١). القول الثاني: أنه يكره: ذهب إليه الحنابلة في المذهب (٢). واحتجوا: بأن فيه إيهامًا على المأمومين (٣). ونوقش: بأن ذلك يزول برفع صوته قليلا عند آية السجدة، أو موضع السجود (٤). الترجيح: والذي يترجح لدي ما ذهب إليه الأولون من جواز ذلك بلا كراهة، بل استحبابه؛ لقوة ما ذكروه من تقرر السبب في حقه، في مقابل ضعف ما أورده القائلون بالكراهة. الجانب الثاني: في سجود المأموم: هذا وقد اختلف القائلون بكراهة السجود للإمام، في حكم اتباع المأموم للإمام فيما لو سجد، على الأقوال التالية: القول الأول: أنه يتبعه في سجوده: ذهب إليه الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والحنابلة في قول (٧). ١ - لقول النبي ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا

стр. 80

سجد فاسجدوا» (١). ٢ - ولأنه لو كان بعيدًا لا يسمع، أو أطروشًا، في صلاة الجهر لسجد بسجود إمامه كذا ههنا (٢). ٣ - ولأن الأصل عدم السهو (٣). القول الثاني: أنه يمتنع اتباعه: ذهب إليه بعض المالكية (٤). لاحتمال سهوه (٥). ونوقش: بأن الأصل عدم السهو. القول الثالث: أن المأموم مخير بين السجود وعدمه: ذهب إليه الحنابلة في قول، وهو المذهب (٦). واحتجوا: بأنه ليس بمسنون للإمام، ولا يوجد الاستماع المقتضى للسجود (٧). ونوقش: بأنه يبطل بما إذا كان المأموم بعيدًا في صلاة الجهر، لا يسمع أو أطروشًا فإنه يسجد بسجود إمامه مع ما ذكروه (٨). الترجيح: رجحنا فيما سبق جواز تلاوة ما فيه سجدة في السرية، وجواز سجوده تبعًا لذلك، وأن ذلك مستحب غير مكروه لتقرر السبب في حقه،

стр. 81

وبناء عليه فإن اتباع المأموم لإمامه لازم في هذا الحالة، لما ذكره أصحاب هذا القول من الحديث، وصحة ما أوردوه من القياس، وكما لو كان في صلاة جهرية، والله أعلم. المطلب الثاني: قيام الركوع مقام سجود التلاوة اختلف أهل العلم في حكم الاجتزاء بركوع الصلاة عن سجود التلاوة على قولين: القول الأول: أنه يقوم مقامه: ذهب إليه الحنفية (١)، وأحمد في رواية عنه، اختاره بعض أصحابه (٢). واحتجوا بما يلي: ١ - قوله تعالى عن داود: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]. والدلالة فيه من وجهين: الوجه الأول: أن المراد بالآية السجود، لأنه قال: ﴿وَخَرَّ﴾ ولا يقال للراكع: خر. الوجه الثاني: لو سلم بأن داود ركع حقيقة، لم يكن فيه حجة؛ لأن داود إنما فعل ذلك توبة، لا لسجود التلاوة (٣).

стр. 82

الوجه الثاني: في الاستدلال. أنه قد روي في تأويل الآية: أن معناه خر ساجدًا، فعبر بالركوع عن السجود، فجاز أن ينوب عنه إذ صار عبارة عنه (١). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: بأن الذي روي عنه ﵇ السجود لا الركوع، لا أنه عبر عنه بالركوع (٢). الوجه الثاني: أنه لا يلزم في تعبيره عن السجود بالركوع أن ينوب عنه؛ إذ يحتاج إلى دليل. ٢ - ما روي عن ابن عمر ﵄، أنه كان إذا تلا آية السجدة في الصلاة ركع (٣). ٣ - ولأن المقصود الخضوع والخشوع وذلك يحصل بالركوع، كما يحصل بالسجود (٤). القول الثاني: أنه لا يقوم مقامه: ذهب إليه المالكية (٥)، والشافعية (٦)، وأحمد في رواية عنه، وهي المذهب (٧). ١ - لأنه سجود مشروع، فلا يقوم مقامه الركوع كسجود الصلاة (٨).

стр. 83

٢ - ولأنه إن قصد به الركوع للصلاة فلم يسجدها وإن قصد به السجود فقد أحالها عن صفتها، وذلك غير جائز؛ لأنه تغيير للموضوع الشرعي (١). ٣ - ولأن الركوع ليس فيه من الخضوع ما في السجود (٢). ٤ - ولأنه هو الذي استمر عمل النبي ﷺ ومن بعده عليه (٣). الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه هو القول الثاني؛ لقوة ما بني عليه من استدلال؛ ومنه أنه هو الذي روي عن النبي ﷺ ، ولم ينقل عنه مرة واحدة لا بحديث صحيح ولا ضعيف الاكتفاء بالركوع عن السجود. المطلب الثالث: في تكرار (٤) السجود لتكرار قراءة ما فيه سجدة ذكرنا فيما سبق حكم قراءة الإمام لما فيه سجدة، وأتبعناه في حكم سجوده إذا قرأ السجدة، واختلافهم في ذلك بين قائل بالجواز، وقائل بالكراهة، ومن هو مفرق بين ذلك في السرية، والجهرية واتفاقهم على جواز ذلك للمنفرد دون كراهة. والذي نريد بيانه هنا هو: حكم سجوده فيما لو كرر قراءة ما فيه سجدة في صلاة واحدة.

стр. 84

فقد اختلف أهل العلم في ذلك على الأقوال التالية. القول الأول: مشروعية السجود في كل مرة. ذهب إليه المالكية (١)، والشافعية في الأصح (٢)، والحنابلة في قول (٣). واحتجوا: بأن سببه تلاوة السجدة فتكرر بتجدد السبب (٤). القول الثاني: أنه يشرع إذا طال الفصل: ذهب إليه الشافعية في وجه: قالوا: اكتفاء بالأولى مع قصر الفصل (٥). القول الثالث: أنه يشرع إذا كررها في ركعتين، أما إذا كان في واحدة فلا يعيدها: ذهب إليه أبو يوسف ومحمد من الحنفية (٦)، والشافعية في الوجه الثالث (٧)، وبعض الحنابلة (٨). واحتجوا بما يلي: ١ - لأن الركعتين كالمجلسين، وقد تجدد السبب بعد توفية

стр. 85

الحكم الأول (١). ٢ - ولأن للقراءة في كل ركعة حكمًا على حدة، حتى يسقط به فرض القراءة فكانت الإعادة في الركعتين نظير الإعادة في الصلاتين (٢). القول الرابع: أنه لا يشرع التكرار مطلقًا: ذهب إليه أبو يوسف في قوله الأخير (٣). واحتج: بأن المكان مكان واحد، وحرمة الصلاة حرمة واحدة، والمتلو آية واحدة، فلا يجب (٤)، إلا سجدة واحدة، كما لو أعادها في الركعة الأولى (٥). ونوقش: بأن المكان وإن اتحد حقيقة وحكمًا، لكن لا يمكن أن نجعل الثانية تكرارًا، لأن لكل ركعة قراءة مستحقة، فلو جعلت الثانية تكرارًا للأولى، والتحقت القراءة بالركعة الأولى لخلت الثانية عن القراءة ولفسدت؛ وحيث إنها لم تفسد دل على أنها لم تجعل مكررة، بخلاف ما إذا كرر التلاوة في ركعة واحدة؛ لأنه أمكن هناك جعل التلاوة المتكررة مستجدة المعنى (٦). الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه أنه يكفيه سجدة واحدة وذلك قياسًا، على ما لو كرر قراءة الموضع الواحد خارج الصلاة (٧)، بل هو ههنا آكد للاتفاق على جواز التكرار خارج الصلاة دون كراهة، والاختلاف في كراهة قراءة السجدة، والسجود في صورة كثيرة في الصلاة (٨).

стр. 86

المطلب الرابع: في صفة أداء السجدة في الصلاة وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في التكبير في الخفض والرفع . المسألة الثانية: في رفع اليدين فيهما. المسألة الأولى في التكبير في الخفض والرفع: ذهب عامة أهل العلم (١) إلى مشروعية التكبير في سجود التلاوة، إذا كان ذلك في الصلاة، لا فرق في ذلك بين حالة الهوي إلى السجود، أو الرفع منه (٢). واستدلوا: بما ثبت عن النبي ﷺ : «أنه كان يكبر في كل رفع وخفض» (٣). وقد نقل النووي في المجموع وجهًا في مذهب الشافعية: أنه لا يكبر في الرفع ولا في الخفض وحكم عليه بالضعف والشذوذ (٤). المسألة الثانية: في رفع اليدين: أما رفع اليدين فقد اختلف أهل العلم في حكمه على قولين:

стр. 87

القول الأول: عدم مشروعية رفع اليدين: ذهب إليه الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وأحمد في رواية عنه اختارها بعض أصحابه (٤). واحتجوا بما يلي: ١ - حديث عبد الله بن عمر ﵁؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع .. ولا يفعل ذلك في السجود» (٥). ووجه الدلالة: أنه كان لا يفعل ذلك في السجود، وما نحن فيه منه (٦). ٢ - وكما لو سجد في صلب الصلاة (٧). القول الثاني: أنه يسن له رفع يديه: ذهب إليه أحمد في الرواية الثانية عنه، وهي المذهب (٨). واحتج بما يلي: ١ - حديث وائل بن حجر الحضرمي «أنه صلى مع رسول الله ﷺ

стр. 88

فكان يكبر إذا خفض ورفع، ويرفع يديه في التكبير» (١). قال أحمد: هذا يدخل في هذا كله (٢). ونوقش: بأن حديث ابن عمر أخص منه وأصح، فيتعين تقديمه، عليه، ولذلك قدم عليه في سجود الصلاة كذلك ههنا (٣). ٢ - ولأنه يسن له الرفع لو كان خارج الصلاة فكذلك إذا كان فيها (٤). ونوقش: بعدم التسليم بسنيته خارج الصلاة، لعدم الدليل عليه. الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه أنه لا يرفع يديه، لصحة ما ذكروه، من القياس، ولعدم الدليل الخاص به. المطلب الخامس: في القراءة بعد الرفع من سجود التلاوة وقبل الركوع إذا سجد للتلاوة في الصلاة فقام استحب له أن يقرأ من بقية السورة شيئًا فإن كانت السجدة في آخر السورة، كما في الأعراف، قرأ من سورة أخرى. ذهب إلى هذا عامة الفقهاء (٥). واحتجوا بما يلي: ١ - بما روي عن عمر بن الخطاب أنه صلى بالناس بالفجر فقرأ في

стр. 89

الركعة الأولى بسورة يوسف، ثم قرأ في الثانية بالنجم ثم سجد، ثم قام فقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (١). ٢ - وبما روي عن مسروق؛ قال: صليت خلف عثمان الصبح، فقرأ: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فسجد فيها ثم قام فقرأ سورة أخرى (٢). ٣ - وبما روي عن مسروق؛ قال: قال عبد الله (٣): «إذا قرأ أحدكم سورة وآخرها سجدة فليركع إن شاء، وإن شاء فليسجد، فإن الركعة مع السجدة، وإن سجد فليقرأ إذا قام سورة، ثم ليركع» (٤). المطلب السادس: في سجود المأموم لقراءة نفسه إذا قرأ المأموم ما فيه سجدة، فقد اختلف أهل العلم في حكم سجوده على ثلاثة أقوال: إذا قرأ المأموم ما فيه سجدة فهل له السجود أو ليس له ذلك؟ اختلف أهل العلم. القول الأول: أنه لا يسجد: ذهب إليه الجمهور، ومنهم: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، وأحمد في رواية عنه وهي المذهب (٨).

стр. 90

واستدلوا بما يلي: ١ - قوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ... » (١). قالوا: وسجوده لقراءة نفسه من الاختلاف عليه فيكون داخلاً في النهي (٢). ٢ - ولأنه زاد سجودًا عمدًا (٣). ٣ - ولأنه لو سجد التالي وتابعه الإمام انقلب التابع متبوعًا، وإن لم يتابعه الإمام كان هو مخالفًا لإمامه، وإن سجدها الإمام وتابعه التالي كان هذا خلاف موضوع السجدة، فإن التالي المعتد به إمام التابعين (٤). ٤ - ولأن المقتدي محجور عن القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه، وتصرف المحجور لا حكم له (٥). القول الثاني: أنه يسجد: ذهب إليه أحمد في رواية عنه (٦). ولم يذكروا لها دليلاً، ولعله تقرر السبب وهو القراءة لما فيه سجدة فيسجد. القول الثالث: أنه يسجد في النفل دون الفرض: ذهب إليه أحمد في رواية عنه (٧).

стр. 91

ولم يذكروا لها دليلاً، ولعله تقرر السبب ثم إن مبني النفل على التخفيف، فيكون نوع مفارقة. وقد يناقش بأنه يخالف القاعدة: أن ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل، ولا دليل. القول الرابع: أنهم يسجدونها إذا فرغوا من الصلاة: ذهب إليه محمد بن الحسن من الحنفية (١)، وبعض الحنابلة (٢). واحتج لهذا القول: بأن السبب قد تقرر ولا مانع، بخلاف حالة الصلاة؛ لأنه يؤدي إلى خلاف وضع الإمامة أو التلاوة (٣). وأجيب عنه من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بتقرر السبب؛ لأن المقتدي محجور عن القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه وتصرف المحجور لا حكم له (٤). الوجه الثاني: أن هذه السجدة صلاتية؛ لأن سببها تلاوة من يشاركهم في الصلاة، والصلاتية إذا لم تؤد في الصلاة لا تؤدى بعد الفراغ منها كما لو تلاها الإمام ولم يسجد في الصلاة (٥). الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه أنه ممنوع من السجود مع اقتدائه بالإمام، لكن إن حصلت منه مفارقة للإمام سجد، لتقرر السبب وعدم المانع، كما يترجح لي توجه السجود بعد الصلاة لتقرر السبب، وعدم المانع، وإكمال الصلاة فارق يسير فلا يضر.

стр. 92

المبحث الثاني في أحكامه خارج الصلاة وفيه ثلاثة عشر مطلبًا: المطلب الأول: في دخوله في مسمى الصلاة. المطلب الثاني: في السجود وقت النهي عن الصلاة. المطلب الثالث: في تحديد وقت السجود للتلاوة. المطلب الرابع: في نيابة الركوع عن السجود. المطلب الخامس: في تكرار السجود لتكراره قراءة ما فيه سجدة. المطلب السادس: الاقتصار على قراءة آية السجدة أو موضع السجدة. المطلب السابع: حذف آية السجدة أو موضعها في أثناء القراءة. المطلب الثامن: السجود على الراحلة. المطلب التاسع: سجود المشي. المطلب العاشر: في سجود الخطيب لقراءة السجدة. المطلب الحادي عشر: في استحباب الإسرار بقراءة السجدة. المطلب الثاني عشر في صفة أداء السجدة. المطلب الثالث عشر: ترك السجود خوف الرياء.

стр. 93

المطلب الأول: في دخوله في مسمى الصلاة اختلف أهل العلم في سجود التلاوة هل يعد صلاة فتشترط له شروط الصلاة من طهارة الحدث، والطهارة عن النجس في البدن والثوب والمكان، وستر العورة، واستقبال القبلة، أو لا؟ فلا تشترط له هذه الشروط ودونك أقوالهم: القول الأول: أنه يعد صلاة: ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ ومنهم: الأئمة الأربعة، وأصحابهم (١). الأدلة: ١ - أنه سجود لله تعالى يقصد به التقرب إليه، له تحريم وتحليل، فكان صلاة كسجود الصلاة (٢). ونوقش: بأن هذا غير مسلم إذ لا تحريم ولا تحليل له عندنا، فلا يصح القياس. ٢ - ولأنه بعض الصلاة فكان صلاة كسجدات الصلاة (٣). ونوقش: بأن هذا لا يصح لوجهين: الوجه الأول: أنه لا يكون بعض الصلاة صلاة إلا إذا تمت كما

стр. 94

أمر بها المصلي، ولو أن امرءًا كبر وقرأ، وركع ثم قطع عمدًا لما قال أحد: إنه صلى شيئًا. الوجه الثاني: أن القيام بعض الصلاة، والتكبير بعض الصلاة، وقراءة أم الكتاب بعض الصلاة، والجلوس بعض الصلاة، والسلام بعض الصلاة فيلزمكم على هذا أن تقولوا: بأن هذه صلاة، ولا تقولون بذلك فبطل الاحتجاج (١). قالوا: فإذا كان صلاة اشترط له ما يشترط للصلاة من الطهارة واستقبال القبلة، والسترة بدليل ما يلي. ١ - قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (٢) فيدخل في عمومه سجود التلاوة (٣). ٢ - وقياسًا على سائر الصلوات (٤). ٣ - وقياسًا على سجدات الصلاة، والركوع (٥). ٤ - وقياسًا على سجود السهو (٦). القول الثاني: أنه لا يعد صلاة، فلا تشترط له شروطها: ذهب إليه ابن جرير (٧)، وابن حزم (٨)، وابن تيمية (٩)، وحكاه ابن بطال عن كثير من السلف (١٠)، وهو قول الشعبي، وسعيد بن المسيب (١١).

стр. 95

الأدلة: واحتجوا لما ذهبوا إليه من أنه لا يعد صلاة بما يلي: ١ - قوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١). ووجه الدلالة: نفيه صحة الصلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب، ومعلوم أن سجود التلاوة لا قراءة فيه، فدل على أنه ليس منها. ٢ - حديث علي عن النبي ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (٢). قال ابن تيمية: وهذا يتناول كل ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم: كالصلاة التي فيها ركوع وسجود، وهذه منتفية في سجود التلاوة، فإن النبي ﷺ لم يسم ذلك صلاة، ولا سن فيها سلامًا ولم يرو عنه ذلك بإسناد صحيح ولا ضعيف بل هو بدعة، ولا جعل لها تكبير افتتاح (٣). ٣ - حديث عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ : «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» (٤). ٤ - وحديثه الآخر عن النبي ﷺ : «الوتر ركعة من آخر الليل» (٥).

стр. 96

قال ابن حزم: فصح أن ما لم يكن ركعة تامة أو ركعتين فصاعدًا فليس صلاة، والسجود في قراءة القرآن ليس ركعة، ولا ركعتين فليس صلاة (١). قالوا: فإذا لم يكن من الصلاة لم يشترط له ما يشترط للصلاة ومما يدل على ذلك ما يلي: ١ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ ، قرأ سورة النجم فسجد بها فما بقي أحد من القوم إلا سجد (٢). والشاهد منه: سجود جميع من معه من المسلمين والمشركين، غير ذلك الشيخ، والمشرك نجس ليس له وضوء (٣). ٢ - حديث ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ كان يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد، ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته (٤). والشاهد منه: سجودهم جميعًا حتى أن أحدهم لا يجد لجبهته موضعًا، وهذا ظاهر في عدم اشتراط الطهارة له إذ يبعد اتفاقهم على استحضارهم لها (٥). ٣ - أن الله أخبر عن سجود السحرة لما آمنوا بموسى على وجه الرضا بذلك السجود، ولا ريب أنهم لم يكونوا متوضئين ولا يعرفون الوضوء، فعلم أن السجود المجرد لله مما يحبه الله ويرضاه، وإن لم يكن صاحبه متوضئًا، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهذا سجود إيمان (٦).

стр. 97

٤ - أن الله أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الباب سجدًا، ويقولوا: حطة و معلوم أنه لم يأمرهم بوضوء، ولا كان الوضوء مشروعًا لهم، بل هو من خصائص أمة محمد. ٥ - أن الله أخبر عن الأنبياء بالسجود المجرد في مثل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. ولم يكونوا مأمورين بالوضوء، فإن الوضوء من خصائص أمة محمد (١). ٦ - أنه روي عن عثمان في الحائض تسمع السجدة: «تؤمئ برأسها» (٢). ٧ - وعن ابن عمر أنه كان يسجد على غير وضوء (٣). ونوقش: بأنه روي عنه قوله: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر (٤). وأجيب: بأنه يحمل على الطهارة الكبرى، أو على الاستحباب جمعًا بين الروايتين (٥). ٨ - ما رواه عطاء عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: كان يقرأ

стр. 98

السجدة، وهو على غير القبلة، وهو يمشي فيؤمئ برأسه ثم يسلم (١). ٩ - أن جنس العبادة لا يشترط له الطهارة، بل إنما تشترط للصلاة، فكذلك جنس السجود يشترط لبعضه، وهو السجود الذي لله كسجود الصلاة، بخلاف سجود التلاوة، وسجود الشكر، وسجود الآيات (٢). الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أنه لا يعد صلاة، لقوة أدلته في مقابل ضعف ما أورده الجمهور، لقولهم من استدلال، فإذا لم يكن صلاة، لم يجب له وضوء لما ذكره أصحاب القول الثاني، ولأنه لا يرد بإيجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة، ولا إجماع ولا قياس صحيح (٣). المطلب الثاني: في حكم السجود في وقت النهي اختلف القائلون بأن سجود التلاوة يعد صلاة في حكم الإتيان بالسجدة في وقت النهي على الأقوال التالية. القول الأول: أنه يسجد في كل و قت: ذهب إليه الشافعية (٤)، وأحمد في رواية عنه (٥)، وروي ذلك عن

стр. 99

الحسن، والشعبي، وسالم، والقاسم، وعطاء، وعكرمة (١). واستدلوا: بأنها صلاة ذات سبب وهو التلاوة (٢)، وإذا كانت كذلك جازت في وقت النهي لجملة أدلة منها: ١ - أن أحاديث الأمر بذوات الأسباب كقوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (٣)، عام محفوظ لا خصوص فيه، وأحاديث النهي ليس فيها حديث واحد عام، بل كلها مخصوصة، فوجب تقديم العام الذي لا خصوص فيه، فإنه حجة باتفاق السلف والجمهور القائلين بالعموم، بخلاف الثاني، وهو أقوى منه بلا ريب. ٢ - أنه ثبت أن النبي ﷺ أمر بصلاة تحية المسجد للداخل عند الخطبة هنا بلا خلاف عنه لثبوت النص به، والنهي عن الصلاة في هذا الوقت أشد بلا ريب، فإذا فعلت هناك فهنا أولى (٤). ٣ - ومنها: أن حديث ابن عمر في الصحيحين لفظه: «لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها» (٥) والتحري هو التعمد والقصد، وهذا إنما يكون في التطوع المطلق، فأما ما له سبب فلم يتحره، بل فعله لأجل السبب، والسبب ألجأه إليه، وهذا اللفظ المقيد يفسر سائر الألفاظ، ويبين أن النهي إنما كان عن التحري، ولو كان عن النوعين لم يكن للتخصيص فائدة، ولكان الحكم قد علق بلفظ عديم التأثير.

стр. 100

٤ - ومنها: أنه قد ثبت جواز بعض ذوات الأسباب بعضها بالنص، كالركعة الثانية من الفجر، وكركعتي الطواف، وكالمعادة مع إمام الحي، وبعضها بالنص والإجماع، كالعصر عند الغروب، وكالجنازة بعد العصر، وإذا نظر في المقتضى للجواز لم توجد له علة صحيحة، إلا كونها ذات سبب، فيجب تعليق الحكم بذلك، وإلا فما الفرق بين المعادة وبين تحية المسجد، والأمر بهذا أصح، وكذلك الكسوف قد أمر بها في أحاديث كثيرة صحيحة. ٥ - أن النهي عن الصلاة فيها هو من باب الذرائع لئلا يتشبه بالمشركين، فيفضي إلى الشرك، وما كان منهيًا، عنه لسد الذريعة، لا لأنه مفسدة في نفسه؛ يشرع إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولا تفوت المصلحة لغير مفسدة راجحة، والصلاة لله فيه ليس فيها مفسدة بل هي ذريعة إلى المفسدة، فإذا تعذرت المصلحة إلا بالذريعة شرعت واكتفي منها إذا لم يكن هناك مصلحة، وهو التطوع المطلق، فإنه ليس في المنع منه مفسدة، ولا تفويت مصلحة، لإمكان فعله في سائر الأوقات (١). ٦ - أن ذوات الأسباب كلها تفوت إذا أخرت عن وقت النهي: مثل سجود التلاوة، وتحية المسجد، وصلاة الكسوف، ومثل الصلاة عقب الوضوء، وكذلك صلاة الاستخارة؛ إذا كان الذي يستخير له يفوت إذا أخرت الصلاة، ونحو قضاء السنن الرواتب كما قضي النبي ﷺ ركعتي الظهر بعد العصر (٢)، وكما أقر الرجل على قضاء

стр. 101

ركعتي الفجر بعد الفجر (١)، مع أنه يمكن تأخيرها، لكن تفوت مصلحة المبادرة إلى القضاء، فإن القضاء مأمور به على الفور، في الواجب واجب، وفي المستحب مستحب (٢). القول الثاني أنها إن وجبت قبل وقت النهي منع من أدائها فيه، وإن وجبت في وقت النهي كره عند طلوع الشمس، و عند قيامها في الظهيرة، وعند غروبها، ويجوز بلا كراهة في الوقتين المتبقيين من أوقات النهي وهما من بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب. ذهب إليه الحنفية (٣). واحتجوا: للمنع فيما إذا وجبت قبل وقت النهي: بأنها وجبت كاملة فلا تتأدى بالناقص. أما الجواز مع الكراهة في الثلاثة الأول: فقالوا: لأنها وجبت بالتلاوة، وتكره، لأنها أديت ناقصة. أما الجواز بلا كراهة في الوقتين المتبقيين: فقالوا: لأن النهي فيها لمعنى في غير الوقت، وهو كون الوقت كالمشغول بفرض الوقت حكمًا وهو أفضل من النفل فلا يظهر في حق فرض آخر مثله، فلا يظهر تأثيره

стр. 102

إلا في كراهة النافلة (١). القول الثالث: أنه يسجد لها بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس: ذهب إليه مالك في رواية ابن القاسم عنه، وهي المذهب عند أصحابه (٢). واحتجوا بما يلي: ١ - لأنها صلاة اختلف في وجوبها، فجاز فعلها بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس كصلاة الجنازة (٣). ٢ - ولأنها سنة مؤكدة ففارقت النوافل المحضة (٤). القول الرابع: أنه لا يسجد في أوقات النهي مطلقًا: ذهب إليه مالك في رواية عنه (٥)، وأحمد في الرواية الثانية عنه وهي المذهب (٦). وروي عن سعيد بن المسيب، وإسحاق، وأبي ثور (٧). ١ - لقوله ﷺ : «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس» (٨).

стр. 103

٢ - ولحديث عقبة بن عامر قال ثلاث أوقات نهانا النبي ﷺ أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب (١). قالوا: وسجود التلاوة نافلة فمنعت في هذه الأوقات كسائر النوافل (٢). ٣ - ولما أخرجه أبو داود عن أبي تميمة الهجيمي؛ قال: كنت أقص بعد صلاة الصبح، فأسجد فنهاني ابن عمر، فلم أنته، ثلاث مرات، ثم عاد فقال: إني صليت خلف النبي ﷺ ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم يسجدوا حتى تطلع الشمس (٣). ونوقش الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: ضعف الحديث؛ لأن في سنده أبا بحر البكراوي عبد الرحمن بن عثمان بن أمية، ولا يحتج بحديثه (٤). الوجه الثاني: أنه على تقدير ثبوته مرفوعًا فيحمل على أن المختار تأخير السجدة حتى يذهب وقت الكراهة، وإن لم يثبت رفعه فكأنه قاسها على التطوع المطلق بالصلاة (٥)، وهي هنا ذات سبب، وقد بينا فيما سبق ما يدل على جواز فعل ما له سبب في و قت النهي (٦).

стр. 104

المطلب الثالث: في تحديد وقت السجود للتلاوة وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في اشتراط الفورية للسجود. المسألة الثانية: إذا تلا ما فيه السجدة، أو استمع إليها وهو على غير وضوء. المسألة الأولى: في اشراط الفورية للسجود: اختلف أهل العلم في حكم السجود للتلاوة، هل تلزم المبادرة به، أو أن وقته موسع (١) على قولين: القول الأول: أنه على التراخي، أي: أن وقته موسع: ذهب إليه أبو حنيفة في رواية عنه، وعليها معظم أصحابه (٢). ولم أعثر على دليل هذا القول، ولعله عدم ورود الدليل على الفورية. القول الثاني: أنه على الفور: ذهب إليه المالكية (٣)، والحنابلة (٤)، وأبو يوسف، وأبو حنيفة في

стр. 105

الرواية الثانية عنه (١). احتج الحنابلة: بأنها تتعلق بسبب فإذا فات لم يسجد، كما لو قرأ سجدة في الصلاة فلم يسجد، فإنه لا يسجد بعدها (٢). وظاهره إلزام للحنفية لتسليمهم بأنها لا تؤدى خارج الصلاة، وهو غير لازم؛ لأنهم يقولون بأنها وجبت كاملة، وأداؤها خارج الصلاة ناقص فلا يتأدى الكامل بالناقص (٣). وأما الحنفية: فلم أجد دليلهم؛ ولعله وجوبها عندهم، وهو مقيد بسبب وهو التلاوة فيتوجب المبادرة عند وجود السبب. مسألة: وعلى القول بالفورية، هل تقضي إذا لم يتمكن من أدائها على الفور؟ أما الحنفية: فقالوا: بالقضاء (٤). بل قال ابن عابدين: وينبغي أن يكون محل الخلاف في الإثم وعدمه، حتى لو أداها بعد مرة، كان مؤديًا لا قاضيًا (٥). وأما الحنابلة: فقالوا بعدم القضاء، كما لا تقضى صلاة الكسوف، والاستسقاء وتحية المسجد (٦). وقد أورد عليهم قضاء الرواتب؟ وأجابوا عنه: بالفرق؛ لأن الرواتب تابعة للفرض (٧)، ولأن النص ورد بقضائها (٨).

стр. 106

المسألة الثانية: إذا تلا السجدة أو سمعها وهو على غير وضوء: مسألة: وعلى الخلاف السابق في الفورية وعدمها، لو سمع السجدة، أو تلاها وهو على غير وضوء، ماذا يفعل؟ اختلف أهل العلم في ذلك على الأقوال التالية (١). القول الأول: أنه لا يلزمه الوضوء، ولا التيمم: ذهب إليه الحنابلة (٢). واحتجوا لعدم لزوم الوضوء، بأنها تتعلق بسبب، فإذا توضأ طال الفصل، وفات السبب فلا يسجد (٣). أما عدم التيمم، فقالوا: بأن شرطه عدم الماء أو تعذر استعماله ولم يوجد (٤). القول الثاني: إنه يتيمم ويسجد: ذهب إليه النخعي (٥). ولم أعثر على دليله، ولعله خوف فوات وقت السجود فأشبه العادم للماء. القول الثالث: أنه يتوضأ ويسجد: ذهب إليه الحنفية (٦)، وأحمد في رواية عنه (٧)،

стр. 107

والثوري وإسحاق (١). احتج الحنفية: بأن صيرورة التيمم طهارة حال عدم الماء، خشية الفوت ولم توجد؛ لأن وجوبها على التراخي (٢). ولم أعثر على دليل الرواية الثانية عن أحمد، ولعله كون الوضوء فاصلاً يسيرًا فلا يؤثر. المطلب الرابع: في نيابة الركوع عن السجود اختلف أهل العلم في قيام الركوع عن سجود التلاوة على قولين: القول الأول: أنه لا يقوم مقامه: ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ ومنهم: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، وأكثر الحنابلة، وهو المذهب (٦). ١ - لأنه سجود مشروع، فلا يقوم الركوع مقامه كسجود الصلاة (٧). ٢ - ولأنه لم ينقل عن النبي ﷺ . القول الثاني: أنه يقوم مقامه: ذهب إليه بعض الحنابلة (٨). ولم أعثر على دليل هذا القول، ويمكن أن يستدل له بما يلي:

стр. 108

١ - قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] حيث عبر عن السجود بالركوع. ٢ - ولأن المقصود التعظيم والخضوع وهو حاصل بالركوع. الترجيح: والراجح هو القول الأول؛ لقوة ما بني عليه، ومن أهمه أنه لم ينقل. المطلب الخامس: في تكرار السجود وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إذا اختلفت مواضع السجدة . المسألة الثانية: إذا اتحدت المسألة الأولى: إذا اختلفت مواضع السجدة: إذا مر التالي في قراءته بمواضع متعددة من مواضع السجدة، كما لو قرأ القرآن بتمامه فإنه يسجد جميع سجداته باتفاق أهل العلم (١). وذلك لعدم الحرج، فإن آيات السجدة محصورة، والغالب عدم تلاوة الجميع في المجلس الواحد (٢). المسألة الثانية: إذا اتحد موضع القراءة، كما لو كرر حزبًا أو وجهًا فيه سجدة في مجلس واحد: ولأهل العلم في تكرار ا لسجود الأقوال التالية:

стр. 109

القول الأول: أنه يسجد في كل مرة: ذهب إليه المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة في وجه (٣). ١ - لتجدد السبب بعد وتفية الحكم الأول (٤). ٢ - وقياسًا على ركعتي الطواف (٥). القول الثاني: أنه يكرر السجود إن طال الفصل: ذهب إليه الشافعية في وجه (٦). ولم أجد دليله، ولعله القياس على اختلاف المجلس. القول الثالث: أنه يكفيه سجدة واحدة. ذهب إليه الحنفية (٧)، والشافعية في وجه (٨)، والحنابلة في الوجه الثاني (٩). واستدلوا بما يلي: ١ - أن جبريل ﵇ كان ينزل بآية السجدة على رسول الله ﷺ ويقرأ النبي ﷺ على أصحابه ويسجد مرة (١٠).

стр. 110

ونوقش: بأن نزول جبريل بآية السجدة وغيرها من القرآن صحيح لا شك فيه، ولكن صحة بقية القضية من أين (١)؟ ١ - ولما روي أن أبا موسى الأشعري ﵁ كان يعلم الناس القرآن في مسجد البصرة وتكرر السجدة، فلا يسجد إلا مرة (٢). ويمكن أن يناقش من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يعرف من خرجه ولا إسناد له. الوجه الثاني: أنه في المعلم. ٣ - ولما روي عن أبي عبد الرحمن السلمي، وهو معلم الحسن والحسين، أنه كان يعلم الآية الواحدة مرارًا ولا يزيد على سجدة واحدة (٣). قالوا: وقد أخذ التلاوة عن الصحابة فالظاهر أنه أخذ حكمها عنهم (٤). ٤ - ودفعًا للحرج، وذلك أن المسلمين يحتاجون إلى تعليم القرآن وتعلمه وذلك يحتاج إلى التكرار غالبًا، فإلزام التكرار في السجدة يفضي إلى الحرج لا محالة، والحرج مدفوع (٥). الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث من أنه يكفيه سجدة واحدة لقوة ما أوردوه من المعقول، وهو دفع الحرج
следующие страницы →