← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

العدد ٢٥ - بتاريخ: ٠١ - ٠٧ - ١٩١٣ سنتنا الثالثة نبتدئ سنتنا الثالثة بحمد الله على ما جاد به علينا في مطاويها، شاكرين قراءنا الكرام على تصفُّح مجلتنا هذه، ومقرين بفضل علماء العرب والغرب علينا لتنشيطهم إيانا، وحثهم على مواصلة مسعانا، ونخص منهم بالذكر أصحاب الكفاءة في الحكم والنقد، وأرباب الحل والعقد، مما يحدو بنا إلى متابعة الخطة التي عاهدنا نفسنا على القيام بها. ومما يدل على أن مجلتنا راقت كثيرين من الأدباء من متعربين ومستعربين ومستشرقين أن طائفة من مقالات السنة الماضية نقلت إلى الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والألمانية. ومنها ما تناولته صحفنا ومجلاتنا الشرقية من شامية ومصرية وعراقية. وقد رأينا عدداً من المؤلفات التي صنفت بعد ظهور (لغة العرب) تذكر طفلتنا هذه مع الثناء على خطتها وحسن منتجعها، نخص منها بالذكر تآليف المستشرقين لأنهم تحققوا أن كتاب هذه المجلة من الاختصاصيين الذين يكتبون عن خُبْر لا عن خَبر. وإننا لنشكر هنا أعظم الشكر جميع من بادلونا بمجلاتهم وصحفهم، واهدونا

стр. 1017

كتبهم ومصنفاتهم، واتحفونا بمقالاتهم ورسائلهم، من خاصة وعامة، مما يدل على كرم سجاياهم، وطيب أعراقهم وعنصرهم، ويكشف عن حبهم لمؤازرة الأدباء سراً وجهراً. ونوجه أطيب ثنائنا وأعطره إلى أولئك الذين تبرعوا علينا بنضارهم، مساعدينا في نفقاتنا ومخففين ما أخذنا على نفسنا من العبء الثقيل الباهظ. نعم إننا وان كنا لا نستطيع أن ننشر أسماءهم الآن خوفاً من أن نمس أرق شواعرهم، إلا انه لا بدَّ من ذلك يوماً ريثما تنكشف الأسرار، وتنتهك السرائر، فيعطي كل ذي حق حقه، وكل ذي فضل فضله. وقد رأى القراء من تزاحم أقلام كتاب هذا القطر وغيره أن كثيراً من الأبحاث والمطالب تأخرت عن إتمامها، أو لم تبرز إلى عالم الوجود، مع أننا كبرنا حجم المجلة وزدنا صحائفها مؤملين تحقيق بنات الصدور، لكن لما كان مبدأنا أن نفضل مقالات أرباب الأقلام على نفثات قلمنا، - إظهاراً لما في أبناء العراق من روح التعاون، وصدق التناصر، والاخلاص في حب التسابق والتنافس في ميدان العلم والأدب، - بقينا في مقرنا الأول كأننا لم نجرِ شوطاً، على أننا أبرزنا ما كان في نيتنا من محض الخدمة وكفى بذلك شاهداً على رغبتنا في التقدم والتبسط وحق لنا أن نقول: ولي في غنى نفسي مراد ومذهب ... إذا انصرفت عني وجوه المذاهبِ صفحة من تاريخ خليج فارس . كثر الكلام، في هذه الأيام، عن خليج فارس وعن رسوخ قدم الإنكليز فيه وفي ثغور أقاصيه وادانيه، فوضعنا هذا المقال، مجاراة لمقتضى الحال:

стр. 1018

موقع خليج فارس من أحسن المواقع إن للتجارة وإن للمحاربة وان لتنازع الأمم للبقاء. وكل أمة أفلحت في تسيير سفنها في مياهه، أفلحت أيضاً في رقيها وعمرانها وحضارتها. ولهذا اصبح هذا البحر منذ اقدم الأزمان مطمح أبصار الأقوام والأجيال والفريسة التي تتخاصم عليها أقواهن لتزدردها وتقر بها عيناً وتسعد بها نفساً. وهذا الأمر الذي لم يخف على أمة خلت، لم يخف أيضاً على دولة إنكلترة التي تتربص الفرص لمد جناح سطوتها على بلاد الله. لاسيما إذا قدرت أن تصل إلى منيتها أو ضالتها نبهاً، أو بدون أن تريق قطرة من دم من دماء أبنائها الشرفاء، بل الذين هم أشرف خلق الله على زعمها. اجل. إن ملكة الإنكليز اليشباع (اليزبت) لما أذنت سنة ١٥٩٩ (لشركة الهند) أن تنشئ محلات تجارية في ديار الهند طمح للحال بصر تلك الدولة إلى خليج فارس، مع إن قدمها لم تكد تستقر في الهند تمام القرار، ولم تكن بعد بمبي في قبضتها. لكن كيف الوصول إليه والبرتوغاليون كانوا قد نشروا أجنحة سطوتهم على ذلك الخليج منذ أواخر القرن السادس عشر، وكانوا قد ظهروا فيه بعد أن طاب لهم المقام في أقطار الهند وجعلوا ساحل بحر فارس كما جعلوا ريف بحر الهند ميداناً ينزله فرسان مفتتحيهم، فيأخذون من البلاد والثغور والموانئ ما يروقهم، ويضربون صفحاً عما لا يحظى في عيونهم الطامحة؟ أما علو شان هذا الخليج وخطورته في أبصار البرتغاليين والإنكليز فظاهر من تسارع شخوص بصرهم إليه، بعد ثبوت قدمهم في بعض ديار أقطار الهند، لعلمهم يومئذ أن لا قرار لدولة غربية في بلاد الهند إن لم تقبض بيدها مفتاحها الذي هو خليج فارس، وما على سواحله من الثغور المتراصة المتناسقة المتفاوتة الارتفاع ارتفاع درج السلم البعيد المراقى. هذا فضلاً عن أن تجارة الهند لا تنفق ولا تروج إن لم يحافظ على تأمين الطريق التي ترسل فيها أي طريق البحر الفارسي وتنفضها من الغزاة الذين يعيثون فيها كل العبث. هذا وفي العهد الذي اكتشف رأس الرجاء الصالح كانت تساق بياعات الهند إلى ديار الغرب على البحر وعلى بحر العجم. وهو الطريق التي كانت معروفة منذ أعرق الأزمان في القدم. إذ كانت ترد من تلك الربوع النائية على السفن الكبار فتتشطط سواحل ديار الفرس. ثم ترسو في ما نسميه اليوم (شط

стр. 1019

العرب)،. - وأول الذين عرفوا هذه الطريق الطبيعية التي لحبها البارئ هم أول من عرفهم التاريخ باسم (الأمم الكبار) أي أولئك الذين انشئوا نينوى وبابل ثم سلوقية وطيسفون ولما دثرت هاتان الحاضرتان جاءك العرب القروم فعرفوا ديار الهند ومجازها وابتنوا البصرة وبغداد. فقامت لهم يومئذ دولة ضخمة فخمة تضارع أعظم دول التاريخ وأضخمها بل تصارعها صراع الأبطال، لصغار الرجال. ففي عهد زهو دولة العرب، كما في إبان القرون الخالية، كنت ترى ثياب الحرير والإستبرق، الفلفل والقرنفل، الدارصيني والجوز بوا، الهال والزعفران، الصدف والعاج، الدر والمرجان، الميعة والصمغ، المصطكى واللبان، المر ودهن البان، البخور والعطور، وغيرها من حاصلات الهند ومما جاورها من الديار والجزر، من قريبة ونائية، من ثغور بلاد السيلى إلى جزيرة العرب وتبعث كلها بغلاتها لتستجلب بدلها الزجاج والرصاص، الحديد والنحاس، الاسرب والقصدير التي كان يؤتى بها من ديار الغرب. وكانت تنتقل هذه السلع والبياعات من بغداد إلى قلب المشرق الأدنى: إلى دمشق والإسكندرية إلى موانئ الشام والديار المصرية، التي كان فيها يومئذ محلات تجارية زاهرة زاهية، عائدة إلى البيزيين والفلورنسيين، إلى البنادقة والجنوبين. لا بل بعد أن عرف طريق أفريقية البحري، واكتشاف معبر أو منفذ يؤدي إلى ربوع الهند ماراً برأس الرجاء الصالح، بقى الطريق الأول طريق خليج فارس على علو كعبه طول القرن السادس عشر وبعض القرن السابع عشر، ولما ذهب شيء من شأنه عند معرفة التجار الطريق الثاني، دام المسلك الأول نهجا عظيما، نهج تجارة الهند وديار الروم، بل لم يزل أب كل نهج تنهجه جميع الدول التي تمد يدها من الديار الآسيوية إلى الديار الأوربية وبالعكس. وداوم التجار الإيطاليون ولا سيما البنادقة منهم والقطلونيون على إنفاذ أموالهم ومبيعاتهم على القوافل التي تجتاز بوادي الشام وصحارى بين النهرين يجلبون من ديار الهند والسند والصين وزابج (جاوة) جميع ما يحتاج إليه الغربيون من أثمار وغلات الأرجاء الحارة فيصعدونها على متن شط العرب الذي كان يعرف يومئذ عند أجدادنا (بدجلة العوراء) ومنه على ظهر الفراتين ومنهما إلى ربوع مملكة العرب التي صارت بعد ذلك من ديار سلطنة آل عثمان.

стр. 1020

أما سبب بقاء طريق خليج فارس لنقل بياعات الشرق إلى أهل الغرب مع وجود غيره فهو لأن هذا النهج كثير السهولة يسير الركوب جم المنافع، وليس فيه من الأهوال ما في أخيه الثاني الحديث السن. هذا فضلا عن أن السفن البحرية لا تحتاج في المهيع الأول إلى أن تقتحم العباب وغمراته كما في اللحب الثاني، بل يكفيها أن تتشطط السواحل الواحد بعد الآخر من الهند إلى دجلة العوراء، فتصيب الغرض، بدون أن تصاب بعرض. وهذا لا يتضح لك صدقه إلا إذا نظرت رعاك الله إلى هذا الخليج وأنعمت النظر في تقوير الطبيعة إياه وكيف أبرزته عل مثال غريب عجيب. فإن الجواري المنشآت إذا غادرت أرياف الهند صعدت شواطئ ديار البلوص (بلوجستان) ودخلت بحر عمان ثم قاربت شطوط العجم إلى موضع تكاد فيه بلاد إيران تصافح بلاد العرب وهو الموضع الذي يعرف عندهم باسم (الرأس المسنن أو المسنم) في مضيق هرمز. وكأن العرب لم يحبوا أن يمدوا أيديهم إلى الإيرانيين لما بين عنصريهم من العداوات القديمة ترى بلاد العرب توغل في الماء كأنها تنفر نفور الشادن من وجه العدو فيأكل البحر شيئاً من أرضها مع أن بلاد فارس تحاول دائماً التقرب منها متحببة لها وكأنها تقول لها: تعالي إلي ولا تهربي مني فإننا إن تعاونا نصبح حرزاً حريزاً في وجه العدو. أما جزيرة العرب فلا تجاوبها كأنها تعلم أنها إذا مدت إليها يد المعونة سحقتها بقبضتها قبضة الحديد. وكأن الطبيعة حكمت في الآخر بين البلادين فجمعتهما بعد أن أخذت منهما العهود وشهدت عليهما الشهود أن لا تعتدي الواحدة على الأخرى وآنئذ تصافحتا وتعاقدتا على الولاء والصفاء. فاتصلت بلاد إيران ببلاد العربان وعليه يكون

стр. 1021

خليج فارس من الرأس المسنن إلى مدالث العورآء أو شط العرب. فهذان الساعدان ساعدا بحر الهند أي بحر عمان وبحر فارس يوغلان في الأرض على غور ٥٠٠، ٢ كيلومتر ويمكنان البواخر من أن تصل فوهة شط العرب. وإذا وصلت هناك جاءت بواخر أو سفن أخرى دون الأولى غوصاً في الماء، ونقلت أحمالها على دجلة. ويحمل دجلة السفن النهرية إلى أبعد موطن من بين النهرين إلا أنها لا تصعد الآن إلى ما وراء بغداد، لأن وادي السلام يحتاج إلى أن يكسح عقيقه من الرمال ليكون قابلاً لحمل السفن إلى حيث ما يرام، أما الفرات فإنه من بعد أن يصاحب أخاه دجلة ويتفق معه ويتحد به بحيث أن الرائي يظنهما واحداً ينخزل عنه وينشعب ويولى مدبراً هائماً على وجهه في رمال الجزيرة وصحراء الشامية حتى يخال الناظر إليه أنه يريد الهرب إلى ديار الشام كأنه يقول في نفسه: بما أن العراقيين لم يقدروا قدري ولم يعرفوا منزلتي ولا فوائد مياهي ولم ينتفعوا بها فإني فار إلى حيث أريد، إلى صديق لي في ديار الشام اسمه (العاصي) لنشق كلانا عصا الطاعة على أبناء هذه الديار الذين لا يعنون بالزراعة ولا بالفلاحة ولا بالغراسة ولا ولا ولا. . . وكان ناصحاً نصحه في نهاية الأمر إلى الرعوى فارعوى إذ قال له: يا أخي لا تترك الوطن، إن الوطن عزيز فارجع إليه. وما كاد يسمع هذا الكلام إلا ورجع عن غيه إذ تراه يعود إلى نحو أخيه البكر دجلة من قلعة نجم مقابل منبج إلى أن يرجع إلى منابعه في ديار الأرمن. ترى مما تقدم بسطه وشرحه إن افتراق النهرين الواحد عن الآخر هو لخير هذه البلاد ليمدها بالماء والنماء وهذا ما تثبته الأقدمون من أعرق الأزمان قدماً ولهذا كان للحواضر القديمة: نينوى وبابل والمدائن (أي طيسفون وسلوقية) ولا سيما كركميش شهرة طائرة في التاريخ. وقد نوه بمجد هذه الأخيرة وعزها وغضارة حضارتها الأخبار القديمة المدونة على صفحات الآجر وصحف المهارق

стр. 1022

إذ تروي لنا إن الفراعنة كثيراً ما قارعوا ملوك الآشوريين في كركميش لأنهم رأوا حسن موقع تلك المدينة وهي راكبة على مرفق الفرات أو منعطفه وقد شارفت من موطنها وما فيه من الدساكر والرساتيق والقرى والفلاليج والمزارع. وفي الأزمان التي هي أدنى ألينا أي في عهد الرومان كانت إنطاكية الراكبة على العاصي في الموطن الذي يدنو ريف بحر الروم من منعرج الفرات قد نالت من البعد الزهو والثروة والأبهة ما حق لها أن تسمى (بملكة الشرق). وما عساني أن أقول عن تلك الحاضرة الزاهرة، بل درة البر الفاخرة، لا بل يتيمة الدهر النادرة، تدمر القاهرة، فلقد كانت أنشئت عن طريق القوافل، بل في بهرة المراحل، فكانت تنتابها أو تغشاها كلما أرادت ثغور الشام. أو بالعكس كلما أرادت التوجه إلى وادي السلام. فهي أيضاً نالت من شامخ العز، وباذخ المجد، ما جعلها شامة في جبين الدهر. ولما دالت الدول، وقلب الزمان ظهر المجن لتلك الحواضر، والمدن الزواهر، أبقت لنا من ذكرها أنقاضاً مبعثرةً على أديم الأرض، يشهد على مكانتها من العمران والحضارة، في القرون المنطوية، بل على مكانة لم تبلغها المدن الجديدة التي أنشئت بعدها كالبصرة الفيحاء، وبغداد الحسناء، وديار بكر القورآء، ودمشق الفيحاء، وحلب الشهباء، وغيرها - نعم إنها ورثت من أمهاتهن المنقرضات روح التجارة والمبايعة والمعارضة، لكن هيهات أن يصلن ما وصلت إليه تلك الأمهات الجليلات. فشتان ما هن، وشتان ما بين الدر والحصى، والسيف والعصا. ومما تقدم بسطه يتضح أن أصحاب الهند لا يطمحون إلى مد أجنحة نفوذهم وسطوتهم على خليج فارس إلا ليجاروا الأمم السابقة التي أوغلت في الحضارة، ونالت قصب السبق في التجارة. وهذه الأسباب نفسها هي التي حدت بالبرتغاليين إلى إحراز مفتاح الهند حينما دخلوا هذه الديار الأخيرة ولهذا كنت ترى سفنهم تمخر عباب الهند، وتشق مياه بحر عمان، ثم تغوص في أغوار بحر فارس، لتذهب إلى البصرة. ولما كانت تقضى لبانتها كانت تغادر البصرة. فتذهب إلى مسقط، إلى قاليقوط (كلكتة) إلى رامني أولامري (سومطرة)، إلى جزيرة الوقواق (مدغسكر)، إلى جزائر القمر، إلى زنجيار، إلى سفالة. وهكذا كانت سفنهم تختلف إلى بلاد وبلاد وتجمع بين ديار آسية وأفريقية وكان كل همهم معاداة غزاة العرب البحريين لأنهم كانوا يغيرون على تلك الثغور ويفعلون بأصحابهم كما يفعلون بأعراب

стр. 1023

البوادي. ولهذا كنت ترى بين العرب والبرتوغاليين حرباً عواناً بل طاحنة، طحنت في الأخير أبناء يعرب فأوردتهم حياض المنايا. ودامت تلك الحرب طول القرن السادس عشر بدون أن يمكنوهم من الراحة هنيئةً. وما زالوا كذلك حتى ركز قائدهم الكبير البوكرك علم دولته البرتوغالية في مسقط وصحار وذلك في سنة ١٥١٥ وهي سنة دخول النصارى جزيرة العرب بعد أن طردوا عنها سنة ٦٣٤م على يد عمر بن الخطاب. قال البلاذري (ص ٦٨) وهو يروي حديثاً معنعناً: أن رسول الله ﷺ قال في مرضه لا يبقين دينان في أرض العرب، فلما استخلف عمر بن الخطاب (رضه) أجلى أهل نجران (وكان أغلبهم نصارى وفيهم أيضاً يهود) إلى النجرانية (بناحية الكوفة) وأشترى عقاراتهم وأموالهم. وقال أيضاً: (ص ٦٨) أنزلت (هذه الآية) في كفار قريش والعرب: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله). وأنزلت في أهل الكتاب: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق إلى قوله: صاغرون. فكان أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران فيما علمنا. وكانوا نصارى. ثم أعطاها أهل أيلة وأذرح وأهل أذرعات الجزية في غزوة تبوك. أهـ كلام البلاذري بحرفه - فترى من هذا أن أول من خالف هذه القاعدة أو خرمها هو البوكرك بعد أن مضى ٨٨١ سنة على جزيرة العرب وهي تأبى أن تأوي نصرانياً. ولما تيسر للبرتوغاليين دخول تلك الديار هان عليهم أخذ غيرها أيضاً فضبطوا هرمز. ثم احتلوا البحرين وحصنوا القطيف بعد أن ملكوه ومدوا أيديهم إلى جميع الثغور التي كانت تخدم أمانيهم أن على ساحل إيران وإن على ريف جزيرة العرب وحصونها أشد التحصين. وكل من كان يحاول أن يقاومهم كانوا يذيقونه الأمرين أو يوردونه حياض المنية وكان الجميع يخافونهم كما يخاف الخشاش والبغاث جوارح الطير وعتاقها. وكانت هرمز أحصن تلك القلاع وأبقاها بوجه العدو ولذا جعلوها أيضاً خزانة أسلحتهم ومستودع تجارتهم وهي كما تعلم مدينة ثابتة في قلب جزيرة تعرف باسمها وهي كالشجا في حلق بحر عمان لا يستطيع أن يسيغها ولا أن ينبذها وهي أيضاً كالشجا في حلق كل داخل بحر عمان أتياً من خليج فارس أو كل مقتحم بحر فارس قادماً من خليج عمان

стр. 1024

فهي إذن جزيرة بحرية حربية تجارية منيعة لا يتيسر للعدو أن يدنو منها ولا أن يناوئ سكانها. هذا فضلاً عن أنها متمنطقة بنطاق من الصخور الشبيثية وهي صخور كأداء منيعة تطوف بها المياه من كل جانب وتضحك من السحب ضحك مستهزئ لأنها تناطحها بروقها وبدقة ما رفع عليها من الأبراج والقلاع. أما فناء المدينة فكان حريزاً منذ يوم ولد. دع عنك ما أقام فيها البرتغاليون من الأسوار المخندقة والمتاريس المبرجة والبواشير والفصلان التي جعلتها من أحصن المواقع في تلك الأرجاء حتى أنهم كانوا فيها في مأمن ولهذا جمعوا فيها كنوزهم وأموالهم وكانت كثيرة لا تحصى. فهذا كله يريك هرمز موقعاً بديعاً لتوسطه بين ديار العرب وإيران والروم والهند وكنت ترى فيها السفن مئات مئات بين واردة وصادرة بين جائية وغادية وكلها تحمل هدايا الشرق للغرب أو تنقل ألطاف الغرب للشرق. هناك كنت ترى الصينيين والهنود. الإيطاليين والبورتوغاليين. الإيرانيين والعرب. قد امتزجوا امتزاج الراح بالماء القراح. ولهذا كنت ترى البورتوغاليين قد شمخوا بأنفهم إلى السماء وتسمعهم يقولون: لو كان العالم حلقة ذهب لكانت هرمز درتها الفريدة! الراديوم ١ - تعريفه الراديوم هو العنصر الغريب الذي أحدث انقلاباً في الطبيعيات أعظم من كل ما تقدمه فإنه يتولد من عنصر آخر هو الأورانيوم ويولد عنصر الرصاص ويشع من نفسه حرارة وثلاثة أنواع من الأشعة ويبعث غازاً يكسب كل ما أتصل به خاصة الإنارة.

стр. 1025

٢ - مكتشفة الراديوم والراديوم اكتشفته مادام كوري مع زوجها وهو عزيز جداً يقدر ثمن الليبرة منه بمائة مليون ريال وفي الليبرة منه قوة تساوي ١. ٥٠٠. ٠٠ طن من الفحم الحجري والخالص منه ذرة عند مادام كوري وأما الموجود منه عند غيرها فأملاح مركبة منه ومن الكلور والبروم. ٣ - أشعة الراديوم وأغرب ما في الراديوم أشعته وهي ثلاثة أنواع سماها العلماء بأسماء الأحرف الثلاثة الأولى اليونانية ألفا وبتا وغما. أما أشعة ألفا فهي دقائق كهربائية إيجابية تتطاير منه بسرعة ١٥. ٠٠٠ ميل في الثانية وحجم كل دقيقة ضعفا حجم الجوهر الفرد من الهيدروجين. وأما أشعة بتا فإلكترونات (كهيربات) من الكهربائية السلبية وحجم الواحدة منها جزء من جوهر الهيدروجين أو جزء من ٥٠٠ جزء من دقائق ألفا وسرعتها ١٧٥ ألف ميل في الثانية. ومن غريب فعلها أنها تفرغ الجسم المملوء من الكهربائية. وأما أشعة غما فهي أشعة رنتجن وتنشأ عن اصطدام أشعة بتا بشيء يعترضها فإذا صادفت أشعة بتا مانعاً ولدت في الأثير تموجات تنفذ الأجسام كما ينفذ النور الزجاج. ٤ - أصل المادة وذكر حياة الراديوم ويرى بعض العلماء أن الإلكترونات أصل المواد كلها وإذا تحركت كان من حركتها مجرى كهربائي. والتلغراف اللاسلكي يقوم بحركتها التي تولد في الأثير تموجات ويرى جماعة من العلماء أن العناصر كلها تراكيب مختلفة من الإلكترونات فإذا كثرت الإلكترونات في بناء الجوهر كان العنصر ثقيلاً مثل البلاتين والذهب وإذا قلت كان خفيفاً كالصوديوم والليثيوم وإذا دارت في وجهة واحدة حول قضيب من الحديد صيرته مغنطيساً جذاباً ويرى بعضهم أن النور والحرارة يتولدان من تحريك هذه الإلكترونات للأثير في دورانها حول الجوهر فان هذه الإلكترونات تدور حول الجوهر على أبعاد مختلفة وسرعة مختلفة. وقد قدروا أن حياة الراديوم لا تطول أكثر من ٢. ٥٠٠ سنة وحياة الأورانيوم الذي هو أسرع المواد انحلالاً بعد الراديوم ٧. ٥٠٠ سنة. ٥ - الراديوم في الشمس والأرض قال الأستاذ سنيدر أنه اكتشف الراديوم في غلاف الشمس فنسب نور

стр. 1026

الشمس وحرارتها إليه وقال إن جميع الثوابت تنير بالراديوم ومن رأيه أن النجوم المتغيرة تظهر من انبعاث الراديوم منها في أدوار مختلفة واستنتج أن الشمس نجم من النجوم المتغيرة ودور تغيرها ١١ سنة وأن ظهور الكلف عليها من نتائج فعل الراديوم. ومن رأي الأستاذ رذرفرد إن حرارة الأرض أيضاً من الراديوم فإن الحرارة المتولدة من تركيب العناصر كيماوياً أقل من حرارة الشمس والأرض ولكن الراديوم وغيره من المواد المشعة تولد من الحرارة أكثر مما تولده المواد بتركبها مليون مرة. وقد ثبت لبعضهم أن الراديوم يفعل بالسائل الجلاتيني فيولد (الراديوب) وهذا الجسم تام وهو أرقى من البلورات وأحط من الميكروبات ولعله مبدأ الحياة. ٦ - من أين تأتي حرارة الراديوم والظن أن الحرارة المتولدة من الراديوم حادثة من انحلال جواهره وتولد مواد أخرى منها. وقد وجدت المواد المشعة التي من قبيل الراديوم منتشرة في كل مكان من قشرة الأرض وكرة الهواء ولكن مقاديرها قليلة جداً حتى أن كل قطرة من المطر وكل حبة من البرد وكل رقعة من الثلج تصل إلى سطح الأرض ومعها شيء من المشعات وكل ورقة من أوراق النبات مغطاة بقشرة رقيقة جداً من هذه المادة وإذا كان الهواء محصوراً لا يتحرك كما في المغاور والكهوف فالمواد المشعة كثيرة فيه وقد وصلت هذه المواد المشعة من الراديوم في المياه الخارجة من أعماق الأرض وفي مياه البحيرات وفي الزيت الخارج من الآبار والتراب نفسه فيه كثير منها ولا سيما إذا كان طفالاً. ويقول المستر ستروت أن الراديوم موجود في كل الصخور النارية ولا سيما في الغرانيت (المحبب) وقد وجدوا إن الراديوم إذا أدنى منه بعض المواد مثل سلكات الزنك وكبريتيته أضاءت تلك المواد أيضاً وإذا نظر إليها بالميكرسكوب حينئذ ظهرت فيه نقط صغيرة منيرة تتألق كالكواكب أو كالنيازك المتساقطة من السماء أو كالشرر المتطاير من الحديد المحمي إذا طرقته بمطرقة ووجدوا إن حرارة الراديوم أكثر من المحيط درجة أو درجتين بميزان سنتكراد (بالميزان المئوي). وإذا كانت الأرض تشع الكترونات الراديوم فهي تشع بواسطتها الحرارة أيضاً وقد قدروا الحرارة التي تشع من الأرض كلها بحرارة تتولد من مائتين وسبعين

стр. 1027

مليون طن من الراديوم وإذا وزع هذا المقدار من الراديوم على الأرض كلها بلغ جزءاً من مائة مليون مليون جزء من الأرض. وعليه ففي الأرض من المواد المشعة ما تقوم حرارته مقام الحرارة التي تفقدها بالإشعاع المتواصل. ٧ - الكهربائية والراديوم اكتشف الدكتور سينا الجنيفي أنه إذا كهرب سلك بالكهربائية السلبية وأحمى فعل بغيره من المواد فعل الراديوم وكذلك إذا وقعت أشعة رنتجن على الجسم صار يشع مثل الراديوم وبقيت فيه هذه الخاصة بضعة أيام. وقيل أن الأستاذ ولتر الألماني بين أن نور الراديوم ناتج من وقوع أشعة بكرل على دقائق النيتروجين التي في الهواء حول الراديوم ورجح ذلك السر وليم هجنس منذ سنة ١٩٠٣ ولكن لم يكن لديه حينئذٍ ما يثبت ذلك. ٨ - البركانات والراديوم وأدعى الماجور دتون الأميركي أن البركان يقذف بالحمم من عمق ميلين أو ثلاثة لا أكثر وذلك بسبب حرارة الراديوم فإنها تصهر الصخور بالتدريج وتبخر ما فيها من الماء فيشقق الأرض. والثابت أن الأرض فيها كثير من الراديوم وإن الراديوم يتولد من الأورانيوم ويولد الهاليوم والرصاص وقالوا أن في الشمس كثيراً من الهاليوم فهو دليل على وجود كثير من الراديوم وهو كاف لتعليل حرارتها ونورها. ٩ - كيف اكتشف الراديوم وأما الراديوم فقد اكتشف في درس الإشعاع أو الفصفورية التي تظهر في بعض الأجسام كما يحدث في أنبوب زجاجي مفرغ من الهواء إذا جرى فيه مجرى كهربائي. وقد درس كروكس ولنارد ورنتجن هذا النور فوجدوا أنه مؤلف من ثلاثة أنوار الواحد أشعة غير ظاهرة تضرب جوانب الأنبوب فينيرها ويصدر منه نور أخضر لامع وتقع على بعض الأجسام فتجعلها تشرق بنور فصفوري وتفعل بألواح التصوير وتفرغ الكهربائية من آلة مكهربة وتخترق الأجسام غير الشفافة كالخشب والورق الأسود والصفائح الرقيقة المعدنية وهذه هي أشعة رنتجن وتسمى أشعة أكس أيضاً وكتاب العرب المحدثون يسمونها الأشعة المجهولة. والنوع الثاني من الأشعة التي تكون في الأنابيب المفرغة هي الأشعة الكهربائية السلبية والنوع الثالث أشعة لنارد.

стр. 1028

وهناك مواد أخرى تشع نوراً فصفورياً كما في كبريتيت الكلسيوم ومثله بعض الجواهر والمركبات ولكنها لا تنير إلا إذا تعرضت أولاً لنور الشمس. ثم وجد أن الأورانيوم ذاتي الإشعاع ووجد الأستاذ كوري وزوجته أن الإشعاع سببه عنصر آخر وكان ممزوجاً بكلوريد الباريوم وقوة هذا الكلوريد على الإشعاع أشد من قوة الأورانيوم٢. ٠٠٠ ضعف وتدرجا في تنقية ما وجداه إلى أن وصلا إلى ملح من أملاح ضالتهما فألفيا أن قوته على الإشعاع أشد من قوة الأورانيوم مليوناً وثمانمائة ألف وعرفا من خواص الملح الذي استخرجاه وهو كلوريد الراديوم أن العنصر الأصلي معدني ثقله الجوهري ٢٢٥ وله أشعة خاصة تظهر في الحل الطيفي وهو مشع باتصال دائم وأشعته تخترق الأجسام غير الشفافة وتولد نوراً فصفورياً وتؤثر في الألواح الفوتوغرافية. ثم وجد أن خاصة الإشعاع موجودة في عناصر أخرى بعضها نادر الوجود كالاكتيوم والبولونيوم وبعضها كثير كالثوريوم والأورانيوم وأشعة الراديوم تؤثر في الجلد وتقرحه وإذا دخل شيء قليل جداً منه في غرفة فيها آلة كهربائية تفرغت كهربائيتها حالاً وفعل الراديوم من هذا القبيل شديد جداً حتى لو كان مقداره جزءاً من خمس مائة ألف جزء مما يظهر بالحل الطيفي لكفى لتفريغ الكهربائية ومقدار قليل منه في الأرض يكفي ليرد إليها كل ما تخسره من الحرارة بالإشعاع وقد أتضح أن الأرض لا تبرد من نفسها بل تسخن من نفسها قبل وذلك بما فيها من عنصر الراديوم ونحوه. ١٠ - ماذا ينبعث من الراديوم غير الأشعة واكتشف رذرفرد في كندا أنه ينبعث من الراديوم دواماً مادة غازية غير أشعته الفعالة أو أشعة بكرل وهذه المادة مشعة أيضاً مثل أشعة بكرل ويرسب منها شيء على الأجسام التي تدنى من الراديوم فتصير أيضاً مشعة وتبقى فيها قوة الإشعاع بعد أبعادها عن الراديوم مدة ويمكن جمعه وهو ثقيل لا يتغير بالحرارة ولا بالفواعل الكيماوية وله طيف خاص به وهو عنصر جديد مثل الأورغون ثم إنه ينحل من نفسه ويخسر نصف قوة الإشعاع كل أربعة أيام وفي هذه المدة يكون الراديوم الذي تولد الغاز منه قد ولد مقداراً آخر من الغاز مساوياً له فيما خسره من قوة الإشعاع. وثبت من تجارب رمسى وصدى ومادام كوري أنه يتولد من هذا الغاز عنصر الهاليوم الذي اكتشفه كلير في الشمس منذ

стр. 1029

٢٥ سنة ثم وجده رمسى في بعض الحجارة المعدنية التي تشع نوراً وحرارة وثبت تولد الهاليوم من الراديوم بواسطة السيكترسكوب (منظار الطيف). ١١ - أي العناصر تشع مثل أشعة الراديوم وقد تحقق أن أشعة الراديوم موجودة دائماً في الهواء الجوي وهي كثيرة في هواء الكهوف وفي المياه التي تخرج من باطن الأرض وإن كثيراً من المواد تشع أشعة الراديوم منها: القصدير والزجاج والفضة والنوتيا والرصاص والنحاس والبلاتين والألومينيوم ولا يعلم هل ذلك ناتج عن وجود دقائق لطيفة جداً منتشرة من عنصر قوي الإشعاع أو أنه خاصة من خواص كل العناصر. ١٢ - انحراف أشعة الراديوم وأبان بكرل في أول مباحثه أن بعض أشعة الراديوم ينحرف إذا مر بين قطبي مغنطيس كهربائي قوي ونتج من ذلك أن قسمت أشعة الراديوم إلى ثلاثة: الأول المنحرف قليلاً وقوته على نفوذ الأجسام ضعيفة، والثاني ينحرف بسهولة وانحرافه إلى جهة تخالف انحراف الأول، والثالث لا ينحرف أبداً مهما قوى المغنطيس وقوته على نفوذ الأجسام شديدة جداً فينفذ لوحاً من الحديد ثخنه قدم ويؤثر في ألواح التصوير وسمى الأول الفا والثاني بتا والثالث غما، كما تقدم. ١٣ - ما هي أشعة الراديوم ثم ثبت أن أشعة الفامجارٍ دقائقها صغيرة جداً مثل المجارى التي تتولد من لهب الغاز والمعادن المحماة إلى درجة الحمرة وحرارة الراديوم ناتجة من مصادمة هذه الدقائق للأجسام التي تقع عليها وأشعة بتا مجارٍ من الدقائق مشابهة للمجارى السلبية وإليها ينسب ما في أشعة الراديوم من النور والتأثير في الألواح الفوتوغرافية وأشعة غما مثل أشعة رنتجن والمرجح أنها ليست دقائق بل هي حركات أو أمواج في الأثير تحدث من سير دقائق بتا وتأثيرها مثل تأثير أشعة بتا إلا أنها أشد نفوذاً كما تقدم. ١٤ - المادة حسب ظني أكثر ما تقدم ملخص مما أتى عن الراديوم في عدة مقالات في المقتطف الأغر وأما أنا فأظن أن جميع المواد تشع دقائق غير أن ما يشعه بعضها صغير جداً لا يحس به فهو أصغر من أشعة بتا وأسرع منها حركة وما يشعه بعضها مثل أشعة بتا والنور ليس إلا نوعاً من الدقائق تتولد من تكسر أشعة هي أكبر منها

стр. 1030

إذا أصابت مانعاً فهي ليست إلا شظايا بعض الدقائق التي ترسلها المادة المتصادمة وقد صدق القائلون أن المادة كلها كهربائية إلا أن الكهربائية متنوعة حسب صغر دقائقها وسرعتها. وأما كون نور الشمس وحرارتها من الراديوم فيضعف القول به كون أشعة بتا تفرغ الكهربائية ونور الشمس لا يفرغها وكون أشعة بتا إذا صادفت ما يوقف سيرها تولد منها أشعة غما وهي أشعة رنتجن التي تنفذ الأجسام غير الشفافة ونور الشمس ليس كذلك. وأما كون نور الراديوم موجوداً في الهواء فهو ما أرجحه فإني إذا أغمضت عيني أو فتحتها في الظلام الدامس وأمضت في النظر شاهدت ظلاماً تلمع من خلاله نقاط مضيئة لمعاناً خفيفاً جداً فهي تضيء وتنطفي وتضيء مكانها نقاط أخر فظني هو أن هذه الأشعة هي أشعة غما المتولدة من أشعة بتا ولذلك تنفذ الجفن كأن الجفن شفاف تماماً لها وإن كان ضئيلة جداً. ١٥ - الجاذبية العامة وما الجاذبية العامة إلا أثر فعل الإلكترونات ضمن الجواهر الفردة فإن هذه تجيء وتذهب ضمن الجوهر الفرد من المادة بسرعة فائقة وهي بحيث يخرج قسم منها دائماً إلى جهة المحيط وهذا القسم الذي يخرج من الجوهر الفرد أقل كثيراً من القسم الذي يبقى فيه مصادماً جدرانه الداخلية وهو عندما يخرج لا يصدم بالطبع جدار الجوهر الداخلي في الجهة التي يخرج منها وأما بقية الإلكترونات فهي تبقى مصادمة لكل طرف من جدرانه فتتساوى المصادمات منها على داخله إلا في جهتين إحداهما جهة المحيط من مجتمع المادة فهي هناك معدومة لخروجها منها والأخر المادة وهي هناك شديدة فينتج من ذلك أن الجوهر الفرد يتحرك إلى جهة المركز ولا يتحرك إلى جهة المحيط. وإذا سأل سائل لماذا لا تخرج الإلكترونات من جهة المركز؟ أجيب أن الإلكترونات يسهل عليها الخروج في الجهة التي لا يقاومها مقاوم وإذ أنها كثيرة الخروج إلى المحيط من جهة المركز فإلكترونات الجوهر الفرد تجد في جهة المركز مقاومات لا تجدها في جهة المحيط ولذلك كانت الجاذبية أشد كلما كانت المادة أكثر لأن كثرة المادة سبب لخروج الكترونات الجوهر الفرد من جهة المحيط بكثرة.

стр. 1031

ولنا في الطبيعة أمثلة على ما تقدم فإنك إذا ركبت وعاء خفيفاً قد امتلأ من الماء على عجلات خفيفة وجعلت ماء الوعاء يجري من ثقب في طرفه السفلى تحركت العجلات إلى خلاف جهة انصباب الماء. وكذلك إذا ثورت مدفعاً فإن عجلاته تتحرك إلى خلاف جهة القنبلة ومثلهما الصعادات النارية فإنها تصعد في السماء إلى خلاف جهة الغاز الخارج بقوة من فوهاتها التحتانية وذلك لأن الماء في المثال الأول والغاز في المثالين الأخيرين يجريان فلا يصدمان الجسم في جهة جريانهما وهما يدفعانه في الجهة المقابلة فيتحرك الجسم بهذا الدفع. ١٦ - تولد العناصر وعندي أن العناصر إنما تتولد في باطن الأرض وفي باطن كل جرم تحت ضغط شديد من الدفع الذي نسميه بالجاذبية العامة فإن هذا الضغط كهربائية وهي عندما تغور في المادة ويتكرر غورها على توالي السنين تملأ جواهرها إلكترونات على تفاوت في مقدار هذه الإلكترونات متناسب مع شدة الضغط ودوامه وهذا هو السبب لكون الأجسام في باطن الأرض أثقل منها فوقها فإذا خرجت هذه العناصر بقيت محافظة على ثقلها غير أنها تشع ألكتروناتها على توالي السنين وتخف ولكن لا تظهر هذه الخفة إلا بعد ألوف من السنين وفي بعضها إلا بعد مئات الألوف من السنين. وإذا خف عنصر من العناصر تحول إلى عنصر آخر والراديوم من العناصر السريعة الانحلال بالنسبة إلى كثير من غيرها من العناصر المنحلة ببطيء. ١٧ - عاقبة الأرض لقد مر أن بعض العلماء يعتقد أن حرارة الأرض في ازدياد وذلك يؤيد ما نذهب إليه من أن الأرض وبقية السيارات آخذة في النمو فهي سوف تكون شموساً تضيء بذاتها وتشع من نفسها حرارة كما أن الشمس تفعل كذلك وقد أخذت السيارات الكبيرة تحمى أكثر من الصغيرة لأنها قد نمت أكثر منها فهي أقرب إلى الحالة التي تكون فيها شموساً ويرجع ذلك وجود العلماء سطح المشتري سائلاً لشدة حرارته مع أنه أكبر عمراً من الأرض بل ومن عطارد بمئات الملايين من السنين فلو كان منفصلاً عن الشمس لبرد سطحه. والسيارات كلما زدن نمواً زدن ابتعاداً عن الشمس كما أن شمسنا ابتعدت

стр. 1032

عن شمس الشموس لوفرة مادتها بكثرة نموها وسبب ابتعادها عند كبرها هو تأثير دفعها الخاص للشمس ودفع الشمس الخاص لها بكهربائيتها كما أن القمر يبتعد الآن عن الأرض بكهربائيتها وقد كان القمر في أوائل أيامه أقرب إلى الأرض فكان فعل الأرض به كثيراً من توليد البراكين وإثارتها. ١٨ - كيف تنمو السيارات والسيارات تنمو بما يضاف إليها من الغبار الكوني الساقط عليها ومن الحجارة النيزكية والشهب والرجم ومن تولد المادة في مراكزها بسبب تلاقي القوى الكهربائية ومن زيادة إلكترونات جواهرها بسبب الضغط الشديد الآتي من الأثير عليها. ١٩ - حرارة الشمس وإذا بلغت هذه السيارات مبلغ الشمس من العظم أخذت تشع من ذاتها حرارة ونوراً كما تفعل الشمس فإن الغبار الكوني الذي يسقط الآن على الأرض من مسافة تسع مائة ألف ميل وهي حد جاذبية الأرض يسقط حينئذ من ضعفي بعد نبتون فيكسب سرعة هائلة وهذه السرعة تتحول عند المصادمة إلى حرارة والشمس قد كانت في بداءة أمرها جرماً مظلماً فلما نمت على هذه الدرجة التي هي عليها الآن أخذت المادة تسقط عليها من مسافة نبتون فأبعد وأخذ مقدار الساقط عليها يزداد زيادة فاحشة فتحولت هذه السرعة في الساقطات وهذه الكثرة إلى حرارة وافرة ونور ساطع. وهناك وجه آخر لحرارة الشمس ونورها هو أن الأثير الذي يجري إلى الشمس بسبب حركة مادتها أكثر مما يجري إلى السيارات لكثرة مادة الشمس وقلة مادة السيارات بالنسبة إليها والأثير هو الكهربائية فهو يغور في مادة الشمس لأن المادة لا تتحرك إلا إذا صرفت مقداراً من الأثير فالأثير دائم الجريان إلى المادة طلباً للموازنة ولذلك كانت الأجسام تقع على الأجرام فإن الأثير الذي يجري إليها يجرف في طريقه إليها كل ما يصادفه من المادة وهذا الأثير يتلاقى في مركز الشمس ويملأ جواهر مادية إلكترونات ويرتد بعض ما لا يمكث هناك في صورة الحركة المحورية وبعضه وهو الأكثر يرج إلى المحيط ماراً بالطبقة الغازية اللطيفة وحيث أن هذه الطبقة غير موصل جيد للكهربائية فالأثير يتحول إلى حرارة ونور.

стр. 1033

وهذا لا ينافي كون قسم من الأثير المرتد عن المركز يتحول في رجوعه إلى المحيط إلى حرارة قبل وصوله إلى الطبقة الغازية فإن المادة تقاوم ارتداد القوة فيتحول بعضها إلى حرارة فيها وكل ذلك منوط بشدة القوة وأذان الأثير قوة وهو لا يجري إلى المادة بكثرة إلا إذا كان مقدارها عظيماً جداً كما في الشمس كان الأثير الجاري إلى مادة السيارات أقل من أن يولد فيها نوراً ذاتياً وحرارة مثل حرارة الشمس غير أن السيارات آخذة بالنمو كما تقدم فالأثير سوف يجري إليها أكثر فأكثر حتى يصل إلى درجة يولد فيها حرارة كافية ونوراً ذاتياً كما يفعل في الشمس. وما الراديوم في الشمس والأرض وبقية الأجرام إلا مادة قد جرى إليها الأثير وهي في باطن الجرم حتى ملأها إلكترونات فإذا خرجت من باطن الجرم بواسطة بركان ثائر أخذت الإلكترونات تتطاير منها لقلة الضغط عليها أو أن بعض المواد قد اكتسب ذلك في باطن الجرم فلما خرج إلى وجهه طارت بعض إلكتروناته وتحولت إلى راديوم والراديوم أخذ يتحول إلى رصاص والرصاص نفسه متحول إلى عنصر آخر لم يعرف ما هو بعد. ولا حاجة بنا أن نعتقد أن حرارة الشمس والأرض من الراديوم بل ما حرارة الراديوم وكذلك كل المواد المشعة إلا الأثير قد مكث فيها عند ما كانت في باطن الأرض فلما صارت على وجهها أخذت تشع منه. جميل صدقي الزهاوي زكاة النصح لاح المشيب ولم تزهد ولم تتب ... إلى م هذا التصابي بابنة العنب أنستك نشوتها كأس الحمام وكم ... من شاربٍ مات بين الأنس والطرب قد كفن الشيب منك الوجنتين متى ... تتوب من معصيات اللهو واللعب أراك تعتب أن نابتك نائبة ... على الزمان وتشكوه من الوصب ولست تذكر ما قد كنت مقترفاً ... من المآتم في ماضٍ من الحقب ما نابك الدهر يا هذا بلا سببٍ ... لكل نائبةٍ لا بد من سبب من يتق الله في كل الأمور يكن ... محصناً آمناً من طارق النوب ومن يكن بمعاصي الله منهمكاً ... فليرتقب منه يوماً بطشة الغضب

стр. 1034

فأختر لنفسك إحدى الحالتين ولا ... تعاتب الدهر إذ تختار ذا نصب والنفس إياك لا تخضع لها أبداً ... فتابع النفس لم يسلم من العطب فإنها شرك الشيطان بنصبه ... وللشياطين فينا أعظم الأرب إني نصحتك فاختر ما تشاء وذا ... مني إليك زكاة النصح في رجب إبراهيم منيب الباجه جي عصام الدين العمري - هو عثمان بن علي مراد بن عثمان العمري الموصلي مولداً الملقب بعصام الدين شاعر مفلق وناظم ثائر مبدع كان له في الأدب نوادر ومجالس ومطارحات ومناظرات ومحاضرات. ولد في سنة ١١٣٤هـ - ١٧٢١م وقرأ على الشيخ درويش الكردي والعلامة جرجيس الأربيلي وسافر إلى (صوران) وهي قرية في اليمن وقرأ على الشيخ صالح فضل الحيدري وغيره. وعند عودته منها استخدمه الوزير حسين باشا ورحل معه إلى (القصر) و (وان) وولاه بعض البلاد الصغيرة وبقى مكرماً عنده إلى أن عاد إلى مسقط رأسه قبل سنة ١١٧٠هـ - ١٧٥٦م فأستخدمه الوزير محمد أمين باشا وبقى في تلك الوظيفة مقداراً من السنين ثم رحل إلى الأستانة فولى قلم المحاسبة في بغداد ودفتر أراضيها وبقى في تلك الوظيفة أربع سنوات إلى أن ولى الوزارة علي باشا في سنة ١١٧٥هـ - ١٧٦١م فلم يستقم له الأمر بعدئذ لما حصل بينه وبين الوزير المذكور من المشاغبات فرحل صحبة الوزير السابق محمد أمين باشا إلى الأستانة وبعد مدة كر راجعاً على طريق حلب وعند وروده إياها مدحه الشعراء وبجله الفضلاء ثم بقى في بلدته الحدباء ولم يخرج منها بعد إلى أن توفاه الله إليه وذلك في سنة ١١٩٣هـ - ١٧٧٩م وله من التصانيف كتاب (الروض النضر في تراجم أدباء العصر). وهذا الكتاب جليل القدر مفيد جداً لولا فيه عيب فاضح وهو خلوه من فائدتين عظيمتين وهما تاريخ سني ولادة المترجم ووفاته لأنهما من أهـ م ما يحتاج إليه في وضع التراجم. هذا فضلاً عن أن أغلب أوصاف المترجمين فيه عامة المعنى مبتذلة ربما تقع على عدة فضلاء بدون فرق كبير. وفي هذا الكتاب تراجم كثيرين من الشعراء الذين يحق لهم أن يعدوا من المشاهير في عصرهم. وفيه شعر فائق رائق ونثر عجيب غريب وقد احتوى

стр. 1035

على ترجمة ١٢٣ فاضلاً من أدباء عصره ويقع في ٧٤٨ صفحة من القطع الكبير ولم ينح مؤلفه فيه نحو المصنفين من أهل التراجم بل نحا فيه نحو الكتاب من شراح البديعيات؛ لأنه يذكر مثلاً للمترجم أبياتاً ورد فيها بيت قد سبقه إلى معناه شاعر قبله وعند ختام الأبيات يأتي المؤلف بالبيت الذي أخذ منه المترجم المعنى ويأتي أيضاً ببقية الأبيات التي منها البيت المذكور إن كان له أبيات أخرى. ثم أن كان هذا الشاعر الثاني قد أخذ بيته من شاعر قبله فانه يورد المأخذ وهلم جرا حتى يقف على الأصل وقد يعدد في ذلك الموضوع عشرين شاعراً وقد أخذ المعنى بعضهم من البعض الآخر وهذا أكبر دليل على سعة إطلاع المؤلف ووقوفه التام على أشعار الجاهليين والمخضرمين والمولدين والمحدثين والمتأخرين. فكتابه إذاً مجموعة أدب توقفك على سرقات الشعراء المتقدمين منهم والمتأخرين. لا كتاب تراجم وأحوال رجال كما ستقف عليه بعد أسطر من قول المؤلف نفسه. وهو خط لم يطبع حتى اليوم ولم يتصد أحد لطبعه لخلوه من تاريخ سني الولادة والوفاة كما مر بك ومنه نسخة في المدرسة المرجانية في بغداد ونسخة ثانية كتبت عليها وهي في دبر الآباء الكرمليين في بغداد وعندنا منها نسخة ثالثة فيها الربع الأول فقط. قال المؤلف في ديباجة كتابه المذكور: (. . . أنى منذ رتعت، وعلمت نفسي وبرعت. . . إلى أن صرت في مدائن الأدب هادياً مهدياً. . . وأنظم فيه عقدا جماناً، وأستخرج من قعر بحاره لؤلؤاً ومرجاناً. . . ومضت على ذلك الأيام وانقطع عني ذلك الشوق اللهام، لعوائق حدثت وحوادث عاقت. . . اعتزلت عنها حيناً من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا. . . وقد كنت ادخرت لمثل هذا اليوم من نفائس المكنون والمدخر. . . من مسودات مناظرات ورسائل، ومحاورات ومفاخرات ووسائل، شاملة لتلك الفوائد نفيسة بتلك الخرائد. . . ولما غلب عليهم الوهم وظن بي. . . أنى قد رفضت الأدب، وتنحيت عن سنة فصحاء العرب، أحببت أن انسج تلك الأوراق، وأضم أصول تلك الأعراق. وأرتبها ترتيباً يحسن بها الجمع. مضيفاً إليها ترجمة المعاصرين، الذين هم لعناقيد كروم الأدب عاصرين. . . وقد حذوت فيها حذو الريحانة وصاحب القلائد. . . وسميتها (الروض النضر، في ترجمة أدباء العصر.) وقد خدمت بها الساحة العليا، والدوحة العظمى. . . المشير الأكرم والدستور الأعظم. . . أحد رجال هذا

стр. 1036

الكتاب الصدر الأعظم محمد راغب.) ثم قال: (ومن البيوت العامرة في بلدتنا الحدباء بيتا العمرية. . . أما الجد المشهور، ذو الفضل المأثور، الحاج قاسم ونجله علي، ففضلهم (كذا) معروف وجدهم (كذا) علي، وعمر وأبو بكر، ويحيى وفتح الله وأحمد ففضلهم لا ينكر،. . . وأما الجد القريب مراد. . . فهو البحر الزاخر. . . إمام فن العربية وترجمان لسانها. . . أحيا أموات العلوم، وعمر ربيع المنثور والمنظوم،. . . فتحقيقاته كثيرة حقيقة. . . وتعاليقه رائقة وتصانيفه فائقة. . . ومما أخبرني الوالد عن أبيه هذا الكريم قال كان في علوم العربية فريد الزمن. . . أمة في الحديث وعلامة في التفسير. . . وتعليقاته على المشارق نعم الأثر. . .) أهـ وقد أثبت له من نظمه قصيدة عدد أبياتها ٢١ بيتاً مطلعها: بح بالغرام فما عليك ملام ... إن التستر في الغرام حرام ثم قال: (نجله الوالد علي. . . نشأ الشرف والإفتاء. . . شرح الفقه الأكبر في مذهب الإمام الأعظم. . . وله من جملة الآثار شرح الآثار. . . هذا وكان حفه الله بغفراته ميالاً لأدب وأربابه. . . فتفسير القاضي أنيسه، والكشاف جليسه. وسعدي في لسانه، والبخارى من حملة بيانه. ثم بعد ذلك يتفكه بنوادر الأدب، ودواوين دهاة العرب، وبعض أشعار البلغاء، وطبقات الأدباء، كالتحفة والإطباق، والمفاكهة والأطواق. وتنتثر الرجال كأقمار ليال ويبقى وحده، وليس غيري عنده، وأنا إذ ذاك في العشرة الأولى وهو في العشرة الثامنة. . .) انتهى قول المؤلف. وقد أثبت له من نظمه قصيدة يمدح بها شيخ الإسلام فيض الله عدد أبياتها ٣٠ بيتاً مطلعها: خذ تورد بارتشاف الاكؤس ... فرنت لواحظه بطرفٍ انعس وقال في كتابه المذكور في ترجمة عمه عبد الباقي: (وفي سنة ١١٦٤هـ - ١٧٥٠م اتفق لي سفرة إلى بلاد الروم وامتدت الغربة إلى أربع سنين وأيام،. . . وخلال الأنس والانتظام، صادفت ما أزعجني، وإلى حب الوطن هيجني، فأنشأت قصيدة. . .) أهـ أما القصيدة فهي طويلة ومطلعها ما فاح نشر صبا تلك المعالم لي ... إلا واذريت دمع العين في وجل

стр. 1037

ومنها: فاصبر على المركى تلقى حلاوته ... فإن نيل العلى قسم من الأزل وكن إذاً هدفاً في كل حادثة ... (فربما صحت الأجسام بالعلل) وأشدد لها عزم صبر غير مضطرب ... واسلك لنيل مناها أصعب السبل وأنهض لنيل العلى وأركب لها خطراً ... ولا تكن قانعا في مصة الوشل وكن أبينا نبيها غير مكترث ... بحادث الدهر واسمع صحة المثل إذا اعترك عناء الضيم في بلد ... فانهض إلى غيره في الأرض وانتقل وكن عن الخلق مهما اسطعت مجتنبا ... فإن قربهم ضرب من الشلل الخ ومن شعره المثبت في كتابه المذكور آنفاً، قوله مشطراً: (ورب حمامة بالدوح باتت) ... بهمٍ زائدٍ ومزيد حزن على بعد الديار وفقد ألفٍ ... (تعيد النوح فناً بعد فن) (أقاسمها الهموم إذا اجتمعنا) ... فتأخذ أكثر الأشواق عني فأشكوها وتشكو لي زمانا ... (فمنها النوح والعبرات مني) وقال يصف الروض وهي من كتابه المذكور أيضاً: نسمة الروض ضوعتها الأزاهر ... وذكت أطيب العبير المجامر خففت راية الغصون فدقت ... زمر الريح في فؤاد البشائر وعلمتها بلابل الأنس لما ... شق جيب الشقيق صوت المزامر ما ترى الروض قد تكلل حسنا ... قم وقلنا من نار حر الهواجر وتنبه لرقة العيش واغنم ... فرصة الوقت فالزمان مسافر بين روضٍ ونرجسٍ وقاحٍ ... وبدور وأنجم ودياجر وله مجموعة شعر قد جمعت الغث والسمين من شعره وله مراسلات نثرية وشعرية قد عقد لها فصلاً في آخر كتابه الروض النضر وغير ذلك مما يطول شرحه وبهذا القدر كفاية. كاظم الدجيلي رحلة إلى شفاثا وقصر الأخيضر وأحمد ابن هاشم - ١ - تمهيد لما نشرنا في المجلد الثاني من لغة العرب صفحة ٤٥ رأى شيخنا وأستاذنا

стр. 1038

العلامة السيد محمود شكري أفند ي الآلوسي في قصر الأخيضر وأنه محرف الاكيدر وأقوال وأراء العلماء الذين زاروه أحببنا الوقوف على هذا القصر بنفسنا لنشاهد ما فيه من البناء ولما توقفنا لزيارته في رحلتنا إلى عربسات وجدنا مجالاً لأن نقول كليمات نزيد البحث فائدة وها نحن أولاً نثبت جميع ما شاهدناه وسمعناه من أقوال وأراء الشيوخ والمعمرين في تلك الأطراف فنقول: ٢ - من كربلاء إلى شفاثا ركبنا من كربلاء في صباح يوم الجمعة ١٩ من شهر ربيع الثاني ١٣٣١هـ الموافق ٢٨ آذار سنة ١٩١٣م - وخرجنا من أحد أبواب كربلاء المعروف عندهم بباب الحر وسرنا متوجهين إلى الشمال الغربي قاصدين شفاثا وبعد مسير ٣ ساعات مررنا بهور (أبي

стр. 1039

دبس) وكان عن يميننا على بعد ١٥٠ متراً وهو عبارة عن بحرة في منخفض من الأرض يبلغ انخفاضه ٥ أمتار تقريباً ويصب فيها (نهر الحسينية) بقية مياهه ويبلغ محيطها نحو نصف ساعة وماؤها ملح وفي شماليها تقع (الرزازة) على بعد ساعة منها ثم سرنا في منهبط من الأرض ذي رمال كثيرة ليس فيه أثر طريق ولولا الدليل لما قدرنا على السلوك فيه - وكم سالك تاه ثمة ولم يوقف على أثرة حتى اليوم - وبعد مسافة ساعتين رأينا عن يسار الطريق على بعد ٢٠ دقيقة تلولاً وأودية في وعر من الأرض وهو موضع يسمى عندهم (رأس دخنة) وهو منتصف الطريق بين شفاثا وكربلاء. وفي جنوبي رأس دخنة على بعد نصف ساعة يمر (وادي الأبيض) (وبالتصغير وتشديد الياء) وهو الذي سماه الأعراب النازلون قرب عربسات (وادي النعمان) ثم سرنا وبعد مسافة ساعة ونصف نزلنا للاستراحة والغداء عند قبر في أركانه الأربعة سعفات مركوزة يعرف عندهم باسم (قبر ابن حمور) وهو من أهل شفاثا ومن اجوادهم المعروفين بالجود والكرم وقد قتل قبل ٢٥ سنة ودفن هناك فقبره اليوم علم يعرف وهو منزل ركب كربلاء إلى شفاثا ويقابل قبر ابن حمور (رأس الملح) والملح هناك في بحرة كبيرة واسعة يبلغ محيطها للماشي على ما ينقل يومين. وملح أهل كربلاء وبغداد وما في غربي بغداد منها وملحها جيد ناصع اللون ذره اني. ثم سرنا وبعد مسافة ربع ساعة قربنا عن يميننا من طريق شاطئ الملح المذكور وكان على بعد نحو ١٠٠ متر منا. وبعد مسافة ساعة رأينا عن يسار الطريق على بعد ربع ساعة إلى الغرب نخلات في البرية حولها عين تسمى

стр. 1040

(العوينة) ثم على بعد ساعة دخلنا نخل شفاثا وما زلنا سائرين مقدار ساعة بين تلك النخيل الباسقة والأشجار العظيمة ذات الثمار اليانعة والمروج الخضراء النضرة والمياه النميرة الغزيرة التي خريرها يطرب السامعين حتى وردنا شفاثا (التي يسميها العوام شثاثة) بل قل: وردنا قصراً من قصور شفاثا اسمه (قصر العين أو العين الكبيرة) وعندها سوق أهل شفاثا ونزلنا ضيوفاً على الحاج شريف وهو أحد أجواد أهل شفاثا لأن أهل شفاثا يأنفون من بيع الخبز والتمر وما أشبه مما يؤكل وليس للغريب عندهم مأوى سوى المضيف (أي محل الضيافة) وإلا هلك جوعاً وكل أهل شفاثا شيعة وليس بين ظهرانيهم سني سوى المدير والقاضي وما أشبههما من أرباب الحكومة ومن كرم طباعهم أنهم يقبلون النصراني واليهودي ضيفاً على أنهم يعتقدون نجاستهما ولا تسل عما يقاسمونه من المشقة حينما يحل ضيفاً فيهم غير المسلم؛ بين أنهم لا يعرفونه أنهم يتنجسون منه وذلك منهم في منتهى الأدب والظرف. وفي شفاثا عيون كثيرة منها ماؤها جارٍ ومقدارها ٣٠ عيناً ومنها ماؤها راكد وتبلغ ١٠٠ عين أما أسماء العيون الجواري التي هي في داخل شفاثا نفسها فهي: الأولى (العين الكبيرة) وهي أكبر عيون شفاثا ويبلغ محيطها زهاء ٥٠ متراً ولا يدرك غورها والثانية (العين الحمراء) وحولها عين صغيرة تسمى (عين مريزة) والثالثة (عين السيب) والرابعة عين (أم التين) والخامسة (العين الجديدة) وجميع مياه هذه العيون الجواري يذهب ضياعاً بدون أن يستفاد منه واحد بالمائة. وماء شفاثا معدني كبريتي لا يروي الغليل إلا قليلاً إذ يعطش شاربه بعد

стр. 1041

٥ دقائق وإذا أكثر من شربه في الصيف أنهك قواه وقويت فيه جراثيم الحمى المطبقة فظهرت فيه بعد قليل ولا ينحسم داؤها منه إلا بعد مدة طويلة. أما العيون التي حول شفاثا فهذه أسماء بعضها (عين الصحيفة) عين (أم الغر) عين (البركة) عين (أم الغويل) عين (أبو صخر) بالتحريك. وفي نفس شفاثا ١٥ قصراً (والقصر عندهم المحلة التي يرأسها رجل من أهلها راجع لغة العرب ٢: ٥٤١) وهذه أسماؤها وأسماء رؤسائها الحاليين: قصر العين (أي العين الكبيرة) ورئيسه الشيخ محسن العباس، قصر البوهوي ورئيسه الملا حسين، قصر ثامر ورئيسه حمزة الرميد، قصر أم رميلة ورئيسه السيد حسن، قصر الجنون ورئيسه خضر العبلي، قصر البو حسان (بتشديد السين وهو أحسن القصور) ورئيسه عباس الملا، قصر البو حسان أيضاً ورئيسه عبد العلي العزيزة، قصر اسالي ورئيسه الحاج فرحان، قصر الدرواشة ورئيسه حسين العبد، قصر البو جربوع ورئيسه صديان، قصر البو طريمش ورئيسه متعب الشامخ، قصر الخرائب ورئيسه عباس السليمان، قصر السمينة ورئيسه مشعل الفاضل، قصر الحساويين ورئيسه الحاج فيصل، قصر المالح ورئيسه عبد الله العاشور، قصر البوحردان (وزان عدنان) ورئيسه كلوب.

стр. 1042

أما بناء دور شفاثا فجلها إن لم نقل كلها باللبن والطين لا غير ومسقفة بجذوع النخل ومغماة السطوح (أي مفروش على سطوحها الطين) وفي شفاثا سوق واحد صغيرة يباع فيها الحنطة والشعير والتمن (أي الأرز) والتمر والثياب (أي الأقمشة) على اختلاف أنواعها. وقد أخبرني مدير شفاثا الحالي الحاج سليم أفندي رواية عن المعمرين من أعراب تلك الجهة أن شفاثا لم تكن قبل مائة سنة تقريباً سوى بربة فيها بعض النخيلات لا ساكن فيها غير أن البدو الرحل كانوا ينزلونها أحياناً وكانت مساكن أهل شفاثا إذ ذاك في عين التمر. ولما نضب ماء عين التمر وجرى ماء شفاثا الكبيرة رحل أهل شفاثا عن عين التمر ونزلوا حول عين شفاثا الكبيرة وبنوا دورهم الحالية وأخذوا يغرسون النخيل منذ ذلك الحين وكانت العين في أول أمرها صغيرة ثم توسعت مع الزمان حتى بلغت مبلغها اليوم. أما اليوم ففيها من النخل المثمر (الحمال) مقدار ٥٠٠ ألف نخلة (رأس) ويبلغ مسافة نخلها نحو خمس ساعات والنخلة مغروسة بجنب أختها لصقاً وفي الطرف الشمالي من شفاثا بين النخيل (قصر شمعون) وهو قصر قديم البناء قد تهدم أكثره راجع وصفه في المجلد ٢: ٥٤٠ من لغة العرب. ولا يزال قوت أهل شفاثا التمر والدبس لأنهم لا يتعاطون مهنة غير مهنة غرس النخل حتى أنهم قبل عامين أخذوا يزرعون الحنطة، والشعير، وألقت (الجت) والخيار والبانجان، والباميا أو البانيا، والطماطة أو الباندوري. وما يجري مجراها من أنواع الخضر. وكذلك أخذوا يغرسون في بساتينهم شجر التين، والخوخ، والمشمش، والتوت (لنكي) والبرتقال، والليمون (النومي) وأهل كربلاء من العجم يسمونه الليمو بكسر اللام) والعنب والرمان وما أشبه. وأهل شفاثا يكثرون من شرب الشاي الترياق (أي الأفيون) وترى في وجوههم صفرة تمازجها سمرة وأكثرهم قضيفو الأبدان ولهم عادات وأخلاق أخرى لا يسع المقام شرحها. ٣ - من شفاثا إلى الأخيضر وفي صباح يوم السبت الساعة ٢و٢٠ دقيقة عربية ركبنا من شفاثا قاصدين الأخيضر وكان

стр. 1043

وجهنا إلى الجنوب وقد ركب معنا مقدار ١٠ فرسان من أهل شفاثا وخمسة من الجند العثماني لأن الطريق مخوفة جداً لكثرة ما يوجد فيها من غزاة البادية وأكثر أولئك الغزاة من عشائر عنزة لا غير وقد يتفق أن يكمنوا لزوار الأخيضر في الأخيضر نفسه فيمسكوهم بأيديهم ويأخذوا جميع ما عندهم وما عليهم ويتركوهم عراة مجردين مكبين لليدين وللفم. ثم مشينا بين النخيل والأشجار والأرياف مسافة عشرين دقيقة وخرجنا إلى البر المقفر القاحل الذي ليس فيه سوى الروابي والتلول والأودية وفي فصل الأمطار يفرش الربيع أزهاره وأوراده على هذه الطريق فتغدو بساطاً موشىً وشته أصابع الطبيعة البديعة - أما نحن فلم نشاهد فيها سوى الزهر المعروف بشقائق النعمان ويسميه أهل العراق (شجيرة النعمان) والبدو الرحل وأهل الشرقية (ديدحان) ومنه قول شاعرهم الملا ياسين من أبيات يصف فيها معشوقته: (يا ديدحانه أبراس وديان). وبعد مسافة ٢٠ دقيقة مررنا بعين تسمى (عين الصفيحة) وعندها قصر ينسب إليها وهي واقفة في غربي قصر شفاثا. وبعد مسافة ٢٠ دقيقة رأينا عن يسار الطريق على بعد ٣٠٠ متر منا تلاً كبيراً مستطيلاً يبلغ طوله زهاء ١٠٠ متر وعرضه قراب ٤٠ متراً وارتفاعه نحو ٦ أمتار يسمى (آبجة أي آبقة) وبعد مسافة ساعة مررنا (بالقصير) (تصغير قصر) وهو عبارة عن بناء مستطيل قد تهدم جانب منه والباقي منه يبلغ طوله نحو ١٥ متراً في عرض ٣ أمتار في ارتفاع ٦ أمتار وبناؤه بالحجارة التي بنى بها قصر شمعون والبرد ويل والخراب والأخيضر. وهو على مرتفع من الأرض وفي أسفله وادٍ ينسب إليه وحوله

стр. 1044

كثير من التلول والأودية. ثم جاوزناه وبعد مسافة ساعة وردنا الأخيضر وقبل ورودنا القصر على بعد ١٠ دقائق تقريباً رأينا رعاة يردون ركايا واقلبة هناك وعندما شاهدونا أطلقوا علينا رصاصة ظانين أننا أعداء فأشار إليهم أحد أصحابنا عباءته وتلك إشارة الصديق فعلموا أننا لا نريد الإساءة إليهم فانصرفوا عن القصر وتوجهوا ذاهبين إلى الشرق ثم وردنا القصر قبيل الزوال ببضع دقائق. ٤ - وصف قصر الأخيضر نفسه وما حوله دخلنا قصر الأخيضر فوجدناه ثلاثة قصور الواحد بجنب الآخر ولكل قصر منها بهو كبير ويحيط بتلك القصور الثلاثة سور عظيم مربع الأركان في كل جانب منه باب يعلو القامة بقليل و١١ برجاً يبلغ محيط قطر كل برج منها زهاء ٦ أمتار و٦٠ سنتيمتراً وفي كل ركن من أركانه الأربعة برج كبير أيضاً يبلغ محيط قطره قراب ١٣ متراً وطول كل جانب مقدار ١٦٠ متراً وارتفاعه نحو ١٥ متراً أما بناؤه فبسيط جداً ليس فيه من فن التزويق ما يروق الأنظار وبناؤه بالحجارة الجبلية التي هي أشبه شيء بحجارة الجص إلا أنها صلبة جداً لم تؤثر فيها عوامل الدهر وقد وضع الرازة بين تلك الحجارة وفي بعض المواطن الطين. وهو ذو ثلاث طبقات بين الطبقة والطبقة نحو ٣ أمتار ونصف متر. أما الطبقة الثالثة فقد تهدم أكثرها وكذلك قسم من الطبقة الثانية ولم يبق منها قسم ذو ثلاث طبقات سوى الجهة الشرقية من القصر وهي التي أخبرتنا أن القصر كان ذو ثلاث طبقات. أما السور فقد تهدم منه أعلى الجانب الغربي والجنوبي والشمالي وأكثره من الجانب الشمالي وأبوابه الثلاثة مردومة إلا الرابع وهو الباب الشمالي الذي منه إلى القصر فهو مفتوح وأمام القصر الشمالي على بعد ٥٠ متراً منه بناء معقود مستطيل كالازج فيه

стр. 1045

حجرات يبلغ طوله نحو ٢٠ متراً وبقربه إلى الشرق أثر ساقية تأتي من الغرب قد فرش عقيقها بالحجر وعقد جانباها به أيضاً. وفي شرقي القصر أيضاً على بعد ١٠٠ مترٍ تقريباً بناء تهدم أكثره يزعم الأعراب القاطنون هناك على رواية أجدادهم السالفين أنه كان في القديم حمام القصر وفي شمالي القصر على بعد ٥٠٠ متر تقريباً واد يسميه الأعراب من أهل تلك الجهات (شعيب الأبيض) والبعض منهم يسميه (وادي الأبيض) وهو الوادي الذي يمر بجنوبي (عريسات) (ورأس دخنة) (وزان ظلمة) كما أسلفنا ويبلغ عرضه قراب ٢٠ متراً وفيه تجتمع مياه الأمطار عند انهمارها وقد نقل لنا أعراب تلك الجهات أن هذا الوادي يكون في أيام الربيع مجمعاً لصنوف الأوراد والأزهار فكأنه مفروش بفراش من الزهر ويروى إنه يمتد إلى الشام أو دونها بقليل. وفي وسطه وجانبيه حفائر قريبة القعر نزوعة غروفة يسميها أعراب تلك الجهات (قلبان) وأحدها قليب (ولكنهم إذا أفردوا لفظوا القاف جيماً وإذا جمعوا لفظوه كافاً فارسية) وماء تلك الحفر نمير عذب. وقرب شعيب الأبيض إلى الشمال الغربي منه وادٍ إذا حفرت في وسطه عمق ذراع أو أقل من ذلك أمهت ماء سلسبيلا. وفي شرقي قصر الأخيضر على بعد ساعة تقريباً عين تسمى (العين الخضرة) وفي شرقيها على بعد ٤ ساعات تقريباً منارة في البرية كالبرج أو كالميل ملساء ليس فيها طريق إلى الصعود إلى أعلاها يسميها الأعراب (موجدة) يبلغ طولها نحو ٨ أمتار وقد أخبرني فهد بك أحد شيوخ عنزة أنها واقعة في غربي العطشان على بعد ٧ ساعات منه والأخيضر واقع في غربي كربلاء

стр. 1046

على بعد ٥ ساعات ونصف. ٥ - وصف داخل قصر الأخيضر إذا دخلت من الباب الذي هو تجاه الشمال تفضي بعد مسافة ٢٠ متراً تقريباً إلى إيوان معقود بالطاباق المشوي عقداً مقوساً وبناؤه أشبه ببناء الإيوان الموجود في (قصر الخليفة أو دار الخليفة) في سامرا بل قل كأنه هو. وهو عامر لم يتهدم منه شيء يبلغ ارتفاعه عن الأرض نحو ١٠ أمتار في عرض ٨ أمتار من الأسفل ونظن أن بناء هذا الإيوان بعد قصر الأخيضر بقرن أو قرنين أو أكثر من ذلك لأن ليس فيه ما يشابهه قطعاً. وفي الطبقة السفلى من القصر كثير من الأزاج المعقودة عقداً مقوساً يبلغ طول كل منها زهاء ٢٠ متراً في عرض ٤ أمتار في ارتفاع ٦ أمتار وفيه كثير من السراديب والدياميس والبيوت والغرف والعلالي والصفف والأسراب وكلها معقودة عقداً وقد دخلنا في سرداب قريب من باب القصر واقع في جهة اليمين عند الدخول ولما مشينا فيه مقدار ٢٠ متراً سمعنا دوياً أشبه شيء بدوي المياه العظيمة التي تنصب من شاهق وقد سألنا الأعراب عن ذلك فقالوا نسمع مثله في أسفل سور القصر من البر أيضاً وقد حفرنا مرات عديدة فلم نجد شيئاً من ذلك والله أعلم. وكل جدران القصر سواء جدران الغرف أو غيرها مطلية بالجص وفي ساحة البهو الذي هو عند الجانب الغربي من السور بئر فيها ماء وحولها بعض تالات مغروسة وهي ليست قديمة وقد حفرها رجل من عنزة اسمه علي لأنه أراد عمارة هذا القصر وقد سكن فيه مدة فيه فلم ينجح في مسعاه ثم تركه. ولم نشاهد في القصر أثر كتابة أو علامة تدلنا على بانيه الأول أو عمن سكنه في القديم غير أن لنا رأياً فيه نبديه: ليس قصر الأخيضر هو قصر الأكيدر الكندي والذي قاله ياقوت في معجمه في مادة: دومة الجندل لا ينطبق على الأخيضر. بل ينطبق كل الانطباق على قصر الخراب الواقع في شرقي عين التمر (المعروفة عند أهل شفاثا اليوم برأس العين) على بعد نصف ساعة منه وطرز بناء هذا القصر كطرز بناء الأخيضر غير أنه خراب فكأن الباني واحد بل ربما يكبر قصر الأخيضر بقليل وإليك ما قاله ياقوت في معجمه: (أن النبي ﷺ صالح أكيدر

стр. 1047

على دومة وأمنه وقرر عليه وعلى أهله الجزية وكان نصرانياً. فأسلم أخوه حريث فأقره النبي ﷺ على ما في يده ونقض أكيدر الصلح بعد النبي ﷺ فأجلاه عمر (رضه) من دومة مع من أجلى من مخالفي دين الإسلام إلى الحيرة فنزل في موضع منها قرب عين التمر وبنى به منازل وسماها (دومة) وقيل (دوماء) باسم حصته بوادي القرى فهو قائم يعرف إلا أنه خراب) أهـ. والذي يؤيد رأينا أن قصر الخراب هو قصر الأكيدر نفسه قول ياقوت (قائم يعرف إلا أنه خراب) وهذا الاسم باق عليه إلى اليوم لا يعرف بغيره وقول ياقوت أيضاً (وبنى به منازل) وحول قصر الخراب كثير من الأنقاض والتلول ذات الآثار القديمة بخلاف قصر الأخيضر فليس حوله من ذلك شيء البتة وأقوى من ذلك قوله (قرب عين التمر) وقد علمت كما سلف أن بين قصر الخراب وعين التمر مسافة نصف ساعة وبين عين التمر وقصر الأخيضر مسافة تزيد على ٦ ساعات ونصف فهل يشك أحد بعد هذا في أن ياقوت يريد بقوله هذا قصر الخراب لا قصر الأخيضر فإذا عرفنا أن قصر الأكيدر هو قصر الخراب بعينه، فلا بد لنا أن نعرف قصر الأخيضر لمن كان في القديم ومن بناه وهذا أمر يحتاج إلى أدلة قوية لعلنا نأتي بها في وقت آخر. وبعد الزوال بساعتين ونصف ساعة ركبنا من قصر الأخيضر ورجعنا إلى شفاثا فوردناها قبل غروب الشمس بنصف ساعة تقريباً. ٦ - من شفاثا إلى أحمد ابن هاشم وفي صباح الأحد خرجنا من شفاثا قاصدين أحمد ابن هاشم ووجهنا إلى الغرب وبعد مسافة ٢٥ دقيقة مررنا بعين عن يمين الطريق تسمى (أم الغر) وقد مر ذكرها وبعد مسافة ٥ دقائق عن يسار الطريق عين تسمى (عين البركة) (وقد سلف ذكرها) وبعد مسافة عشر دقائق عن يسار الطريق على بعد ٣٠ متراً منه عين تسمى (أم الغويل) وبعد مسافة ٢٠ دقيقة عن يسار الطريق أيضاً على بعد نصف ساعة منه تلول متقطعة مستطيلة من الحجر والتراب تسمى (البوب) وهي على طريق الرحالية وفي شماليها على بعد ساعة منها الملح. وبعد مسافة ٢٥ دقيقة مررنا بتل واقع عن يمين الطريق على بعد ١٠٠

стр. 1048

متر منه يسمى (المحيريجة) وفي شمالها على بعد٣٠٠ متر منه تقريباً (البوب) وهي غير البوب الأولى ولكنها مثلها وبعد مسافة ١٠ دقائق عن يمين الطريق على بعد ٢٠ متراً منه عين تسمى (عين أبو صخر) بالتحريك وبعد مسافة نصف ساعة عارضتنا تلول تسمى (العقيد) ومن هناك إلى (قصر البردويل) نحو ٢٥ دقيقة وذلك عن يمين الطريق وبعد مسافة تقرب من الساعة عبرنا نهر عين التمر القديم وهو نهر يكاد يساوي الأرض وحوله عين ماء صغيرة وبعد مسافة ١٠ دقائق وردنا أحمد ابن هاشم فكانت المسافة بين شفاثا وأحمد قرب ٣ ساعات. وفي غربي أحمد ابن هاشم على بعد ساعة عين تسمى (عين السداح) وعندها قصر ينسب إليها ودونها مما يلي أحمد ابن هاشم تلول كثيرة تسمى (كسرونية) وفي جنوبي أحمد ابن هاشم تل كبير يسميه الأعراب (كهفاً) وفيه بيوت حديثة العمارة شبيهة بالصفف بناها أهل شفاثا يأوون إليها في أيام زيارة أحمد ابن هاشم. هذا ما شاهدناه في طريق أحمد ابن هاشم من الآثار وهناك دوارس أخرى قد سبق وصفها مع وصف قبر أحمد ابن هاشم فلا حاجة بنا إلى إعادتها. نظرة في الاحساء - الحساء جمع حسى بالفتح ويكسر؛ سهل من الأرض يستنقع فيه الماء أو غلظ فوقه رمل يجمع ماء المطر وكلما نزحت دلواً جمت أخرى. فتحفر العرب الرمل وتستخرج الماء. والحساء في البوادي كثيرة. منها هذه الاحساء القريبة

стр. 1049

من البحرين وقد مصرت وهي على مرحلتين من القطيف إلى الجنوب الغربي. وكان أول من عمرها وحصنها وجعلها قصبة بلاد هجر أبو طاهر القرمطي الشهير في التاريخ. لأن تلك الأنحاء كانت بيده وهي الآن قصبة البلاد المذكورة وربما أطلق عليها كلها اسم الاحساء. وإذا أطلقت طائر بصرك على تلك الأرجاء التي تجاورها ترى فيها مواقع ومواضع كثيرة الأنقاض والأطلال والرسوم المندرسة تدلنا على أنها كانت في سابق الزمن مقاماً لطائفة من المجوس عبدة النار وذلك قبل ألفي سنة من التاريخ الحالي هذا فضلاً عن أن التاريخ يؤيد هذه الحقيقة تأييداً لا ريب فيه. ولما ظهرت النصرانية كان أهل تلك الديار أول من دان بها. وكذلك قل عن ظهور الإسلام. قال في سالنامة البصرة سنة ١٣٠٨هـ: وهي أول من أسلم أهلها من قطعات جزيرة العرب. وقال ﷺ (هم وفد عبد القيس) (مرحباً بالوفد لا خزيا ولا نادمين) وهي أيضاً أول قطعة أقيمت فيها صلاة الجمعة بعد المدينة المنورة على ما ذكر أهل السير والتواريخ (ص ١٧٤). أهـ ثم أنها لم تزل بعد فتوح الإسلام بأيدي عمال عمان والبحرين إلى القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) فظهر القرامطة فاستولوا عليها ثم أخذت منهم بعد حين فتداولتها أيدي عمال الولايات المذكورة. ثم استولى عليها بنو زملك زماناً غير يسير. ثم تلقفتها أيدي العربان والمشايخ تارة يستقلون بها وطوراً يلحقونها بأملاكهم حتى ظهور الدولة العثمانية. وفي سنة ٩٢٦هـ (١٥٢٠م) في عهد السلطان سليم خان الأول حينما كان سنان باشا والياً على اليمن كانت الاحساء وما جاورها من الديار تحت إدارة الدولة العثمانية وكانت داخلة في الولاية اليمانية. وفي سنة ٩٦٤هـ (١٥٥٧م) استقلت إدارتها تحت ولاية محمد باشا. ثم لما ظهرت الوهابية وكانت الدولة يومئذ في شغل شاغل عنها لكثرة ما كانت تأتيه من المحاربات والوقائع مع أعدائها أحتل الوهابيون تلك الأصقاع وامتلكوها عنوة. ولما بلغ الدولة العلية خبر احتلالها أرسلت عساكر من بغداد ومن المنتفق ليزحفوا على الوهابيين الموجودين في الرياض وكذلك أيضاً استنفرت المصريين فاندفعوا عليهم كالسيل الجارف إلا أن بعد المسافة وقلة المياه وصعوبة ثقل المؤونة والذخيرة

стр. 1050

اللازمة لهذا الجيش اللهام أوجبت ترك تلك الديار بعد وقائع عديدة ومهاوشات جمة. واجتزأت الدولة بوضع قيم مقام يرأس تلك الأرجاء وله اليد العليا على زعماء قبائلها. وفي سنة ١٢٨٧هـ (١٨٧٠م) ثار النجديون ثورة عظيمة فوقع الشقاق بين آل سعود فراجعوا مجلس ولاية بغداد وكان حاكمها يومئذ مدحت باشا ثم أمر فانشأ لجنة متفومة من أماثل بغداد والبصرة فسار هذا الجمع العظيم حتى وصل القطيف ففتحها الجند بدون ممانعة. ثم فتحوا الاحساء بعد حصار قليل المدة وعقبها فتح سائر المواضع والأمكنة وأخذ العلم العثماني يخفق بسرور على الخطة كلها جمعاء. وأطلق عليها اسم لواء نجد تغليباً أو تفاؤلاً بفتحها كلها إذ نجد هي من أوسع بلاد العرب ولا تكون الاحساء بالنسبة إليها إلا شيئاً زهيداً. وممن كان له الفضل العظيم في هذه الفتوحات مشايخ الكويت وأهاليها إذ ساعدوا المنتمين إلى الدولة أعظم المساعدة. فإن مبارك الصباح الشيخ الحالي قاد بنفسه جيشاً عرمرماً من أهـ إلى الكويت وعشائرها وزحف على الاحساء من طريق البر. وأما الشيخ عبد الله الصباح المتوفى اليوم فإنه رافق القائد العثماني بحراً. وعلى هذا الوجه جاءهم النصر المبين. على أن الأعراب لم يدعوا أبناء الدولة العثمانية في راحة وطمأنينة فإنهم هاجموهم مراراً عديدة وأذاقوهم الأمرين وحاصروهم وضيقوا عليهم من كل جانب ونهبوا أموالهم وقتلوا جماً غفيراً من العساكر في الطريق الواقع بين الميناء والمدينة. وفي سنة ١٢٩٣هـ. (١٨٧٦م) ثار هذا اللواء ثورة أخرى فأنفذ رديف باشا والي بغداد يومئذ ناصر باشا السعدون شيخ المنتفق الأكبر سابقاً ليقوم أود هؤلاء الأعراب فركب البحر ناصر باشا ومعه الشيخ بزيع العرير ابن حاكم الاحساء سابقاً زاحفين بجيش جرار على الثائرين بينما كان مزيد السعدون ابن ناصر باشا المذكور يسير نحوهم وهو يقود ١٠ آلاف فارس من المنتفق ومعهم ألف بعير يحمل المؤونة والذخيرة. فتلاقى الجمعان عند أبواب الاحساء

стр. 1051

هفهوف، فهاجم المنتفق الأعداء الثائرين وأنقذوا الحامية العثمانية التي كان الأهلون قد اسروها. وبعد أن أطفئوا جذوة النار المتقدة أتم الإطفاء رجعوا إلى الناصرية بعد أن قاموا هناك الشيخ بزيع العرير متصرفاً للواء نجد. - وما كادت بضعة أشهر تمضي إلا ونشبت نار الفتنة من جديد لأن أعراب الاحساء وما جاورها أرادوا أن ينتقموا مما لحقهم من الانكسار إذ خضد شوكتهم جند الحكومة وأعراب المنتفق فزحف ناصر باشا من جديد ومعه ابنه مزيد فتم لهما مرة ثانية الاستيلاء على الاحساء ونكلوا بالأهالي أشد التنكيل فكان ذلك مدعاة لسكوتهم مدة سنين طويلة. ولما فل غرار الشيخ بزيع العريعر عين مزيد السعدون ابن ناصر باشا متصرفاً للواء بدلاً من السابق ذكره. وفي سنة ١٣٠٢هـ. (١٨٨٤م) كان مزيد في ذلك اللواء لما فصلت البصرة عن ولاية بغداد وعقد بها لواء نجد فأصبحت ولاية البصرة مستقلة عن أمها بغداد وعين والياً لها ناصر باشا. وكان قد رقى في عودته الأولى من زحفة الاحساء سنة ١٨٦٨م رتبة ميرميران لأنه اظهر في تلك الأثناء من الإباء وعظم النفس ما لا مثيل له إلا في سابق العهد إذ إن الباب العالي أهـ داه عشرة آلاف ليرة (أي ٢٣٠. ٠٠٠ فرنك) مكافأة له على أتعابه وعلى النفقات التي بذلها في تلك الزحفة فأبت نفسه الكريمة الكبيرة أخذ المبلغ وأبقاه للدولة. ولو كان أخذه لكان حطه عن شاهق إذ لم يكن إلا جزءاً زهيداً مما أنفقه في هذا السبيل من النفقات الباهظة الفاحشة. وبقيت الأمور تجري في أعنتها حتى كانت سنة ١٣٢٠هـ. (١٩٠٢م) فأضطرب حبل الأمن فعينت الدولة السيد طالب بك نقيب إشراف البصرة متصرفاً للواء المذكور فما كاد يلقى فيه عصاه إلا وفك الحصار عن الاحساء وأدب العشائر وأمن الطرق. فانقادت له رؤساء الأعراب طائعة إياه بعد أن شاهدت ماله من شدة العزم والحزم وقوة إلباس والمراس. وبعد أن استعفى وتوجه إلى

стр. 1052

الأستانة استحسنت الدولة أن نزيد القوة العسكرية في تلك الديار فأنفذت إليها أربعة طوابير زيادة لما كان فيها. ولكن سليمان نظيف بك والي البصرة استصوب استدعاء معظم هذه القوة وأبقى طائفة قليلة منهم لا تكفي لحفظ الراحة في البلاد. فأثار هذا الأمر طمعاً في صدر عبد العزيز السعود وأخذ يترقب الفرص حتى تيسرت له في هذه الأيام فهجم بخيله ورجله في نحو منتصف أيار على مدينة الاحساء واستولى عليها بعد مقاومة قليلة قتل فيها نحو ٢٥ جندياً وبعد ذلك أرسل محاربين إلى القطيف أيضاً فاستولى عليها وأصبحت من دياره. - قالت الدستور التي نقلنا عنها هذه العبارة الأخيرة بتصرف قليل: نشرنا (هذه الأخبار) آسفين على أن العلم العثماني قد طوى من الخليج الفارسي ولم يبق للدولة العثمانية مقدار شبر من الأرض على ضفافه. فلا حول ولا قوة إلا بالله). وجاء في عددها ٥٧ ما مؤداه: أن العساكر العثمانية الموجودة في الاحساء والقطيف تبلغ أربعمائة نفر، منهم ٩٠ في القطيف والباقي في مدينة الاحساء وضواحيها. وقد اجتمعت هذه القوة الآن في مركب (جانسكات) الراسي في ميناء البحرين منتظرة المدد من البصرة وأصبحت حالة الجنود سيئة للغاية لقلة الماء واشتداد الحر وضيق الباخرة التي تحملهم. وقال: إن عبد العزيز السعود طلب من قائم مقام قطر الشيخ قاسم ابن ثاني طرد العساكر العثمانية التي عنده فلم يوافق على ذلك. وقد قدم البصرة أغلب موظفي الحكومة الملكيين في الاحساء والقطيف! وقد ذكرت الرياض في عددها ١٦١ إن الذين احتلوا القطيف اعتدوا كثيراً على أهـ اليها. فأمر الأمير فيها (عبد الله بن جلوى) الذي كان أميراً في القصيم سابقاً فساد الأمن بعد ذلك. باب المكاتبة والمذاكرة ١ - معنى اسم بغداد كتب إلينا من سامرآء حضرة العلامة هرتسفلد قال: طالعت مطالعة عجلان ما جاء في لغة العرب عن معنى بغداد وأصلها ٢: ٥٤٩ فلم أر حاجة إلى ذكر آراء بعض علماء الإنكليز ومن شايعهم في أصل معنى بغداد. فإن المسألة قد انتهت

стр. 1053

إلى هذه الصورة وهي: إذا ثبت إن اسم المدينة يوجد على صفائح الآجر المسمارية الخط (بصورة بغدادو أو بغداتو) كما قاله العلامة فريدريك دليتش فسدت سائر التآويل الفارسية والأعجمية المخالفة لرأي العلماء. وإلا ففي اللغة الفارسية علم رجل وهو (بغداد) وليس له إلا تأويل واحد ممكن وهو (هبة أو عطية الله). لأن (بغ) بالفارسية القديمة تخفيف (باغا) وهو الإله. ولا سيما الإله (مثرا) (وداذ) مشتقة من (دادن) أي هبة أو عطية فيكون مآلها: (هبة أو عطية الله) ويقابلها عند الأقدمين (مثريداد) وعند أهل الغرب (ثيودورس) ومن ثم يقول: هل ينتقل العلم الشخصي إلى اسم المدينة؟ - قلنا: نعم. لأنه يوجد أسماء أخرى من هذا القبيل كقولهم: شروان (وهو اسم رجل ومعناه ذو ست أرواح) ونهروان (أي ذو تسع أرواح) الخ ولهذا لا أشك في قراءة العلامة النقاب دليتش. ولا جرم أن (بغداذ) المكتوبة على الآجر البابلي لم تكن اسم مدينة في ذلك العهد القديم بل اسم رجل. ومن اسم الرجل انتقل إلى اسم المدينة. هذا ما عن لي في أثناء المطالعة والحكم للقارئ. ٢ - مرقعة المتصوفة كتب إلينا أحد الأدباء ما نصه: أدرجت لغة العرب (١٨٥١٨٤: ١) ثلاثة أبيات من الشعر قالها أحد الشعراء بخصوص مرقعة الصوفية. وقد وجدت اليوم رواية أخرى قديمة ورد فيها لفظ (المسيح) مبدلا بلفظ (المجوس) وقد ذكرت في (منتخبات وصاف) (راجع برنامج المكتبة الخديوية المجلد ٤: ٣٣٢ تحت عنوان: (الأدب العدد ١١٣ والمخطوط خالٍ من أرقام الصفحات وهي واردة في نحو الثلث الأول منه) وهذا نص عبارته: (البيتان لأبي محمد طاهر بن الحسين بن يحيى المخزومي البصري: ليس التصوف أن يلاقيك الفتى ... وعليه من لبس المجوس مرقع بطرائق سود وبيض لفقت ... وكأنه فيه غراب أبقع قال مكاتبنا حفظه الله: وهذا النص مهم مما يحرص عليه لأنه يثبت لنا اسم الناظم بنسبه. فليحفظ لما فيه من الفائدة. ٣ - غبرة النخيل (نوع من أمراض نخل العراق) وكتب إلينا من بسكرة (من بلاد المغرب في أفريقية) حضرة صديقنا الفاضل بولس ب. بوينوى ما نصه: إن السعفة التي قطعناها لما كنا معاً في بستان

стр. 1054

من بساتين الكاظمية وكان عليها المرض المعروف بالغبرة (وزان حركة) قد فحصتها فحصاً مدققاً فوجدتها مصابة بالآفة المذكورة لكنها هي غير الآفة المعروفة في ديار الشام بندوة العسل فندوة العسل شيء والغبرة شيء. تلك تسمى بالفرنسية وأما هذه فأسمها عند العلماء وهي نوع من الشبيهة بالفطريات فيحسن بكم أن تصححوا ما كتبتموه في لغة العرب ١٧: ٢ وما يليها. أما طريقة أهلاك هذه الجراثيم الضارة فهي رش المواطن المصابة بها بماء الزنجارة (واسم الزنجارة عند الكيماويين كبريتات النحاس). ٤ - آثار قديمة في تكريت وأخبرنا القس توما ماروثا حكيم بعد سفره من بغداد ومروره بتكريت إن سكان تلك المدينة يجدون كل يوم نقوداً قديمة من عباسية ورومانية وبرثية ويونانية وفارسية وساسانية. وهم يبيعونها بقيمة بخسة. وأغلبها من النحاس ثم قال: ووجدت رقيم قبر باللغة الآرامية من القرن الثالث عشر للمسيح وهذه هي عبارته: (يونيا كب بآب اعكح ألها نحسه له. أبو ناصر مشمشنا) ومعناها: (توفى بموجب التاريخ) اليوناني ٢٢ آب سنة ١٥٢٨ (١٢١٧م) غفر الله لأبي ناصر الشماس.) وفي تكريت آثار كثيرة نصرانية تدل على ما كان لهذا الدين من القدم الراسخة فيها. أما اليوم فليس فيها سوى المسلمين! ٥ - المطبعة الحميدية في بغداد هذه المطبعة من مطابع بغداد الحجرية ولم نكن نعلم بوجودها حتى ظفرنا في هذه الأيام بكتاب صغير مطبوع فيها اسمه: (بحر الكلام) للإمام سيف الحق أبي المعين النسفي. . . وقد طبع في المطبعة المذكورة برخصة المعارف سنة ١٣٠٤ والكتاب في ٧٠ صفحة. . . وفي آخره: (وكان ذلك بقلم الفقير أحمد الكردي البغدادي.) أهـ أسئلة وأجوبة أصل كلمة حنفص

стр. 1055

سألنا غير واحد من أدباء الحاضرة: هل كلمة عنفص عربية الأصل؟ وإن لم تكن فمن أي لغة هي؟ وما هي معانيها المتعددة؟ قلنا: جاء في تاج العروس: العنفص بالكسر. . . والنون زائدة وفيه خلاف. . . المرأة البذيئة. عن الأصمعي، أو القليلة الحياء عن أبى عمرو، وخص بعضهم به الفتاة وأنشد الجوهري للأعشى: ليست بسوداء ولا عنفص ... لسارق الطرف إلى ذاعر وقال الليث: هي القليلة الجسم؛ وقال ابن دريد: هي الكثيرة الحركة في المجيء والذهاب. ويقال هي الذاعرة الخبيثة وأنشد شعر: لعمرك ما ليلى بورهاء عنفص ... ولا عشه خلخالها يتقعقع وقال ابن عباد هي القصيرة: وقال ابن السكيت: هي المختالة المعجبة. قال ابن فارس: هو من عفصت الشيء: إذا لويته. كأنها عوجاء الخلق وتميل إلى ذوي الذعارة. وقيل العنفص: جرو الثعلب الأنثى والعنفص أيضاً: السيئ الخلق من الرجال، والعنفصة المرأة الكثيرة الكلام. وهي أيضاً المنتنة الريح. كل ذلك عن ابن عباد. أهـ كلام اللغوي. فيتضح من ذلك أن العنفص هي الأنثى الخبيثة، الذاعرة، القليلة الحياء والجسم، (امرأة كانت أو ابنة) الكثيرة الحركة في المجيء والذهاب، المنتنة الريح المتعوجة الخلق. وهذا كله على ظننا مأخوذ من اليونانية (وهي باللاتينية وهي عندهم اسم امرأة شهيرة بخبثها وفسادها ولكثرة شرها وعبثها كانت تظهر بمظاهر مختلفة أو تتغول (كما يقول العرب) على حد تغول الغول. والفرنسيون يقولون وهي الفصحى وهي دونها فصاحةً. وقد قال الأقدمون في وصفها: إنها شبح أو طيف أنثى كانت تنفذها هبكات أو عكاظ (وهبكات معبودة هي القمر حينما يحجبه السحاب أو الضباب) إلى الناس ولا سيما إلى المسافرين منهم لتخيفهم في طريقهم أو تفتك بهم أو تمتص دماءهم. والعنفص توافق كل الموافقة لغول العرب ولعل العرب أخذوا حكايات الغول والخرافات التي تتعلق بها عن اليونان الذين أخذوها عن قدماء الشرقيين كالكلدان والآشوريين والبابليين والمصريين إذ اقتبسوا منهم أشياء كثيرة ترجع إليهم في الأصل. ويوافق هذا الوصف أيضاً بعض الموافقة لما يسميه الإفرنج فامبير وهو الذي سميناه
следующие страницы →