← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ابن فارس لم يذكره في مؤلفاته وهذا دليل على قلة نسخه وقد رتبه ترتيب حروف الهجاء الشرقي لا المغربي ولا الطبيعي أي الابتداء بأقصى حروف الحلق إلى مثله من الشفة على الأوائل فهو يذكر الحرف وما يثنيه مضاعفاً كان أو غير مضاعف أولاً ثم ما يثلثه وأما ما هو على أربعة أو خمسة فمذهبه فيه أنه منحوت من الثنائي أو الثلاثي ولذا خصه بباب على حدة بعد فراغه من التراكيب الثنائية والثلاثية ذكر فيه كيفية نحته. مثال ذلك في باب الهمزة الهمزة مع ب إلى ي ثم الهمزة مع ب وما يثلثهما إلى ي ومع ث كذلك إلى أن تتم الحروف وهاأنا ذاكر خطبته وآخره وشيئا من فصوله لتكتمل المعرفة به قال (بعد البسملة) الحمد لله وبه نستعين وصلى الله على محمد وآله أجمعين أقول وبالله التوفيق: للغة العرب مقاييس صحيحة وأصول تتفرع منها فروع وقد ألف الناس في جوامع الكلم ما ألفوا ولم يعربوا في شيء من ذلك عن مقاييس ولا أصل من تلك الأصول والذي أومأنا إليه باب العلم جليل وله خطر عظيم وقد صدرنا كل أصل بالأصل الذي يتفرع منه حتى تكون الجملة الموجزة شاملة للتفصيل ويكون المجيب عما يسأل عنه مجيباً عن الباب المبسوط بأوجز لفظ وأقربه وبناء الأمر في سائر ما ذكرناه على كتب مشتهرة عالية (أقول) وهي كتاب العين وكتابا أبي عبيدة وهما غريب الحديث وغريب المصنف وكتاب المنطق وكتاب الجمهرة وقد ذكر أسانيد روايته لها ومن رجال بعضها أبوه فارس وجده زكريا وقد أضربت عنها لعدم الفائدة في ذكرها قال وهذه الكتب الخمسة معتمدنا فيما استنبطناه من مقاييس اللغة وما بعد هذه فمحمول عليها وراجع إليها فأول ذلك باب الهمزة وقال في آخره

стр. 982

وقد ذكرنا ما شرطنا في صدر الكتاب أن نذكره وهو شطر من اللغة العربية صالح فأما الإحاطة بجميع كلام العرب فمما لا يقدر عليه إلا الله أو نبي من أنبيائه يوحي الله ذلك إليه أقول وذكر هذا المعنى بعينه في كتابه الصاحي قال في باب العين: وما بعدها في المضاعف والمطابق أل ع وأل ف أصلان صحيحان أحدهما الكف عن القبيح والآخر دال على قلقه في الشيء فالأول العفة: الكف عما لا ينبغي ورجل عف وعفيف وقد عف يعف عفة وعفافة وعفافا والأصل الثاني. العفة بقية اللبن في الضرع وهي أيضا العفافة قال الأعشى: لا تجافى عنه النهار ولا تع ... جوه إلا عفافة أو فواق ويقال تعاف ناقتك أي أحلبها بعد الحلبة الأولى ودع فصيلها يتعففها كأنه يرتضع تلك البقية وعففت فلاناً سقيته العفافة فأما قولهم جاء على عفاف ذلك أي أبانه فهو من الإبدال والأصل أفانه وقد مر وقال أيضا في ذا الباب أل ع س ب كلمات ثلاث كل واحدة منفردة بمعناها لا يكاد يتفرع منها فالأولى طروق الفرس وغيره والثانية عسيب الذنب والثالثة نوع من الأشياء التي تطير فالأول العسب قالوا هو طروق الفرس ثم حمل على ذلك حتى سمي الكرى الذي يؤخذ على الضراب عسبا وفي الحديث أنه ع نهى عن عسب الفحل فالعسب الكري الذي يؤخذ على العسب سمي باسمه للمجاورة قال زهير: (ولولا عسبه لرددتموه) ومنه قول كثير: يغادرون عسب الوالقي وناصح ... تخص به أم الطريق عيالها يصف خيلا وأنها أزلقت أجنتها تعباً والآخر عسيب الذنب وهو العظيم الذي فيه منبت الشعر وشبه عسيب النخلة وهي الجريدة المستقيمة به تشابهها في طريقة الامتداد والاستقامة يقال عسيب واعسبة وعسب قال: بين الأشيا تسا ... مى حوله العسب وعسيب الريشة مشبه بعسيب النخلة والكلمة الثالثة اليعسوب يعسوب النحل يعنون ملكها وقال أبو ذويب: تنمى بها اليعسوب حتى أمرها ... إلى مألف رحب المباءة عاسل والجمع يعاسيب قال: زرقا أسنتها حمرا مثقفة ... أطرافهن مقبل لليعاسيب

стр. 983

وزعموا أن اليعسوب ضرب من الحجل أيضا وضرب من الجراد ومما ليس من هذا الباب. عسيب أسم جبل يقول فيه امرؤ القيس: أجارتنا أن المزار قريب ... وإني مقيم ما أقام عسيب وقال في حرف الباء: باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف أولها ب اعلم أن للرباعي والخماسي مذهبا في القياس يستنبطه النظر الدقيق وذلك أن اكثر ما تراه منحوت ومعنى المنحوت أن تؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة واحدة تكون آخذة منهما جميعا بحظ والأصل فيما ذكره الخليل من قولهم: حيعل الرجل إذا قال: (حي على) ومن الشيء الذي كأنه متفق عليه قولهم عبشمي قال: (وتضحك مني شيخة عبشمية) فعلى هذا الأصل بنينا ما ذكرنا من مقاييس الرباعي فنقول: إن ذلك على ضربين أحدهما المنحوت الذي ذكرنا والآخر الموضوع وضعا لا مجال له في طريق القياس وسنبين ذلك بعون الله فما جاء منحوتاً من كلام العرب في الرباعي وأوله ب (بلعوم) مجرى الطعام في الحلق وقد تحذف الواو فيقال (بلعم) وغير مشكل أنه مأخوذ من بلع إلا أنه زيد عليه ما زيد لجنس من المبالغة ثم قال بعد ذكر ألفاظ كثيرة ومن ذلك: البرقش وهو طائر وهو منحوت من كلمتين من برقشت الشيء إذا نقشته ومن البرش وهو اختلاف اللونين ثم قال الباب الثالث من الرباعي الذي وضع وضعا البهصلة المرأة القصيرة اهـ هذا ما أردت نقله منه وبه الكفاءة لم أراد معرفته وقد علمت أن الكتاب كتاب اجتهاد واستنباط فربما يخطأ ابن فارس في اجتهاده وربما أصاب كل الإصابة ولو أردت أن أذكر خطأه لوجب علي أن أعمل كتاباً في ذلك. ٣ - نسختنا التي بين أيدينا طولها ٣٦ سنتمتراً وعرضها ١٩ وطول المكتوب منها ٢٥ وعرضه

стр. 984

١٤ في كل صفحة ٢١ سطراً وعدد أوراقه ٤٩٧ وقد خرقتها الأرضة ولكن لم تؤثر في نفس الكتابة كثيراً والظاهر أن في خبرها شيئاً لا تستطيع الأرضة أكله هي كثيرة الغلط لا ينتفع بها إلا من مارس هذا الفن وأخذ بأطرافه. وكاتبها لم يذكر تاريخ الفراغ من نسخها إلا أن المتدبر العارف بتاريخ الخط العربي يحكم بأنها كتبت بعد الألف وهي بخط واحد والظاهر أنها كتبت في الهند وبقيت ثمة زماناً لما عليها من الخواتيم الواسعة الكبيرة التي يمتاز بها الهنود ولأسماء مالكيها الهندية ويظهر لي أنها كتبت على نسخة مخطوطة بالخط الكوفي لأن جنس أغلاطها يدل على ذك وذلك أن ناسخها على ما أظن لا يحسن قراءة الخط الكوفي فتشتبه عليه الحروف ومن يحسن قراءة الخط الكوفي يستطيع أن يستخرج أكثر أغلاطها إذا علم ما قلناه. النجف: عراقي في معترك الحياة إن الزمان قلوب ... يحار فيه الليب آناً يطيب وآناً ... تراه ليس يطيب والناس فيه ضروب ... والخلق منهم عجيب هذا تردى الأماني ... وذا أردته الكروب وذا غنى مهنا ... وذا فقير كئيب وذا صحيح معافى ... وذا عليل يلوب وذا ضعيف يقيم ... وذا قوي يجوب وذاك يسعى فيحظى ... وذا تراه يخيب

стр. 985

وذاك يرمي فيحظى ... وذا تراه يصيب وذاك موصول شملٍ ... وذا معنى غريب وذا يعمر دهراً ... وذاك طفلاً يغيب وذا لئيم بخيل ... وذا كريم وهوب وذا يعيش قنوعاً ... وذا حريص كسوب وذا حليم صبور ... وذا جزوع غضوب وذا وفي صدوق ... وذاك جاف كذوب وذا قبيح بغيض ... وذا مليح حبيب وذا جبان يروع ... وذا شجاع يريب وذاك طلق المحيا ... وذا عبوس قطوب وذا ذليل غبي ... وذا نبيل أريب وذاك غر جهول ... وذا عليم أديب وذا الكن عي ... وذا قؤول خطيب هذى الحياة وفيها ... أمر الإله عجيب فأختر لنفسك منها ... ما الذكر فيه يطيب إبراهيم منيب الباجه جي عمل الطاباق في العراق ١ - مدخل البحث سافرت في شهر كانون ٢ سنة ١٩١١ متوجهاً نحو العراق لمهمة صناعية واتخذت طريق البر مسلكاً لي. وتمكنت في أثناء إقامتي في الأقطار التي هبطتها من أن أبحث عن حاصلات هذه الديار من صناعية وزراعية فشاهدت فيها من الشؤون التجارية ما لا ينكره أحد وأن مجاري الحياة تتدفق في بغداد. وفي المدة التي قضيتها في عدة مواطن من العراق وهي مدة ستة أشهر جمعت في المواضع التي يعتمد عليها من الإفادات المدققة بخصوص مقدار ونوع المواد التي تنفق كل سنة ما لا يشك في صحته وكذلك فعلت بما يتعلق بقيمتها وكلفتها

стр. 986

بنقلها أو تحميلها وأجرة العمل والشغل وعدد العملة ووسعهم وطاقتهم في كل ما يعالجونه ويزاولونه. ويحسن بنا هنا أن نطلق طائر البصر ونتركه يحوم حول بنية أرض هذه الديار ليوقفنا بسرعة القابس العجلان على جوهر مواد البناء تلك المواد التي تستخرج من الأرض لتقوم بحاجتنا المنشودة. وأعلم قبل كل شيء أن الحجارة الكلسية لا ترى إلا في شمالي هذه الربوع أي في الأرجاء التي ينشأ فيها الفراتان أو الرافدان وتكون مقالع الحجارة الكلسية في سقي الفرات في هيت ومقالعها في سقي دجلة في سامراء. ولما كان هذان المقلعان بعيدين عن أمهات المدن التي توجد فيه التجارة والبياعات غدا نقل هذه المواد من أشد الأمور كلفة ومصرفاً. وأنت تعلم أن الإنسان إذا أراد أن يبني بناية يتخذ لها من المواد أقربها إليه وأصلبها وأرخصها لديه ولهذا ترى أغلب أبنية هيت وسامراء من حجارة الجص وهذه الحجارة لا ترى في بغداد ولا في ما أحاط بها فعوضوا عنها باللبن أو بالطاباق أو الطابوق وهو الذي يسميه أهل مصر الطوب وأهل الشام الآجر وغيرهم القرميد. ولقد أوغلت في البحث عن هذا الضرب من نتاج الصناعة الذي كان ولم يزل مستعملاً في هذه الديار إذ البابليون والكلدانيون أنفسهم لم يتخذوا في عماراتهم إلا الطاباق كما تشهد عليه من آثارهم ما صبر على صروف الزمان وطوارئ الحدثان. ٢ - نظرة عامة في تربة العراق المتخذة للطاباق. تربة العراق صلصالية جصية متخلخلة هشة سهلة الكراب لنسبة ما يدخل في تركيبها من الكلس وهذه النسبة هي من ١٢ إلى ١٥ بالمائة وهذه الحواري الصلصالية سهلة العجن والتمثيل والتصوير لكنها إذا شويت انقلبت قوية صلبة بعض الصلابة إلا أنها قليلة المقاومة لما يعاندها من الأحداث والطوارئ. والطاباق المتخذ هنا هو ذو حبة رخوة سهلة النحت. وقد يكتفي به لعدم وجود ما يقوم مقامه أو يسد مسده أو ريثما يأتي من يعجنه عجناً مطابقاً لأصول الفن بعد أن يكون قد أدخل على كتلته ما يزيدها تماسكاً وتضاماً وصلابة وشدة. ونحن نعلم علما عاما أن أحسن التراب لصنع الطاباق هو الصلصال الخالي

стр. 987

من المواد التي تفرق حبيبات جواهره ولو تفريقا زهيداً أو تمنع ضم بعضها إلى بعض ضماً محكماً. وأحسن فخار هذه الديار هو ما كان في شمالي بغداد على مقربة من السندية على عدوة دجلة اليمنى وما يداني مشارعه فان هذا الفخار من أنقى ما يوجد من نوعه هنا وهو سهل العجن وصلب وآجره رنان عند القرع دقيق الحبيبة متلززها متماسكها أشد التماسك. وإذا حاولت وجود مثله في سقي وادي السلام لا ترى ما يضاهيه ولا يقاربه أو يدانيه. على أنك تجد والحق يقال طبقات من الفخار في مواضع مختلفة لكنه دون ذاك صنعة ونقاء دع عنك م يكلفك من المصاريف الباهظة. ٣ - مقادير الطاباق يغلب على هيئة طاباق العراق التربيع فانه في بغداد يساوي ٣٠ سنتيمتراً في الطول و٣٠ في العرض و٦ في الثخن وفي الكاظمية ٢٥ - ٢٥ - ٦ وفي النجف ١٩ - ١٩ - ٦ وهذه المقادير عينها كانت مستعملة سابقا عند البابليين والكلدانيين ويرى كثير منها إلى يومنا هذا في الاخربة التي صبرت على فتكات الدهر. وكان للصورة المربعة شأن في أبنية الأقدمين لأنهم كانوا يبنون الحيطان أثخن مما يبنيها أبناء هذا الزمان الذين يرمون دائما بسهم التوفير إلى غرض الرخاء في العيش. وأغلب الناس يبنون جدرانهم بنصف الطاباقة فيحتاجون إلى قطعها أو نشرها بمنشار وهذا يكلفهم أجرة قطاع يستغنون عنه. وقد لاحظ البناءون أن الطاباق المستطيل أصبر على نوائب الزمان من المربع. ولهذا ترى أغلب الناس قد اتخذوا اليوم في جميع الديار التي يستعمل أصحابها الآجر المقياس الآتي ٢٥ - ١٢ - ٦ ولا يبعدون عنه إلا قليلاً. وهذا القدر في الحجم يشوي الأجرة شيئاً محكماً ومنتظماً ويبعد عنه كل خللٍ من هذا القبيل وأعلم أن بناية ١. ٠٠٠ طاباقة تساوي مترين مربعين و٣٦٠ سنتيمتراً مربعاً أو ٤٢٤ طاباقة لمتر واحد مكعب. ٤ - صنع معجون الآجر إن الآجر في بغداد هو بحالته الأولى التي كان عليه في بدء هذه الصناعة

стр. 988

ومنذ ذاك العهد إلى هذا العصر الأنور لم تتقدم خطوة واحدة. بخلاف المصريين فأنهم سبقوا العراقيين غايات بعيدة ولهذا فأني أستحسن طريقة سكان وادي النيل على طريقة قطان وادي السلام. ودونك الآن الأمرين الأهمين في هذه الصناعة: ١: نختار التربة اللازمة للآجر وإذا نقصها شيء من المواد الضرورية يضاف إليها الناقص كالرمل أو المادة العلكة الدسمة الموجودة في السماد حسبما تكون التربة دسمة أو ضعيفة متخلخلة. ٢: يعجن هذا الخليط إلى أن يتقوم منه معجون متماسكاً متلازاً يكون مطواعاً لليد العاجنة. ٣: يدخل هذا المعجون في قوالب لا قعر لها بل لها تختات (أي لوحات) يداس عليها المعجون دوساً باليد. ٤: بعد أن يستخرج الآجر من القالب (وهو المسمى باللبن في هذه الحالة) يشمس على تختاته مدة ٢٤ ساعة ثم يرفع ويوضع بعضه على بعض على شكل مشبك أي بجعل فسح متقاربة منتظمة ببن آجرة وآجرة بحيث يجري الهواء بينهما. ويعرف عند المصريين هذا لآجر المضغوط عليه باليد باسم (طوب الألواح) ويبقى على هذه الصورة من ١٠ إلى ١٢ يوماً قبل أن يوضع في النار. ٥: إذا أراد المصريون طبخ هذا الآجر تتخذ له عدة طرق وفي ضروب من الاتاتين أصفها في فصل تالٍ. وعليه تتوقف محاسن الآجر على محاسن الأمور التي ذكرناها. وأما في بغداد فأنها مهملة لا شأن لها عند أصحاب هذه الصناعة ومن تلك المعايب ما يأتي: ١: إنهم يستعملون التربة التي يقعون عليها بدون أن يمتحنوها قبل الشروع باتخاذها. ٢: إن المعاجين لا تعجن بكفاية ولهذا ترى الكتلة غير متماسكة بعضها ببعض وحباتها غير متلززة مع أن هذا العمل الأخير هو مما يحرص عليه أصحاب الفن ويعلقون به محاسن الآجر وصبره على طوارئ الجو. ٣: من المألوف عند صناع الآجر في سقي الفراتين أنهم يضعون اللبن على أرض غير سوية فيجيء الآجر بهيئة الأرض التي كان عليها أي أنه يأتي معوجا.

стр. 989

٤: يبقى هذا اللبن على تلك الحالة المعيبة إلى أن يبس وإلى أن يوضع في الأتون. ٥: يوضع اللبن في أتاتين مبنية متقطعة الحرارة ويوقد فيها نار خشب وهذه الأتاتين مبنية من أربعة جدران قائمة كلها من اللبن؛ والحيطان ثخينة ومغشاة بتراب إلى سمك غير مرتفع كثيراً والغاية من وضع التراب منع الحرارة من الضياع والإشعاع ويكون طول الأتون في أغلب الأحايين من ٨ إلى ١٠ أمتار في عرض ٥ أو ٧ وسمكه ٦ وفي أسفل الأتون عدة عقود منتسقة تقوم كلها على قوائم سوية قليلة الارتفاع وهذه العقود مخرقةً على هيئة الشباك لتدع حرارة النيران تنفذ منها وتلك النيران دائمة الاضطرام. وتمد هذه الأتاتين بالوقود طول مدة الطبخ ومادة الوقود هي الخشب والحطب والشوك ويدوم الطبخ من ٨ إلى ١٠ أيام حسب سعة الأتون. فأنت ترى من طريقة هذا الطبخ أن ليس لجميع أنحاء الميفي درجة واحدة من الحرارة ولهذا لا تجد جميع الطاباق مشويا على صورة واحدة وإن كانت خارجة من ميفي واحد. وهذا ما يتحققه كل إنسان من لون الآجر إذ يتفاوت بين الأصفر والأحمر وما لم يطبخ حسنا يعرف من لونه الأحمر ومن صوته الأصم إذا قرع ومن تحات أجزائه إذا فرك باليد. وفي طبخ الطاباق بالخشب والحطب من النفقات ما لا يتصوره من لا يكون من أهل البلد لأن هذا الضرب من الوقود غالٍ جداً في هذه الديار. - هذا وأعلم أن الطبخ على هذا الوجه وكبر حجم الطاباق يسببان سقطاً كثيراً حتى أنه يعد ٢٥ في المائة في الأقل. وهذا من أسباب بيعه بثمن فاحش. ومن ذلك فأن هذه المعايب كلها تقل أو تتلاشى إذا كان الخبير ينتقي التربة الصالحة للطاباق ويعجنها عجناً حسناً ويحرقها إحراقاً منتظماً. ٥ - طبخ الآجر أشهر طرق طبخ الآجر المعروفة في ديار مصر هي المعروفة (بالطبخ السريع) وهي تتوقف على تكويم الآجر كوماً كوماً على منبسط من الأرض وعلى جمع الكوم سافات سافات وبين طبقة وطبقةٍ طبقة من الفحم الدقيق. وطبخ الآجر كوماً في الهواء المطلق يسبب نفقة في الوقود أعظم من

стр. 990

النفقة التي تصرف على الطبخ بالأناتين الصناعية. ويبلغ قدر الفحم الحجري نحو ٥٠ كيلواً لألف آجرة من الحجم العادي. وهذا النوع من الإحراق لا يوافق إلا في البلاد التي يكثر فيها الفحم الحجري أو يكون فيها رخيصاً ومع ذلك يكون نتاجه غير منتظم الطبخ ويسبب من السقط ٢٥ في المائة إلا أنه لا يوجب نفقة بناء الأتون فتكون مصاريفه في كيس الطابخ وهذا لا يكون إلا في الأبنية الفرعية البعيدة التي يكلف فيها بناء الأناتين تكليفاً باهظاً. إن في أتون الطبخ السريع (نفعاً) لا يرى في سائر الموافي المتصلة الحرارة أو المتقطعتها وهو أنه يوصل الإحراق إلى درجة بعيدة في الحرارة أي إلى درجة إسالة الآجر حتى يكون كالزجاج. فإذا كان كذلك يلتصق بعضه ببعض التصاقا شديداً ويصبح كتلاً مكينة حتى يغدو بمنزلة كتلٍ تتخذ اتخاذ الجلاميد أو الصخور. وقد ينتفع منها انتفاعاً آخر وهو أنها إذا دقت تقوم مقام الحصى الناعم في اللياط. وهذا ما ظهر نفعه واستعماله في (سد الهندية) الذي يبنى اليوم على الفرات. وفي هذه الحالة الأخيرة يجب إحراق ٣٥٠ كيلواً من الفحم الحجري لطبخ ألف طاباقة من القدر المألوف. أما الأتون الذي أشيد بذكره فهو أتون متصل الحرارة من جنس (أتون هوفمان) الذي ينتفع بالحرارة المتولدة بشروطٍ لا خسارة فيها. هذا الأتون يتركب من دهليزين مستقيمين متوازيين يجتمعان عند طرفيهما بدهاليز مستديرة وهو يختلف عن أتون هوفمان بهذه المزية وهو أن هذا الدهليز المتصل هو غير معقودٍ ووجهه مفتوح من جهة السماء. ولهذا الأتون كما لذاك الموقد أضلاع في الجانب وحجرة لدخان الوسط تكون بين الدهليزين ومدخنة. ويدخل الوقود من الخارج رأساً ويوضع في ثقوب قائمة مخروقة في كومة الآجر المعدة للطبخ صنعت لهذه الغاية. وفي هذا الأتون كما في أتون هوفمان

стр. 991

تغطى هذه الثقوب بحب (براقود أو كما يقول المصريون بزير) من الآهين (أي من حديد الصب يوضع ويرفع على إرادة العامل. والنار نتمشى رويداً رويداً على طول الدهاليز فتمر بالآجر وتتصرف فيه تصرف الطبخ متنقلة فيه من حالة إلى حالة حتى يبلغ أقصاه. ولما لم يكن في الموقد عقد فملؤه وتفريغه يكون رأساً على أسهل ما يطلب في هذا السبيل ولكون هذا الأمر يجري من وجه الدهليز الأعلى المكشوف يبقى هذا الترتيب ممتازاً على سواه لأنه يبين بنوع حسن سير الإحراق والطبخ. ومن منافع هذا الموقد أنه ما عدا كونه يشوي الطاباق شياً منتظماً وعلى وتيرة واحدة هو قليل المصرف والنفقات في أول بنائه لما في نظامه من البساطة وتوخي الغاية المطلوبة. ويبلغ طول هذا الدهليز ٦٠ متراً وعرض قطعة مترين وسمكه مترين أيضاً وإذا تم بناء هذا الأتون على هذه الصورة فأنه يعطي في اليوم ١٠. ٠٠٠ آجرة. وتختلف كمية الوقود اختلافا عظيماً باختلاف أنواع تربة الطاباق. فاتون هوفمان ينفق من ٢٥ إلى ١٥٠ كيلواً من الفحم الحجري لألف آجرة حجمها ٢٥ - ١٢ - ٦ وأما أتوننا الذي هو صنف أتون هوفمان فلا يأكل من الفحم أكثر منه. وهذا النوع قد أنشئ حديثاً فأتخذ في ديار مصر منذ بضع سنوات وقد جاء بنتاج عجيب. وبناء هذا الموقد مع جميع ملحقاته يكلف نحو ٦٠٠ ليرة عثمانية. ويباع طن الفحم الحجري (الوارد من نيوكاستل) في بغداد بثلاث ليرات وينفق لألف آجرة ٤٥ قرشاً ذهبياً صحيحاً. وأما في مصر فثمن الطن ١٤٥ قرشاً ذهبياً صحيحاً. وينفق على ملئ الأتون وتفريغه لألف آجرة ١٢ قرشاً ذهبياً صحيحاً وهو يسع كل مرة ١٠. ٠٠٠ طاباقة ويمد ناره بالوقود ثلاثة عمال يدفع لكل منهم في اليوم ٧ غروش صحيحة أي ينفق غرشان صحيحان على كل ألف آجرة. وسوف نأتي في جزء آخر بما يتم هذا البحث ويفيد القراء والله الموفق. أ. ب.

стр. 992

العرائف ١ - توطئة جاءت لفظة العرائف بمعانٍ شتى في لغة أهل نجد الحاليين. فنحن نذكر هنا أهمها ثم نذكر في الآخر المعنى الذي عقدنا له هذا البحث فنقول: العرائف جمع عرافة بكسر الأول ويراد بها أولاً: ما يعرف به الشيء أي يعلم به بعد ضياعه أو فقده فيشمل الضالة والذاهبة والضائعة والمسروقة والمبطوحة والعبد الآبق والبعير الشارد وغيرها. وإذا عرف الرجل ماله الضائع فوجده عند رجل آخر أو عند قوم غير قومه أطلق على ذلك المال اسم (العرافة) باسم المصدر فيقول صاحبه والمطالب به (عرافتي كذا (أي مالي المفقود الذي وجد الآن هو) عند فلان. ومنهم من لا يطلق على الأشياء المفقودة اسم العرافة إلا بعد المطالبة بها أو حين الشروع بالمطالبة. ومنهم من يطلقها عليها حين العرف بها (أي حين العلم بها). فإذا قيل مثلاً: الشيء الفلاني عرافة فهم السامعون أن

стр. 993

الشيء الفلاني الضائع قد صار إلى غير صاحبه أو قد وجد عنده وهو لغيره. وسواء كان حافظ المفقود رجلاً واحداً أو قوماً. لأن المشروط في العرافة أن يكون الشيء منتقلاً إلى آخر بغير طريق مشروعة عندهم لأن المشروعات عندهم هي البيع والشراء والمبادلة والكسب وغارة الضحى وما شاكل ذلك في الغزوات من أخذ وسلب وغيرها. والعرافة عندنا هي غير العارفة؛ لأنك رأيت ما تريد بالأولى فأما العارفة فهو عندنا وعند أهل البادية جميعاً بمنزلة القاضي عند المتحضرة. وسمي بالعارفة على وزن فاعل مع تاء في الآخر وهي تاء المبالغة كالراوية لا تاء التأنيث لأنه يعرف المتحاكمين إليه بالحق ويحكم به أو لأنهم يعرفهم بحق كل واحدٍ منهم حينما ارتضوه حكماً لهم. وكان الأقدمون من العرب يسمونه الحاكم. وهو مشتق من الحكم لا من الحكمة كما يتوهمه قوم من الكتاب ومنهم أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة والأقرع بن حابس وعامر بن الظرب وهاشم بن عبد مناف وعبد المطلب بن هاشم وغيرهم. وإذا علمت ما هي العرافة فاعلم الآن أنه يجوز عليها القرع. أما القرع عندنا فهو عبارة عن التنبيه والإخطار أو بعبارة أخرى هو أن ينبه صاحب الضائعة لمن عنده حينما عرفها أنها له فيقول: إن عرافتي الفلانية هي عند فلان بن فلان أو عند العرب الفلانيين أو في المحل الفلاني وهي (مقروعة أو مقروع عليها أو مقروعة عليه). وله وجه فصيح في اللغة من قرع السهم القرطاس إذا أصابه؛ لأن الإنسان إذا أصاب شيئاً مطلق الحرية بسهم من سهامه أخذه له فكيف لا يأخذه وهو له في الأصل. ولهذا لا يجوز للرجل أن يبيع العرافة أو المقروعة

стр. 994

كما لا يجوز لأحد أن يشتريها إلى أن تنتهي المحاكمة. فإن باعها خسر ثمنها أو ما يقابلها ودفعه إلى صاحبها الأول. ويجوز لصاحبها بعد القرع أي بعد التنبيه أن يأخذها أن وجدها عند آخر وهو الذي وجدت عنده أخيراً. أما هذا صاحبها الأخير فله حق استرجاع ثمنها من صاحبها الغير الشرعي وهو الذي وصلت منه إليه (وعلى تعبيرهم: الذي درجت منه إليه). وأما إذا انتهت المحاكمة بعد القرع فأن أثبت المدعي إنها له أخذها منه ودفع صاحبها إلى أن يتتبع الذي وجدت عنده أن كانت درجت إليه من أحد. فإن لم يثبت أنها له سقط القرع وجاز لذاك التصرف فيها. ولهذا البحث فروع كثيرة يطول ذكرها وليس هذا محلها. ولكن هناك شيئاً وهو هل يجوز القرع على من وجدت عنده العرافة (الضائعة أو نحوها) إذا كان من أعراب أو من قبيلة معادية لقبيلة القارع أم لا؟ - قلنا: إن بعضهم لا يجوز القرع في مثل هذا المقام وسببه أن القرع لا يتمشى حكمه على العدو؛ لكن إذا تم الصلح بين القبيلتين وكان قد أشترط رد العرائف أرجعت في أبان الصلح. هذا إذا لم تكن قد انتقلت (وبتعبيرهم إذا لم تكن قد درجت) من عند من

стр. 995

علمت أنها عنده ببيع أو شراء أو مبادلة أو ضياع قبل الصلح. أما إذا كانت قد درجت إلى آخر في حين عداوتهم فالقرع يسقط عن ذلك الرجل. فإذا صار الصلح فما لم يكن قد وقع عليه شرط رد العرائف لا يعاد. والعكس بالعكس، أي إذا درجت إلى آخر وهم في حين المحاربة لا يشملها شرط إرجاع العرائف في أبان الصلح كما تقدم بيانه ويجوز القرع بعد الصلح أن لم يعلم بالعرافة إلا بعد الصلح فقط. وقد جوز البعض الآخر القرع في حين العداوة وذلك أن كانت العرافة قد درجت إلى من وجدت عنده قبل حدوث العداوة (أي في زمن الصلح) ثم نشأت بعد ذلك فنشبت المحاربة جاز لصاحبها أن يقرعها ويشهد على ذلك شهوداً. فإذا تم الصلح طالب بها أن أراد وخاصم مناوئه عليها إذ تجرى عليها الشروط المتقدم ذكرها بتمامها بدون أن يثلم منها حرف واحد. أما المحاكمة فتجرى عند القاضي أن كان المتخاصمون في المدن، أو عند الأمير إن كان حولهم أمير، أو عند العارفة أن كان هناك عارفة. وإن أصدر أحد هؤلاء المحكمين أمراً فلا يجوز لأحد تغييره أو الجري بخلاف ما قضى. بقي علينا هنا أن نذكر أمر المغصوبة وهل تعد عرافة وهي يقدر صاحبها أن يسترجعها أم لا؟ قلنا: إن بعضهم ينفي ذلك لأن حكم المغصوبة داخل في حكم الغنيمة ولهذا تسمى باسم المغصوبة حين المطالبة بها أو حين المحاكمة. وبعضهم يعد الاغتصاب كاللصوصية داخلاً في الطرق الغير المشروعة عندهم ولهذا يطلق عليها اسم (عرافة) والقائلون بهذا القول أقرب إلى الحق منه إلى خلافه. وهذا ما يظهر لك صدقه من سرد حادثة العرائف الذين نعقد لهم هذا الباب. وقد ضربنا صفحاً عن أشياء كثيرة يطول ذكرها كمنفعة العرافة في عهد من عرفت عنده كما لو كانت مثلاً جواداً أو هجيناً فغزا به وغنم فهل يرجع الغنم إلى صاحبه الأصلي أم إلى من غزا به؟ أم هل يكون لصاحبه الأصيل الربع أم لا؟ وما حقوق العارفة وكيف تجرى على من حفظها وعلى أي وجه

стр. 996

تجرى المحاكمة وكيف تكون الإيمان والشهود والاستشهاد وغيرها من الاصطلاحات المعروفة عندهم من سابق العهد وهي كلها غير مدونة في الكتب والمؤلفات أن قديمة وأن حديثة وإنما تناقلوها خلفاً عن سلفٍ منذ العهد العهيد. أما العرائف الذين قد أرصدنا لهم هذه الأسطر فهم رجال يعرفون لهذا الاسم من أمراء نجد ويعرف واحدهم باسم (عرافة). وإنما سموا بهذا الاسم للحروب التي حدثت بين أمراء نجد في القرن الأخير. وقد استطار هذا الاسم في جزيرة العرب كلها حتى إنك إذا حللت قوماً أو نزلت داراً أو دخلت عمرة (ندوة) وسمعت لفظة العرائف فأعلم أنه لا يراد بها إلا هؤلاء الأمراء الآتي ذكرهم. فإذا حفظت كل ذلك نقول: ٢ - العرائف بمعنى جماعة من أمراء نجد لما تضعضعت أركان دولة آل سعود في نجد وأفضت بعد وفاة الإمام فيصل سنة ١٢٨٢. (١٨٦٥م) إلى أولاده الثلاثة: عبد الله وسعود (وقد توفيا) وعبد الرحمن الفيصل (وهو حي يرزق إلى اليوم) حدث بينهم شقاق أنتج حروباً كثيرة متتالية أضرت الجميع. وفي أثناء تلك المعارك كان الأمير محمد ابن الرشيد يغتنم الفرص كلما سنحت له ليوسع أملاكه فساعده الحظ والجد على أن تعنو له نجد كلها وذلك بين سنة ١٢٩٧ وسنة ١٣٠٨. (بين سنة ١٨٧٩ وسنة ١٨٩٠م) وكان قبل هذا العهد قد وقع بين سعود الفيصل وقائع جمة توفي في أثنائها سعود فقام أحفاده محمد وعبد العزيز وسعدون وخرجوا على عمهم عبد الله الفيصل وأذاقوه الأمرين فأستنجد بالأمير محمد ابن الرشيد فسار بجيش لهام وزحف به عليهم وأخرجهم من الرياض وبعد أن مات البعض ألقى القبض على الباقين وعلى أولادهم وسجنهم في (حائل) مقر إمارته إلى أن توفي سنة ١٣١٥ فخلفه الأمير ابن أخيه وهو عبد العزيز به متعب الرشيد. وفي أيامه وقعت تلك الفتن فأطلق سراح الباقين مع أولادهم. ومن ذلك العهد لقبوا بالعرائف لأن قضيتهم والفصل فيها يشبهان قضية وفصل العرافة التي مر بنا ذكرها. ولما أطلق سراحهم أستقبلهم عبد العزيز باشا السعود بالسرور والأكارم ورحب بهم كل الترحيب فلم يقيموا عنده سوى عامين ثم قاموا بما قاموا به فهاجوا

стр. 997

وماجوا في ديار نجد وعشائرها وأثاروا حروبا وفتناً أضرت كثيراً من سكان نجد. وبما أنهم لم يثبتوا بين يدي الأمير عبد العزيز السعود لجأوا أخيراً إلى أمير مكة ونفثوا في صدره أنهم يضمون ديار نجد كله إليه (كذا) أن هو مالأهم على ما ينوونه. ولكن هذا لا يقع! ولعلنا نبحث في عدد آخر عن أسباب ذلك وما نجم أو ينجم عنه وعن الحالة الحاضرة وبالله التوفيق. صاحب الرياض ومجلة الحياة سليمان الدخيل باب المكاتبة والمذاكرة رحلة الأب لويس شيخو من بيروت إلى الهند بعث إلينا أحد الأصدقاء بالعدد الثاني من مجلة المشرق لسنتها ١٦ وقال لنا: أرجوكم أن تطالعوا بتدبر ما كتبه حضرة الأب لويس شيخو عن دار السلام وتوقفونا على منزلة كلامه من الحقيقة في رحلته إلى حاضرتكم وعلى مطابقته للصحة. قلنا: في ما كتبه الأب شيخو الغث والسمين، القض والقضيض، على أن الأوهام، تغلب على ما فيه من حقائق الكلام. وفي رحلته من أولها إلى آخرها من تقديم وتأخير في الحوادث ما يقضي منه الأديب العجب العجيب إذ يذكر فيها أموراً لم تجر إلا في هذه الأيام، وهو قد سردها كأنها جرت قبل بضعة أعوام. وربما ذكر أشياء لا مناسبة بينها وبين رحلته مثلاً ذكره آثار القادسية المبنية على دجيل فأنه يقول (إن الكلك تحدر به سريعاً من سر من رأى إلى بغداد) فكيف أمكنه أن يرى هذه المدينة القديمة الراكبة على نهر دجيل. ومدينة أوبي وبلد وحربي وغيرها. فلا جرم أنه رأى كل هذه المواقع في الكتب التي تبحث عن هذه الديار فأغتنم فرصة سفره في هذه الأرجاء ليكتب عنها ما كتب؛ ومما يشهد على أنه لم يزر تلك المدن العتيقة قوله في ص ٦٦: (وبين سرى من رأى وبغداد نحو ١٤٠ كيلومتراً على دجلة قطعناها في اليوم الثالث من سفرنا إلى الموصل.) ومن أوهامه في رحلته هذه إلى بغداد قوله في ص ١٤٣: ويزورون مقامه (أي يزور المسلمون السنيون مقام الإمام الأعظم). كل يوم سبت. والمشهور أنهم يزورونه نهار الجمعة. - وذكر في ص ١٤٣ صاحب مجلة العلم باسم الشيخ

стр. 998

هبة الله الشهرستاني والأصح السيد هبة الدين الشهرستاني. - وقال في تلك ص: فبقينا نحو الساعة ننتظر مرورهم (أي مرور الشيعة) ريثما يزاح الجسر. وجسر بغداد لا يزاح بل يقطع. - وقال في تلك ذاكراً عمارات الفرس (أي ملابيس رؤوسهم) (وعلى رؤوسهم القلانس والالباد). ففهمنا أن القلانس تلبس فوق الرؤوس لكن لم نفهم كيف الألباد تلبس كالقلانس. وقال في ص١٤٤: نمشي تارة في ظل النخيل المائسة سعوفها في الفضاء وتارة على مقربة من قصور المثرين من البغاددة والمزارات المصفحة بالصيني والكاشاني. قلنا: نحن لا نعرف في بغداد مزارات مصفحة بالصيني ولا بالقاشاني وإنما يوجد بعض المآذن مبنية الخارج بالقاشاني لا غير فأين هذا من ذاك. وهل يجهل أن الصيني أو الفغفوري أي لا وجود له في بغداد وأنه يكلف أثماناً باهظة لبناء جزء زهيد من الجدار فما قولك في عدة مزارات؟ ووصف في ص ١٤٤ صنع القفة على خلاف ما هو متعارف عندنا فليقابل كل أديب ما كتبه حضرته في هذا الصدد بما كتبناه في هذا المعنى وليحكم بين الأمرين ليرى من المصيب في وصفه. - ثم أنه شبه القفة (بدنية القضاة) والحال أنك تعلم أن الدنية قلنسوة تشبه الدن وهو الراقود أو الحب الذي له عسعس لا يقعد إلا أن يحفر له أو بعبارة أخرى: هي قلنسوة لها طرف دقيق ذاهب في الهواء بخلاف شكل القفة التي هي مبطوحة الأسفل فالقفة كالكلمة لا كالدنية. - وقال: وكان نائبه (أي نائب رئيس الكرمليين الأب بيار المنتمي إلى أم الله.) والصحيح أنه لم يكن نائبه وقتئذ ولا بعده - وفي الصفحة المقابلة للصفحة ١٤٤ نشر صورة كتب عنها أنها: (كنيسة الآباء الكرمليين ومدرستهم في بغداد) والحال: ليست هي صورة كنيستنا ولا صورة مدرستنا فكيف يمكن بعد هذا أن يعتمد على ما يكتبه الأب ولا سيما عما هو وراء هذه الأزمان ووراء ما شاهده بعينيه. والمعلوم أن الصورة التي ينقلها الرحالة في سياحته يأخذها بنفسه وتكون بمنزلة حجة بيده عما رآه بذاته. والحال أننا نراه هنا قد نقل صورة

стр. 999

من الصور التي طبعتها مجلة انتشار الأيمان في ليون سهواً ونسبتها إلى بلدتنا وهي صورة كنيسة ومدرسة لرهباننا في بلدة من ديار الشام لا في دار السلام. فليحكم القارئ بعد ذلك بمنزل التحقيق حضرة الأب الأكرم. - وقال في ص ١٤٦: ويبلغ عدد النصارى غير الكاثوليك نحو ٣٠٠٠ أكثرهم أرمن غريغوريون والحقيقة أنهم لم يكونوا يومئذ أكثر من سبعمائة. وقدر عدد النصارى في سنة زيارته بغداد بين ١٠. ٠٠٠ إلى ١٢. ٠٠٠ ألف والحال كانوا يومئذ بين سبعة آلاف وثمانية آلاف ولا تزد على هذا العدد واحداً أن أردت المبالغة. - وقدر سكان بغداد ١٦٠. ٠٠٠ من السكان والمعلوم إنهم كانوا يومئذٍ ٢٠٠. ٠٠٠. - ونسب إلى راهبات التقدمة: مأوى للغرباء ومستوصفاً ومستشفى وغير ذلك وكلها ليست لهن. - وذكر أن معنى أسم بغداد هو (هبة الله) والحال أن العلماء غير متفقين على هذا التأويل. كما رأيت في هذا العدد، فكان يحسن به أن يضع تأويله موضع الشك. - وذكر في ص ١٤٧ كلام ابن المعتز في ذم بغداد فقال: حيطانها تروز (كذا)، وتشرينها تموز.) قلنا ما معنى تروز؟ فهو كثيراً ما ينقل نصوص الكتاب مع ما فيها من الخطأ ولا يهمه تصحيحه أو التنبيه على غلطها. فتروز لا معنى لها. وإنما هي دروز جمع درز وهو من درز الخياط الثوب درزاً: إذا خاطه خياطة متلزرة في الغاية.) كان ابن المعتز يقول أن حيطان بغداد غير مبنية ولا تستحق اسم البناء وإنما هي مخيطة خياطة لضعفها - وقال في ص ١٤٧ ثم توفر عدد سكان بغداد (في عهد العباسيين) حتى ضاقت ضفة دجلة الشمالية (كذا) عن إيوانها فجعل الناس يبنون على ضفتها اليمنى مدينة عرفت بالكرخ (كذا) وكان يجدر بحضرته قبل التصدي للكتابة أن يطالع ما كتبه المؤرخون عن بغداد لكي لا يخطأ هذا الخطأ الجسيم. لأن أول ما بنى من بغداد كان في الكرخ أي في ضفة دجلة اليمنى ثم لما كثر الخلق بنيت الرصافة وهو الجانب الأيسر من المدينة. - وذكر في تلك الصفحة بقايا ما شيده العباسيون فقال: أما الآثار الباقية من تلك القرون فقليلة منها بقايا القلعة القديمة (كذا) وفيها المطبق أي السجن الذي كان تحت الأرض كانوا يجعلون فيه أصحاب الجنايات الكبرى فيثملون بهم (كذا بتقديم الثاء على الميم) أو يقتلونهم جوعاً). اهـ قلنا: لم يذهب أحد إلى أن ما يشير إليه من بقايا القلعة القديمة وأن فيها كان المطبق

стр. 1000

فهذا كله حديث خرافة وإنما المظنون بهذا الطلل أنه من بقايا أحد قصور العباسيين على دجلة لا غير. - وذكر من أبنية عصر العباسيين (جامع الخاصكي) هو أمر مضحك إذ هو حديث البناء ولعل الاسم هو الذي ساقه إلى هذا الوهم والأصح أن معمره هو محمد باشا الخاصكي والي ايالة بغداد سابقاً وكان قد تولى أمرها من سنة ١٠٦٧ إلى سنة ١٠٦٩هـ وكان قبل ذلك بيعة للمرسلين الكبوشيين. - وذكر بين أبنية العباسيين بعض الخانات كخانة عرتمة) (كذا) قلنا: ليس في بلدتنا خان واحد من عهد العباسيين. أما (خان اورتمة) لا عرتمة فهو من عهد مرجان الشهير لا غير - وذكر بين الأبنية العباسية (مشاهد ومدافن أشهرها مدفن السيدة زبيدة) قلنا: (مدفن الست زبيدة) (لا السيدة زبيدة) حديث البناء وليس من عهد العباسيين كما توهمه حضرته. وبعد أن ذكر الأبنية تصدى في ص ١٤٨ بعض من استولى على بغداد فقال: (إلى أن استولى عليها أمراء الترك المعروفون بكراكويولي) (كذا) وقد بحثنا في ما بين أيدينا من الأسفار لنرى من هم هؤلاء الذي يشير إليهم ففهمنا في الآخر أنه يريد الأمراء المعروفين باسم (قره قوبونلي) فأين هذا من ذاك؟ - ثم تقدم إلى ذكر الآثار الباقية من عهد فتح المغول لبغداد فقال: (والآثار الباقية من بعد فتح المغول لبغداد ليست من المحاسن على شيء (كذا) (أي في شيء) إلا بعضها كمسجد الإمام موسى الكاظم السابق ذكره ومسجد السيد سلطان علي ومسجد الشيخ عمر) قلنا: كل ما ذكره ليس من عهد المغول في شيء وإنما هو من أعصر مختلفة بل حديث البناء - وذكر مدارس بغداد ثم قال: (ومدرسة الطوائف الكاثوليكية للكلدان والسريان والأرمن المعروفة بمدرسة الترقي الكاثوليكي.) (كذا) وليس في بغداد مدرسة بهذا الاسم؛ إنما كان مكتب باسم الاتفاق الكاثوليكي لكنه لم يكن في عهده إذ انحلت عراه قبل مجيئه بسنواتٍ. ثم تطرق إلى ذكر أبنية بغداد ووصفها فقال في ص ١٤٩: ومنازلهم ذات طبقة واحدة سفلى يبنوها بالطين والكلس إلا دور الوجوه والأعيان فأنها أشبه ببيوت أهل الشام). قلنا: إننا لا نعلم بوجود بيوت في بغداد مبنية بالطين والكلس. ولا جرم أن حضرته رأى في أسبوع واحد ما لم نره نحن طول حياتنا

стр. 1001

فأكرم به من سائح رائد وفاحص مدقق!!! ثم سرد أسماء بعض الأعلام من مدن ورجال فقال في أسماء المدن: نيفار والأصح نفر؛ وأبي هبة أو لبيار والأصح أبو حبة أو سبارة؛ وبرز والأصح برس والخمر والأصح والخضر؛ ولرسام والأصح ولارسا؛ ومغير والأصح (والمقير) بتشديد الياء. إلى آخر ما هناك من أغلاط الأسماء. - وذكر بين أعلام الرجال: نجيب أفندي شيحا وقال عنه أنه (نسيب حبيب أفندي شيحا) والحال أنه ابنه. وهو لم يكن في بغداد لما كان حضرته فيها. بل كان قد غاب عنها قبل بضع سنين ولم يأتها بعد ذلك فكيف ذكره بأنه (حظي بمعرفته) كما قال. فهذا من أغرب الغرائب، بل من خوارق العجائب. هذا مجمل ما رأيناه من الأوهام في رحلة الأب لويس شيخو اليسوعي إلى بغداد فقط. فما القول في الرحلة كلها؟ بل وما القول في ما يكتب عن تواريخ الأجيال المنقرضة والقرون الخالية؟ وما عسى أن تكون منزلة ما يكتبه مثلا عن قبائل العرب وما يتعلق بأديانهم؟ فلا جرم أن الأغلاط تكال حينئذ كيلا ولا تقال قولا. وبهذا القدر كفاية لمن يريد أن يقف على مكانة مؤلفات حضرة الأب ونحن لم نتعرض لما في عبارته من الأغلاط الجمة التي تزيد كلامه غموضاً وخفاءً لأن ذلك يجرنا إلى تطويل أذيال المقال، إلى ما لا يسعنا فيه المجال. فاكتفينا بالإشارة إذ (إن اللبيب من الإشارة يفهم) فوائد لغوية زقنبوت! سألنا أحدهم: ما معنى زقنبوت ومن أي لغة هي؟ قلنا: هذه اللفظة كثيرة الشيوع على ألسنة العوام وضبطها بفتح الزاي وسكون القاف وفتح النون وضم الباء بعدها واو ساكنة ثم ياء مبسوطة ويقولونها للآكل إذا دعوا عليه. وإذا عطفوا عليها مرادفا قالوا: زقوم. أما

стр. 1002

معنى زقوم فمشهور وقد ذكره اللغويون في كتبهم فلتراجع للفظة في مظانها. وأما زقنبوت فلم يذكرها. وقد ذهب الأدباء في معانيها مذاهب شتى فمنهم من قال إنها مصحفة عن (ذق نبوت) والنبوت بلسان الشاميين هو الدبوس (أو الطبوس) بلسان أهل بغداد فيكون محصلها: (ذق أو كل خشبة) وقد اشتقوا منها فعلاً فقالوا: زقنبه (فتزقنب) أي أطعمه طعاماً سيئ المغبة فأكله فتضرر منه. لكني سمعت بعض الأعراب من أهل البادية يقول: الزقنبوت دويبة إذا وقعت في العشب الذي تأكله نفختها أو سممتها وربما قتلتها وسمعت كردياً يقول الزقنبوت تسمى عندنا الزقنبورت (بياء مثلثة فارسية وواو ساكنة ثم راء ساكنة) هي دوبية كالخنفسة الصغيرة تكون في العشب فإذا أكلته الدواب سممتها. وجاء في كتاب الهدية الحميدية، في اللغة الكردية، تأليف الشيخ يوسف ضياء الدين باشا الخالدي المطبوع في الآستانة سنة ١٣١٠ ص ١٢٩: زقنبورت. يقال (زقنبورت خوار) أي أكل لا هنيئاً ولا مريئا. قلنا: واسم هذه الدويبة بالفرنجية الفصيحة وباللغة العامية وهي من رتبة الغمدية الأجنحة الخماسية المفاصل من فصيلة المسننة القرون وهي رأس قبيلة (الزقانب) وهذه الهوام لا تستطيع القفز لأن قوائمها قصيرة ولها عيون ملوزة. وهذا الجنس يشمل نحو ١٥٠ نوعاً وهي كثيرة الوجود في ولاية بغداد والبصرة والموصل لاسيما في البصرة فإنها أكثر وألوانها حارة زاهية متموجة وقد سميت بهذا الاسم الإفرنجي (ومعناه نافخة البقر من اليونانية لأنهم توهموا فيها ما قاله بلينوس عنها (في ٤: ٣٠) إنها تنفخ بطون البقر عند ابتلاعها إياها في مراعيها. لكنهم عرفوا اليوم أن التي يشير إليها بلينوس المذكور هي من جنس المحرقة على الأرجح. - ومن هذا كله يظهر أن معنى زقنبوت: عسى أن يكون أكلك هذا سبباً لموتك! ولهذا تسمعهم يقولون أيضا: (سم وزقنبوت) أو (وجع وسم وزقنبوت) أو (زقنبوت وموت) وكان فصحاء العرب يقولون في هذا المعنى: أغصك الله وأشجاك! وكل ذلك لا يليق أن يتلفظ به الأدباء. . وكفى ردعاً للعاقل أن يقال أن هذه العبارات من كلام القليلي الأدب!

стр. 1003

باب المشارفة والانتقاد ١ - شمس المعارف صحيفة عربية علمية أدبية تاريخية فكاهية أسبوعية مؤقتة (كذا) أي مؤقتاً ظهر عددها الأول في ٢٥ نيسان من هذه السنة بأربع قوائم لصاحبها ومحررها ومديرها إبراهيم صالح شكر واشتراكها في السنة عن ٥٠ نسخة ٢٠ غرشاً صحيحاً وثمن النسخة ١٠ بارات وهي تطبع في مطبعة الشابندر. ٢ - تاريخ كلدو وآثور تأليف أدى شير رئيس أساقفة سعرد الكلداني الأثوري الجزء الأول طبع في المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة ١٩١٢ في ١٨٥ صفحة بقطع الثمن المتوسط. من العجب أن الأجانب يعنون بتاريخ بلادنا ولغتنا وأدبائنا وشؤوننا على اختلاف أنواعها ولا يقوم واحد بين ظهرانينا فيجاري هؤلاء الأغراب في تتبع خطواتهم والجري على آثارهم. هذه بلاد السواد من أقدم ديار الله تاريخاً وأفيدها عبرة للعاقل المتبصر فقد بقيت بدون سفر عربي يسفر عن ماضي تاريخها ومنقرضات أجيالها حتى قام السيد أدي شير فوضع هذا الكتاب الجليل وهو يحوي تاريخ ديار كلدة وأشور منذ أول عهدها إلى عصر ظهور ملوك الطوائف التي ظهرت بعد وفاة الإسكندر بقليل وقد أضاف إليه المؤلف حرسه الله في آخر هذا التصنيف مصور هذه الديار فجاءت الفائدة جليلة وافية بالمقصود. على إننا نأخذ على سيادته بعض أمور منها: ١ - إنه سمى كتابه (تاريخ كلدو وآثور). وكلدو غربية هنا. وإن قال لنا أنه كتب أغلب أسماء الأعلام. (وفي الأصل العلم وهو خطأ) على صورتها الأصلية (ص زين أي ٧) فكان يجب أن يقول آثور بل أشور لأن آثور من تعريب العرب فلذا كان الأحسن أن يجمع بين المعربين ويقول مثلاً (تاريخ كلدة وآثور) جريا على المعرب لأن كلدو هو كلدة بالعربية وهو اسم شيخ عربي مؤسس دولة الكلدان. ثم إذا كان آثور هو الاسم القديم الحقيقي (وهي ليس كذلك) فلماذا قال في تضاعيف

стр. 1004

مباحثه اسوربنيبال واسوردان واسورتيراي ونحوها فكان يحسن به أن يجري على وجه واحد تبعاً لمبدأه وإلا فالتمسك بالأشهر آنس وأبين. ٢ - قال في (ص دالث) أن سكان الجزيرة وآثور والعراق على اختلاف مذاهبهم (من يهود ونصارى ومسلمين ويزيدية وغيرهم) هم كلدان آثوريين جنساً ووطناً وقد دعوتهم كلداناً آثوريين لأن هذين الشعبين هما في الأصل شعب واحد نظراً إلى الديانة والعوائد والشرائع والآداب والصنائع) اهـ بحرفه. فنقول لسيادته: ليس من شأن الديانة والعوائد والشرائع والآداب والصنائع توحيد الشعوب وإنما وحدة الشعوب راجعة إلى وحدة العنصر وإلى الجد الأكبر؛ والحال قد قام في العراق قبل الكلدان وبعدهم أقوام أجداد مختلفة وعناصر شتى من عيلاميين وماذبين وعرب ورومان ويونان وبرث وغيرهم فكيف يجوز له أن يقول هذا القول الذي لا يذهب إليه اليوم عالم من علماء البحث الإثبات فهل في حفظه من ذكر هذا الرأي؟ وإن كان يوجد من يذهب إليه فقوله قائم على قائمة نخرة وإلا فليس اليوم على الأرض كلداني أو آشوري واحد صادق النسب ينتمي إلى أولئك الكلدان الأقدمين الحقيقيين فكيف القول بوجود قوم يعرفون بهذا الاسم. لا جرم أن التاريخ يزيف هذا القول بدون أن تعارضه حجة ثبت. ٣ - وقال في تلك الصفحة: وترى الكلدان أنفسهم ولا سيما الذين يسكنون المدن كالبصرة وبغداد وكركوك الموصل وديار بكر وغيرها عوضا عن أن يجتهدوا بدرس (كذا أي في درس) لغة أجدادهم الشريفة وأحكام آدابها فهم يحتقرونها ويستهزئون بالقرويين والجبليين الذين لا يزالون إلى اليوم يتكلمون بها) اهـ. - قلنا: الغاية من اللغة التفاهم والتفاهم لا يكون مع الأموات بل مع الأحياء ولغة أحياء البلدان التي سماها هي العربية فمن الطبيعي أن يتعلموا ويتكلموا العربية لا الارمية. ثم أن أمر المعيشة يقدم على أمر التوغل في الأدب تبعا لكلام الأقدمين: (عليك بالتعيش قبل التفلسف وبلسانهم: فلو فرضنا أن العراقيين تعلموا الأرمية وأتقنوها فهل يستطيعون أن يتعيشوا بها؟ فلا يجب عليهم تعلم لغة يرتزقون بها قبل أن يوغلوا في إتقان لغة مماتة؟ نعم أن بعض القرويين والجبليين يتكلمون

стр. 1005

بها لأنهم جميعهم ينطقون بها فهي عندهم لغة حية لا مماتة وإلا فلو لم تكن لغة وطنهم لعافوها كما تعاف الأموات ولو كانوا أعزاء. ٤ - في الكتاب من الآراء الغريبة أن له وأن لغيره ما لا يقبلها العقل فقد ذكرنا شيئا من مذاهبه الخاصة به. ونحن نذكر هنا الآن ما ينقله من آراء الإفرنج العجيبة فأنه قال مثلاً ص١١ قال المسيو أوبير: (إنه يوجد في شمالي بغداد موقع (كذا أي ربض أو بليدة) يسمى موسى الكاظم (أي الكاظمية) يسكنه أناس هم من بقايا الكلدان (كذا. والجميع يعلمون أن اغلب سكان الكاظمية هم من أهل إيران وليسوا أبداً من عنصر الكلدان) لهم صنائع فائقة كالنقش والتطريز والصياغة وخصوصا الحفر على الحجر) اهـ. فانظر حرسك الله هل هذه من الأقوال التي يقبلها عقل آدمي. فهل كونها منسوبة إلى إفرنجي تجوز علينا نحن الذين نعرف من هم سكان الكاظمية. فالكتاب مشحون من مثل هذه الآراء وما ضاهاها نقلاً وأن تصنيفاً. ٥ - سمعته يقول أنه يروي الأعلام على صورتها الأصلية ثم أن استقريتها رأيتها بخلاف ذلك فأنه يقول مثلا كويسنجاق وإنما هي كوي سنجق. ويقول قوينجوق وإنما هي كوي أنجك أو أنجيك ومعناها قرية الأنجك أو الانجبيك والانجك قوم من التركمان احتلوا موضع نينوى القديمة في أواخر هذه الأزمان فسميت باسمهم. ويكرر عشرات وعشرات نهر (الأدهم) من الأنهر التي تصب في دجلة وإذا سألت عن هذا النهر لا ترى له ذكراً لا على الألسن ولا على مصورات البلاد ورسومها وإنما هو عظيم (وزان زبير) ولكن لما كان الإفرنج لا يستطيعون أن يصوروا هذا الاسم بحروف لغتهم إذ يكتبونه أدهم ظن أن الأدهم هو الاسم الحقيقي وليس الأمر كذلك (راجع لغة العرب ١٣٠: ٢) وهو يقول جبل قرجه طاغ. والأصح قره جه طاغ لأنها هكذا تكتب في أصلها التركي. والأعلام المشوهة كثيرة لا تحصى. ٦ - أما عبارة الكتاب فهي سهلة لا وعورة فيها لكنها كثيرة الأغلاط العربية من صرفية ونحوية ولغوية. فإنك لا تطالع صفحة منه إلا وتعثر بعدة أغلاط فقد قال في الصفحة الأولى: سبحان من خلق الإنسان (وغرز) فيه حبا لأبويه وذويه. ولو قال هنا (غرس) لكان أنسب للمقام. - وفيها: وهذا لا يمنعها

стр. 1006

(أي سبرطة وآثينة) من أن تكونا (ملة) واحدة والأصح (أمة) لا ملة فإن الواحدة غير الأخرى في العربية وإن كان الأتراك لا يرون فرقا بينهما. إذ شوهوا محاسن العربية تشويهاً شنيعاً وفيها: نرى اليعاقبة والسريان. . . يلقبون أنفسهم بالسريان الغربيين (كأنه) إنما من سوريا قد أتوا.) والأصح: (كأنهم) وفيها: عوضاً عن أن يجتهدوا (بدرس) لغة أجدادهم. والأصح يجتهدوا (في درس) إلى آخر ما هناك. إلا إننا مهما عددنا أغلاط هذا السفر الجليل فأنه يبقى معين علم يرده كل أديب ولا سيما من كان من أهل العراق. فسبحان من تنزه عن كل عيب ونقص. ٣ - كتاب الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية الجزء الثاني لمؤلفه محمد الحسين آل كاشف الغطاء النجفي طبع في مطبعة العرفان في صيداء سنة ١٣٣٠ (بقطع الثمن) هذا الجزء الثاني من الكتاب الذي أسلفنا الكلام عنه (في ٤٦٨: ٢) وقد صدر بصورة المؤلف يليها أبيات عنوانها (شعري وشعوري، وعواطفي، ولطايفي) فقد فهمنا الألفاظ الثلاثة الأولى وموطنها هناك لكن بقي على المؤلف أن يفهمنا معنى (لطايفي) في ذلك العنوان وموقعها هناك وسبب كتابة ما جاء على وزن مفاعل أو فواعل أو ما ضارع ذينك الوزنين بالياء لا بالهمزة مخالفاً في كتابته هذه جميع الأصول المقررة عند النحاة. ثم أننا لا نستحسن نظم الأشعار في حين لا حاجة إليها لا سيما في الأبحاث التي قد عني بنشرها فإذا زدت عليها ركاكتها وقلق ألفاظها كان من اللائق أن تحذف من الكتاب بتاتاً إذ ليس فيها من الشعر والشعور شيء سوى الاسم لا غير. فقد قال مثلاً في البيت الثاني: رأيتكم شتى الحزازات بينكم ... وما بينكم غير التضارب بالوهم فإضافة (شتى) إلى الحزازات في منتهى الركاكة لأن شتى لا تعرف (بال) ولا تضاف إلى ما بعدها. وقوله (التضارب بالوهم) من باب المجاز ضعيف غير مانوس. وفي البيت الخامس ما هذا حرفه: فأهديتكم بالود نصحي قائلا ... عليكم سلامي دايباً (كذا) ولكم سلمي وعندي أن (بالود نصحي) ضعيف وأن كان يجوز من باب زيادة الباء كما هو مشهور. وكتب (قائلا) بالهمزة مع أنه صور (دايباً) بالياء والأصح أن تصور بهمزة

стр. 1007

على الياء وذكر في تلك الصفحة (تلايم) (كذا) بمنزلة مصدر لتلاءم. والأصح أن يقال (تلاؤم) وفي ذلك الوجه غير هذه الأغلاط وذكرها يجرنا إلى ما لا طائل تحته ولا سيما لأننا لا نرى فيه سوى نظم فارغ بل أفرغ من فؤاد أم موسى ولا أثر للشعر فيه هذا عدا الأغلاط الكثيرة التي تنفر بوجهك في كل صفحة من صفحات هذا التصنيف فتثير السأم في صدرك، وتنفرك من إتمام المطالعة. وأما من جهة الموضوع فأن حضرة صديقنا ووطنينا أرصد هذا الجزء (للنبوة) في مطاوي البحث خرج عنها إلى مواضيع شتى ذكر فيها نتفاً من جميع العلوم العقلية والنقلية، الأصلية والفرعية، الطبيعية والغيبية، المعروفة والمجهولة، الغريبة والمألوفة، المسموعة والمنبوذة، حتى أن المطالع لا يأتي على صفحات منه إلا ويتصور أمامه فلك نوح عليه الصلوة والسلام الذي كان فيه زوج من أصناف جميع الحيوانات من طاهرة ومن نجسة. فما هكذا تؤلف الكتب. نعم أن أجدادنا العرب الأقدمين كانوا يجرون في هذه الطريق لقربهم من عهد نوح. وأما اليوم فأن القرآء يريدون أن يسيروا سريعاً راكبين أجنحة البخار أو وميض البرق أن تصنف الأسفار مفرغة في قالب متقن فلا تخرج عنه وأن مست الحاجة إلى العدول عنه يجعله الكاتب على منحاة من قارعة البحث ويعلقه حاشية وأنت ترى هنا أن الجري في الفروع المستطردة أكثر من الجري في الأصول التي وضع كتابه لها. ولهذا كان يحسن بالكاتب أن يذكر في المقدمة الغاية التي دفعته إلى وضع هذا الجزء الثاني ويختط فيها لنفسه الخطة التي يسير عليها بعد ذلك في تضاعيف الكتاب حتى لا يختلط عليه الحابل بالنابل وإلا فأن الأبحاث ضائعة في هذه الفيافي الواسعة الأكناف. ثم إن الدعوة إلى شيء لا تكون بتقبيح ما قد أغرم به الإنسان؛ بل تكون بذكر حسنات المرغب فيه ومزاياه الحسنى على ما سواه والحال أن الكاتب يعيب على البروتستان قحتهم وخشونة عبارتهم وهو يفوقهم في ذلك حتى كاد ينسينا كتابهم. أفهكذا تكون أوصاف الدعاة ولا سيما من يصنف في (الدعوة الإسلامية)؟ فنحن نتوقع أن يكون الجزء الثالث أوقع في النفس وأعلق بالقلب وافصح عبارة والطف إشارة وأوفى بالمراد وآنس للعباد بمنه تعالى وكرمه!

стр. 1008

٤ - قانون الولايات الموقت باللغتين التركية والعربية طبع في مطبعة الولاية بغداد سنة ١٣٣١ وبدله ٦٠ بارة. ٥ - سكك الحديد في تركية آسية (باللغة الفرنسوية) وهو بحث فني اقتصادي تأليف مصطفى إبراهيم بك دي كورتن طبع في باريس سنة ١٩١٠ بقطع الثمن. صديقنا مصطفى إبراهيم بك كاتب مقالة (أثار دخول الشرقيين أميركة قبل اكتشافها) هو من كتاب الشرق الكبار ومن عظماء المهندسين وقد أتقن الفرنسوية غاية الإتقان حتى أنه قضى سنين جمة يكاتب أعظم مجلات فرنسة وجرائدها وهو اليوم يشتغل بمنزلة مهندس في سكة بغداد ويقيم في سامراء وقد صنف كتيباً في سكك حديد ديار العثمانيين فأجاد وأفاد فنحث عارفي اللغة الفرنسوية أن يطالعوها ليقفوا على ما تدره هذه الطرق من الذهب الوهاج على الدولة وأهل الوطن. ٦ - الحسبة (البوليس) في مراكش (باللغة الفرنسوية) وهي رسالة في تاريخ هذه المسألة والمبادئ التي اتخذتها محاضرة الجزيرة ووافق عليها جلالة السلطان وفي البحث عن التنظيم المؤسس على هذه المبادئ تأليف مصطفى بك إبراهيم المذكور. طبع في طنجة سنة ١٩٠٦. وهو كتاب صغير الحجم جزيل النفع في الموضوع الذي ذكرناه وفي آخره معجم صغير باللغة الفرنسوية والإسبانية والعربية حاوٍ أهم الألفاظ العسكرية وهو معجم نفيس لأنه يحوي المصطلحات العلمية الفنية التي يغلط فيها أغلب كتاب العصر وهي مذكورة باللغة العربية المراكشية التي تحتاج إلى معرفتها كما تحتاج إلى معرفة سائر لغات ولغيات ديار العرب. والمؤلف ممن يعتمد عليه لمعرفة اللغات الثلاث المذكورة معرفة تامة. فنحث اللغويين والمحققين على اقتنائه. ٧ - يوسف حزايا (من كتبة السريان في القرن الثامن للمسيح) باللغة الفرنسوية تأليف السيد أدي شيرر رئيس أساقفة سعرد على الكلدان. طبع في باريس سنة ١٩٠٩. سيادة المطران أدي شير من أبناء الشرق المبرزين في لغت الشرق وتواريخه فضلاً عن معرفته بلغات الغرب وهو يعرف نحو ١٥ لغة ويؤلف في كثير منها وقد صنف بالعربية والكلدانية والفرنسوية والتركية والكردية واللاتينية وغيرها. وهذه النبذة التي نتكلم عنها هنا قد كتبها بالفرنسوية وتحوي ترجمة يوسف حزايا من

стр. 1009

مصنفي النساطرة الذي قال عنه يشوع النبي أنه ألف ١٩٠٠ رسالة. ومن راجع هذه الرسالة علم توغل السيد أدي شير العلامة في الأبحاث التاريخية الشرقية ووقوفه على أمور جمة لا يقف عليها عدة علماء معا. فنتمنى له أبعد النجاح مقروناً بالفلاح. ٨ - غراسة النخل في كليفرنية (في أميركة) (باللغة الإنكليزية) من قلم بولس ب. بوينوي في التادنا (كليفرنية) نبذة بالإنكليزية مع تصاوير شتى الإفرنج في سعي حثيث لا يعرف الملل والكلل في كل ما يرقى بلادهم علماً وأدباً ومادة. فهذا النخل الذي هو من أشجار الشرق خاصة بدأ ينمو في بلاد كليفرنية من ديار أميركة حتى أنه في قليل من الزمن فاق نخيل هذه البلاد مع أن تاله أخذ منها. إلا أن الإفرنج شرعوا يغرسونه بموجب أصول الفن ولهذا تراه قد أقبل عندهم إقبالاً ليس وراءه إقبال. وممن نبغ في تحسين غرسه ومداراته صديقنا الأديب بولس ب. بوينوي فأن نبذته التي ألفها في هذا الموضوع تدل على ما للعناية بالانبتة والأشجار من حسن التأثير على الأتاء. فنحث أبناء الشق أن يعنوا بأشجارهم عناية علمية فنية وإلا فأنهم يكونون في ذنابى الأقوام في جميع الأمور بدون شاذ. أبعد الله هذه الأحلام! تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره ١ - مطر شديد الوقع في بدرة في اليوم ٦ من نيسان أمطرت السماء مطراً مدراراً شديد الوقع في مركز قضاء بدرة (بادورايا) فخرب مقر الإمارة (الحكومة) وسقطت دار علي المبذرقة فمات منهم وسلم من بقى. وأما موظفو الإمارة فإنهم تفرقوا أيدي سبا. (عن رسالة خاصة). ٢ - طغيان الماء في لواء كربلاء كتب إلى الزهور أن الماء طغى فأحاط بأطراف اللواء فأقام الأهلون سدة محكمة لحفظ البيوت من الغرق ويقدر الضرر الناتج من طغيان الماء بأكثر من ١٥ ألف ليرة (كذا) والعهدة على الكاتب. ابن الرشيد وابن سويط بعد وقوع الواقعة بين عجمي السعدون زعيم المنتفق وبين عشيرة الضفير زحف

стр. 1010

الأمير ابن الرشيد على المعتدين فجاءه حمود ابن سويط رئيس عشيرة الضفير ومثل بين يديه واضعاً أموره تحت حكمه فقام ابن الرشيد ووعظه عظة كلها حكمة وأدب وأوجب عليه أن يرجع إلى طاعة زعيم المنتفق على ما كان عليه سابقاً فوقع ابن سويط على عجمي بك وقبل ركبتيه وتعهد له بأنه لا يخرج عن طاعته بل يسير معه كما سار قبلاً مع آبائه الأولين خادماً مطيعاً وعبداً مملوكاً (كذا) فقبله وشكر الأمير على إصلاحه ذات البين بين الطرفين فأصبح الضفير والمنتفق وابن الرشيد وابن السعود في ساحة واحدة إخوان صفاء واخدان وفاء. أدام الله الصلح بين الجميع! (ملخصة عن الرياض) وفي رواية للزهور أن قيم مقام السماوة سلتان بك سار لعقد عرى الصلح بين عجمي بك السعدون وبين الضفير مع القبائل التي ترجع إلى القبيلين فنجح في مسعاه وربط الشروط بأوراق ومحاضر ووافى بها إلى دار الإمارة. وقد أمنت الطرق ووردت السماوة حدرة (أي راكب) قوامها ألف وخمسمائة بعير لآل الرشيد للامتياز وهذا ما يدلك على رجوع الأمور إلى مجاريها. ٤ - استعفاء والي ولاية بغداد قبلت نظارة الداخلية استعفاء محمد زكي باشا وفي صباح الثلاثاء ١٣ أيار أشيع الخبر وتعين وكيلاً للولاية عمر لطفي أفندي معاون الوالي إلى قدوم الوالي الأصيل وقد سافر حضرته في ٢٢ أيار عن طريق حلب. ٥ - انتحار إنكليزي في بغداد أطلق المستر ماكنا (المعلم الأول في الباخرة مجيدية من شركة لنج) رصاصتين من مسدسه على نفسه فوقع يختبط بدمه نحو عصر نهار الاثنين ١٢ أيار ويقال أن السبب هو إنزاله عن رتبته إلى رتبة أدنى. ٦ - فتنة في ثغور إيران خولت الحكومة الإيرانية شركة إنكليزية امتياز مد خط حديدي من موضع قريب من (المحمرة) إلى (خرمة آباذ) في قلب لورستان. فأرسلت الشركة إلى موضع العمل طائفة من المهندسين للشروع بالاشتغال فداهمهم الأهالي وهجموا على الإنكليز فوقع قتال شديد بين القبيلين. وللحال اتقدت نيران الفتن في بندر عباس من ثغور خليج فارس إلا أن الدولة الإنكليزية أرسلت باخرة حربية إلى تلك المدينة وأنزلت فريقاً من نوتيتها في دار الجرى (القنصل) حفظا لرعاياها. فخمدت الفتنة بعد قليل. (عن المصباح) ٧ - الأمير ابن السعود قدم الحاضرة في أواخر نيسان أحد أتباع الأمير عبد العزيز باشا السعود، وأفادت الرسائل التي أتى بها من ديار نجد أن الباشا المشار إليه غزا عشائر متقومة من العرجانية والدواسر والمريسة حتى وصل لواء الإحساء بل أوغل في الأراضي العثمانية ولما شاهد أولو الأمر ذلك دهشوا من هذه الحادثة وكاد يحدث ما لا تحمد عقباه لولا أن تداركها الأمير بحكمته فأنفذ وفداً يتقدمه أحد أفاضل أسرته الكريمة وهو أحمد بك السعود إلى متصرف الإحساء

стр. 1011

نديم بك لمقابلته فأكد له حسن نيات الأمير وشدة غيرته على الجامعة الثمانية وارتباطه بعرش الخلافة فما كان من المتصرف إلا وأجابهم بالمثل ورحب بهم وأحسن وفادتهم وخلع على حاشية الأمير خلعاً فاخرة فخرجوا من عنده شاكرين إحسانه وهكذا انتهت الحادثة بسلام وبعد ذلك نزل الأمير بجيشه على (الخويرة) وهو موضع يبعد عن الإحساء ٣ ساعات ثم عرج على طريق (جودة) وهي ماء يبعد عن الإحساء يوماً ثم جاء بعد ذلك (الطوقية) وهي عين ماء تبعد عن (الإحساء) ٣ أيام؛ ثم نزل مباءة جيشه أو معسكره المقيم قرب (غدير الحاج) في (العريم) الذي يبعد عن (لرياض) خمسة أيام وهو هناك باق إلى اليوم. وفي نحو ٢٠ أيار شاع الخبر في بغداد أن ابن السعود أحتل الإحساء وطرد منها موظفيها الأتراك. ٨ - الأمير ابن الرشيد جاء في الأخبار الخاصة أن الأمير ابن الرشيد هجم بخيله ورجله على عشيرة الشرارات المخيمة في (الطويل) وهو يبعد عن (الجوف أو دومة الجندل) خمس ساعات وسلبها إبلها وخيلها وأدبها في المستقبل تأديباً لعلها يردعها عن العبث في الأرض وقد انضوت إلى رايته بعض العشائر، ونبه أتباعه على أن يسهروا على محافظة السكة الحديدية من أن تضرها القبائل المتمردة، وهو الآن نازل مع عشائر شمر ما بين العراق ونجد مترصداً بعض الأعراب من قطاع الطرق وشذاذ العشائر. ٩ - عشيرة عنزة هبطت قبائل عنزة ومن تابعها يقودها أميرها فهد بك الهذال أودية (الثميليات) لكثرة أعشابها وخصبها وهي قريبة من قضاء الدليم (في ولاية بغداد). ١٠ - قبيلة الدهامشة اتخذت قبيلة الدهامشة التي يرأسها أميرها جزاع من مجلاداودية (الشامية) منتجعاً لها ومرعىً لماشيتها وهي بالقرب من شفاثا من ولاية بغداد. ١١ - عشيرة شمر نزحت عشيرة شمر عن ديار العراق قبل انهمار الأمطار وتطلبت أرضاً خصبةً فظلت سائرة في الغلاة حتى نزلت ما بين ديار بكر والموصل وهي الآن هناك. ١٢ - إعانة أهل العمارة أرسل متصرف العمارة مبلغ خمسمائة ليرة إعانة للحرب البلقائية وقد جمعه من أهاليها وموظفيها. ١٣ - وفاة يوسف باشا والي بغداد السابق توفي يوسف باشا الجركسي في الآستانة في شهر ربيع الثاني من هذه السنة. ١٤ - تبرع حاكم لورستان تبرع حضرة أمير الجنك والي يشت كوه غلام رضا خان حاكم لورستان (الذي جاء بغداد في هذه الأيام الأخيرة) بمبلغ أربعة آلاف مجيدي إعانة للدولة العلية ثم سافر بعد ذلك إلى مقر إمارته عن طريق كوت الإمارة.

стр. 1012

١٥ - صيدلية جديدة للبلدية في الأعظمية نهار الأحد ٢٧ نيسان جرى رسم افتتاح صيدلية في الأعظمية وكان ذلك بحضور جمع من العلماء والأشراف والوجهاء. ١٦ - الإنكليز في خليج فارس لا زال الإنكليز يسعون في خليج فارس لتحسين مشاريعهم وتوسيعها ومن جملة ما وفقوا له في مدى هذه السنة وضع ست أمرِ (جمع أمرة وهي من الأعلام التي يهتدي بها في البحر) حول مغاصات اللؤلؤ (والمغاص يسمى اليوم هناك باسم هندي وهو هيرة والجمع هيرات ومعنى الهيرة اللولؤة) وقد هموا بتمهيد السبل لإنشاء قلس برقي بحري يربط جزيرة البحرين بابي شهر (من ثغور فارس)؛ بسائر مستعمرات الإنكليز في الخليج. وقد حاول القنصل إحصاء السفن البحرية التي يبحث أصحابها عن اللولؤ وصمم على وسمها بالأرقام لاستيفاء الرسوم عنها فطلب شيخ البحرين أن يبدأ الجري المذكور بأن يفعل هذا الفعل بسفن الكويت أولاً. وإذا تم ذلك لا يتلكأ عن القيام بما يطلب منه. وفي أوائل نيسان من هذه السنة نقل الإنكليز إلى ثغور الخليج ٥٠٠ عامل من رعاياهم فأنزلوا طائفة منهم في جزيرة طنب (وزان سبب) والطائفة الأخرى في جزيرة هنجام (بفتح الهاء وسكون النون وفتح الجيم بعدها ألف ثم ميم) وكلتاهما واقعة بالقرب من مضيق هرمز. والغرض من الإتيان بهم إلى هناك وضع المناور على كل جزيرة ومضيق في الخليج لينيروا ظلماته المادية والأدبية والمعنوية. ١٧ - أسماء الولاة الذين عينوا لولاية البصرة منذ إعلان الدستور إلى هذا اليوم أصالة ووكالة نقلا من الدستور (جريدة بصرية) عبد الرحمان حسن بك (أصيل)، ممتاز بك متصرف الإحساء (وكيل) محرم بك (أ) عارف بك (أ) راقم أفندي (و)، آمر العسكرية (و) سليمان نظيف بك (أ)، سعاد بك (و) شوكت أفندي الدفتردار (و)، وهبي أفندي القاضي (و)، عارف بك المكتوبجي (و)، جلال بك (أ) حسني بك الدفتردار (و)، حسن رضا باشا (أ)، محمد طاهر أفندي (و) علي رضا باشا الركابي (و)، محمد علاء الدين بك الدروبي الحمصي (أصيل) وهو واليها الحالي. الذي قدم إليها في ٤ أيار فليتدبر من أراد الإمعان في الأمور.

стр. 1013

ونحن نود الآن أن يوافينا أحد الأدباء بأسماء ولاة بغداد الأصل والوكلاء ليبين لكل ذي عينين ما وراء آه الستور من الأمور ١٨ - القنصل الإنكليزي في نجد ذكرت الدستور ما ملخصه: وصل القنصل الإنكليزي بلدة (المجمعة) قاعدة (سدير) ولما أراد دخولها مانعه الأهلون. ولكنه بادر (على ما يقال) إلى إرسال هدايا إلى أميرها عبد الله العسكر ومن جملتها نظارة وساعة وبعد ذلك خرج إليه الأمير بنفسه وصحب القنصل وادخله البلدة بين لعنات الأهالي المتحشدة على طريقه. فطاف القنصل في شوارعها ثم علا (المرقب) وهو تل شامخ مطل عليها واخذ صورتها الشمسية ثم ذهب وزار الأمير عبد العزيز السعود في موضع اسمه (الخفس) وطلب منه ابتياع (عمان) بالثمن الذي يريده. بيد أن الأمير لم يحفل بكلامه. ١٩ - أعراب الطواطحة والضفير فوجئت عشيرة الطواطحة ليلاً (في نواحي الكويت) ونهب منها ٤٧ بعيراً ويظن أن الخارب (سارق الإبل) هو ابن ضويحي أحد زعماء الضفير. ٢٠ - هجوم الأعراب في ساحل بلبول أفرغت سفينة شراعية لأهالي البحرين أكياس أرز في ساحل بلبول فهجمت عليها عشائر البادية فنهبتها. (عن الدستور)

стр. 1014

٢١ - العشائر وعجمي بك السعدون نمى إلى المصباح: إن الأزيرق والحكام والبدور والعبودة والضفير من عشائر المنتفق تجمهرت على عجمي بك السعدون قرب الزبير فأحاطت به إحاطة الهالة بالقمر ونادت: (يا لثارات المشايخ) وما قالت ذلك إلا وهجمت هجمة واحدة عليه وعلى من أنضم إليه ففر عجمي بك مدبراً ناجياً بنفسه على ظهر جواده. وغنمت العشائر ما كان معه. - قلنا: فتكون هذه الوقيعة قبل الصلح الذي عقد معه ومع الضفير على ما يظهر لنا. ٢٢ - عجمي السعدون قرب البصرة نمى إلى الجريدة المذكورة أن عجمي نازل قريباً من البصرة مهدداً إياها بالهجوم لكنه لم يفعل ولن يفعل شيئاً. إذ كلامه من قبيل البرق الخلب. والظاهر أن الذي سول له ذلك أحد شياطين الإصلاح من سكان بغداد. ٢٣ - حريق في بغداد جاءنا الصيف وجف الهواء فتيسر للنار أن تمد لسانها إلى كل ما تصل إليه وقد شبت نهار الأحد في ١٨ أيار في ثلاث دور من محلة فرج الله. وكان ظهورها من دار عبود النقاش اليهودي. ولكن بهمة الجند وغيرهم أخمدت أنفاسها. وقد قدرت الخسارة بما يقرب من مائتي ليرة ولعل في ذلك مبالغة. ٢٤ - أدب صلاح الدين الكركوكي المدير المسؤول لجريدة الزهور جاء إدارة مجلتنا حضرة الفاضل الزول! والشاب المهذب! صلاح الدين أفندي الكركوكي (أو الكركوكلي كما يسمى نفسه) وطلب إلينا أن نطلعه على مدرستنا. فسألنا مديرها فقال: راجعوا رئيس المبعث فراجعناه فقال: ليستأذن حضرته القنصل الفرنسي بذلك. ثم أعطيناه قوانين المدرسة ونظامها وخطتها. فكتب حضرته في أول عدد صدر من الزهور بعد زيارته إيانا أي في العدد ٣٨٦ هذا الأمر كما وقع ثم قال: (نه دبه جكمزي بيله ميورز. يالكز فرانسزارك بوقبا لقلرينه بيان تأسف أيدرز.) أي: (ماذا نقول؟ - لا ندري إلا أننا نتأسف على ما أظهره الفرنسويون من هذه الفظاظة (أو سوء الأدب) - قلنا: لو كان كل إنسان

стр. 1015

وكل مدير مسؤول لجريدة أو لو كان جميع أعيان بغداد ووجهاؤها الذين هم أعلى منه طبقة ومنزلة يأتوننا ليشارفوا ما في المدرسة لأصبحت هذه المدرسة من محلات النزهة أو من قبيل مربط الحيوانات الغريبة. وإنما الرئيس أراد أن يفهم هذا الأديب أن طلبه في غير محله ولا يحق له ذلك فقال له بصورة مهذبة: (استأذنوا القنصل بذلك). فمن أصبح سيئ الأدب أو فظاً أو خشناً؟ فليحكم القارئ. - ثم أن نسبته سوء الأدب إلى جميع الفرنسويين لأن أحدهم أراد أن يعلمه أصول الأدب بصورة مستحسنة ولطيفة في غير محلها أيضاً بل هذا يدل على أنه لا يعرف من أين تؤكل الكتف. فليفهم أن كل من ذوي العرف!!!

стр. 1016

العدد ٢٥ - بتاريخ: ٠١ - ٠٧ - ١٩١٣ سنتنا الثالثة نبتدئ سنتنا الثالثة بحمد الله على ما جاد به علينا في مطاويها، شاكرين قراءنا الكرام على تصفُّح مجلتنا هذه، ومقرين بفضل علماء العرب والغرب علينا لتنشيطهم إيانا، وحثهم على مواصلة مسعانا، ونخص منهم بالذكر أصحاب الكفاءة في الحكم والنقد، وأرباب الحل والعقد، مما يحدو بنا إلى متابعة الخطة التي عاهدنا نفسنا على القيام بها. ومما يدل على أن مجلتنا راقت كثيرين من الأدباء من متعربين ومستعربين ومستشرقين أن طائفة من مقالات السنة الماضية نقلت إلى الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والألمانية. ومنها ما تناولته صحفنا ومجلاتنا الشرقية من شامية ومصرية وعراقية. وقد رأينا عدداً من المؤلفات التي صنفت بعد ظهور (لغة العرب) تذكر طفلتنا هذه مع الثناء على خطتها وحسن منتجعها، نخص منها بالذكر تآليف المستشرقين لأنهم تحققوا أن كتاب هذه المجلة من الاختصاصيين الذين يكتبون عن خُبْر لا عن خَبر. وإننا لنشكر هنا أعظم الشكر جميع من بادلونا بمجلاتهم وصحفهم، واهدونا

стр. 1017

كتبهم ومصنفاتهم، واتحفونا بمقالاتهم ورسائلهم، من خاصة وعامة، مما يدل على كرم سجاياهم، وطيب أعراقهم وعنصرهم، ويكشف عن حبهم لمؤازرة الأدباء سراً وجهراً. ونوجه أطيب ثنائنا وأعطره إلى أولئك الذين تبرعوا علينا بنضارهم، مساعدينا في نفقاتنا ومخففين ما أخذنا على نفسنا من العبء الثقيل الباهظ. نعم إننا وان كنا لا نستطيع أن ننشر أسماءهم الآن خوفاً من أن نمس أرق شواعرهم، إلا انه لا بدَّ من ذلك يوماً ريثما تنكشف الأسرار، وتنتهك السرائر، فيعطي كل ذي حق حقه، وكل ذي فضل فضله. وقد رأى القراء من تزاحم أقلام كتاب هذا القطر وغيره أن كثيراً من الأبحاث والمطالب تأخرت عن إتمامها، أو لم تبرز إلى عالم الوجود، مع أننا كبرنا حجم المجلة وزدنا صحائفها مؤملين تحقيق بنات الصدور، لكن لما كان مبدأنا أن نفضل مقالات أرباب الأقلام على نفثات قلمنا، - إظهاراً لما في أبناء العراق من روح التعاون، وصدق التناصر، والاخلاص في حب التسابق والتنافس في ميدان العلم والأدب، - بقينا في مقرنا الأول كأننا لم نجرِ شوطاً، على أننا أبرزنا ما كان في نيتنا من محض الخدمة وكفى بذلك شاهداً على رغبتنا في التقدم والتبسط وحق لنا أن نقول: ولي في غنى نفسي مراد ومذهب ... إذا انصرفت عني وجوه المذاهبِ صفحة من تاريخ خليج فارس . كثر الكلام، في هذه الأيام، عن خليج فارس وعن رسوخ قدم الإنكليز فيه وفي ثغور أقاصيه وادانيه، فوضعنا هذا المقال، مجاراة لمقتضى الحال:

стр. 1018

موقع خليج فارس من أحسن المواقع إن للتجارة وإن للمحاربة وان لتنازع الأمم للبقاء. وكل أمة أفلحت في تسيير سفنها في مياهه، أفلحت أيضاً في رقيها وعمرانها وحضارتها. ولهذا اصبح هذا البحر منذ اقدم الأزمان مطمح أبصار الأقوام والأجيال والفريسة التي تتخاصم عليها أقواهن لتزدردها وتقر بها عيناً وتسعد بها نفساً. وهذا الأمر الذي لم يخف على أمة خلت، لم يخف أيضاً على دولة إنكلترة التي تتربص الفرص لمد جناح سطوتها على بلاد الله. لاسيما إذا قدرت أن تصل إلى منيتها أو ضالتها نبهاً، أو بدون أن تريق قطرة من دم من دماء أبنائها الشرفاء، بل الذين هم أشرف خلق الله على زعمها. اجل. إن ملكة الإنكليز اليشباع (اليزبت) لما أذنت سنة ١٥٩٩ (لشركة الهند) أن تنشئ محلات تجارية في ديار الهند طمح للحال بصر تلك الدولة إلى خليج فارس، مع إن قدمها لم تكد تستقر في الهند تمام القرار، ولم تكن بعد بمبي في قبضتها. لكن كيف الوصول إليه والبرتوغاليون كانوا قد نشروا أجنحة سطوتهم على ذلك الخليج منذ أواخر القرن السادس عشر، وكانوا قد ظهروا فيه بعد أن طاب لهم المقام في أقطار الهند وجعلوا ساحل بحر فارس كما جعلوا ريف بحر الهند ميداناً ينزله فرسان مفتتحيهم، فيأخذون من البلاد والثغور والموانئ ما يروقهم، ويضربون صفحاً عما لا يحظى في عيونهم الطامحة؟ أما علو شان هذا الخليج وخطورته في أبصار البرتغاليين والإنكليز فظاهر من تسارع شخوص بصرهم إليه، بعد ثبوت قدمهم في بعض ديار أقطار الهند، لعلمهم يومئذ أن لا قرار لدولة غربية في بلاد الهند إن لم تقبض بيدها مفتاحها الذي هو خليج فارس، وما على سواحله من الثغور المتراصة المتناسقة المتفاوتة الارتفاع ارتفاع درج السلم البعيد المراقى. هذا فضلاً عن أن تجارة الهند لا تنفق ولا تروج إن لم يحافظ على تأمين الطريق التي ترسل فيها أي طريق البحر الفارسي وتنفضها من الغزاة الذين يعيثون فيها كل العبث. هذا وفي العهد الذي اكتشف رأس الرجاء الصالح كانت تساق بياعات الهند إلى ديار الغرب على البحر وعلى بحر العجم. وهو الطريق التي كانت معروفة منذ أعرق الأزمان في القدم. إذ كانت ترد من تلك الربوع النائية على السفن الكبار فتتشطط سواحل ديار الفرس. ثم ترسو في ما نسميه اليوم (شط

стр. 1019

العرب)،. - وأول الذين عرفوا هذه الطريق الطبيعية التي لحبها البارئ هم أول من عرفهم التاريخ باسم (الأمم الكبار) أي أولئك الذين انشئوا نينوى وبابل ثم سلوقية وطيسفون ولما دثرت هاتان الحاضرتان جاءك العرب القروم فعرفوا ديار الهند ومجازها وابتنوا البصرة وبغداد. فقامت لهم يومئذ دولة ضخمة فخمة تضارع أعظم دول التاريخ وأضخمها بل تصارعها صراع الأبطال، لصغار الرجال. ففي عهد زهو دولة العرب، كما في إبان القرون الخالية، كنت ترى ثياب الحرير والإستبرق، الفلفل والقرنفل، الدارصيني والجوز بوا، الهال والزعفران، الصدف والعاج، الدر والمرجان، الميعة والصمغ، المصطكى واللبان، المر ودهن البان، البخور والعطور، وغيرها من حاصلات الهند ومما جاورها من الديار والجزر، من قريبة ونائية، من ثغور بلاد السيلى إلى جزيرة العرب وتبعث كلها بغلاتها لتستجلب بدلها الزجاج والرصاص، الحديد والنحاس، الاسرب والقصدير التي كان يؤتى بها من ديار الغرب. وكانت تنتقل هذه السلع والبياعات من بغداد إلى قلب المشرق الأدنى: إلى دمشق والإسكندرية إلى موانئ الشام والديار المصرية، التي كان فيها يومئذ محلات تجارية زاهرة زاهية، عائدة إلى البيزيين والفلورنسيين، إلى البنادقة والجنوبين. لا بل بعد أن عرف طريق أفريقية البحري، واكتشاف معبر أو منفذ يؤدي إلى ربوع الهند ماراً برأس الرجاء الصالح، بقى الطريق الأول طريق خليج فارس على علو كعبه طول القرن السادس عشر وبعض القرن السابع عشر، ولما ذهب شيء من شأنه عند معرفة التجار الطريق الثاني، دام المسلك الأول نهجا عظيما، نهج تجارة الهند وديار الروم، بل لم يزل أب كل نهج تنهجه جميع الدول التي تمد يدها من الديار الآسيوية إلى الديار الأوربية وبالعكس. وداوم التجار الإيطاليون ولا سيما البنادقة منهم والقطلونيون على إنفاذ أموالهم ومبيعاتهم على القوافل التي تجتاز بوادي الشام وصحارى بين النهرين يجلبون من ديار الهند والسند والصين وزابج (جاوة) جميع ما يحتاج إليه الغربيون من أثمار وغلات الأرجاء الحارة فيصعدونها على متن شط العرب الذي كان يعرف يومئذ عند أجدادنا (بدجلة العوراء) ومنه على ظهر الفراتين ومنهما إلى ربوع مملكة العرب التي صارت بعد ذلك من ديار سلطنة آل عثمان.

стр. 1020

أما سبب بقاء طريق خليج فارس لنقل بياعات الشرق إلى أهل الغرب مع وجود غيره فهو لأن هذا النهج كثير السهولة يسير الركوب جم المنافع، وليس فيه من الأهوال ما في أخيه الثاني الحديث السن. هذا فضلا عن أن السفن البحرية لا تحتاج في المهيع الأول إلى أن تقتحم العباب وغمراته كما في اللحب الثاني، بل يكفيها أن تتشطط السواحل الواحد بعد الآخر من الهند إلى دجلة العوراء، فتصيب الغرض، بدون أن تصاب بعرض. وهذا لا يتضح لك صدقه إلا إذا نظرت رعاك الله إلى هذا الخليج وأنعمت النظر في تقوير الطبيعة إياه وكيف أبرزته عل مثال غريب عجيب. فإن الجواري المنشآت إذا غادرت أرياف الهند صعدت شواطئ ديار البلوص (بلوجستان) ودخلت بحر عمان ثم قاربت شطوط العجم إلى موضع تكاد فيه بلاد إيران تصافح بلاد العرب وهو الموضع الذي يعرف عندهم باسم (الرأس المسنن أو المسنم) في مضيق هرمز. وكأن العرب لم يحبوا أن يمدوا أيديهم إلى الإيرانيين لما بين عنصريهم من العداوات القديمة ترى بلاد العرب توغل في الماء كأنها تنفر نفور الشادن من وجه العدو فيأكل البحر شيئاً من أرضها مع أن بلاد فارس تحاول دائماً التقرب منها متحببة لها وكأنها تقول لها: تعالي إلي ولا تهربي مني فإننا إن تعاونا نصبح حرزاً حريزاً في وجه العدو. أما جزيرة العرب فلا تجاوبها كأنها تعلم أنها إذا مدت إليها يد المعونة سحقتها بقبضتها قبضة الحديد. وكأن الطبيعة حكمت في الآخر بين البلادين فجمعتهما بعد أن أخذت منهما العهود وشهدت عليهما الشهود أن لا تعتدي الواحدة على الأخرى وآنئذ تصافحتا وتعاقدتا على الولاء والصفاء. فاتصلت بلاد إيران ببلاد العربان وعليه يكون
следующие страницы →