← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الثانية عشرة إلا ربع الساعة فعبرناه على ظهر العجلات بسهولة عظيمة ولم نفعل كما يفعله ركاب العجلات التي تجري على جسر دجلة في بغداد فان من يريد العبور على جسر بغداد المؤلف من القوارب على الصورة القديمة المعروفة في عهد العباسيين والمبني كان من الخشب، عليه قبل كل شيء أن ينزل عن مركبته ويفرغها من كل ما فيها. ثم يدعو الحوذي أو السائق جماعة من أصحابه ليجروا العجلة جراً بكل رفقٍ بدلاً من الدواب فإذا أنزلوها إلى الجسر دفعوها بكل تحرز عليه خوفاً من أن تنكسر مما تصطدم به من العواثير المتوفرة على ظهر الجسر، وإذا قرب إخراجها من الجسر اجتمع الناس جماعات ليدفعوها إلى حيث يكون الخروج بسلامةٍ. وقد لا يكون الأمر كما توهموه. وأما جسر الخر فهو جسر من حديد مده الفرنسيون قبل ١٤ سنة فنجحوا ولم يصبه مصيبة إلى يومنا هذا، مع وقع من طغيان دجلة واشتداد جريان ما الخر وازدحام العجلات عليه وكثرة الأثقال التي تجر فوقه. هذا فضلا عن الواردات التي تأتيه. وقد سد مشتراه مرارا عديدة، فقلنا في نفسنا: ليت الحكومة تسعى إلى مد جسر من

стр. 107

حديد على دجلة وتحقق هذه الأمنية إلى حيز الوجود تلك الأمنية التي في صدور الكبار والصغار منذ سنوات كثار. ونحو الساعة الثانية صباحاً وصلنا إلى (المحمودية) فنزلناه لنستريح فيها. وهي قرية فيها منتديات لشرب القهوة وسوق وخان وعدة دور. ويجد فيها المسافر كل ما يحتاج إليه من طعام ومأوى. والظاهر أن هذه القرية حديثة البناء في هذه البقعة من الأرض لأني لم أر لها ذكرا في كتب التاريخ والبلدان التي بحث عن هذه الأرجاء. قمنا من المحمودية نحو الساعة الثالثة ألا ثلثاً فمررنا بعد قليل على (خان زاد) كذا يلفظ العوام هذا الاسم. والأصح (خان زاد) وهو خان قديم يرتقي بناؤه إلى عدة قرون فلما تهدم في أوائل القرن الحادي عشر للهجرة (أوائل القرن السابع للميلاد) أصبح مخبأ للصوص وقطاع الطرق فأعاد بناءه عمر باشا سنة ١٠٨٩هـ (١٦٧٨م) وأقام فيه حامية تحمى الحجاج والزوار والمسافرين من أهل العيث والفساد. بيد انه لم يمض نصف قرن على تجديده إلا وعاد اللصوص العماريط إلى هدمه وسكنه. ونحو الساعة الرابعة ونصف وصلنا إلى (الإسكندرية) وهي اليوم قرية خاملة الذكر فيها عدة قهوات وخان وبساتين ومقبرة وعدة

стр. 108

دور. لكننا لم نقف فيها بل سرنا قليلاً ووقفت العجلات في مقبرة الشيخ هرواي (الشيخ الهروي) في الساعة الخامسة إلا ربعاً. وأما الإسكندرية فكانت في سابق العهد مدينة كبيرة بناها الاسكندر ذو القرنين. وهي التي يسميها المؤرخون إسكندرية بابل. وقد بنى الملك المذكور إسكندرية ثانية في العراق على شط دجلة بازاء الجامدة قرب واسط بينهما خمسة عشر فرسخاً. وهي التي تسمى إسكندرية العراق. ثم أتممنا المسير إلى نحو الساعة السابعة فهبطنا (المسيب) (بضم الميم وتشديد الياء المفتوحة) فنزلنا من العجلات وعبرنا الجسر وهذه القرية مبنية على ضفتي الفرات فيها مساكن كثيرة وجامع فيه منارة ثم محجر صحي ودار برق (تلغرافخانة) إلى غير ذلك. وسميت هذه البليدة باسم المسيب بن نجبة الفزاري وكان من أصحاب علي بن أبى طالب وخيارهم (راجع تاريخ الطبري ٤٩٧: ٢ و ٥٥١) وكان قد قتل يوم الجمعة لخمس بقينا من جمادي الأولى سنة ٦٥هـ (٦ كانون الثاني ٦٨٥م) في وقعة عين الورد. ولكن لا نظن انه دفن في هذا الموطن وإنما نبني له فيه مزار فسمى باسك المزار. وفي المسيب حركة عظيمة لما يختلف إليها من الناس إذ يرى فيها

стр. 109

كل سنة اكثر من مائتي ألف زائر يأتونها من جميع البلاد عن طريق بغداد ليذهبوا إلى كربلاء. إما عدد سكانها المقيمين فيها فيقدر بستة الآلاف نسمة. وكان في نية مدحت باشا أن يجعل ممر السكة الحديدية في المسيب على جسر يركب الفرات. برحنا المسيب في الساعة السابعة وعشر دقائق ونحو الساعة الحادية عشرة وصلنا إلى (الإمام عون بن عبد الله بن جعفر الطيار) وهو الذي قال عنه في أسد الغابة هو عون بن جعفر بن أبى طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي والده جعفر ذو الجناحين ولم يقل: عون بن عبد الله وإنما عبد الله هو أخوه على أن الذي نقلناه هو ما سمعناه. وهناك ضريح يقال انه ضريحه تظلله قبة معقودة من الحجر القاشاني فوقفنا هنيهة لنريح دوابنا ثم أسرعنا في السير إلى نحو الساعة الواحدة وكنا نمر ببساتين كربلاء فاجتازت عجلاتنا تلك الخمائل إلى أن انتهينا إلى المدينة. الباقي للآتي عمانوئيل فتح الله عمانوئيل مضبوط باب التقريط كتاب الإرشاد لمن أنكر المبدأ والنبوة والمعاد طبع بمطبعة الآداب في بغداد، تأليف واعظ زاده أبى إسماعيل السيد مصطفى نوري الحسيني الحنفي مبعوث بغداد. عدد صفحاته ٩٣

стр. 110

ويليه زهر الربى في حرمة الربى. له أيضاً، من ص٩٤ إلى ١٠٢ ويعقبه: المطالب المنفية في الذب عن الإمام أبى حنيفة في ٢٤ صفحة له أيضاً ويتلوه: خلاصة المقال فيشد الرحال في ١٨ص. له أيضاً. ويختم الكتاب ٦ صفحات (فقط) لتصحيح الأغلاط الواردة فيه. وهو كتاب جدل ودفاع وذب يفيد جماعة من أنكر من المسلمين، بعض الحقائق المدونة في أسفار الأيمة والدين، عسى تكون براهينه مقنعة لمن أنكرها. وهادية إياهم إلى سواء الصراط المستقيم. باب المشارفة مجلة الآثار مجلة عامة الأبحاث تصدر في رحلة في نصف كل شهر وهي اليوم شهرية موقتاً. وتطبع في دمشق. لمنشئها ومديرها المسؤول الكاتب الشهير صديقنا ورصيفنا عيسى أفندي أسكندر المعلوف اللبناني. بدل اشتراكها في البلاد العثمانية ٦ فرنكات ونصف. وفي الديار الخارجية ١٠ فرنكات. برز عددها الأول في تموز من هذه السنة. فألفيناه حسن السبك والإنشاء مختلف المواضيع غزيرها. لكنه لا يخلو من مغامر: منها: خلو مباحثه من انتبويب أو من نظام متسق متبع كما هو الأمر في مجلات هذا العصر. ومنها: أن نقل أبيات السلطان احمد بن محمد (ص١١) لا يستحب في مجلة تتناولها أيدي الكبار والصغار، لا سيما منشدها رجل والمقولة فيه من الشبان، الأمر الذي تأباه آداب هذا العصر.

стр. 111

ومنها: أن في بعض العناوين شيئاً من التكلف كورود (مخطات العقول) ويراد بها (الآثار الأدبية) أو (المطبوعات الحديثة). نعم أن التأليف هي بمنزلة المحنطات، لبقائها على حالها بقاء المحنطات وان تراخت عليها أستار الاعصار، لكن ما ضر الرصيف لو قال مثلاً (مخلدات الكتاب) أو (مآثر العقول) أو (الآثار الأدبية) أو نحو ذلك، وبالأخص لان البلى قد يدب إلى المحنطات ولو بعد حين، لكنه لا يدب إلى المخلدات أو المآثر الأدبية أو العقلية. ومنها: انه سمي (باب الأخبار السياسية) متحف الأخبار. ليس لهذه اللفظة وجه لغوي فصيح صحيح. اللهم ألا أن يقال فيها (متحفة أو دار تحف أو خزانة تحف) أو ما أشبه ذلك (راجع المشرق ٣٤٣: ١٠ - ٣٤٤). ولم لا ينحو صديقنا سهولة اللفظ وسلاسته مع الفصاحة والبلاغة وهو من مشاهير كتاب هذا العصر ومقدميه. وعليه: فما ضره لو قال (باب الأخبار السياسية). على أن هذا كله لا يحط شيئاً من منزلة المجلة. ولا من مقام منشئها الرفيع. حفظه الله. وانجح مسعاه. خدمة للغة والعلم ولكل من ينتمي أليهما. تاريخ وقائع العراق وما جاوره (سعدون باشا والمنتفق) لا حديث اليوم في العراق إلا ما يدور قطبه على سعدون باشا والمنتفق على سعدون وإرساله إلى بغداد وسجنه

стр. 112

في قلعة المدفعية ثم أنفاده إلى حلب الشهباء. أما سبب هذا الانقلاب فطويل الشؤون، كثير الشجون، نورد مضامينه ملخصيه عن عدة أعداد صحف بغداد ولا سيما عن جريدة الزهور الغراء، فنقول: إن أعراب العراق من اشد الناس دهاء وذكاء وهي تميل من ذاتها إلى الفتك والغزو والحرب وان لم تحتج إلى ما يقوم بها عيشها. وإنما تفعل هذه الأفعال ظناً منها أنها من علامات البسالة والشجاعة والأقدام على الأمور الجسام. على أنها تسكن وتستكين إذا رأت من الحكومة ما تكبح به جماحها. والعكس بالعكس. ولما أسفر وجه الدستور عن حسنه البديع ظن بعض الرعاع أن الحرية هي الاندفاع إلى المعاصي والمنكرات وإتيان كل محظور، ومن جملة من شق عصا الطاعة العشائر المنبثة على ضفتي الفرات وفي سقيه حتى انقطعت حبال المواصلات بين (القرنة) إلى (الناصرية) ومنها إلى (السماوة) وكل ذلك في شهر ربيع الثاني من هذه السنة (نيسان ١٩١١) فلما رأى آل سعدون عبث العشائر في تلك الديار تركت أملاكها وعبرت إلى جهة الشامية للتخلص من بغي تلك الأقوام الطاغية. ولما شاع مجيء ناظم باشا إلى بغداد وانه قد قدم لإصلاحه وترقية شؤونه طار فرحا السعدونيون واظهروا من السرور ما لم يخف على أحد. فسبب هذا الفرح ما آثار في صدور أولئك الناس اشد الحقد عليهم، وجزموا بان السعدون يكونون عوناً ويداً للحكومة. ومنذ

стр. 113

ذاك اليوم اخذوا ينظرون إليهم نظرهم إلى أعدائهم أو إلى كابحي جماحهم. وكانت عشيرة الضفير موالية لآل سعدون ومحبة له غاية المحبة حتى أنها كانت تود أن تفديه بحياتها. ثم انقلبت الأمور ظهراً لبطن وإذا بالضفير قد أصبحت من اشد أصبحت من اشد الناس عدواة له. والسبب على أثبته الرواة هو انه لما كان سعدون باشا في شهر محرم (كانون الثاني ١٩١١) نزيل (الروضة) ومعه جميع عشائر الموالية له دبت عقارب الفتنة إليه وإلى الضفير فوقع الخلاف بين الفريقين وللحال انفصلت الضفير إليه وغادرته إلى مكان قصي فحاول سعدون باشا إلى إعادة المياه إلى مجاريها فلم يفلح وأظهرت العشيرة أعذاراً هي أو هي من بيت العنكبوت. فبعث إليها رسولاً ابنه (ثامر بك) مرة ثانية وقال له: أن لم تجبك اخفرها جرياً على سنن الأعراب وأمرائهم) (والخفر عندهم أن يأخذ الأمير الكبير من العشيرة العاصية بعضاً من ابلها بموجب الجرم الذي ركبت متنه تأديباً لها). فذهب الولد ووافى (ابن حويط) رئيس عشيرة الضفير وبلغه رسالة أبيه. فلم يعبأ ابن حويط بقوله، فأراد ثامر الخفر فمنعه الحاضرون عن مد يده بما سمع من إطلاق الرصاص، وعلى هذا الوجه رجع ثامر بك بما رجع به حنين بعد أن قتل رجل من رجاله وامرأة ضفيرية. وفي تلك الأثناء اخذ بعض محبي السلم الوسائل لإصلاح ذات البين بين سعدون وشيخ الكويت فرحب بها سعدون بدون شرط وعاد

стр. 114

أدراجه إلى دياره ومعه الضفير وفي القلوب من الذخل والغيظ والموجدة مالا يخفى على أحدٍ حتى بلغ صداه إلى ابن الرشيد لنصرته على الضفير لاسيما لأنها اعتدت عليه بتعرضها لقوافله سابقاً أخذها منه عدداً من الإبل وكان قد امتنع من التنكيل بها محبة لسعدون صديقه. فلما أحس ابن حويط بقدوم ابن الرشيد وانه يكون ظهر السعدون شعر بحرج الموقف ولهذا أسرع في الذهاب أمامه واستقباله ولما تلاقيا طلب ابن حويط من ابن الرشيد العفو والصفح فعفا عنه، ثم طلب إليه أن يتوسط بينه وبين سعدون لعقد عرى الصلح بينهما، فلبى طلبه، فسار للحال ابن سبهان ومعه شيوخ الضفير إلى سعدون باشا وأقنعوه بقبول الصلح فلم يقبل إلا بعد اللتيا والتي وبشرط أن تدفع الضفير خفر ٣٠٠ بعير و٧٠ جواداً. فقبلت ودفعت إلى سعدون ما طلبه أعطى هذا من هذا الخفر ٧٠ بعيراً و١٥ فرساً هدية لابن الرشيد. وهنا روايتان: الرواية الأولى هي أن ابن الرشيد فرقها على عشائره التي كانت الضفير قد أخذت جمالها سابقاً. والثانية: انه وهبها للضفير. وبعد هذا الوفاق رجع كل منهم إلى قومه. وأما ابن الرشيد فانه من بعد أن أقام بين ظهرانيهم يومين بعد الوفاق ظعن عن ديارهم. على أن الدسائس لازالت تجري أفاعيها تحت ظواهر الصلح حتى ابتعد ابن الرشيد فقامت الضفير على سعدون حتى خذلته وليس من العجب أن يخذل سعدون لأنه لم يكن مستعداً لمثل هذه الخيانة وانجلت الموقعة عن قتل في الفريقين وممن عرف عن القتلى ثلاثة من السعدون وثلاثة

стр. 115

من شيوخ الضفير. وكانت هذه الوقعة في ٢٢ ربيع الأول من هذه السنة (٢٤ آذار سنة ١٩١١) في موضع اسمه (الحسينية قرب (شقراء) التي فيها قصر سعدون باشا. فلما بلغت الأمور هذا المبلغ كتب محمد العصيمي من أعيان الزبير كتاباً إلى سعدون بتاريخ آخر ربيع الثاني (أواخر نيسان) يقول له فيه أن يرسل يوسف بك ابن أخيه إلى أنحاء الزبير لينضم إلى عشيرة بني مالك ويقطع الطريق عن قوافل الضفير التي آذنت لها الحكومة أن تأتي إلى الزبير. فأجاب طلبه السعدون وذهب يوسف بك حتى وصل إلى مسافة ميل من بلدة الزبير فاخذ من العشيرة المعادية ثمانية بعران ولما رأى أن لا قبل له بإتمام ما بدأ به لمقاومة الضفير له لجأ إلى قصر خالد العون في (الشعبية) إحدى ضواحي الزبير الذي اتخذه العصيمي مقاماً له. ثم كتب محمد العصيمي ليوسف بك أن يرغم العشيرة ويسلبها وينهها انتقاماً من الزبيريين (الذين استقبحوا عمل العصيمي) فحاصرها يوسف بك في ٢ جمادي الأولى (١ أيار) حتى انقطعت السبل بين البصرة والزبير وغلت الأطعمة غلاء فاحشا وخاف الناس على أنفسهم إلى أن من الله بالفرج على عباده. ولم تنتبه الأمور إلى هذا الحد بل آلت إلى صورة أشنع وافظع: زار تسعة من شيوخ البدور في عيد الأضحى من هذه السنة عجيمي بك ابن سعدون باشا ولعلهم فعلوا ذلك حباً بالسلام والرجوع إلى الاتفاق

стр. 116

والوئام، لاسيما وان عجيمي المذكور أمنهم على أنفسهم وعاهدهم العهود الوثيقة أن لا يؤذيهم، ثم بعد ذلك غدر بهم كما غدروا هم بابيه فقتل سبعة منهم وفدى اثنان نفسيهما بمال طائل فافلتا. ولما سمعت العشائر بهذه الخيانة التي لم تكن ألا بآمر من سعدون باشا هاجت وماجت والت على نفسها أن تنتقم من سعدون مهما كلفها من المال والرجال وخلعت طاعته ولم يبق من العشائر الموالية له سوى الضفير وهذه أيضاً لم تبق على حبها له لأنه غزا عنزة مع الضفير ومع بعض عشائر السماوة وكانوا له بمقام الخدم والعبيد منقادين لجميع أوامره وزواجره وما كان يكرم أحداً منهم غير رؤسائهم فانه كان يكسوهم ثياباً في السنة مرة لا غير وبعد انتصاره نوى أن يحرم عشائر السماوة من الغنيمة. فأنكر الضفير عليه هذا العمل، ومن ثم تحكمت النفرة بين سعدون باشا وبين العشيرة المذكورة وأصبح سعدون وحيداً شريداً طريداً، لا يرق عليه قلب، ولا يعطف عليه عاطف. ولما كان بقاء سعدون باشا في مقامه مما يزعج الخواطر ويقلقها ويديم الاضطراب في أرجاء المنتفق، كتب رؤساء العشائر رسالة ونفذوها إلى ولايتي البصرة وبغداد وقد ذيلها أربعة عشر رئيساً باسمائهم، وهذا بعض ما فيها نقلاً عن جريدة مصباح الشرق في عددها ٤٧ بدون إصلاح عبارتها المغلوطة: من المعلوم أن الدور البائد باستبداد حمولة آل سعدون على لواء المنتفقك

стр. 117

كانت حياة عموم الرعية مستغرقة، ولما تحقق لدى الحكومة جهزت جنداً كافياً فأخرجتهم إلى جهة الشامية وبقوا مدة سنين فاستراحت الأهالي وكسبت الأمنية وكانت الأميرية تعطى من قبل الأهالي. أما من مدة ثمان سنين، فبواسطة أهل الغرض عبر سعدون من الشامية إلى جزيرة الغراف وذلك في زمان ولاية مصطفى نوري باشا، واخذ العهود عليهم لإحياء مشيخة آبائه وأجداده، والذي يمتنع ينهب ماله ويسفك دمه فصارت السلطة عليهم ولما تمكن هجم على قضاء الشطرة وقتل رهطاً من الجند وضايقها، حتى اضطر الأهالي إلى دفع الأموال لخلاصهم من القتل، ثم ارتحل وهجم على قضاء السوق ونهب واحرق، ولما تحققت معاملته لدى الحكومة ساقت الجند مع الفريق محمد باشا بعد أن استغاث اللواء وعشائره، ففر إلى الكويت ثم عاد بواسطة العفو وشيد قلعة المائعة ووضع فيها ما تمكن من الذخيرة، ثم تسلط على العشائر واخذ يجلب رؤساءهم والذي لم يوافقه يقتله، وهكذا استمرت أفعاله والحكومة كانت تراها ولم تعاقبه لإطماعها فيه، إلى زمن الوالي السابق مخلص باشا فساق عليه الجند وأمر بقلع المائعة، ولما انفصل من وظيفته رجع واستمر على جوره، حتى بزغ الدستور وتلطف الباري علينا بالعدل فما لبث أن عاد لحانته الأولى أيضاً وجرى ما جرى منه من سفك الدماء وقتل الأنفس. ونظراً لما شاهدته العشائر من انتصار حكومة المركز أخيراً، وإعطاء القوة إلى سعدون وولده صاروا مأيوسين ومحاذرين من تسلط سعدون وولده، لعلمهم بمعاملاته السابقة من قتل النفوس والفعل الشنيع الذي

стр. 118

صدر من عجيمي فوقعت مناوشة خفيفة بين عشائر والبدور والجند، وعند دخوله إلى اللواء صارت مصادمة بنفس اللواء حتى تلفت جملة نفوس واحترقت جملة بيوت وانتهبت، وترك الناس يقتلون بعضهم بعضاً فلم يصلحوا ذات بينهم ولا اخرجوا سعدون من قلعة المائعة وقد كان ذلك غاية ما تطلبه البدور من الحكومة، وقد سحبوا تلغرافات إلى المقامات العالية شارحين الحال طالبين إخراجه من المائعة ووضع مفرزة فيها من العساكر المظفرة لإصلاح الطرق قيها والأمنية منتظرين الجواب. فإذا لم يصدر الأمر بإجراء الإيجاب على النظام تتحد عشائر البدور مع الضفير والشيخ مبارك الصباح وتتصل قبائل لواء المنتفك في معيته والي الآن ما حصلت النتيجة ولا صدر أمر بإجرائها. أما الضفير فقد ثم اتفاقهم مع الشيخ مبارك الصباح وأما عشائره البدور وقبائل لواء المنتفك ففي المخابرة والمذاكرة وإذا بقى هذا الحال ولم يصدر أمر بإجلاء سعدون وقلع المائعة لقطع دابر الفساد وإصلاح الحال ووضع مفرزة من الحكومة إلى إصلاح أحوال العراق وحقن دماء المسلمين وتخليصهم من يد سعدون وأولاده وتعيين مأمورين إلى اللواء خالين من الغرض محافظين حقوق الدولة والملة فيسعون إلى إصلاح هذه المفاسد قبل أن تكون ولاية البصرة مسرحاً للأجانب. اهـ ولما تريثت الحكومة في إصدار أمرها تحالفت العشائر على مناهضة

стр. 119

سعدون وضبطت قلعة صغيرة قتل في أثناء أخذها اثنان من رؤساء المنتفق فطلب حينئذٍ سعدون من الحكومة إرسال الطعام إلى أهل بيته بواسطة البواخر ففعلت وأرسلت معها العساكر، فلما علمت العشائر بذلك أمطرت الرصاص على المركب وعلى من فيها فقابلها الجند بالمثل ذهاباً وإياباً ودام إطلاق البنادق من الجانبين اكثر من ١٢ ساعة. وبعد أن تحققت العشائر وجود سعدون في اللواء حاصرته اشد الحصار لا كراهه على الخروج من تلك الديار فخرج بعد حصار دام يومين وليلتين وبخروجه انتهى الحصار. أما العشائر التي ناوأته في تلك الواقعة فكانت البدور والغزي والحسينات والبوعظم والعساكرة. بعد أن أهين سعدون هذه الإهانة وتثبت أن كل هذه البلايا التي نزلت به كانت بسبب الضفير إلى على نفسه أن يطاردها ولو بذل دمه في سبيل تحقيق أمنيته فما زال وراءها حتى أتى الزبير فسمع هناك بقدوم صديقه الحميم السيد طالب باشا مبعوث البصرة إلى المدينة عائداً من الآستانة فاحب مواجهته وكتب إليه رسالة ليعرف منه إذا كان هناك مانع يحول دون زيارته فأجابه المبعوث أن لا مانع من دخوله البصرة. فذهب ولما وصل إلى البصرة نزل به ضيفاً. وحالما علة والي ولاية البصرة بدخول سعدون باشا المدينة أنبأ بلسان البرق لجنة التحقيق والأجراء بموافاة الشيخ المذكور فورد الجواب بالقبض عليه وإرساله إلى بغداد مخفوراً. فأرسل إليه آمر المبدرقة (أي قومندان الجاندرمة) وقت القيلولة وطلب إليه أن يواجه والي الولاية، فلبى الطلب مسرعاً

стр. 120

فلما وصل دار الحكومة قيل له أن الوالي في العشار (محلة من محلات البصرة واقعة على شط العرب) فركب العجلة، ولما وصل الحي المذكور قيل له انه في المركب وما كادت أقدامه تطأ باخرة (مسعودي) إلا وشعر بأنه محاط بالخفر وانه ينقل إلى بغداد فوصلها في ٢٧ تموز وانزل في دار خاصة به عينتها له الحكومة وجعلت له خدماً على نفقته ثم في ٣ آب نقل إلى قلعة المدفعية الواقعة على دجلة. وفي ليل ٢٠ آب سافر إلى حلب الشهباء عن طريق الموصل لمحاكمته هناك والله اعلم بمصير الأمور. أما أعراب المنتفق فقد أخلدت إلى السكون والراحة ريثما تجد لها ما يثير غضبها وفق الله الجميع إلا ما به خير العباد ونفع البلاد. في المدينة بضع إصابات بالهيضة أما الوفيات فتكاد لا تكون شيئاً مذكوراً. إلا أن هذا العرض يفتك في المحمرة والوفيات فيها من ٢٥ إلى ٣٠ في اليوم مع أن المدينة قليلة السكان. قدم إلى بغداد واليها الجديد احمد جمال بك نهار السبت ٢٦ آب وقرء الفرمان نهار الأربعاء ٣٠ آب.

стр. 121

العدد ٤ البريم أو عبادان الحديثة ١ - تمهيد في الجهة الشرقية من البصرة الفيحاء، موطنان شهيران اسمهما اسما مدينتين قديمتين كانتا في سابق العهد بعيدتي السمعة وهما: عبادان (وزان شداد بالتثنية والرفع) وقبان (كشداد). وكانتا قبل ٥٠ سنة داخلتين في أقصى حدود البصرة، ومعدودتين من أواخر السواد جنوباً، أو من ذنائب العراق، وهما اليوم في ملك دولة إيران، أو أن شئت مزيد التدقيق فقل: عما اليوم من أراضي الشيخ خزعل، أمير المحمرة، والمحمرة هي قاعدة إماراته.

стр. 122

وليس كلامنا هذا هو جواد قلمنا في ميدان البحث عن الأولى، لمونها أشهر من أختها في التاريخ والموقع. ونبقى الكلام عن اختنا إلى وقت الحاجة. وقد سمينا عبادان مدينة وان كان لا يحق لنا نطلق عليها مثل هذا اللفظ، لان ليس هناك ما يصدق فيه أن يسمي بهذا الاسم، وإنما دعوناها كذلك اتباعاً للفظ القديم، وجرياً على العادة، ولأنها الآن آخذة بالعودة إلى سابق عزها وعمرانها، وسوف تسمع بعد بضع ساعات بطائر شهرتها بعد أن تكمل عمارتها حتى تكسف شمس شهرتها بدر شهرة البصرة وبغداد، بل وشهرة جميع ديار العراق. وسوف يؤمها ويقصدها كبار الناس وسراتهم وأصحاب الثروة الطائلة، حتى تصبح من المدن الجليلة التي لا يمكنك أن تعارض بها بعد ذلك إلا من مدن ديار الإفرنج بل ومدنها الكبار، وحواضرها الواسعة الكثيرة السكان. وان سألتني عن سبب هذا التفاؤل الغريب وعن صدق هذا النبأ، أقول: أن شركة إنكليزية كبيرة راس المال واسمها - تهتم باستخراج الزيت الحجري، (وهو النفط المعروف عند الإفرنج باسم البترول) وقد ضمنت الأراضي التي ينبع فيها هذا السائل الجزيل الفائدة والعائدة لمدة سبعين سنة، واسم الأرض اليوم رامز (واسمها القديم رامهز أو رامهرمز اردشير) وهي

стр. 123

تشمل عدة مدن وقرى وهاك أسماء بعضها: مسجد سليمان، وميدان النفط، والناصرية (التي في فارس لا التي على الفرات) شيرين، ودار الخزينة وغيرها. وقد وجدت اليوم الشركة المذكورة بتعمير هذه المدينة على طرز لندن، حتى أن كثيرين من الإنكليز والوطنيين اخذوا يسمونها (لندن الصغيرة) وهي تسرع في بنائها وأي سرعة، حتى أنها بنت في ثلاث سنوات ما لا يبنيه أهل هذه الديار الشرقية إلا في ١٥ أو ٢٠ سنة. هذا فضلا عن انه لا يكون إلا دونه أحكاماً ونظاماً وهندسةً وصبرا على الزمان. والغريب في هذه المدينة الحديثة أن تخطيطها لم يرسم في الوطن عينة أو بعد النظر إلى مواقع المدينة، بل إنما خط في غلاسو، فيعمل بموجبه الرازة والمهندسون، ولا يندون عن الرسم قدر شعرة أو ذرة. وجميع ما يأتيهم من بلادهم من أدوات ومواد مصنوعة ومهيئات يردهم على القدر المقدر في الرسم، فلا يعاني الرازة عناءً مذكوراً في إنزاله في محله كما انك لا تتكلف مشقة في إرجاع المفرغ في قالبه. وعبادان واقعة على شط العرب، ومراكب البحر تصل إليها وتقف في مرساها الجديد الذي بناه الإنكليز أهل الشركة المذكورة.

стр. 124

وقد تمت أشغاله في آخر يوم من تموز، ووقف فيه لأول مرة مركب (اناطوليا) في ٢٩ تموز من هذه السنة ١٩١١. ويبعد عن غربي عبادان بخمس دقائق أرض خالية اسمها بريم (مصغرة. ويلفظها العوام بإسكان الأول)، وهي تكاد تكون متصلة بعبادان لقربها منها. ولا بد من أن تضم إليها يوماً فيجتمع من المدينتين بلدة كبيرة من أكبر مدن العراق. ٢ - معنى عبادان وبريم قال ياقوت الحموي في معجمه: قال البلاذري: كانت عبادان قطيعة لحمران بن أبان، مولى عثمان بن عفان رضه، قطيعة من عبد الملك بن مروان، وبعضها فيما يقال: من زياد. وكان حمران من سبى عين التمر، يدعي انه من النمر بن قاسط. فقال الحجاج يوماً وعنده عباد بن حصين الحبطي: ما يقول حمران، لئن انتمي إلى العرب، ولم يقل انه مولى لعثمان: لأضربن عنقه فخرج عباد من عند الحجاج مبادراً، فاخبر حمران بقوله: فوهب له غربي النهر وحبس الشرقي فنسب إلى عباد بن الحصين. وقال ابن الكلبي: أول من رابط بعبادان عباد بن الحصين) اهـ وقال غيرهما: بل سميت عبادان نسبة إلى العباد الذين كانوا منقطعين فيها. قلنا: هذا غير صحيح: أولاً، لان عين عبادان مفتوحة لا مضمونة. ثانياً، لان الألف والنون اللاحقتين بآخر (عباد) هما

стр. 125

من قبيل ياء النسبة عند أهل البصرة وهي لغة خاصة بهم جارية على ألسنتهم إلى يومنا هذا. إلا أن هذا الإلحاق النسبي الغريب خاص بالأعلام لا غير. فتسمعهم يقولون إلى اليوم يوسفان وسعيدان ومهيجران في النسبة إلى يوسف وسعيد ومهيجر، ولا يقولون غير ذلك. قال ياقوت: أما إلحاق الألف والنون فهو لغة مستعملة في البصرة ونواحيها، انهم إذا سموا موضعاً أو نسبوه إلى رجل أو صفة يزيدون في آخره ألفاً ونوناً كقولهم في قرية عندهم منسوبة إلى زياد بن أبيه: زيادان، وأخرى إلى عبد الله: عبد الليان، وأخرى إلى بلال بن أبي بردة: بلالان. قال: وهذا الموضع فيه قوم مقيمون للعبادة والانقطاع، وكانوا قديماً في وجه ثغر سمي الموضع بذلك. والله اعلم. وأما البريم فسميت كذلك لكثرة ما كان فيها في سابق العهد من البريم (مصغرة، وهو ضرب من التمر حسن للغاية أصفر اللون مدور الشكل عذب الحلاوة. وهو الذي كان يسميه الأقدمون من فصحاء العرب: البرني نسبةٍ إلى برن بالفتح والإسكان. وهي قرية في البحرين نسب إليها التمر البرني. (عم معجم البكرى) فلما صغروا البرني قالوا: البريني ثم حذفوا ياء النسب للتخفيف وللشهرة، وقلبوا النون ميماً. كما قلبوها في كثير الألفاظ. ٣ - موقع عبادان وبريم وذكر أهلهما. قال ياقوت: (موقعها) تحت البصرة قرب البحر الملح، فان دجلة إذا قاربت البحر انفرقت فرقتين عند قرية تسمى المحرزي.

стр. 126

ففرقة يركب فيها إلى ناحية البحرين نحو بر العرب وهي اليمنى، فأما اليسرى فيركب فيها إلى سيراف وجنابة فارس، فهي مثلثة الشكل، وعبادان في هذه الجزيرة التي بين النهرين، فيها مشاهد ورباطات، وهي موضع رديء سبخ لا خير فيه. وماؤه ملح، فيه قوم منقطعون عليهم وقف في تلك الجزيرة، يعطون بعضه، واكثر موادهم من النذور، وفيه مشهد لعلى بن أبي طالب رضه وغير ذلك، واكثر أكلهم السمك الذي يصيدونه من البحر ويقصدهم المجاورون في المواسم للزيارة، ويروى في فضائلها أحاديث غير ثابتةٍ. اهـ كلامه وقد قال صاحب دائرة المعارف: وليس لعبادان (اليوم) من اثر باقٍ. فان مياه شط العرب تجري الآن إلى خليج فارس من مصب واحدٍ وليس هنالك جزيرة على ما وصفوا فقد أكلتها المياه (كذا) اهـ. قلنا: وقد وهم صاحب الدائرة لان البحر يجزر هناك ولا يتقدم أو يمد. ومن ثم لم يأكل شيئاً، وإنما غاضت تلك المياه ونشفت فانحسرت أرضها. وعبادان واقعة اليوم على شط العرب على عدوته اليسرى ويحيط بها من الشرق عدة انهر لا سيما نهر بهشمير وحولها مستنقعات كثيرة تنشف مياهها في أيام الصيف. وهي تبعد اليوم عن البحر قراب ٢٠ كيلومتراً. ولكونها محاطة بالمياه يصدق عليها لقب الجزيرة إلى الآن. وبريم تبعد عن عبادان زهاء خمس دقائق أو اكثر بقليل. وفيها الآن آثار أبنية قديمة يقال أنها آثار حصن بناه في سابق العهد عبد

стр. 127

لهرون الرشيد اسمه غصيب سكن في الموضع المعروف اليوم بالبريم فعمر ذلك القصر. وارض عبادان اليوم مع أرض البريم خصبة جداً وهواؤهما على احسن ما يرام. والماء عذب فرات. وليس في هذين الموضعين وبالة كما في أرض البصرة وجوارها. ٤ - مذهب أهل عبادان قال السيد إبراهيم فصيح الحيدري في عنوان المجد (وهو كتاب خط): (كان أهل عبادان كلهم مع نواحي المحمرة في القديم على مذهب الإمام الشافعي رضه كالبصرة ونواحها، ثم تشيع جميع أهل عبادان ونواحي المحمرة في القديم كلهم، وما بقي منهم أحد من أهل السنة والجماعة سوى بعض الأفراد من الدوق من عشيرة كعب.) اهـ ٥ - وجود قرى كثيرة في جوار عبادان كان يقال سابقاً: (ليس وراء عبادان قرية) قال المجد في شرحه لكلمة عبادان: (عبادان جزيرة أحاط بها شعبتا دجلة ساكبتين في بحر فارس) اهـ. وأما اليوم فوراء عبادان قرى عديدة. ويطوف بها من جهة الشرق نهر بهمشير الحاجز بينها وبن المحمرة إلى أن ينتهي إلى البحر الفارسي أو خليج فارس. فعبادان هذه واقعة على جهة النهر المذكور الغربية وعلى جهته الشرقية ترى قبان، وشاطئ نهر بهمشير المقابل لراس

стр. 128

جزيرة عبادان من جهة الشمال يسمى المحمرة وهي غير المحمرة المشهور الآن بهذا الاسم. اهـ قال السيد إبراهيم الحيدري المذكور: (مما يدخل في جانب جزيرة عبادان من الجهة الغربية (من القرى التي هي) من أملاك الدولة العلية قديماً: (أما الجريدية، والحدة، (بتشديد الدال)، ونهر الشيخ وحوش العامر، وجزيرة المحلة، والشطيط، والبريم، والبويرة (هذه الثلاث تلفظ مصغرات) والمنجوحي، وقصبة النصار) وهي آخر جزيرة عبادان، وسميت قصبة لأنها منبت قصب. وأما ما على جانب جزيرة عبادان من الجهة الشرقية: (فنهر الحياج، وكوت شنة (بتشديد النون) ونهر الحدادين، ونهر مهيوب، والصوينخ (مصغرة) فهذه كلها معمورة وباقي القرى لا غرس فيها (ولهذا لا نتعرض لذكر أسمائها).) اهـ وأما بازاء نهر الدعيجي: فخميسة (مصغر خمسة)، وسعيدان (مصغرة)، ونهر يوسف والشاخورة، والمعموري، والدربند، والخيين. (مثناة) ٦ - علماؤها خرج منها عدة زهاد وعباد ومحدثين وعلماء، ذكر بعضاً منهم ياقوت في معجمه. وممن اشتهر منهم في أواخر هذه الأزمان: ابن قاسم العبادي وهو الذي حشى تحفة ابن حجر المكي الهيتمي، وله حاشية

стр. 129

على جميع الجوامع في الأصول اسمه: الآيات البينات، وشرح الغاية في فقه الشافعية، وحاشيته على حاشية اللقاني المصري على شرح التصريف للتفتازاني، وحاشيته على حاشية عصام الدين على شرح الكافية للجامي وغير ذلك من الكتب. وفي العدد القادم نذكر بناية عبادان الجديدة مع التفاصيل المتعلقة بها. كتاب الصبوح والغبوق لعله من تأليف شمس الدين محمد بن حسن بن علي بن عثمان النواحي القاهري الشافعي صاحب حلبة الكميت، المتوفى سنة ٨٥٩هـ - ١٤٥٥م. عدد قوائمه ١٥٥ وفي كل صفحة من صفحة ١٩ سطراً بخط نسخي واضح. طوله ١٥ سنتمتراً في عرض ١١ سنتمتراً. هذا الكتاب من أسفار الأديب انطوان أفندي سمحيري في بغداد واسم المؤلف لم يذكر فيه لا في صدوره ولا في آخره. إلا انه يؤخذ من الصفحة ١٤٣ أن كاتب السفر أدرك عبد الوهاب بن حسن بن جعفر الحاجب وعاشره. فلعله إذاً للنواجي نسخة في خزانة كتب برلين الملكية عددها ٨٣٩٦. وقد جاء في آخر النسخة: (تم الكتاب بعون الملك الوهاب في

стр. 130

صبح يوم الجمعة المبارك سادس شهر ربيع الأول من شهور سنة واحد (كذا) وأربعين وألف. احسن الله ختامه آمين. على يد الفقير إلى عفو ربه المغني رمضان بن موسى بن عطيف الحنفي غفر الله تعالى له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين والحمد لله رب العالمين سنة ١٠٤١) اهـ وعنوان الكتاب يدل على فحواه. وهذا استهلال المقدمة: بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي ونعم الوكيل، أما بعد الحمد لله على ما وهب من إصلاح الشان، وإيضاح البرهان، وإفصاح السان، وسماح الجنان بالبيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، واله وأصحابه ذوي الفصاحة والتبيان، والسماحة والإحسان، فأنني رأيت طائفة الشعراء من المحدثين والقدماء، قد وصفوا الصبوح ومدحوه، وذكروا محاسنه وفضله وشرحوه، وبينوا منافعه وأوضحوه، فقصروا في المدح وطولوا. وأسهلوا في المدح والشرح واجلبوا،. . . . وقد رتب هذا الكتاب على ثلاث طبقات: فالطبقة الأولى: نذكر فيها الملوك ومذاهبهم في الصبوح وأخلاقهم والطبقة الثانية: نذكر فيها وزراء الملوك وخوصهم وأمراءهم ومن شاكلهم. والطبقة الثالثة: نذكر فيها سوقة الناس وعوامهم. ونذكر في كل طبقة ما يستدل به على همها وأحوالها واختلاف أهوائها وشهواتها وتباين طبائعها، وتركيبها وترتيبها،. ثم نتبع

стр. 131

ذلك بما قالته الشعراء ومن اختار منهم الصبوح على البساتين والأزهار، وشطوط البرك والأنهار، ونجتزئ من ذلك باليسير القليل، مخافة الإكثار والتطويل، وحسينا الله ونعم الوكيل. اهـ. والكتاب في غاية الإفادة لمن يعني بالأمور التاريخية في عصر العباسيين، والاطلاع على عوائد المتحضرين من العرب في ذلك العهد، وما كان يدور في مجالسهم من الحديث ونظم الشعر وتجاذب أطراف الكلام. وهذا الكتب ينفع أيضاً لإصلاح عدة أغلاط وردت في كتاب الأغاني، سواء وقعت من المطابع أو من الناسخ. لان اغلب الذين ذكرهم الاصبهاني في أغانيه من معاقري الخمرة ذكرهم أيضاً صاحب هذا التأليف الغريب، وفي الكتاب ما عدا هذه المنافع فائدة ثالثة وهي معرفة بعض الموضع والأمكنة والبلدان معرفة تامة وهي المواطن التي اشتهرت بحسن موقعها فجذبت إليها أصحاب الأنس والقصف فأقاموا فيها للأكل والشرب أياما عديدة. وها أنا اذكر لك شاهدا على ما أقول: كل من يبرح بغداد طالبا حلب يمر في طريقه بموطن على الفرات اسمه القائم فيه نفر من العسكر في قلعة قد بنيت في عهد مدحت باشا حفظاً للطريق من قطاع الإعراب وشذاذهم ونفضاً إياها من أشرارهم. وهناك بقايا أبنية فخمة ضخمة تدل على أن (القائم) كانت سابقاً قرية كبيرة فيها أديرة للنصارى بيد انه لم يجسر أحد أن يقول هذا القول لعدم وقوعه على ما يثبت ما يختلج

стр. 132

في الصدر وقد رأينا في ص٣٣ ما يؤيد هذا الظن ويخرجه إلى عالم الحقيقة والصحة. قال المؤلف: فصل في دير القائم الأقصى قال أبو الفرج علي بن الحسين الاصبهاني: (دير القائم الأقصى) على شاطئ الفرات بطريق الرقة. القائم الأقصى مرقب (قلت أنا: والى اليوم ترى آثار هذا المرقب مائلة) كان بين أرض الروم وارض فارس. وعنده دير جليل. ومر به الرشيد في خلافته فاستحسن الموضع واستطابه، وكان الوقت ربيعاً، وكانت المروج التي حوله مملوءة بالشقائق والأنوار، وأصناف الرياحين والازهار، فنزل به وأقام ثلاثة أيام. قال هاشم ابن محمد الخزاعي: فدخلت الدير لأراه وأطوف فيه، فرأيت جاريةً ديرانية حين نهد ثدياها، لم أر احسن منها وجهاً وقداً وملاحة واعتدالاً، وكان والله تلك المسوح حلياً لها، تضئ بها وتنير. فدعوت بمن جاءني مسرعاً بشراب، فأقبلت اشرب على وجهها واستمتع من محاسنها، فقلت فيها هذه الأبيات: بدير القائم الأقصى ... غزال شادن أحوى برى حبي له جسمي ... ولا يدري بما ألقى وأخفى جليل جهدي ... ولا والله لا يخفى (كذا) إلى آخر الحكاية. وقد روى مثلها صاحب الأغاني في ٥: ١٢٣ وفي صدر البيت الأخير: واكتم حبه جهدي

стр. 133

وأنت ترى من هذا المثال ما في هذا السفر الجليل من الفوائد التاريخية والجغرافية والعلمية والأخلاقية إلى غيرها. وفي هذا المجلد كتاب ثانٍ يبتدي من الصفحة ١٩٦ اسمه مفتاح الراح، في امتداح الراح. (ويروى مفتاح الأرواح) ونظنه لمؤلف الكتاب المذكور وهو عبارة عن ديوان شعر جمع كل مقاله الشعراء في الخمر وقد رتبه على حروف المعجم إلا أن غالب القصائد لأبي نؤاس وهذه فاتحة الكتاب بعد البسملة: (الحمد لله على ما وهب من إصلاح الشان. وإيضاح البرهان. وإفصاح اللسان. وسماح الجنان بالبيان. وصلاته وسلامه على نبيه محمد اشرف أنواع الإنسان. المنزل عليه القرآن. . . . وبعد فأنني رأيت طائفة الشعراء. من المحدثين والقدماء. وقد وصفوا الراح ومدحوها، وذكروا محاسنها وشرحوها. . . . وآخر قصائده تستهل بهذه الأبيات: في الله أياماً مضت ولياليا ... تروح روائح تربها وغواديا ليالي أطلقت العنان مع الهوى ... ورحت بها في ربقة الذنب عانيا فيا طيبها لو لم تكن قلائلا ... ويا حسنها لو لم تكن فوانيا وآخر بيت هذه القصيدة هو: وادعوا لمحو الذنب في كل موطن ... الهي عساه أن يستجيب دعائيا على أن أهم ما في هذا المجلد القسم الأول الذي ذكرناه. أما الثاني

стр. 134

فدونه منزلة وان كان لا يخلو من فائدة. بغداد: الشماس فرنسيس اوغسطين جبران ماذا يرى اليوم في سامراء إذا أتيت سامراء وأطلقت فيها طائر نظرك لا يكاد يقف على عامر قديم العهد بل تراه يحوم على أطلال وأنقاض وتلال صغار وكبار، وإذ لا يجد له مقراً يعود إليك وقد وهنت قواه. ولكل تل من هذه التلول اسم معروف عند أهل المدينة، ولما كانت هذه الأنقاض مثبوثة شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، صعب عليك حفظها أن لم تدونها في رقعة تكون بيدك. وهل يدهشك وجود هذه الأطلال الدوارس، وأنت تعلم أنها كانت في سابق العهد منتزهاً للمناذرة، ومباءة لبني العباس، ومعهد انس، ينتابه كبار الدول المجاورة؟ وكيف تعجب وأنت تدري انه كان في سامراء من القصور والشوامخ مالا يصل إلينا إلا بعض أسمائه كالشاه، والعروس، والقصر المختار، والوحيد، والجعفري المحدث، والغروب، والشيدان، والبرج، والصبح، والمليح، وقصر بستان الايتاخية، والتل، والجوسق، والمسجد الجامع، وبركوان، (ويروى بلكوارا وهو الأصح) والقلائد، والفرد، والماحوزة، والبهو، واللؤلؤة، وغيرها وغيرها. ومع ذلك فإننا لا نروي هنا إلا بعض ما رأيناه لا كله، لان وصف

стр. 135

كل ما وقفنا عليه يستلزم وضع كتاب قائم برأسه، ثم إننا نذكر أسماء بعض الأطلال مستندين على رواية الكثيرين من المعمرين الذين قطنوا في جهاتها أو ترددوا إلى جنباتها إذ هي لا تعرف اليوم إلا بهذه الأسماء التي ننقلها عنهم. فنقول: ينتهي الخراب من جهة الغرب فوق سامراء إلى (أبي دلف) أي إلى مسافة ثلاث ساعات وفيه من الآثار الخربة أربعة مواضع ويفضي الخراب من جهة الشرق وراء سامراء إلى (قلعة الجالسية) وهي تبعد عن المدينة مسافة ساعتين ونصف. أما الآثار الأربعة الغربية فهي: الأول (الصليبية) (بالتصغير والنسبة) وتبعد عن سامراء ساعة واحدة، وهي عبارة عن دعائم (أي ذلك بلغة أهل بغداد جمع دنكة مائلة لا غير. وبنائها بالجص والأجر. والأثر الثاني: (العاشق) وهو فوق الصليبية نحو ربع ساعة وأرضه كثيرة الأبنية والسراديب: واليوم قد اخذ رئيس شركة التنقيب الألمانية وهو الدكتور هرتسفلد في كشف التراب عن بعض ما فيه. وقد وجد هناك سرداباً نزل فيه العملة إلى خمسين دركاً فلم يصلوا إلى قعره بل تجولوا في فناءٍ من أفنيته ما يقرب من مائة متر فلم ينتهوا إلى آخره ولا إلى أقصى جنبة من جنباته. أما طول كل دركة من دركه فمتر واحد و٧٢ سنتيمتراً. وعرضها متر و٩ سنتيمترات. والفراغ أي ما بين مرقاة ومرقاة ٣٥ سنتيمتراً.

стр. 136

وأما سقف ذلك الفناء فمعقود بالطاباق أو الطابوق (وهو اسم الآجر المشوي بالنار بلغة أهل العراق والكلمة قديمة الوضع وترى في كتبهم) والجص: وفيه من غريب التصاوير والرسوم الهندسية وبديعها، ما يدهش الأفكار ويسحر الأبصار. وتبلغ ساحة أرض العاشق الخربة ٣٥٠ متراً طولاً في ٢٢٠ متراً عرضاً. وبجانب العاشق قصر آخر يعرف (بالمعشوق) ويسمى البعض (العاشق والمعشوق) باسم (الشاه والعروس) وقد ذكرهما ياقوت فقال: الشاه والعروس: قصران عظيمان بناحية سامرا انفق على عمارة الشاه عشرون ألف ألف درهم. وعلى العروس ثلاثون ألف ألف درهم. ثم نقضت في أيام المستعين، ووهب نقضانها لوزيره احمد ابن الخصيب فيما وهب له. اهـ كلام ياقوت.

стр. 137

وإزاء العاشق في الجانب الشرقي من ضفة دجلة (الكوبر) (بالكاف الفارسية وتصغير الاسم) وهو تلول مسافة طولها قراب ١٠٠ متر وعرضها

стр. 138

اليوم ١٠ أمتار وقد أكل الشط نصفها وبقي نصفها الآخر وظهرت

стр. 139

فيها غرف مبنية بالجص والآجر مع سراديب وهي اليوم في وسط الماء إذ مهواه عليها وفي أيام الفيضان يحيط بها الماء وتكون شبيهة بالجزيرة. والأثر الثالث (حويصلات. مصغرة وبتشديد اللام المفتوحة) وهي فوق العاشق بنحو ساعة. وهي تلول صغار وكبار لا غير. والأثر الرابع مهيجير (مصغرة) وهو تل مسطح علوه ٥ أمتار وطوله ٢٠ متراً. هذا كل ما في الجانب الغربي من الآثار. وأما الجانب الشرقي فآثاره الدوارس كثيرة لا تكاد تحصى. وقد قلنا إنها تنتهي من جهة الغرب إلى (أبي دلف) ومن جهة الشرق إلى قلعة (الجالسية). فلنأخذ الآن بذكر أم هذه الآثار وأعظمها شاناً وهي سامراء نفسها. ثم نأتي على ذكر بعض تلك الآثار شيئا بعد شيءٍ شرقاً وغرباً. واعلم قبل ذلك أن سامراء هي اليوم قائم مقامية من ملحقاتها قرية الدور وهي تبعد عنها غرباً مسافة أربع ساعات ونصف. وتكريت وهي فوق الدور مسافة ٣ ساعات. وبلد وهي في شرقي سامراء وتبعد عنها مسافة ٧ ساعات. والدجيل (مصغرة) ويقال لها أيضاً سميكة (مصغرة) وتبعد عن بلد ٣ ساعات ونصف. ويحيط اليوم بسامراء سور عظيم له أربعة أبواب كبار تكاد تكون

стр. 140

متجهة نحو الجهات الأربع المعروفة. ولكل باب من هذه الأبواب اسم يعرف به وقوم من أقوامها يخرجون منه ويدخلونه. فالباب الذي عن يمينك يعرف (بالناصرية) وبعضهم يسميه (الحاوي) وهو باب (البو بدري والعشاعشة) ويبلغ رجال البو بدري من ١٥٠ إلى ٢٠٠ رجل. ورئيسهم (جاسم المحمد فائز). وعدد العشاعشة ما يقرب من ٤٠ بطلاً. ومن رؤسائهم (السيد حسون الياسين). والباب الذي عن شمالك اسمه الباب (الملطوش) والملطوش بلسانهم المردوم. وكان مسدودا بالآجر ثم فتح عند ورود بعض شاهات العجم إلى سامراء. وهذا الباب خاص بأعراب (البو عبد الرحمن) ومقدارهم ٣٠ رجلا. ورئيسهم (خلف الحسين). والباب الذي يكون وراءك يعرف بباب القاطون (بالنون وهو تصحيف القاطول باللام) وهو خاص (بالبونيسان والبو عباس) وعدد اولئك يتردد بين المائتين والثلاثمائة رجل. وهؤلاء بين الستمائة والثمانمائة. رئيس البونيسان (الحاج فتح الله) ورئيس البو عباس (السيد حمدي). والباب الذي تراه أمامك يعرف بباب بغداد. وهو باب بغداد (البوباز والبو عظيم) تصغير عظيم. وعدد صناديد العشيرة الأولى ٧٠٠ رجل

стр. 141

ورجال العشيرة الثانية ٢٠ ورئيس الفرقة الأولى السيد جاسم العلي الأكبر ومقدم الزمرة الثانية (علي خلف) - وكل هؤلاء الأقوام يدعون السيادة وانهم حسينية النسب. وفيهم من يقطن البادية إلا انهم غير بعيدين عن الحاضرة. وهم (البو دراج) والبو عيسى) وغيرهم. ويبلغون ستة آلاف رجل. ومنهم من استوطن جانبي بغداد وعددهم زهاء ألف رجل ورؤساء جميع أهل سامراء من بلد منهم ومن تبدي هم (البو صالح الشيخ) ولهم الكليدارية أي بيدهم مفاتيح حضرة الإمامين علي بن محمد الجواد، وأبو الحسن العسكري وراثةً أباً عن جد والذي منهم اليوم في المنصب (السيد حسن ابن السيد علي). وهو رجل جليل فاضل لا يضاهيه رجل من أهل بلدته. وأما الغرباء الذين فيها فلا يقلون عن ألفي رجل. منهم دوريون (أي من قرية الدور المذكورة) في صدر هذه المقالة ومن بقي منهم أعجام من بلاد إيران. وقد توطنوها حباً وشغفاً بالأيمة المدفونين فيها. وتبركاً بمجاورة ضرائحهم. وقد شيد قبل نحو عشرين سنة الميرزا السيد حسن الشيرازي

стр. 142

طيب الله ثراه أندية العلم للزائرين والغرباء المسافرين. ولو بقي هذا الرجل حياً إلى هذا اليوم لأعاد شيئاً مذكوراً من مجد سامراء في سابق عهدها. لكن أبى الله أن يكون ذلك. وفي سامراء اليوم ثلاث مدارس يدرس في إحداها من انخرط في سلك طلبة العلوم الدينية وعلوم اللغة والأدب على ذاهب أهل السنة. ومن مدرسيها حضرة العلامة السيد عباس أفندي آل أمين الفتوي. وهو اليوم أيضاً أمين الإفتاء في سامراء. ومنهم أيضاً حضرة السيد عبد الوهاب أفندي وهو المدرس الثاني. - والمدرسة الثانية مدرسة رسمية خاصة بالحكومة والمترددون إليها مبتدئو الطلبة ويدرس فيها مبادئ العلوم التركية. والمدرسة الثالثة مدرسة تحاكي الأولى في الرتبة والتدريس إلا أن طلبتها من الشيعة وكلهم من الإيرانيين. وهذه المدرسة أكبر بناءً من أختها بناءً ومادة في العلوم. ومن أساتذتها الكبار حضرة المجتهد الشيخ محمد تقي التبريزي. وحضرة الشيخ محمد حسن آل كبة. وليس لمدرسي هذه المدرسة راتب من قبل الحكومة ولا لطلبتها رزق في السجلات الرسمية. غير انه يأتيهم من بلاد إيران حقوق معلومة من خمس وزكاة وما أشبههما فيدرون إخلافها على الطلبة هناك. وفي سامراء حضرة لمرقدي الإمامين علي الهادي وحسن

стр. 143

العسكري. وحليمة خاتون أخت الإمام علي الهادي. ونرجس خاتون زوجة الإمام حسن العسكري وأم صاحب الزمان معاً. وصاحب الزمان هذا هو محمد المهدي ويحيط بتلك الضرائح شباك من النحاس الأصفر يعلوه قبة من الذهب الإبريز كبيرة جداً ترى من بعد ١٢ ساعة وهي تتلألأ في الشمس كأنها شمس ثانية. وباطن هذه القبة البديعة الحسن مع الرواق الذي فيها مرصوف بقطع الزجاج المقطوعة على رسوم هندسية وقد رصعت في الحيطان ترصيعاً تسحر الألباب وتسبي العقول. وهذه القطع الموضوعة على أشكال هندسية تعرف باسم (عاينة) (بإسكان الياء وفتح النون، عند أهل العراق واللفظة تركية بمعنى المرآة) وفي الجهة الغربية من الرواق التي عن يسارك إذا دخلت الباب قبور الخلفاء العباسيين المعتصم والمتوكل وغيرهما وقد خربها الحاج ميرزا محمد السلماسي يوم عمر الحضرة المذكورة ولذلك لا يعرف لها اليوم اثر يذكر

стр. 144

ويطوف بتلك الحضرة صحن يدور عليها من أربعة أركانها. وأما جدرانه فمبنية كلها بالرخام إلى ارتفاع نحو خمسة أمتار. وما بقي من الجدار إلى نحو متر ونصف فمزين بالقاشاني ومكتوب عليه آيات من القرآن. وفي الزاوية الغربية من الصحن عن يمين الحضرة بئر يحتال بها خدام ذلك المحل على المغفلين من الزوار بأن يطلعوا في وسط مائها هيئة قمر بازغ لا يأفل ليلاً ولا نهاراً بل ولا يتحول عن محله ويروون لهم في هذا الصدد أن نرجس خاتون أم المهدي أطلت يوماً من الأيام على قمر البئر فقطر من ثديها قطرة من اللبن. فكان من تأثيرها على قعر البئر هذا الأثر وذلك لابتزاز المال. وبجنب البئر جدار حاجز بين الصحن المذكور وصحن قبة (غيبة الصاحب ابن الحسن العسكري) الذي تدعي الشيعة انه غاب عن الأبصار وهو حي يرزق وانه يظهر بعد حين. الأمر الذي ينكره السنة كل الإنكار. وقد اتفق الفريقان على ولادته واختلفا في وفاته واسم هذا الإمام الأصلي محمد المهدي. وله أسماء وألقاب كثيرة منها: صاحب الزمان، والقائم، والحجة، والمنتظر، وصاحب العصر، وخليفة الله في الأرض، وصاحب الأمر وغيرها. ولذلك المحل أيضاً حضرة ذات صحن صغير وهو عبارة عن صفة أو طارمة عرضها ما يقرب من سبعة أمتار وطولها ١٥ متراً وسمكها مثل عرضها. ثم تدخل رواقاً على مثال الصفة أو الطارمة المسنمة. ثم تنزل إلى سرداب فيه ١٣ دركة. ثم تمشي مسافة قدرها عرض ٥

стр. 145

درجات ثم تنحدر منها ٦ دركات فتهوى إلى فرجة بين عقدين. ثم تسلك في برزخ وتأتي بهواً صغيراً فتجد هناك باب مخدع من خشب الصندل مكتوب حفراً على إطاره مما يلي الأرض من يمينك ما هذا نقل نصه بالحرف الواحد: (بسم الله ارحمن الرحيم. قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى. ومن يقترف حسنةً نزد له فيها حسناً. وان الله غفور شكور.) ثم تجد كتابة تبتدئ من اسفل الإطار وتصعد إلى أعلاه ثم تنحدر إلى أسفله. وهذا حرفها: (هذا ما أمر بعمله سيدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام أبو العباس احمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين. الذي طوى البلاد إحسانه وعدله. وغمر البلاد فضله. قرن الله أوامره الشريفة باستمرار النجح والنشر. وبإظهاره التأييد والنصر وجعل لأيامه المخلدة حداً لا يكبو جواده. ولآرائه الممجدة سعداً لا يخبو زناده في عز تخضع له الأقدار فتطيعه عواصيها. وملك تخشع له الملوك فتملكه نواصيها. يتولى المملوك معد ابن الحسين بن معد الموسوي الذي يرجو الحيوة في أيامه المخلدة ويتمنى أنفاق بقية عمره في الدعاء لدولته المؤبدة. استجاب الله ادعيته. وبلغه في أيامه الشريفة أمنيته). وترى على العتبة محفوراً أيضاً ما هذا إعادة نصه:
следующие страницы →