Полный текст (6 158 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
بن حلوان بن عمران: بطن كبير (من قضاعة) وفيهم كثير من الصحابة. ومواطنهم ما بين غزة وجبال الشراة من الشام وجبال الشراة من جبال الكرك.
٨ - ديارهم الأصلية
ديار بني جرم الأصلية هي نفس ديار قضاعة لأنهم جذم منهم. على أنه قد جاء في كتاب صفة جزيرة العرب للهمداني (ص ١٦٣) ما هذا حرفه: ديار جرم من بين العرب متفرقة منها باليمامة، ومنها بالبصرة، ومنها بالعقيق ومنها بحضرموت. وكان لها دار بصعدة في وادي يشور ولها دار ما بين صنعاء ومأرب، ولها بدينة واحور مسلم وخاصة لبني دينار وبني سبيلة) أهـ وقد ذكرنا قبيل هذا كلام ابن خلدون في هذا الصدد ولاحظنا في الحاشية إنه مخطئ في كلامه ذاك وأن ما يشير إليهم وإنهم موجودون في أنحاء غزة هم جرم طيء لا جرم قضاعة.
وقال صاحب الأغاني عن جرم قضاعة إن منازلهم كانت بالفلج (راجع ٧: ١١٨) وفي نواحي الشام مع محالفيهم كلب وعذرة (٧: ١١٨).
стр. 1192
ثم نزلوا السماوة. قال (في ١١: ١٦٢): أغارت حمير على بقية قضاعة فخيروهم بين أن يقيموا على خراج يدفعونه إليهم أو يخرجوا عنهم فخرجوا وهم كلب وجرم والعلاف. وهم بنو ربان بن تغلب بن حلوان. وهو أول من عمل الرحال العلافية. وعلاف لقب ربان
فلحقوا بالشام فأغارت عليهم بنو كنانة بن خزيمة بعد ذلك بدهر فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وانهزموا فلحقوا بالسماوة فهي منازلهم إلى اليوم.) أهـ.
٩ - أوصافهم حينما كانوا في ديارهم
القبائل كالرجال لها من يمدحها ولها من يقدح بها. قال زيد الخيل يمدح بني جرم عند الخليفة عمر: (جرم فوارس الغدرة، وطلاعو نجوة، ولا تحل لهم حبوة، ولا تراع لهم ندوة، ولا تدرك لهم نبوة؛ عمود البلاد، وحية كل واد، وأهل الاسل الحداد، والخيل الجياد، والطارف والتلاد. (عن الأغاني ١٦: ٥٠) - وقال من يذمهم وهو حميد بن ثور الهلالي يكلم رجلين أرسلهما في قضاء أمر:
وقولا إذا جاوزتما أرض عامر ... وجاوزتما الحيين نهداً وخثعما
نزيعان من جرم بن ربان إنهم ... أبوا أن يميروا في الهزاهز محجما
قال ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء ص ٢٣١ من طبعة لبسيك: أمرهما أن ينتسبا إلى جرم لأن العرب تأمنها لذلها ولا تخاف منها غارة.) اهـ.
١٠ - الخلاصة
هذا بعض ما وصلت إليه يدنا من التحقيق وهناك تفاصيل غير هذه وإنما اجتزأنا بما ذكرنا حباً للاختصار. ونحن نقضي العجب من أن دائرة المعارف للبستاني ومعلمة الإسلام لمستشرقي الإفرنج أرباب الفنون المتخصصين لها لا تذكر أن شيئاً عن الجرامقة ولا عن جرم أو بني جرم أو الجرميين أو الأجرام مع إنك رأيت خطورة هذا البحث ومنزلته من التاريخ مما وقفت عليه في مطاوي هذه السطور. فعسى أن يعوض عن هذا النقص بما يفيد القوم في الملحقين اللذين يدرج فيهما ما فات أولئك المؤلفين. هذا ما في وطابنا ومن زادنا تحقيقاً زدنا
الشيخ عثمان بن سند البصري
-
١ - مقدمة تمهيدية شكراً.
стр. 1193
من أجمل القرون الأخيرة التي مرت على العراق وأبهاها وأحسنها وأرقاها القرن الثاني عشر والثالث عشر للهجرة. إذ قد شيد فيهما مدارس للعلم وأندية للآداب ومساجد للعباد وزوايا (تكايا) للزهاد. ونبغ فيهما من العلماء والشعراء والفضلاء والصلحاء الكثير كآل الحيدري وآل السويدي وآل الرحبي وآل الألوسي وآل الشاوي وآل العمري وآل القزويني وآل الطالقاني وآل الطباطبائي وآل الازري وآل الشيخ جعفر الكبير وآل بحر العلوم وآل الخنساري وآل الطريحي وآل البحراني وآل الجزائري وآل عصفور وآل قفطون وآل النحوي وآل السيد سلمان الحلي وآل الشهرستاني وآل يسين وآل الكواز وآل الطبقجلي وآل المدرس ومن البيوتات كمحمد فيضي الزهاوي والسيد حيدر الحلي والشيخ حمادي نوح والشيخ جابر الكاظمي والسيد حسين العشاري والسيد جعفر الحلي والشيخ محمد الأعسم والشيخ صالح التميمي والملا عمر رمضان الهيتي وعلاء الدين الموصلي والشيخ محمد بن النائب والشيخ عيسى البندنيجي والشيخ خالد النقشبندي وغير هؤلاء الأماثل من الأعلام المشاهير ممن يضيق نطاق المجلة عن ذكر أسمائهم ومن جملة من نبغ منهم وأشتهر كل الشهرة الشيخ عثمان بن سند البصري المترجم قي هذه العجالة
٢ - نسبه ومولده وشيوخه وأحواله
الشيخ عثمان ابن سند البصري نجدي الأصل من عنزة بصري الموطن ولد في نجد في سنة ١١٨٠هـ - ١٧٦٦م ثم سكن البصرة ولما ترعرع وشب قرأ القرآن وتعلم الكتابة ودرس قواعد الإعراب ثم أخذ العلم عن الشيخ محمد بن فيروز النجدي. من كبار العلماء النجديين، وعن اليتوشي وقرأ على الشيخ زين العابدين المعروف بجمل الليل المدني - عند وروده البصرة في فبغداد في سنة ١٢٢٢هـ - ١٨٠٧م - أوائل الكتب الستة وأجازه الشيخ المذكور وسلك في الطريقة على شيخ خالد النقشبندي ثم صار مدرساً في المدرسة الرحمانية في البصرة وبقى فيها مدة عمره وكان مالكي المذهب متعصباً جداً ونقل بعض العلماء إنه صار في آخر أيامه سلفي العقيدة وهذا غير صحيح لأنه تكلم على الوهابية في كتابه (نيل السعود) وذم طريقتهم بل شنع عليهم وهذا الكتاب صنف في السنة الأخيرة من عمره. وقال فيه (أعني المترجم) صاحب حديقة الأفراح لإزالة الأتراح: (هو طرفه الراغب وبغية المستفيد الطالب) أهـ وكان له في اللغة
стр. 1194
باع طويل وقوة عارضة حتى قيل إنه كان يحفظ كتاب القاموس للفيروز بادي من أوله إلى آخره.
٣ - مؤلفاته
ألف المترجم كتباً كثيرة غزيرة المادة وقد أفاد في بعضها فائدة كلية منها شرح النخبة في أصول الحديث ومنها اهنأ الموارد من سلسال مدائح الشيخ خالد (يعني الشيخ خالد النقشبندي) ومنها كتاب منظم الجوهر في مدائح حمير ومنها رسائل في الأدب سماها فكاهة السامر وقرة الناظر وكتاب نسمات السحر وروضة الفكر ومن كتبه التي اشتهرت كتاب مطالع السعود في تاريخ داود وهو كتاب يبحث في سير الوزير داود باشا وترجمة حياته وشيوخه ومجيز به ويحكي بعض الوقائع التي وقعت في السنين الأولى من عمر الوزير المذكور والتي وقعت في أيام حكومته أيضاً بين أعراب المتفق وزبيد والخزاعل (خزاعة) ونجد والأعجام وكعب والأكراد وشمر وعنزة والعبيد وعقيل والدفافعة وغير هؤلاء الأعراب ويحكي أيضاً عن محاصرات البصرة وبغداد مبتدئاً فيه من سنة ١١٨٨ إلى سنة ١٢٤٢هـ أي ١٧٧٤ - ١٨٢٦م وهي آخر أيام المؤلف وننقل هنا للقارئ نبذة وجيزة من الكتاب لا تخلو من فائدة وليطلع على فحوى الكتاب قال في المقدمة: (. . . وقد كنت وعدت حضرته العلية (يعني داود باشا) تأليف كتاب يتضمن ذكر أوصافه السنية. . . وذلك. . . في الرابعة والثلاثين بعد المائتين وألف. . . فاجتمع عندي من ذلك ورقات ونكات هي من حسنات الزمان. . . لكنها لما لم ينظم ببيان التأليف سمطها وطال عليها الزمن ذهب منها كل حسن ولكم عاتبني الأديب الأريب. . . عبد القادر بن عبد الله الحيدري قاضي البصرة في تأخير تبييض ذلك الموعود المرة بعد المرة وأخبرني إن الحاج محمد أسعد المشهور بابن النائب طامح منه عيون الهمم والمطالب إلى إخراجه من أدهم السواد. . . إلى أن ورد كتاب من بعض من تشرف بحلول أنظار سامي الجناب (يعني داود). . . وذلك في السابع والعشرين من رمضان. . . وما تضمنه الكتاب بعد السلام والعتاب إلى أن قال: (لا يخفى على شريف علمكم أنه تعلقت إرادة الحضرة العلية. . . بوصولكم إلى دار السلام لتفوزوا بما يغبطكم به الخاص والعام.) ولما علمت تعلق تلك الإرادة بوصولي
стр. 1195
إلى دار السلام. . . اغتربت غارب الارتحال. . . ووافق دخولي دار السلام أثنى عشر ذي الحجة الحرام في عام أرخته (داود يمتثل أمره) سنة ١٢٤١هـ. . . ولما انصرفت من سراياه. . . ووصلت إلى البيت الذي بوأني إياه أرسل في الحال ما لاق من الكسوة واتبعها بعد أيام من الدراهم بحبوة. . . فشكرته نظماً ونثراً وخلدت له بهذا الأنموذج ذكراً لما علمت يوم دخولي بغداد إنه العلة لإرسال الكتاب من المواد فدونك أيها الوزير كتاباً لشمائلك عديم النظير. . . وابتداء تأليفة اليوم الحادي والعشرين عام أحد وأربعة بعد المائتين والألف (هجرية) إذ لم يكن فيه كلمة مما في تلك الأوراق بل ولا حرف لما ذكرت من اضمحلال أكثرها. . . مرتباً على سنين وأعوام أولها عام ولادة ذلك الهمام (يعني داود) مبيناً فيه في كل سنة ما وقع من الأحوال مما أحاط به علم مؤلفه من ثقات الرجال. . . مترجماً للوزراء من سليمان إلى سعيد ذاكراً لهم ما يليق ذكره في هذا الديوان ولمصاحب له أيده الله وخادم ولأناس من علماء مصره الأكارم ممن اطلعت على مواليدهم ونفائس أحوالهم ومن مات منهم ذاكراً ما سبق أزمنة وفياتهم. .) أهـ
وفي هذا الكتاب فوائد تاريخية جمة لأنه يمثل للقارئ حالة العراقيين من بدو وحضر في أيام حكومة عمر باشا من سنة ١١٨٨هـ - ١٧٧٤م ثم حكومة مصطفى باشا ١١٨٩هـ - ١٧٧٥م فحكومة عبدي باشا في السنة المذكورة فحكومة عبد الله باشا ١١٩٠هـ - ١٧٧٦م فحكومة حسن باشا سنة ١١٩٢هـ - ١٧٧٨م فحكومة سليمان باشا الكبير ١١٩٣هـ - ١٧٧٩م فحكومة علي باشا كتخدا ١٢١٧هـ - ١٨٠٢م فكومة سليمان باشا القتيل ١٢٢١هـ - ١٨٠٦م فحكومة عبد الله باشا الكردي ١٢٢٥هـ - ١٨١٠م فحكومة سعيد باشا ابن سليمان باشا الكبير ١٢٢٨هـ - ١٨١٣م فحكومة الوزير داود باشا ١٢٣٢هـ - ١٨١٦م. ثم ذكر ما حدث في أيامه من الحوادث على ترتيب السنين إلى سنة ١٢٤٢هـ - ١٨٢٦م ويعلم مما تقدم أن معظم الكتاب في أخبار غيره (أعني داود) وهو كذلك لأن سيرة الوزير سليمان باشا الكبير والمحاربات التي وقعت في أيامه استوعبت من صفحات الكتاب أكثر مما استوعبته سيرة الوزير داود باشا من الصفحات.
وقد ذكر المؤلف كثيراً من تراجم رؤساء القبائل والفرسان المشهورين وعلماء البصرة وبغداد والأطراف المجاورة لهما ثم ختمه بذكر من قرأ عليهم الوزير وأخذ
стр. 1196
عنهم واستجازهم وجالسهم وقد ترجمهم على حسب معرفته بهم وإطلاعه على أخبارهم وأحوالهم.
والكتاب في أكثر من ٦٠٠ صفحة بالقطع الكبير وهو لم يتم لأن حكومة الوزير داود امتدت إلى أواخر سنة ١٢٤٦هـ - ١٨٣٠م والمؤلف توفى قبل ذلك بأربع سنين ونحو نصف هذا الكتاب شعر هو في مدح ورثاء وشكر وذم الذين جاء ذكرهم في الكتاب المذكور وأكثره في الوزير داود ونثر الكتاب كله مسجع على عادة كتاب القرون الوسطى وهي من أقبح العادات وهو خط لم يطبع إلى الآن ومنه في بغداد نسختان واحدة في المكتبة المرجانية وأظنها مكتوبة في أيام المؤلف وبخطه والأخرى في مكتبة الأباء الكرمليين وقد نقلت على الأولى بقلم إبراهيم أفندي بن عبد الغني الدروبي وكلتاهما بخط جلي صحيح وقد اختصره بعضهم فطبعه على الحجر وخطه أمين بن حسن الحلواني المدني وطبع هذا المختصر في بمبي في المطبعة الحسينية سنة ١٣٠٤ في ٦٣ صفحة بقطع الربع.
ومن كتب الشيخ عثمان كتاب (سبائك العسجد في أخبار أحمد نجل رزق الأسعد) وهو في ترجمة حياة الشيخ أحمد المذكور من يوم مولده إلى مماته كما قاله مؤلفه بعد مقدمة نثرية وشعرية في المترجم قال في صفحة ١٣: (. . . وحين قضى لسان حاله من نعت بعض أحواله صمم العزم على ما قصد. . . من إنشاء ترجمته وذكر أحواله من مولده لموتته. . .). اهـ.
وقد ترجم فيه أيضاً أحوال الرجال الذين جالسوا المترجم وصحبوه وخدموه وكاتبوه وعرفهم وعرفوه من أعيان البصرة ومشايخ الزبارة والبحرين والكويت وبعض أعيان نجد والبلاد العراقية وذكر فيه أيضاً القرى والبلاد التي قطنها المترجم وتاريخها فهو ككتاب مطالع السعود السالف الذكر إلا أنه خال من ذكر الحوادث والوقائع لا غير.
والكتاب نصفه نثر ونصفه نظم ونثره سجع على نهج يورث القارئ الملل والسأم لأول نظرة ينظرها فيه وقد ذيله بذكر تراجم أولاد الشيخ أحمد المترجم فبلغ عدد المترجمين فيه ٤٢ فاضلاً وهو مطبوع في مطبعة البيان ببمبي سنة ١٣١٥هـ في ١١٧ صفحة بقطع الربع.
стр. 1197
ومن مؤلفاته نظم قواعد الإعراب ونظم الأزهرية ونظم مغنى اللبيب ومنظومة في العقائد سماها: (هادي السعيد) ضمنها جوهرة التوحيد وزاد عليها، ونظم النخبة في أصول الحديث وله منظومات في علم الحساب ومنظومة في فقه السادة المالكية وله الصارم القرضاب في نحر من سب الأصحاب نظماً في نحو ألفي بيت وهو رد علي دعبل الخزاعي الموفى سنة ٢٤٦هـ - ٨٦٠ م.
٤ - شعره وأفول شمسه
كان الشيخ عثمان من المكثرين في النظم والمطيلين فيه فقد تبلغ القصيدة من نظمه مائتي بيت وفي بعض أشعاره ركة وفي بعضها رقة وجزالة وهذه قليلة ومنها وقد ضمنها كتابه (نيل السعود) قوله في ذم الدهر:
شكوت فما أشكاني الدهر إنني ... لفي حيرة من ريبه وصروفه
كأني قرن للزمان محارب ... إذا رمت سلماً سل حمر سيوفه
سقى كل ذي جهل بكأس حياته ... وذا العلم ارواه بكأس حتوفه
فلا تك بدراً كاملا في ضيائه ... إذا تم بدر حان وقت كسوفه
وله أيضاً في ذم الدهر وقد ضمنها كتابه المذكور:
كلما قلت إن دهري يصفو ... ورياح المنى بصفوى تهفو
كدر الدهر بالخطوب اللواتي ... لم يذق لي من قدحها الغمض طرف
فكأني من اعتلالي فعل ... يعمل النصب فيه والجزم حرف
رقعتي أن يقال هذا أديب ... جاع بطناً وفيه ظرف ولطف
وله أرجوزة جمع فيها أقسام الحديث قال بعد البسملة والحمدلة والصلاة:
هذا وما إلى نبينا انتهى ... من سنن في الاصطلاح قستها
لمتواترٍ وللمشهور ... صحيحها والحسن المأثور
وصالح مضعف ضعيف ... مسندٍ المرفوع والموقوف
مؤتمنٍ معاقٍ مدلس ... ومدرج عالٍ ونازل قس
مسلسلٍ غريبٍ العزيز مع ... معانٍ فردٍ وما شذ أتبع
متقلبٍ مديح مصحف ... وناسخٍ منسوخٍ المختلف
دونكما على اختصار مجمله ... لكنها بديعة مكمله
وله من أبيات كتب بها إلى الوزير داود باشا وهي من باب الجناس:
стр. 1198
صلوا صبكم إن الهوى قاتل له ... ومنوا عليه بالوصال لكم منا
واسقوه من صهباء تقريبكم له ... مثلثة تحكي مذاقتها منا
ومنوا بتكليم له حالة الرضا ... ليرجع بالمن الذي لم يشب منا
إلى غير ذلك من أشعاره الكثيرة.
وقد توفى كما هو مذكور في ظهر كتابه سبائك العسجد في بغداد سنة ١٢٤٢هـ - ١٨٢٦م ودفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي قرب مرقد زبيدة زوج الرشيد وقد قرأت في بعض المجاميع أنه توفى في سنة ١٢٤٠هـ وقال مختصر كتابه مطالع السعود توفى سنة ١٢٥٠هـ وهما خلاف والأول أصح كما تقدم من تاريخ تصنيف كتابه مطالع السعود ولو كان على زعم الأخير لأتم سيرة الوزير داود وأتى بذكر بقية أيامه ولما ترك تصنيفه هذا ناقصاً والله اعلم.
كاظم الدجيلي
الشيخ السكير
قطعت من عمرك جل الطريق ... بمعصيات الله هلا تفيق
تثنيك عن نهج النهى خمرة ... كما انثنى عطف القوام الرشيق
خدر أعصابك خمر الهوى ... فرحت منه في سبات عميق
ولهان عن غيك لا تنثني ... سكران لا تسمع نصح الصديق
هوت بك النفس ولم تعصها ... إلى مكان من هواها سحيق
نبذت ما قد يرتضيه الحجي ... واخترت من جهلك مالا يليق
رفيقك الجهل وكأس الطلا ... فبئس ما اخترت وبئس الرفيق
إلى م والعمر انقضى جله ... وأنت لا تصحو ولا تستفيق
يكفيك تجديد المعاصي هوىً ... يا أيها الشيخ بحمرٍ عتيق
حسبك شيباً قد بدا منذراً ... أن واسع العمر غدا في مضيق
يا ويح شيخ قد قضى عمره ... وهو في بحر المعاصي غريق
يلقى الذي يرشده عابساً ... وذا الغوايات بوجه طليق
تباً له من بغنٍ مدمن ... زاغ ضلالاً عن سواء الطريق
إبراهيم منيب الباجه جي
стр. 1199
لواء السليمانية
١ - مدخل البحث
لما كنت مغرماً بالبحث عن آثار بلادي وأحوالها، وما بلغته في سابق الأزمان، من الرقي والتقدم والعمران، مما جعل الأجانب يتحملون المشقات، ويبذلون الألوف من الليرات، فيأتون من بلاد نائية، وربوع قاسية، لرؤية ما أبقاه لنا أسلافنا من الآثار، والوقوف على ما كانت وصلت إليه تلك الربوع والديار، من التقدم المادي والأدبي، رأيت أن أسطر هنا مجمل ما علمته عن لواء السليمانية، الذي كان سابقاً مهبط الأمم الكبيرة، ومقر الأقوام التي شادت صروح العلم، وأعلت شأن الآداب، وما فيه اليوم من الآثار، والأبنية الفخمة، التي لم يبق منها سوى أطلال دارسة، وآثار مندثرة، تنطق بعظمة بانيها، ومدنية قدماء ساكنيها، بل أريد أن أبحث عما فيه من المعادن والمناجم الطبيعية، التي لو بذلت الهمة في استخراجها من بطون الأرض، لعادت على هذه الأمة التي تشكو الفقر المدقع، في بلاد هي أغنى بلاد الله، بمال وفير، وخير كثير، ورفاه وسعادة.
وليعلم القابضون على زمام الملك إن هذه البلاد لا ينقصها شيء سوى الأقدام والثبات والتساهل مع أغنياء البلاد على استثمار مناجم بلادهم، وتخفيف وطأة الرسوم التي تضربها على المنقبين والضامنين للمناجم المعدنية. خذ مثالاً على ذلك (حمام العليل أو حمام علي) بجوار الموصل ذلك الحمام الذي اتفق الأطباء المهرة، من أجانب، ووطنيين، وسياح وآثريين، على أنه لا نظير له في العالم، وهو يفوق كثيراً حمامات (مارينباد) في النمسا التي تقصدها، من كل فج وصقع الملوك، والقياصرة، والنظار، والأعيان والأغنياء من كل أمة وملة، للاستحمام به وقضاء عطلة الصيف فيه، فلو أن الحكومة اتخذت الوسائل المطلوبة، للاعتناء به، وتنظيمه على النحو ما هو جار في أوروبا لدر على الخزينة الذهب الوهاج، ولحصل الشعب على فوائد كثيرة، منها هذه المياه التي هي أحسن ما جاء من نوعها، يستشفى بها أرباب الأمراض، والعاهات الجلدية، وكم من أمثال هذه الحمامات في سليمانية وأطرافها وفي غيرها، مهجورة، متروكة، وهي تستغيث من بوارها فلا تغاث.
стр. 1200
٢ - حدودها وتقسيماتها الإدارية
السليمانية واقعة في كردستان العثمانية، وهي إحدى الألوية التابعة لولاية (الموصل) الشهيرة، مقحمة بين بلاد إيران شرقاً، وسنجق شهر زور غرباً وتبعد عن كركوك ٧٣ ميلاً إلى شرقيها، وتقسم إدارياً إلى خمسة أقضية وإحدى عشرة ناحية ٣٥٣ قرية على الوجه الآتي:
الأقضية النواحي القرى
١ - السليمانية (مركز القضاء): سراشيز شرق، سراشيز غرب، قره طاغ، بلغ وادا ١٠٤ قرى
٢ - بازيان: سنكاس - كلك سيوكا ٥٤ قرية
٣ - كل انبار: قزلجا - سروجيك ٩٥ قرية
٤ - شهر بازار: موات ٤٠ قرية
٥ - مرغا أو (معمورة الميد): يشتر - سور طاش ٦٠ قرية
المجموع ٣٥٣ قرية
وسيأتي البحث عن كل من هذه الأقضية مفصلاً كما ستراه.
٣ - عدد سكانها وأخلاقهم
يبلغ عدد سكان لواء السليمانية ٥١. ٦٠٠ نسمة موزعة في الأقضية الخمسة وفي ٣٥٣ قرية، فسكان السليمانية بما فيها من النواحي والقرى ٢٦. ٠٠٠ وقضاء بازيان بما فيه من النواحي والقرى ٥. ٤٠٠ نسمة وكل انبار ٧٠٠٠ نسمة. وشهر بازار ٦. ٦٠٠ ومرغا ٦. ٦٠٠ فالمجموع ٥١. ٦٠٠ وأما من جهة العناصر والأديان والملل فالعدد ٥١. ٦٠٠ مقسوم تقريباً على هذا الوجه: ٤٨. ٦٠٠ مسلمون ٩٠٠ نصارى و٢. ١٠٠ يهود. وأما أخلاق سكانها فحسنة وهم معروفون باللطف وطيب المعاشرة، يلتذ الإنسان بمحادثتهم، ومسامرتهم، وأكثرهم خليط من الأكراد المختلفة النسب والمشرب. والعرب هناك قليلون وهؤلاء أتوا للتجارة والأمتيار.
٤ - قضاء السليمانية وأحواله
يشتمل مركز هذا القضاء على ٤ نواح و١٠٤ قرى، وقصبة (سليمانية) وهي مركز المتصرف، وله مجلس إدارة على طريقة سائر الولايات، وفي القصبة مفتٍ، وقاضٍ، وجاب، وحاسب، ومدير برق، وآخر للديون العمومية ولحصر التبغ، وموظفون للضرائب، على اختلاف درجاتهم، وطبيب محجر (كرنتينة). وفيه محكمتا استئناف وكلتاهما في السليمانية، الأولى مدنية، والثانية
стр. 1201
جنائية، ويساعد رئيسيهما نائب مدعي العموم، ومستنطق، وتدبر أمور المدينة دائرة البلدية، ويتألف أعضاؤها من السكان بالانتخاب، على نوع ما تفعله سائر الولايات والألوية.
وحامية سليمانية، تتألف من الطابور الأول والثاني من الالاي ٤٦، والجندرمة (والمبذرقة) الموجودة هناك هي عبارة عن بلوكين بلوك (فرقة) راجلة وبلوك راكبة وهما عبارة عن ١٦ ضابطاً و٥٠ خيالاً و٨٠ راجلاً، وعدد سكان هذه المدينة ٢٦ ألف نسمة منهم ٢٤. ٨٢٥ مسلماً كردياً و١٧٥ نصرانياً كلدانياً و١. ٠٠٠ يهودي.
٥ - خطورة تجارتها وعمرانها
سليمانية ذات مركز تجاري خطير، وليس في كردستان العثمانية بلدة تماثلها بكثرة الحاصلات وسعة التجارة، وخطورة المركز، لأنه مقام وحيد لتردد القوافل التجارية إليها، تلك القوافل الواردة من العراق والذاهبة إلى طهران وكردستان، ولا أغالي إذا قلت إنها بمنزلة مخزن التجارة بين تركيا وإيران. ومن صادراتها الغنية الكثيرة، وتنقل إليها من إيران، عدا ما فيها من تجارة التبغ الواسعة وغناها منها.
وهي تحتوي على ٥ آلاف دار تقريباً وعلى ما يزيد عن ٥٠٠ حانوت و٧ حمامات، وجملة مدابغ، وعلى أكثر من ٢٠ مدرسة ابتدائية، وفيها مدرستان إعداديتان إحداهما ملكية، والأخرى عسكرية، أنشأتهما الحكومة في هذا العهد الأخير، حرصاً على تمدين أهلها الذين لا يزال أكثرهم حتى الآن في دور الجهل، وليس لنصارها ويهودييها مدرسة.
أما المباني العمومية ففيها ٤٠ جامعاً وكنيسة كلدانية صغيرة، وكنيس صغير لليهود، وفيها دار كبير للحكومة رصينة مبنية بالصخر أو الحجر الصلد على نوع ما عليه البلاد الشديدة البرد، وهناك ثكنة يقيم فيها جند الحكومة وضباطها.
٦ - لغاتها وصنائعها ومناخها ووصفها
اللغة المستعملة فيها هي الكردية، وهي وإن كانت لغة أهلها، فإنهم يتقنون أيضاً العربية، وأكثرهم متضلعون منها، حتى ظهر منهم علماء أعلام وكتاب، وشعراء، ولغويون، وفقهاء وقد تدرج منهم إلى المناصب الرفيعة جماعة في خدمة الدولة، والبعض أحرزوا ملكة الإنشاء، والبلاغة، والفصاحة،
стр. 1202
والتكلم بعدة لغات أجنبية كالفرنسوية والفارسية، والتركية. وهذه اللغة الأخيرة يتكلم بها موظفو الحكومة، وسائر أصحاب الدواوين، إلا إن اللغة العربية أكثر اللغات هناك شيوعاً وانتشاراً بعد اللغة التركية.
أما صنائعها فخاملة لا تكاد تذكر، إلا أن بعضها نجحت بعض النجاح في سليمانية لا سيما نساجة الأصواف والدباغة، والصياغة، وصناعة البنادق المرغوبة في هذا السنجق، وفي شهر زور وكركوك.
وأما مناخها فموافق للصحة، والهواء في موسم الشتاء بارد جداً، وفي الصيف معتدل لطيف، ويكثر في فصل الشتاء تساقط الثلوج حتى إنك ترى أكثر جبالها في ذلك الوقت قد لبست حلة بيضاء. وهي مشهورة بعذوبة مائها واعتدال مناخها، وخصب تربتها، وكل بيوت المدينة مبنية بالطين كبيوت اغلب القرى، وموقعها حسن طيب، والمياه تجري فيها دافقة، ولهذا يرى بجانب كل بيت حديقة صغيرة، فيها أشجار مثمرة، وحوض في الوسط، يتجدد ماؤه في كل ليلة، والماء الذي يغزر في سليمانية يأتي بطريقة فنية صناعية غريبة بديعة خاصة بذلك القطر، وبديار أربيل وكركوك، وهذه الطريقة متوقفة على أن يحفر عدد من الآبار، يتصل بعضها ببعض من قعرها، فيصب الواحد في الأخر، ويجتمع هناك كمية وافرة، تساوي كمية نهير وهو ما يسمونه عندهم بالكاريز.
٨ - حاصلاتها وخيراتها
جميع أهل تلك الديار مولعون بالزراعة والفلاحة ورعاية المواشي وبساتينهم وكرومهم تدل على همتهم ونشاطهم وإقدامهم؛ إلا أن الزراعة عندهم لا تزال على الطريقة القديمة. التي لاحظ لها من العلم في شيء. وآلاتهم التي يستعملونها لحراثة أرضهم من أخس الأدوات إذ هي أيضاً لا تزال على العادة القديمة. ولو كان لديهم آلات وأدوات زراعية حديثة. ولهم علم وخبرة بالأصول المتبعة في البلاد المتمدنة لأصبحت من أغنى أراضي الدولة العثمانية. ومع هذا كله فإن كثرة غلاتها مما يباهي بل ويفتخر بها. ومن حاصلاتها السهلية المشهورة الحنطة والشعير والأرز وزراعة التبغ عندهم متقدمة جداً وصادراتها منه وفيرة تقدر بعشرين ألف ليرة. يرسل نصفها إلى بغداد عن طريق كركوك واربيل. وحاصلاتها الجبلية هي العنب والليمون والرمان والتين والفستق.
стр. 1203
ويقدر العارفون ما يخرج منها من هذا النوع الأخير بألفي ليرة كمية وافرة. هذا عدا ما يصرف منه في البلدة نفسها. ومن محصولاتها الجوز وقد اشتهر هذا الجنس بلطافة قشوره حتى أن الطفل ليكاد يكسر الجوزة بيده من دون أن يحتاج إلى الحجر يستعين به على كسرها. وأهم صادراتها الشهد الذي لا نظير له في الدنيا. وهم يعملون للنحل خلايا (كواثر) وفي موسم الشتاء يشتغل الناس بجمعه على طريقة فنية. وأصول غريبة معروفة عندهم.
٨ - جبالها ومنظرها
أرض السليمانية جبلية. والجبال محيطة بجميع جهاتها. وهي عبارة عن سلاسل متصلات بعضها ببعض ولا يزيد ارتفاعها على ألف متر. ويعلوها الثلوج على الدوام. وفي أيام الشتاء عند اشتداد حرارة الصيف يسيل ماء الثلج من على الجبال فيهدم الدور ويتلف المزروعات. ويحصل من جراء ذلك أضرار في النفوس والقرى والبساتين لعدم اتخاذ الحكومة الوسائل الناجعة لوقاية أهل البلاد من هذه المصائب التي تتوالى عليهم كل حين التي منها ما جرى سنة ١٣٢٧هـ عند انحدار المياه من شواهق الجبال. فإنها دمرت أكثر من ثمانين داراً وأخرجت عدة بساتين وقرى. وبقيت عدة أسر من أرباب الغنى تتضور جوعاً وتطلب الصدقات دع عنك الأضرار في النفوس. وصقع السليمانية مشهور بحسن منظره الطبيعي. ومواقعه الجبلية التي تأخذ بمجامع القلوب فهو يمتد بين سلسلتين من الجبال. وإذا أتيت سليمانية وأنت قادم من كركوك تتجلى لك في وسط أشجار خضراء ومروج غناء. كأنها بيضة في روضة.
٩ - عقائد السكان وآدابهم
سكان سليمانية المسلمون كلهم شديدو التمسك بالطريقة النقشبندية (وهي طريقة الشيخ خالد النقشبندي). وبالقادرية (نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلي) وهم أخذوا هذه الطريقة عن الشيخ أحمد كاكا. ولهاتين الطريقتين عندهم قوانين ونظامات وآداب لا يتعدونها. وزعماء يتوارثون الرئاسة فيها على أصول متبعة عندهم فيديرون شؤون تكاياهم وزواياهم على حد ما تدار مثل هذه الزوايا لتلك الطرائق في مصر وأواسط بلاد أفريقية.
أما آدابهم فهي لا تختلف كثيراً عن آداب سائر الكرد، وفيهم شيء من
стр. 1204
التعصب المذموم، وكثيراً ما كانوا يضطهدون وطنييهم من سائر الملل، ولذلك ترى النصارى هناك قليلين، ولهؤلاء قسيس واحد يرجع إلى مطران يقيم في (سنا) من بلاد إيران على بعد ٧ أيام من سليمانية، وليس فيه ما يجعله من رؤساء الأديان المعدودين، المدافعين عن رعاياهم. هذا فضلاً عن إن الفرمان الذي بيده هو من الشاه لا من السلطان ولهذا لا يجل إجلالاً عظيماً عند موظفي الدولة.
١٠ - تاريخها ووصفها المجمل
كانت أرض سليمانية في سابق العهد من مملكة آشور، وأما اليوم فلا شان لها يذكر، بالنظر إلى ما توالت عليها من الرزايا، والبلايا، فذهب منها ذلك العز والسؤدد، وانطمست تلك المعالم، واندثرت هاتيك الأمم، وصارت كاهس الدابر، وسليمانية نفسها ليست بقديمة ولهذا لا ترى في المدينة مباني قديمة تدل على قدمها ويقال إن منشئها سليمان باشا البابان قد بناها سنة ١٧٨٨م. وهي واقعة على مقربة من خرائب (شاربازير) أو (شهر بازير) القديمة، وقد كانت في بادئ الأمر صغيرة حقيرة، فلم تزل في نشوء وتقدم، ونمو، حتى بلغت درجة عنيت بها الحكومة، وجعلتها متصرفية.
١ - قضاء بازيان
في هذا القضاء ناحيتان وعدد سكانه ٥. ٤٠٠ نسمة، وفيه قيم مقام، يعينه مجلس إداري وقاضٍ، وجاب، ومحاسب، وفي قصبة القضاء محكمة استئناف وضابط جندرمة (مبذرقة). وقصبة قضاء بازريان هي جمجمال وهي واقعة على حدوده من جهة كركوك، وهي قريبة من دربند، ودربند هذا جبل صغير منقوب لم تنقبه يد إنسان، ويجتازه أصحاب القوافل، وفي هذه القرية دار حكومة عامرة، وثكنة، وجامع ومحل للبرق.
والهماوند يقيمون في قضاء بازيان الواقعة بين شهر زور، وسليمانية في سهل خصب لكن غير مزروع، والهماوند عشيرة من الأكراد شأنها السلب والنهب، وطالما شقت عصا الطاعة على الحكومة، فسيرت هذه عليهم الجنود فيدحرونها وتدحرهم، وهم أولو بأس شديد، وشجاعة خارقة للعادة.
стр. 1205
١٢ - قضاء كل انبار
كانت كل انبار في أول الأمر قصراً بناه سلطان ال عثمان سليمان الكبير حينما أتى لفتح بغداد، ليكون قصراً للباشوات الأتراك، وفي بدء القرن السابع عشر أخربه الشاه عباس عند فتحه تلك الأنحاء وانتصاره على جيوش الدولة، إلا إنه بعد ٢٠ سنة أي في سنة ١٦٣٠م كان الصدر الأعظم للسلطان مراد الثاني معسكراً في شهرزور مع جماعة من جلسائه فقال لو لم يكن هذا القصر في هذا الموضع مفيداً للدولة من الوجهة العسكرية لما بناه السلطان سليمان ولو لم يكن مضراً بالأعداء لما أخربه الشاه عباس ولهذا يجب إعادة بنائه؛ وبعد أن قال هذا بناه في سبعة أسابيع، وبعد ذلك أقيمت وبنيت حوله البيوت فتألقت بمدة قصيرة بلدة عامرة حصينة.
وفي هذا القضاء ناحيتان و٩٥ قرية، ويبلغ عدد سكانه كلهم ٧. ٠٠٠ نسمة تقريباً، وقصبة هذا القضاء (هليجا) ويقيم فيها الباشا وهو رئيس قبيلة كردية كبيرة اسمها (الجاف) ويبلغ سكان هذه البليدة ٣٠٠٠ نسمة، ثلثهم يهود والثلثان الآخران مسلمون، وحاصلات هذا القضاء مهمة وهو غني بخيراته والتجارة فيه واسعة، ويعتني اغلب سكانه بتربية الماشية والمتاجرة بأصوافها، ولهم دراية عظيمة بزرع التبغ.
١٣ - قضاء شهر بازار
في هذا القضاء ناحية واحدة و٤٠ قرية، وسكانه ٦٦٠٠ نسمة، وقصبته المهمة هي (شيوكل) (بكسر الشين وضم الياء ضماً خفيفاً بعدها واو يليها كاف مضمومة وفي الأخر لام) وهي جليلة بحاصلاتها كالتبغ والارز والعنب والكثيراء، وعدد سكانها ١. ٥٠٠ نسمة كلهم مسلمون ولهم جامع واحد، وهذا القضاء خامل الذكر، والذي يعرف من أهاليه إنهم يعنون بزراعة الكرم والأرز والتبغ والأشجار المثمرة.
١٤ - قضاء مرغا أو مركا
مرغا كلمة أرامية معناها (المرج) ومنها اسمها بالعربية سابقاً (مرج الموصل) لقربها من الحدباء وقد اشتهر فيها رجال علماء قبل الإسلام وبعده، وقد
стр. 1206
جاء في ياقوت ما نصه: مرج الموصل ويعرف بمرج أبي عبيدة عن جانبها الشرقي موضع بين الجبال في منخفض من الأرض شبيه بالغور، فيه مروج وقرى، ولاية حسنة واسعة على جبال وقلاع. . . ينسب إليها أبو القاسم نصر بن أحمد بن محمد الخليل المرجى سكن بعض آبائه الموصل وولد أبو القاسم بها يروى عن ابي يعلي الموصلي وغيره، روى عنه جماعة أخرهم أحمد بن عبد الباقي بن طوق اه. ومن نصارها عبد يشوع الأسقف.
وفي هذا القضاء ناحيتان و٦٠ قرية وسكانه يقدرون بما يزيد عن ٦٦٠٠ نسمة كلهم مسلمون. واغلب سكانه يعتنون بتربية النحل واستخراج العسل وهم ماهرون بهذه الصناعة النفيسة، واغلب حاصلاته جبلية من أحسن ما يكون من جنسها، وفيه أراض كثيرة خصبة موافقة لزرع أنواع الأشجار المثمرة، واغلب سكانه من قبيلة الهماوند، وهم الذين كانوا السبب لتأخير هذا القضاء وانحطاطه، ولذلك ترى إلى الآن البعض منهم يقلقون راحة الزراعين ويسلبونهم حاصلاتهم.
١٥ - الآثار في ديار سليمانية
قلنا في المقدمة إن في السليمانية آثاراً كثيرة تدل على عظمتها السالفة، وعزها الباذخ. وهنا نذكر طرفا من هاتيك الآثار مما وصل إليه تنقيبنا وبحثنا فنقول: على مقربة من سليمانية اخربة (شاربازير أو شهر بازير) القديمة المعروفة عند مؤرخي الإفرنج باسم (سيازوروس - وكانت عاصمة بلاد الكرد في العهد العهيد، وكانت قد سميت (على ما يرويه لنا التاريخ القديم) أولاً باسم (شهر فيروز) باسم بانيها قباذ بن فيروز من الدولة الساسانية، وفي أقصى المضيق الذي تحرسه (شهر باريز) كانت مغارة مفتوحة باسم معناه: مغارة الحارة الزرقاء: وبين يدي هذه المغارة على صخرة قائمة كانت قلعة حصينة، مبنية بالصخر ذات سبعة أبراج فيها آلات الحصار القديمة تعرف باسم (سليم علي قلعة سي) وهي اليوم أنقاض لم يبق منها إلا بقايا دوارس تدل على وجودها. وكان يرى قريباً من المدينة طاق خرب يقال إن جثة الإسكندر الكبير دفنت فيه قبل أن تنقل إلى الإسكندرية، والآن لا يبلغ إليها أحد.
وكان قد ذهب إلى سليمانية منذ مدة عدة من السياح الأوربيين لمشاهدة هاتيك الأنقاض وتلك الخرائب، وللتفتيش على بعض كتابات ورقم علهم
стр. 1207
يعثرون على شيء يخدمون به التاريخ، ويكشفون الستار عن تاريخ هذه البلاد الغامض الذي لم يعرف الباحثون منه إلا نزراً يسيراً لا يفي بالمقصود ولا يشفي غليلاً، فعثروا هناك على آثار قديمة وصخور عليها إشارات وكتابات غريبة يرجع تاريخها إلى عهد الآشوريين، سكان تلك البلاد الأقدمين، وبعض تصاوير ورسوم تفيد التاريخ فائدة كبرى، وقد بعثوا بكثير منها إلى دور التحف في أمهات العواصم الأوربية. فعسى إن اللجان العلمية في أوربا تستنطق تلك الآثار. وتحل تلك الرموز والإشارات. فتحدثنا عن تاريخ تلك البلاد بالنبأ الصحيح.
إبراهيم حلمي
تصرف العرب في الألفاظ الأعجمية
١ - تمهيد
خالط العرب العجم منذ أقدم العصور وإن أنكر هذه الحقيقة بعض ضعفاء الكتاب. لأن التاريخ يشهد على ذلك شهادةً لا ريب فيها ولأن اللغة العربية تؤيدها. بيد أن هذا الاختلاط زاد زيادة عظيمة منذ انتشار الإسلام في العالم فكثر الدخيل في لسانهم وفشت اللغة الفاسدة بين المتكلمين فشواً خيف منه سوء العقبى ولكن لما سهلت المطابع نشر المطبوعات والمؤلفات والجرائد أخذ اللفظ الفصيح يصارع القبيح حتى أصبحنا اليوم في مأمن من قتل هذا ذاك. وقد جرى العرب في نقل الألفاظ الأعجمية على طريقة تكاد تكون قياسية في اغلب الأحيان ولهذا وضع اللغويون قواعد يجري عليها المعربون فكان في ذلك نفع عظيم لكي لا يعبث بعضهم في الألفاظ الدخيلة ويفسدها إفساداً لا يهتدي إليها. ومع ذلك فقد جاءت ألفاظ كثيرة يصعب اليوم معرفة أصلها لكثرة ما أصابها من التشويه والتصحيف والتحريف وقد يبلغ تصحيف اللفظة الواحدة إلى عشر صور مختلفة أو عشر لغات وقد يتجاوز هذا العدد حتى لا يعرف على التحقيق وفي جميع كل تلك الحالات لا ترى أثراً للجري على الخطة التي وضعوها إذ يخالفون فيها ضوابط الأقدمين وأقوال المستشرقين الذين يظنون هم أيضاً أن العرب وضعت طرقاً مطروقة لم يخرجوا عنها وقد جمعنا من الألفاظ المشوهة شيئاً كثيراً خالفوا فيها النهج المألوف. من ذلك الكلمة الآتية:
стр. 1208
٢ - طرخشقون
١ - طرخشقون تعريب اليونانية ويراد به نوع من الهندباء البري يعرفه أعراب العراق باسم (هندبة البر أو اليعضيد) وبالإنكليزية وبلسان العلماء يخرج من ساقه عصارة كالحليب يقال إنها طاردة للحمى ومنقية للدم ومن ذلك اسمه طرخشقون المشتقة من اليونانية أي حرك. وهذا النبات أشهر من أن يذكر. وهذه اللفظة على هذه الصورة هي بفتح الطاء والراء وسكون الخاء المعجمة وفتح الشين المثلثة وضم القاف وسكون الواو وفي الأخر نون وهي الأصلية وأم سائر اللغات وقد وردت في كتاب مفردات ابن البيطار المطبوعة والخطية وقد صحفها العرب بصور كثيرة غريبة منها:
٢ - طرخشقوق بإبدال النون الأخيرة قافاً وإبقاء الضبط على حاله. وقد وردت في مفردات ابن البيطار المطبوعة وفي كثير من المؤلفات الطبية.
٣ - طرخشقوق بفتح فسكون على الترتيب إلى آخر الكلمة. وقد وردت بهذا الضبط في لسان العرب في مادة عضد.
٤ - طرخجقوق وردت في لسان العرب أيضاً مضبوطة كالضبط السابق لكن بإبدال الشين جيماً وقد وردت هاتان اللفظتان في تاج العروس أيضاً وفي التهذيب وفي كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري في كلامهم عن اليعضيد.
٥ - طلخشقوق مضبوطة ضبط طرخشقوق ٢ً لكن بإبدال الراء لاماً وقد وردت في كتاب مفاتيح العلوم للخوارزمي ص ١٧٦ وكذلك في معجم دوزي.
٦ - طلشقوق مضبوطة بفتح الطاء وسكون اللام وفتح الشين المعجمة وضم القاف وسكون الواو وفي الأخر قاف. وقد وردت في عدة نسخ خطية من كتاب مفاتيح العلوم المذكور وفي حاشية الصفحة المذكورة من النسخة المطبوعة في ليدن.
٧ - طرشقوق مضبوطة كالسابق بإبدال اللام راء. وقد جاءت في كتاب مفردات ابن البيطار المطبوعة في مصر بالمطبعة العامرة ٣: ١٠٢ قال: طرخشقوق وطرشقوق وهو الهندبا البري وكذلك في منهاج الدكان المطبوع في مصر ص ١٣٢
٨ - بلخشكوك. وردت هكذا مصفحة في ابن البيطار من الطبعة المصرية ٤: ٢٠٠
стр. 1209
٩ - تلخشكوك. هي الرواية الصحيحة في طلخشقوق إلا أن الأولى مرفقة الحروف والثانية مفخمتها.
١٠ - بلحسلوك. وهي تصحيف قبيح للكلمة السابقة وقد وردت في مفردات ابن البيطار المطبوع في باريس في نحو آخر العدد ٢٢٦٣.
١١ - طرخشقوقي. وردت في تذكرة داود الأنطاكي طبع الشيخ محمد علي المليجي في مصر ١: ٢٧٤ في مادة هندبا.
١٢ - طرحشقوق. وردت في الكتاب المذكور ١: ١٨٩ وفي نسخة قديمة عندنا من كتاب مفردات وتذكرة داود وفي شرح الألفاظ العربي الموجودة في كتاب منافع الأغذية ودفع مضارها ص ٦ وفي ضمن الكتاب نفسه في عدة مواطن.
١٣ - طرحشقوق. في تذكرة داود الخطية القديمة الموجودة عندنا في مادة هندبا في ظهر الورقة ٢٧٧.
١٤ - طلحشقوق. وردت في قانون ابن سينا المطبوع في رومة وفي مصر في الفصل التاسع في الكتاب الثاني في مادة الأدوية المفردة.
١٥ - طرخشقون. بفتح وسكون على التتابع إلى آخر الكلمة. هكذا ضبطها فرنسيس جونصن في معجمه الكبير الفارسي العربي الإنكليزي المطبوع في لندن سنة ١٨٥٢ ص ٨١٥ وقال إنها فارسية الأصل.
١٦ - طرشقون. وردت في عدة نسخ خطية من منهاج الدكان وكتاب منافع الأغذية وتذكرة داود وغيرها.
١٧ - تلخ جكوك. هي مثل تلخشكوك. ذكرها صاحب هفت قلزم.
١٨ - تلخ جكوك. بجيم مثلثة فارسية في الأول وكاف مثلثة فارسية في الآخر ذكرها فرهك الشعوري.
١٩ - تلخ جكوك. هي مثل السابقة إلا أن الكاف الأخيرة كاف عربية لا فارسية مثلثة. ذكرها صاحب شمس اللغات.
٢٠ - تلخ جوك. بجيم عربية وواو وكاف عربية. ذكرها صاحب برهان قاطع.
٢١ - طرخشم. وردت في بعض نسخ تذكرة داود الخطية القديمة وذكرها أيضاً دوزي وبابن سميث.
стр. 1210
٢٢ - طليخم. وردت في معجم بربهلول السرياني العربي وفي الملحق بالمعاجم العربية دوزي وكلاهما نقلها عن العرب.
٢٣ - طركسينا. وردت في نسختين خطيتين من كتاب مفردات ابن البيطار وهي ولا شك مأخوذة من السريانية بلفظها ولعل السريانية ومعناها مأكول أي كل (ما يؤكل) وقد ذكرها بابن سميث. ثم خصت بهذه البقلة.
٢٤ - طركسيما. كالسابقة وقد ذكرها بابن سميث وأصلها سرياني يوناني.
٢٥ - طرسيما. بحذف الكاف. وقد جاءت في معجم بابن سميث وأصلها كأصل السابقة.
٢٦ - طرقسيما. وردت في بعض النسخ وذكرها بابن سميث وغيره من اللغويين العارفين بالسريانية والعربية في انطوبيا.
٢٧ - طرخسقوس. وردت في بعض نسخ المعاجم الفارسية العربية الموجودة عندنا.
٢٨ - طرسقوس. كذلك وفي إبدال أحمد بن خالد المعروف بابن الجزار.
٢٩ - طرحشقون. كذلك وفي كتاب إبدال الزهراوي.
٣٠ - طلحشوش. وردت في ص ١٣٥ من كتاب الكنز العربي السرياني اللاتيني تأليف الأب توما النوفاري من رهبانية الأصغرين المطبوع في رومية سنة ١٦٣٦.
وإذا أضفت إلى هذه اللغات المختلفة الغريبة من مصحفة ومحرفة ومشوهة لغات الضبط لتضاعف القدر لأن اغلب هذه الأسماء وردت غير مضبوطة في الكتب الطبية أو النباتية. - وقد جاءت ألفاظ كثيرة وقع فيها مثل هذا التصحيف الشنيع لكن لغاتها لم تبلغ هذا المبلغ. وإنما أوردنا ما أوردناه ليكون بمنزلة المثال يقاس عليه ما كان من هذا الباب ولا يقولن امرؤ أن العرب جرت (دائماً) على طريقة واحدة في تعريب الألفاظ الدخيلة إذ قد وقع لهم ما يخالف قواعدهم التي وضعوها. وليس العرب وحدهم يفعلون هذا الفعل بل الأعاجم أيضاً وهو أشهر من أن يذكر.
رؤية أدبية
أرقت ذات ليلة أرقاً شديداً كاد يضر بجسمي فتناولت أحد كتب الآداب
стр. 1211
وشرعت أسرح طائر الطرف في أطرافه وصفحاته فاقتطف ما طاب لي من ثماره اللذيذة وفوائده الجليلة واكرع شيئاً لا يقدر من ينابيعه العذبة التي ترتاح إليها نفس كل فاضل أديب مشجون. . . وبقيت على تلك الحالة إلى أن حكم عليّ سلطان النوم فغمضت عيني فرأيت في الكرى كأني في فضاء واسع ليس له انتهاء وأنا أسير فيه سيراً حثيثاً واقطع ما فيه من الفيافي والقفار من وعرة وسهلة لا يأوي إليها إلا الوحوش. ثم وجدتني كأنني تحت جبل شاهق فرقيته حتى علوت ظهره فوجدت هناك غاراً فكمنت فيه منتظراً ما يفعل بي الدهر الخؤون. . .
فبينما أنا أترقب تلك الساعة الهائلة إذ بصرت نقعاً عظيماً ثار من جوف الفلاة وما لبث أن اقشع فرأيت حيدراً وخيتعوراً وخنوصاً نتواثب حتى صارت عند أسفل الوتد وأنا أتتبعها بعيني لأرى نتيجة تواثبها. ولما أنهكها التعب واللغب أخذ الخنوص يتهكم من هذين الحيوانين كما يتهكم الجاهل من الرجل العاقل وهو يتهجم عليهما تارة من اليمين وطوراً من الشمال وهما يتذللان له خوفاً من جوره واعتسافه كما يتذلل المظلوم بين أيدي الظالمين. . .
فلم تمض بضع دقائق إلا وساعدت التقادير ذلك الغشوم المارق أي الخنوص فوثب وثبة على الأسد وأذاقه كأس المنون بأن بقر بطنه بنابه الحاد. فلما رأى الخيتعور ما حل برفيقه المحبوب وما صار إليه وتحقق إنه قد صرع على الأرض يختبط بدمه أطرق هنيهة ثم رفع رأسه ونادى صارخاً بملء فيه: واحزناه واأسفاه عليك أيها الشجاع الباسل! واويلاه كيف خانك هذا اللعين ألفظ الطباع! وما قال هذه الكلمات إلا وتساقطت الدموع منحدرة من مآقيه كأنها الغيث من الجون. . .
ولما رأى أن الأمر قد مضى وأن لا رجوع لرفيقه إلى الحياة دنا رويداً رويداً من القاتل الطاغي الباغي ثم وقف بازائه وشرع يخاطبه بكلام تقشعر له الجلود ويلين الجلمود. وهذا بعض ما حفظته: أيها المغرور بنفسك المعجب بقوتك وفعلك، إنك لقد فتكت فتكاً ذريعاً بسيدنا المبجل وفجعتنا بتلك الفاجعة المدلهمة. فوالله إنك لم تفعل فعلتك هذه الشنعاء إلا لتقبض على زمام الأمور وتستولي على مقام ذلك الغضنفر، ولكن يأبى الله أن يجعلك بدلاً منه لأنك من عنصر الأدنياء الأوغاد الغدارين. . .
стр. 1212
فلما سمع الخنوص هذا الكلام وما ضاهاه وكله قارص أو جارح أخذ الحنق منه مأخذه وحاول أن يبطش به كما بطش بصاحبه القتيل ظلماً وزوراً فلم يفلح ساعتئذ وقال له: ويلك! إني لم آت ما أتيت إلا لأنال منصباً جليلاً. واستعبد قوماً ذليلاً. واذرهم من شدة سطوتي في سكرتهم يعمهون. . .
أقول: فلما رأيت ذلك الموقف الهائل وما عمل الخبيث الكنود بالأسد الجليل اضطرمت النار في قلبي أي اضطرام. فوثبت حنقاً مغادراً الغار. لا اعي شيئاً من شدة ما تولاني من الغضب المستطار. قاصداً الدنو من الخنوص المستبد لأخذ منه ثار الضرغام. وبينما أنا أسير إليه إذا بصوت أيقظني من نومتي تلك والدموع تنحدر من عيني تحدر القطر من السحب من هول ما رأيت ومن شدة ما تأثرت منه ولما نظرت إلى ما حوالي وجدت الغزالة قد ارتفعت سافرة الوجه عالية الجبين فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون. . . .
ثم لما ثابت إلي نفسي وأنعمت النظر في حالتنا الاجتماعية التي نحن عليها فهمت إن ما رأيته في الخيال، هو تصوير ما يجري في عالم المثال. وتحقت إن ما وقعنا فيه من البلاء المبين. هو نتيجة ما سعينا إليه في ماضي السنين. ولكن (سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. .).
محمد فائق الكيلاني
ألم تر أن الدهر يكتب ما تملي
يقولون لي (باريز) أرض مظلة ... فقلت بعدتم فهي سابغة الظل
وكم قيل أرض فرقت جمع شملنا ... فقلت لهم هيهات بل مجمع الشمل
أحن لها مثل (الحمامة) شاقها ... إلى الايك أفراخ تحن إلى الوصل
فبي ما بها من لاعج الشوق والأسى ... وما حملت من لوعةٍ للجوى حملي
فها هي تشجيني فاصفق في يدي ... وها أنا أصيبها فتفحص بالرجل
لئن شاقها تذكار رملة عالج ... فما شاقني ذكر الاجيرع والرمل
وما هاجني ذكر الأحبة عرسوا ... بذي الاثل يالا ابعد الله ذا الاثل
أجل هاجني ذكر الترحل للتي ... يروق بها قولي ويسمو بها فعلي
وما زلت في ذكرى لها كل ساعة ... أسير جوى بين الترحل والحل
يذكرني يا (ورق) سجعك في الضحى ... على الايك من (باريز) مقصدي الأصلي
стр. 1213
فأصبو إليها كلما مر ذكرها ... ببالي وكم يصبو لرؤيتها مثلي
بلاد عليً شفت مخايل عزها ... وولت كما ذل الفرند على النصل
ولعت بها طفلاً لأني وجدتها ... تغذى بألبان العلى فكرة الطفل
كتمت الهوى جهدي فحرره الاسي ... بماء المآقي ذا يخط وذا يملي
لعل الصبا يهدي إليها رسالة ... فقد تعبت ما بيننا السن الرسل
وما شغفي بالآنسات وحسنها ... ولا بفتور اللحظ والأعين النجل
ولا بالخدود الزاهرات ورودها ... ولا بالقدود المآئلات من الدل
ولا بنحور زينتها قلائد ... ولا بابتسام الثغر والألسن الرتل
ولكنني أصبو لذكرى أحبةٍ ... فلاسفة الأيام بالعقد والحل
لئن قطنت أهلي العراق فإن لي ... (بباريز) أصحاباً أعز من الأهل
وإن حرمت (باريز) قتل أخ الهوى ... فإن بلادي حللت في الهوى قتلي
وإن قل في أرض العراق مساعدي ... أشد يدي منها بأذرعها الفتل
فشتان ما بين العراق وبينها ... وبين أخ جهلٍ بري وأخ فضل
خليلي لوما إن تشاءا أو اعذلا ... فلي إذن صما عن اللوم والعذل
فكم صدني عن نيل ما رمت معشر ... يكلفني أن أقتل العمر بالجهل
فبين صديق ليس يعرف غايتي ... وبين شقيق قد ألح عليّ مطلي
إذا حكموا مالوا عليّ بحكمهم ... وإن عدلوا جاروا على سنة العدل
لقد كنت قبل اليوم أحسب أخوتي ... كثيرين فيها غير ذي عدد قل
فصرت وحيداً لا أرى قط واحداً ... يشاطرني وجدي ويسلك في سبلي
فيا راكبي (ظهر القطار) بعدتم ... مدى وقربتم للمنى زمناً قبلي
ففزتم بما نلتم على شقة النوى ... وخلفتم قلبي مراجله تغلى
وكم من رجال راقهم ما شربتم ... على البعد في (باريز) علاً على نهل
(يحثون للمغنى الذي أنتم به) ... ويصيبهم ذكر الأحبة والوصل
стр. 1214
وما الدهر أهل أن يرجى ابن عزه ... حياة امرئ أو موته لا على ذل
يروم أصحابي البقاء لديهم ... ودون الذي راموا أبيح لهم قتلي
وما أنا وحدي قد كلفت بحبها ... فكم واجد وجدي وكم عاشق مثلي
فيا لائمي في حبها لي أسوة ... بقوم تناءوا عن مواطنهم قبلي
يكلفني قومي اتصالا وما دروا ... بأن حياتي في التفرق والفصل
فلست بباكٍ إن ترحلت عنهم ... وإن كان فيهم لحمتي وبهم أصلي
وليس ثوائي سائغاً ببلادهم ... فليس مطيتي عندهم لا ولا رحلي
وما طوق عليائي يجيد بلادهم ... ولا سكني فيهم ولا عندهم ابلي
أقومي لأنتم في سبيلي عثرة ... فيا قدمي عن سبلهم رغبة زلي
ويا كاتباً عني لصحبي مقالةً ... (ألم تر أن الدهر يكتب ما تملي)
النجف: محمد باقر الشبيبي
فوائد لغوية
١ - أم الرأس وأم العين
أكثر بعض الكتاب في هذه الأيام من القول: رآه أو شاهده بأم رأسه ورآه أو شاهده بأم عينه وكل ذلك من قبيح الاستعمال ومن وضع الشيء في غر موضعه. لأن (أم الرأس) عند الفصحاء هي الدماغ أو الجلدة الرقيقة التي عليها. فيقال: ضربه على أم رأسه أو وقع على أم رأسه؛ لكن لا يقال: رآه أو شاهده بأم رأسه لأن الروية لا تنسب إلا إلى العين. ونسبتها إلى الدماغ لا يخلو من تكلف بعيد. وأما قولهم رآه بأم عينه أو شاهده بأم عينه فمن قبيح التصرف في الألفاظ. وإذا تمحلنا لها وجهاً قلنا: إن ألام في اللغة هي كل شيء انضمت إليه أشياء فتكون (أم العين) بمعنى المقلة أي شحمة العين التي تجمع البياض والسواد والتي يقال لها عندهم أيضاً (مخ العين). لكن أم العين لم تأت في كتبهم بمعنى المقلة أو الهانة أو الهناتة التي هي شحمة العين لأن جميع
стр. 1215
الألفاظ التي وردت مبتدئة بأم ذكرها صاحب كتاب المرصع وليس فيها هذه اللفظة. وذكر كثيراً منها صاحب المزهر وليس فيها أيضاً هذه الكلمة.
٢ - لا يقال: يجب على الأقل أن تفعله أو لا تفعله
استعمال (على الأقل) من التعبير الإفرنجي. وقد وردت في كلام أعاظم الكتاب وأشهر الشعراء. وكل ذلك حديث الاستعمال غريب النشأة دخيل في اللغة الفصحى؛ فهم يقولون مثلاً (يجب على الأقل أن تفعله أو لا تفعله) أما بلغاء العرب فقد قالوا في معنى هذا التركيب: (لا أقل من أن نفعل كذا). قال الجاحظ في الرسالة العاشرة في بيان مذاهب الشيعة (ص ١٧٦): (كما إن زلته (أي زلة العالم) ليست كزلة غيره فلا أقل من أن نعده. . .) وقال فويق ذلك: (ولكن لا أقل من أن نجعله في طبقتهم. . .)
٣ - حصل أوصال التصميم على عقد الروابط.
هذا التعبير من جملة ما أدخله الترك في العربية وذلك لسبب إنه لا يوجد في لسانهم وزن أفعل فيضطرون إلى أن يعبروا عنه بفعل (ايتمك) ويضيفونه إلى مصدر الفعل الثاني فيقولون مثلاً: (تمام ايتمك) أي أتم. وكذلك يفعلون في ما يؤخذ منه معنى الحصول والصيرورة ولهذا لما أخذ أبناء العرب يتلقون التركية في مدارس أصحاب الأمر نزعت نفوسهم إلى النزعة التركية حتى أدخلوها في العربية ومن ذلك قولهم: حصل أو صار التصميم على عقد روابط مثلا. وهم يريدون (صمم) من باب التفعيل بصيغة الماضي من المجهول. احفظ ذلك تصب إن شاء الله.
٤ - أصل كلمة جلنجبين
وسألنا أحد الأدباء من أبو كبير في القطر المصري: ما معنى جلنجبين وهل هي معربة. - قلنا: جلنجبين كلمة معربة من الفارسية من جل (وبالفارسية كل بكاف فارسية) أي ورد وأنجبين (وبالفارسية انكبين) أي عمل. ومحصل معناه شراب مركب من ماء الورد والعسل أو معجون يتخذ من الورد والعسل.
أسئلة وأجوبة
١ - معنى
وسألنا أ. ن. من هذه الحاضرة: ما معنى هاتين الكلمتين الفرنسويتين
стр. 1216
واللتين يقابلهما بالإنكليزية وبلسان العلم وفقد بحثنا عنها في جميع معاجم هذه اللغات فلم نقع على غير تأويلها بالهندباء والهندب لكليتهما أفلا يوجد فرق بينهما أو ما يقابلهما في لغتنا الفصحى؟
قلنا: إن لغتنا مفتقرة إلى تحرير ألفاظها العلمية والإشارة إلى ما يقابلها في اللغة العربية وفي اللغات الإفرنجية حتى يهتدي الكاتب إلى استعمالها في مواطنها بدون خلط أو خبط. وكان المقتطف قد أودع مثل هذا العمل الخطير إلى عهدة الدكتور الألمعي أمين أفندي المعلوف فوضع معجم الحيوان وأحسن انتقاء ألفاظه إلا إنه لم يضمنه كل الألفاظ بل اكتفى بالمشهور منها. وقد وقف الآن عن نشر ما عنده من أسماء النبات والحشرات والجماد فبقي هذا العمل الحميد العظيم غير كامل. ولهذا يقلد اللغة أعظم خدمة من يضافره في هذا الأثر الجليل أو ينشر ما بقي عليه نشره أو تحقيقه. ولقد تتبعنا تحقيق هاتين اللفظتين بعد إلقاء السؤال علينا
فوجدنا هذه النتيجة.
الهندب أو الهندبا أو الهندبآء على صنفين: بستانية وبرية، فالبرية يقال لها أيضاً بقريس وقيخوريون وكلتاهما من اليونانية وأما لفظة الهندباء فهي أيضاً من اليونانية من وقد جاءت في اللاتينية على لغات شتى منها ووهذه ضعيفة وقالوا في جمعها ولم ينتبه أحد من اللغويين من أقدمين ومحدثين إلى أنها دخيلة في العربية وكذلك لم يشر إلى أعجميتها المستشرقون مع أنها واضحة العجمة وليس لها نسب بين في لغتنا.
وقال ابن البيطار في مادة الهندباء. . . البستاني صنفان أحدهما طويل الورق. . . ومن هذا الصنف بري شبيه به في صورته وزهرته إلا أنه أقوى مرارة وأشد كراهةً ويسمى عندنا الأميرون) - (قلت: وهذا معرب من بتقدير أي الهندباء المرة.) ثم قال: والصنف الثاني من البستاني عريض الورق أبيض الزهر تفه الطعم عديم المرارة وخاصة في أول الربيع ويسمى
стр. 1217
بالرومية انطوبيا وتعرف بالهندبا الشامي والهاشمي وبريه قريب منه في شكل ورقه وقلة مرارته بعيد منه في شكل زهره وكثرة زغبه وهو السرالية بالعجمية وزعم أنه الطرخشقوق ومن البري صنفان آخران وهو اليعضيد ويسمى باليونانية خندريلي. . . وقال الطبري: الهندبا البري هو الطرخشقوق ويسمى بالفارسية تلخي. . . ابن ماسوية: التلخشكوك
стр. 1218
وقو للمعدة. . . قلنا: والذي سماها ابن البيطار: الهندبا الشامي أو الهاشمي سماهل أيضاً داود الانطاكي في التذكرة (البلخي). والأصح التلخي كما أشرنا أغيها.
ومن أسماء الهندباء (اللعاعة) وهي ما يكون منها في غاية النعموة وهي بالفرنسوية (والبقلة المباركة) وقيل إن هذه هي الرجلة أي الفرفحين والأصح أنها تعني الهندباء عند قوم من العرب (والبقلة الحمقاء) عند قوم آخرين. وقد ذكر بقطر أن الهندباء البرية تسمى عند بعض عوام العرب (الجلجلان) مع أن هذا الاسم عند الفصحاء لا يعني هذا النبات بل السمسم أو غيره. وقد سبق بقطر إلى هذا القول أصحاب المعاجم السريانية العربية ومنهم صاحب دليل الراغبين في لغة الارميين ص ٢٢١ قال في تفسير (حدبا ددبرا): هندباء بربة، جلجلان. وذكر من أسمائها باين سميث في معجمه السرياني اللاتيني الكبير في مادة حدب. الحندبة، الهندبة الجوبة أو البربة ويقال لها الهندباء وطرخشقوق وطرشقوق. وذكر من أسماء الهندباء في مادة انطوبيا قال الانطوبيا هي الهندباء. ويقال إنه هندبا شامي وقشنبج (أي قشنيزة) وهندبا عراض وقال مسيح: الانطوبية وذكر من أسمائها في السريانية: طرقسيما أو طركسيما وطرسيما المنقولة عن اليونانية على ما يظن ومن أسماء الهندباء البرية الواردة في كتب العرب السريس قال صاحب منهاج الدكان في ص ١٣٢ من النسخة المطبوعة بالمطبعة الشرفية بمصر سنة ١٣٠٥: طرشقوق وطرخشقوق هو الهندباء البري ويقال له (سريس بري.) قلنا: وسريس هو باليونانية
هذا الذي وقفنا عليه في كتب أهل الفن واغلبها لا توجد في المعاجم العربية الأعجمية أو الأعجمية العربية بل ولا في ما يسمونها المعاجم العلمية أو الاصطلاحية أو النباتية التي تورد الأسماء بالعربية والأعجمية أو بالأعجمية والعربية. وهذا المثال كافٍ ليطلعك على أن دواوينا في نهاية النقص وعلى أننا في حاجة ماسة إلى معاجم كاملة وافية بالمقصود تكفينا مؤونة البحث في الكتب العديدة
стр. 1219
التي لا يشير الحصول عليها لكل أحد بخلاف ما لو كانت كلها محصورة في تصنيف واحد وعسى أن يقوم أحد محبي اللغة العربية ممن يغار على شرفها فيضع لنا كتاباً بهذا المعنى أو يأمر بتأليفه فيخلد لنفسه الذكر الحسن وللغة العربية الخدمة الصادقة.
٢ - شبارق ميفارق
وسئلنا: ما معنى هذا المثل الشامي: شبارق ميفارق الذي يضرب للمقيم في المكان فلا يفارقه.
قلنا: الذي في كتب اللغة: الشبارق وزان عنادل و. . .: القطع. . . وشجر عال له ورق أحرش مثل ورق التوت وعود صلب جداً يكل الحديد ويقلد الخيل وغيره كالبقر والغنم وكل ما خيف عليه بعوده عوذة للعين قال أبو حنيفة: وربما أهدى للرجل القطعة منه فأثاب عليه البكر. وإذا قدر عليه اتخذت منه الارعوة وهي نير البقر لصلابته. . . وهو معرب، عن التاج. قلنا: وهذا كله لا ينطبق على ما يراد من المثل إلا بتكلف ظاهر. - والأصح عندنا أن يقال إن الشبارق كلمة فارسية بمعنى الخفاش تعريب شب بارة التي يقال فيها أيضاً شب بره وشب يرك وشب برست وشب بور وشب بوزه. وأنت تعلم إن الخفاش إذا لز بمكان لا يبرحه لضعف بصره وعجزه عن وجود موطن ثان يناسبه إذا طلبه في النهار. ومعنى ميفارق (ما يفارق). فيكون المآل: فلان كالخفاش إذا حل موطناً لبد به ولم يفارقه.
باب المشارفة والانتقاد
١ - الحصون المنيعة، في رد ما أورده صاحب المنار في
حق الشيعة. تصنيف محسن الأمين. طبع بمطبعة الإصلاح
بالشام سنة ١٣٢٧ هجرية في ١٢٠ صفحة بقطع ١٦
٢ - الحصون المنيعة والمنار لمنشئ العرفان أحمد عارف
الزين.
طبع في مطبعة العرفان في صيدا للمذكور ولصاحب العرفان ولأبن شرف الدين الموسوي في ٤٥ صفحة بالقطع المذكور.
هذان الكتابان صغيران في موضوع واحد وهو الرد على صاحب المنار في مقاله عن الشيعة. وفي الكتاب الأول من الفوائد والبراهين والأدلة المتينة ما يدل على سمو فكر الكاتب وإطلاعه أتم الإطلاع على حقائق التاريخ والحديث والأصول والفقه بحيث بحكم القارئ إن المؤلف لا يرمي إلا إلى الحقيقة وإنه قابض على أزمتها
стр. 1220
بنفس مطمئنة. والتصنيف الثاني صنو الأول في معانيه وترصيف مبانيه وسعة إطلاع أصحاب الرد حتى أن الواقف على ما كتب صاحب المنار وما حرره هؤلاء الأدباء بحكم أن الحق في تلك المباحث مع الشيعة أصحاب الحصون المنيعة وكفى.
٣ - كشف الأستار، عما لحقوق الدول من الأسرار
الجزء الأول بقلم صبحي أباظة. حقوق الطبع محفوظة له. طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣١ هجرية بقطع الثمن في ١٢٥.
هذا عنوان كبير، لسفر صغير، صغير في مبادئه، صغير في تعبير أفكاره، صغير في فناء البحث الذي فتح له أبواباً كبيرة. صمم الكاتب أن يبحث في حقوق الدول. ونعم القصد! لكن ما كاد يبدأ بموضوعٍ إلا وزاغ عن سواء السبيل فخاض عباب مباحث لا مناسبة لها ولما تحداه. وهو إذا ركب متن موضوع ذهب فيه مذاهب غريبة قال مثلا في أول صفحة من الفاتحة: (قمت من ساعتي مشمراً عن ساعد الجد لإظهار ما كان كامناً من التمويهات والترهات والأضاليل في مكنونات تلك الحقوق الغامضة. . . التي اتخذتها الدول سلاحاً معنوياً تموه به على أعين الواهمين من أقوام المشرق الأقصى والأدنى. . .) قلنا: من يقف على هذه الكلمات يظن أن أقوام المشرق الأقصى والأدنى كانوا إلى هذا اليوم في غفلة عن معرفة ما لهم من الحقوق. أما الآن وقد أخذ حضرة صبحي أفندي اباضة بكشف تلك الأستار فلا خوف علينا من تغلب أولئك الأقوام الفاتحين. والحال إننا نعلم حق العلم إن في الشرق أقواماً عرفوا منذ عصر غايات الفاتحين لكنهم لضعفهم بقوا لا طاقة لهم على كبح جماح من ناوأهم. ولو فرضنا أن مشارقتنا كانوا جهلة لحقوقهم إلى اليوم فوقوفهم الآن عليها بواسطة هذا الكتاب لا يقويهم على أعدائهم، فيكون مثلنا مثل طبيب حاذق شخص الداء ووصف الدواء لعليله لكن لم يجد ذاك الدواء الشافي في الموطن الذي هو فيه فلم يفده علمه شيئا. ولهذا كان الأجدر بالمؤلف أن يسير سير كتاب الأجانب في مثل هذه المؤلفات الإفرنجية ولا يخرج عن الغاية التي أرصدها له وأن لا يتعرض لما لا يمس موضوعه.
ومن غريب مدعياته أنه يقول في ص ٣: وهمت لمجرد هذه الغاية باقتطاف أطيب الأبحاث من نخب مؤلفات العالم العثماني الكبير شاهباز وغيره من علماء الحقوق كمنتسكيو وبرافيه فودبري وفولتر وهوقو غرشيوس وسيلدم وهولس وموللوا
стр. 1221
وهنسيوس وويكفور الذي طنت ورنت شهرتهم في أفاق أوربا والعلم الجديد.) هذا الكلام يدفعك إلى أن تقول إن المؤلف يحسن اللغات الفرنسوية والألمانية والإنكليزية واللاتينية وغيرها. أم الحق فهو إنه على ما يظهر من كلامه لا يعرف منها إلا الفرنسوية ومعرفته لها معرفة نتفه لاغبر (النتفة من ينتف من العلم شيئاً ولا يستقصيه). وسبب ذهابنا إلى هذا القول هو إنه إذا نقل شيئاً عن الإفرنج مسخه أقبح مسخ وإذا عرب الكلمة الواحدة حولها إلى غير وجهها في اغلب الأحايين. فمن الأول قوله ص ٣٣: إنه ثابت لا يحتاج لبيان سيما إذا استقصى المستقصي التاريخي أثر التتبعات التاريخية ظهرت له أنواع المظالم المنطوية وراء سحب القرون الغابرة والطارئة على المسلمين الأندلسيين والأرثوذكسيين والبروتستانت والإسرائيليين المهرقة دماؤهم بالملايين (كذا) على مذابح (الإنكليز اسيون) أي ديوان التفتيش في إسبانيا (كذا وهو يريد الإنكليزسيون الذي حول مياه البحر الأبيض إلى بركة دماء كما غاصت كنيسة سان بارتهلمي (كذا. وقد صورنا الحروف بصورتها الأصلية) في باريس (كذا) بأنهار انهمرت من دماء البروتستانت (الهوقنو) في ليلة حالكة الظلام لم يسبق لها ذكر في ظلمات الأساطير) - قلنا: هذه أقوال من يريد أن يعلمنا أسس حقوق الدول ويكشف عن أسرارها الأستار ويرشدنا إلى سواء سبيل التاريخ ولا جرم أن أصغر طلبة المدارس يقول: إن في هذه الكلمات أغلاطاً تتجاوز الحد المعقول في مثل عددها. وهو فوق ذلك يقول في الحاشية: (ومن شاء الاستزادة من حيث هذه الفظائع فليراجع كتب التاريخ نذكر منها معجم لاروس الفرنساوي الجزء الأول صفحة ٩٠٢) قلنا: إنه من الجهة الواحدة يقول: فليراجع كتب التاريخ ومن الجهة الثانية يقول: نذكر منها معجم لاروس (فهل يتصوران المعاجم تنزل منزلة كتب التواريخ ومتى كان ذلك؟ كيف لا ومعجم لاروس الذي يشير إليه من أكثر الكتب غلطا في ما يتعلق بالمسائل التاريخية.
وأما أغلاطه في التعريب الحرفي فقد ذكر في تلك الصفحة هذه الكلمات ونقلها هكذا: الممالك المسيحية وما يتتبعها والممالك الغير المسيحية والحال: إن المراد بلفظة البلاد ومعنى خارج عن) فيكون معناها: بلاد
стр. 1222
النصرانية وبلاد غير النصرانية أو والبلاد التي هي في خارج النصرانية وهي بازاء قول كتاب العرب: دار الإسلام ودار الحرب. - وأما عبارة الكتاب فهي أقرب إلى التركية منها إلى العربية. فعسى إن المؤلف يتنكب في الأجزاء الآتية قوس الحقيقة ولا ينزع إلا بسهمها.
٤ - كتاب الشيعة وفنون الإسلام
لمؤلفه السيد حسن الصدر من أكابر علماء العراق. طبع على نفقة شرف الدين ورضا وظاهر وزين. حقوق الطبع محفوظة لهم. مطبعة العرفان صيدا سنة ٣٣١هـ في ١٥٠ صفحة بقطع الثمن.
منذ أن أعتزل الصحافة رصيفنا أحمد عارف أفندي الزين أخذ يعني بنشر الكتب النافعة لا سيما كتب التاريخ والأدب والشعر ويحق لهذا الفاضل الأديب أن يبرز تلك اللآلئ من أصدافها لأن مطبعته من أجمل مطابع الشام بديعة الحرف حسنة الكاغد نظيفة الطبع. ومن جملة الكتب التي أصدرتها مطبعته العامرة هو هذا الكتاب الموسوم بكتاب الشيعة وفنون الإسلام. وهو من المؤلفات التي يحرص عليها الأدباء وتزين بها خزائن الكتب. وكنا نود أن نرى تأليفنا في هذا العصر بهيئة غير الهيئة التي كانت تظهر بها قبل خمسين سنة أي أن تكون خالية من الإطراء. الفاحش بحق مؤلفيها ذاك الإطراء الذي يخرج الممدوح عن طوق البشرية فقد قال مترجم المؤلف قبل الفاتحة في ص ٣:) ثم أكب على العلم مجتهداً في التحصيل والاشتغال حتى كان من أمره اليوم أنه أمسى فاقد الند وعديم المثال.) فلا جرم أن كاتب هذه الحروف لا يصدق ما يكتب كما لا يصدقها الممدوح نفسه. وكيف يجوز لنا أن نجرع مثل هذه الكأس ونحن نعلم أن في ديار مصر وسورية من ألفوا أكثر من تأليف السيد الكبير حسن الصدر ولم يقل عنهم مثل ذلك القول. وفي ديار الإفرنج من المستشرقين من يعرف لغات عديدة ولهم تآليف جمة وسعة إطلاع واسعة ومع هذا كله لم يذكروا بما ذكر به حضرة صديقنا السيد حسن الصدر الذي ألف خمسين مصنفاً في عدة فروع من العلوم التي كلها ترجع إلى أمور الدين لا غير.
ومما لاحظناه أن المؤلف لم يذكر دائماً سني المواليد والوفيات وفي مثل هذه الكتب العناية بهذه السنين من أشد ما يحتاج إلى معرفتها.
ولاحظنا أن المؤلف أعتبر الشيعة حينما كانوا فرقة سياسية كما لو كانوا
стр. 1223
فرقة دينية. ونحن لا نرى ذلك من باب الإنصاف. اللهم إلا أن يقال أن المقصود من نسبة المؤلفين إلى الشيعة نسبة اسمية لا غير فهذا أمر آخر لكن يجدر بالمؤلف أن يشير إليه في صدر سفره.
ومما رأيناه فيه أنه كان يحسن أن يذكر في مقدم بحثه عن العلوم عند الشيعة ملاحظة عمومية عن حالة العلم عندهم وتقدمه عصراً فعصراً حتى ينتهي إلى حالته إلى حيث وقف به ثم يشرع بذكر أصناف المعارف ومن أشتهر بها.
وقد أهمل أيضاً من نبغ من الشيعة بعد القرن الثامن. اللهم إلا أن تكون نيته أن يفرد لهم جزءاً آخر لكنه نسي أن ينبه عليه.
ومما نأسف له أن الناشرين للكتاب تركوا طبع فهرس العام الهجائي الحاوي لأسماء الكتب وأسماء المؤلفين فلو كانوا نشروه لاقتناه كثير من الناس ليستشيروه عند الحاجة. وأما الآن فلا يمكن ذلك فعسى أن يطبع في هذه الأيام ولا ينتظر نفوذ طبعته الأولى. فإنه وإن أستغرق وضعه أكثر من ست ملازم أي أكثر من ثلث الكتاب، إلا أنه يروج إنفاقه ترويجاً عجيباً. على أن ملاحظتنا هذه كلها لا تنزع من هذا الكتاب مزيته الكبيرة وهي الوقوف على بعد غور الشيعيين في العلوم على اختلاف أنواعها مما يرفع لهم مناراً نيراً في عالم الإسلام ويخلد ذكرهم في عالم الإعلام.
٥ - العراقيات
الجزء الأول وهو مختار من شعر عشرة مشاهير شعراء العراق. طبع بنفقة جامعيه رضا وظاهر وزين. جميع حقوق الطبع محفوظة لهم. مطبعة العرفان صيدا. سنة ١٣٣١هـ. في ٢٠٩ صفحة بقطع الثمن.
لقد أحسن الأفاضل رضا وظاهر وزين في نشر هذا الكتاب الدال على تقدم العراقيين في نظم الشعر وعلى إنهم ليسوا دون غيرهم في التضلع من العربية وإتقان تعبير فكرهم نظماً ونثراً. والذين أخذ من شعرهم في هذا الجزء هم الشعراء النوابغ: السيد محمد حبوبي والسيد إبراهيم الطباطبائي، والسيد حيدر الحلي، والشيخ جواد شبيب، والشيخ ملا كاظم الازري، والشيخ عباس ابن ملا علي والسيد جعفر والشيخ عبد الباقي الفاروقي، والشيخ عبد المحسن الكاظمي، والأخرس البغدادي.
وقد قدم الناشرون على قصائد هؤلاء الشعراء مقدمة حسنة (في ماهية الشعر وفي منزلة الشعر عند العرب، وفي أدوار الشعر) ومع كل هذه الفوائد
стр. 1224
ليسمح لنا الأدباء أن نبدي بعض ما عن لنا في مطاوي تصفحنا هذا الكتاب البديع الطبع. الحسن التبويب ونرجوهم أن يحملوه محمل كلام صادر من صديق لا من غريب:
١ - إن القصائد التي اختاروها من نوابغنا الشعراء لا تكاد تخرج عن هذه الأبواب وهي: المدح والرثاء والغزل والتشبيب ولا تزد على هذا القدر إلا شيئاً نزراً خارجاً عنها. وأنت تعلم أن المحاسن إذا أعيدت أنشأت في الصدر سأماً لا يطاق. فكان يحسن بمتولي طبع هذا الجزء أن ينوعوا الأبواب وأن لا يجعلوها كلها على وتيرة واحدة. ولا سيما معاني تلك القصائد (وإن كانت لنوابغ) ترجع كلها أو جلها إلى مودىً واحد أو يكاد لأنها جميعها مفرغة في قالب قديم ليس فيه من المحاسن العصرية شيء يذكر كأنه قضي على عراقنا وأهاليه أن لا يخرجوا من حالتهم الأولى القديمة المفرغة بقالب الجمود والهمود الأبدي.
٢ - في تلك القصائد أبيات كثيرة تمنع أبناء الأدب والفضيلة أن يتناولوا الكتاب بأيديهم لأن ما فيه من العشقيات المفرطة والمخالفة لروح العصر تؤدي بهم إلى ما لا تحمد عقباه.
٣ - إن المعتنين بنشر هذه المختارات لم يشبعوا الكلام عن تعريف نوابغنا. نعم قد علقوا على بعض الحواشي شيئاً زهيداً لكن دون ما يستحقونه فمثل هؤلاء الإجلاء جديرون بترجمة مفصلة ليقدروا حق قدرهم ولو أهملوا بعض هذا الأمر لمن هم في قيد الحياة لفهمنا لكن ما العذر لمن هم اليوم في دار البقاء.
٤ - الكتاب غرة من الغرر بل درة الدرر وكان يحسن بأن يخلص من شوائب الطبع أو من شوائب اللغة الضعيفة من ذلك مثلا ما جاء في ص ٥ في قوله: (فأنظر تر نهجاً. . . ترى القوم). . . والأصح تر القوم. وقوله في ص ٦: وتقلبت على هذه عصور تقارب الثمانية قرون. والأصح أن يقال الثمانية القرون أو ثمانية القرون. وأما الثمانية قرون أي بتعريب المضاف فقط فقد حكى جوازه ابن عصفور إلا أنه أشار إلى أنه قبيح لإضافة المعرفة إلى النكرة. كما نص عليه في شرح الطرة عن الغرة ص ٩٨ وكقوله ص ٨: ولم تتحلى بها أسماع أبناء الشام. والأصح تتحل وفيها: اللئالئ والأصح اللآلئ. وفيها: وقد تشظى عنه الصدف ولو قال: وقد تفلق عنها الصدف لكان أوفى بالمقام وقال في ص ٩ والحياة
стр. 1225
الهنية والأفصح الهنيئة وإن كان يجوز الأول. وفي ص ١١ مؤنة والأصح مؤونة إلى غيرها.
٥ - في بعض سطور هذا الديوان آراء لا نوافقه عليها. فقد جاء في ص ٤ (يوم كانت العربية المضرية لا تزال غضة بضة لم تدنسها العجمة ولم يشنها اللحن) فنحن هنا نوافق قول من يقول: إن العجمة دخلت العربية منذ عهد عهيد وكذلك اللحن على ما نعهده اليوم وبالمعنى المشهور. وقد أعاد هذا الفكر في ص ٦ قال: بقي الشعر عزيز الجانب موفور الحظ عند العرب حتى دخلت العجمة ألسنتهم فأبعدتها عن اللغة الفصحى، واتخذت لها من شعرها شكلاً جديداً دعوه زجلاً. وهو شعر للعامة. . .) قلنا: إن الزجل قديم الوجود في العربية وإنما لم يدونوه في صدر الإسلام لأنه كان خرجا عن مألوف سائر الأوزان المضبوطة المقبولة ولا سيما لأنه ما كان يراعي في وزنه قواعد الإعراب. لكن لما كثر استعماله بين العوام وشاع أكثر مما كان عليه في السابق أخذ يعمل عليه كثيرون. هذا ما بدا لنا في مثاني المطالعة ولعلنا لا نرضي الجميع في ما نقول والله الهادي.
٦ - تاريخ صيدا
يحوي تاريخها وسائر شؤونها منذ عمرانها إلى وقتنا الحاضر. لمؤلفه أحمد عارف الزين صاحب العرفان. - جميع حقوق الطبع محفوظة له مطبعة العرفان صيدا سنة ١٣٣١ في ١٧٦ صفحة بقطع الثمن.
الشيخ أحمد عارف أفندي الزين من نوابغ صيدا ومن العلماء العاملين الذين لا يعرفون الملل ولا الراحة فإننا لا نزال نراه يدأب في العمل واصلاً الليل بالنهار ناشراً من الآثار، ما يخلد له الذكر الحسن على توالي الإعصار. ومن جملة ما أتحفنا إياه كتابه في تاريخ صيدا. فإنه جمع كل ما وصلت إليه يداه في هذا المعنى ناقلاً شيئاً جماً من أسفار متعددة ومجلات كثيرة فجاء كتابه هذا من التواريخ المشبعة الوافية في صيدا. والكاتب من الرجال الراسخي القدم في العلم وهو لا يخاف نقد ناقد بخلاف كثيرين من بلادنا هذه فإنهم يقولون شيئاً ويودون شيئاً آخر وقد لحظنا ذلك مما نقدناه من الكتب والمقالات فإن بعض الأنذال الضعفاء العقول السخفاء الأحلام أقاموا القيامة علينا وهددونا بتعطيل مجلتنا إن واظبنا على طريقة انتقادنا وكما أننا أفهمناهم إننا لا نحيد عن خطتنا فآلوا هم أيضاً أن لا يحيدوا عن قصدهم السيئ فليهنئوا عيشاً.
стр. 1226
مهدنا هذه التوطئة لما رأيناه من ثبات رصيفنا الفاضل وحسن نيته في هذا المعنى مما يجعلنا أن نتفاءل فيه كل خير ومستقبلاً ميموناً.
تاريخ صيدا من الكتب التي تقتني لما بذل صاحبه من العناية بإفراغه في قالب بديع وخطة حسنة لكننا رأينا فيه بعض أشياء نود أن لا تكون في طبعته الثانية من ذلك:
١ - تكرير المعنى والمبنى على غير طائل ومثل هذا كثير في الصفحات الأولى من الكتاب. وفي بعض المواطن يقول شيئاً ثم بعد قليل ينفيه أو يعكسه فقد قال مثلا في ص ١٩: (وقد اختلف المتقدمون والمتأخرون في أصل الفينيقيين وزمان دخولهم فينيقية. والأرجح إنهم قبائل كثيرة حامية وسامية وقد هاجروا إليها في أزمنة مختلفة) اه. وما انتهى من هذه الكلمات حتى قال: إنه لا يعلم بالتحقيق أصل هذا الشعب غير أنه من نحو أربعة آلاف سنة أخذت سواحل بحر الروم تعمر بسكان جاءوا إليها من بلاد الشرق ولكن من أين جاءوا وكم كان عددهم ومن هم السكان الذين كانوا قبلهم؟ لا نعرف من ذلك شيئاً.) ثم قال في ص ٢٠: وأصل الفينيقيين سامي وقد أتوا من الخليج العجمي وأسوا مملكتهم على شواطئ البحر المتوسط في كعب لبنان وذلك من القرن الرابع والعشرين قبل المسيح) اه.
ففي هذه الأسطر من تشاجر الأقوال وتضاربها ما لا يجمل أن تفرغ بهذه العبارة في مثل هذا الكتاب بل يجمع بينها ويستخلص منها الأقرب إلى الرأي الأعم بين العلماء وهو الرأي الأخير ويهمل ما كان يذهب إليه العلماء قبل نحو ٥٠ سنة وهو الذي نقله عن قطف الزهور لأن المؤلف هذا الكتاب لم يكن من المدققين.
ومثل هذا التكرير في القول في ص ٢١ و٢٢ ففي ص ٢١ ذكر إن دين الفينيقيين كان عبادة الأوثان وكان اسم آلهتهم العظيمة (بعل) وآلهتهم المشهورة (عشتروت) ثم رجع فقال في ص ٢٢: ودينهم وثني وكان إلههم العظيمة (بعل) وإلهتهم المشهورة عشتروت. فهذا كلام نافل لا معنى لوجوده بعد أن ذكر ما ذكر وقال في صدر ص ٢٢ إن الفينيقيين كانوا يذبحون أولادهم ضحايا للربة مولوش (كذا والأصح للرب مولك أو مولوك) ثم قال في آخرها: (وقد بلغوا في عبادته (أي مولك) منتهى الوحشية فذبحوا له بنيهم وبناتهم) فلا جرم إن في هذا التكرار
стр. 1227
ما يثير في صدر القارئ السأم والملل. هذا فضلاً عن إن في العبارة الأخيرة كلاماً يخالف ما يراد منه. فكان يحسن أن يقول مثلاً: وقد بلغوا في عبادته منتهى الوحشية فذبحوا له من بنيهم وبناتهم ذبائح) وإلا فلو كانوا يذبحون له بنيهم وبناتهم فمن أين كانوا يتوالدون.
وقال في ص ٢٣: أشهر صنائع الفينيقيين البرنز (كذا ولو قال الشبه أو الفلز لأصفح) والأرجوان والزجاج وعمل الحلي والتماثيل والتمائم. . .) ثم يقول بعد قليل: (ولم يكن للفينيقيين فن مختص بهم لكنهم كانوا يتاجرون في المصوغات المصرية والآشورية واليونانية) فهذا الكلام ينفي ما تقدمه. ومثل هذه الإعادات غير ما ذكرناه فاجتزأنا بما أوردنا.
٢ - كان يحسن بالمؤلف عند نقله الألفاظ السامية الأصل عن كتب الإفرنج أن يعيدها إلى نصابها السامي وأن لا يتابع الأعاجم في عجمتهم. وأول كل هذه الألفاظ كلمة فينيقية وما ينسب إليها فالأصح فيها فنيقية بدون ياء بعد الفاء. وكقوله في ص ١٣: الآشوريين والآمدين والأصح والماذيين نسبة إلى ماذية بذال معجمة ومنها الماذية في العربية وهي المنسوبة إلى بلاد ماذية. وأما الآمدية فلم ترد في كتب قوم من الأقوام من أعراب وأغراب بهذا المعنى. وكقوله في ص ٢١: ولجبيل بعل تموز وباليت. والأصح: وبعليت أو بليت بحذف العين على لغة قديمة مشهور. وقال في ص ٢٠: أشهر مستعمراتها قرطاجنة وكاديكس. والمشهور وقادس. وفي ص ٢٢ ويرسم بعل مولوش في قرطاجنة تمثالاً عظيماً والأصح الأفصح ومولك أو مولوك بكاف لا بشين في الآخر. ومثل هذه الأغلاط غير ما ذكرناه.
٣ - قد وقع فيه أغلاط طبع كثيرة لم تصحح في آخره مثل قوله في ص ١١ والأحول أي الأحوال. وفي ص ١٣: اللذان قلبا العالم. والأصح أن يقال في ذلك الموطن: اللذين (بالجر). وفي ص ١٤ في زمن الفينيقين النشيطين. والأصح الفينيقيين النشطاء وفي ص ١٥ الذي يدعوه اليونانيون سوريين يدعونه البرابر آشوريين) والأصح يدعوه البرابرة آشوريين وفي تلك الصفحة مساحتها ١٥٩٠٠ كيلو متراً مربعاً والأصح كيلو متر مربع. وفي تلك الصفحة: عدد سكانها مليون وستماية وستين ألفاً. والأصح مليون وستمائة (بالهمزة لا بالياء كما وردت كثيراً) وستون
стр. 1228
(بالرفع) ألفاً. وفي ص ١٤ إلى سنة الستين والأصح إلى السنة الستين. ومثلها في السطر التالي وقوله في ص ١٦: بأنهم أوزاع شتى الدول التي تعاقبت عليها. والأصح أوزاع شتى من الدول. . . أو: اوزاع شتى اوزاع الدول التي تعاقبت عليها. وكقوله ص ١٨: فقد كانت قبل افتتاح يشوع بن نون فلسطين تمتد. ولو قال: فقد كانت تمتد فلسطين قبل أن يفتتحها يشوع بن نون لكان أقرب إلى الفصيح. وفي تلك الصفحة: المملكة الفينيقية التي اشتهرت بهذا المقدار قديماً قد انحصرت. . . . وهذا من التعبير الأعجمي والأفصح: المملكة الفينيقية التي اشتهرت تلك الشهرة قديماً قد انحصرت. أو التي اشتهرت أي شهرة أو نحو ذلك. وفي ص ٢٤ واخترعوا ألف باء فلعبوا دوراً مهماً في تاريخ الشرق. وهذا أيضاً من التعبير الدخيل والعرب تقول في مثل هذا المقام: واخترعوا حروف الهجاء فكان لهم مقام رفيع في تاريخ الشرق. ولو أردنا أن نستقصي مثل هذا الكلام لخرجنا عن طي هذه المجلة.
٤ - قد وقع أغلاط فاضحة في طبع الألفاظ الإفرنجية فكان يجب أن يدقق في تصحيحها لأنها كثيرة.
٥ - في الكتاب بعض الآراء لا نوافقه عليها وقد نقلها عن كتاب المشارقة والمغاربة لا محل لذكرها هنا. وهذا كله لا ينقص من شان الكتاب شيئاً ولا سيما لأنه أحسن تنسيق الأخبار العصرية عن صيدا. فجل من لا عيب فيه وعلا.
٧ - تاريخ الصحافة العربية
يحتوي على أخبار كل جريدة ومجلة عربية ظهرت في العالم شرقاً وغرباً مع رسوم أصحابها والمحررين فيها وتراجم مشاهيرهم - بقلم الفيكونت فيليب دي طرازي - جميع الحقوق محفوظة - بيروت المطبعة الأدبية سنة ١٩١٣ - الجزء الأول والثاني.
المؤلفات كالأجرام النيرة، فمنها ما تظهر فجأة وتزول وشيكاً، ومنه ما نقتبس أنوارها من غيرها ويظن الرائي أنها لها. ومنها ما تنير مدة ثم تنطفئ ومنها ما تنير بنفسها سنين مديدة وتبقى نيرة ما شاء الله. وهكذا الأمر في المؤلفات. فإن منها ما لا تكاد تخرج من المطبعة إلا وتزول فتكون كالهباء المنثور، ومنها ما يكون لها شهرة مؤقتة فإذا ذهب أو إنها أصبحت في خبر كان، ومنها ما يكون مؤلفها قد أقتبسها من سائر الكتب وانتحلها لنفسه فتحيا بعض الحياة لا غير ومنها ما تكون حياتها من ذاتها فتبقى خالدة ما كر الجديدان ويؤخذ منها ما يكون مادة
стр. 1229
لحياة كثير من جنسها فتكون أماً لها. ومن هذا الصنف الأخير كتاب (تاريخ الصحافة العربية) فإن صاحبه أفرغ كل ما في وسعه ليكون سفره جامعاً لأبحاث هذا التاريخ وما تشتت منه في مئاتٍ من المصاحف والصحف فجاء آية في التحقيق والتدوين. ومن حسناته العجيبة أن مؤلفه أثابه الله رصعه بأقوال الصحافيين ترصيعاً عجيباً مما يدل على إطلاع واسع على الجرائد والمجلات واستقصائها استقصاء بعيد الغور. فلا جرم أن هذا المصنف يكون مورداً ضرورياً لكل من يريد أن يكتب بعده في هذا الموضوع ويبقى كالشمس النيرة بنفسها تقتبس منها سائر الأقمار أنوارها وأما هي فلا ينقصها شيء. ولو لم يكن لحضرة هذا الكاتب الضليع إلا هذا الأثر الجليل المنيف لكفاه خلوداً في عالم الكتابة والتأليف.
أما الجزء الأول فيحوي أبحاثاً رائقة لا غنى للأديب الصحافي عنها. إذ فيه ذكر تراجم مشاهير الصحافيين في الحقبة الأولى وعددهم ٢٢ كاتباً فيهم سبعة من المسلمين وأربعة عشر من النصارى وأحمد فارس الشدياق النصراني الأصل والنشأة الذي أسلم حينما كان عمره ٤٤ سنة أي في منتصف حياته.
ويحوي الجزء الثاني أخبار صحافة البلاد العثمانية وتراجم مشاهيرها وذكر من أعلامها في بيروت ٢٥ كاتباً ثلاثة منهم مسلمون والبقية نصارى ثم تطرق إلى ذكر أخبار الصحافة خارجاً عن بيروت. وذكر من مشاهيرها ٩ محررين منهم ثلاثة مسلمون والبقية نصارى ثم ختم الجزء بأخبار الصحف العربية في أوربا وعدد من نوابغهم ثمانية نصفهم نصارى ونصفهم مسلمون وأتم الكل بذكر جميع الصحف والمجلات التي ظهرت في الحقبتين الأولى والثانية في ديار آل عثمان وديار الإفرنج. - فأنت ترى من هذا النظر المجمل إن الكتاب من أنفس ما ألف في هذا الموضوع وهو حسن الطبع والكاغد فيه صور كثيرين من نوابغ الصحافة وحري بأن يقتنيه كل أديب ليطالع فيه أو يجعله من محسنات مكتبته. والكتاب متقن التأليف والتنسيق والتبويب صحيح التركيب صادق اللهجة لا يتحزب لأحد ولا يقوم على كاتب أو يهجم عليه مهما كان فكره أو مذهبه شأن المؤرخ المتجرد من كل غرض وقد ذكر المؤلف في أول صفحة من مقدمة سفره هذا القول: البلاد التي لا صحافة فيها لا صحة فيها. وهو من كلام هذا العاجز في المسرة. وذكر في ٢: ١٦١ ما حرفه: وما طال غياب البستاني كثيراً
стр. 1230
عن بغداد بل عاد إليها وتزوج كلدانية غنية هي ابنة المثري انطون البغدادي. قلنا: الذي نعلمه عن انطون البغدادي أن لا ولد له ذكر ولا أنثى: أما مريم امرأة سليمان البستاني فهي ابنة اسحق سربوس الأرمني الكاثوليكي. فهي إذا أرمنية وإنما الكلدانية هي أمها وكانت أخت انطون بك ابن يوسف الشماس عبد المسيح وليست ابنته. فليحفظ.
ومن حسنات هذا التاريخ إنه مذيل بفهارس هجائية تتضمن أسماء الكتاب والصحافيين وصحفهم ومجلاتهم لكن المؤلف لم يجر على خطة واحدة في ذكر تلك الأسماء ففي جزء يوردهم بموجب اسمهم الشخصي وفي جزء آخر بموجب جمامهم أي اسم عشيرتهم أو أسرتهم أو شهرتهم. وفي بعض الأحيان باسم لا مناسبة بينه وبين ما يجب أن يطلب في الفهرس. فقد ذكر مثلا قاسم الكستي وقدور باحوم وقيصر المعلوف وقيصر كرم في الجزء الأول في حرف القاف. وذكر الشيخ قاسم الكستي وقيصر المعلوف في الجزء الثاني في حرف الاسم الذي أشتهر به أي أنه ذكر الأول في حرف الكاف والثاني في حرف الميم. ومثل هذا الخلل كثير. وذكر اسمنا في الجزء الأول في حرف الهمزة. وفي الجزء الثاني في حرف الكاف أي الكرملي. وكان الأولى أن يذكر في الجزأين في حرف الهمزة.
ومن حسناته أيضاً أنه أصلح أموراً كثيرة تاريخية كان أدخلها التاريخ بعض الصحافيين على غير عمد؛ من ذلك: ما جاء في الفصل الثالث من الجزء الأول الذي ذكر فيه مؤرخي الصحافة العربية فدل بحثه على غور بعيد في تتبع الحقائق والوقوف على أدق الدقائق ولذلك يستحق كل مديح وثناء.
وقد وقع في الكتاب بعض أغلاط طبع كقوله في ص ٩ من الجزء الأول (بعد البحث) والأصح البحث. وفيها: ويبتروا لسان المتطفلين والأصح (السنة) وإن كان لكلامه وجه صحيح. وفيه: لأن الواجبات الأولية في الصحافي أو السياسي هو أن يكونا حاصلين، والأصح: هي. وفي ص ٢١ و٢٥: أدار (بالدال المهملة) والأصح آذار (بالذال المعجمة) كما نبه عليه صاحب التاج وفي ص ٢٩ (ألفتنا نظرة إلى هذا السهو) والأصح لفتنا نظره من الفعل لا من الأفعال. والأفصح وجهنا نظره. وفيه: فيما ذكره عن الدورين والأصح في ما ذكره بفصل الكلمتين. وفيها: وهي ثالثة الجرائد في قدمة العهد والأصح في قدم أو قدامة العهد وفي ٢: ١٤ رسوم جميع مدراء البشير
следующие страницы →