Полный текст (6 158 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
مهدنا هذه التوطئة لما رأيناه من ثبات رصيفنا الفاضل وحسن نيته في هذا المعنى مما يجعلنا أن نتفاءل فيه كل خير ومستقبلاً ميموناً.
تاريخ صيدا من الكتب التي تقتني لما بذل صاحبه من العناية بإفراغه في قالب بديع وخطة حسنة لكننا رأينا فيه بعض أشياء نود أن لا تكون في طبعته الثانية من ذلك:
١ - تكرير المعنى والمبنى على غير طائل ومثل هذا كثير في الصفحات الأولى من الكتاب. وفي بعض المواطن يقول شيئاً ثم بعد قليل ينفيه أو يعكسه فقد قال مثلا في ص ١٩: (وقد اختلف المتقدمون والمتأخرون في أصل الفينيقيين وزمان دخولهم فينيقية. والأرجح إنهم قبائل كثيرة حامية وسامية وقد هاجروا إليها في أزمنة مختلفة) اه. وما انتهى من هذه الكلمات حتى قال: إنه لا يعلم بالتحقيق أصل هذا الشعب غير أنه من نحو أربعة آلاف سنة أخذت سواحل بحر الروم تعمر بسكان جاءوا إليها من بلاد الشرق ولكن من أين جاءوا وكم كان عددهم ومن هم السكان الذين كانوا قبلهم؟ لا نعرف من ذلك شيئاً.) ثم قال في ص ٢٠: وأصل الفينيقيين سامي وقد أتوا من الخليج العجمي وأسوا مملكتهم على شواطئ البحر المتوسط في كعب لبنان وذلك من القرن الرابع والعشرين قبل المسيح) اه.
ففي هذه الأسطر من تشاجر الأقوال وتضاربها ما لا يجمل أن تفرغ بهذه العبارة في مثل هذا الكتاب بل يجمع بينها ويستخلص منها الأقرب إلى الرأي الأعم بين العلماء وهو الرأي الأخير ويهمل ما كان يذهب إليه العلماء قبل نحو ٥٠ سنة وهو الذي نقله عن قطف الزهور لأن المؤلف هذا الكتاب لم يكن من المدققين.
ومثل هذا التكرير في القول في ص ٢١ و٢٢ ففي ص ٢١ ذكر إن دين الفينيقيين كان عبادة الأوثان وكان اسم آلهتهم العظيمة (بعل) وآلهتهم المشهورة (عشتروت) ثم رجع فقال في ص ٢٢: ودينهم وثني وكان إلههم العظيمة (بعل) وإلهتهم المشهورة عشتروت. فهذا كلام نافل لا معنى لوجوده بعد أن ذكر ما ذكر وقال في صدر ص ٢٢ إن الفينيقيين كانوا يذبحون أولادهم ضحايا للربة مولوش (كذا والأصح للرب مولك أو مولوك) ثم قال في آخرها: (وقد بلغوا في عبادته (أي مولك) منتهى الوحشية فذبحوا له بنيهم وبناتهم) فلا جرم إن في هذا التكرار
стр. 1227
ما يثير في صدر القارئ السأم والملل. هذا فضلاً عن إن في العبارة الأخيرة كلاماً يخالف ما يراد منه. فكان يحسن أن يقول مثلاً: وقد بلغوا في عبادته منتهى الوحشية فذبحوا له من بنيهم وبناتهم ذبائح) وإلا فلو كانوا يذبحون له بنيهم وبناتهم فمن أين كانوا يتوالدون.
وقال في ص ٢٣: أشهر صنائع الفينيقيين البرنز (كذا ولو قال الشبه أو الفلز لأصفح) والأرجوان والزجاج وعمل الحلي والتماثيل والتمائم. . .) ثم يقول بعد قليل: (ولم يكن للفينيقيين فن مختص بهم لكنهم كانوا يتاجرون في المصوغات المصرية والآشورية واليونانية) فهذا الكلام ينفي ما تقدمه. ومثل هذه الإعادات غير ما ذكرناه فاجتزأنا بما أوردنا.
٢ - كان يحسن بالمؤلف عند نقله الألفاظ السامية الأصل عن كتب الإفرنج أن يعيدها إلى نصابها السامي وأن لا يتابع الأعاجم في عجمتهم. وأول كل هذه الألفاظ كلمة فينيقية وما ينسب إليها فالأصح فيها فنيقية بدون ياء بعد الفاء. وكقوله في ص ١٣: الآشوريين والآمدين والأصح والماذيين نسبة إلى ماذية بذال معجمة ومنها الماذية في العربية وهي المنسوبة إلى بلاد ماذية. وأما الآمدية فلم ترد في كتب قوم من الأقوام من أعراب وأغراب بهذا المعنى. وكقوله في ص ٢١: ولجبيل بعل تموز وباليت. والأصح: وبعليت أو بليت بحذف العين على لغة قديمة مشهور. وقال في ص ٢٠: أشهر مستعمراتها قرطاجنة وكاديكس. والمشهور وقادس. وفي ص ٢٢ ويرسم بعل مولوش في قرطاجنة تمثالاً عظيماً والأصح الأفصح ومولك أو مولوك بكاف لا بشين في الآخر. ومثل هذه الأغلاط غير ما ذكرناه.
٣ - قد وقع فيه أغلاط طبع كثيرة لم تصحح في آخره مثل قوله في ص ١١ والأحول أي الأحوال. وفي ص ١٣: اللذان قلبا العالم. والأصح أن يقال في ذلك الموطن: اللذين (بالجر). وفي ص ١٤ في زمن الفينيقين النشيطين. والأصح الفينيقيين النشطاء وفي ص ١٥ الذي يدعوه اليونانيون سوريين يدعونه البرابر آشوريين) والأصح يدعوه البرابرة آشوريين وفي تلك الصفحة مساحتها ١٥٩٠٠ كيلو متراً مربعاً والأصح كيلو متر مربع. وفي تلك الصفحة: عدد سكانها مليون وستماية وستين ألفاً. والأصح مليون وستمائة (بالهمزة لا بالياء كما وردت كثيراً) وستون
стр. 1228
(بالرفع) ألفاً. وفي ص ١٤ إلى سنة الستين والأصح إلى السنة الستين. ومثلها في السطر التالي وقوله في ص ١٦: بأنهم أوزاع شتى الدول التي تعاقبت عليها. والأصح أوزاع شتى من الدول. . . أو: اوزاع شتى اوزاع الدول التي تعاقبت عليها. وكقوله ص ١٨: فقد كانت قبل افتتاح يشوع بن نون فلسطين تمتد. ولو قال: فقد كانت تمتد فلسطين قبل أن يفتتحها يشوع بن نون لكان أقرب إلى الفصيح. وفي تلك الصفحة: المملكة الفينيقية التي اشتهرت بهذا المقدار قديماً قد انحصرت. . . . وهذا من التعبير الأعجمي والأفصح: المملكة الفينيقية التي اشتهرت تلك الشهرة قديماً قد انحصرت. أو التي اشتهرت أي شهرة أو نحو ذلك. وفي ص ٢٤ واخترعوا ألف باء فلعبوا دوراً مهماً في تاريخ الشرق. وهذا أيضاً من التعبير الدخيل والعرب تقول في مثل هذا المقام: واخترعوا حروف الهجاء فكان لهم مقام رفيع في تاريخ الشرق. ولو أردنا أن نستقصي مثل هذا الكلام لخرجنا عن طي هذه المجلة.
٤ - قد وقع أغلاط فاضحة في طبع الألفاظ الإفرنجية فكان يجب أن يدقق في تصحيحها لأنها كثيرة.
٥ - في الكتاب بعض الآراء لا نوافقه عليها وقد نقلها عن كتاب المشارقة والمغاربة لا محل لذكرها هنا. وهذا كله لا ينقص من شان الكتاب شيئاً ولا سيما لأنه أحسن تنسيق الأخبار العصرية عن صيدا. فجل من لا عيب فيه وعلا.
٧ - تاريخ الصحافة العربية
يحتوي على أخبار كل جريدة ومجلة عربية ظهرت في العالم شرقاً وغرباً مع رسوم أصحابها والمحررين فيها وتراجم مشاهيرهم - بقلم الفيكونت فيليب دي طرازي - جميع الحقوق محفوظة - بيروت المطبعة الأدبية سنة ١٩١٣ - الجزء الأول والثاني.
المؤلفات كالأجرام النيرة، فمنها ما تظهر فجأة وتزول وشيكاً، ومنه ما نقتبس أنوارها من غيرها ويظن الرائي أنها لها. ومنها ما تنير مدة ثم تنطفئ ومنها ما تنير بنفسها سنين مديدة وتبقى نيرة ما شاء الله. وهكذا الأمر في المؤلفات. فإن منها ما لا تكاد تخرج من المطبعة إلا وتزول فتكون كالهباء المنثور، ومنها ما يكون لها شهرة مؤقتة فإذا ذهب أو إنها أصبحت في خبر كان، ومنها ما يكون مؤلفها قد أقتبسها من سائر الكتب وانتحلها لنفسه فتحيا بعض الحياة لا غير ومنها ما تكون حياتها من ذاتها فتبقى خالدة ما كر الجديدان ويؤخذ منها ما يكون مادة
стр. 1229
لحياة كثير من جنسها فتكون أماً لها. ومن هذا الصنف الأخير كتاب (تاريخ الصحافة العربية) فإن صاحبه أفرغ كل ما في وسعه ليكون سفره جامعاً لأبحاث هذا التاريخ وما تشتت منه في مئاتٍ من المصاحف والصحف فجاء آية في التحقيق والتدوين. ومن حسناته العجيبة أن مؤلفه أثابه الله رصعه بأقوال الصحافيين ترصيعاً عجيباً مما يدل على إطلاع واسع على الجرائد والمجلات واستقصائها استقصاء بعيد الغور. فلا جرم أن هذا المصنف يكون مورداً ضرورياً لكل من يريد أن يكتب بعده في هذا الموضوع ويبقى كالشمس النيرة بنفسها تقتبس منها سائر الأقمار أنوارها وأما هي فلا ينقصها شيء. ولو لم يكن لحضرة هذا الكاتب الضليع إلا هذا الأثر الجليل المنيف لكفاه خلوداً في عالم الكتابة والتأليف.
أما الجزء الأول فيحوي أبحاثاً رائقة لا غنى للأديب الصحافي عنها. إذ فيه ذكر تراجم مشاهير الصحافيين في الحقبة الأولى وعددهم ٢٢ كاتباً فيهم سبعة من المسلمين وأربعة عشر من النصارى وأحمد فارس الشدياق النصراني الأصل والنشأة الذي أسلم حينما كان عمره ٤٤ سنة أي في منتصف حياته.
ويحوي الجزء الثاني أخبار صحافة البلاد العثمانية وتراجم مشاهيرها وذكر من أعلامها في بيروت ٢٥ كاتباً ثلاثة منهم مسلمون والبقية نصارى ثم تطرق إلى ذكر أخبار الصحافة خارجاً عن بيروت. وذكر من مشاهيرها ٩ محررين منهم ثلاثة مسلمون والبقية نصارى ثم ختم الجزء بأخبار الصحف العربية في أوربا وعدد من نوابغهم ثمانية نصفهم نصارى ونصفهم مسلمون وأتم الكل بذكر جميع الصحف والمجلات التي ظهرت في الحقبتين الأولى والثانية في ديار آل عثمان وديار الإفرنج. - فأنت ترى من هذا النظر المجمل إن الكتاب من أنفس ما ألف في هذا الموضوع وهو حسن الطبع والكاغد فيه صور كثيرين من نوابغ الصحافة وحري بأن يقتنيه كل أديب ليطالع فيه أو يجعله من محسنات مكتبته. والكتاب متقن التأليف والتنسيق والتبويب صحيح التركيب صادق اللهجة لا يتحزب لأحد ولا يقوم على كاتب أو يهجم عليه مهما كان فكره أو مذهبه شأن المؤرخ المتجرد من كل غرض وقد ذكر المؤلف في أول صفحة من مقدمة سفره هذا القول: البلاد التي لا صحافة فيها لا صحة فيها. وهو من كلام هذا العاجز في المسرة. وذكر في ٢: ١٦١ ما حرفه: وما طال غياب البستاني كثيراً
стр. 1230
عن بغداد بل عاد إليها وتزوج كلدانية غنية هي ابنة المثري انطون البغدادي. قلنا: الذي نعلمه عن انطون البغدادي أن لا ولد له ذكر ولا أنثى: أما مريم امرأة سليمان البستاني فهي ابنة اسحق سربوس الأرمني الكاثوليكي. فهي إذا أرمنية وإنما الكلدانية هي أمها وكانت أخت انطون بك ابن يوسف الشماس عبد المسيح وليست ابنته. فليحفظ.
ومن حسنات هذا التاريخ إنه مذيل بفهارس هجائية تتضمن أسماء الكتاب والصحافيين وصحفهم ومجلاتهم لكن المؤلف لم يجر على خطة واحدة في ذكر تلك الأسماء ففي جزء يوردهم بموجب اسمهم الشخصي وفي جزء آخر بموجب جمامهم أي اسم عشيرتهم أو أسرتهم أو شهرتهم. وفي بعض الأحيان باسم لا مناسبة بينه وبين ما يجب أن يطلب في الفهرس. فقد ذكر مثلا قاسم الكستي وقدور باحوم وقيصر المعلوف وقيصر كرم في الجزء الأول في حرف القاف. وذكر الشيخ قاسم الكستي وقيصر المعلوف في الجزء الثاني في حرف الاسم الذي أشتهر به أي أنه ذكر الأول في حرف الكاف والثاني في حرف الميم. ومثل هذا الخلل كثير. وذكر اسمنا في الجزء الأول في حرف الهمزة. وفي الجزء الثاني في حرف الكاف أي الكرملي. وكان الأولى أن يذكر في الجزأين في حرف الهمزة.
ومن حسناته أيضاً أنه أصلح أموراً كثيرة تاريخية كان أدخلها التاريخ بعض الصحافيين على غير عمد؛ من ذلك: ما جاء في الفصل الثالث من الجزء الأول الذي ذكر فيه مؤرخي الصحافة العربية فدل بحثه على غور بعيد في تتبع الحقائق والوقوف على أدق الدقائق ولذلك يستحق كل مديح وثناء.
وقد وقع في الكتاب بعض أغلاط طبع كقوله في ص ٩ من الجزء الأول (بعد البحث) والأصح البحث. وفيها: ويبتروا لسان المتطفلين والأصح (السنة) وإن كان لكلامه وجه صحيح. وفيه: لأن الواجبات الأولية في الصحافي أو السياسي هو أن يكونا حاصلين، والأصح: هي. وفي ص ٢١ و٢٥: أدار (بالدال المهملة) والأصح آذار (بالذال المعجمة) كما نبه عليه صاحب التاج وفي ص ٢٩ (ألفتنا نظرة إلى هذا السهو) والأصح لفتنا نظره من الفعل لا من الأفعال. والأفصح وجهنا نظره. وفيه: فيما ذكره عن الدورين والأصح في ما ذكره بفصل الكلمتين. وفيها: وهي ثالثة الجرائد في قدمة العهد والأصح في قدم أو قدامة العهد وفي ٢: ١٤ رسوم جميع مدراء البشير
стр. 1231
والأصح مديري البشير على أن هذه الهنات لا تستحق الذكر بجانب هذا السفر الجليل الحسنات التي تجعله بين الكتب الممتعة الخالدة وأباً لكل ما يصنف بعده في هذا المعنى وكفاه ذلك ثناءٍ وتقريظاً.
٨ - المنهل
مجلة أدبية تاريخية اجتماعية مصورة عند الاقتضاء. تصدر مرة في الشهر بالقدس الشريف لمنشئها محمد موسى المغربي - الجزء الأول. رمضان سنة ١٣٣١ قيمة الاشتراك في البلاد العثمانية ريال مجيدي ونصف وفي البلاد الخارجية عشرة فرنكات.
في هذا العدد الأول من المباحث بعد الفاتحة: مناهل الأدب، مصارع العظماء (مصورة)، الجديد وفتاة العصر (قصيدة للشيخ علي أفندي الريماوي) عرس ابنة غليوم (مصورة) الحب (بلسان الحداد والقصار والخباز والطبيب) الحب الخالص، حكم للوزراء فتاة عربية (للأديب ع) متفرقات وهي ٤٠ صفحة. والأمل أنها تكون منهلاً للأدباء، ومشرعا للفضلاء.
٩ - النادي الكاثوليكي
ما هو - ضرورته وفوائده - تآليفه وخطته بقلم الأب بولس سيور المرسل البولسي -
مطبعة القديس بولس في حريصا ١٩١٣.
١٠ قوانين النادي الكاثوليكي
المؤسس في دمشق لشبيبة الروم الكاثوليك على اسم القديس يوحنا الدمشقي. طبع بالمطبعة المذكورة ١٩١٣.
في الجماعات من القوة ما لا ترى في العناصر المفردة التي تتركب منها وهذا يقال في الأمور المادية والأدبية. ونفعها ظاهر لكل ذي عينين. والكراسان المذكوران يدلان أحسن دلالة على إثبات هذه الحقيقة فهما جديران بالمطالعة لما فيهما من الفوائد التي يقف عليها القارئ في أثناء المطالعة. وثمن الواحد غرشان ونصف.
١١ - فردريك أوزنام
نصير الدين ورسول المحبة (١٨١٣ - ١٨٥٣) بقلم الخوري نقولا دهان رئيس المدرسة البطريركية بدمشق، طبع بالمطبعة المذكورة ١٩١٣.
كان هذا الرجل مجهول الترجمة في الشرق ولم تعرف حياته إلا في هذه السنة بعد أن مضى على ولادته قرن بتمامه. ومن التراجم الحسنة المكتوبة في هذا المعنى هي هذه التي ذكرنا منشئها فإن صاحبها قد اعتمد في كتابتها على أصدق الأسانيد وأوثق الأخبار وأحسن الأنباء وأفرغها في أجود قالب عربي.
стр. 1232
١٢ - البيان السنوي للكلية العثمانية الإسلامية
لعامها التاسع عشر سنة ١٣٣١هـ الموافق ١٩٠٣غ
هذا البيان من أصدق الأدلة على تقدم هذه الكلية العثمانية الإسلامية وهو مزين بعدة تصاوير تمثل بعض أبنية هذه الكلية وطلبتها مع ذكر ما يتعلق بخطة المدرسة ودروسها وشروط قبول طلبتها إلى غير هذه من الفوائد الجزيلة. والمنافع الجليلة مما يشوق المسلمين إلى إدخال أبنائهم فيها.
١٣ - فوائد عن الجيش المصري (بالفرنسوية).
لمصطفى بك إبراهيم دي كورتن. طبع في باريس في مطبعة
فرزنية ١٩١٣
صديقنا مؤلف هذا الكتاب من أدرى الناس بشؤون الشرق لا سيما بشؤون ديار شمالي أفريقية. وكان يظن بعض الأدباء إن معرفته محصورة في بلاد تونس والجزائر لا غير. وهذا الكتاب الذي أمامنا يشهد على إن الكاتب واسع الإطلاع واقف على ديار مصر وجيشها وتاريخ أعماله. وقد أيد أقواله كلها بجداول مفيدة لا يستغني عنها كتاب مصر ولا سيما أرباب الصحافة الذين يهمهم الوقوف على حقائق الأنباء ودقائقها. وقد قسم كتابه قسمين: الأول في تاريخ الجيش المصري والثاني في الجيش المصري الحالي فنحث كل أديب يهمه الإشراف على أحوال مصر أن يطالع هذا التصنيف المفيد لأنه يجد فيه ضالته المنشودة.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - سقوط مسقط
مسقط هي الثغر العربي البحري حاضرة بلاد عمان على حرف بحرها في عرض ٢٣ درجة و٣٧ دقيقة من الشمال وفي طول ٥٦ درجة و١٥ دقيقة من الشرق فيها نحو ٣٥ ألف من السكان وميناؤها حسن وكان قد حصنها سابقاً البرتغاليون. وتجارتها مع بمبي وخليج فارس نافقه، والميناء الصغير الذي يجاورها واسمه (مطرح) يعد من مرافقها وكان قد فتحها البوكرك في سنة ١٥٠٧ فأمتلكها البرتغاليون إلى سنة ١٦٤٨ ثم خرجت من أيديهم وتقلبت عليها الأحوال حتى أصبحت هدفاً للنفوذ الإنكليزي إلى هذه الأيام الأخيرة فجاءتنا الأخبار إن الإنكليز احتلوها وغدت من أملاكم. ولا بد من أن نعرض على
стр. 1233
القراء مجمل الأنباء منذ أقرب عهد إلينا أي منذ عهد السيد سعيد بن سلطان لتقوم في الفكر صورة الحقيقة منذ نشأتها إلى هذا العهد. وقد استندنا في اغلب هذه الرواية على حضرة سليمان أفندي الدخيل صاحب الرياض فنقول:
كان لمسقط في عهد السيد سعيد بن سلطان شأن يذكر أصبحت فيه حاضرة إمارة كبيرة على سيف الخليج الفارسي تمتد على الثغور البحرية المجاورة لها حتى جزيرة البحرين التي لم تغلب عليها مع أنه حارب أهلها أشد المحاربة ومن الثغور التي كانت تضاف إلى الإمارة المذكورة لنجة وبندر عباس وما يجاورهما من البلاد الإيرانية الواقعة على خليج فارس. لا بل امتدت أجنحة إمارته إلى ساحل شرقي أفريقية مثل بلاد (لامو) و (منباسة) و (الانفزيجة) و (بندر السلام) و (هنزوان) (الجزيرة الخضراء) وزنجبار وغيرها.
وكان قد أقام حاضرتين وهما (مسقط) للبلاد الواقعة في بحري عمان وفارس (وزنجار) للأقطار الأفريقية. وعقد معاهدة مع والي البصرة ومثلها مع دولة الهند ليحافظ على استقلاله وأمور دياره حتى أن فرنسة أقرت له بلقب سلطان العرب أو إمبراطورهم وقد نالت رعيته من الرفاهية ورغد العيش ما لم تنله تلك الأقطار في سابق الأعصار، وكان له أسطول ذو حول وطول يمخر أبحر الهند وفارس وعمان. . .
بقيت تلك الدولة في نمو وزهو إلى أن توفى السعيد فانقسمت دولته بين أبنائه قسمين:
شطر عربي وشطر أفريقي، فكان الشطر الأفريقي نصيب السيد ماجد ومن بعده السيد برغش ووقع الشطر العربي حصة للسيد ثويني الذي قتله ابنه السيد سالم ليستولي على سلطنته، وما بدأ هذا الرجل بالقبض على زمام الأمر إلا واستعرت نيران الفتن واندلعت السنة اللهيب إلى تلك الديار ولم تخمد إلا بتغلب السيد تركي عليها وهو ابن السيد سعيد أخي السيد ثويني وبقيت الأمور تجري في مجراها إلى عهد السيد فيصل بن تركي السلطان العربي الحالي، فتقاسم الإنكليز والألمانيون تلك البلاد في معاهدات سنة ١٨٩٠ وأفضت ثغور فارس والبحرين والكويت إلى حماية الإنكليز. وهكذا أخذت البلاد تخرج من أيدي أصحابها.
ولما اخترع الإفرنج البواخر وسيروها على متان البحار وشحنوها آلات جهنمية وبقي العرب على حالتهم الأولى من اتخاذ السفن الشراعية أو ذوات المقاذيف ضعفت قواهم في المحاربة وتأخروا عن سائر الأمم التي كانت تزداد قواها بازدياد عدد بواخرها وبوارجها ومدرعاتها فاضطر أمير مسقط أن يسايس الإفرنج والإنكليز خوفاً من أن تفلت بلاده من يديه قهراً وقسراً بدون أن يتمكن من معارضة المتغلبين الطامحة أبصارهم إلى دياره. فاضطر إلى منع النخاسة (بيع الرقيق) ثم إلى منع بيع الأسلحة ثم إلى غير هذه المطالب مما أوغر صدور العرب عليه ودفعهم إلى الخروج عليه.
وأول من نفث في صدور الناس روح العصيان هو الشيخ عبد الله السلمي من (الشرقية) فإنه
стр. 1234
دعاهم إلى أن يبايعوه وقد كان بلده (ضبية) ومسكنه في لبد (لقابل) الذي أميرها الشيخ عيسى بن صالح وأول من بايعه هو هذا الشيخ وكانت المبايعة سراً والغاية من هذا الخروج إقامة السيد فيصل (إماماً شرعياً) على الاباضية في مسقط يكون نافذ القول والأحكام لا سلطاناً ولهذا كتبا إليه كتاباً ليطلعاه على ما جال في فكرهما فأبى السيد فيصل قائلاً إنه (سلطان وإمام معاً) وإنه حر القول والفعل في مملكته يعمل ما يشاء ويقول ما يشاء.
فلما بلغ ذلك الخبر إلى الشيخين امتعضا وأنضم إليهما جمع شايعوهما في أفكارهما ثم طلبوا جميعهم إلى السيد فيصل أن يقطع دابر المومسات من مسقط وعمان وأن يمنع شرب المسكرات والدخان وتجول المبشرين في تلك البلاد إلى غير هذه المطالب فأبى كل الإباء قائلاً: إن الإنسان خلق حراً ولا يحق لي أن أقيده بقيود.
فلما رأوا أنه رفض كل ما طلبوه منه اجتمع الشيخ عبد الله السلمي والشيخ عيسى بن صالح والشيخ عبد الله بن سعيد وعقدوا مجلساً خفياً في (سمائم) من بني الريحة وقرروا أن يبعثوا الشيخ عبد الله بن حميد إلى جميع ديار عمان ليدعوا أهلها إلى النهوض مع الشيوخ المذكورين وإلى محاربة السيد فيصل لكونه أبى تلبية مطالبهم. فجرى الأمر على ما قرروه وكنوا الصلح في قبائل عمان المختلفة وربطوا بعضها ليكونوا يداً واحدة على السيد السلطان ثم سار الشيخ عبد الله بن حميد إلى (تنوف) بليدة قريبة من (نزوة) وواجه شيخها حمير الأمامي الذي أمر للحال فجمع علماء الاباضية وذاكرهم في الأمر فقر رأيهم على تعيين إمام ومبايعته فأقاموا عليهم الشيخ سالم بن راشد الخروسي ودخلوا (نزوة) سراً ودعوا سكانها إلى المبايعة فبايعوا الإمام وكان في مقدمتهم بنو يام والكنود.
فلما بلغ الخبر أمير نزوة وهو السيد سيف بن حمد من أبناء بني سعيد هجم عليهم بعسكره كبحاً لجماحهم. لكنهم أبلوا بلاء حسن وقتلوا من بني سعيد خاصة أكثر من ٢٥ رجلاً وجرحوا الوالي ثم بعد ذلك أخذت نزوة أو قل سلمت نفسها بدون ممانعة ليضعف أهلها وقوة محاربيهم وللحال أخرجت العساكر من القلعة الحصينة وأحتلها أتباع الإمام.
стр. 1235
أما الوالي فإنه لما رأى الحال على تلك الصورة لجأ إلى أحد المساجد فطلبوا إليه أن يطاوع الإمام وإلا يعامل معاملة الأسير فاستمهلهم ساعة قبل الجواب فلما أمهلوه انتحر.
قبض الإمام على زمام الأمر في نزوة ولما قرت فيها قدمه أرسل يقول لسكان بيت سليط إما الطاعة وإما الحرب. فسالموه وأطاعوه. ثم سار وقد قسم جنده إلى طائفتين وجه الطائفة الأولى إلى (بركة الموز) والطائفة الأخرى إلى الرستاق وما كادت تصل تلك الجنود إلى تلك الديار إلا وانقاد سكانها للهاجمين بدون معارضة. ثم زحفوا على بلاد الحزم فبايع أهلة الإمام ثم زحفوا إلى ولاية الغوابي فلم يقاومهم فيها أحد. وفي تلك الأثناء كانت الطائفة الثانية من الجند قد زحفت من (بركة الموز) إلى (ولاية تركي) وقالوا لواليها: إن أنت وافقتنا على أنرنا أقمناك إماماً. فسلمهم القلعة بدون محاربة وللحال لفوا رأسه بعمامة وقالوا له: (كن مستعداً لأن تكون خليفة (!!!) بعد إمامنا هذا (!).
لما سمع السيد فيصل هذه الأمور جيش جيشاً فيه ٥ آلاف جندي وأمر عليه ابنه السيد ناذر فلما وصل إلى قرب موقع الإمام الجديد في (سمائم) قلب له جيشه ظهر المجن فانحاز إلى جيش الخصم ولم يبق معه إلا فرقة من البلوص وأولاد بني سعيد وكلهم لا يتجاوز عددهم التسعين. فلما رأي هذه الخيانة لجأ إلى حصن سمائم فدخلة ولبث فيه محصوراً منتفعاً بالمدافع التي كانت هناك دفعاً لهجمات عدوه الشديدة.
أما قبائل ذلك الموطن فإنها لم تنفعه فتيلاً لأنها كلها خانته وانحازت إلى الإمام الجديد الذي اشتد ساعده لما رأى من الفوز المبين ومع ما توفق له من انضمام القوم إليه لم يستفد من محاصرة السيد ناذر عظيم فائدة لأنه كان يدحرهم شر دحر بما كان يمطره عليهم من قذائف مدافعه. ولهذا رأى الإمام من الأوفق له أن يتركه وشأنه ويحاصر البلد محاصرة ضيقة بحيث يبقى السيد ناذر وهو في حصنه في بؤرة البلد.
стр. 1236
ثم إن الشيوخ تفرقوا بجنودهم فسار الشيخ حمير بجنوده إلى (سمائم السفلى) وسار الشيخ عيسى إلى بلد (سرور) فبايعه أهلها. وسار الإمام ومعه الشيخ عبد الله إلى سمائم العليا محاصرين السيد ناذراً. ثم إنهم لما لم يروا نتيجة أتعاب محاصرتهم حفروا سرباً أو نفقاً تحت الأرض على بعد ربع ساعة (كذا ولعل في هذه الرواية غلواً عظيماً ولا سيما لأن الأرض هناك ذات حجارة صلبة سوداء تكاد تكون كالحرة) ينتهي إلى القلعة ونسفوا بالبارود شيئاً يسيراً من الحصن ولم يصب أحد بضرر لا من المحاصرين ولا من المحاصرين لكن لما أعادوا الكرة وأخذوا ينسفون الحصن للمرة الثانية رجع مفعول البارود على جند الإمام وأهلك من قومه نفوساً كثيرة.
أما الشيخ عيسى فإنه أوغل في البلاد وبايعه أهلها وما زال يمعن فيها حتى وصل إلى بلد (فنكا) فأرسل السيد فيصل عليه جيشاً جراراً وعند وصوله إلى بلد (الخوث) رجع على أعقابه وذهب إلى بلاد (السيب) بدون أن يرى العدو بل علم أن العدو قد احتل (الخوث) قبل أن يصل إليه وبايعه أهله فحقق سعي جيش السيد فيصل - وأما جيش الإمام الذي كان قد احتل (الرستاق) فإنه تجاوزه وأمعن في البلاد حتى دخل (العوابي) وفيها أبناء السيد فيصل وهما حمود وحمد ومعهما السيد (هلال) والي (بركة) فلما رأوا صولة العدو فروا هاربين من القتل فأخذها الإمام وأخرج منها العسكر الموجود فيها وامتلك الأسلحة المذخرة هناك وباعها للعشائر.
استمرت هذه المحاربة نحو أربعين يوماً. . وفي الآخر رأى السيد فيصل أن لا طاقة له على مقابلة العدو فأستنجد بالإنكليز فأمدوه بست بوارج هائلة وبخمسمائة جندي. واعديه أن يساعدوه في كل ما يطلب وأن لا يبعدوا في البر أكثر من مسافة ساعة. وقد احتلت الجنود الإنكليزية بعض القلاع واخذوا يقاومون العدو أشد المقاومة وأصبحوا أصحاب الأمر والنهي في عمان.
ولما قرت قدم الإنكليز في مسقط وفي سائر ديار عمان وأصبحوا فيها أصحاب الأمر والنهي نشروا فيها أجنحة الأمن والراحة والسكون. حتى أن أحد تلك الأرجاء كتب إلى جريدة الدستور البصرية (أن السكينة قد عادت إلى ربوعها بعد أن أتخذ الإنكليز جميع وسائل الحرب لصد العدو عن مهاجمتها لا بل شرعوا المذاكرة في أمور الصلح بينهم وبين الإمام الأباضي) فتبارك مالك الملك الذي يؤتى الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء.
стр. 1237
العدد ٢٩
جزيرة العرب
١ - نظر مجمل فيها
إن معرفة أحوال جزيرة العرب والإحاطة بما فيها من القبائل والعشائر والمواقع والمواضع إلى غيرها من أشد الأمور غموضاً على الباحثين من العلماء وأصعب من ذلك الوقوف على ما في كبد جزيرة العرب مما أشرنا إليه فلقد بقي إلى الآن مطوياً عن المتطالين إلى الإطلاع عليه ولا يعلم بما فيه من النفوس والقبائل إلا الله وحده. ومع كثرة دواوين التواريخ العربية فإنا لم نعثر إلى الآن على من بحث فيها بحثاً شافياً وافياً؛ وجل ما رأيناه من المؤلفات تتناول أطراف الجزيرة مما يداني الأبحر الواقعة عليها. أما وسطها فإنه بقي كعنقاء مغرب يسمع باسمها ولا يرى جسمها؛ وقد أدعى كثيرون إنهم جاسوا الديار لكن تفاصيل أبحاثهم دلت على ما يخالف أقوالهم أو إنهم لم يروا إلا الشيء النزر الذي لا يعتد به.
ومن أحسن الكتب التي أنشئت في جزيرة العرب هو كتاب (صفة جزيرة العرب) للهمداني لكن اغلب أبحاثه تشمل القسم الشمالي والجنوبي من الجزيرة وما فيهما من الموارد والمياه والمراعي. وكل ذلك على ما كان في سابق الزمان في عهد المؤلف وقد حالت الأحوال وتغيرت الأجيال وانتقلت القبائل من مواضعها إلى مواضع أخرى حتى أن الباحثين اليوم لا يكادون يقعون على ما يطالعونه في ذلك التصنيف الجليل ولا يجد فيه الرحالة ذريعة يتذرع به للوصول إلى غايته. اللهم إلا أن يضيع شطراً من عمره في التجول في تلك البلاد والتنقل مع قبائلها كما فعل أفراد من الإفرنج المتفرغين لهذه الأبحاث فتبدوا مع أهل بادية الشام ومع ذلك رأينا
стр. 1238
أنباهم دون ما كان يتوقع من مثلهم مع أن أحدهم أضاع أكثر من ١٣ سنة فجاءت جل إفاداته ما يكون بمنزلة ملحق للأمور السياسية مما يدل على إن معظم همه كان تدوين ما يخص تلك الوقائع دون غيرها من الشؤون الاجتماعية والتاريخية.
ومما نوجه إليه الأنظار رسوم جزيرة العرب فإننا لم نعثر على ما يفي بالمقصود فإن اغلب ما أحسن رسمه منها هو سواحلها دون أواسطها. وكثير مما ذكر جاء مصحفا أو محرفاً قلت معه تلك الفائدة على أننا لا ننكر فائدتهم بوجه الأعمال إذ ترشد الباحث الخبير من أبناء الشرق إلى ما يجب تتبعه من هذا القبيل. وقد عنى جماعة من علماء الإنكليز والألمان والفرنسويين بوضع رسوم لا ننكر فائدتها. وقد سمعنا إن في نظارة ألمانية مخططات كبيرة فيها ذكر مواقع وقرى وبلدان لم تذكر في غيرها فعسى أن يصح الخبر. وكذلك يقال عن مثلها للإنكليز بيد إن هذا كله لم يظهر إلى عالم الوجود إلى يومنا هذا ولا بد أن تنشر يوماً إن صحت الأخبار.
أما تاريخ العرب فهو على هذا المثال من الغموض والإشكال. ولا سيما تاريخهم في العهد القديم السابق لعهد الإسلام، ذلك التاريخ الذي يصل الأمم الباقية بالأمم البائدة فكل ما جاءنا لا يذعر له الفكر ولا يصدقه العقل. وقد سعى الكتاب في هذه السنين الأخيرة في نشر بعض الكتب اعتماداً على ما اكتشف من الآثار والرقم إلا أن هذه الأسفار لا تزال ناقصة. وإننا لنأمل إن علماءنا العصريين يعيدون الكرة فيجددون عزائمهم الخائرة، ويمعنون في البحث ليقعوا على ما يزيل الشبهات، ويقطع أصول الريب ببينات لامعات.
أما اللغة العربية فقد كادت تفسد بالتمام في هذه العصور الأخيرة لكثرة ما أصاب أبنائها من النوائب لولا أن القرآن الذي هو أساس الدين ولغته لغة الدين حفظها من الدمار والبوار. ثم قيض الله لها باحثين أصحاب نظر وفكر بينوا محاسنها وصححوا ما أفسد من ألفاظها وميزوا ما فيها من حسن وسيئ فنبذوا منها القبيح وضنوا منها بالصحيح فأخذت تعود إلى نضارة عزها وغضارة مجدها. وأصبحت اليوم واسطة الوحدة العربية. والرابطة القومية بين بلاد وبلاد.
ولا بد أن يأتي يوم نعرف فيه ما لفضل هذه اللغة وشدة ارتباطها بالأم التي ولدت منها، وإن هذه الابنة هي أحسن سائر البنات أخواتها في حفظ عوائد وأخلاق تلك الأمم المنقرضة البائدة.
стр. 1239
٢ - حدود جزيرة العرب وأقسامها
أما حدود جزيرة العرب فمن بين جميع سائر البلاد لم تتغير على تطاول الاعصار وتغير الأحوال والأجيال لأنها طبيعية فقد كانت في السابق كما هي اليوم بدون فرق عظيم. فيحدها من الشمال بادية الشام ومن الجنوب بحر الهند (أو إن شئت فقل بحر العرب وخليج عدن) ومن الشرق خليج فارس وبحر عمان ومن الغرب البحر الأحمر أو بحر قلزم.
وكان يعرف هذه الحدود العرب الأولون لكن باختلاف في إيراد الأسماء.
وتقسم جزيرة أو بلاد العرب إلى قسمين قديمين وهما: ديار بني عدنان أو بني إسماعيل وديار بني قحطان وبعبارة أخرى ديار عرب الشمال وديار عرب الجنوب. وهذا التقسيم لا يعرف اليوم. أما المعروف فهو: الحجاز واليمن وحضرموت وعمان ونجد والاحساء وهذا الأخير لا يعرف إلا منذ نحو نصف قرن.
٣ - ديار نجد
ولما كنت نجدي المولد والمنشأ أحببت أن أقدم تعريف دياري على غيرها ولا سيما لأنها سرة جزيرة العرب ولأنها من أغمض أقسامها إذ قلما جاس خلال دورها الإفرنج وكتبوا عنها الكتابة الصادقة، الصحيحة الأخبار والأنباء.
وهي تقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول العروض أو العرض أو الرياض أو الدرعية وهي إمارة ابن السعود.
والثاني: القصيم وهو عبارة عن إمارتين: إمارة آل سليم وإمارة آل مهنا.
والثالث: الجبل أو جبل شعر أو جبل طي وهو إمارة ابن الرشيد وعاصمته حائل سمى كذلك لأن هذا البلد حال دون ديار الشام ودومة الجندل أو بين القصيم والرياض. وقد ذكرنا ذلك في هذه المجلة ١: ١٧ - ١٨ فراجعها. أما اليوم فنتعرض لذكر أسماء أمراء كل إمارة مع أنسابهم باختصار بموجب التاريخ الصحيح ثم إذا سنحت لنا الفرصة للحق بكل إمارة ذكر قبائلها وعشائرها ووصلها بالقبائل القديمة المشهورة مع ذكر أسباب التنقل والتغير والانتجاع التي وقعت في العهد السابق. وفي الأخر نذكر الطرق والمياه والمواطن والجبال المشهورة فيها وإن ساعدتنا الأحوال مساعدة عظيمة خصوصية وضعنا لتلك الديار رسوماً كبيرة تحوي في كبد هذه الجزيرة من البلاد والقرى والموارد والمنتجعات، والله المعين.
стр. 1240
٤ - أمراء نجد
لما كان الأمير سعود الأول هو الذي رفع ذكر هذه الإمارة إلى مناط العيوق كان من المناسب أن نجعله في مبتدأ النسب ونذكر أجداده على ما وقفنا عليه ثم نعود إلى ذكر الأمراء وتاريخهم واحداً بعد واحدٍ فنقول:
الأمير سعود
هو ابن الأمير محمد ابن الأمير مقرن ابن الأمير مرخان (وقد كان أميراً مستقلاً) ابن الأمير إبراهيم الذي كان في عهد العباسيين أميراً قائماً بنفسه صاحب الأمر والنهي في جزيرة العرب وهو ابن
الأمير موسى
الذي كان مستبداً بنجد وبما والاها في آخر أيام الدولة العباسية وهو ابن
الأمير ربيعة
وقد كانت تخضع له الاحساء والقطيف وقطر. وهو ابن
الأمير مانع
الذي وضع أساس (الدرعية) وبناها. وجدد بناء الاحساء والقطيف وقطر وعمان وأول من بنى فيها القلاع المنيعة والحصون المكينة والأسوار الشامخة وكان مستقلاً بالإمارة في سنة ٨٥٠هـ (١٤٤٦) ومن ذريته (المنانعة) الموجودون اليوم في نجد. وهم أسرة كبيرة شريفة متفرقة في كثير من الديار العربية وغيرها. وهو ابن المسيب بن المقداد بن بدران بن مالك بن سالم بن مالك بن حسان بن ربيعة بن مر بن منقذ بن الحارث بن سعد بن همام بن سعد بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن دعمي بن جديلة بن معد بن عدنان.
فنسب الأمير سعود يتصل بعدنان. وفي غير كتب خطية يتصل نسبه بإبراهيم (عم) لكننا نعتمد على الأول لوضوحه وجلائه. وقد تولى الإمارة بعد والده الأمير محمد بن مقرن وكان مسكنه في الدرعية وإليه ينسب بيت السعود.
وكانت وفاته في سنة ١١٣٧هـ (١٧٢٤م) وخلف أربعة بنين وهم ثنيان ومحمد ومشاري وفرحان. والذي تربع على عرش الإمارة بعده هو ابنه:
стр. 1241
الأمير محمد ابن سعود
وسار هذا الأمير سيرة حسنة في الناس إذ رفع المظالم وأبطل المكوس والضرائب وعاضده على ذلك أخوه ثنيان الأكبر فقويت شوكته وامتدت سطوته وناهض الاستبداد أشد المناهضة وحاول الاستيلاء على جميع جزيرة العرب في حياة أخيه ثنيان إلا أن الأخير مات في سنة ١١٦٠هـ (١٧٤٧م) فلم ينل محمد ما كان ينويه ثم مات هو أيضاً في سنة ١١٧٠هـ (١٧٥٦م) فقام بالإمارة بعد ابنه:
الإمام عبد العزيز بن محمد
الذي هو أيضاً سار سيرة حميدة في القوم ولم يبتعد عن سنن والده وحاول تحقيق أمنية أبيه من إخضاع جزيرة العرب كلها لإمارته فدانت له نجد كلها وكل ما في أطرافها المترامية الأكناف فاتسع نطاق ملكه وكان مغواراً لا يمل من المحاربة والمقارعة وكان يباشر الملاحم بنفسه حتى كبر. وقد كانت وفاته قتلاً إذ أغتاله رجل رافضي من أهل العمادية (من ديار الجزيرة) جاءه لهذه النية السيئة وكان ذلك في نهار الجمعة في صلاة العصر في جامع الدرعية سنة ١٢١٨هـ (١٨٠٣م) فتولى زمام الأمر بعده ابنه:
الإمام سعود بن عبد الله
تولى هذا الأمير ديار نجد وجند جنوداً تزيد على ٤٠٠ ألف رجل بين فارس وراجل واخضع سائر ديار جزيرة العرب وحاول مناهضة الملوك الحاكمين على أطراف الجزيرة واستخلاصها من أيديهم. وقد توفق لشيء كثير من ذلك ومن عجيب أمره إنه لم تهزم له راية قط. وقد كان عالماً ذكياً حسن الخط مجيد القراءة الصحيحة. وقد كان من الهيبة والأبهة والجلال ما يبهر عيون الناظرين وكان فصيح الكلام إذا تكلم أنصت له جميع السامعين. ثم توفى في سنة ١٢٢٩هـ (١٨١٤م) وتولى بعده ابنه:
الإمام عبد الله بن سعود
فسار سيرة والده في القوم إلا إن أخوته ما كانوا يوافقونه كل الموافقة وكان لا يستطيع مخالفتهم فنازعه أخوه سعود بن فيصل بن سعود فكان كل منهما يأمر وينهى في الشؤون على خلاف ما يقطع به أخوه وللحال تفرقت كلمتهم ونفر منهم فئام من العرب واتسع الخرق في قوتهم فانتهزت الحكومة المصرية هذه
стр. 1242
الفرصة فرصة الخلاف بين الأخوين فانحاز إلى المصريين كثير من عرب نجد والحجاز والعراق والشام واليمن فخذل آل سعود. وتوفى عبد الله في القسطنطينية سنة ١٢٣٣هـ (١٨١٨م) وكان شهماً عفيفاً كريماً سخياً لكنه لم يكن صائب الفكر والرأي كما كان والده. ولهذا السبب أضاع شيئاً كثيراً من مملكته واختلت سياسته لرعيته. وبعد وفاته تولى الإمارة أخوه:
الإمام مشاري بن سعود
الذي حاول أن يسترد ما فقده أخوه لكن حالت دون أمانيه موانع جمة لا بل اضطربت قبائل نجد في عهده فشغبت عليه ولم يتمكن من إخضاعها له. وما زالت شاقة العصا عاصية عليه حتى توفى في سنة ١٢٣٥هـ (١٨٢٩م) وخلفه بعده في الإمارة ابن عمه:
الأمير تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود
فاخضع نجداً بسيفه البتار وفكره الصائب وسار سيرة محمودة في الرعية وكان يمارس الطب عارفاً الأدوية، عالج كثيراً من المرضى فشفوا على يده ولم يزل مقيماً في دار إمارته (الرياض) حتى قتله فيها ابن عمه مشاري بن عبد الرحمن سنة ١٢٤٩هـ (١٨٣٣م) فتربع على عرش إمارته قاتله المذكور:
الأمير مشاري بن عبد الرحمن بن مشاري بن حسن بن
مشاري بن سعود
إلا إنه لم يلبث في الإمارة إلا مدة أربعين يوماً ثم أحاطت به جنود أهل نجد ومعهم فيصل بن تركي فأدركوه في قصر الإمارة في الرياض وقتلوه. ثم هجرت (الدرعية) واتخذت (الرياض) مقراً للإمارة فأصبحت هي العاصمة منذ ذاك الحين إلى يومنا هذا وبعد أن قتل الأمير مشاري تولى الإمارة بعده:
الأمير فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود
فسار سيرة طيبة في المسلمين إلا أن الأقدار لم تساعده على أن يبقى راخي البال لأن الاضطرابات كثرت في نجد وخرج عليه ابن عمه خالد بن سعود في عسكر جاء به من مصر فقبضوا على فيصل في إحدى قلاع الخرج وذلك بعد حروب ووقائع كثيرة لم يفشل فيها فيصل بل ثبت فيها ثبت الأسد القسور حتى غلبه القضاء والقدر بأن خانه جنده فأخذ
أسيراً إلى مصر سنة ١٢٥٥هـ (١٨٣٩م) وقبض بعده
стр. 1243
على زمام الإمارة ابن عمه:
الأمير خالد بن سعود
وقد ساعدته الحكومة المصرية على نيل هذه الرتبة بما بذلت له من المال والرجال إلا إنه لم يسلك سنة آبائه في السياسة بل سار على نهج المصريين فأنكر عليه أهل نجد أعماله وسلوكه ونفرت منه القلوب ولم يبق شيئاً مذكوراً في نظرهم وكانت أمه جارية حبشية ذكية فطنة جداً. وما زال مكباً على لهوه حتى أجمع أهل نجد على خلعه فخلعوه سنة ١٢٥٧ (١٨٤١م) وتولى بعده ابن عمه:
الأمير عبد الله بن ثنيان بن إبراهيم بن ثنيان بن سعود
فاخضع نجداً بسيفه وفكره وأسس سياسته للبلاد على سنة آبائه الكرام فأحبوه ومالت إليه القلوب وكان شجاعاً لا يهاب اقتحام الأخطار وحومات الحروب فهابته الملوك وعزم على مناوأتهم فعالجه القدر وتوفى مسموماً أو قتيلاً وذلك سنة ١٢٥٩هـ (١٨٤٣م) وتولى بعده ابن عمه:
فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود
وهو الذي أخذ أسيراً إلى مصر فإنه توصل إلى الهرب من سجنه وعند هبوطه نجداً صادف مجيئه وفاة عبد الله بن ثنيان المتقدم ذكره فتولى الإمارة بعده ودانت له أعراب نجد واستقام له الأمر فيها مدة حياته التي عاشها بعد خروجه من مصر وكانت وفاته في سنة ١٢٨٢هـ ١٨٦٥) ومن بعده تولى الإمارة ابنه
الأمير عبد الله
باتفاق جميع عشائر ديار نجد وحمولة آل سعود. وسار في أول الأمر سيرة حسنة ثم تغيرت سياسته بعد ذلك مع أخوته وبني عمه فانقلبت به الأحوال ظهراً لبطن وأجمع خصومه على خلعه وتقدم لرئاسة الخلع أخوته سعود وعبد الرحمن وثنيان وأبنا عمه فهد بن صنيتان (مصغرة) وعبد الله بن ثنيان (مصغرة) وآل مشاري وآل مقرن فخلعوه سنة ١٢٨١هـ (١٨٦٤م) بعد حروب ووقائع شتى. ثم انتقلت الإمارة من بعده إلى أخيه:
الأمير سعود بن فيصل
واخضع له شرقي نجد وباديتها وحاضرتها فانحاز أخوه المخلوع عبد الله إلى عشائر قحطان وحارب أخاه محاربة طويلة اضطر في نهايتها إلى أن يهرب من أمام وجهه فاتفق آل سعود مع الأمير سعود على محاربة عبد الله إن عاد إلى فكره على شرط
стр. 1244
أن يشتركوا مع سعود في إمارة نجد فرضى بذلك فتجزأت البلاد وأصبح كل صقع منها لأمير فكان
أمير الخرج ثنيان بن عبد الله بن ثنيان
وأمير الاحساء وما فيها من الجيوش وأمير الاحساء والقطيف وقطر وبلاد البحرين وما والاها من أطراف عمان وملحقاته: الأمير عبد الله بن عبد الله بن ثنيان
وأمير العارض
وجيشه ونواحيه وما والاه من بادية وحاضرة الأمير سعود بن جلوي بن تركي.
وأمير الفرع
وجيشه وما يتعلق به وما يضاف إليه من آل شامر والقرينية (بالتصغير والنسبة): الأمير فهد بن صنيتان من آل ثنيان
وأمير الرياض
وملحقاتها: الأمير عبد الرحمن بن فيصل بن سعود الموجود اليوم
وأمراء نجد
جماعة منهم: أمير جيوش نجد (القصيم وما يضم إليها من الملحقات) الأمير محمد بن سعود والأمير عبد الله بن سعود والأمير سعد بن سعود والأمير عبد الرحمن بن سعود والأمير عبد العزيز بن سعود آل فيصل والأمير ناصر بن فيصل بن ناصر والأمير إبراهيم بن عبد الله الثنيان من آل سعود. وما زالوا على هذه الحال إلى أن توفى الأمير سعود بن فيصل سنة ١٢٩١هـ (١٨٧٤م) فبقيت نجد بين آل سعود ولم يمكن منهم أن يستقل بها وحده دون غيره لتفرق كلمتهم وعدم اتفاقهم على واحد يقرونه على الإمارة.
إلى هنا نختم هذا الفصل من تاريخ أمراء نجد وسيتلوه فصل آخر في ظهور دولة السعود الجديدة. والله الموفق.
سليمان الدخيل
صاحب جريدة الرياض ومجلة الحياة
стр. 1245
لغة العرب
الجائرون بحكمهم أهلوك ... ظلموك إذ خمدوا وما رحموك
كنت المليكة في اللغات وإنما ... كان الملوك على الأنام ذويك
أبكيك مما يعتريك وإنني ... أبكي زمانهم كما أبكيك
وسعت رصانتك الكتاب فما لهم ... جهلوا (الكتاب) وما لهم جهلوك
كرهوك إذ نبذوك خلف ظهورهم ... يا ليت شعري مم هم كرهوك
وكسوك ثوب تغير فتصوحت ... بك زهرة التسكين والتحريك
لا تجزعي مما لقيت فإنما ... أيام (عبد الله) قد تكفيك
أنسيت أيام (الرشيد) أم انثنى ... منك الفؤاد إلى الأمين أخيك
لا عهد (إبراهيم) فيك بقية ... منه ولا عهد (الرشيد) أبيك
عذلي أوجهه إلى العرب الالي ... تركوك (والترك) الالي تركوك
جهلوك (يا أم اللغات) جميعهم ... ولقد شناك بنوهم وبنوك
لو كان جرحك منهم لأسوته ... لكن بنوك كجرحهم جرحوك
تركوك (يا لغة النبي) وآثروا ... في المسلمين سياسة التتريك
ظنوك قاصرة البيان ورجموا ... في قومك العرب الظنون وفيك
ما بالهم خضعوا لشانك فاجتنبوا ... من بعض عسجد لفظك المسبوك
ظلموك فيما يحكمون وإنما ... ظلموا. . . . . . إذ ظلموك
أم البلاغة والفصاحة ما لهم ... أنسوا البلاغة بعد ما نسوك
ولي زمان فيه غصنك ناضر ... إذا أنت ذات شرافة وسموك
كنت العقود بلبة الدنيا فقد ... صارت عقوداً غير ذات سلوك
لما تعطلت من حليك جيدها ... بكت المعارف بالدم المسفوك
حسدتك آفاق السماء فآنت ... بنحوسها فغدت بها تشقيك
ما أحمر خد الشمس إلا إنها ... غضبت عليك بسترها المهتوك
حسبت مكانك في الجمال مكانها ... من حيث ظنت أنها تعلوك
بدر السماء عليك يلطم خده ... فلذاك لاح كدرهم محكوك
стр. 1246
تنعاك أبراج السماء ونجمها ... ومن الملائك معشر ناعيك
ونعتك مصر والشام وبعدها ... أمسى العراق بدمعه يرثيك
بالله يا لغة (النبي) تجملي ... فلعل حادثة الرقي تليك
أهلوك قد نهضوا ليستلموا العلا ... لله ما نهضت به أهلوك
نقضت لك الأيام عهداً موثقاً ... فلعلهم بعهودهم موفوك
لم يغن عنك البدر عند طلوعه ... كلا ولا الشمس التي تحكيك
كنت الشريفة والزمان ما عف ... وملوك أهل الأرض غير ملوك
أنت العلاج لنا من الجهل الذي ... أودى بنا وبديننا المنهوك
ما من أعادينا تصاب بلادنا ... لكن تصاب بجهلنا والنوك
يا يومنا الحلكوك طال أنيننا ... فيه فكيف بلينا الحلكوك
حتى م يا شعب العراق أرك في ... لين الذليل وذلة المملوك
في أمس تسحب ثوب رق للعلا ... واليوم تسحب بذلة الصعلوك
أمياه (دجلة) في العراق لعلما ... يجري على إمهاله واديك
أجريت يا وادي الفرات بمهلة ... أم كيف أنت بمائك المتروك
أعيون أودية العراق تريثي ... إن العراق بجدبه يشكوك
يشكوك من ظماءٍ وأنت مفيضة ... ذهباً عليه من منابع فيك
محمد الهاشمي
الكرد الحاليون
(لغة العرب) لاحظ الأدباء إن كتاب هذه المجلة هم ممن تفرغوا للأبحاث تفرغاً عرفوا واشتهروا ونبغوا فيه. وهذه المقالة التي نزفها للقراء دبجتها براعة الكاتب المجيد شكري أفندي الفضلي الذي عاش بين ظهراني الأكراد نحو ٢٠ سنة وقد وقف على هذا الجيل أتم الوقوف حتى اطلع على عجرهم وبجرهم داخلهم وخارجهم خلوتهم وجلوتهم وقد تجول في تلك الديار كل التجول حتى إنه لم يفته أمر ولهذا لا تقرأ هنا إلا الصحيح الذي لا يشوبه ريب فنوجه نظر القارئ إلى مطالعة هذا البحث بتدبر.
١ - المرأة
لا يقوم بناء مكين، إلا إذا كان هناك أساس متين، وحيث لا أساس رصين،
стр. 1247
يكون الخراب السريع الأكيد اليقين، وما يقال في البيت المادي يقال في البيت الاجتماعي، الذي تضم حيطانه سكانه، وأساس البيت الاجتماعي هو المرأة؛ فحيثما ترى المرأة كاملة عدة النفس وهي الفضائل الصادقة، والعلوم المرقية، والآداب الطاهرة، وخدمة المنزل بدون وناء وفتور، تحكم إن هناك العمران الحقيقي والحضارة المنشودة. وقد ترى المرأة مزودة بعدة النفس إلا أنه لا يرى هناك ما أشرنا إليه من أمر هذه الحقيقة؛ والسبب هو حالة المربي الموجودة هي فيه، كما أنك لو أقمت داراً عامرة أو قصراً مشيداً في وسط فلاة لا ماء فيها، ولا نبات يوشيها، فإن ذلك المعهد قد يستقيم أعواماً مديدة، إلا أنه يبقى خالياً من كل ساكن لوجوده في موطن لا يعيش فيه حي ولا يأنس فيه أنيس.
وهذا الذي نقوله يؤيده الواقع في المرأة الكردية الحالية التي تختلف بيئتها عن بيئة سائر الناس ولا سيما عن نساء العرب. فالمرأة الكردية لا تحتجب كالعربية أو كالإعرابية قطعاً، بل تطوي بساط أيامها في مقامها الطبيعي حرة العمل والتصرف هادئة الضمير والوجدان تذب عن حقوقها على حد ما يذب عنها الرجل الكردي بدون فرق. وهي ترافق زوجها مدى العمر إذا راعى حقوق الزوجية. وتفارقه أو تهجره إذا أصر على هضم تلك الحقوق أو انتهاكها ولهذا زوجها يوافقها قلباً وقالباً ولا يتعدى عليها إلا في النادر. تراها تشاطر الرجل (سواء كان أخاً أو أباً أو زوجاً أو قريباً) في أمر المعاش وتخفف عنه أعباء
المتاعب والمصاعب بكمال النشاط والهمة وتبعث في نفسه دواعي الشجاعة وتسليه في حالتي السراء والضراء، الرجاء واليأس. - تعنى بتربية الأولاد من بنين وبنات أشد العناية ولا تفرق تربية البنين من تربية البنات، إلا أنها تراعي حقوق المكان والزمان وتعودهم الأشغال الشاقة منذ نعومة أظفارهم وتناسب بين شغل وشغل مناسبة لشق وشق - تقوم بإدارة البيت وتستقبل الأقرباء والأحباء والضيوف بذيل طاهر، وطرف قاصر، وجفن ساهر، وقلب سليم، وعقل قوي، كل ذلك حضر زوجها أو غاب، حياً كان أو ميتاً - تصغي للرجل والرجل يصغي إليها في تجاذب أطراف ما يجب عمله أو إهماله حفظاً لحياة الأسرة أو تسهيلاً لقضاء حاجياتها لأنها تشاهد وترى كل ما يجري في بيتها وتعرف جميع أحوال الذي تعيش فيه فتطابق حالتها عليه ولا تفرق عن الرجل في
стр. 1248
الانتباه إلى ما يجب عمله وتركه. اللهم إلا في الأمور التي لم يكن لها فيها ناقة ولا جمل، أو جرت بعيدة عنها على غير مرأى ومسمع منها - المرأة الكردية الشريفة الكبيرة العريقة النسب تقوم مقام الرجل في المعاملات: في اكرآء الدور والبساتين والخضر والحوانيت والخانات وتفجير العيون وتعمير الأرضين وأغلال الضيع بل تشارك الرجال في وظائف الحكومة المودعة لزوجها أو لأحد أقربائها وأنسابها وإن كان هذا الأمر نادراً. رأيت امرأة أحد قوام المقامات في كردستان واسمها (خانم) تدير شؤون القضاء فيراجعها المتوظفون في كل الأمور المتعلقة بالإمارة. وشاهدت امرأة أحد القضاة واسمها (آمة) (أي أمينة) تجمع الحرس وتجول بهم في الأزقة من الصباح إلى المساء أو بالعكس لحفظ البلدة من سطوة اللصوص وهجمات الأشقياء.
والمرأة الرحالة الكردية تمتطي الجواد كالرجل إذا أرادت السفر وتتسلح بالأسلحة المألوفة وتستعملها إذا اقتضت الحال، لركوب الأهوال - صادفت امرأة من عشيرة الشوان اسمها (كوخا نركس) قتل الهماوند أخاها فتزيت بزي الرجال وتسلحت وتنكبت بندقية وشكت في منطقتها مسدساً وامتطت جوادها وما زالت على متن فرسها حتى أخذت به وثأرت أخاها - والمرأة القروية تقطع المسافات البعيدة وتأتي المدن للبيع والشراء وهي تسعى سعياً حثيثاً على رجليها سواء كانت وحدها أم لا وقد تجلببت بالعزم والحزم وتحجبت بالمناعة والعفاف: رأيت في سفري إلى بعض ديار كردستان امرأة راجلة كانت تتبع قافلتها بجد
وسعي وكانت حبلى. وفي أثناء السير تأخرت عنا زمناً. ثم لما نزلنا على ماء لنتناول الغذاء إذا بالمرأة قد أدركتنا وبين ذراعيها وليد تباغمه، ولما ظعنا نهضت معنا وهي تجد في السير كالسابق فعلمنا أنها تأخرت لوضع الحمل. ولم يعقها عائق لا الحبل ولا الطلق ولا النفاس فقلت نعمت المرأة ولتكن النساء على هذا المثال من الجد والعناء، جاهلات الحمول والوناء. على أن المرأة المدنية لا تضاهي الكردية القروية في جميع الأمور لتغير أسباب المعيشة والبيئة والمربى.
٢ - الرجل الكردي
يمتاز الرجل الكردي بكونه يعود نفسه الأشغال الشاقة منذ صغر سنه ويرو جسمه رياضة دونها كل رياضة لأنه يكافح الموانع الطبيعية بقلب قد من
стр. 1249
جلمود وبصدر أرحب من الفضاء وذلك بعد خروجه من مدرسة حضن أمه الحرة بقليل من الزمن - تراه إذا ضرب في الفيافي طواها طي البساط، وإذا رقي في الجبال طاولها همة وإباء واصلاً الجد بالنشاط. وإذا جاع في تلك المطاوي اكتفى بكسرة خبز وشربة ماء، وإذا احتاج إلى النوم افترش الأرض والتحف السماء - تراه يجد في السير راكباً أهوال الحياة بشوشاً فرحاً جلداً يستقبله الأمل ويشيعه الحزم والعمل، تراه لا يصعر خداً ولا يقطب جبيناً إذا قامت بوجهه العقبات أو حلت به النوائب والملمات. وإذا نظرت إليه وهو في السهول أو الحزون أو الجبال وأمعنت فيه النظر نظر شاعر مصور للأفكار، يخيل لك إنه سلطان، وإن السهول الواسعة هي له بمنزلة الديوان؛ وما حواليه من مظاهر الطبيعة بمقام الأعوان. يخيل لك إن الجبال المرتفعة تطاطئ له الرؤوس، وتقوم بين يديه قيام رجل واحد مرؤوس، لا نفاذ أمره والجري على خاطره، يصعد إلى قمم الأطواد بحذاء يتخذه من الشعر أو الخيوط وهو الرشك ويتجول به إلى حيثما يشاء وهو يقطع الصخر ويقطع الشجر لبناء بيته منهما. ويصطاد الحيوانات ويلتقط المواد النباتية ليتخذ منهما طعامه أو يتجر بهما معاً ويدأب في غرس الكروم والأشجار المثمرة ويزرع الحبوب المتنوعة في الحزون والسفوح مكتفياً بماء المطر والثلوج وينحدر إلى السهول فيفجر فيها الينابيع المعروفة عندهم (بالكهريز) ويخترق الأنهار ويحرث الأراضي ويرعى الماشية ويربي الحيوانات الداجنة ويستبدل الثمار والغلال بغيرها من نتاج الصناعة الإفرنجية ويبيع المواد الأولى ليشتري بها المواد المعمولة ويمشي المسافات الطويلة أو البعيدة على الثلوج المتراكمة في بلاده وليس في رجله إلا حذاء عريض اسمه (جاروخ) ويكافح البرد بقباء قصير يتخذه من الصوف اسمه (فرنجي) وهو الذي يسميه بعض العرب (كبنة) (وزان غرفة). - كان رجل كردي يلقب (بابردو
стр. 1250
يهبط من السليمانية إلى بغداد في مدة لا تزيد أبداً على ثلاثين ساعة مع أن المسافة بين هاتين المدينتين هي عبارة عن تسع منازل للقوافل الاعتيادية. فإذا فرضنا إن هناك قطاراً يقطعها في عشر ساعات اتضح لك إن ذاك الرجل كان يسير سيراً يعادل ثلث سير القطار المتئد. هذا في المشي وأما في الانحدار من الجبال والتلول المرتفعة فكان ينزل منها راكباً فرسه مغيراً. ولا جرم أن الرجل العاقل إذا رأى انحدار تلك الاطواد وركوب الفرس عليها يذهب إلى جنون الراكب. والأمر مع ذلك أشهر من أن يذكر. ورأيت رجلاً اسمه (ججه) (وزان سبب) نزل من جبل (هروته) (وزان الوكة) الذي لا يقدر أحدنا أن ينزل منه راكباً لنشوزه كان ينحدر منه ججه راكباً جواده.
والكردي يحسن الرماية ببندقيته أحسن الرماية سواء كان واقفاً أو ماشياً أو راكباً ولا يخطئ الهدف إلا قليلاً. رأيت بعض الهورمانيين يرمون الجوز بالقنابل الجوزة بعد الجوزة والقنبلة بعد القنبلة وذلك على قدر مدى المرمى وبواريدهم من الطرز القديم لا تصلح شيئاً إذا وقعت في أيدي الرماة البارعين والكردي إذا حارب يثبت في حومة الوغى ويصبر على تجرع كأس الردى كأنه يتحسى الحساء. وقد يهجم وأمامه من الأعداء ما يساوي عدده أضعافاً وكثيراً ما ينجو سالماً غانماً بدون أن ينال بأدنى آذى. كان رجل اسمه (جوامير الهماوندية يقابل فئة وفيرة من الجنود المنظمة أو من مغاوير الرجال وليس معه من إخوانه إلا بقدر الأنامل وقد طبقت شهرة هذا الرجل العراق كله وكان الجميع يخافونه حتى صار العوام يضربون به المثل فيقولون (خوش ما صرت جوامير) أي ألعلك أصبحت كجوامير بشدة البأس والمراس.
هذه صفات الرجل الكردي الجبلي والقروي والبدوي وأفعاله. أما المدني فشأنه شأن العراقي في التجارة والعلم والصناعة وربما فاقه ذكاءٍ إذا عني بتربيته وهو لا يشبه القروي أو الجبلي أو الرحال بحال من الأحوال إلا شيئاً قليلاً.
стр. 1251
٣ - الأسرة الكردية
إذا تزوج الرجل امرأة نشأ البيت أو قامت الأسرة والأسرة الكردية تنشأ طبقاً للسنن الطبيعية، بملء الحرية، ولهذا تراها في اغلب الأحايين تشبه الأسرة العربية البدوية، منزهة عما يكدر صفاء العيش، أو يعكر كأس الراحة. قل ذلك عن البيت الشريف أو الوضيع عن الغني أو الفقير. والسبب الرئيس لحصول هذا الأمن العظيم ناشئ من رضاه من امرأته، ورضاه من امرأته متولد من كونه انتخب هو بنفسه شريكة حياته بعد أن عرفها من مخالطته إياها بنفس عفيفة أبية، ولذا تراها تشاركه في مر الحياة وحلوها، في خيرها وضيرها تراها باقية غير محتجبة عن الرجال، كما كانت على تلك الحال قبل الزواج. كل ذلك لأن الوسط لم يلوث بفساد الأخلاق، وكثيراً ما يرى أو يكلم الزوج المستقبل زوجته المستقبلة وقدر منزلتها ولا خطبة بينهما ولا عقد ملاك. ولا تظن أن هذا يصعب على الرجل حتى في المدن لأن وسائل الملاقاة كثيرة متوفرة منها الأعراس ومواسم الأفراح والمتنزهات والزيارات إلى غيرها.
أما الأعراس فإن الأبكار والثيبات يأتينها من كل فج سحيق، وواد عميق، وإذ اجتمعن تمسك الواحدة منهم يد الأخرى على شكل نصف دائرة ويأخذن بالرقص فينشأ من شبه تلك الدائرة روضة من أزهار الحسن والجمال، مائسات بغنج ودلال، على إيقاع الطبل والزمارة (وهي زورنا بلغتهم وهي السرناي أو السريانة المعربة) ويسمون هذا الرقص (شاهي أو شائي). وفي تلك الأثناء تغنى الأغاني المؤثرة والشبان من حواليهن يشجعونهن بما ينثرون عليهن من النقود والملبس وهم لا ينثرون هذا النثار إلا على رأس من استحسنوها أو فاقت صواحبها أو أترابها بالرقص العفيف والطرف النظيف وفي بعض الأحيان قد يشترك الشبان مع الشابات فيطلق حينئذ على هذا الزفن المشترك اسم (رش بلك) وإذا تعب الرجل فقد يسقط بين امرأتين أو أكثر أو بالعكس وليس من يفكر بأدنى شر وليخسأ كل من يضمر السوء في نفسه
وأما التنزهات فهي خاصة بفصل الربيع وكثيراً ما تعقد مجالس الأنس
стр. 1252
والنزهة حول المقابر أو المزارات المشهورة النازحة عن البلد أو القرية فيتقاطر هناك الألوف والألوف من إناث وذكور على اختلاف أعمارهم وطبقات مهنهم وأشغالهم ويبدأ الغناء والرقص فيبتسم الفضاء لهذا المشهد ومن ينظر إليه يبصر كتلة عظيمة حية تتموج بأنواع الألوان والحلي والثياب على بساط أخضر بديع الحسن وشته محاسن أيدي الطبيعة فانبتت فيه الأزهار المتارجة والرياحين العطرة والحشائش الربعية والأنبتة النضرة تحي النفوس وتزيد فيها السرور وتميت الحسود وتزيد فيه الحزن وأما الزيارات فإنها شائعة عندهم يلاقي فيها الرجال المرأة فيتسالمان ويتخاطبان ويتفاوضان ويتواعدان بكمال الحرية ولا يستثنى من هذه الأحوال المألوفة إلا بعض مقلدي المجاورين، مع إنك لو أنعمت النظر في ما يجري في الأعراس والمتنزهات والزيارات من الأمور والشؤون لا ترى حركة واحدة ولو طفيفة مخلة بالآداب أو بأوامر الدين لا في الرجل ولا في المرأة وهذا أبين برهان وأدل دليل على سلامة طبع الأكراد وعفتهم ونقاء قلوبهم وطهارة دخيلتهم وحفظهم للآداب العمومية. والأخلاق الرضية.
والخلاصة من هذا كله إنه لا مانع للكردي من أن يختار المرأة المناسبة له بعد هذه المجتمعات والملاقيات والمواجهات اللهم إلا أن يكون نقص في عقله أو شواعره أو مشاعره وعليه إذا أراد الكردي أن يتزوج ينتخب له في الغالب زوجة فيخطبها وتزف إليه بعد العقد والعرس الذي يمتد يوماً أو يومين أو ثلاثة وإذا زفت ذهب معها الأقرباء والأنساب والأصدقاء يحف بها النساء ووراءهن الرجال فيخرج الخطيب لملاقاتها إلى مسافة غير قليلة وعند دخولها الباب يضربها على رأسها بقصبة مصبوغة بأنواع الأصباغ، أو يلقي عليها ديكاً حياً فيتخاطفه أصحاب الموكب فيأخذ كل واحد منهم عضواً أو شيئاً منه إظهاراً للهيبة. وبعد أن يتم القران ويكمل النكاح ويمر زمان على الزوجين وتحمل المرأة ينتظر الولد بصبر جميل فإن ولدت ذكراً يفرح به أهل البيت أشد الفرح ويحرسون الأم أشد الحراسة مدة سبعة أيام ويلعبون حولها ويغنون من الصباح إلى المساء ويسمون هذه الأيام (شواره) وزان سحابة) وقد يفعلون مثل هذا الفعل للأنثى أيضاً إذا كانت عزيزة على الوالدين أو إنها البكر أو أنها لم تولد إلا بعد كثير من البنين
стр. 1253
أما سبب هذه الحراسة فهو، ما عدا شدة فرحهم بالمولود وسلامة الأم من خطر الولادة، ذهابهم إلى أن الوالدة إذا لم تحرس أشد الحراسة عند الوضع وبعده ولم يكن في يدها آلة جارحة يتسلط عليها عفريت يسمونه (آل). ويقولون عن التي تموت في تلك الأثناء ما معناه: أخذها الأل؛ وإذا أشرفت على الموت يطلقون البنادق لتخويف العفريت المذكور. أما الحقيقة فإنها تموت من شدة الطلق أو ألم المخاض أو من نتائجه. - أما الولد فيتسلط عليه أنثى من إناث الجن أو العفاريت يسمونها (شوه) ويقولون عنها إنه لا يعيش لها ولد فإذا سمعت بولادة واحدٍ أسرعت لتأخذه وإذا أخذته ضمته على صدرها ضماَ شديداً لكثرة فرحها وشغفها به وإذا فعلت قتلته. ولهذا تسمع الكل يقولون إذا مات الوليد في تلك الأيام ما معناه: (أخذته الشوه).
ومن مزاعمهم وخرافاتهم وأكاذيبهم في هذا الموضوع ما يرويه الخلف عن السلف وهو: إن رجلاً صادف يوماً في طريقه مخلوقاً غريباً وفي يده كبد إنسان يطلب منه ماء ليغسل به الكبد فلما رآه الرجل المسافر علم إنه الآل. وإن الكبد هي كبد امرأة نفساء فلما تحققه انتهز غفلة منه وشك صدره بمخيط وللحال تكاثف جسمه ولم يبق شفافاً لطيفاً. ومن ثم لم يستطع أن يتوارى عن الأبصار. فلما رأى الآل نفسه في تلك الحال استكان للرجل وتذلل له واستحلفه أن يستل المخيط من صدره وعاهده أن يحقق جميع أمانيه ورغائبه. فقال له الرجل: إني افعل. نريد إن أعدت تلك الكبد إلى صدر الوالدة التي انتزعتها منها. فقال له الآل: أعاهدك عهداً صادقاً إني ألبي طلبك ثم ذهبا معاً وأعاد الآل الكبد إلى المرأة التي استل منها الكبد وكانت قد أشرفت على الهلاك فتعافت للحال فلما تم ذلك نزع الرجل المخيط من صدر صاحبه وللحال لطف جسمه وذهب فرحاً مسروراً. فحكاية حراسة الأم مبنية على هذه الخرافة المفتعلة.
стр. 1254
أما بخصوص الشوه فإن الأكراد يروون أيضاً إن رجلاً صادف في طريقه مخلوقة غريبة قالت له: أبعد عني هذا السرطان (قرزال) الميت أصلحك الله فلما سمع هذه الكلمات علم للحال إنها الشوه لأنها نخاف السرطان أشد الخوف. ولهذا إذا أراد الأهلون أن يحرسوا أولادهم ويحفظوهم من الشوه يعلقون في رقبتهم مجففاً فتخاف أن تدنوا منه.
هذا مجمل ما يقال عن الوليد وهو في أيامه الأولى وما بعدها. فإذا ترعرع تراه يميل إلى الحرية الطبيعية ميلاً عجيباً بدون أن يردعه أبواه. وقد يتجرأ فيغضب عليهما ويشتمهما ويضربهما وهما لا يخالفانه في شيء زاعمين إنه إذا فعل ذلك يكون شجاعاً جريئاً بخلاف إذا ضرباه فإنه ينشأ فسلاً. نعم هذه أمور مخالفة لأصول التربية الصحيحة المألوفة عند جميع الأمم لكنها إذا كانت سيئة في بعضها فهي لا تخلو من فائدة. ولذلك ترى الكردي إذا ما بلغ أشده قوي القلب شجاعاً باسلاً مغواراً قد يهجم على من هو أقوى منه ولا يهابه وقد يهجم على عدة رجال معاً فيكون هو الغالب القاهر.
أما إذا أصبح رجلاً كاملاً (إذا كان ذكراً) أو أصبحت امرأة كاملة (إذا كانت أنثى) فالكلام يكون على ما أسلفنا بيانه وبهذا القدر كفاية.
شكري الفضلي
خلد أثراً
لا المال يفيد ولا النسب ... إن مت ولا تجدي الرتب
فسوارءك لا يحي أبداً ... غلا حسناتك والأدب
كم ذي مال كم ذي نسبٍ ... أنسته إذا مات الحقب
خلد أثراً يذكرك به ... أخلاقك بعدك والعقب
والعمر فلا تجهله يمر ... م كما مرت عنك السحب
فأغنمه لما يجديك ولا ... تغفل إن ينبهه اللعب
واستغن بصحبة كتبك عن ... دنياك فصحبتها تعب
دنيا ما والاها أحد ... إلا وتولاه العطب
ما أشقاك إن هي ألهت ... ك بزخرفها عما يجب
وسعيد الناس تكون إذا ... ألهتك عن الدنيا الكتب
إبراهيم منيب الباجه جي
стр. 1255
أفعال تتعلق بأهل السفن
كنا قد ختمنا ما كتبناه في السفينة وما يتعلق بها (بأسماء الأرياح) وأشرنا في الأخر إننا ننشر فيما بعدما نعثر عليه مما يتعلق بالسفينة، وقد حصلنا اليوم على أشياء تتعلق بأهل السفن لأنقل فائدة عما تقدمها في بابها رويناها عن الثقات العارفين من أصحابها وها نحن ننشرها إتماماً للفائدة وإكمالاً للموضوع فنقول:
يقول أهل السفن عند جرهم السفينة ورفعهم الشراع (آموليسا)
ومعناها امولاي سهل: والبعض يقول (مويليسليه) ويجيب أصحابه (موليه) وهم يترنمون بها على طريقة الهوسة وهي أيضاً بالمعنى السالف و (ابسط الشراع) بصيغة الأمر (أنشره): (وأخرز) بصيغة الأمر (كأنجز) أي أرم الحبل من وراء النخلة أو الشجرة أو الجدار أو ما شابه وذلك إذا عارض حبل السفينة عارض يمنعها من السير والملاحون يجرونها فينادي الناخذاة الملاح اخرز: (وأصلب الشراع) أو الفرمل أي قوم الفرمل مع الدقل: (وأقتل الشراع بسطة) وبسطة وزان (نملة) أي شده مما يلي الجوش مقدار متر ونصف متر وذلك إذا عصفت الريح؛ وأقعد (شفيره) أي أجلس في ظل الشفيرة وذلك في أيام الصيف فقط لأن الريح تهب ثمة بليلة: و (أنفض السفينة) بصيغة الأمر وينفضها أي كبثها ويكبثها في العربية الفصحى أي حول حملها إلى الأرض أو إلى سفينة أخرى: و (أوال بيس) يقولها الجسارة وهو (جمع جسار كشداد) عند ربطهم الجسر إذا قطعوه لعبور مركب أو سفينة أو غير ذلك ومعنى أوال بيس أهل البأس ورأى آخرين يا ولنا حسب لأن (بس) عند العراقيين بمعنى حسب إشارة إلى إن الجسر ربط فلا تهتم بأمره بعد هذا و (التبريكة) ويلفظون الكاف جيماً فارسية) في الكرفي وهو أن يمسك الدامن بجنب السفينة مما يلي الصدر ولا يدعه يزول عن محله: و (الجب أو الجم) هو رفع الشراع والرء يسي في رأس الدقل ويكون سير السفينة والشراع ممدوداً عرضاً وذلك إذا لم يكن عند صاحب السفينة سوى الشراع العود: و (جلس الشراع) بتشديد اللام المكسورة وصيغة الأمر أي أنزله إلى وسط الدقل: و (حط الجوش اتيمة) أي جعله بين الفنة والكلب:، (وخم الجمة) أي أنظر هل فيها
стр. 1256
ماء فيجيب الملاح (شاهين) أي ليس فيها ماء (وخيور الشراع وخايره هو)
واحد والمصدر المخابرة وهو أن يصير أوله آخره وآخره أولا وحينئذ يخشى لبخ الشراع أو لبقه وقد يقع ذلك إذا لم يكن الملاحون ذوي معرفة (بتخويره أي بإدارته على مؤخره ووقوع اللبخ نادر: و (دق العمراني) بصيغة الأمر أي شده بالدركة و (دق السفينة أو الكعد) هو أي جفف بطنها من الماء و (راحت السفينة تدهور) أي سارت مع الماء حسب جريانه وفي العربية سخرت: (ورأس قنة) وقنة وزان كنة وهو سير السفينة السهل وذلك أن يكون الجوش في الصدر والدامن في المؤخر. و (رد الشراع) بضم الراء وتشديد الدال وصيغة الأمر أي شده على الفرمل و (رد الشراع) بفتح الراء هو شده و (الرد) أيضاً بالفتح عند أهل دجلة بمعنى الفرسخ ويجمع عندهم على ردوده ومسافته بين الساعة ونصف: و (سفينة مقطوعة) أي مقطوعة من أحد شطريها أو مقطوعة من الوسط نصفين: و (سكن) بتشديد الكاف المكسورة أي حرك السكان ومن (يسكن) (للاستفهام) أي من يحركه: و (السوري) (كجوري) هو رفع الفرمل والشراع مبروم عليه برماً قوياً: و (شاهت السفينة تركت قصدها ولم يضبطها الملاحون ويكون ذلك من تراخي صاحب السكان وعند الأقدمين جمحت: و (شايخ الحبل) بصيغة الأمر أي أقتله وصل طرفيه برما لا عقداً: و (شلهت والبعض يقول شهلت السفينة على الإبدال) أي جنحت باللغة الفصحى قال في المخصص: (جنحت السفينة أي إذا انتهت إلى الماء القليل فلزقت بالأرض فلم تمض. . .) اه: و (طارت أشخاصة) أي لوحة و (طر السفينة) هو حركها عن المرسى وبدأ بالسير في دجلة (دفع) هو بالتحريك. و (طيح) بتشديد الياء المكسورة وصيغة الأمر أي أدن من الساحل و (طبح) هودنا بسفينته وأجنحها (وطيح الشراع) أنزله: (وغرقة جعفة) وجعفة وزان (كسرة) أي غرقت السفينة غرقةً على جنبها: و (قاست السفينة) ويلفظون القاف جيماً مصرية (كشلهت): (وقتل العيب) هو و (أقتله) أنت أي قلفته هو وقلفته بصيغة الأمر: و (قدم) بصيغة الأمر ويلفظون القاف جيماً مصرية أي أدن من الساحل والمقدم الميناء وهو عربي ومثله (قلط) بتشديد اللام المكسورة وصيغة الأمر ويلفظون القاف كافاً فارسية
стр. 1257
و (الكرفي) بضم فسكون هو نشر الشراع في حالة يكون فيها الدامن في صدر السفينة ومقابلاً للريح والجوش (كقفل) في مؤخرها وفيه خطر على السفينة ولا يكون الكرفي إلا في الزوايا (الدورات) الصغار: و (كندر الدامن) أي أعقده بالرمانة أنشوطة (عقدة ونصفاً): و (كود الشراع) بتشديد الواو المكسورة وصيغة الأمر اطوه على الفرمل ومثله كوثل بالأمر أيضاً: و (لابت السفينة) أي سارت سيراً غير مستقيم تارة يميناً وطوراً يساراً وإذا لابت يعلمون إن السفينة قد عيبت ويقولون (طارت أشخاصة): و (لبخ الشراع ولبق) واحد وهو بمعنى لصق بالدقل ورده الريح معكوساً ومتى صار كذلك وكان الهواء شديداً تنقلب السفينة بأسرع من لمح البصر: و (لبق السفينة والكعد) أي جفف بطنها من الماء: و (لوف المهلبة) بضم اللام وإسكان الواو والفاء كما يقولون ذبها إلى الجرف أي أدنها منه: و (ناشت السفينة): شلبهت وقاست ويقول (الخطر جي) أي صاحب الخطوة وهي الخشبة التي يقاس بها عمق الماء (نمش ماي) معناها نمشي الماء غزير و (نوف الشراع) بتشديد الواو المفتوحة وصيغة الماضي خفق تارة تحركه الريح وطوراً تسكنه فيكون غير قارٍ في مكان وإذا كان قاراً قيل (صامتاً) بكسر الميم: و (هالت السفينة) طافت على وجه الماء ولعل منه أشتق اسم المهيلة: و (هامت السفينة) أسرعت في سيرها على وجهها كالبهائم وذلك إذا جاءت الريح من مؤخرها وتوسطت الشراع فيكون سيرها حينئذٍ في غاية السرعة و (وك) السفينة عند أهل دجلة بصيغة الأمر وزان (ول) ويلفظون الكاف جيماً فارسية كقدم وطبح: و (اليدك) بالتحريك والكاف الفارسية عند أهل الفرات الفرسخ ويجمع عندهم على يدكات وهي تركية الأصل وقد تقدمت مسافته. ويقولون بانتقال الجوش بالتدريج عند نشرع الشراع أول وضعه عند الكلب وإذا انتقل قليلاً فإلى رمانة الصدر وإذا انتقل قليلاً فإلى البيشار (وزان شيطان) وهو إحدى الدركات وإذا انتقل قليلاً فإلى رأس قنة وهي دركة أيضاً وإذا انتقل قليلاً فإلى العمراني.
٢ - حكايات عن بعض أهل السفن وبراعتهم في تسييرها
نذكر هنا من باب الفكاهة شيئاً من دهائهم: إذا تسابقت سفينتان وسبقت الواحدة الأخرى ثم لحقت السابقة سفينة ثالثة وأراد ناخذاتها أن يعيقها عن تلك يقول للملاح (لا تروح أي تثاقل في مشيك فإذا لم يصغ الملاح
стр. 1258
إلى قوله يشد الفيلم بالدركة وهم يقولون (يربط) ويطرحه في الماء أو يربط تورية ويضعها في الماء أيضاً فإذا فطن لذلك الملاح يناديه (فيلمك توريتك) أي أخرجهما من الماء وإذا لم تجز حيلته هذه عليهم يضع قصبة بين السكان والميل مما يلي الماء.
ومن دهائهم إن السفينة المسبوقة إذا أراد صاحبها سبق مجاريها في السبق وقد سارت السابقة بعيدة عن الجرف ويسمون مثل ذلك (عاليا أو صاعداً) يأتيه المسبوق من الأسفل ويصد عنه الهواء ويسبقه ولكن ليس بهذا السبق عند أهل السفن فخر وقد يأبى بعضهم ذلك فيسبق سابقه في العالي أيضاً ويحرز فخر السبق وهذه السفينة هي الممدوحة في السير ونقيض الصاعد والعالي عندهم هو (الأسفل) والأسفل قرب الجرف وهذا السير غير ممدوح.
ومن براعتهم إذا كانت السفينة منشورة الشراع ولها أخرى تسابقها في السير ثم طارت في تلك الأثناء فتيلة (أي شيء من مادة القلفاط) من السفينة السابقة مما يلي الماء وخاف الناخذاة سبقها يربط نفسه بحبل ويرمي بها في الماء ويقلفته وهو غاطس في الماء والسفينة جارية كالعادة لا تفتر عن سيرها.
وإذا طارت منها اشخاصة وقد خشي الغرق وكان شراع السفينة الوسطاني أو الصغير منشوراً يطويه في الحال وينشر الشراع العود ويقذف السفينة على الجرف فيسلم من الغرق ويجعل عذره لدى سابقه فعل الهواء أو الشراع الذي قذف بسفينته على الجرف.
ومن هممهم إذا اختلف الهواء وصار (كرفيا) (برخصون الجوش) أي يحلونه ويجلس عليه الملاح وهم يقولون (يبرك) بضم فسكون ويقول الناخذاة (شيلوا الجوش من العمراني إلى الشرت سريعاً، طيرو بيوار، احجس بالجوش، فك لدامن، خاير) ومعناه (ارفعوا وأقلعوا وقوموا الفرمل مع الدقل) وعند ذلك يستريحون ويأمن من الخطر جميع (الجوقة).
٣ - ما فاتنا من أسماء السفن
سفينة (بشرة) بفتح فسكون واسعة الصدر و (بيص) بكسر فسكون ملمومة أو مجموعة الصدر. وهذه تطلب ماءً كثيراً ويسمى صدرها الملموم (قلداً)
стр. 1259
بكسر القاف التي يلفظونها كافاً فارسية وإسكان اللام و (حيحة) بفتح فسكون سفينة كبيرة وهي البغلة و (الدقنية) في البصرة سفينة كبيرة ذات شراع تسير في البحر و (الركبة) ابلام صغار يركب فيها الذين ديدنهم نهب ما في السفن وسلب أهلها وهي من نوع المشحوف: و (الشوعي) (كجوري) دون الدقنية حجماً وهي أيضاً من سفن البحر ذوات الشرع و (البوم) وزان (روم) دون الشوعي حجماً. و (الشويعي) عند أهل الفرات مهيلة صغيرة مطلية بالقير و (ألعابدية) سفينة أكبر من (الكلابية) ومن (الزعيمة) ومن (نجمة) يبلغ حملها طغارا: و (العسبية) سفينة صدرها ومؤخرها واحد وهي تنسج نسجاً ونسيجها من أعواد الرمان والحلفاء وهي مخصوصة بحمل البورق والقير السائل من أطراف هيت لا غير. (والكشتري) عند أهل الفرات هي السفينة التي يحمل فيها الحطب والتين وتكون مطلية بالقير ويستعملها أهل دجلة (راجع لغة العرب: ٢: ٩٥ و٩٩)
هذا ما استدركناه على مقالة السفن ومن عثر على شيء فاتنا ذكره فليرسل به إلينا لننشره ونكون له من الشاكرين.
الدجيلي
أسرة بدروس آغا كركجي باشي
(لغة العرب) حضرة الأب نرسيس صائغيان من المولعين أشد الولع بتاريخ أسر
стр. 1260
نصارى بغداد وقد تفرغ لهذا السعي منذ مدة طويلة فجمع شيئاً كثيراً في هذا الموضوع مطالعاً لهذه الغاية سجلات العماد الموجودة في الكنائس ورحل الإفرنج وكتب المؤرخين القديمة والحديثة. ولهذا نرجو كل من عنده أوراق أو أشجار نسب أو كتب أو حجج قديمة تذكر بيتاً نصرانياً أن يطلعه عليها وله من الأب الفاضل الشكر الدائم وهذه المقالة هي أحد فصول الكتاب الذي ينشئه في هذا الموضوع.
إن أسرة بدروس آغا كركجي باشي الأرمني الكاثوليكي المذهب والهمداني المنبت من الأسر البغدادية التي لم يبق لها باقٍ بل ولا ذكر وصارت نسياً منسياً. مع إن بينها وبين بعض الأسر التي لم تزل في الوجود آصرة من جهة النساء كما سترى.
وكانت من البيوت الوجيهة والغنية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. لأن أول ذكر لبدروس آغا عثرت عليه كان في سجل الأباء الكرمليين في بغداد بتاريخ سنة ١٧٥١ حيث ورد ما يلي (وفي هذا العهد تبرع لكنيستنا الخواجه بدروس الأرمني الكاثوليكي فرآء الوالي بستمائة زولته رائج بغداد ومعها قنديلان الكبير منهما للهيكل الكبير والصغير للهيكل الصغير الذي في الجانب كما يريان أنهما صنعا بأمره.
وفي رسالة أرمنية مؤرخة في ٥ شباط سنة ١٧٦٦ يثنى عليه الأب إبراهيم بيريميان المرسل الأرمني في بغداد ويلتمس من رئيسه أن يرسل إليه برسالة شكر.
والحق يقال أن بدروس آغا أهل للمديح والامتنان لأنه كان رجلاً صالحاً وسنداً مكيناً وعضداً قوياً للكاثوليك في تلك الأيام الحرجة لكونه كان فرآء وزراء الزوراء وكبارها نخص منهم بالذكر سليمان باشا الرومي المعروف بأبي الليل (الذي ولى بغداد سنة ١٧٥٠) وسليمان باشا الكبير التفليسي (الذي ولى بغداد سنة ١٧٧٩) وقد نال لديه حظوة ومكانة تمكن بها من إنقاذ السيد ميخائيل جروة بطريرك السريان من أيدي خصومه اليعاقبة وذلك سنة ١٧٨٣ وإليك
стр. 1261
ما كتبه السيد أفرام نقاشة رئيس أساقفة حلب حالاً على السريان في كتابه المسمى عناية الرحمن في هداية السريان (صحيفة ٣٠٤، ٣٠٥).
(أما ما كان من السيد ميخائيل فإن شعب الموصل أجمع على إيجاد وسائل لنجاته وأكثروا الكتب إلى بدروس آغا كركجي باشا الوالي يستنجدونه ويستنهضون همته حتى كتب إلى البطريرك نفسه يقول: قد رفعنا مسألتكم إلى أعتاب أفندينا سليمان باشا الوالي فسمح بنزولكم إلى بغداد لمواجهته فإنه مستعد للسعي في إستحصال براءة بتأييد رئاستكم وتنكيس خصمكم فعجلوا إليها سفركم ووعدنا أفندينا أيضاً أن يكتب إلى مفتي الموصل موعزاً إليه أن يرسلكم إلى بغداد سالمين. . . . . وفي اليوم السادس لوصوله جمع إليه أحد أهل الثقة من كل الطوائف مع القنصل الفرنساوي وبدروس آغا كركجي باشي واستبيان قشيشو وقسطنطين ليستشيرهم الخ. .)
وبدروس آغا كان يسكن في جهة البلد المعروفة بالميدان مع أسرته الكثيرة العدد كما يتضح من سجل إحصاء نفوس الكاثوليك الذين كانوا في بغداد سنة ١٧٥٣ وهذا الإحصاء كمل بهمة الأباء الكرمليين وإليك نصه ما خلا المضاف إليه المحصور بين قوسين والحواشي فإنها لي:
بيت كركجي باشي
بدروس كركجي باشي الوالي
امرأته صوفي (خاتون)
ديمتري
عبد الأحد أولاده
سارة
(قزما اعتمد في ٧ آب سنة ١٧٥٧) ويبين إنه توفى صغيراً)
مريم أخت صوفي
стр. 1262
زوجها استوراكي يوناني
ابنتها كترينة
(ابنها يعقوب ولد في ٧ تشرين ٢ سنة ١٧٥٥)
حنة أخت أخرى لصوفي
زوجها يوردان ديمتري المدعو بوزو
تسبينا
سارة أولادهما
(سيدي التي ولدت في ١١ تموز سنة ١٧٥٣
(توماس الذي ولد في ٨ كانون ٢ سنة ١٧٥٨
سيدي أم الأخوات الثلاث (توفيت في ٢٧ نيسان سنة ١٧٦٠)
جاريتان:
مريم
أماسيا
خدامهم:
أصلان
كوركيس
عبدو
كورو
وكان لبدروس آغا خادم أخر من ديار بكر اسمه ياني بن أيوب من طائفة الملكيين إلا إنه كان يسكن مع أسرته وأخيه عبد الأحد في دارٍ أخرى
стр. 1263
وبعد وفاة امرأته صوفي خاتون تأهل ثانية بدروس آغا بسيدي السريانية أرملة يعقوب ابن شماس حنا الامدي (المتوفى في ٧ آب سنة ١٧٨٢) وذلك في ٨ كانون ٢ سنة ١٧٨٤ وأما تاريخ وفاته فنجهله ولنأت الآن على ذكر ولديه ديمتري وعبد الأحد
٢ - ديمتري وذريته
لا نعرف ما كانت مهنة ديمتري إلا إنه كان غنياً وأقترن بسيدي ابنة كرومي بن عبد العزيز الكلداني البغدادي في ٢٣ نيسان سنة ١٧٥٩ وكان مبارك عقد الزواج السيد عمانوئيل بايه المار ذكره. ورزق منها:
منوش (مريم) التي ولدت في ١٣ أيار سنة ١٧٦٢ وتوفيت في ١٦ تموز سنة ١٨٤٤ وهي امرأة حنابل انطون الكلداني عم اوساني إلا أن هذا الفرع من عشيرة اوساني المعروفة اليوم عندنا بهذا الاسم قد انقرض.
سنا (أو صنا) التي تعمدت في ١٩ حزيران سنة ١٧٦٨ وتوفيت في ١٠ تشرين ٢ سنة ١٨٥٤ وهي امرأة يوسف مضبوط الامدي الكلداني وأسرته لم تزل إلى يومنا الحاضر في بغداد: أما ديمتري فلا نعرف زمان مماته.
٣ - عبد الأحد وذريته
إن عبد الأحد كان يعرف بعبد الأحد آغا ونجهل إن كان خلف أباه في مهنته ومن الظاهر إن عبد الأحد كركجي باشي المذكور في كتاب عناية الرحمان في هداية السريان (صحيفة ٣٦١) غير هذا الذي نحن بصدده بل كان كلدانياً من ديار بكر توفى في بغداد في تشرين ٢ سنة ١٨١٠ ونعرف من أولاده ثلاث بنات تزوجن في بغداد وسأذكرهن في محلهن.
وتأهل عبد الأحد آغا في يوم واحد مع أخيه ديمتري بصوفيا ابنة يوسف عبدي الارمني الكاثوليكي البغدادي المولودة في ٤ كانون ٢ سنة ١٧٤٢ وأمها قدسي ابنة غريب التي توفيت في ٢٩ نيسان سنة ١٧٤٦. وتوفى عبد الأحد آغا مخلفاً الأولاد الآتي ذكرهم:
شموني التي ولدت في ٢٢ آذار سنة ١٧٦٠ وهي امرأة يعقوب
стр. 1264
بن بوغوص سيواصي الأرمني الكاثوليكي وهو جد لولو امرأة فتح الله نعمان المتوفاة في البصرة قبل سنتين من تاريخ هذه الأسطر وبموتها انقرضت هذه الأسرة.
انطون الذي تعمد في ٢٤ تشرين ١ سنة ١٧٦٢ ونجهل ما جرى له. تربزيا وهي امرأة يعقوب بن انطون عم ثانٍ لأوساني المار ذكره وأسرته أيضاً قد انقرضت.
سيدي التي اعتمدت في ١٩ آذار سنة ١٧٦٩ وهي امرأة قدسي الموصلي السرياني وقد انقرضت أسرته من بغداد.
كترينة التي اعتمدت في ١٢ تشرين ١ سنة ١٧٦٩ وقد تزوجها سمعان بن إبراهيم السرياني (ويبين إن أصله من الموصل) في ٣٠ تشرين ٢ سنة ١٧٨٩ وتوفى سمعان في ١٥ تشرين ٢ سنة ١٧٩٢ ولم يبق له أثر عندنا. ويبين إن يوسف الموصلي السرياني تزوجها أيضاً في ١١ تشرين ٢ سنة ١٧٩٧ بعد وفاة زوجها الأول.
حنا الذي تعمد في ١٥ آب سنة ١٧٧٥ ونجهل أيضاً مصيره.
كلارة أوصنا التي ولدت في ١٢ أيار سنة ١٧٨٧ وتوفيت في ١٠ تشرين ٢ سنة
وقد تزوجها نعمان دنحا الموصلي الكلداني في ٢٩ كانون ٢ سنة ١٨٠١ ولم يزل في الوجود أناس من أسرته في بغداد والبصرة وبوشهر.
كرجية التي توفيت في ٢٢ شباط سنة ١٨٤٨. ويذكر له ابنة أخرى اسمها أغنيس لا نعرف عنها شيئاً.
كتاب الولاة وكتاب القضاة للكندي المصري
-
فاقنا الإفرنج في كل شيء حتى في طبع كتبنا العربية فإنهم يعنون بها عناية لا توصف من المحافظة على النص الأصلي ومعارضته بالنسخ القديمة معارضة دقيقة نرفع الطبعة إلى أوج الكمال والتحقيق وتبقى بمنزلة الإمام التي لا يستغني عنها. ومن الكتب التي أصبحت آية في الحسن والضبط والسداد هذا السفر الجليل الذي صدرنا باسمه هذه الأسطر وقد تولى نشره وتصحيحه وتهذيبه الفاضل رفن كست الإنكليزي على نفقة شركة
стр. 1265
تذكار ا. ج. و. جب حسن الطبع والكاغد والتجليد والضبط وقد ضم إليه رسمين الأول يمثل لك البلاد التي كانت قد صارت إلى الدولة العباسية في المائة العاشرة من التاريخ المسيحي مع ذكر أسماء البلاد التي كانت تعرف بها عهدئذ. والثاني يبين لك ديار مصر السفلى لا سيما الفسطاط وما جاورها في القرن العاشر من التاريخ المذكور. ثم قدم على هذا التصنيف أكثر من ٧٠ صفحة باللغة الإنكليزية ذكر فيها منزلة هذا الكتاب ومجمل الأحداث التي وقعت في ديار مصر من المائة السابعة إلى المائة الحادية عشرة، ثم خصائص حياة الكندي وسرد أسماء مؤلفاته وشفعها بفوائد نزيد الواقف عليها معرفة بمحتوياتها وعددها ١٣ ثم انتقل إلى أسانيد كتابية للمولاة وللقضاة ثم ذكر أسماء رواة الأحاديث التي جاءت فيهما مع نبذ في تراجمهم، ثم منزلة مصادر الكندي التي اعتمد عليها، والأشعار التي استشهد بها، ثم تكلم عن الملحق الذي ضمه إلى الكتابين المذكورين لتنم فائدتهما، وفي الختام تكلم عن النسخة الخطية الأم التي نقل عنها وعن طبعها وشفع هذه الفوائد بمعجم صغير ضمنه جميع الألفاظ التي لا توجد في دواوين اللغة العربية وقد جاء بها الكندي (المتوفى ١٥ ت١ سنة ٩٦١م) نقلاً عمن سبقه وكان يظن أن اغلب تلك الألفاظ عامية حديثة الوضع غير قديمة العهد. فأراد الأديب رفن كست أن يبين أنها ترتقي إلى صدر الإسلام إذ نقلها الكندي عمن سبقه أو عاصره. ولهذا المعجم الصغير فوائد جمة لا يعرف قدرها إلا من زاول مفردات اللغة بنفسه. وقد ذكر في جانب كل لفظة عني بتفسيرها وشرحها عدد الصفحة التي وردت فيها.
ومما استحسناه غاية الاستحسان في طبع هذا التاريخ الجليل إن الناشر حفظه الله توفق لتصحيح أغلاط الناسخ توفيقاً عجيباً حتى أن القارئ يظن أن متولي هذا التنقيح من علماء العرب الخلص المتوغلين في التاريخ واللغة معاً بعد توغل إذ لا تخلو صفحة من صفحاته من دليل يؤيد كلامنا هذا. والحق يقال: إننا نهنئ شركة جب الخيرية بكونها عهدت هذا الإصلاح إلى عالم متبحر مثل رفن كست ولا نظن إنها كانت تستطيع أن تختار أحسن منه.
ولما كان الكمال لله وحده فالمرء مهما أفرغ وسعه لا بد أن يرى في عمله نقص دلالةً على بشريته وعلامتنا الناشر لم يشذ عن هذه القاعدة. فقد وقع في طبع هذه النسخة بعض هفوات ونحن نستأذنه في إبداء ملاحظاتنا، منها:
следующие страницы →