← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

عريبي باشا. وعزت بك هو ابنه من زوجه التركية التي تزوجها في الأستانة عند ذهابه إليها منذ نحو ١٦ سنة. وعند قدوم الشاب إلى والده احتفى به أبوه واستقبله هو والعشائر استقبالاً باهراً وولاه رئاسة إحدى فرق العشائر فأصبح رئيساً جليلاً في قومه. وعزت بك مزين بأعلى المحاسن كالشجاعة والإقدام وحب الوطن وحسن الأخلاق. فعسى الله أن يجمع به كلمة الأعراب في تلك الأنحاء ويعينه على نشر المعارف بين ظهرانيهم. وفقه الله لكل خير! (الزهور) ١٠ - أملاك ظريفي (أو زريفي) في بلدروز للفاضل زريفي الصراف الشهير في الأستانة أملاك عظيمة في برازالروز (المعروفة اليوم باسم بلدروز) يبلغ قدرها ٢. ٤٠ فدان (أو ٦٠. ٠٠٠ هكتار) يزرع منها في السنة ٩٠٠ فدان وريعها ١٠ آلاف ليرة ينفق منها ٦ آلاف لشؤونها ويبقى منها ٤ آلاف ليرة عثمانية يقبضها المثري الشهير. والنهر الذي يسقى هذا العقار الجسيم يمتد من ديالى إلى البزائز وطوله ٧٥ كيلومتراً ومسير سقيه ١٣ ساعة ويتفرع منه خرص وشاخات وسواق يبلغ عددها ٢٤٠ بين كبير وصغير. وقد اشترى الآن الصهيونيون هذه الأرضين بمبلغ ١٥٠ ألف ليرة. وكان قد اشتراها صاحبها سنة ١٨٨٠ بمبلغ قدره ٢٥ ألف ليرة عثمانية، فانظر وتأمل. وبجانبها عقار آخر يبلغ قدره القدر المذكور عليه دعوى بين الفاضل زريفي وبين الحكومة. وسوف يوضح حقيقة مالكها الزمان أبو الحوادث ووالدا الغرائب. ١١ - لواء المنتفق طلبت حكومة المنتفق من عشيرة (العساكرة) ٦٠٠ ليرة وهي بقايا ما عليها من الأموال الأميرية فأبت العشيرة دفعها فأرسل أولو الأمر بإحدى البواخر الحربية لإجبارها على تأدية المبلغ فلما وصلت إلى مقر العشيرة أمطرت على إحدى دورها الحصينة وابلاً من الرصاص فأذعنت وأدت ما عليها. وقد مات من الرصاص امرأتان وأربعة حيوانات. ١٢ - عجمي والغزي والحسينات طلب عجمي السعدون من ابن حبيب رئيس عشيرة (الغزي) إتاوة عن الأراضي التي زرعها فرفض طلبه وحينئذ أخذ عجمي يتقرب من عشيرة (الحسينات) ليتخذها عوناً له على تلك القبيلة فاخفق في مسعاه. وكان مع عجمي نجديون بمنزلة جند فغادروه

стр. 1402

وذهبوا إلى (الخميسية) وسلموا أسلحتهم إلى معتمده هناك. ويقال إن سبب ذلك هو أن عجمي لم يدفع مشاهراتهم. ١٣ - مشتري أملاك علي الخابور ابتاع الحاج محمد العبد الله البسام من الحكومة طائفة عظيمة من الأراضي الزراعية الواقعة على ممر سكة حديد بغداد بجوار (الخابور) بمبلغ قدره ٤٠ ألف ليرة عثمانية ويقال أنه اتفق في شراءها مع جماعة من أغنياء الألمان. ١٤ - استقلال مسقط ابلغ قنصلا إنكلترة وفرنسة سمو السيد تيمور بلاغاً رسميا أن دولتيهما متفقتان على حفظ استقلال بلاده واعترافهما بسلطنته فكان لذلك الخبر فرح عظيم في نفوس سكان مسقط وعمان. ١٥ - أمير أسطول انكلترة في الكويت في ١٢ ت ٢ زار الكويت أمير أسطول انكلترة في خليج فارس وبعد أن زار الأمير أستأذنه بالتجوال في أنحاء الكويت فأذن له فذهب بإحدى بوارجه إلى (الصبيحية) من قرى الكويت على نحو ٤ ساعات منها ومنها ذهب الأمير ومن معه على ظهور الجياد فأمعنوا في البرية فوجدوا فيها مواضع فيها قير وزيت حجري وكبريت. ثم رجعوا إلى مواطنهم ولا بد إنهم يرجعون يوماً إلى تلك الأرجاء ليستثمروا ما فيها. ١٦ - نهب وقتل في أبي الخصيب هجم لصوص في ٢٥ ت ٢ على سفينة شراعية لرعايا دولة إنكلترة كانت راسية بالقرب من ممكس أبي الخصيب وقتلوا ربانها وجرحوا أحد توتيتها وأخذوا ما وجدوه فيها من النقود وفروا إلى كوت العضيمي وانضموا إلى اتباعه هناك. فأرسلت عليهم الحكومة طائفة من الجند للقبض عليهم فأبوا الانقياد بل قابلوا العساكر بإطلاق الرصاص وبعد أن ضيق هؤلاء عليهم الخناق فروا إلى البرية ريثما يعود العسكر إلى موطنه فيعود هؤلاء العصاة إلى منكراتهم المألوفة منذ سنين. ١٧ - صدى الدستور كنا قد قلنا (في ٣: ٣٣٦) إن أولي الأمر منعت جرائد البصرة من الصدور؛ على أن (صدى الدستور) لا يزال يدوي إذ وصلنا منها ثلاثة أعداد بعد المنع المشار إليه. ١٨ - سد الهندية تم بناء هذا السد المحكم العظيم وجرى الماء من مفاتحه نهار الجمعة ١٢ ك ١ بحضور

стр. 1403

جم غفير من المدعوين والأهالي. وأقيمت أفراح عامة وبلغ الماء الحلة وسر الناس أعظم السرور وبلغت نفقاته ٣٠٠ ألف ليرة وليس ٤٥٠ ألف كما وهمه البعض. ١٩ - احتجاب النهضة بعد أن ظهر من النهضة (البغدادية) ١١ عدداً ورد أمر من الأستانة بأقفالها فتوارت عن الأنظار إلى أن يأتيها يوم النشور وعساه أن يكون قريباً. ٢٠ - عبد الله جنباز علمت الزهور أن هذا الرجل الموصلي نشر بياناً دعا فيه أهل البادية إلى القيام على الحكومة وقد بعث بنسخ منه إلى ديار بكر والسليمانية وكركوك وأقضية ولاية الموصل. وقد قبض والي ولاية ديار بكر على عدة نسخ منه وعليها طابع بريد الموصل فأرسل به إلى والي الموصل فكبست دار المخل بالأمن العام وأرسل مخفوراً إلى الأستانة ليحاكم أمام ديوان الإدارة العرفية. ٢١ - أعراب الشامية كانت قد أنشئت في حاضرتنا لجنة لتحقيق رسم الذرعة وإنصاف الأعراب في الجباية. وأول ما عنيت به هذه الجماعة مسح الأراضي المنوي ذرعها. ولما قدرت الضريبة على هذا المسح ثبت أن الحكومة تخسر ٥٠ ألف ليرة بالنسبة إلى الجباية السنة الماضية. فأراد رئيس الجباة حمل جباية هذا العام على العام الماضي فهاجت الأعراب وثارت في صدورهم ثوائر الغضب وقاموا قومة واحدة على هذه الفادحة وعلى من نواها فلما رأى أصحاب الأمر والنهي في الديوانية تفاقم الخطب طلبوا إلى السماوة مدد جيشها فذهب إليها طابور من الجند ومعهم مدفع. وحاول رئيس الجباة أخذ الأموال الأميرية بالقوة. فلما رأى الأعراب هذا الأمر تألبوا من كل حدب وصوب ونفروا كلهم للذب عن أنفسهم إلا أن عقلاء قبائل الشامية وشيوخها نصحوا القوم ثم ذهبوا إلى ديوان البرق وطلبوا إلى الأستانة مراجعة الصدر الأعظم فوعدهم خيراً والآن ينتظر تحقيق المواعيد وحقن دماء الخلق وإنصاف المظلومين. ٢٢ - الجدري ولى هذا الداء وتصرمت حبال وفادته ولم يبق منه إلا شيء لا يستحق الذكر. ٣٢ - اعتصاب دباغي الاعظمية اعتصب دباغو الاعظمية منذ أوائل المحرم وطلبوا أجرهم بنسبة

стр. 1404

ربع ما كانوا يعطون وتركوا العمل إلى أن اضطر أصحاب المعامل إلى تحقيق رغبتهم فعادوا إلى أشغالهم. وكان زعيمهم في هذه المرة أحد خريجي المدرسة الابتدائية سابقاً. ٢٤ - عجمي بك السعدون غزا عجمي بك السعدون عشيرة الضفير على الماء المعروف بالشقراء وأخذهم بأجمعهم وذلك لأنهم كاتبوا بعض الأمراء ليطلبوا منهم مساعدتهم على عجمي المذكور. ٢٥ - الحكم على صاحبي المصباح والنهضة حكمت محكمة بداءة الجزاء على صاحب المصباح البغدادية وهو عبد الحسين أفندي الازري بالحبس شهراً وبخمس ليرات لنقله ما أشيع عن والي بغداد القادم. وحكمت على مزاحم الأمين أفندي صاحب النهضة بالحبس شهراً ونصفاً وخمس ليرات والمنتظر العفو عن الأديبين. ٢٦ - وفاة إسماعيل حقي بك البابان نعى لنا البرق وفاة هذا الشهم الفاضل والكاتب الأديب الضليع في أثناء التدريس في المكتب الملكي ودفن في جامع بايزيد. وكان مبعوث بغداد في السابق فنحن نعزي أقاربه جميعاً ونستمد لهم من الله الصبر والسلوان. ٢٧ - مكتب الاتحاد والترقي للإناث فتح في حاضرتنا هذا المكتب للإناث المسلمات في ٢٥ ك ٢ ونتمنى أن تكون الطالبات كثيرات والتدريس على الأصول الحديثة المتعارفة اليوم. ٢٨ - قدوم لجنة لتحديد الحجر الصحي قدم نهار الجمعة ١٤ ك ٢ لجنة تحديد الحجر الصحي بين العثمانيين والإيرانيين وهي مؤلفة من خمسة فضلاء ثلاثة عثمانيون واثنان ألمانيان وعن قريب يسافرون إلى خانقين للقيام بما عهد إليهم. ٢٩ - الشيخ غضبان عفت الحكومة عن هذا الشيخ وعما أتى من المساوئ والفتن قبل بضع سنوات فعاد إلى قصره في لواء العمارة.

стр. 1405

العدد ٣٢ - بتاريخ: ٠١ - ٠٢ - ١٩١٤ طاق كسرى بناء شاده ملك كبير ... دعائمه العدالة لا الصخور يذكرني العدالة كيف كانت ... بها تجري على الحق الأمور تسامى مشمخراً بارتفاع ... لديه كل ذي طول قصير كأني بالسماء عليه شيدت ... كطاق حوله الأفاق سور تفرد في الفلاة ولا أنيس ولا خل لديه ولا سمير تعالجه الزعازع وهو راسٍ ... كطودٍ لا يزول ولا يمور فكم عصرٍ نقضي بعد عصرٍ ... وما أبلت معالمه العصور وما قد كان شيد فوق عدلٍ ... فلا تبلى معاليه الدهور إيوان العدالة ين (كسرى) ... وهاتيك (المدائن) والقصور أنت وددت أن تبقى وحيداً ... حواليك الدوارس والقبور أم الدهر الخؤون بذلك أفتى ... وإن الدهر خوان يجور يجاوبني لسان الحال منه ... ولا صوت هناك ولا صفير يد الأيام لم تعبث بمثلي ... وإن أضحت دوائرها تدور ولكن قد رأيت العدل ولى ... وحل مكانه الظلم الكبير فملت إلى التزهد بانفرادي ... ومثلي يفعل الرجل البصير إبراهيم منيب الباجه جي

стр. 1406

خاتمة البحث في إمارة السعود أجملنا القول عن إمارة السعود فأتينا في مقالتنا بما يتعلق عن أصل هذه الإمارة ومنشأها وحياتها والأحداث التي عرضت لها في سبيل رقيها. ثم تكلمنا عن نشأتها الجديدة إلى يومنا هذا. ثم أردفنا هذا بشيء عم حالة البلاد وأخلاق أهاليها وعاداتهم وقوانينهم وأشرنا بعض الإشارة إلى تجارتها وصناعتها إلى غير هذه من الفوائد التي تخفى على كثيرين - وهانحن نختم هذا الفصل بذكر معاملات أهالي تلك الديار ونقودهم التي يتعاملون بها وأوزانهم وما ضاهي هذا المعنى. وأول كل شيء نقدمه للقارئ هو أن يعلم أن المعاملات في تلك الأرجاء تجري في البيع والشراء على أحسن وجه. وكلها لا تتعدى أحكام الشريعة المنيفة. ولهذا إلا يعرف الربا ولا بيع العين بالعين مثلا. وإنما يجري عندهم نوع من البيع إلى مدة أو إلى آجال معينة بزيادة في القيمة عن حالتها الأولى في حين بيعها. مثلاً: إذا أشترى رجل بضاعة وليس له ما يدفع قيمتها يقول للبائع: أنتظر على مدة كذا أو كذا وأنا أدفع لك ثمنها مع زيادة كذا تعويضاً للضرر الحاصل من تأخير الدفع. وأما النقود التي يتعاملون بها فغريبة السعر لأنه يتغير من حالة إلى حالة والنقود هي هي وبعبارة أخرى: أن أسعار الدراهم تختلف باختلاف الوقت فإن زادت مقاديرها انحطت أسعارها؛ وإن قلت: ارتفعت فهي كالسلعة أو الطعام. مثلاً لو فرضنا أن الليرة تساوي اليوم ٩ ريالات فيأتي يوم وإذا قيمتها أصبحت ١٠ ريالات أو بالعكس ٨ ريالات ونصف مع أن الليرة باقية على حالها. وهذا السعر يختلف أيضاً إذا زادت الرغبة في النقود الفلانية دون الفلانية وكذلك الحاجة إليها. - وأروج النقود اليوم في ديارهم وأكثرها تداولاً عندهم هو الريال الفرنسوي وقيمته عندهم في هذا العهد اثنا عشر قرشاً صحيحاً ونصف على حساب نقود بغداد و٥٠ متليكا أو فرنكان و٨٣ سنتيما. وهو أساس جميع معاملاتهم وقيمة هذا الريال فقط ثابتة لا تتغير. والنقود الذهبية تباع وتشترى به. ومن دراهمهم النافقة عندهم الليرة العثمانية وقيمتها تختلف بين عشرة أريل واحد عشر ريالاً. وبدل الليرة الإنكليزية ليرة عثمانية وريالان فرنسويان. أما المجيدي فتارة يكون بريالين إلا ربعاً وحيناً بريالين ونصف. وقد يكون سعرهما بين هذين السعرين أيضاً بزيادة أو نقصان. وفي هذه الأيام الأخيرة انتقلت إلى ديارهم الربية الهندية وكثر التعامل بها. وقد أوشكت أن تكون أساس النقود والمعاملة لكثرتها. وقد كان آل سعود الأولون حاولوا في غضاضة سطوتهم وقوتهم وامتداد شوكتهم وملكهم أن يضربوا نقوداً عربية خاصة بهم وببلادهم فافلحوا في بادئ الأمر ثم نكصوا. أما أنهم افلحوا فلكونهم سكوا نقداً سموه (الطويلة) لصورته وهي قطعة نحاس مربعة في طول هكذا وأنشئوها بدلاً من النحاسات أو البارات والمتليكات ووسموها سمة بحيث يصعب تقليدها. ووضعوا على أحد وجهيها اسم الحاكم. وأما أنهم نكصوا فلكونهم لم يستطيعوا أن يحققوا كل ما كان في نيتهم إذا انقلب بهم الزمان ظهراً لبطن فلم يضربوا النقود الفضية ولا الذهبية. ويوجد اليوم من (الطويلة) في الاحساء والمعاملة تجري بها. و٣٥ طويلة أو ٤٠ طويلة تساوي ريالا فرنسويا. - وقد حاول الأمير ابن رشيد أن يضرب سكة جديدة وجلب لها من الهند مقداراً وافراً من النحاس والفضة ثم أحجم لخوفه من أرباب الدولة العثمانية ومن سوء العقبى. ولعله كان يعود إلى تحقيق فكره في فرصة مناسبة لولا أن الموت عاجله قبل أن يتم ما نواه. أما الوزن عندهم فينقسم إلى عدة أقسام ترجع كلها إلى أم واحدة هي (الوزنة) ولوزنة عندهم عبارة عن ثقل ٦٤ ريالاً فرنسوياً موزوناً معاً. (والمن) عندهم يساوي ٣٣ وزنة. وتقسم الوزنة إلى (نصف وزنة) وهي عبارة عن ثقل ٣٢ ريالاً فرنسويا (وثمن وزنة) و (نصف ثمن الوزنة) وهذه الأوزان تتخذ لبيع التمر والسمن (الدهن) وما شاكلهما. - أما المثقال وما يتفرع منه مما يتخذ لبيع الذهب وسائر الأشياء الثمينة فهو بالوزن الذي كان معروفاً في أيام الدولة العباسية أي نحو ٥ غرامات من العيار الإفرنجي. أما الكيل فأساس المعاملة به هو (الصاع) ويقسم إلى ثلاثة إمداد وإذا وزن ما يحويه من الحنطة ساوى ثقله ٦ وزنات مع شيء زهيد يقل أو يزيد لا يحضرني الآن قدره على التحقيق. ونصف الصاع مد ونصف (وهم يلفظون المد بكسر الأول لا بضمه) ويساوي الصاع ستة نصيفات. والنصيف (وزان زبير) يقسم إلى ربعين

стр. 1407

وأربعة أثمان من المكاييل المعروفة تنحت من الخشب. وأما الذراع فالمستعمل منها عندهم (الذراع الطبيعية) وهي التي تمتد من رؤوس الأصابع إلى المفرق أي نحو ٤٥ سنتيمتراً. والحاكم نفسه يعين مقدار امتدادها أو طولها على التحقيق. واعلم أنه لا يجوز لأحد أن يعمل الأوزان والمكاييل والمقاييس ما لم يطلع عليها الحاكم ويسمها بخاتمه وقد نقش عليه اسمه أو شعاره دلالة على أنه يجوز العمل بها - وهنالك أشياء تباع جزافاً أو قطراً (أي كوثر كما يقول أهل بغداد) مثل التين والحطب والفحم واللحم والملح وما شابهها فتباع بالتخمين والظن والنظر حسب المراضاة. وبهذا القدر كفاية. سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض برس نمرود (تابع لما في ١: ٣٣٣) لما أخذ وجه الشمس يبدو على الأفق حثنا الشوق إلى أن نسرع في الذهاب إلى زيارة برس نمرود قبل أن تؤذينا شمس الربيع بحرارتها، لأن لا ربيع في ربوع العراق. فما كانت الساعة السابعة صباحاً إلا ونحن على ظهور الجياد العراب المتعودة السير في تلك الأرضيين الجليلة القدر والشان في التاريخ وكأن العناية الإلهية رأت أن لا طاقة لنا باحتمال حر النهار أنشأت سحباً في الجو لتظلنا طول سفرنا مع أن وجه سماء العراق سافر في اغلب أيام الربيع. وما كدنا نخرج من الحلة إلا وهبت ريح غربية غريبة بدأت رخاء ثم ما زالت تشتد شيئاً فشيئاً حتى غدت ريحاً صرصراً حدقت بنا من كل جانب، وأخذت تذر علينا تراباً دقيقاً متلززاً متلبداً. وما كانت الساعة العاشرة إلا وغدت الريح أشد ما تكون. وقامت في وجهنا غشاوة من الغبار الدقيق حتى أنه لم يمكنا أن نرى ما بين يدينا على بعد ٢٠ مترا. ومع هذا كله لم يدر في خلد أحدا منا أن يرجع القهقرى ويعدل عن الإمعان في السير. فما زلنا نصل الوخد بالذميل حتى ضقنا ذرعاً. وكل ذلك لنشاهد ذك البناء القديم الذي يجلب الناس من شاسع الأقطار القاصية. وظللنا سائرين الواحد بجنب الآخر بدون أن نعلم

стр. 1408

الطريق التي نسير فيها. وزد على ذلك أننا كنا نلاقي في سبيلنا أنهراً كثيرة وجداول جمة تسقى الأرضيين المزروعة فكانت جيادنا تغوص في وحلها فتتأذى منه، إلا أن ثقتنا بادلتنا كانت عظيمة ولهذا ما كنا نخاف أمراً. لكن لما انقضت الساعات الثلاث وهي المسافة التي بين الحلة وبرس نمرود قلنا لأدلتنا: أين أنتم يا ربع، وأين برس، ها قد مضت الساعات الثلاث ونحن لم نر شيئاً منه؟ قالوا: (لا تخافوا يا قوم بل اتكلوا على الله ميسر الأمور ولولا اشتداد هبوب الرياح الذاريات لرأيتموه.) ومهما كانوا يقولون فإننا ما زلنا نخبط في سيرنا خبط عشواء، في ليلة ليلاء. ولا نصل إلى الغاية المطلوبة. ثم قيض الله لنا أن صادفنا رعاة غنم فسألناهم عن الطريق فهدونا إليها. ومن فورنا عدلنا عن الأولى إلى الثانية. ورأينا أنفسنا للحال بازاء الأنقاض المنشودة، فدنونا منها فإذا هي ضخمة فخمة جليلة. وصف تل برس هو تل شاخص قد اختلف العلماء في سمكه فإن استرابون الذي هو من قدماء مؤرخي اليونان (المتوفى في عهد طيباربوس قيصر في منتصف القرن الأول للمسيح) يقول إن ارتفاع هذا الهيكل الفخم ذي الطباق السبع استادة واحدة (والاستادة هي عبارة عن ١٨٥ متراً) وعرضه استادة أيضاً. وذكر فلندرن أن قياس قاعدة برس هو ١٥٤ في ١٩٤ متراً. أما ارتفاع هذه الأطلال في هذا العهد فأرقام الزائرين لها لا تتفق بعضها مع بعض فإن لنورمان وريش يقولان أن ارتفاعها يبلغ ٧١ متراً، وفلندرن وكوست يجعلان سمكها ٧٠ متراً ونصفاً. أما أوبر فلا يرى ذهابها في الهواء إلا نحو ٤٦ متراً. وهناك سميط عظيم (السميط آجر قائم بعضه فوق بعض وهو الذي يسميه بعضهم شقة حائط فيه خروق نافذة من الوجه الواحد الآخر على أبعاد متفاوتة قطر كل خرق منها يختلف بين ١٢،. من المتر ولم يستطع أحد أن يهتدي إلى سبب وجودها. أما صفاح هذا التل الضخم وجوانبه العريضة فقد خددتها الأمطار الغزار، التي تنتاب هذه الديار، في فصلي الشتاء والربيع. والسميط القائم هناك ماثل يستهزئ بالرياح العاصفة، والرعود القاصفة. ويشهد على أن علم الأقدمين

стр. 1409

بصناعة البناء والهندسة كان قد بلغ شأواً بعيداً من الإجادة والإتقان. حتى إن الإنسان ليسأل نفسه قائلاً: إذا اجتمع المعاصرون لإقامة بناء من طين وآجر، هل يستطيعون أن يأتوا بمثله متانة وصلابة ولو على هيئة تل ركام كهذا التل الذي يصارع الصوان لو أمكنته الحياة من النهوض والمصارعة؟ كانت مدينة برس تعرف في القديم باسم برسيا أو بضم الباء أو فتحها وإسكان الراء وكسر السين المهملة وفتح الياء المثلثة التحتية الفارسية المشددة وفي الآخر ألف مقصورة. وقد فتحها المسلمون سنة ١٥هـ (٦٣٦م) وأشتهر يوم فتحها بيون برس. قال البلاذري (ص ٢٥٩ من كتابه فتوح البلدان): بعث سعد خالد بن عرفطة على خيل الطلب فجعلوا يقتلون من لحقوا حتى انتهوا إلى برس، ونزل خالد على رجل يقال له بسطام فأكرمه وبره، وسمى نهر هناك بنهر بسطام، وأجتاز خالد بالصراة فلحق جاينوس فحمل عليه كثير بن شهاب الحارثي فطعنه، ويقال: قتله، وقال ابن الكلبي: قتله زهرة بن حوية السعدي وذلك اثبت، وهرب الفرس إلى المدائن ولحقوا بيزدجرد وكتب سعد إلى عمر بالفتح وبمصاب من أصيب. اهـ وقال ياقوت: برس، بالضم، موضع بأرض بابل به آثار لبخت نصر وتل مفرط العلو يسمى (صرح البرس). اهـ. والباقي من المدينة في هذا اليوم أخربه عظيمة مقسومة إلى قسمين هما تلان متجاوران متلاصقان قاعدتهما مستطيلة قائمة الزوايا يعرف الأول منهما وهو الذي على قمته السميط (تل البرس) والثاني باسم (إبراهيم الخليل). فأما (تل البرس) هكذا بال التعريف خلافاً لما هو معهود في لفظه) فكان فيه قديماً (برج برس) أحد مباني بلاد كلدية الشهيرة، وهو البناء الذي ظن فيه أنه (برج بابل أو صرح بابل) المذكور في التوراة. وقد أبقى لنا بخت نصر الملك تاريخ هذا البرج مكتوباً بحرف مسماري مع وصف الأشغال العظيمة التي قام بها ليعيد لهذا الهيكل الضخم مجده السابق وعزه السامق. قال: (أنا بخت نصر ملك بابل، ولدني مردوخ الإله العظيم وأمرني بتشييد معابده. إن الهرم هو أعظم هيكل في السماء وعلى الأرض، وهو مقام مردوخ رب

стр. 1410

الإلهة. وأنا جددت مقدسه مكان قرار جلاله بالذهب الإبريز، وجددت برجه ذا الطباق الذي هو مقر الخلد وشيدته بالذهب والفضة ومعادن أخرى، وبالأجر المرصع بالميناء وخشب السرو والأرز، وأتممت زينته والبنية الأولى التي هي هيكل قواعد الأرض القائم بها تذكار بابل قد أتممتها، وأقمت أعلاها بالطاباق والشبه. وأما البنية الثانية التي هي هيكل سبعة أنوار المسكونة القائم بها تذكار برسيا فكان قد شرع في بنائها أول الملوك ولم يتمها إلى أعلاها وبيني وبينه اثنان وأربعون زمناً؛ ثم أهملت دهراً مديداً واعيا الملوك الذين سبقوني مقصدهم من تشييدها، فأجترفتها السيول والعواصف وزعزع زلزال الأرض اللبن وحطم الآجر المطبوخ واتلف لبن الطباق فكان روابي ركاماً فشدد مرودخ الإله الكبير عزمي لإعادة بنائها فأعدتها من غير تغيير في موقعها ولا تعطيل في أسسها. (وفي شهر الختام في النهار السعيد حوطت الطباق من اللبن والطاباق المشوي بأروقة، وجددت السلم المستديرة ونقشت أسمي المجيد على إفريز الاروقة، وقد أسست البناء وجددته على وفق ما رسمه من تقدمني حتى كاد كأنه قد بنى في سالف الأزمنة) أهـ (توفي بخت نصر في نحو سنة ٥٦١ ق م) فيكون عمر هذا البناء الماثل منه السميط نحو خمسمائة وألفي سنة. وهذا البرج من أهول ما بناه البابليون واجله خطراً وأعظمه شانا، وكان بمنزلة هيكل سباعي للآلهة السبعة التي يلقبونها بسبعة أنوار المسكونة وكانت له سبع طباق كل طبقة منها خصصت بواحد من تلك الإلهة. فأول طبقة منه وهي السفلى كانت لزحل ولونها أسود. والثانية للزهرة ولونها أبيض. والثالثة للمشتري ولونها بردقاني والرابعة لعطارد ولونها أزرق. والخامسة للمريخ ولنوها قرمزي. والسادسة للقمر ولونها فضي. والسابعة للشمس ولونها ذهبي. وقد ذكرنا أن من الناس من استدل على أن بلبلة الألسنة كانت في هذه المدينة وهم يقولون أن البرج المشار إليه هو البرج المذكور في الفصل الحادي عشر من سفر التكوين وعلى ذلك تحول الحادثة المذكورة هناك من مدينة بابل إلى برسبا. وقد كثرت أقوالهم في هذا البرج وواضعه وعلة بنائه على أنحاء شتى. فذكر يوسيفوس أن واضعه نمرود بناه بعد الطوفان ليلوذ الناس به إذا حدث طوفان آخر. وذهب غريفل إلى أن أول من بناه ملك من أقدم ملوك تلك البلاد أراد أن يكون ذكراً مخلداً للبلبلة أي بلبلة اللغات وذكر أن ارتفاعه اثنتان وأربعون

стр. 1411

ذراعاً (أو مقياساً آخر لا يعلم ما هو) وذهب غيره إلى أنه هيكل بعل الذي ذكره هيرودوتس وقال عنه أنه ذو ثمانية أبراج أو طباق بعضها فوق بعض وقد تقدم ذكره. وقال قوم أنه كان بناء عظيما ذاهبا في العنان استلزم لأقامته عدداً غفيراً من العملة وكان المشتغلون فيه في أول الأمر جميعهم بابليين يتكلمون بلسان واحد فألجأتهم الحال لتعجيل العمل إلى أن يستعينوا بعملة آخرين من غيرهم فحشدوا لذلك بنائين ونحاتين من أمم مختلفة يتكلمون بألسنة شتى. فلما كانوا في بعض الأيام هبت عواصف شديدة فنسفت رأس البرج فخيل لهم أن الآلهة فعلت ذلك وبلبلت ألسنتهم فكفوا عن بنائه وشاع هذا الاعتقاد بين الكلدانيين من ذلك الوقت. قلنا: وما هذا القول إلا تشوبه كلام الكتاب الكريم وتحويله عن مجرى معناه المألوف. ويظهر أن برسبا في أوائل الأجيال النصرانية كانت معمورة بالأبنية والهياكل وقد ذكرها استرابون على حالها الأخيرة فقال: (أن برسبا المعروفة الآن باسم بورس أو برس هي من المدن المشهورة بنسج الكتان وفي جملة أبنيتها هيكلان فاخران أحدهما لابولون والآخر لأرطاميس أخته. وقال ويكثر في نواحيها الخفاش وهو أكبر من الخفاش المعروف عندنا وهم يأكلونه وبعضهم يذخره مقدداً ومملوحاً إلى حين الحاجة إليه. انتهى. وكان فيها سابقاً أي في عهد الكلدانيين مدرسة عامرة يدرس فيها علم الكلام وسائر العلوم العالية حتى أنه لم يكن في الشرق كله إلا في وركاء أو أرك. - وقد فتحها عدة ملوك من جملتهم شلمناصر الثالث في نحو سنة ٨٥٢ قبل المسيح. ثم استحوذ عليها آشور بنيبل (المتوفى سنة ٦٢٥ ق م) وقد جاء عنه في التاريخ أنه انتصر على شمش سمكين في السهل وأحاط ببقايا جيشه إحاطة السوار بالمعصم في بابل وسبار وبرس وكوثى. وبينما هو يحاصر هذه الثغور المنيعة، إذ أقبل عليه تمريتمو يناجزه فقال آشور بنيبل على ما ورد في الرقم: (ابتهلت إلى آشور واشتر فتقبلا أدعيتي واستمعا كلام شفتي. خرج عليه عبده اندبيجش فكسره في حومة الوغى). فاضطر المخذول إلى أن يفر هارباً إلى نينوى وأصبح في يدي ملك آشور العوبة لا غير. (نعم أنه قبل رجلي الملكيتين وعفر وجهه أمام موطئ قدمي. . . فأنا آشور بنبيبل السمح أقلته من خيانته وأنزلته هو وذريته وبيت أبيه في قصري) ولما رأى شمش شمكين أن حليفه النافذ الكلمة غادره وبقى بدون عضد بعد هذه النائبة الفجائية إنهاض

стр. 1412

عظمه ووهنت قواه إلا أنه وأعدوه إلى ما لا غاية من ورائه بل حتى بلغ الذمار وحدث من هذا الحصار مجاعة أكره فيها المحاصرون على أن يأكلوا لحوم أبنائهم وبناتهم ضنا بالحياة. وقد حاول العرب أن يشقوا لهم طريقاً في صفوف الأعداء إلا أن سعيهم ذهب أدراج الرياح فسلم أمراؤهم أنفسهم بشرط أن يستحوا فاستبقوا. . . .) وقد جدد بناء هذه المدينة بخت نصر الكبير الذي شيد فيها أيضاً (بنو) هيكلاً جليلاً وأحاط الحاضرة كلها بنطاقين من الأسوار صداً لغارات العدو. بقيت برس وسائر المدن المجاورة لها بيد خلفاء بخت نصر حتى جاء قاهر ممالك البغي والظلم كورش الكبير فدوخ مملكتي بابل وآشور من جملة ما ذلل لصولجانه وذلك سنة ٥٣٨ ق م ومنذ ذاك الحين انتقلت تلك الديار إلى الفرس وبقيت بأيديهم مدة طويلة. ولما ظهرت راية الإسلام في العالم أخفقت أيضاً على هذه الأنحاء كما نوهنا بذلك في مستهل هذا المقال وأخرب ما بقي من تلك المباني الجليلة واليوم لا يشاهد منها إلا ركام من الأنقاض والغالب فيها آجر أحمر أو قطع من الآجر قد غشت معظم الحيطان التي تتقوم منها أسس هذا البرج ذو الطباق. وعلى قمة هذا الركام يقوم سميط ثخين كل الثخن علوه قراب عشرة أمتار ومبني بالطاباق وقد ضم بعضها إلى بعض بل شدها شداً محكماً ملاط صبر علة نوائب الدهر وكوارثه لا القير كما قد يمكن أن يتصوره بعضهم. وعند أسفل هذا الحائط صخور متكومة إذا فحصها الباحث عن قرب يراها قطعاً ندرت من الحائط وقد فعلت فيها بعض العوامل النارية فعلاً هائلاً لا يمكن إنكاره. من ذلك: أن الآجر ملوي لياً بل مبروم برماً بدون أن يرى فيه البتة أثر كسر بل يبين انه مصهور صهراً. وقد علا غالب وجهه ضرب من الطلاء لا يعرف كنهه ولهذا اختلف العلماء فيه فمن قائل أنه من حريق وقع هناك. ومن ذاهب إلى أن صاعقة انقض عقابها على تلك الأكوام فصهرتها ذاك الصهر العجيب وليس هذا ببعيد في ديار العراق فإن انقضاض الصواعق على شواهق الأبنية معروف إذ لا تخلو سنة من السنين إلا ويقع حادث أو حادثان من هذا الجنس. فليحفظ. ومما استوقف طائر بصرنا هناك مياه الفرات فإن تغير مجراه على الدوام وتنقله من موطن إلى موطن مما يحير له الفكر. فاليوم قد طفحت مياهه على الأرضيين المجاورة لقرب غوره وإندفان عقيقه بما يجره من الطين والغريل، وأصبح الذهاب من برس

стр. 1413

إلى كربلاء من رابع المستحيلات وتبتدئ المستنقعات على بعد مائتي متر من الأخربة وأما في زمان بعثة جسني فإن شواطئ نهر الهندية - (وهو شعبة من الفرات) الذي لم يكن أطول من خمسة أميال - كانت على بعد سبعة أميال عن برس نمرود. أما غوره هناك فليس ببعيد لأن أحد الرجال كان يخوض فيه خوضاً الماء دون نطاقه. ونختم كلامنا عن برس بإيراد ما قرأنا وسمعنا من غرائب الخواطر وهي: أن برس نمرود الذي قد قذف به النوى في قلب الصحراء كان في سابق العهد من الأبنية الداخلة في نطاق بابل. وذهب آخرون إلى أنه كان بين برس وقصر بخت نصر سرب عظيم يجمع الأول إلى الثاني مع أن المسافة بينهما نحو من ٢٠ كيلو متر. ورأى فيه آخرون أنه هيكل (نبو) الذي تكلم عنه اشعيآء في سفره الجليل وكانت بابل تفتخر به ومهما يكن من هذه الأقوال فإن برس كانت داخلة في نطاق سور بابل الخارجي كما كانت كوثى ربى. وهذا ما تشهد عليه الرقم التي وجدها الباحثون وقرأها علماء الغرب. من ذلك ما جاء في الرقيم الذي أتت به شركة الهند وهذا معرب نصه: (بنيت في بابل إكراماً للمعبودة الكبرى (وأسمها عندهم زرفنيت) الوالدة التي ولدتني (هيكل معبودة قمة الجبال) وهو قلب بابل. وترى أخربة هذا الهيكل إلى اليوم في الموطن المعروف باسم القليعة (مصغر قلعة) بقرب الحلة. وقد وجد الناقبون هناك كتابة تحوي تخصيص الهيكل للآلهة المذكورة مع اسم بانيه وهو نبو خذ نصر. (ولقد شيدت في بابل بالقير والآجر تبعاً لأصول البناء إكراماً للآلة نبو الرب المطلق واهب صولجان العدل ليسوس طوائف الناس. (هيكل واهب الصولجان) هيكلاً له. (وبنيت في بابل للآلة سين (القمر) وهو الذي يلهمني الحكم والقضاء في الأمور هيكل (الضياء الأعظم) داراً له. (وأقمت في بابل بالقير والطاباق إكراما للآلة الشمس (وهو مذكر عندهم) الذي يوحي إلى قلب شاعرة العدل (هيكل قاضي العالم) هيكلاً له. - وكان هذا البناء في المحل الذي يعرف اليوم بمشهد الشمس وهو في ظهر الحلة.

стр. 1414

(وبنيت في بابل على هيئة كوس أم إمام بالقير والآجر إكراماً للآلة رمان (وزان حلال) الذي يفيض الخصب في بلادي (هيكل مانح الاضطرابات الجوية) هيكلاً له. (وابتنيت في بابل بالقير والآجر باء يكاد يكون مصمتاً إكراماً للمعبودة الكبرى (وأسمها عندهم نانا) التي تشرح صدري وتشد أزري (هيكل الأعماق وهيكل الجبال العالية) هيكلين لها. (وبنيت عند دخولك سور بابل بهيئة كوس إكراماً لربة دار السماء الملكة الشفيعة على هيكل (كيكفان) هيكلاً لها. ورفعت في برسيا هيكلاً للآلة (أدار) محطم أسلحة أعدائي. (وبنيت في برسبا إكراماً للمعبودة الكبرى (نانا) التي تتقبل أنشودتي (الهيكل الأكبر وهيكل الحياة وهيكل النفس الحية) أعاجيب ثلاثاً لهاز. - (وهذه الهياكل الثلاثة التي تشير إلى المزية القمرية مزية المعبودة نانا وإلى أوجه الكوكب في هلاله وبدره ومحاقه كانت تحت هدف واحد اسم أنقاضه اليوم (تل إبراهيم الخليل) قريباً من برس نمرود. (وشيدت في برسيا بناءً ركاماً هيكل الإله رمان الذي يفجر في بلادي صاعقة النبوة. فهذه الأبنية والهياكل كانت كلها متجاورة في بقعة بابل، وقد أتينا بذكرها ليعلم القارئ ما كانت عليه تلك الأرض في سابق العهد وإلى ما صارت إليه في هذا الزمن. فسبحان الذي يغير ولا يتغير الأب يوسف لويس الكرملي

стр. 1415

أيها الأمل رأى ناظم هذه الموشحة البديعة فقيراً في أحد أزقة بغداد وقد أنهكه المرض فأشرف على الهلاك وهو يئن وفي خلال أنينه كانت تبدو منه كلمات تفتت الأكباد وتلين الجماد وهو لا يزال يرددها. ومحصلها: (لولا الأمل الذي عشت به لمت قبل خمسين سنة). وبعد أن سمع الشاعر تلك الكلم أخذ ينقب عن أمر الفقير فقيل إنه من البيوتات القديمة وكان لقومه حظ عظيم من الغنى ثم انقلب بهم الدهر حتى أدبر عنهم بتاتاً وانتهى بهم إلى أسوا حال. فقال: (لغة العرب) ضحكت فأشرقت يوم الجزع ... فيالك من ضاحك مبتسم هو العيش ليل وأنت القمر ألا لا ولكن بك المستقر فأنت الصفاء وأنت الكدر وأنت المصادي إذا ما فجع ... زمان يجور بخطب ملم لوجهك تعنو صروف الحياة فمن رائحات ومن غاديات ولسن وإن جرت بالعاتيات ولا بللواتي يزن الخدع ... فيذهبن عنك ذهاب الأصم بنورك يبتهج العالمون وبالجد ينتعش الميتون فما لا يكون وما قد يكون إليك انتهى وإليك انقطع ... فأنت الحكيم وأنت الحكم كأنك روح لهذا الوجود فمنك النحوس ومنك السعود وفيك النزول وفيك الصعود وأنت الشهود وأنت الجمع ... وأنت الوجود وأنت العدم فلولاك ما نهض العالم ولا قام من بينهم قائم ولا كان ظلم ولا ظالم

стр. 1416

ولا كان صنع ولا مصطنع ... ولا كان عزم ولا كان هم ولا بلغوا غاية الاكتشاف ولا أكثروا بانقضاء الطواف كأنهم فيه طير صواف تروح إلى حيث لا مرتفع ... ولا النسيم الرياح نسم ولا استخدموا بالبخار الحديد ولا قربوا كل مرمى بعيد ولا دخل الناس طورا جديد فما في أخلاقهم من طبع ... ولا في نفوسهم من قزم ولولاك لم يسع في الأرض ساع ولا بلغ الناس طور النزاع فهذا مريع وهذا مراع وقد جعلتهم في البدع ... وخالفت ما بينهم في الشيم ولولاك مات عديم الثراء ومات السخي ومات السخاء ومات العلاء ومات الإباء ومات المسود والمتضع ... ومات الفخار كموت الهمم بك انتظمت ماربات الورى فمن تجره أنت منهم جرى قليل ألانى مستحث السري يضيع بعزمته أو يضع ... إلى حيث يبلغ بعض النعم خفيت فما تمتري في وضوح ولم يدر كنهك يوما سطيح ولا كان شق يقول الصحيح ولكنه خبر منقطع ... يعدونه من ضعيف الكلم إليك العوالم تلقى المراس لأنك في كل أمر أساس

стр. 1417

فلم يدركوك بوضع القياس ولم يلج الباب من قد قرع ... ولم يعلم الأمر من قد علم كأنك معني بمعنى الحياة وفيك غموض خفي الصفات أيعجز معناك أهل الحصاة وقد بلغوا مبلغا مرتفع ... من العلم والأدب المحترم على بابك القوم قد هوموا فضل الجهول ومن يعلم فلو يعلمون وهم نوم بفحوى معانيك ولم يرتدع ... من القوم من لم يكن بك الناس تبلغ أوج العلى ويدرك من نزلوا من علا فيجمع تلو إلى من تلا ويدنوا الأذل إلى ذي الرفع ... فيبلغ شأواً منيع القمم لا أنت العناء وأنت الدعة وأنت المضيق وأنت السعه وأنت العلو وأنت الضعة وأنت الأمان وأنت الفزع ... وأنت عزيمة من يعتزم غمضت كما تغمض الكهرباء فما كان يبرح عنا الخفاء ولم يبد فيما تسر بداء لنا أو لمن سار سيراً سرع ... فزلت به في الطريق القدم محمد الهاشمي طوب أبو خزامة ١ - تمهيد لما استولى الشاه عباس الصفوي على بغداد في نحو سنة ١٠٣٣هـ -

стр. 1418

١٦٢٣م وذلك بعد حصاره إياها مدة ثلاثة أشهر وكان استيلاؤه عليها بخيانة ابن بكير رئيس الشرطة وبعد أن دخل الشاه المدينة وملكها أمر بقتل الخائن (ابن بكير أغا) فقتل ثم بقى الحكم للشاه ومن يوليه أمرها من رعيته إلى سنة ١٠٤٨هـ. وذلك أن السلطان مراد خان العثماني قصدها بجيش جرار كامل العدد والعدد فحاصرها (في ٨ رجب سنة ١٠٤٨هـ ١٥ ت ٢ سنة ١٦٣٨م وكان يشتغل بنفسه في أعمال الحصار الشاقة تنشيطاً للجند. وسلط على أسوارها المدافع الضخمة التي نقلها إليها ولما فتحت المدافع فيها فتحة كافية للهجوم أصدر السلطان أوامره بذلك فهجمت الجيوش كالليوث الكواسر (كذا) في صبيحة ١٨ شعبان سنة ١٠٤٨هـ - ك١ ١٦٣٨م ولم يثنها قتل الصدر الأعظم (طيار محمد باشا). . . بل استمر الحرب ٤٨ ساعة متوالية ختمت بانتصار الجنود العثمانية) ولما دخل الجند العثماني بغداد وملك زمامها السلطان مراد خان ولى عليها من قبله والياً هو كجك حسن باشا (أو حسن باشا الصغير) وبعد أن تم ذلك رجع السلطان مراد إلى من حيث جاء وقد ترك المدافع التي أتى بها من الأستانة والتي غنمها من الشاه عباس لينتفع بها عند الحاجة إليها ولتصد عن بغداد هجمات العدو وإلى اليوم تراها مطروحة في قلعة (الطوب خانة) وقد أخبرنا أحد ضباط المدفعية أن الحكومة تريد نقلها إلى الأستانة لتوضع في محل التحف والآثار القديمة. ٢ - وصف (طوب أبو خزامة) ومن تلك المدافع المار ذكرها مدفع (يسمى أبو خزامة) وهو اليوم في محلة الميدان في الجانب الشرقي من بغداد أمام باب (الطوب خانة) الشرقي (أي باب قلعة المدافع) على دكة تعلو الأرض نحو نصف ذراع يبلغ عرضها نحو ٤ أمتار في طول ٨ أمتار وفي كل ركن من أركانها الأربعة مدفع صغير مركوز في الأرض من فوهته ومربوط بأطراف هذه المدافع العليا سلسلة حديد بغلظ الزند توصل الواحد بالآخر فهي شبه سور (لطوب أبو خزامة) والمدافع شبه أبراج ومشدودة بتلك السلسلة كثير من الخرق وفي رأس مدفع من المدفعين اللذين مما يلي الشرق فانوس وضعته الحكومة ليسرج في ليلة الجمعة.

стр. 1419

وهذا الطوب (أعني طوب أبو خزانة) مصنوع من الصفر أي النحاس الأصفر (البرنج) والحديد وهو مضطجع على مرقد في وسط الدكة السالفة الذكر. والمرقد عبارة عن جذوع نخل لم تبلها الأيام لأنك تراها على حالتها الأولى في أول وضعها. وللمرقد المذكور دولابان من الحديد قد نزل نصفهما في الأرض لمرور الزمن عليهما ولما عليهما من ثقل الحديد وعند فوهة (طوب أبو خزامة) أربع قنابل ثلاث منها في الأسفل والرابعة قائمة عليها محيط كل منها ٢٩ س ويبلغ طول (طوب أبو خزامة) ٤ أمتار و٤٤ س ومحيطه من مؤخره مترين و٤ س ومحيطه مما يلي فوهته متراً و٤٤ س وقطر فوهته ٤٨ س ومكتوب على ظهره مما يلي فوهته بالحرف المركب البارز ما نصه: (مما عمل برسم السلطان مراد خان بن (كذا) السلطان أحمد خان) ووراء الكتابة المذكورة أربع سمكات صغار وأربعة أنجم ووراءها في الوسط عروتان مقوستان محيط ل منهما نحو ٥٠ س فيهما خرق مشدودة - ترمز إلى ما يطلبه الزائرون من الأماني وكذلك قل عن الخرق المشدودة في السلسلة المتقدم ذكرها - وفي جنبه الأيسر (أعني طوب أبو خزامة) مما يلي العروة انخفاض محيطه ٢٨ س وغوره نحو ٣ س ووراء العروتين السالفتي الذكر أربع سمكات كالتي تقدم ذكرها وكذلك خمسة نجوم وهلالان صغيران ووراء الأسماك والنجوم والأهلة على ظهر الطوب الذي نحن بصدده مما يلي مؤخره مكتوب بالحروف المركبة البارزة ما نصه: (عمل على كتخداي جنود بردركاه عالي سنة ١٠٤٧) معناه عمل على الذي هو رئيس الجنود في الباب العالي (أي باب السلطان وقد ساعدنا على قراءة الكتابة المذكورة وتعريها شكري أفندي الفضل وفي مؤخرة شبه ذنب ينتهي بكتلة مخروطة الشكل وفي فوهته مما يلي داخله صدع (أي شق طبيعي) غير سوي. ٣ - ما يرويه العامة في شأن أخذ بغداد و (طوب أبو خزامة) يحكي الشيوخ من العامة أنه لما أخذ الشاه عباس بغداد واستقر بها منع كل فرد من الذهاب إلى الأستانة وبث الرص والعيون في جميع الطرق المؤدية إليها ثم أنه جعل حضرة الشيخ عبد القادر وحضرة المعظم (أي النعمان بن ثابت أحد أئمة المذاهب الأربعة) وحضرة الشيخ معروف الكرخي والشيخ عمر السهروردي مرابط لخيله وبغاله ولما رأى أهل بغداد ذلك استشاطوا غضباً فخاطر رجل من بيت السويدي

стр. 1420

بنفسه وصمم على الرواح إلى القسطنطينية وإذا أحس به أحد فإنه يفدي نفسه لهذا السبيل فتزيا بزي درويش إيراني وذهب إلى إسلامبول ولما وردها تخارس لأن أهلها أيضاً منعوا دخول كل من يأتي من نواحي العراق كي لا يسمع السلطان بخبر سقوط بغداد فيسوق إليها الجنود ثم أن السويدي لما دخلها (أعني الأستانة) بقي متخفياً مدة أيام إلى أن توصل إلى خطيب جامع السلطان فظل عنده بصفة طالب علم وخادم له. وفي ذات يوم مرض الخطيب وكان يوم جمعة فلما حان أوان الخطبة والخطيب مريض لم يطق القيام فضلاً عن المسير فتحير في أمره ولما رأى السويدي منه ذلك اغتنم الفرصة وقال له: أنا أنوب عنك خطيباً هذا اليوم فسر بذلك الخطيب لما علمه من علم السويدي وفضله ثم ذهب إلى الجامع ولما رقى المنبر نادى بأعلى صوته: أيها المؤمنون المسلمون إن الدين قد ذهب وإن بغداد قد ضبطها الشاه عباس وربط خيله وبغاله في حضرات أئمتها وفعل من المنكرات مالا يوصف ولا يخطر على بال إنسان. فلما سمع الحاضرون كلامه ضجوا بالتكبير وأخذوا بالصراخ والعويل فأخذه السلطان إلى داره وأستقصه القصة من أولها إلى آخرها. ثم بعد ذلك نادى منادي السلطان في الأستانة أن لا يصحبه من عسكره إلا الكهول والذين يغرز المشط في لحاهم فأخذ الشبان والكهول لا غير وبعد أن تجمع العسكر، سار به قاصداً بغداد. ولما صار قرب سامراء، أراد أن يجعل عليهم قائداً محنكاً، ويذهب هو إلى بغداد متجسساً فأخذ يسأل كل من يرى فيه اللياقة للقيادة: أين بغداد؟ فيجيبه القائد: على بعد يوم منا مثلا، فيأمر بقطع رأسه ثم يسأل الآخر فيجيبه على بعد يومين فيأمر بقطع رأسه أيضاً وهلم جرا حتى قطع رؤوس جماعة من القواد وقد تحير الباقون في جوابه ثم باتوا تلك الليلة وكان عند أحدهم ابن في الثامنة عشرة من عمره ولشدة حبه إياه لم يطق فراقه فوضعه في صندوق يستطيع أن يتنفس فيه وأخذه معه وكان إذا جن الليل يخرجه من الصندوق ويجلس هو وإياه يتسامران وفي تلك الليلة رأى الفتى وجه أبيه متغيراً فقال له: ما بالك يا أبتي؟ فقال إني. سأقتل غداً. فقال: ولم؟ فقال إن السلطان ألقى على القواد سؤالاً وهو: كم المسافة بين سامراء وبغداد

стр. 1421

وكل من أجاب من القواد بقليل أو كثير أمر بقتله وغداً دوري ولم أدري ما الجواب لأني اعلم أن السلطان قاتلي لا محالة إن زدت أو نقصت فقال الغلام: أهذا يهمك يا أبتي؟ فقال له الوالد: وكيف لا يهمني يا بني سؤال فيه القتل فقال له إذا دعاك السلطان غداً وسألك عن المسافة فخذ اللواء بيدك وأركض بفرسك وقل بغداد تحت حافر هذا الجواد ولا بأس عليك. ولما كان النهار دعا السلطان القائد المذكور وسأله عن المسافة بين بغداد وسامراء ففعل القائد كما قال له ابنه فاستحسن ذلك السلطان وقال: الآن وجدت ضالتي ثم دعا ذلك القائد وقال له صدقني من علمك هذا ولك الأمان فقال أن لي ابناً أحبه حباً شديداً ولفرط غرامي به لم أطق فراقه فوضعته في صندوق وإذا جن الليل أخرجنه وسامرته (لأنك منعت ذلك وقلت من أتى بصبي قطعت رأسيهما) وفي هذه الليلة رآني ولدي في ضيق فسألني عن حالتي فقصصت له القصة فدبر لي هذا الأمر فقال له السلطان أين ابنك؟ فقال هاهو في الصندوق فقال ايتني به فأتاه به فلما رآه إستسماه فقال له الحدث اسمي كنج عثمان (أي عثمان الحدث) فقال له السلطان ألم تسمع أني أمرت بقتل كل من لا يغرز المشط في لحيته فكيف جئت إلا تخاف القتل؟ فقال يا حضرة السلطان أنا لست كما ترى بل أنا شيخ من الشيوخ فقال له السلطان إن كنت صادقاً فخذ هذا المشط واغرزه في لحيتك ولشدة خوفه من السلطان تناول المشط وأثبته في لحم خده فقال له السلطان أين لحيتك فأنا لا نراها في وجهك فقال لحيتي في داخلي (بطني) فقال له السلطان: كيف عرفت ذلك فقال له إني سمعت أنك تقتل كل من أخبرك عن المسافة سواء كانت بعيدة أو قريبة فعلمت أنك لا تريد أن تعرف المسافة ولكنك تريد أن تمتحن همم الرجال وأفكارهم. فقلت لوالدي هذا القول لأن الجواد إذا سار لا يبعد عنه شقة فكأن بغداد تحت حافره فقال له أنت طلبتي فولاه السلطان القيادة وأعطاه اللواء الكبير ثم أن السلطان مراداً ترك الجيش في سامراء وسار قاصداً بغداد راجلاً ولكنه تزيا بزي درويش إيراني لكي لا يعرف أو لا يظن فيه ظن سوء ثم إنه ما زال سائراً على رجله حتى ورد أرض عجوز هناك وضافها فاحتفلت به العجوز وقامت بضيافته (كما هي عادة الأعراب في خدمة الضيوف) ولما سار السلطان من عندها أراد أن يكرمها مكافأة لضيافتها إياه فقال لها ما الذي تريدين من الأراضي والعقار فإني صديق السلطان

стр. 1422

فقالت: إذا كنت صديق السلطان كما تقول فإن لي دواب لا يتركها الرعاة تسرح في هذه الأرض فأطلب إليك أن تكلم السلطان بذلك. فقال: من أين إلى أين تريدين فقالت: (من حسحوس لدوب السوس) فقال لك ذلك ثم أنه أخرج من جيبه ورقة وكتب ما طلبت ووقع عليها ثم ناولها الورقة وقال لها أنا ذاهب إلى بغداد وسيأتي السلطان مع الجند بعدي فإذا جاء السلطان ودخل بغداد فأتى بورقتك هذه إليه وأعطيها إياه فسيجري ما تريدين. ثم سار السلطان وما زال سائراً حتى دخل بغداد ولما دخلها ذهب رأساً إلى السراي وأخذ ينشد الأشعار الفارسية بأطرب الألحان (كما هي عادة الدراويش من الفرس) ولما سمع صوته الشاه دعاه إليه وقربه منه ثم أنه قال للشاه هل لك أن نلعب أنا وإياك في الشطرنج؟ فقال: نعم. ثم إن الشاه دعا بالشطرنج فأتى به وأخذا يلعبان وبعد ساعات غلب السلطان مراد مناوئه الشاه عباساً ثم إنه ضرب (شاه) الشاه بفرزانه وقال (الشاه مات) وقام مسرعاً وخرج من السراي وفي حينه دخل بيت العجوز وأعطاها مقداراً من الدراهم وقال لها ابتاعي لي نعجة وأتي بها الساعة فذهبت تلك العجوز واشترت له شاة وأتت بها إليه فذبحها السلطان مراد ووضع دمها في طست ثم إنه جلس على حجر رحىً في بئر ووضع طست الدم على رأسه ولما انتبه الشاه لقول السلطان مراد وهو: (الشاه مات) تيقن أن هذا الدرويش ليس هو في الحقيقة درويشاً ولا بد من أن يكون السلطان مراد خان أو أحد وزرائه ثم أنه دعا المنجم وقال له: أريد منك أن تعرف بحساب الرمل والتنجيم من هو هذا الدرويش أين ذهب ثم أن المنجم أخذ بالحساب وبعد

стр. 1423

ساعة من الزمان قال للشاه: إن هذا الدرويش هو السلطان مراد وهو الآن جالس على جبل بين بحر من الدم وبحر من الماء؛ فتحير الشاه والحاضرون من قوله ثم إن الشاه أمره أن يعيد الحساب مرة أخرى لعله واهم به فأعاده مرة ثانيةً وثالثة ورابعة حتى المرة العاشرة والحساب ينتج تلك النتيجة. ثم إن الشاه طرده وصرف هواجسه في أمر السلطان العثماني وبعد يوم خرج السلطان مراد متخفياً من بيت العجوز في بغداد ليلاً وذهب إلى جنده ولما التقى بالعسكر قص عليهم قصته. ثم إنهم ساروا حتى وردوا بغداد فحاصروها وبقوا في حصارها مدة مديدة حتى تعسر عليهم فتحها وكاد السلطان مراد يخفق في مسعاه وينتقض ما أبرمه من الأمر فحرج صدره لذلك وصدور جميع من في المعسكر وفي ليلة من الليالي طاف الشيخ عبد القادر الكيلاني دفين بغداد على كنج عثمان (القائد العام) وقال لهم: مالي أراكم في ضيق واضطراب؟. فقال له كنج عثمان: قد أعيانا فتح بغداد وقد نفدت قوانا وذخيرتنا فقال له الشيخ عبد القادر: إذا كان الغد اذهب إلى السلطان مراد وقل له أن أعمل مدفعاً كبيراً. ولما بزغت الشمس، ذهب القائد المذكور إلى السلطان وأخبره بالخبر. فقال له السلطان: من أين لنا أن نأتي بالحديد ونعمل مدفعاً وليس عندنا منه شيء؟ وفي الليلة الثانية أيضاً طاف الشيخ عبد القادر على كنج عثمان وقال له: ألم أقل لك اعملوا مدفعاً من الحديد؟ لم لم تعملوا ذلك؟ فقال له: يا مولاي ليس عندنا شيء من الحديد. فقال: خذوا انعل خيولكم ومرابطها الحديدية وصبوها. وعند الصباح اخبر كنج عثمان السلطان بذلك، فأمر السلطان بجمع النعال والمرابط ولما جمعت وأذيبت تحيروا في كيفية صبها ولم يهتدوا إلى قالب يفرغونها فيه. وفي الليلة الثالثة طاف أيضاً الشيخ عبد القادر على كنج عثمان المذكور وقال له: لم لم تصبوا ما ذاب من الحديد فقال له: يا حضرة الشيخ إننا لا نعرف كيفية صبه فقال له الشيخ: خذوا خشبة وابنوا عليها غلافاً من الطين شبه كوارة الطعام ثم صبوا ما ذاب من الحديد فيها وبعد أن يجمد ما افرغ في الكوارة اكسروها واستلوا منها الخشبة تكن حينئذٍ مدفعاً تاماً لا ينقصه شيء. وفي الصباح ذهب كنج عثمان المذكور إلى السلطان وقص عليه ما رآه في المنام فبادر السلطان إلى العمل حتى أتمه ولما لم يكن عندهم من البارود والقنابل شيء أخفقوا في مسعاهم وباتوا في هم واضطراب وفي تلك

стр. 1424

الليلة وهي الرابعة طاف أيضاً الشيخ عبد القادر على كنج عثمان وقال له: لا يهمكم نفاد البارود والرصاص فاجعلوا بدل البارود التراب وبدل القنابل قطع الصخور وارموا بها العداء فإنها ستقع عليهم أشد وقعٍ من البارود والرصاص وإذا تعسر عليكم الفتح ولم تقدروا أن تثغروا ثغراً في سورها فسأقف لكم غداً على قمة قبتي بصورة بازِ أشهب فإذا رأيتموني صوبوا المدفع إلي واقذفوني بما فيه ثم ارموا رمية أخرى على السور تلثم منه ثلمة واسعة فادخلوا المدينة عنوة ولما أسفر الصبح عن وجهه أسرع كنج عثمان إلى السلطان واخبره بالخبر وحينما طرق سمعه ذلك باشر بالعمل كما أمر الشيخ عبد القادر وفي الضحى رأوا على رأس القبة (بازاً) أشهب فوجهوا إليه المدفع ورموه بقذائفهم وكانت من التراب والصخور ثم أنهم وجهوا المدفع إلى السور ورموه رمية أخرى وما خرجت تلك الصخور مع التراب من فم المدفع إلا وإنهدم من قواد السلطان مراد يفتك في الأعداء بسيفين بعد أن قطعوا رأسه وما زال يقاتل على هذه الحالة حتى نظرت إليه امرأة من على طوار الدار فقالت يا للعجب رجل يقاتل بسيفين ورأسه مقطوع! ولما نادت بهذا النداء سقط من على ظهر الجواد إلى الأرض وخر صريعاً فدفن في موضع مصرعه وهو في المحلة المعروفة اليوم بمحلة (أبو سيفين) إحدى محلات بغداد وأكثر سكانها اليهود. أما كنج عثمان فإنهم يقولون عنه أنه لما دخل بغداد وكان حاملاً لواء

стр. 1425

الجند العثماني وقد قطعت يداه بقي العلم يمشي أمامه بلا حامل يحمله ولا ماسكٍ يمسكه حتى رآه أحد الناس فدهش به وعند ذلك هوت الراية إلى الأرض وقتل كنج عثمان ودفن في الموضع الذي سقط فيه وهو اليوم بقرب باب سراي الحكومة (أي دار الإمارة) مما يلي الشمال الغربي على بعد ٩ أمتار منه وله حجرة عليها قبة وفي وسطها ضريح عليه مشبك من الخشب طوله متر و٨٠ س في عرض ٩٠ س في ارتفاع متر و١٠ س وعليه ستار أخضر اللون وقد ركز في أركان المشبك الأربعة أربعة أعلام خضر وفي رأسي علمين منها رمانة من النحاس الأصفر وفي رأسي العلمين الآخرين شبة كف من نحاس أيضاً. وفي أعلى الشباك المشرف على الطريق الكائن في جنب باب الإسطبل المعروف (بطولة الضابطية) أي إسطبل رجال المبذرقة مكتوب على خارجه بالقاشاني الأبيض يتخلله الأزرق ما نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم. إلا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. رئيس الشهداء. كنج عثمان. قد عمر هذا المكان صاحب الخيرات حسن باشا سنة ١١٣٣هـ (١٧٢١م). ويزوره الناس من أهل السنة والجماعة وينذرون له النذور وتشعل الشموع على قبره في ليلة كل جمعة. ٤ - معتقد العامة في طوب أبو خزامه وكيفية زيارتهم إياه. يعتقد العامة في طوب أبو خزامه ما يعتقدونه بالأنبياء والأولياء ويزعمون أنه ولي من أولياء الله تعالى فلذا تراهم يزورونه ويتبركون به ويطلبون منه تحقيق أمانيهم وتجد دائماً خرقاً معقودة بسلسلة الحديد والعروتين السالفتي الذكر وهذه الخرق ترمز إلى الأماني (أو المراد) ومن اعتقاداتهم فيه أنه لا يخيب قاصداً قط وفيهم كثيرون وينذرون له النذور ويسرجون حوله الشموع في ليلة كل جمعة وأكثر زواره وقصاده النساء وأكثرهن من أهل السنة والجماعة. ولا تقصده منهن إلا المرأة العقيمة فتمر أحشاءها عليه كي يعطيها ولداً. أو المقلات التي لا يعيش لها ولد فتأتي إليه بالمولود وهو ابن سبعة أيام وتدخله في فوهته وتخرجه تفعل ذلك ثلاث مرات. ثم تتوسل إليه أن يطيل الله عمر ولدها وتنذر له النذور وتفي بنذرها أن أعطاها مرادها. ومنهن (أعني من النساء) من في عينيها رمد فتأتيه قاصدة إياه للاستشفاء ببركته فتدخل رأسها في فوهته وتخرجه ثلاث مرات ثم تغسل شيئاً أو من السلاسل التي حوله بقليل من الماء وتداوي بها عينيها ثم تنذر له نذراً وإن زال الرمد منها وإذا تم ذلك وفت بنذرها

стр. 1426

في الحال ويعتقد مثل هذه الاعتقادات بعض الأغرار من الرجال لا سيما الأكراد منهم. ٥ - خرافاتهم في طوب أبو خزامه يزعم ضعفاء العقول في الانخفاض الموجود على ظهر المدفع إن هذا المدفع توقف عن السير يوم الحرب فغضب عليه السلطان مراد وضربه بجمع (أي بكف مجموعة أصابعها إلى راحتها) فحصل من تأثير ضربة السلطان هذا الغور. ويعتقدون في الصدع الذي في داخل فوهته أن هذا المحل هو مكان أنفه الذي كان فيه خزامة ولما استعصى على السير نتله السلطان مراد من خزامته فخرم أنفه وهذا أثر الخرم باق إلى اليوم. ويذهبون في وجود تسع السمكات الموجودة على ظهره إلى أن السلطان لما خرم أنفه غضب المدفع ورمى بنفسه في دجلة فخاض عليه السلطان مراد وأخرجه واسترضاه ولما خرج بانت على ظهره هذه السمكات ملصوقات إشارة إلى إنه ألقى نفسه حقيقة في دجلة لما سكن من غضبه ورضى على مراد خان أخذ السلطان ينثر له الدخن في ممره على الأرض ليسهل مروره عليها وهو ينساب الهوينا وفي أثناء الحرب نفذ ما عند الجند من البارود والرصاص والقنابل فأخذ الطوب يلهم التراب والحجارة من الأرض ويقذف بها الأعداء فتقع عليهم أشد من وقع القنابل الحقيقية والبارود الحقيقي عليهم وما زال هذا دأبه حتى فتح الله عليه. هذا خلاصة ما تعتقده العوام في (طوب أبو خزامة) وما يحكمونه من الأسباب التي سهلت للسلطان مراد خان فتح بغداد. وفي العراق كثير من مدافن الأئمة والمزارات التي هي أشباه (طوب أبو خزامة) لا بد أن نأتي على ذكرها في فرصة أخرى ولله في خلقه شؤون. كاظم الدجيلي المال حاكم وجدت ذات ليلة في مجلس كان فيه جماعة من الأحباب، يسحر كلامهم الألباب، فأخذنا نتجاذب أطراف أحاديث الأسبوع، حتى أدى بنا الموضوع إلى ما أحدثته يد الدهر من المصائب والأهوال التي يشيب لها الأطفال. ثم أنتثر عقد الجمع فانطلق كل واحد إلى بيته ورجعت أنا أيضاً إلى منزلي منزعج النفس مكدر ماء الخاطر فاضطجعت على فراشي وأفكاري في اضطراب عظيم ولا اضطراب

стр. 1427

البحر المتلاطم بالأمواج. فبينما أنا خائض عباب ذلك البحر والوساوس تتقاذفني وتلعب بي كل ملعب أقبل عليّ قاضي الوسن فحكم عليّ بالنوم ولم أعد أشعر بعدئذ بشيء من الهم والغم. وبينما أنا في تلك الحالة رأيتني كأنني أحوم حول بلد لم أر مثله في عالم اليقظة ثم دخلته فرأيته على غابة من الرقي والتمدن. فأخذت أطوف في أزقته وأسرح طائر النظر في معاهده وأبنيته وما حوته من النفائس والمآثر والحلل والأمتعة والخيل المسومة والأنعام الحسنة حتى سدر بصري وطاش سهم فكري وذلك لأني رأيت بجانبي قصراً شامخاً رفيع البناء مزيناً بأنواع الرياش الفاخرة تنيره الكهربائية الساطعة الضياء. وهناك رايات وأعلام مختلفة الأشكال تخفق على مرتفعات القصر. وكانت جدرانه من الداخل مفروشة بمنسوجات الحرير وأعمدته مغشاة بالبز الوهاج. يطوف حوله حرس من الجند موكلين بحفظه فأتيت أحدهم وخاطبته برفق وقلت له: لمن يا أخي هذه الدار المشيدة؟ قال إنها لسيد هذا البلد الأكبر. وإن أنت اختفيت في موضع لا يراك منه أحد تشهد حضور هذا السلطان العظيم. ففعلت بما أشار به عليّ وكمنت في غار كان هنالك يبعد عن القصر نحو قيد غلوة. وبينما أنا أترقب تلك الساعة العظيمة إذ سمعت أنغاماً عجيبة تلتذ بها الأسماع وتألفها القلوب النافرة. فاقبل جند لا يحصى عددهم وعلى أكتافهم البنادق وفوق رؤوسهم تخف الأعلام. ولما قربوا من القصر انقسموا شطرين كل شطر على جانب وقد اجروا ذلك بانتظام عجيب وأسلوب غريب. ولما دنا الملك صدحت آلات الطرب كأنها تسلم عليه وأجرى الجند مراسيم الاحترام لسيدهم الهمام حينما رأوه يخرج من القصر فإذا هو رجل جليل واسع الصدر صبيح الوجه ذو هيبة ووقار على رأسه إكليل مرصع بأنواع الجواهر ومن حوله عدة رجال كل منهم كالضرغام وقد شهروا بأيديهم البواتر وهم يمشون أمامه وخلفه يسرة ويمنة فلما رأى تلك الصفوف المعبأة رفع يده فسلم عليهم وهو يمر أمامهم ويشجعهم بألفاظ تتقد حماسة. ولما رأيته يمعن في السير خرجت من مكمني وما زلت أتتبعه عن بعد حتى رأيته أتى ضاحية المدينة فأتى له بكرسي فاخر وضعوه على أشرف مكان هناك وشرع يتكلم بكلام جهوري ترتعد له فرائص الأرض ومن جملة ما سمعته وحفظته قوله: أنا الحاكم الأكبر، أنا الذي تطاطئ لسطوتي رؤوس

стр. 1428

العوالم، أنا الذي أقيم الدنيا وأقعدها. أنا زينة النفوس الدنيوية التي جعلت هذه الحياة أقصى مناها ورغائبها، أنا الذي قيل عني: من كان يملك درهمين تعلمت ... شفتاه أنواع العلوم فقالا لولا دراهمه التي يزهو بها ... لوجدته في الناس أسوأ حالا إن الغني إذا تكلم بالخطأ ... قالوا صدقت وما نطقت محالا أما الفقير إذا تكلم كلمة ... قالوا كذبت وأنكروا ما قالا إن الدراهم في المواطن كلها ... تكسوا الرجال مهابة وجمالا فهي العلوم لمن أراد فصاحة ... وهي السلاح لمن أراد قتالا فلما أتم كلامه هرولت إليه ودنوت منه ومثلت بين يديه فقلت له: وما الذي يبعث في البلاد الرقي والعمران ويزيد فيها النماء والثروة قال هذه الأمور وهي: ١ - توفير النفقات وتدبير أمر المعيشة. ٢ - السعي وراء شق الأنهار وتحسين أمور الزراعة وتوسيع أبواب التجارة. ٣ - بث العلوم بين أكبر الناس وأصاغرهم لأنها أساس الصناعة التي هي مجلبة المال. ٤ - مساعدة الأهالي المعوزين بالمال وبجميع الذرائع التي تمهد لهم سبل السعادة. ٥ - نشر ألوية الآداب الصحيحة والفضائل القويمة وقطع دابر أهل الفساد. فلما رآني متطالاً إلى سماع أقواله الدرية قال: ومن أي قطر أنت؟. - قلت له: سيدي إني من ديار العراق من بلدة دار السلام، دار الحضارة والعمران في سالف الأيام. - فلما سمع هذه الكلمات أطرق ساعة ثم قال: نعم كانت الزوراء أم العلوم والمدنية، أم الحضارة والعمران، مقر الخلفاء العباسيين، مصدر أنوار العلماء العاملين. نفقت فيها التجارة، وتقدمت فيها الزراعة، واشتهرت فيها أرقى الصناعة، وانبثقت منها أنوار العلوم والفنون، بيد أن دخول (هولاكو) فيها تداعى ذلك البناء، فضلاً عن أنه هدم دور صنائعها وقوض معاهدها ودرس مدارسها وردم أنهرها فأخذت منه ذاك الحين بالهوى العجيب يوماً فيوماً. فلما نظرت ما حل بتلك الحاضرة من الرزايا والبلايا وخيانة الدهر لها لما ظعنت عنها فنزلت ديار الإفرنج واتخذتها إليّ مقراً لأني أيقنت حق اليقين أنها لا تعود إلى ما كانت؛ طالما يكون بيت المال فارغا. وما دام فيها. . . .!

стр. 1429

ولما وصل إلى هذه الألفاظ الأخيرة التفت إلى حاشيته وبدأ يخاطبهم بصوت خافت وأنا أنظر إليه حائراً بائراً. ثم نهض من مكانه فقام له الجند بالسلام كما فعلوا حينما قدم ورجع إلى البلد بتعظيم وتبجيل وأردت الدخول معه لكن حال بيني وبينه جماعات الناس وبينما كنت أحاول الانسلال بينهم شعرت كأن واحداً دفعني فصحوت من نشوة الكرى وقد انطبعت في مخيلتي الرؤيا التي رأيتها في عالم الخيال فوجدته مطابقاً لعالم المثال فاغرورقت عيناي بالدموع وقلت: رحماك يا رب رحماك! أسألك بأن تلطف بعبادك وتقيم لهم رجالاً ذوي حزم وعزم ينظرون في الأمور على ما هي ويتبصرون في العواقب لكي يعود إلينا طائر العمران، فيخفق بجناحيه على جميع هؤلاء السكان، فأنت الرحيم وأنت الرحمان. ٢٠ - ٨٠٤٠ الذرعة ١ - تمهيد بمناسبة ما حصل في العام الماضي من توالي شكايات الزراع وفي هذه السنة من تشكي الحكومة من الذرعة - واغلب الناس في الولاية فضلاً عن الموجودين خارجاً عنها، بل حتى موظفي (مأموري) الذرعة أنفسهم يجهلون أصولها (ومعاملاتها)، ولا لوم عليهم ولا تثريب لأنها خاصة بالعراق، بل ببعض أنحائه فقط، وذلك على قاعدة أن أحكام حكومتنا العثمانية جارية في الأغلب (على التعامل) (كما يقولون، أي على العادة الجارية في ذلك المحل منذ القدم) فلا تشبه معاملة معاملة حتى في الجنس الواحد - أحببت أن أبين حقيقتها ليعلمها الجميع ويطلعوا على خفاياها إطلاعاً كافياً بحسب الأماكن وقصدت نشر ذلك في مجلة (لغة العرب) لما هي عليه من كثرة الانتشار ولأن عموم الطبقات الراقية في كل البلاد يعيرونها الالتفات الجدير بها، ولأن مثل هذه الأمور لا فائدة من نشرها في صحف تقرأها العوام، فلهذا رأيت إبقاءها مخلدة في هذا التاريخ؛ والله المستعان. ٢ - تعريفها وذكر واضعها وسبب وضعها الذرعة (وزان سبعة) نوع من الضريبة تضرب على الأراضي أرزاً وأول من أقام أصولها مخلص بك دفتر دار ولاية بغداد (أي أمين خزينتها) في نحو سنة ١٢٧٧ مالية أي سنة ١٨٦١ ميلادية. وكانت الحكومة قبل ذلك تضمن الأراضي

стр. 1430

(وهم يقولون بهذا المعنى: تعطى الأراضي بالالتزام) والضامن (أي الملتزم) يقتسم المزارع مع الزراع وتأخذ ريعها (أي عوائدها)؛ فرأى المومأ إليه أن الزراع يسرقون القسم الكبير من محصولات التمن (أي ريع الأرز) وعند المقاسمة لا يبقى للضامن (أو الملتزم) إلا الشيء الطفيف أو يظلمهم فيأخذ منهم أكثر من حقه، وهو محق في ما يظنه. والسبب في سرقة الزراع هو جور العمال وطمع الضامنين معاً. أما طمع الضامنين فلأنهم كان يريدون الحصول على أضعاف ما سلموه إلى الحكومة. فضلً عما كانوا يؤدونه يومئذ للموظفين من كبير إلى صغير. وأما جور العمال فلأنه لم يكن للحكومة العثمانية مكافأة للمحسن ولا مجازاة للسارق الخائن كما كان دأبها. فكم سمعنا بمن أخذ منهم للمحاكمة ويكاد يتصور السامع أن المأخوذ يشنق عن قريب لأن جرمه عظيم، فلا تمر بضعة أيام حتى يسمع ببراءته رفقاً به وببيته. اللهم إلا كان الموظف (المأمور) صغيراً وسرقته حقيرة فحينئذ يعاقب، على حد قول الشاعر التركي: مليونله جالان مسند عزنله سرافراز ... برقاج غروشك مرتكبي جاي كركدر معناه: أن سارق الملائين قائم على منصة العزة اللائقة بجلاله، والمختلس، لبضعة غروش مستحق للسجن. ٣ - كيفية الذرعة يخرج بضعة موظفين (مأمورين) يرأسهم ناظر وتحت أيديهم ذارعون ومحافظون (واغلبهم لا يميز بين الزرع الذي يراه إن كان أرزا أو حنطة أو شعيراً) فيذرعون الأرض المزروعة بحبل طوله ٥٠ ذراعاً بذراع اليد الذي هو عبارة عن نصف متر فيكون طول الحبل نحو ٢٥ متراً. والأرض التي طولها حبلان في مثلهما عرضاً (أي ٥٠ متراً) يسمونها (مشارة) ولكون زرع الأرز يحتاج إلى كثرة المياه، يضطر الزراع لزرعه على حافات الجداول؛ ولكثرة الفلاحين تضيق عليهم الحافات فلذا يجعلون لكل فلاح على النهر فسحة يتراوح قدرها بين ٨ أذرع و٢٠ ذراعاً بذراع اليد أي ما بين ٤و١٠ أمتار. فهذا عرض الزرع. وأما طوله وهو ما يسمونه

стр. 1431

بلغتهم (النزال) فيمتد إلى ١٠٠ أو ٢٠٠ حبل والحبل كما ذكرناه نحو ٢٥ متراً فتتصل مزارع البعض بمزارع البعض الآخر تقريباً لأن كل طائفة من الفلاحين مربوطة بشيخ وهو الذي يسمونه (سركال). فإذا أتى الذراعون أخذوا أولاً بذرع (النزال) أي طول الزرع فلا يعارضهم أحد. لكن الطامة الكبرى في العرض إذ هناك تقوم قيامة الزراع مع الذراعين لأنهم إذا أرخوا الحبل أو شدوه أو بلوه بالماء حدث فرق كبير، إذ على الذراع الواحد يبني حساب طول المزرعة التي هي ١٠ آلاف ذراع أو أكثر أو أقل. فإن كان العرض ٨ أذرع وحصل النزاع على الواحد فهو الثمن بالنسبة إلى الزرع كله كما لا يخفى والفائز من أرضي الذراع فأغضى له عن ذراع أو نصفه! والويل لمن لم يرضه بل لمن أغضبه والعياذ بالله! على أن أمره أهون مما يليه من الأعمال لأن هذا العمل هو (أول عقبة) في هذا الصدد. (العقبة الثانية) التخمين وهو الخرص، فالخراص وهو المعروف عندهم (بالعمدة) ينظر الزرع بنظره الثاقب فيقول: إن هذه الأرض التي ذرعت فكانت ١٠ مشاور مثلاً: ٣ منها وصف زرعها أعلى (أي فاخر) و٢ أوسط و٢ أدنى. و١ عديم (أي كالعدم بمعنى ليس فيه حاصل) و٢ عائد والقول قوله؛ فإن رضي عن الفلاح قلل الأعلى وزاد في العديم أو العائد والعكس بالعكس. والرضا لم يكن إلا عن طمع في نفس الخراص بعد أن يكون قد تواطأ مع الفلاح على مغنم يجره منه كما هو مألوف العادة يومئذ. وهنا يحسن بنا أن نعرف القارئ بأمر الحساب: فالأعلى على حساب القاعدة يترك منه (أي يطرح منه) السدس في الهندية، والسبع في الشامية. والأوسط يلقى منه الخمس فلا يدخل في الحساب في الهندية. والربع في الشامية. وذلك لأن أراضي الشامية أقوى إنباتاً وأكثر ريعاً من أراضي الهندية، والعائد هو أن يخمن الخراص ما يعود

стр. 1432

إلى الحكومة من حاصلات الزروع من دون (تجبير) والتجبير عندهم هو هذا الحساب أو التنزيل الذي ذكرناه. فنقول مثلاً: إن هذه الأرض ذرعت فكانت عبارة عن ٤٠٠ مشارة فيها: ١٤٠ أعلى و١٠٠ أوسط و١٠٠ أدنى فالجملة ٣٤٠ وفيها ٣٠ عديماً لا حاصل فيه و٣٠ عائداً. فيكون صافي الزرع عن ١٤٠ مشارة الموصوف زرعها (بالأعلى) ١٢٠ بعد ترك السبع. وصافي ١٠٠ الأوسط ٨٠ بعد ترك الخمس وصافي ١٠٠ الأدنى ٧٥ بعد ترك الربع فجملة الصافي عن ٤٠٠ مشارة هو ٢٧٥ مشارة لا غير. وحاصل شلب المشارة الواحدة هو ٨٠٠ حقة من حقق الأستانة فيكون حاصل جميع تلك المشاور ٢٢٠. ٠٠٠ حقة. منها: النصف للفلاح اسماً أي ١١٠. ٠٠٠ والنصف الآخر أي ١١٠. ٠٠٠ يعطى خمسه للسركال أي ٢٣. ٠٠٠ والباقي أي ٨٨. ٠٠٠ هو حصة الحكومة. ويلحق بها العائد وهو عن الأرض الرديئة الزرع أي يؤخذ عن كل شارة نحو ٦٠ إلى ١٠٠ حقة حصة (الأميري) الميري. هذه صفة المقاسمة التي جرى عليها (التعامل) ذكرناها استطراداً للوقوف على حقائق الأمور وإلا لم يحن وقت ذكرها لأننا لم نزل في العقبة الثانية. (العقبة الثالثة) هي عقبة الكتاب والموظفين (المأمورين) فإن العمدة يقول للكاتب أكتب: الأعلى ١٤٠ (فيقيدها ٢٠٠) والأوسط ١٠٠ (فيدونها ١٤٠) والأدنى ١٠٠ (فيحررها ٢٠) والعديم. . . والعائد. . . فيقول لسان حال الكاتب: (وأذني عن الفحشاء صماء. وكثيراً ما جرى مثل هذه المعاملة معاملة الكاتب لتقييد حاصلات الزراع فكانوا يأخذون أوراقاً من العمدة تشهد بحاصل زرعهم فإذا أتوا لمقابلته بما في دفتر الكاتب يرون الخلاف فتكثر الجلبة ويعلو الصياح وتشتد المخاصمة حتى أنها ربما تنتهي إلى امتشاق الحسام كما جرى الأمر غير مرة. اللهم إلا أن يكون قد وقع التراضي مع الموظف أيضاً فالويل حينئذ للخزينة. (العقبة الرابعة) أمر تخمين الأسعار. إن الأسعار يقدرها القضاء فيزيدها اللواء وربما زادتها الولاية. فيجري بهذا الخصوص مخاصمات كثيرة حتى يبلغ فيها السيل

стр. 1433

الزبى. أما سعر الحقة على الغالب فهو ٢٠ فيكون حاصل ال ٤٠٠ مشارة التي ذكرناها فويق هذا أي حصة الأميري منها ٤٤٠ ليرة على الفلاح أن يؤديها كيفما كانت الحال. وزد على ما تقدم فعل الحكومة فإنها تأخذ من الفلاح دراهم على الحساب قبل إدراك زرعه فتطلب مثلاً من هذا الرجل الذي سيكون حاصل زرعه ما حصته الأميرية ٤٤٠ من ٢٠٠ إلى ٣٠٠ ليرة (على الحساب) وتضطره إلى الدفع بالجنود والإرهاق فيضطر إلى بيع الحاصل قبل إدراكه ويبيع للتجار التيغار الذي هو عبارة عن ١٦٠٠ حقة بثلاث ليرات أي أنه يبيع الحقة بسبع بارات ونصف إلى ثمان. وهذا البيع يعرف عندهم باسم (على الأخضر) فيأخذ منهم الدراهم ويدفعها إلى الحكومة. وعلى هذا الحساب تكون أثمان جميع حاصلاته ٤١٢ ليرة. وعند الحساب المار ذكره يكون عليه من الرسم الأميري ٤٤٠ ليرة (هذا إن كان السعر كما ذكرنا وهو ما يكون في السنين الرخية الأسعار. وأما في سنة غلاء الأسعار فالمثل يكون مثلين. وهذا كله يجري في أنحاء الهندية والشامية وأما في العمارة وما جاورها فرسم الحكومة مقطوع وهو ليرة عثمانية عن كل مشارة سواء زاد السعر أو نقص. ولذلك قلنا أن معاملة الحكومة تجري (على التعامل) إذ في كل موطن نوع معاملة وبعد هذا يريد منه الشيخ حصته فيضطر إلى البيع على السنة القادمة فيدفع

стр. 1434

إلى الشيخ طلبه. وفي القابل (العام الذي هو بعد العام الحاضر) لا يفي زرعه لأداء ما عليه من الدين ولما يحتاج إليه من الطعام واللباس فيضطر إلى مماطلة الحكومة. فتبقى البقايا في الدفاتر فترى حاصل الشامية مثلاً ٨٠ ألف ليرة. فيدخل منها الصندوق من ٢٠ إلى ٣٠ ألفاً فقط والباقي يدون في الدفاتر باسم (بقايا) وهلم جراً. فيسبب هذا الارتباك الحروب وهلاك الأنفس. هذا ما كانت عليه الحالة في العهد البائد الاستبداد والتحكم ولا يظن القارئ إن في الأمر مبالغة أو إغراقاً، كلا وألف كلا، بل فيه تهوين وتقليل. أما الآن فلكوني اعتزلت المداخلات لا اعلم كيف تجري المعاملة في هذا الخصوص!!! لكن مادة الذرعة والحصة والتجبير باقية على حالها بدون أدنى خرق لأنها معاملة رسمية. وفي العام الماضي تولى نظارة الذرعة دفتر دار الولاية (أمين خزينتها) توفيق بك وأوصل الرسوم الأميرية إلى ١٢٠ ألف ليرة فصاحت العشائر وناحت (لأنها كانت تتراوح في السنوات الماضية بين ٣٠ و٥٠ ألفاً) ولكن بدون جدوى. وبقي منها قسم دون في دفتر البقايا حسب العادات القديمة. - وفي هذه السنة خرج الموظفون بنظارة متصرف الديوانية رشيد بك فكانت الظواهر تدل على أن الحصة الأميرية ستكون ما بين ٤٠ إلى ٣٠ ألف ليرة؛ فقامت قيامة الحكومة وعزل المتصرف وجرت المفاوضات بين الولاية والأستانة فكانت نهاية الأمر ورود الجواب من نظارة المالية أن يؤخذ من الزراع الحاصل المعدل تخميساً أي بحسب حاصل خمس سنوات يؤخذ منها خمسها. فالزراع يقولون: نعم لكن بشرط عدم إدخال السنة الماضية في السنوات الخمس لأنا مظلومون فيها ظلماً فاحشاً ظاهراً لكل ذي عينين فلعل الحكومة تصغي إليهم. وهي اعلم بأمرها معهم. قلنا: والسبب الذي الجأ ذوي الأمر إلى حساب خمس حاصل الأعوام الخمسة السابقة هو أن أرض زرع الأرز بعد حصاده يغمرها أصحابها بالمياه خدمة للزرع المستقبل فلا يمكن إعادة ذرعها وإن يكن قد سبق للحكومة ذرع الأرض بعد حصادها وتخمين العمدة لحسن الزرع وسوئه وإن كان مغموراً بالماء فهو من باب المكاشفة

стр. 1435

لكن الحكومة الدستورية لم تشأ مجاراة الحكومة السابقة في هذا العمل أيضاً! أما السراكيل أو المشايخ فهم يأخذون خمس حصة الحكومة كما ذكرنا ويأخذون من حصة الفلاح نصفها أو أقل قليلاً من النصف ومن هذا كله تعلم دركة حالة الفلاح العراقي. أنعشه الله وأقاله! أحمد رفيق أربع أسر بلا أثر (تتمة) ٣ - أسرة مركار آغا إن مركار آغا أو أغا مركار بن افيد خلداريان الأرمني غير الكاثوليكي والمولود في جلفا (قرب اصفهان) كان وكيلاً في بغداد لشركة الهند الإنكليزية التي ينبغي أن نعرف أمرها للقراء ليحطوا علماً بمقام هذا الرجل وعليه نقول: في سنة ١٥٩٩ أسس بعض التجار الإنكليز في لندن شركة ذات امتياز غايتها التجارة في بلاد الهند ولم يكن رأس مالها أول بدء سوى ٦٤. ٠٠٠ ليرة. لكن لم يمض على تأسيسها قليل من الزمن إلا وأخذت تكبر وتتسع وتنجح نجاحاً لا مزيد عليه وخاصة عندما انضم إليها ثلاث شركات أخرى إنكليزية فإنها أصبحت إذ ذاك كدولة صغيرة في تلك الأقطار تنفذ الوفود والسفراء إلى ملوك وأمراء الشرق وتضرب معهم العهود التجارية والسياسية ويمخر أسطولها عباب بحر الهند وخليج العجم وتفتح عساكرها المدربة على الطريقة الأوربية البلاد الواسعة وتشيد الحصون المنيعة وتعززها بما لديها من القوة استتب لها إخضاع القسم الأكبر من الهند لسلطانها وكسر شوكة مزاحميها من بورتوغاليين وهولنديين فرنسيين وهكذا أصبحت أو كادت تصبح انكلترة الحاكمة الوحيدة في هندستان المأهولة بمئات ملايين من النفوس

стр. 1436

لأن الشركة - التي كانت قد فقدت شيئا من استقلالها من سنة ١٧٧٣ - ألغيت في ١ تشرين الثاني سنة ١٨٥٨ وانضمت أملاكها إلى مملكة بريطانيا العظمى وذلك أثر قمع ثورة أثارها العسكر الهندي المدعو سيباهي (وهي كلمة فارسية معناها العسكر). فهذه الشركة كان لها في البصرة تجارة واسعة وقنصل حائز على امتيازات جمة منها حرسه الخاص به فإنه كان مؤلفاً من ٥٠ سيباهياً وعند أبواب قصره مدافع مصفوفة وكان يطيعه خيالة يمشون أمامه وبأيديهم الدبابيس المفضضة وغير ذلك من الامتيازات التي لم يحصل على بعضها سفراء انكلترة أنفسهم لدى الباب العالي. هذا في البصرة وأما في بغداد فكان للشركة عامل أو وكيل للقيام ببعض شؤونها ولتبليغها الأخبار التجارية والسياسية وما أشبه ذلك بواسطة قنصل البصرة المنوطة به وكالة بغداد وعرض الوكلاء الذين كانوا غالباً من مسيحيي الشرق وظلت هذه الحالة حتى سنة ١٧٩٨ التي أرسلت فيها الشركة المستر جونس وكان أول قنصل إنكليزي في بغداد فعينت الحكومة العثمانية داراً لسكناه وسمحت أن يكون له شرذمة من السيباهية.

стр. 1437

فمركار أغا الذي نحن بصدده كان أحد هؤلاء الوكلاء وكان يتعاطى التجارة أيضاً وقد ذكره الرحالة ستيني الإيطالي في كتاب رحلته من الأستانة إلى البصرة سنة ١٧٨١ باسم خوجا مركار ولما كان وقتئذ في البصرة كان ينوب عنه في بغداد رجل أرمني أيضاً اسمه مانوك وهو إنسان خشن وفظ وطماع ومحب للمال كثيراً واغلب المسافرين الإنكليز كانوا يتشكون من طمع وكلاء الشركة في بغداد (أنظر رحلة سستيني بالفرنسية صحيفة ١٦٠ و١٦٦) ولدى مكاتيب قديمة أرمنية يذم فيها مركار اغا ذم حسود وهو الذي ساعد اليعاقبة غير مرة على إنجاز مقاصدهم ضد السريان الكاثوليك ولو أنه كان يتفق تارةً مع الكاثوليك وطوراً يلازم الحياد تسوقه يد أعلى منه. وكان أحد المساعدين له في أعماله هذه العدائية الكسان اغابن مرادخان أحد تجار الزوراء من الأرمن الغير الكاثوليك (أنظر عناية الرحمان في هداية السريان صحيفة ٢٩٠ و٣٠٢ و٣٢٨ و٣٦١). وقد تأهل مركار اغا بكترينة ابنة ميخائيل راجي الطبيب الماروني المار ذكرها بشرط أن يتبع الأولاد الذكور أباهم في معتقده وتتبع الإناث أمهن الكاثوليكية وكان كذلك وأما أولاده فهم: اوصنا التي توفيت في شهر ك ٢ سنة ١٨٤٢ وهي امرأة كوركيس بن قسطنطين الكلداني أي والد فريدة امرأة الياس عيسى الأولى وأختها شموني امرأة حنا كركجي الأرمني الكاثوليكي. انشتى (حنة) التي توفيت في ٢٥ نيسان سنة ١٨٥٨ وسيأتي الكلام عنها مرة ثانية. افيد أو اغا أفيد الذي توفي في ٨ ت ١ سنة ١٨٥٧ وكان قد سافر مرة إلى العجم وقضى معظم عمره بالبطالة وكان يقول لمن يحرضه على أن يدين بالكثلكة: حاشا لأبن اغا مركار أن يصير كاثوليكياً ولو تكون جهنم نصيبه لأني أريد أن أذهب إلى حيث ذهب والداي وسيذهب اغا ميناس واغا خاجيك (وهما من وجوه الأرمن الغير الكاثوليك) وكان وفاة مركار اغا في المدة التي بين سنة ١٧٩٤ وسنة ١٧٩٧. وأما زوجته كترينة المعروفة في بغداد بكتة خاتون أو جدة كتة فتوفيت في ١١ أيلول سنة ١٨٦٢ وشيع القنصل الإنكليزي جنازتها ووضعت الراية الإنكليزية على تابوتها وفي قيد حياتها كانت قنصلية الإنكليز في بغداد تؤدي لها شهرياً ١٠٠

стр. 1438

قران (وكان سعر القران يومئذ ٥ غروش صحيحة) ويقال أنها كانت من النساء المعدودات يزورها الرفيع والوضيع وذات صوت رخيم تعدد في مآتم الأهل والأصدقاء وتجلو عرائسهم كعادة نصارى بغداد في ذلك الوقت وهذه العادة التي تسمى الجلوة لم تزل جارية عند الإسلام واليهود وأما عند النصارى فقد أهملت من نحو ٣٠ سنة. ٤ - أسرة أرتين يا مرجي أو يارمجيان

стр. 1439

في الربع الأخير من القرن الثامن عشر قدم بغداد عدة أشخاص من أرمن الاستانة للتجارة والإرتزاق فواحد منهم كان ارتين يامرجي الأرمني الكاثوليكي وكان قد أرسله أحد أقاربه التجار في استانبول ليتعاطى البيع والشراء في بغداد ويربح كغيره من مواطنيه الذين سبقوه غليها إلا أن الحظ لم يسعده أن يحصل على ثروة تذكر وقد اقترن بأنشتى مركار اغا المار ذكرها وتوفي في يوم نجهله وإليك أسماء بناته الأربع: ديروهي (سيدة) التي توفيت في ٦ شباط سنة ١٨٣٧. تريزيا التي توفيت في ١ تموز سنة ١٨٤٥ وكانت من النساء ألعابدات الناسكات. اغنيس التي توفيت في ١١ آب سنة ١٨٧١ وهي امرأة الياس عيسى الثانية، شمة (شموني) التي توفيت في ٣٠ آيار سنة ١٨٨٣ وهي امرأة انطون اسطنبولي الأرمني الكاثوليكي أعني به والد اليزة خاتون (مدام روبين) فسبحان الحي البافقي الذي لا يفنى زلا يزول. الأبيل نرسيس صائغيان باب المكاتبة والمذاكرة ١ - بنية بن جرينس أو قرينيص أو قرينس أو بنية بن مزبان كنا قد كتبنا في حاشية ٣: ٢٩٣ أسطراً في شأن بنية بن جرينس أو قربنيص أو قرينس الجرباء وقلنا أنه من شمر طوقة وكان اعتقادنا كذلك وفي الشهر الماضي ذهبنا إلى زيارة حضرة السيد محمود أفندي النقيب في بغداد فصادفنا في ناديه الشيخ مجول بن فرحان الجرباء أحد الشيوخ شمر الغربيين، والحاج عباس العلي كبير أهل الكوت ولما استقر بنا الجلوس أخذنا نتجاذب أطراف الأحاديث كما هي عادة الزائر والمزور وبعد هنيهة قال حضرة السيد محمود أفندي إنكم ذكرتم أن بنية من شمر طوقة والصحيح أنه من شمر الغربيين ثم التفت إلى الشيخ مجول المتقدم ذكره وقال أليس ما أقوله صحيحاً؟ فقال الشيخ مجول بلى وهو من المحمد ابن أخي فارس

стр. 1440

الجرباء والدجدي صفوق. وليس اسم أبي بنية جرينس بل اسمه قرينيص فقلنا إذا كان الأمر كذلك فما المناسبة لدفنه في النجف وتشييد هذا البناء على قبره وهو مخالف لمعتقد شمر الغربيين سيما وهم من أهل السنة والجماعة فقال إن قتل بنية كان في أرض الخزاعل وهم الذين دفنوه في النجف فقلنا إذا فرضنا جدلاً أنهم دفنوه في الغرى فمن الذي انفق على هذا البناء الفخم والقبة المغشاة بالقاشاني المبالغ الطائلة فلم يأت بدليل مقنع ثم قلنا أما دليلنا نحن على أنه من شمر طوقة فلأن شمر طوقة هم على مذهب الشيعة وهم يدفنون موتاهم في النجف وكربلاء فلا شك أنه كان منهم وهم الذين شيدوا على قبره هذا البناء. ثم انتبه الحاج عباس العلي السالف الذكر لقولي (دفنه في النجف وتشييد البناء على قبره) وقال لي صف لي قبره فوصفته له فقال: (هذا الذي تعنيه هو قبر بنية رئيس عشيرة بني لام وليس قبر بنية الذي جرى الكلام عليه وقد توفى رئيس عشيرة بنى لام المذكور في حدود سنة ١٣١٣هـ ١٨٩٥م والمشيد على قبره هذا البناء هو ابنه غضبان الرئيس الحالي لعشيرة بني لام) اهـ. وقد راجعنا بعض المجاميع فوجدنا الأمر كما ذكره القوم. ثم بعد أسبوع صادفنا الشيخ مجول السالف الذكر وقال لنا: (إن قبر بنية الجرباء اليوم واقع في الجنوب الشرقي من (أم البعرور أو لحميدية) من أرض الشامية على بعد ٤ أو ٥ ساعات) فنحن نشكر حضرات الجميع على إفادتهم إيانا وتنبيههم على أغلاطنا سيما نشكر لحضرة السيد محمود أفندي النقيب لأنه هو السبب في ذلك ويا حبذا
следующие страницы →