Полный текст (6 158 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
لأن الشركة - التي كانت قد فقدت شيئا من استقلالها من سنة ١٧٧٣ - ألغيت في ١ تشرين الثاني سنة ١٨٥٨ وانضمت أملاكها إلى مملكة بريطانيا العظمى وذلك أثر قمع ثورة أثارها العسكر الهندي المدعو سيباهي (وهي كلمة فارسية معناها العسكر).
فهذه الشركة كان لها في البصرة تجارة واسعة وقنصل حائز على امتيازات جمة منها حرسه الخاص به فإنه كان مؤلفاً من ٥٠ سيباهياً وعند أبواب قصره مدافع مصفوفة وكان يطيعه خيالة يمشون أمامه وبأيديهم الدبابيس المفضضة وغير ذلك من الامتيازات التي لم يحصل على بعضها سفراء انكلترة أنفسهم لدى الباب العالي. هذا في البصرة وأما في بغداد فكان للشركة عامل أو وكيل للقيام ببعض شؤونها ولتبليغها الأخبار التجارية والسياسية وما
أشبه ذلك بواسطة قنصل البصرة المنوطة به وكالة بغداد وعرض الوكلاء الذين كانوا غالباً من مسيحيي الشرق وظلت هذه الحالة حتى سنة ١٧٩٨ التي أرسلت فيها الشركة المستر جونس وكان أول قنصل إنكليزي في بغداد فعينت الحكومة العثمانية داراً لسكناه وسمحت أن يكون له شرذمة من السيباهية.
стр. 1437
فمركار أغا الذي نحن بصدده كان أحد هؤلاء الوكلاء وكان يتعاطى التجارة أيضاً وقد ذكره الرحالة ستيني الإيطالي في كتاب رحلته من الأستانة إلى البصرة سنة ١٧٨١ باسم خوجا مركار ولما كان وقتئذ في البصرة كان ينوب عنه في بغداد رجل أرمني أيضاً اسمه مانوك وهو إنسان خشن وفظ وطماع ومحب للمال كثيراً واغلب المسافرين الإنكليز كانوا يتشكون من طمع وكلاء الشركة في بغداد (أنظر رحلة سستيني بالفرنسية صحيفة ١٦٠ و١٦٦) ولدى مكاتيب قديمة أرمنية يذم فيها مركار اغا ذم حسود وهو الذي ساعد اليعاقبة غير مرة على إنجاز مقاصدهم ضد السريان الكاثوليك ولو أنه كان يتفق تارةً مع الكاثوليك وطوراً يلازم الحياد تسوقه يد أعلى منه. وكان أحد المساعدين له في أعماله هذه العدائية الكسان اغابن مرادخان أحد تجار الزوراء من الأرمن الغير الكاثوليك (أنظر عناية الرحمان في هداية السريان صحيفة ٢٩٠ و٣٠٢ و٣٢٨ و٣٦١).
وقد تأهل مركار اغا بكترينة ابنة ميخائيل راجي الطبيب الماروني المار ذكرها بشرط أن يتبع الأولاد الذكور أباهم في معتقده وتتبع الإناث أمهن الكاثوليكية وكان كذلك وأما أولاده فهم:
اوصنا التي توفيت في شهر ك ٢ سنة ١٨٤٢ وهي امرأة كوركيس بن قسطنطين الكلداني أي والد فريدة امرأة الياس عيسى الأولى وأختها شموني امرأة حنا كركجي الأرمني الكاثوليكي.
انشتى (حنة) التي توفيت في ٢٥ نيسان سنة ١٨٥٨ وسيأتي الكلام عنها مرة ثانية.
افيد أو اغا أفيد الذي توفي في ٨ ت ١ سنة ١٨٥٧ وكان قد سافر مرة إلى العجم وقضى معظم عمره بالبطالة وكان يقول لمن يحرضه على أن يدين بالكثلكة: حاشا لأبن اغا مركار أن يصير كاثوليكياً ولو تكون جهنم نصيبه لأني أريد أن أذهب إلى حيث ذهب والداي وسيذهب اغا ميناس واغا خاجيك (وهما من وجوه الأرمن الغير الكاثوليك) وكان وفاة
مركار اغا في المدة التي بين سنة ١٧٩٤ وسنة ١٧٩٧.
وأما زوجته كترينة المعروفة في بغداد بكتة خاتون أو جدة كتة فتوفيت في ١١ أيلول سنة ١٨٦٢ وشيع القنصل الإنكليزي جنازتها ووضعت الراية الإنكليزية على تابوتها وفي قيد حياتها كانت قنصلية الإنكليز في بغداد تؤدي لها شهرياً ١٠٠
стр. 1438
قران (وكان سعر القران يومئذ ٥ غروش صحيحة) ويقال أنها كانت من النساء المعدودات يزورها الرفيع والوضيع وذات صوت رخيم تعدد في مآتم الأهل والأصدقاء وتجلو عرائسهم كعادة نصارى بغداد في ذلك الوقت وهذه العادة التي تسمى الجلوة لم تزل جارية عند الإسلام واليهود وأما عند النصارى فقد أهملت من نحو ٣٠ سنة.
٤ - أسرة أرتين يا مرجي أو يارمجيان
стр. 1439
في الربع الأخير من القرن الثامن عشر قدم بغداد عدة أشخاص من أرمن الاستانة للتجارة والإرتزاق فواحد منهم كان ارتين يامرجي الأرمني الكاثوليكي وكان قد أرسله أحد أقاربه التجار في استانبول ليتعاطى البيع والشراء في بغداد ويربح كغيره من مواطنيه الذين سبقوه غليها إلا أن الحظ لم يسعده أن يحصل على ثروة تذكر وقد اقترن بأنشتى مركار اغا المار ذكرها وتوفي في يوم نجهله وإليك أسماء بناته الأربع:
ديروهي (سيدة) التي توفيت في ٦ شباط سنة ١٨٣٧.
تريزيا التي توفيت في ١ تموز سنة ١٨٤٥ وكانت من النساء ألعابدات الناسكات.
اغنيس التي توفيت في ١١ آب سنة ١٨٧١ وهي امرأة الياس عيسى الثانية، شمة (شموني) التي توفيت في ٣٠ آيار سنة ١٨٨٣ وهي امرأة انطون اسطنبولي الأرمني الكاثوليكي أعني به والد اليزة خاتون (مدام روبين) فسبحان الحي البافقي الذي لا يفنى زلا يزول.
الأبيل نرسيس صائغيان
باب المكاتبة والمذاكرة
١ - بنية بن جرينس أو قرينيص أو قرينس أو بنية بن مزبان
كنا قد كتبنا في حاشية ٣: ٢٩٣ أسطراً في شأن بنية بن جرينس أو قربنيص أو قرينس الجرباء وقلنا أنه من شمر طوقة وكان اعتقادنا كذلك وفي الشهر الماضي ذهبنا إلى زيارة حضرة السيد محمود أفندي النقيب في بغداد فصادفنا في ناديه الشيخ مجول بن فرحان الجرباء أحد الشيوخ شمر الغربيين، والحاج عباس العلي كبير أهل الكوت ولما استقر بنا الجلوس أخذنا نتجاذب أطراف الأحاديث كما هي عادة الزائر والمزور وبعد هنيهة قال حضرة السيد محمود أفندي إنكم ذكرتم أن بنية من شمر طوقة والصحيح أنه من شمر الغربيين ثم التفت إلى الشيخ مجول المتقدم ذكره وقال أليس ما أقوله صحيحاً؟ فقال الشيخ مجول بلى وهو من المحمد ابن أخي فارس
стр. 1440
الجرباء والدجدي صفوق. وليس اسم أبي بنية جرينس بل اسمه قرينيص فقلنا إذا كان الأمر كذلك فما المناسبة لدفنه في النجف وتشييد هذا البناء على قبره وهو مخالف لمعتقد شمر الغربيين سيما وهم من أهل السنة والجماعة فقال إن قتل بنية كان في أرض الخزاعل وهم الذين دفنوه في النجف فقلنا إذا فرضنا جدلاً أنهم دفنوه في الغرى فمن الذي انفق على هذا البناء الفخم والقبة المغشاة بالقاشاني المبالغ الطائلة فلم يأت بدليل مقنع ثم قلنا أما دليلنا نحن على أنه من شمر طوقة فلأن شمر طوقة هم على مذهب الشيعة وهم يدفنون موتاهم في النجف وكربلاء فلا شك أنه كان منهم وهم الذين شيدوا على قبره هذا البناء.
ثم انتبه الحاج عباس العلي السالف الذكر لقولي (دفنه في النجف وتشييد البناء على قبره) وقال لي صف لي قبره فوصفته له فقال: (هذا الذي تعنيه هو قبر بنية رئيس عشيرة بني لام وليس قبر بنية الذي جرى الكلام عليه وقد توفى رئيس عشيرة بنى لام المذكور في حدود سنة ١٣١٣هـ ١٨٩٥م والمشيد على قبره هذا البناء هو ابنه غضبان الرئيس الحالي لعشيرة بني لام) اهـ.
وقد راجعنا بعض المجاميع فوجدنا الأمر كما ذكره القوم. ثم بعد أسبوع صادفنا الشيخ مجول السالف الذكر وقال لنا: (إن قبر بنية الجرباء اليوم واقع في الجنوب الشرقي من (أم البعرور أو لحميدية) من أرض الشامية على بعد ٤ أو ٥ ساعات)
فنحن نشكر حضرات الجميع على إفادتهم إيانا وتنبيههم على أغلاطنا سيما نشكر لحضرة السيد محمود أفندي النقيب لأنه هو السبب في ذلك ويا حبذا
стр. 1441
لو حصل لنا من يدلنا على خطأنا ويرشدنا إلى الصواب إذ الإنسان موضع الخطاء والنسيان والكمال لله وحده.
كاظم الدجيلي
٢ - الهيلاج ومعناها
كتبت لغة العرب مقالةً في أصل هذا المعنى ولما كان ختام الكلام حمل القارئ على إبداء رأيه إن كان له رأي يخالف رأي صاحب المقالة جئت بهذه الأسطر لأعرض للمطالع ما عن لي، فأقول: (كدخداه وهيلاج) لفظتان فارسيتان لا يقوم معنى الواحدة منهما بدون الأخرى لأنهما قد ارتبطتا معنى ارتباط الروح بالجسد وعندي أن (كد خداه) محرفة عن (زاد خداه) ومعناها الحرفي (مولود الله) لأن (زاد) بالفارسية (مولود) و (خداه) (الله) فيكون مؤداهما (المولود من الله) وذلك لأن مصدر الروح هو سبحانه .
أما (هيلاج) فهي عندي مصحفة عن (هل) و (لاش) ومعناهما (دع الجثة الهامدة) أي الموت وبعبارة أخرى (دم سعيداً) أو (عش دهراً طويلاً) أو عن (هج) مقوم و (لش) جثة أي (مقوم الجثة ومصلحها) وصفوة القول أن المرام بهاتين اللفظتين الروح والهيولي (أي المادة) لأن في اصطلاح المنجمين (كدخداه) اسم دليل روح المولود و (هيلاج) اسم دليل جسم المولود وقد استعيرنا مجازاً لأسمى نجمين يراد بهما نجما المولود. وإثباتاً لما نحن بصدده نورد نص صاحب كتاب شفاء الغليل: (كدخداه وهيلاج) هما كوكبا المولود، فلأول لرزقه والثاني لعمره، فإن ولد في صعوده كان زائداً فيه وإن كان في هبوطه كان بعكسه. وهذا مما ذكره الحكماء والمنجمون وأرباب المواليد وعربوه قديماً) اهـ.
ومما يؤيد ظني أن (هيلاج) لفظة فارسية اتجار أن الفرس القدماء كانوا يتعاطون علم التنجيم وقد نبغ فيهم منجمون عديدون برعوا في هذا العلم ووضعوا ألفاظا عديدة من جملتها (هيلاج) بمعناها الآنف الذكر.
هذا ما عن للخاطر الكليل. ولعلى قد أخطأت أكثر مما أصبت. غير أن أملي في كبار حملة الأقلام هو العذر المشفوع بالسلام.
رزوق عيسى
(لغة العرب) لا يكفي للباحث أن يقول أن الكلمة الفلانية هي من الأصل الفلاني ما لم
стр. 1442
يأت بشاهدٍ أو سندٍ يثبت مدعاه. وإلا فإن المخيلة تختلق أموراً كثيرة لتؤيد ما تتوهمه. ألم يقل العرب الأولون إن إبليس من البلس والخندريس من خدر العروس والاطربون من الطرب ونحو هذه كالإسطرلاب والنوتي والتاريخ والاركون والاردمون والمنجنيق وغيرها تعد بالعشرات. فلقد تخيلوا لها أصولاً غريبة من عربية وأعجمية. واليوم لا يقبل بهذه الآراء. - (أعني أراء أئمة لغويي العرب في سابق العهد) - طلبة الكتاتيب فضلاً عن طلبة العلم الأفاضل ولهذا نستبعد رأي حضرة الكاتب الأديب بل ولا نعرضه بين الآراء ما لم يأتنا بنقول أو نصوص أو شواهد أبين وأدل على ما ننشده.
٣ تصحيحات لما في العدد السادس من السنة ٣
تلقينا هذا الرسالة من أحد مشاهير أدباء بغداد فأدرجناها بحروفها. ونحن نشكر الكاتب عليها ونلتمس إلى كل فاضلٍ أن ينبهنا على أغلاطنا إذ فتحنا هذا الباب لهذه الغاية
حضرة الفاضل الأديب المحترم،
غيرة على مجلتكم الزاهرة من وقوع ما هو مغاير للحقيقة ومحاشاة لسمعتها جئت بهذه الأسطر راجياً درجها إن وافق نظركم ذلك وإلا فإهمالها وعدمه سواء
قرأت في العدد السادس من السنة الثالثة في الصحيفة ٣١٣ بحثاً عن معنى العب وقد أجدتم في التنقيب عنه غير أنكم ذكرتم أنه عند العراقيين جيب العب وهو الجيب الذي يلي الصدر في الثوب أو في الصدرة والحال أن العب المتعارف عند العراقيين ليس بذاك بل هو ما يكون فوق الحزام أعني غير الجيب لأن الجيب هو الذي يشبه الكيس المخيط بالثوب والعب هو (ما إذا كان فيه شيء وانحل الحزام يسقط في الأرض) وسواء كان الحزام على الثوب أو على ما يسمونه بالزبون الذي يسميه الشاميون (القنباز) والعرب (القباء) أو على العباءة أو الجبة أو غير ذلك فكل فرجة بين الثياب فوق الحزام تسمى عباً وتعريفه: (ما لا يحفظ شيئاً بدون ربط (الحزام) عليه والحزام هو الزنار عند العرب الأقدمين.
وفيه في الصحيفة ٣١٧ أن بحيرة النجف نشفت منذ سنة ١٣٠٥ (١٨٨٧م) والحال في تلك السنة غرق فيها مئات من السفن في يوم شديد الرياح كما ذكرته لكم في مسألة البرد (وزان
سبب) ونشافه. كان بعد نحو ٣ أو ٤ سنوات فيلزم تصحيح ذلك خدمة التاريخ.
وفيه في الصحيفة ٣٢١ تأويلكم معنى شظ بأن اصلها شط قلنا والأصح أن أصل ذلك من شذ شذوذاً والغالب في سبب هذا التحريف أن كاتباً سمعها من أحد الأعاظم
стр. 1443
من أولئك الذين يلفظونها (شز) بالزاء وإذ أن بعضهم يلفظون الذال والظاء زاء ظن أن المراد الظاء ولم يتبادر إلى ذهنه أنها الذال. هذا ما سنح للبال.
وفي ص ٣٦٨ فسر الكاتب كلمة (الشلفة) بالرمح. وهي ليست به فالشلفة حديدة عريضة محددة تكون في موضع السنان وهي من الارمية (شلفا) بمعناها ويراد بها أيضاً الحرية والنصل والسكين والمدية وكل شفرة بلا مقبض. بل والشفرة نفسها. أو من (شلفتا) وهي الشفرة التي لها حدان.
وأدل دليل على أن الشلفة غير الرمح أنهم يقولون (رمح أبو شلفة) أي ذو شلفة. وعندهم أن من يطعن بالشلفة لا بد أن يموت. ومثله تأثيراً ما يسمونه (أبو شراشيب) وهو ما يناط برأسه سلاسل صغار من الحديد. أما ما يوضع في أسفل الرمح فهو الزج وهم يسمونه اليوم (العكوز).
وورد في ص ٣٧٢ س ١٢ لعمر وأبيك والصحيح لعمر أبيك بدون واوٍ وهو ولا شك من المرتب (المنضد). فسبحان من لا عيب فيه.
عبد اللطيف ثنيان
٤ - أنهر البصرة
سيدي الفاضل صاحب (لغة العرب)
سلام واحترام. أما بعد فقد جمعني وبعض الأصحاب بالأمس مجلس أدب فأخذنا نتجاذب أطراف الكلام حتى أفضى بنا الحديث إلى ذكر مجلتكم وخدماتها الجليلة للقطر العراقي خاصة فانبرى أحد الحضور قائلاً لقد قرأت ما ورد في صفحة ٢٢٠ من (عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد) للسيد إبراهيم فصيح بن صبغة الله الحيدري المدرج في الحاشية من (لغة العرب) ٣: ٥٩ وهو (أما الأنهر والجداول المتفرعة من تلك الأنهر المذكورة فتبلغ أكثر من عشرة آلاف نهر والعشائر الساكنة في هذه المحال بين البساتين لا يحصى عددها. أهـ.) وقد صرح أن في ذلك العدد مبالغة جسيمة.
هذا ولما كنت قد وقفت في بعض الدواوين على عدد أنهر وجداول البصرة في أبان عزها أقول: لا يوجد مسحة من المبالغة في قول السيد إبراهيم المذكور لأن أنحاء البصرة من عهد العباسيين وما بعده مملوءة من جداول وسواقٍ تعد بالمئات لا بل بالألوف واغلب مؤرخي دقائق الحقائق شكوا في صحة
стр. 1444
عددها حتى أن (الاصطخري) عندما طرق مسامعه أنه كان يوجد مائة وعشرون ألف نهر في عهد بلال بن أبي بردة سنة ١١٨هـ - ٧٣٦م أرتاب في صحة هذا العدد وعده من قبيل الأوهام حتى اضطر أخيراً أن يذهب بنفسه إلى البصرة ليتحقق ما سمعه وذلك في القرن الرابع للهجرة وهاك ما كتبه بعد الفحص والتدقيق:
(قد كنت أنكر ما ذكر من هذه الأنهار في أيام بلال حتى رأيت كثيراً من تلك البقاع فربما رأيت في مقدار رمية سهم عدداً من الأنهار صغاراً تجري في كلها زوارق صغار ولكل نهر اسم ينسب إلى صاحبه الذي احتفره أو إلى الناحية التي يصب فيها فجوزت أن يكون ذلك في طول هذه المسافة وعرضها) (لاصطخري ٨٠).
وقال نفس هذا القول ابن حوقل في عرض كلامه عن البصرة ودونك إياه (ولها (أي البصرة) نخيل متصلة من عبدسي إلى عبادان نيفاً وخمسين فرسخاً متصلة لا يكون الإنسان منها بمكان إلا وهو في نهر ونخيل أو يكون بحيث يراها) (ابن حوقل ١٥٩).
فمن وصف ما تقدم يظهر بأجلى وضوح أن أنهر البصرة كانت أضعاف ما ذكره السيد إبراهيم بن صبغة الله الحيدري البغدادي وفي هذا القدر كفاية لما أردنا بيانه والسلام.
رزوق عيسى
٥ - رجوع إلى الحق
قد اطلعت في مجلتكم على سؤال دبجه يراع أحد الفضلاء في (باب المكاتبة والمذاكرة) ص ٣٧٤ من مجلد هذه السنة وذلك فيما ظهر للسائل الفاضل من تاريخ إمارة إبراهيم وولده موسى وجده مانع وما فيه من الارتباك ونحن قد ذكرنا ما ذكرناه هناك اعتماداً على (مثير الوجد) وقد أهملنا مراجعة ذلك لكن لما أطلعنا على سؤال السائل فهمنا مما لدينا من الأبحاث إن إمارة مانع كانت في سنة ٥٨٠هـ وإمارة ربيعة كانت في سنة ٦٢٧ وإمارة موسى كانت في سنة ٦٤٥ هجرية فيكون هذا أقرب إلى الصواب مما تقدم وأوفق للمقام
هذا ما حققناه. ونحن نشكر السائل الفاضل على انتقاده هذا الذي جعلنا نعتقد أن في مقالتنا هذه حظى في نظره كما أننا سنتابع السير في مثل هذه المواضيع إن شاء الله وإنا نرجو من جميع الأدباء والفضلاء أن يدققوا النظر فيما نكتبه ويذكرونا فيما نهمله وننساه لأن في مثل هذا يكون للإنسان باعثاً للتحري والنشاط.
صاحب الرياض سليمان الدخيل
стр. 1445
أسئلة وأجوبة
١ - أصل الأميرال ومرادفاتها في العربية
سألنا أحد أدباء طرابلس الغرب: هل حقيقة أن لفظة الأميرال الإفرنجية هي عربية الأصل؟ وهل استعملها العرب سابقاً. وإن لم يستعملوها فما كانوا يقولون في معناها؟
ذهب كثير من المستشرقين وجماعة من الباحثين عن أصول المفردات من أبناء العرب المحدثين (متبعين في هذا الرأي الإفرنج المتعربين) إلى أن الأميرال لفظة عربية الأصل من (أمير الماء أو أمير البحر). أما نحن فنوافقهم في بعض الشيء لا في كله ونرى أن الكلمة من العربية (أمير) لا مقطوعة من اللفظتين والسبب هو أن الإفرنج أخذوا عن العرب ما نطقوا به لا غير. والحال أن العرب الأقدمين لم يقولوا البتة: أمير الماء بل أمير البحر، أما أمير الماء فإنهم لم يعرفوها وأما أمير البحر فقد استعملها أبو المحاسن ابن تغري بردى صاحب كتاب النجوم الزاهرة في أخبار ملوك مصر والقاهرة وقد طبعه جوينبول ومتثيس وقد توفى مؤلفه سنة ٨٧٤هـ (١٤٦٩م) ووردت اللفظة فيه في عدة مواطن منها في ٢: ١١٦ وقد أكثر المحدثون من ذكرها. - أما وجودها عند الإفرنج بصورة أميرال فإنه كان عن طريق اللغة اللاتينية المولدة وهذه من العربية أي من الأمير. وكان هذا الاسم يختلف عند العرب الأقدمين باختلاف البلاد ففي ديار المغرب وأفريقية كان يعرف باسم (الملند) وهي من اللغة الإسبانية من (وهي بكسر الميم وفتح اللام المفخمة بعدها نون ساكنة يليها دال مهملة) قال ابن خلدون في مقدمته (ص ٢١٨ من طبعة بيروت الأولى) في كلامه عن قيادة الأساطيل: هي من مراتب الدولة وخططها في ملك المغرب وأفريقية ومرؤوسة لصاحب السيف
وتحت حكمه في كثير من الأحوال. ويسمى صاحبها في عرفهم (الملند) بتفخيم اللام منقولة من لغة الإفرنجة فإنه أسمها في اصطلاح لغتهم)، اهـ على أن لفظة الملند مصفحة
стр. 1446
عن الإسبانية المبرنت) وهي من (الأمير) العربية لا غير. لكنها تزيت بزي الإفرنج فلم يعرف ابن خلدون أنها بدوية. وقد صحفها بعضهم بصورة (الملبد) قال أبو حمو في كتابه واسطة السلوك في سياسة الملوك ص ١٣٣: بعد أن فسد ملبد الطاغية النصراني وأخذ ما كان له في البحر من الطرائد والشواني.) وقد يسر عليه هذا التصحيف لقربه من أصل عربي
وهو (لبد) وخلو (لند) منها.
وفي ديار مصر كان يعرف باسم (أمير البحر) على ما أشرنا إليه. وأما في ديار العرب وبحر فارس وداخل العراق فكانوا يسمونه الاستيام أو الإشتيام) إلا أنها وردت في معان أخرى وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع ولعنا نثبته في عدد مقبل من مجلتنا. ولهذا تكون لفظة أمير البحر أو أمير الأسطول أو (الأمير) وحدها عند وجود القرينة أو دليل في العبارة من أحسن الألفاظ لتأدية الإفرنجية (أميرال).
٢ - معنى لفظة البصرة
وسألنا من واشنطون صديقنا ب. ب. ب. قال: أود أن أعرف معنى كلمة (البصرة) فإني أراك تضبطها بالإفرنجية هكذا كما يضبطها العرب الفصحاء في كتبهم لأنهم يقولون: إن معناها الأرض الغليظة التي فيها حجارة تقلع وتقطع حوافر الدواب أو البصرة حجارة رخوة فيها بياض والحال إني لم أجد في رحلتي إليها حجارة بيضاء أو سوداء في البصرة أو في قربها. وقد سمعت بعض علمائها الحاليين يقولون: إن الأقدمين اخطئوا في تسميتها بالبصرة بالفتح وإنما هي بالضم. إذ ليس معناها الحجارة البيضاء بل (الأرض الغمقة أو الكثيرة المياه الراكدة) كما هو الأمر في عهدنا هذا وفي سابق العهد. فما قولكم؟
لم نجد في كتب اللغة العربية والارمية والفارسية لفظة البصرة بالضم بالمعنى الذي أشرتم إليه. والذي عندنا أن البصرة بالفتح (وهو الضبط الصحيح الفصيح) هي الطين العلك أو الأرض الطيبة الحمراء. (معجم ياقوت ١: ٦٣٦) وهي التي ترى بعد انحسار الماء في ديار العراق وعليه يكون معنى البصرة: الأرض العلكة الطيبة الحمراء كالغريل التي انحسر عنها ماء شط العرب. وهذا موافق للحال أحسن موافقة.
على غني سمعت أحد الأدباء يقول لي: أن صحيح الرواية في البصرة هي البسرة (بضم الباء فسكون السين) كما نقلها الإنكليز إلى لغتهم بقولهم. مشتقة من البسر بالضم: وهو الماء الطري الحديث العهد بالمطر والتمر قبل أرطابه.
стр. 1447
وكلا الأمرين معروف في البصرة فإن ماءها كثير جم يجدده المد والجزر على الدوام فهو طري حديث العهد. وهي أيضاً معروفة بكثرة التمر وحسنه ولا سيما رطبها. - قلنا: كل هذا ممكن لكن الرواية هي بالصاد لا بالسين كما رواها جميع المؤرخين واللغويين والأدباء ولم نسمع من ذكرها
بالسين. فليختر القارئ بعد هذا ما يشاء.
فوائد لغوية
١ - دور الاستبداد
أكثر الكتاب في هذه السنين الخمس الأخيرة من قولهم: (دور الاستبداد) وقد وقعت هذه الكلمة في منشآت أفصح الصحف والمجلات. ولا وجه لها في العربية إلا بتكلف عظيم. وهم يريدون بذلك: (عهد الاستبداد) ولم ترد الدور المعنى إلا في التركية الحديثة وهي من الألفاظ التي أفسدت معناها اللغة العثمانية أما (العهد) بهذا المعنى فمشهور ويقابله بالفرنسوية:
٢ - أشان بحقه ومشين به. وورود افعل بمعنى فعل
من الألفاظ التي لهج بها كتاب العصر قولهم: هذا مشين به وقد أشان بحقه. ولم يرد هذا الباب في كلامهم. إلا أن له وجها وهو أن صاحب المزهر قال (في ٢: ٢٠٦) كان الكسائي يقول: قلما سمعت في شيء (فعلت) غلا وقد سمعت فيه (افعلت). وقال أيضاً (في ٢: ١٦٧) قال في الجمهرة في باب ما اتفق عليه أبو زيد وأبو عبيدة وكان الأصمعي يشدد فيه ولا يجيز أكثره مما تكلمت به العرب من (فعلت وأفعلت) وطعن في الأبيات التي قالها العرب وأستشهد على ذلك: بأن لي الأمر وأبان، ونار لي الأمر وأنار. . . إلى أن قال: وسرى وأسرى. ولم يتكلم فيه الأصمعي لأنه في القرآن. وقد قرأ: فأسر بأهلك واسر بأهلك. قال: وكذلك لم يتكلم في عصفت واعصفت لأن في القرآن: ريح عاصف. . . .) فيظهر من هذا الكلام وما ذكره غير واحد من اللغويين أن أصحاب دواوين متون اللغة لم يدونوا جميع الأفعال الواردة بالوجهين فعل وافعل ولهذا لا نجسر أن نقطع كل القطع بخطأ من ينطق باشان. اللهم إلا أن يجد المخطئ نصاً صريحاً يمنع هذا الباب لهذا الفعل فحينئذ نعنو له ونسلم له بالحق.
стр. 1448
ومثل هذا القول نقول لمن استعمل اصانه بمعنى صانه وأساقه بمعنى ساقه واباعه بمعنى باعه واجاء بمعنى جاء. وأدعمه بمعنى دعمه وأهاجه بمنى هاجه إلى غيرها مما يعد بالعشرات بل بالمئات وقد أكثر منها كتاب العصر.
٣ - الأكلاف بمعنى الكلف جمع كلفة
ومن الألفاظ التي سالت على أقلامهم قولهم: وكانت الاكلاف كذا. والحال أن الذي أثبته أصحاب المعاجم اللغوية هو أن الكلفة المضمومة الأول تجمع على كلف ولم يسمع بغيرها من فصيح. وأنت تعلم أن الجموع المكسرة وإن كانت قياسية إلا أنه يستعمل منها ما نقل عنهم لا غير. وإلا فإن لفعلة المثلثة الأول الساكنة الثاني قد جاءت على أفعال من باب اعتبار الهاء زائدة أو ذاهبة قال صاحب تاج العروس في مادة ز ب ر: الزبرة بمعنى الكاهل تجمع على الازبار. وأنشدوا قول الحجاج:
بها وقد شدوا لها الأزبارا
وأنكره بعضهم وقالوا: لا يعرف جمع فعلة على أفعال وإنما هو جمع الجمع كأنه جمع زبرة على زبر وجمع زبراً على أزبار ويكون جمع زبرة على إرادة حذف الهاء. اهـ - قلنا: وعلى هذا يحمل جمع كلفة على كلف على اكلاف بيد أننا قلنا ونقول ولا نزال نقول: يحسن بالكاتب الفصيح أن يتوخى المسموع المشهور ولا يلتفت إلى ما فيه تكلف أو تأويل أو تخريج لأن هذا الباب أوسع من أن يتصوره متصور.
باب التقريظ
١ - كتاب البيان. في تاريخ آل عثمان
تأليف السيد محمد خلوصي الناصري. طبع في مطبعة الرياض ببغداد سنة ١٣٣١ في ٨٠ صفحة من قطع الثمن الصغير.
حينما انتشر خبر تدريس التاريخ باللغة العربية ألف للحال جماعة من فضلاء بغداد ومصنفيها كتباً وجيزة العبارة تصلح لأن توضع في أيدي الطلبة ومن جملة هذه التصانيف الكتاب الذي نحن في صدده فإن مؤلفه رتبه ترتيباً يوافق كل الموافقة خطة المدارس الابتدائية حتى أن اللجنة الموكلة بانتخاب الكتب اللازمة للتدريس استحسنت إدخاله في المدارس. والكتاب حسن
стр. 1449
العبارة، جلي التبويب. سهل الأخذ فقد جعل المؤلف حرسه الله عدداً رتبه بموجب جلوس السلاطين على عرش السلطنة وجعل تحت كل اسم سنة ولادته وجلوسه ومدة سلطنته ووفاته وعمره بحيث أن الناظر إلى الكتاب يرى للحال كل هذه السنين بنظرة واحدةٍ ومن هذا البيان يظهر لك حسن أسلوب هذا التصنيف.
باب المشارفة والانتقاد
٢ - رسائل البلغاء
عنى بجمعها محمد كرد علي صاحب مجلة المقتبس طبع بمطبعة دار الكتب العربية الكبرى على نفقة أصحابها سنة ١٣٣١ - ١٩١٣ في مصر في ٣٢٠ صفحة من قطع الثمن.
هذا المجلد يحتوي على ما عرف لعبد الله بن المقفع من الأدب الصغير والأدب الكبير وغيرهما. وما لعبد الحميد بن يحيى الكاتب من الرسائل والنتف والحكم وعلى الرسالة العذراء في موازين البلاغة وأدوات الكتابة لأبي اليسر إبراهيم بن محمد بن المدير، ورسالة أبي حسن علي بن منصور الحلب المعروف بابن القارح إلى أبي العلاء المعري، وملقى السبيل للعمري، ورسائل الانتقاد لأبن شرف القيرواني، وكتب العرب لأبن قتيبة، ورسالة رشيد الدين الوطواط فيما جرى بينه وبين الزمخشري، ومنتخب من عهد اردشير في السياسة، وكتاب الأدب والمروءة لصالح بن جناح الربعي.
فأنت ترى من هذه الأسماء ما يحوي هذا المجلد من عيون الرسائل البليغة ومنزلة أصحابها إذا اغلبهم بل قل كلهم من مشاهير الكتاب. وأدل دليل على نفق هذه المصنفات الفريدة نفاذ طبعتها الأولى. وقد ظهرت اليوم في أحسن مظهر من حسن بع وجودة قرطاس وتعليق حواش وعناية عظيمة بتصحيح المسودات.
على أننا نلاحظ امرأً وهو أن كتابة (ازدشير) بزاء معجمة بعد الهمز هو من مصحفات الكتاب والأصح (اردشير) براء مهملة. لأن الأسماء تروي على ما تحكي لا على ما تصحف. وإنما صحفها بعض نساخ العرب لأن ليس في لغتهم مادة (أرد) بل (أزد). قال في تاج العروس: اردشير. قال الحافظ ابن حجر
стр. 1450
هكذا رأيته في كتاب الذهبي بخطه (أي براء مهملة) ولم أره في الإكمال ولا في ذيله. وسمعت من يذكره بالزاي (المعجمة). فاعدل عن المهجور إلى المشهور تصب في جميع الأمور.
٣ - العرفان
مجلة شهرية سنتها عشرة أشهر تبحث في العلم والأدب والأخلاق والاجتماع وتعتني عناية خاصة بشؤون الشيعة. لمنشئها ومديرها أحمد عارف الزين - قيمة الاشتراك ريال مجيدي
في صيدا محل طبعها و٥ فرنكات في سائر البلاد العثمانية و٦ فرنكات في مصر والبلاد الأجنبية تدفع سلفاً.
كانت هذه المجلة تصدر في السابق حتى برز منها أربعة مجلدات ثم خانها بعض المشتركين ولم يؤدوا ما عليهم فقعد عن إصدارها حولاً وهاهي الآن تعود إلى الظهور على تشجيع فئة من الأدباء والفضلاء.
وهذه الوضعية مما يحتاج إليها كل من يهمه الوقوف على فضلاء الشيعة وآدابهم ومؤلفاتهم وكل ما يتعلق بهم. وهي في ٤٠ صحيفة حسنة الطبع والحرف والكاغد ونحن نطلب لها عمراً مديداً وحياة جديدة.
٤ - التمر في العالم القديم والجديد تأليف بول ب. بوبنوي
١٩١٣.
وفيه فصل في قيمة غذاء التمر للفاضل تشارلس ل. بنت دكتور في الطب.
مؤلف هذا الكتاب لم يقدم على وضعه إلا من بعد أن تجول مدة سنوات في الديار التي ينبت فيها النخل. ولكثرة غرامه بهذا الشجر تعلم العربية فأتقنها وقد جاء بغداد مع صاحب له في السنة الماضية فرأيناه يتتبع بهمة لا تعرف الملل كل ما يتعلق بأمر النخل. وقد طوى كتابه على غرين وكسر الأول على ١٥ غراً أو فصلاً وكسر الثاني على غر واحد وزينه بخاتمة وإليك تفصيل ذلك: القسم الأول: المقدمة - ١ً. النخل - ٢ً. ديار النخل - ٣ً زراعة التمر التجاري - ٤ً إنماؤه بالتال - ٥ً. إنماؤه بالنواة - ٦ً زراعته - ٧ً التلقيح - ٨ً الفحال - ٩ً الصرام - ١٠ً. التكميخ (أي الإنضاج الصناعي) - ١١ً الموت والأوبئة - ١٢ً تنظيم التمور - ١٣ً. فوائد زراعة النخل - ١٤ً استعمالات العرب للتمر - ١٥ً قيمة غذاء النخل.
القسم الثاني. أصناف التمر (مرتب على حروف الهجاء الإنكليزية)
стр. 1451
خاتمة. - تنظيمات صحية - نمو الموز من نوى التمر (على رأي بعض قدماء العرب) - طلسم الحلوى - فهرس.
ذكرنا كل ذلك ليرى المطالع ما حوى هذا الكتاب من الفوائد الجليلة إذ جمع صاحبه فيه كل
ما أمكنه تدوينه في ما يتعلق ببحث النخل أو ثمرها التمر. وقد جاء الكتاب في ٣١٦ صفحة بقطع الثمن وفيه صور عديدة أتقن عملها كل الإتقان فغدا فريداً في بابه لا يستغني عنه من يهمه الوقوف على هذا الشجر لا سيما وإنه سبب ثروة العراق. ولا يحسن بنا أن نقعد عن التغلغل في تحسين شؤونه وإلا فإن الأميركيين يسبقوننا عن قريب فنتأخر عنهم بمراحل. فلقد نقلوا من تال بغداد والبصرة ومصر وتونس والجزائر وغيرها من ديار النخل فزكا وراع كل الريع لأنهم يتخذون كل الوسائل لتحسينه ولطرد كل آفة عنه - بخلاف ما يجري في بلادنا فإن طريقة غرسه اليوم لم تتغير عما كانت عليه قبل نحو ٤ آلاف سنة في عهد البابليين والكلدانيين.
على أننا رأينا في هذا الكتاب شائبة وهي أن الكاتب لم يجر على خطة واحدة لتصوير الألفاظ العربية. وكنا نغض الطرف عن ذلك لو كان كتب بالحرف العربي كل كلمة اصطلاحية عربية وردت في مثاني البحث وبالأخص أسماء أصناف التمر فإننا لم نكدر نهتدي إلى تصحيحها إلا بشق النفس ومع ذلك لم نتوفق إلا لمعرفة بعضها فما قول من لم يسمع بتلك الأسماء. وإننا لنتوقع إن هذا الكتاب يرغب في إحرازه ومطالعته ويعاد طبعه ثانية فيصحح المؤلف ما فاته في هذه الطبعة.
ومما نلاحظه أيضاً أنه كتب في ص ٢٤٩ القسب بهذه الصورة - ونقله إلى الإنكليز بمعنى الكسب وهذا كله ناتج من سوء تصوير الحروف العربية بالإفرنجية فالقسب غير الكسب إذ القسب مشتق من قسب (المضموم) ومعناه: صلب وأشتد وسبب تسميته واضح لصلابة تمره. ثم إنه نقل عن البكري عند تكلمه عن بسكرة أن القسب هو الصيحاني فإذا صح هذا الكلام فهمنا أن الصيحاني هو المسمى اليوم عند العراقيين بالبدرايي أو البادرايي (وهو التمر المنسوب إلى بادرايا المعروفة اليوم باسم بدرة) لأن ياقوت يقول في معجمه: ومنها (أي من بادرايا
стр. 1452
يكون التمر القسب اليابس الغاية في الجودة واليبس (راجع لغة العرب ١: ٤٤٢ و٤٤٣) ويقول في بسكرة: (فيها نخل وشجر وقسب جيد) فنحن لا نرى في هذا النص أن الصيحاني أو القسب أو البادرايي تمر واحد. فالصيحاني على ما ذكر اللغويون هو ضرب من تمر المدينة أسود صلب المضغة. والقسب اسم عام يقع على كل تمر (صلب يابس) مهما كان جنسه والبادرايي هو تمر أصفر صلب رقيق اللحم من جنس
(دقلة النور) المعروفة في تونس. وأما الصيحاني فهو عندنا الاشرسي الأسود أي الصرفان (راجع لغة العرب ١: ٤٤٤) وأما سبب تسمية الصيحاني بهذا الاسم فقد ذكر له اللغويون عدة أسباب، منها: إنه نسب إلى صيحان وهو كبش كان يربط في نخل التمر المذكور، أو اسم الكبش الصياح وهو من تغييرات النسب إلى غيرها. وأما حضرة مصنفنا فقد ذكر لسبب تسميته ما نقله عن لسان العوام أي أنه سمى كذلك لأنه صاح: (هذا هو محمد ﷺ ، هذا هو أمير الأنبياء. . .) الخ وذلك عند مرور نبي المسلمين بنخلة في المدينة وكان معه علي بن أبي طالب. - أما سبب تسميته الصحيح عندنا فهو أنه منسوب إلى الصيحان والصيحان مصدر صاحت النخلة أي ارتفعت لارتفاع نخل هذا التمر.
وقد ذهب في نقل بعض الألفاظ مذاهب لا نظنه أصاب فيها. فقد نقل إلى الإنكليزية كلمة الأشرسي أي النامي في طول) أو الطويل. وليس الأمر كذلك. فإنه سمى كذلك نسبة إلى الشرس (محركة) وهو الصلب لصلابة تمره. أو لكونه ينبت في المكان الشرس أي الصلب وعلى كل فإنه لا يعني الطول. ومثل هذا التأويل كثير في الكتاب. ومع ما فيه من هذه الشوائب الزهيدة فإن الكتاب يبقى جليلاً في بابه. ويخلد لمصنفه ذكراً لا يمحى.
٥ - رحلة إلى سورية
للأستاذ الدكتور مرتين هرتمن
١٩١٣.
في ١٣٢ صفحة بقطع الثمن الكبير وقيمته ٣ ماركات
لله در الإفرنج لا يقدمون على أمر إلا ويتقونه كل الإتقان ويحكمونه كل الأحكام. هذا المستشرق الكبير الأستاذ العلامة (الدكتور) مرتين هرتمن من مشاهير العارفين بلغة العرب والواقفين على أسرارها فقد هجر بلاده
стр. 1453
في شهر آذار من السنة المنصرمة ورحل إلى ديار الشام رحلة جعلها أدبية علمية تاريخية جغرافية فدون ما رآه في كتابه وهو هذا فجاء من أحسن ما كتبه الرحالون بالمعنى الذي أراده وقد هبط أشهر بلاد الشام ووصفها وصفاً دقيقاً وهي حيفا ودمشق وبيروت وحماة وطرابلس واللاذقية وحمص وحلب ثم عاد إلى وطنه وقد تعارف في طريقه بكثير من الأدباء والفضلاء والعلماء ونحن نتمنى أن يقدم يوماً إلى
الزوراء ليكتب رحلة ثانية مثل رحلته هذه وليس ذلك أمراً صعباً على ذوي الهمم ولا سيما مثل حضرته. قرب الله تلك المدة ومتعنا برؤياه!
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - مصير المستنصرية وقهوة الشط
كانت المستنصرية مدرسة كبيرة من أشهر مدارس الإسلام في دار السلام بل في بلاد خلق الله في عصر العباسيين ثم انقلب بها الزمان فحالت عصراً بعد عصرٍ حتى كاد يعفو أثرها إذ قد بني في موقعها ديوان المكس الآن وقهوة تعرف بقهوة الشط وهي قرب قهوة المصبغة. وقد جاء في النوادر في عددها ١٥٢ ما نلخصه للقراء: كان أولو الأمر قد منعوا منذ نحو ثلاث سنوات فمثيل بعض الوقائع فيها ضرر على الصحة والآداب والمال وهو المعروف عندهم بالتياترو (لأن العوام تصرفت في هذه الكلمة الفرنسوية فأخرجتها عن معناها المألوف حتى جعلتها بهذا المعنى) وسبب هذا المنع وقوع هذه القهوة قريباً من جامع الخفافين وجامع عملة الأسرة (السريرجية) إذ القاعدة المرعية في الأبنية هي إن قربت الملاعب من الجوامع بقدر مائة متر منعت. والحال أن الجامعين المذكورين لا يبعدان عن القهوة المذكورة أكثر من ٤٠ متراً ولهذا امتنع أصحاب القهوة مدة من الزمان من إتمام ما كانوا قد بدءوا به لكنهم عادوا إلى سابق عملهم حينما رأوا أرباب الأمر تغاضوا عنهم. ولا سيما لأن الحكومة عينت رجالاً من (دائرة البلدية) لتحقيق الذرع. فقدم المندوبون ورقة كشف يذكر فيها مقدار الأذرع فإذا هي تزيد على المائة فلما أطلع عليها أرباب الأمر أذنوا لأصحاب القهوة بالعود إلى ما كانوا عليه. ولعلك تقول: كيف يمكن التوفيق بين قولك إن الجامعين لا يبعدان
стр. 1454
عن القهوة أكثر من ٤٠ متراً وبين قول الكشافين إن الأذرع تزيد على المائة؟ - قلنا: إن الكشافين ذرعوا المسافة من الطبقة العليا بل من المكان الذي تجلس فيه الراقصة إلى جدران الجوامع مع الدرج!!! ومن ذلك بأن الفرق. فتأمل.
ومما ينطوي علي مثل هذا الغر: القهوة المسماة (بقهوة عزاوي) الواقعة في سوق الميدان فإنها لا تبعد عشرة أمتار عن جامع الميدان الشهير ومنذ سنة تحيى فيها ليلة راقصة ولم يوجد من احتج على هذا العمل.
٢ - مئذنة الكفل أو منارة الكفل
قالت النوادر: ومما هو أعظم من الأمرين الأمرين المذكورين ما يأتي ذكره وهو: ادعى قبل نحو ٣٠ سنة (الحاج ذرب) رئيس ناحية الكفل (والكفل مزار مشهور فيه قبر النبي
حزقيال بقرب الحلة) إن جامع الكفل هو للمسلمين وإن الموسويين قد تملكوه بدون حق. والدليل على ذلك وجود منبر هناك ومحفل ومحراب ومئذنة فلما سألت حكومة بغداد الموسويين (وكان السؤال في ذلك العهد) عن حقيقة الأمر أنكر الموسويون ما نسب إليهم وأنكروا وجود مئذنة وما يتعلق بها في ذلك الموطن. فندبت الحكومة رجلاً يكشف عن كنه الأمر وعن وجود المئذنة فكان جواب الكشاف بعد الذهاب إلى الموطن المذكور أن لا منارة هناك. فكتب الحاج ذرب إلى الأستانة ليطلع أولي الأمر على حقيقة المسألة وطلب منهم أن يبعثوا رجلاً ليثبت ما وقع عليه النزاع فبادروا إلى تلبية طلبته وأرسلوا كشافاً لهذه الغاية من الأستانة نفسها فلما وصل الرجل المذكور إلى بغداد بقي فيها بضعة أيام ثم رجع إلى من حيث أتى وقال: لا يوجد مئذنة في ناحية الكفل. - والحال أنها إلى الآن موجودة والإفرنج وغيرهم من أهل التحقيق صوروها من جهاتها الأربع بحيث لا يمكن أن ينكرها (العناديون) أنفسهم فكيف يمكن الجمع بين الوجود والعدم؟ إن هذه من الخوارق التي لا تجري إلا في بلادنا.
٣ - السيد طالب بك النقيب
نشرت جرائد مصر والشام إن الحكومة عرضت على السيد طالب النقيب منصباً في مجلس الأعيان فرفض وأبى الذهاب إلى الأستانة كما أنه استعفى من النيابة في مجلس المبعوثين.
٤ - السكينة في العراق
تذهب البرقيات تترى من العراق العربي (هذا كلام جريدة فتى العرب
стр. 1455
ولم تذكر من أي بلدة تصدر هذه البرقيات) إلى الباب العالي احتجاجاً على تعيين جاويد باشا وحسني باشا في بلاد العراق. ثم قالت: فحار رجال الحل والعقد في الأستانة لهذا الأمر والصحف انقسمت فيه إلى قسمين قسم يشجع الحكومة على إخضاعهم بالسيف والسنان وقسم يوصيها بأخذهم باللين والإحسان). قلنا: السكينة سائدة في العراق وليس فيه ما يقلق الخواطر ويثير عليه غضب الحكومة فالظاهر أن أهل الفتنة أناس قليلون لا يتعد بهم، بل ولا يلتفت إليهم.
٥ - جاويد باشا والي بغداد الجديد ومن بصحبته
قدم بغداد جاويد باشا ومعه بهاء الدين بك رئيس أركان الحرب و١٨ ضابطاً منهم ١١ عربياً والباقون من الترك. - وقد صممت الحكومة على أن تسير مع القبائل بالتي هي أحسن وأعطت جاويد باشا هدايا وألطافاً ليهديها إلى شيوخها. ومع والي بغداد الجديد وقائد عسكرها فؤاد أفندي الدفتري مبعوث بغداد سابقاً وقد عين مفتشاً للأوقاف في ديار العراق بمشاهرة ٧٠ ليرة، ومعه أيضاً حكمت بك قيم مقام مركز بغداد وهو أخو شوكت باشا الشهير ومع المذكورين أيضاً خليل هجري بك مدير تحريرات الولاية وعبدي بك قائد الدرك في بغداد. وللوالي الجديد سيارة (أوتوموبيل) قيمتها ٦٠٠ ليرة ومعه ألفا حقة من بزر القطن لأحياء زراعة هذا النبت في العراق. وكان قدوم الجميع في ١٨ ك ٢.
٦ - تبرع عبد الحسين أفندي الدده
تبرع هذا الرجل الفاضل بعشر ليرات عثمانية على مكتب الاتحاد والترقي للإناث المفتوح جديداً في بغداد، أكثر الله من أمثاله إحياء للفضل والكرم.
٧ - رجوع النقود القديمة إلى التعامل بها
وزعت الخزينة مشاهرات الموظفين ورواتبهم ودفعتها إليهم من النقود القديمة من ذوات خمسة الغروش والغرشين ونصف والعشرين بارة والعشر بارات فأخذها الموظفون بكل ارتياح لكن باعة الخبز واللحم ومن ضاهاهم امتنعوا من قبولها أولاً ثم عادوا فقبلوها عند تنبيه أولي الأمر على ذلك.
٨ - مخفر الجميلية
تعهد فخر الدين أفندي من آل جميل ببناء مخفر في سوق تجاه (سبيل الماء) وأرسل ٤ آلاف طاباقة لهذه الغاية ويسمى بالجميلية نسبة إلى أسرتهم.
٩ - عجمي السعدون والضفير
بعد أن تم الصلح بين عجمي بك وبين شيخ مشايخ الضفير حمود السويط
стр. 1456
وتعاهدا على أن لا يؤذي الواحد الأخر وأخذ شيخ الضفير ميثاقاً من عجمي يؤكد له الأمن والراحة إذا بعجمي استنفر عشائره ونزل بها بالقرب من ماء (الشقراء) ثم هجم على عشائر الضفير
على حين غره منهم بينما هم في مأمنٍ منه فنهب طائفة من بيوتهم وشيئاً من إبلهم. ويقال إن من جملة القتلى ستة من رؤسائهم وينتظر أن يقوم هؤلاء على الفتك بهم فتتأجج نيران القتال.
١٠ - يوسف المنصور السعدون
خرجت قافلة من الضفير من الخميسية بعد أن أمنها عجمي السعدون وقبل أن تصل إلى غرض سفرها هجم عليها يوسف المنصور السعدون فاستلق منها ٢٥ بعيراً. فاغضب عمل يوسف هذا عجمي ابن عمه وأثار في صدره حزازاتٍ
وقد غادر الخميسية طائفة من الأهالي فاستوطنوا قضاء سوق الشيوخ لما لحقهم من بوار التجارة بسبب استحكام عرى العداوة بين عجمي والضفير.
١١ - السيد محيي الدين أفندي النقيب البغدادي
تعين هذا السيد الفاضل (وهو ابن صاحب السماحة السيد عبد الرحمن أفندي نقيب أشراف بغداد حالاً) عضواً في مجلس الأعيان فنهنئه بهذا المقام الجديد.
١٢ - للطيارات العثمانية
طبعت أوراق بدلها خمس ليرات وليرة وما بينهما لتوزع على النساء العثمانيات البغداديات إعانةً للطيارات فوزع منها ما بدلها ٥٣ ليرة. والأمل أن المبلغ يضاعف مرات لاشتهار أخلاق عراقياتنا.
١٣ - نفي (علي موسى خان) من مسقط
نفى هذا الرجل وهو من أصحاب المبرات في مسقط بأمر حاكمها وقد أرسل مخفوراً مع سبعة عشر جندياً من عساكر الهند يقودهم ضابط لإيصاله إلى البصرة. ويقال أن سبب نفيه خوف انكلترة من سطوته ونفوذه لأنه من مخالفي سياستها هناك. أما الرجل فقد سافر من وطنه قاصداً المدينة.
١٤ - عبد الكريم مدير ممكس مسقط
قبضت حكومة مسقط على عبد الكريم أفندي مدير ممكس مسقط وزوجته في السجن
وسيرسل منه إلى الهند مخفوراً. والسبب لم يعرف إلى اليوم.
١٥ - شيوخ عشائر الشامية
قدم بغداد في أوائل شهر ك ٢ شيوخ عشائر الشامية وهور الدخن للمفاوضة في مسألة الذرعة التي قر رأي الحكومة على إلغائها وأخذ الجباية بطريق التخميس
стр. 1457
طالبين أن تسمح لهم الحكومة بطرح خرص غلات السنة الماضية من قياس التخميس كما سمحت لرؤساء عشائر المشخاب بذلك مساواةً قوماً بقومٍ. والأمل أن أرباب الأمر يحققون أمانيهم.
١٦ - مهرجاه (راجه) هندي
قدم في الأسبوع الأول من الشهر المذكور أحد مهرجاهية الهند وهو حاكم (سليم بول) إلى بغداد لزيارة الكاظمية وسامراء والنجف وكربلاء وهذا الفاضل كان في مقدمة الرجال الذين أعانوا الدولة العثمانية في حربي طرابلس والبلقان وهم من رؤساء مشاهير الهند. وقد دفع من الإعانات المالية ستة آلاف ليرة من ماله الخاص به. وقد رحب به الناس أينما ذهب وحيثما حل.
١٧ - لا شتاء إلى الآن في بغداد وزيادة دجلة
أبرد أشهر شتاء بغداد هما كانون الأول وكانون الثاني والحال إلى الآن لم نر البرد نزل إلى أدنى من ٤ درجات (فوق الصفر). فالظاهر أن لا شتاء في سنتنا هذه. أما الأمطار فغزيرة حتى أن دجلة فاضت فيضاناً خارق العادة في ٢٦ ك ٢ وكان الفيض فجأة فأغرق بعض (جساريات) وساق قسم منه جنائب (دوب) بعض المراكب بل ساق أمامه مركباً تجارياً بعد أن قطع سلسلته القوية.
١٨ - عودة الجدري
كان الجدري أخذ بالزوال في شهر كانون الأول إلا أنه أخذ يعود إلى فتكه في شهر كانون الثاني أبعده الله وأزال جراثيمه إزالة لا عود فيها!
١٩ - رطوبة هذا الشتاء
كثرت الرطوبة في هذه السنة بسبب هبوب الرياح المعروفة هنا بالشرقية (وهي على
الحقيقة الجنوبية الشرقية) فكثرت الأمراض التي تتولد منها كالرثية أو داء المفاصل (المعروف عند العراقيين بالصليل) والنقرس وعرق النسا والتهاب الكلى والحمى الباردة إلى غيرها. لكن عاقبة المرض في اغلب الأحيان النقه.
٢٠ - جمال بك والي بغداد سابقاً
رقى جمال بك إلى رتبة (أمير لواء) ووسدت له وكالة نظارة اليافعة والأمل أنه يرتقي رتباً أعلى لأنه أهل لها وذو إطلاع واسع وخبرة معروفة.
٢١ - رحالتان فرنسويان
جاء بغداد في أواخر الشهر الماضي القائد الفرنسوي (دولو) والفاضل (غلوا) وهو من أعضاء الجمعية الجغرافية في باريس وقد تفقدا آثار العباسيين
стр. 1458
ثم ذهبا إلى بابل وكويرش وتلك الأرجاء ليشاهدا ما أبقى الدهر في هذه الديار من بقايا الأقدمين. ثم سافرا إلى وطنهما بعد أسبوعين على طريق البحر.
٢٢ - البرد (وهو الحلوب أو الحالوب عند العراقيين)
في اليوم السابع من كانون الثاني سنة ٩١٤ الموافق لليوم العاشر من صفر سنة ١٣٣٢ كان عندي في محلي جناب الأب انستاس ماري الكرملي فوقع مع المطر برد صغار كالعدس ثم عقبه برد أكبر منه كالحمص تقريباً فذكرت له إني كنت في سنة ١٣٠٥ هجرية الموافقة لسنة ١٨٨٨ في ناحية المسيب قرب بغداد فنزل مطر غزير بريح شديدة ترفع في الهواء الأبواب المقلوعة الموضوعة على الجسر ثم تلقيها على بعد وعقب ذلك سقوط برد كبار للغاية منها بحجم الليمون ومنها أكبر منه وأصغر منه فاستغرب الأمر فذكرت له بعد ذلك إني لما عدت إلى بغداد في ذلك التاريخ من السنة بنحو عشرة أيام وقع في بغداد مثل ذلك البرد عينه فكسر اغلب الألواح المخرمة التي اعتاد أهالي بغداد أن يزينوا بها الاطناف ويسمونها (بيجة) (من اللغة الفارسية والسبب إن اغلب أسماء أدوات وأعمال البنائين والنجارين مأخوذة عن الإيرانيين مما لم تزل آثاره إلى اليوم) وقتل عدداً لا يحصى من الطيور البرية التي تقف عادة على قباب الجوامع وذكرت له أيضاً أن في ذلك الهواء غرق عدد غير قليل من السفن الحاملة للزوار في بحيرة النجف وقدروا وقتئذ الغرقى بنحو ألفين
إلى ثلاثة آلاف نفس حتى أخذ الأعراب هناك إخراج الجثث بالآلة التي يستخرجون بها السمك ويسمونها (قالة) ولكن يا للأسف ليس رحمة بهم أو لمواراتهم ودفع التعفن لدفع الأمراض بل لسلب ما يكون في جيوبهم من المال وإعادتهم إلى الماء وحيث أن هذا الأمر مما يجب ذكره تخليداً للتاريخ حررت هذه الأسطر لطبعها في مجلة لغة العرب راجياً ممن لديه تاريخ الواقعة باليوم أن يعلن الأمر حفظاً وخدمة للتاريخ الذي هو من أهم الأمور.
عبد اللطيف ثنيان
٢٣ - لجنة تحديد الحجر الصحي
كنا قد نقلنا قدوم رجال هذه اللجنة اعتماداً على إحدى الجرائد المحلية ثم تحققنا أسماءهم بأنفسنا فإذا هم: ١ - الدكتور (جناب شهاب الدين بك) المفتش العام في اللجنة الصحية المذكورة وهو عثماني؛ ٢ - الدكتور (والتر) طبيب سفارة روسية في الأستانة وهو روسي؛ ٣ - الدكتور كليمو طبيب سفارة انكلترة في فروق. وهو إنكليزي، ٤ - الدكتور (شمبرغ)
стр. 1459
الترجمان الثاني لسفارة ألمانية في القسطنطينية وهو ألماني، ٥ - الدكتور (سموئيل خان) أرمني غير كاثوليكي، طبيب سفارة إيران بالأستانة وهو إيراني مندوب اللجنة وقد سافروا إلى محل وظيفتهم في ٢٢ ك ٢.
٢٤ - مفتش فيلق بغداد
عين مفتشاً لفيلق بغداد وهو الفيلق الرابع عشر والي ولايتنا جاويد باشا.
٢٥ - وقعة في سوق الشيوخ
تخاصم في أوائل شهر ك ٢ النجديون المقيمون في سوق الشيوخ مع قطان المدينة فوافق رجال الحكومة والبغداديون النجديين فتضاربوا فأسفرت المعركة عن ١٥ قتيلاً و٢٠ جريحاً من الجمعين. وما أبطأ أن جاء النجديين مدد من الخميسية فهدأت النفوس الجائشة وأخلد الجميع إلى الراحة.
٢٦ - النوري ابن شعلان
أغار النوري ابن شعلان رئيس قبائل (الرولة) على الفدعان والسبعة في (عكاشات) وهي
أودية قرب (القعرة) وبعد مناوشات عديدة فاز النوري ببعض الغنائم.
٢٧ - ابن السعود وتقرب الدول منه وذهابه إلى الاحساء
أرسلت دولة فرنسة معتمدا إلى الأمير عبد العزيز باشا السعود فزاره في مقر إمارته الرياض وتباحث معه في أمور سياسية عديدة ومن جملتها ما يتعلق بتجارة الأسلحة وبيعها في العقير أو في القطيف ثم قال المعتمد: ودولتي تتكفل لك: ١ - بمسانهة مائة ألف ليرة أو برسوم تبلغ ٥٠ ألف ليرة عثمانية ٢ - إن ما يشتريه الأمير من الأسلحة يكون بثمن أدنى مما يباع لغيره ٣ - أن تجلب له كل ما يريده من مستحدث الأسلحة بأثمان بخسة. فلما سمعت بذلك دولة انكلترة عرضت للأمير ما يأتي:
١ - مسانهة ٥٠ ألف ليرة ٢ - دفع ما يحتاج إليه هو وجنوده من الأسلحة. أما الأمير فلم يجب الآن بشيء ريثما يستشير مجلسه ولعله يميل إلى الدولة الثانية لما له معها من العلاقات السياسية وقد نول في هذه الأيام أنحاء الاحساء ونزلت أعرابه بجوار الكويت.
٢٧ - ابن الرشيد
خرج من بلاده متجهاً نحو ديار العراق لتأديب (أي لغزو) بعض القبائل المبثوثة في بواديها.
٢٨ - أمير الزبير
عاد محمد بك المشري أمير الزبير إلى كرسي إمارته بعد أن تنازل عنه لعبد المحسن باشا القرطاس.
٢٩ - اللؤلؤ في البحرين
كسدت سوق اللؤلؤ في ديار الإفرنج هذه السنة فتضرر من هذا الكساد اللألون في البحرين فأعلنت بعض محلاتهم الكبيرة إفلاسها.
٣٠ - طالب بك النقيب وإعاناته للأسطول
تبرع السيد طالب بك بسبعمائة ليرة إعانة لأسطول الدولة فدفع منها ٥٠٠ عن نفسه و٢٠٠ عن نجليه اللذين ذهبا إلى كلية الأستانة الفرنسوية وهما نجم الدين بك وتوفيق بك وجمع
ألفي ليرة من البصريين خدمة للدولة وإعانة لأسطولها.
стр. 1460
العدد ٣٣ - بتاريخ: ٠١ - ٠٣ - ١٩١٤
خرافات عوام البغداديين
إن للعراقيين المسلمين عادات ليست من دينهم في شيء سنها لهم الهوى والشياطين من الإنس، الذين يؤثرون مصالحهم، ولو كتم وراء ما سنوه مخالفة لدينهم ومشاقة لله ولنبيه وقد كثرت البدع والخرافات واستفحل خطبها في المسلمين عموماَ والعراقيين خصوصاً وانتشرت بينهم انتشاراً سريعاً وأخذت البدع تكثر بعد وفاة صاحب الرسالة في القرون التي بعده حتى أن بني أمية أحدثوا أموراً ليس لها أصل في الإسلام والسيرة ولكن لا يخلو قرن إلا ويظهر فيه من يحارب البدع وينتصر للحدود الشرعية وكان الصحابة ينكرون على من يجيء بشيء لم يفعله صاحب الرسالة أو لم يأمر به ويزجرونه ويحقرونه وبلغ من تعصبهم في ذلك أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حج مرة وجاء لاستلام الحجر الأسود فقبله وقال أنا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولو لم أر رسول الله قبلك لما قبلتك وقال صاحب الرسالة يحذر أصحابه من البدع فكان يقول لهم: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم في أنبيائهم) وكان يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد عليهم) وكان يقول: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) مخافة من ظهور ما ليس من الدين ولقد أصبح العراقيون على خطر مهول من ذلك فقد نسبوا الضر والنفع للأحجار والجلاميد واستنجدوا بقبور علماء الدين وسألوهم أموراً لم يتمكن منها الأنبياء فضلاً عن العلماء (حالة حياتهم) ودعوهم وتضرعوا عند قبورهم وسألوهم دفع مرضهم وإيفاء ديونهم وإسداء الرزق إليهم.
стр. 1461
ولما يرى غير المسلم ما عليه هؤلاء السخفاء يحسب أنه من الدين فينسب إليه السخافة والنقص فتشمئز نفسه من الدين الإسلامي وكأني بالإفرنجي الذي يطوف ببلادنا يرى ذلك الرأي فيغضب على الدين ويحنق عليه ويرميه بكل سوء على أنه لو أعاد النظر ورجع إلى عقلاء المسلمين وعلمائهم لوجدهم على بعد عن ذلك إذ يتميزون غيظاً على فاعليه. فحاشا الدين الإسلامي أن يرضى بما يفعل الجاهلون المفسدون أهل المخرقة والغش والبهرجة في الأفعال والأقوال وحاشاه أن يبيح لهم من ذلك شيئاً. وهانحن نبحث الآن عن بعض العادات التي يتمسك بها العراقيون وهي أشبه بما كان يفعله عبدة الأصنام في أيام
الجاهلية فنقول:
أصبح العراقيون يعتقدون أن النفع أو الضر يجوز أن ينسب إلى الجمادات كالشجر والصخر والتراب وغيرها فيقولون إن جلاميد الجنيد تبرئ من المرض الطارئ على بعض الأخطاء ويقولون أن بئر الجنيد هي السبب الوحيد لإنتاج العاقر إلى غير ذلك من الخرافات والسفسطات التي أخذوها عن بعض فرق المسلمين.
وهاك بيان ما يكثرون الترداد إليها من الجمادات المعروفة بينهم الموصوفة بالقدرة والتأثير عندهم.
١ - جلاميد الجنيد
في مسجد الجنيد الذي يبعد عن نفس بغداد نصف أو ثلث ساعة ثلاث جلاميد موضوعة حيال قبر الجنيد الصوفي الزاهد المشهور وللعامة في تلك الجلاميد اعتقادات باطلة وكذا النساء المسلمات وبعض اليهوديات فإن لهن اعتناء عجيباً بتلك الصخور وذلك إن عاداتهن زيارة الجنيد كل يوم أربعاء فمن كانت منهن تشكو مرضاً في عضو من أعضائها تضع الصخور على محل الوجع أما مجتمعة وأما صخرة فصخرة على التوالي ويزعمن أن الوجع يزول ببركة هذه الصخور.
وإن كان الوجع بحيث لا تتمكن من وضع الصخور عليه تمسح عليها بكفها وتمسح بها على المحل المؤلم كما لو كان رمد في عينيها أو صداع في رأسها.
وإن كان الوجع داخلياً حملنها على كتفيها ودارت بها حول قبر الجنيد وإذا لم تستطع حملها حملتها مع امرأة أخرى فتضعها مباشرة على محل الوجع وإن كان في رضيعها داء حملتها هي نيابة عن الرضيع.
ولا فضل لهذه الصخور إلا لكونها في محل مدفون فيه الجنيد.
стр. 1462
٢ - بئر الجنيد
وراء مسجد الجنيد من جهة الشرق بئر يزعم النساء أن الجنيد كان يتوضأ ويغتسل منها فمن كانت منهن عقيماً تعمد إلى تلك البئر فتدلي فيها ثلاث دلاء وتسفحها على جسدها فبذلك يكون نتاجها (على زعمهن) وكذا من كانت منهن مثاثاً (أي تعودت ولادة الأنثى)
فإنها تقول إذا سبحت بها: ألد ذكراً.
ولا يصح ذلك إلا يوم الأربعاء ويشترين الماء من تلك البئر بقيمة فاحشة ولهن به اعتناء عجيب.
٣ - بيوت بهلول
لبهلول المجنون الشهير قبر على مقربة من الجنيد وبمناسبة زيارتهن للجنيد يزرن قبر بهلول وله مسجد صغير أنشئ حديثاً وبعضهن تبني خلف مسجده بيتاً صغيراً من آجر والبيوت هناك تختلف فبعضها يعلو إلى ذراع وبعضها إلى نصف ذراع وبعضها يجعل من ثلاث قطع من الآجر تبنى ذلك من لها حاجة تسرها في نفسها وتنادي بهلولاً بهذه الكلمات (يا بلهول لا أخرب بيتي إلا تكضي لي حاجتي) معناها: تقضي حاجتي، لأن من عاداتهم إبدال القاف بالكاف الفارسية.
وينذرن له نذوراً مختلفة فمنهن من تنذر له شمعاً توقده فوق قبره أو في مكان من مسجده ومنهن من تنذر له طعاماً تطعم به صواحبها في مسجد بهلول إلى غير ذلك من النذور.
ومن كانت عاقراً تبني لها بيتاً هناك وبعض البنات تبني به بيتاً رجاء أن يكون لها خطيب جميل.
فإذا قضي أمر إحداهن هدمت بيتها ووفت بنذورها ولن تهدمه أبداً إذا لم تقض حاجتها ولكنه يبقى على حاله.
ومنهن من تعلق في البيت مهداً صغيراً تتفاءل أنها ستتزوج ويولد لها ولد وتضعه في المهد ومنهن من تضرب على وسطه كلة تتفاءل أنها تتزوج وتضرب لها كلة.
والبيوت تقام بلا طين ولا جص ولكنها أحجار يوضع بعضها فوق بعض فمنها ما هو مستطيل ومنها ما هو مستدير ومنها ما هو مربع وبعضها نصف مستدير تبنى على حائط من المسجد أو على قرب منه.
والتي تصيب مرادها تطلي باب المزار بالحناء بعد أن تفي بما نذرت.
стр. 1463
٤ - طلاء أبواب المزارات بالحناء
من عادات المستفيضات عند نسائنا إنهن إذا زرن أحد الأئمة المدفونين في العراق وطلبن
منه حاجة فقضاها (على زعمهن) يقضين نذورهن ثم يعمدن إلى باب من طلبن منه فيطلينها بالحناء إشارة إلى أنه له تأثير عظيم وله يد في كل ما يطلب منه وإنه قضى لهن مرادهن ولذلك ترى أكثر أبواب المزارات والأئمة مطلية بالحناء أو عليها صورة كف مفتوحة الأصابع إشارة إلى إعطائه وسخائه وبعضهن تعمل غير ذلك.
٥ - نصب الراية
الراية عندهن قطعة من خام تخاط في رأس قصبة طويلة وقصيرة وتنقسم عندهن قسمين سوداء وبيضاء فالسوداء ينصبنها إذا طلبت إحداهن من أحد الأئمة أمراً فلم تقع على مرادها والبيضاء بعكسها فمتى قضى لها مطلباً تنصب الراية البيضاء إشارة إلى إنه قضى مرادها الذي طلبته والراية تنصب بأعلى شرفات البيت وإذا قضى لإحداهن مطلب عملت راية بيضاء وصعدت على سطحها تنادي بأعلى صوتها، والراية في يدها، (عرب واهليه خطار والفيه راية البيضا لفلان الإمام مبنية بيض الله وجهه) وتكرر هذه الجملة سبع مرات أو خمس مرات بحسب التصادف وتهلهل بعد كل صوت ثم تركزها على شرفة في بيتها ولا تأخذها حتى تقذفها الريح أو يهوي بها المطر أو تقع لسبب أخر.
٦ - القفل والمفتاح
في مسجد الشيخ عبد القادر الكيلاني العالم الزاهد الشهير رجل يدعى إنه شريف هاشمي وللنساء به اعتقاد غريب وذلك أن البنات إذا فات وقت نكاحهن أو تريث ولم يخطبهن أحد ذهبن إلى ذلك السيد وشكين له حالهن فيقول لهن ايتنني بقفل ومفتاح فإذا أتين بهما أقعدهن في باب الشيخ عبد القادر وأمرهن أن يرسلن طرف أثوابهن فإذا أرسلنه وضع عليه القفل وأغلقه ثلاث مرات ثم يأمرهن بالقيام فيقمن ويخطون على القفل ثلاث خطى ثم يقرأ عليهن ما شاء أن يقرأ ثم إنهن يعطينه شيئاً من الزبيب والحمص وهو حلوانه ولا يكون ذلك إلا يوم الجمعة قبل الظهر ويزعمن إن نكاحهن يقع بعد ذلك وقوعاً محققاً ويقرب زمانه ببركة ذلك السيد فإذا وقع ما أردن رجعن إليه وفتح القفل وأعطينه جزاءه وأكثر ما يستعمل ذلك عند نساء اليهود وبعض رجالهم وقد يستعمله بعض سخفاء المسلمين.
стр. 1464
٧ - قصبة الصداع
إذا شكا أحدهم الصداع عمد إلى قصبة غليظة وقسمها طولاً إلى قسمين ثم شدها بخيط من شعر ووضعها بين المقابر ويقال أن في بطن القصبة أسطراً لم أطلع على مضمونها ويزعمون أنها تنفي الصداع.
٨ - إيقاف السعف
إذا حم أحدهم أو صدع أخذوا قطعة من سعف النخيل وأوقدوها وإذا اتقدت تعطي امرأة ثيباً وتسير بها قليلاً حتى تخمد نار السعفة فتنتهي من سيرها ويزعمون أن الحمى والصداع يسكنان بذلك.
٩ - شد الخرق
مما تعودته النساء إنهن إذا كان لإحداهن أمر يهمها عقدت خرقة وخيطاً بشباك أحد الأئمة فإذا بلغت أربها حلته ووفت نذرها وعقد الخرق قديم في عهد الجاهلية ومن أشهر ما كان يعقد به الخرق ذات انواط فراجعها في محلها.
١٠ - تمثال الأيل
بين الكاظمية وبغداد بستان فيه تمثال أيل منحوت من الرخام أبيض الشكل له قرنان ذوا شعب وأغصان ولكنهما كسرا بتعاقب النساء عليه يبلغ علوه ذراعاً وثلث ذراع وله ذنب ملتصق بفخذيه وهو قائم على أربع واقف وقوف الأيل الذي أوجس نبأة ففزع منها وهو صنع عجيب يشابه في شكله بعض الآثار التي وجدت في بابل ولا يزال باقياً هناك والمرأة العاقر إذا أعيا أمرها تعمد إليه وتركب على ظهره وتبقى عليه بضع دقائق ثم تنول عنه وتذهب إلى شانها وتزعم أنه سبب لحبلها والمرأة التي لا يحبها زوجها حباً شديداً تركب عليه فتكون من أحب الأحباب إليه (على زعمهن).
١١ - العقد
تنقسم إلى أقسام فمنها عقدة الخطيب، ومنها خيط ينزع من طراز يوضع على قبور بعض الأئمة فيعقد في الرقاب وفي الأرسغ ويخيطه بعضهم بثوبه وبعضهم (بعقاله) وله شأن عظيم عند الأعراب. والنساء يتبركن به ويزعمن أنه يذهب الحمى والصداع وبقية
الأمراض.
قرأ أحدهم سورة الفلق حتى إذا بلغ إلى قوله: (ومن شر النفاثات في العقد) قال له بدوي لا يحسن القراءة وهمت إنما هي النفاثين. قال: هكذا الآية. قال: إني رأيت الخطباء ينفثون في العقد وليس بينهم امرأة ثة.
مسلم بغدادي
стр. 1465
الزواج عند يهود بغداد
١ - تمهيد
تختلف مناهج وأساليب الزواج عند يهود بغداد اختلافاً يذكر عن وطنييهم المسلمين والمسيحيين حتى أن اغلب أبناء الزوراء يجهلون اليوم جل عاداتهم إن لم نقل كلها ولهذا أحببنا أن نطلع قراء مجلة (لغة العرب) الكرام بهذه النبذة على عادات زواجهم فنقول:
٢ - انتقاء الزوجة ومسألة الصدق
إذا وطن الشاب نفسه على الاقتران يطلع والديه على ما يدور في خلده (هذا إذا كان له والدان وإلا فيكاشف بما في صدره أقرباءه أو أحد معارفه) فيستدعي الأبوان أحد دلالي الفتيات (وما أكثرهم عند اليهود!) ويعرضان عليه مسألة ولدهما فيأخذ الدلال ويصف لهما حالاً بعض الفتيات اللواتي يعرف أسماءهن ويذكر منيني (دوطة) كل منهن واسم أبويها ولقب أسرتها ويثني على مناقبها ومحاسنها فإذا صادفت إحداهن حظوة وراقتهما يخبران عنها أبنهما ويأخذانه معهما إلى دار والديها حتى يراها بعينه. وكان يحظر على الفتى في السنين السالفة أن يرى الفتاة قبل عقد النكاح أما الآن فقد خرقت تلك العادة السيئة المغبة ولم يبق حكمها جارياً إلا عند طائفة من المتعلقين بأهداب العوائد القديمة. فإذا رآها الشاب وأعجبه حسنها وآدابها يخبر والديه بأنها قد وقعت في نفسه فيأخذان بمساومة الدلال في أمر الصداق (الدوطة) فيعرض عليهما الرجل قدراً من الدنانير فإذا وجداها زهيدة بالنسبة إلى مقام أبنهما يقولان له بكل تصريح إن ثمن ولدنا لأكثر مما دفعت له فيذهب الدلال إلى أهل الفتاة ويقنع والديها أن يزيدا نقود المهر لأن الفتى من زهرة الشبان النجباء ومن نخبة الفتيان الأدباء النبلاء وأهل لكل المحامد والفضائل وهو جدير بأن يدفع له مبلغ يجذبه إلى الابنة. هذا فضلاً عن أنه وجيه بين أقرانه عظيم عند معارفه وأخدانه ويأخذ بالثناء على همته ومروءته وما له من المنزلة الرفيعة عند التجار والأغنياء إلى أن يغوي الدلال سامعيه في اغلب الأحيان بنا يبذل من شقشقة لسانه حتى يبلغ مناه وينال
стр. 1466
اسماً رفيعاً ومالاً طائلاً من الحلوان الذي يتقاضاه ولا يهمه البتة شيء آخر
وبعد أن يتم الوفاق بين أهل الفتى والفتاة تعلن الخطبة على رؤوس الأشهاد وتختلف البائنة (الدوطة) بحسب تفاوت الدرجات فلا يكون مهر ابنة الغني كمهر ابنة التاجر أو الصانع بل تختلف اختلافاً عظيماً فالفقراء منهم يدفعون غالباً من عشر ليرات إلى ثلاثين ليرة وأما المتوسطون فمن خمسين ليرة إلى ثلاثمائة وأما التجار والأغنياء فمن خمسمائة إلى ألف أو ألفين وأكبر صداق دفع في حاضرتنا هو سبعة آلاف ليرة عثمانية أي ١. ٦٨٠. ٠٠٠ فرنك دفعته السيدة (ن) كريمة المثري الشهير منشي مثلون إلى الخواجا اخضوري بن شماش.
والشيء الذي لا بد من ذكره هو أن الفقراء الذين لا يملكون شروى نقير يكرهون نساءهم على أن يجلسن في باحة الكنيس وأروقة المجامع وقوارع الطرق وفارق الشوارع ليستعطين من المارين وليجمعن بائنة لبناتهن ولا تسأل عن صورة جمعها فإنها تجمع بطرق تشمئز منها النفوس الأبية فتقعد الأم وعيناها شاخصتان إلى المارة وهي تستعطفهم وتوجه أنظارهم إلى ذلها ومسكنتها وفقرها المدقع وبعض الوالدات يذهبن إلى رئيس الحاخامين ليكتب لهن رسالة وصاة يحملنها إلى سراة القوم ووجوه الأمة ليمدوا إليهن يد المساعدة. فبهذه الصورة وبغيرها تجمع الدراهم المطلوبة وتقدم إلى الشاب كلقمة سائغة وطعام مريء هنيء. فإذا اعترض أحد عقلاء الأمة على هذا العمل المخالف للشهامة وعزة النفس يجاب حالاً أنه لا يجوز شرعاً في الدين اليهودي أن تطلق الفتاة من دار والديها صفر اليدين ويستشهدون إدعاماً لرأيهم بما ورد في سفر التثنية ١٥: ١٢ من أن العبد إذا خدم سيده ست سنوات ففي السنة السابعة يعتق ويطلق سراحه مزوداً بالمال فكيف لا تزود الفتيات اللاتي قد خدمن والديهن منذ صغرهن. ولقد فات المعترض أن ذلك يعمل إذا كان الإنسان ذا سعة ولا واجب عليه إذا ضاقت حاله بحيث يضطر إلى أن ينتهك مبدأ التعاون والتعاضد الحقيقي. ويخيل إلينا إن منشأ هذا الإكراه هو الاعتقاد الجازم بصحة الزواج الباكر فالفتاة إذا تجاوزت الثامنة عشرة أو العشرين باتت منبوذة كإحدى الثيبات لا يمد أحد إليها يداً. أما الآن فقد تغيرت الحال قليلاً بواسطة المدارس والمكاتب فأصبح الشاب المتهذب لا يرضى شريكة لحياته إلا التي تكون كاملة السن حائزة صفات الأمومة ملمة بأغلب
стр. 1467
فروع المعارف العصرية كتدبير المنزل والخياطة والقراءة والكتابة ونحوها.
٣ - تزوير الخطبة
عند نفر من رعاع يهود بغداد عادة ذميمة جداً ألا وهي إذا رأى أحدهم غادة حسناء بديعة الجمال فريدة الخلال والخصال وهام بها لكنه لا يصل إليها لأنها أرفع جاهاً وأسمى نسباً أو حسباً فلا يستطيع أن يقدم على خطبتها جهراً لئلا يلحقه من الذل والهوان وقوارص الكلام ما لا تطيق على حمله الأطواد الراسيات يعمد إلى اختلاق الحيل فيغويها بنفثات لسانه. فإذا أفلتت من كيد فخه ونجت سالمة من شركه، احتال عليها بوسيلة أخرى. والوسائل في شرع اليهود عديدة ناجعة تساعد الأوباش على نيل بغيتهم وقضاء وطرهم. فمنها: إنه إذا أهداها أحدهم خاتماً أو نفحها بصرة من الدنانير أو بقطعة من النقود الدارجة بشرط أن تكون من الذهب أو الفضة بمرأى ومسمع من الناس وقال لها: يا فلانة لك أقول خذي هذه الهدية مني عربوناً على عقد خطبتي لك (وغالباً يتلفظ بتلك الكلمات بصوت منخفض جداً بحيث يتمتم ولا يسمع كلامه بجلاء) فالفتاة المسكينة تذهل طبعاً من تلك المباغتة فتأخذ بأن تتفرس بوجه الصبي وبيدها تقدمته لأنها لا تعرف من أمره شيئاً ولا لأي شيء قدم لها تلك الهدية فإذا خطت ثلاث خطوات وهي حاملة خاتمه أو نقوده تعد خطيبته له شرعية ولا يقدر أن ينازعه فيها منازع؛ أما إذا ألقت من يدها في الحال هديته فلا يعتد بفعله بل ولا يحفل بما أتاه؛ بيد أن اغلب الفتيات المسكينات يعتريهن شيء من الذهول فلا يفطن لما في أيديهن ولا يدرين بماذا يجبن فيهربن من أمام ذلك الحيوان الضاري لا يلوين على شيء كالظبي النافر من وجه الأسد فيعد فرارهن هذا حجة ساطعة عليهن ودليلاً راهناً على رضاهن وكم جرت هذه العادة الذميمة - التي لم ينزل بها الله من سلطان - من الويلات والمنازعات فعلى شبان العصر ورجال النهضة الحالية أن يجعلوا حداً لتلك الموبقات المعدودة من فظائع الهمجية. ومما يزيد الطين بلة إن بعض المتشردين والمشعوذين يستأجرون طائفة من أرباب المفاسد لهذه الغاية السافلة فإذا تم لهم ما قصدوه يذهبون بهم إلى الربانيين فيستنطق هؤلاء أولئك الواحد بعد الأخر فإذا وجدوا أن الشهود يؤيدون دعوى الشاب يصرحون على رؤوس الملأ إن الفتاة باتت خطيبتة شرعية للمدعي ومما
стр. 1468
هو أنكى من ذلك إن كثيرين من أغبياء اليهود يذعنون لحكم الحاخامين ذلك الحكم الذي لا يجحف بحقوق الفتاة فقط بل بحقوق الوالدين وبمن يلوذ بهم أيضاً إذ كيف يجوز
في شرع العقل إن فتاة سامية المناقب حميدة السجايا كريمة المحتد ترغم فتقترن بفتى لئيم خبيثٍ فاجر دنئ الأصل من سفلة الناس وطغامهم لكون سنة الشيوخ تحتم ذلك. وقد حدثت واقعة من قبيل ما أوردناه فويق هذا منذ نحو سنة وهو أن أحد الرعاع البدالين (البقالين) في سوق حنون سولت له نفسه أن يقوم بهذا الفعل الفظيع فلما طرق خبر تلك الجراءة مسامع أبوي الفتاة قاما وقعدا لتلك الوقاحة بل الفظاظة الغير معهودة في عصر الحرية والعدالة وأهانا الربانيين كافة لتأييدهم دعوى سخيفة كل السخافة وحجة باطلة يمجها الذوق السليم ولا يأتيها إلا فريق من الطغام اللئام. فلما رأى رؤساء الدين وتحققوا أن لا طاقة لهم على مقاومة والدي الفتاة وأخوتها وأنسبائها وإرغامهم على ما رسموه، فتق لهم عقلهم إذ ذاك أن يتواطئوا سراً مع أحد الشهود على أن ينكر بتاتاً ما فعل ويقول أن المدعي قد رشاني لا شهد زوراً فأتيت ما أتيت من شدة فقري وهاءنذا أعترف أمام الحضور بعظم جريمتي طالبا الصفح والغفران عن زلتي.
لقد فعل الربانيون ما فعلوا خوفاً من هياج الجمهور لئلا يخالفوا سنة الشيوخ ويتعدوا على تقاليد الأباء حسب زعم السذج منهم وادعاء البلداء فناشدتك الله يا صاح هل سمعت في عمرك عن عادة أجحف بحقوق ذوات الحجال من هذه. فيا ليت يقوم اليوم عقلاء اليهود وأدباؤهم ويلغون هذه العادة القبيحة المار ذكرها لكي لا يسري داؤها العياء إلى ما بينهم ويصبحوا مضغة في أفواه ناشئة العصر الذين قد وقفوا نفوسهم وأقلامهم لقلع زوان الظلم والاستبداد ويكونوا في الوقت ذاته قد خدموا طائفتهم خدمة جليلة لا يقدرها حق قدرها إلا ذووها.
٤ - عقد الخطبة
عقد الخطبة ويعرف عند اليهود باسم (التقديس) (واللفظة غير عربية بهذا المعنى) معروف عندهم. ويقولون فلان قدس فلانة وفلان مقدس وفلانة مقدسة إلى آخر ما هنالك من هذه الألفاظ. بمعنى خطب ومخطوبة وخطيب. وتتم الخطبة على هذا الوجه:
يحضر العروسان مع الوالدين والأقرباء والأصحاب والمدعوين إلى ردهة
стр. 1469
فسيحة الأطراف فيقوم الحاخام ويأخذ بيده قدحاً من الشراب الفاخر ويباركه ثم يناوله الخطيب فيشرب نصفه ثم يقدمه إلى الخطيبة فتكرع ثمالته ثم ترده إلى خطيبها فيأخذه ويكسره أمام الحضور دلالة
على أن الوفاق قد تم بينهما ولم يعد في طاقة أحدهما رفض صاحبه أو رفض عقد الخطبة بلا مسوغ شرعي فإذا ألقى القدح تتلقف الحضور كسره وكل من يحصل على كسرة منه يعد نفسه سعيداً لأنه يعتقد أنها بمنزلة آنية مقدسة ويتيمن بها فإذا تم ذلك تقدم أطباق الحلوى إلى الجمهور وبعد أن يأكلوا منها ينتثر عقد المحفل ويذهب كل منهم إلى داره داعياً للخطيبين بالسعد والفلاح.
وفي اليوم التالي يرسل الخطيب إلى خطيبته عقداً ثميناً أو حجراً كريماً أو غيرهما من الهدايا النفيسة والحلويات مع دلال الفتيات وعلى الدلال أن يتقاضى نقوداً من الخطيب باسم جعل الحمال تختلف قيمتها باختلاف الدرجة والمقام.
٥ - رسوم الزواج
عندما يتم جهاز العروسة ويدنوا أوان الاقتران تدفع البائنة إلى العروس بعد أن انفق منها جزءاً في مشتري حلي وثياب للعروسة وأثاث للبيت فإذا كان صاحبنا غنيا ضمها إلى دراهمه وإذا كان تاجراً أضافها إلى رأس ماله وإذا كان مفلساً أصبح ذا رأس مال يتاجر به. بيد أنه يؤخذ من الصداق مبلغ معلوم يخصص لدار السكنى ويسمى بلسانهم (مشكنتي) ولا يجوز للزوج أن يتصرف فيه اللهم إلا إذا مست الحاجة إلى ذلك.
وقبل أن تكون ليلة الزفاف يرسل العروس بدراهم إلى العروسة من جيبه الخاص لتنفقها على نفسها وصويحباتها في الحمام. وفي تلك الليلة تخضب النساء بنان العروسة وأنامل أكثر المدعوات والنسيبات بخضاب يعرف بالحناء وقبل بضع سنوات كانت تحنأ كلتا اليدين ولم تزل تلك العادة جارية عند الكثيرين من سكان الزوراء حتى يومنا هذا. وفي ليلة الحناء يقرع أهل العروسة الدنبركة
стр. 1470
من المساء حتى الصباح ويوقدون شمعتين بالتناوب تركزان في وسط لقن مملوء قمحاً وتوقد الشمعة الأولى إلى نحو نصف الليل ثم تليها الأخرى حتى الفجر. فتطرب النساء والصبيان ويسكر الرجال حتى يعربد بعضهم وفي وسط أفراحهم تأتي الحوانئ (المحنئات) وهن حاملات أطباق الحناء فيحنئن أطراف أصابع العروسة بقموع فترفع أصابعها إلى فوق إلى أن يجف الخضاب ثم تنقض عليها الفتيات ويخطفن القموع من أصابعها لأنهن يعددن ذلك تبركاً وسعادة واغلب الخاطفات يكن من الصبايا العذارى وفي اليوم التالي وهو يوم عقد الزواج يذهب العروس ومعه المدعوون
والأقرباء والرفقاء إلى بيت العروسة فيجلس في صدر الردهة وعن يمينه (الشبين) وفي لسانهم يدعى (اشبنيم) والعروسة في حجرة أخرى خاصة بالنساء ومما يحتم على والدي العروسة ليلتئذٍ أن يحضرا آلات الطرب كالموسيقى والجالغي والدف والدنبك ونحوها لتطرب الحضور بألحانها الشجية. وبعد أن يمضي بضع ساعات يقوم الحاخام ويعقد عهد الزواج ثم تدار أقداح الشراب وأطباق المرطبات والحلوى على الحضور فيأخذ العروس المدعوين إلى داره وتأخذ النساء معهن العروسة ويرافقها إلى قرينها ثم يرفض المجلس وهم يدعون للعروسين بالرفاه والبنين.
من العادات التي لا توجد عند غير يهود بغداد: هي أنه عند زفاف العروسة إلى عروسها أي في الليلة التي يبنى الزوج على زوجته (ليلة الدخلة) تختلي معهما عجوز لتكون شاهدة عياناً على ثوب عفاف العروسة أو بعبارة أصرح لتكون خير شاهد على بكارة الفتاة ولهذه العجوز مشاهرة تتقاضاها من المجمع أو الكنيس في غرة كل شهر قياماً بمهنتها هذه وهناك بضع عجائز قد أقمن لهذه الغاية وإذا اعترض أحد على هذه العادة الذميمة الغير اللائقة بروح العصر يفحمونه بما ورد في هذا المعنى في سفر التثنية ٢٢: ١٣ إذ يقولون إن مثل هذا الاحتياط يحفظ الشابين من كل ما لا تحمد عقباه. ومن خرافاتهم في مثل هذه الليلة إنهم لا يسمحون ببقاء الماء في حجلة العروسة
стр. 1471
والعادة عند الأغنياء والمتوسطين منهم هي عندما يبنى الزوج على زوجه أن تصدح الموسيقى بألحانها المطربة هذا وتقف والدة العروسة وبعض النسيبات عند باب مقصورة العروسين أو بالقرب منه وهن يهلهلن هلاهل تمزق جلباب الفضاء من شدتها وبعد أن يدنوا الزوج من زوجه لا يجوز له بعد ذلك أن يتقدم منها إلا بعد مضي سبعة أيام وأحيانا خمسة عشر يوماً لأنهم يعتقدون إن ذلك لا يخلو من فوائد طبية وفي أثناء هذه المدة لا تترك العروسة وحدها في خدرها لكي لا تكون فتنةً لرجلها قبل المدة المضروبة للملاقاة الثانية. ومن عاداتهم القديمة أن العروسة تجلس في الوسط ومن عن يمينها وشمالها تقعد امرأتان وعلى رأس كل منهما أزار ولكن هذه العادة قد بطلت عند المتنورين منهم لأن القدماء وكثيرين من العوام يعتقدون إن المرأتين تطردان الأرواح الخبيثة عن العروسة.
وفي اليوم السابع يدعو الحم صهره وابنته معاً إلى داره ويعد لهما وليمة وهم يدعونها في
اصطلاحهم (فتح الوجه) ذلك لأن العروس لا يذهب إلى بيت حميه حياء وتأدباً ما لم يدعه دعوة خصوصية وإذ لم يأدب له مأدبة. فلا أقل من أن ينفحه بصره من الدنانير تكون بمثابة الدعوة.
ومن العادات الراسخة في الأذهان والمعدودة من قبيل وحي الأديان أن الشاب لا يجوز له شرعاً أن يتزوج أرملة أو مطلقة وإذا اقترن بها لداعٍ من الدواعي وأصبحت حليلته يحتم عليه أن يتزوج بعد حين بفتاة عذراء لم يعرفها رجل قط.
ويجوز للرجل في شرع اليهود أن يتخذ ابنة أخته زوجةً له وأما عند المسلمين والنصارى فلا يجوز البتة لأنهم يعتقدون أن ابنة الأخت هذه هي بمقام أخته أما اليهود فيذهبون إلى أن ابنة الأخت تعد غريبة النسب لكون والدها غريباً ويوردون لخصمهم ما جاء في سفر اللاويين ١٨: ٦ من أنه لم يرد نهي عن اتخاذ ابنة الأخت زوجة للخال غير أنه وإن لم يرد شيء من قبيل ذلك إلا أنه مما تنفر منه الطباع العفيفة والعقول السليمة لقرب صلة الرحم بينهما وكثيرون من الإسرائيليين لا يقدمون على ذلك تشاؤماً من الموت الباكر وتطيراً من انقضاض غراب البين واختطاف أحد الزوجين
стр. 1472
وهو في شرخ الشباب وغضاضة الإهاب فلأجل ذلك لا يقدم عليه في حاضرتنا إلا نادراً وقد اقترن بعضهم ببنات أخواتهم بيد أن اغلبهم ماتوا وتركوا نساءهم أرامل حتى مماتهن لأنه لم يجسر أحد الرجال على أن يقترن بإحداهن لئلا يصيبه ما أصاب الزوج الأول.
والشيء الذي لا بد من ذكره في هذه العجالة وتوجيه الأنظار إليه هو أن بعض الفتيات الإسرائيليات يصبأن إلى الدين الإسلامي في كل عام تقريباً أما لفقرهن المدقع وأما لداعي العشق والغرام وقد صبأت إحداهن إلى النصرانية منذ نحو عامين في البصرة واقترنت بأحد النصارى الأرمن وهي حية ترزق وقد ولدت ابناً وابنة وهذا مما لا يقع إلا نادراً.
٦ - الطلاق عند اليهود
الطلاق جائز في الدين اليهودي لأمرين مهمين فقط وهما: ١ - إذا خانت المرأة بعلها ودنست مضجعه بشهادة الجم الغفير. ٢ - إذا كانت عاقراً وأراد بعلها أن يقيم له نسلاً فيمكنه أن يطلقها أو يهجرها فإن أبت الزوجة أن تفارق قرينها فراقاً باتاً يجوز لها أن تمكث معه ولكن حذراً من وقوع الخصام والنزاع بين الضرتين تقيم كل من الزوجتين في
بيت خاص بها.
هذا ولا يجوز لليهودي الأضرار أي التزوج بأكثر من امرأة واحدة اللهم إلا لأسباب صحية أو غيرها من الأسباب التي تتعلق بها سعادة الزوجين وهناؤهما.
رزوق عيسى
الرّماحية
في ربوع خزاعة بالشامية على مقربة من النجف أنقاض بلدة قائمة على جدول كان ينحط إليها من الفرات، تلك هي بلدة (الرماحية) لم يذكرها ياقوت لأنها مستحدثة بعد زمانه قليلاً ولا تكلم عليها الباحثون المتأخرون فيما اعلم ويقول
стр. 1473
بعض المنتسبين إليها طائفة من حاشية السلطان سليم الأول (من سنة ٩١٨ (١٥١٢م) - سنة ٩٢٦ (١٥١٩م) نزلوا هذا المكان فاستطابوه واختاروا الإقامة فيه، وقال لي بعضهم أن هؤلاء من متصوفة الأتراك احتلوها في بدء أمرها وبهم عمرت أوليهم تنسب بعض البقاع إلى الآن؛ وكان العراقيون يسمونهم روماً - على عادتهم في تسمية الأتراك - ثم أضيفت الناحية إليهم وقيل (روم ناحية) ثم ادمجوا الكلمتين فقالوا (الرماحية).
هذا كل ما عند أهلها عنها إجمالاً غير أني لا أعتمد ولا أراه ثبتاً لأن ما انتهى إلينا من أخبار الرماحية يرتقي إلى أبعد من التاريخ الذي عينوه، فإن المولى علي بن محمد المشعشع ملكها في نحو سنة ٨٦٠ (١٤٥٦م) في جملة حواضر العراق التي وقعت بيده وبنى قربها حصناً للحامية ذكر ذلك بعض مؤرخي الدولة الايلخانية في العراق وحكاه التستري صاحب (مجالس المؤمنين) الفارسي في كتابه بل يظهر مما أورده النوري في كتابه (دار السلام) أن بعض العشارين كان يقيم في الرماحية على عهد السيد عبد الكريم بن طاووس المتوفى سنة ٦٩٣ (١٢٩٤م).
فالظاهر أنها أنشئت في أخريات القرن السابع للهجرة ولم يقم دليل قوي على أن عمارها الأولين كانوا أتراكا أو روماً أضيفت الناحية إليهم وربما كانوا رماحة أي يعملون الرماح ويتخذونها لأن موقع البلدة في سرة العراق وصميم القبائل العربية وكل حي لقاح ممتنع على السلطان من خزاعة وغيرها وكانوا يصطنعون أسلحتهم بأيديهم قبل اختراع الناريات وقد أخرجت الرماحية جماعة من العلماء والمجتهدين غير من كان يختار الإقامة فيها من فقهاء النجف وطلابها؛ لا سيما عهد آل طريح الرماحيين حتى قصدها الناس وتطلعوا إلى زيارتها؛ وأقدم من نعرف من زوارها غير الفاتحين السيد نعمة الله الجزائري المتوفى سنة ١٢٠٠هـ (١٧٠٠م) عاج بها سنة ١١٨٩
стр. 1474
(١٧٧٥م) وقصدها من النجف قال في ترجمته
نفسه: (ولما فرغنا من الزيارة (في النجف) شرعنا في زيارة الأفاضل والمجتهدين ومباحثتهم ثم أتينا إلى الرماحية وكنت ضيفاً عند رجل من المجتهدين أياماً).
ومر علينا السيد عبد اللطيف الرحالة الجزائري سنة ١١٩٥ (١٧٨١م) فقال في رحلته الفارسية (تحفة العالم): (واكترينا جمال جمالة (السماوة) على أن نذهب إلى النجف بطريق الرماحية).
وكانت الرماحية معاج من يصعد في الفرات من البصرة ففي سنة ١٢١٣ (١٧٩٨م) مر بها عامل البصرة من قبل سليمان باشا القتيل والي العراق وكان ابن سند البصري في صحبته. وأقدم من غزاها المولى (علي) ملك الحويزة كما مر بك وفي سنة ١٢٢٢ (١٨٠٧م) حصرها الوهابيون بعد امتناع النجف عليهم فصابرتهم وافرجوا عنها إلى الحلة.
ثم إن الماحية منذ عهد غير بعيد طم نهرها وتحول مجراه واستحدثت قربها بعض الحواضر فهجرها أهلها وتفرقوا في مدن العراق الفراتية وهم يعرفون بالنسبة إلى بلدهم إلى الآن وما زالوا حلفاء أهل النجف وإليه ينسب الشيخ فخر الدين الطريحي العالم المحدث اللغوي المتوفى سنة ١٠٨٥ (١٦٧٤م) وبها أقام في أواخر أمره وكان يجتهد في تسديد الرماحيين وتبصيرهم وقد عثروا أخيراً على آثار له في جامع خرب كان يصلى فيه فغالى الناس بها هناك ومن العلماء الذين أخرجتهم الرماحية السيد (أحمد زوين) (سنة ١٢٣٠) (١٨١٥م) جد آل
стр. 1475
زوين الأسرة العلوية المعروفة في النجف. هذا ما أردنا تدوينه حرصاً على الحقائق التاريخية وفوق كل ذي علم عليم.
النجف: محمد رضا الشببي
(لغة العرب) وقد جاء ذكر الرماحية في حوادث سنة ٩٣٦هـ (١٥٣٠م) حينما ولى الشاه طهماسب (صالح سلتان) الرماحية - وفي وقائع سنة ٩٥٩ (١٥٥٢) حينما أقيم محمد باشا والي بغداد (سرداراً) وعهد إليه أن ينوب مناب عثمان باشا المتوفى ليأخذ الوسائل اللازمة لقهر حصن شهرزور ومن فيه فتوجه إلى هذه القلعة وأقام في موطنه في بغداد قيم مقام سهيل بك والي الرماحية - وفي أحداث أواسط جمادي الأولى سنة ١٠٧٦ (الثلث الثاني من شهر ت ٢ سنة ١٦٦٥) حينما حاول الوزير إبراهيم باشا التنكيل بحسين باشا المتحصن في القرنة لكنه لم يتبصر في العواقب وذلك أنه توقع أن حسين باشا يطلب منه
الصفح والغفران عما فعل إلا أنه لما وصل جيشه إلى الرماحية ولم ير ما كان يؤمل كتب إليه رسالة يحمله بها على الرعوى فلم يعمل خصمه بما أشار عليه حتى دارت عليه الدوائر ونكب نكبة شديدة - وفي أخبار سنة ١٠٧٨ في ٧ جمادي الآخرة (٢٥ ت ٢ سنة ١٦٦٧م) حينما سافر لوزير قره مصطفى باشا والي بغداد زاحفاً على حسين باشا والي البصرة الذي كان قد طغا وبغى وعصى على السلطان فذهب الوزير إلى زيارة النجف بينما كان عسكره يتجه نحو الرماحية ليجتمع به هناك - وفي أنباء سنة ١١٠٥هـ (١٦٩٤م) حينما رأى الحاج أحمد باشا استفحال أمر المنتفق الذين كانوا قد كسروا مراراً عديدة العسكر الذي زحف عليهم في عهد شيخهم مانع واستحوذوا على العرجاء والسماوة والرماحية ونواحي الجزائر.
واخذ ذكر الرماحية بالخمول منذ طغيان الفرات الذي وقع في سنة ١١١٢
следующие страницы →