Полный текст (6 158 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
تاريخ الطباعة العراقية
مطابع العراق وثمراتها (من سنة ١٨٥٦ إلى سنة ١٩٢٦)
٢ - تابع مطابع الموصل
وأسس الآباء الدومنكيون فرعا في مطبعتهم الموصلية جعلوها معملا لتجليد الكتب وتذهيبها على الطراز الإفرنجي الحديث وقد كان الموصليون قبل وجودها يجلدون كتبهم على الطريقة العتيقة.
وأول كتاب طبع فيها (رياضة درب الصليب) سنة ١٨٦٠.
ومن الذين تولوا فيها الخدمة الكبرى بالتأليف والترجمة والطبع والتصحيح مدة طويلة المثلث الرحمة السيد اقليميس يوسف داود السرياني الموصلي مطران دمشق اشتغل فيها نحو عشرين عاما ولو بقي في الموصل يتعهدها بعلمه
стр. 1822
واجتهاده لأدت خدمات عظيمة أكبر مما أدته ولضارعت ثمرات المطبعة الكاثوليكية في بيروت التي يديرها الأباء اليسوعيون.
стр. 1823
واشتغل فيها مدة طويلة المرحوم المعلم نعوم فتح الله سحار وأعقبه المعلم سليم حسون الأستاذ في مدرسة الأباء الدومنكيين في ذلك العهد (ومدير جريدة العالم العربي ورئيس تحريرها في بغداد اليوم).
ولما أعلنت الحرب الكبرى في صيف سنة ١٩١٤ كان قد شرع في فتح جادة في الموصل واحتيج إلى هدم بناء المدرسة للأباء الدومنكيين والمطبعة الملاصقة لها في إنشاء هذه الجادة فهدمت بنايتها وصودرت أدواتها وأجهزتها بتهمة أنها تابعة لإدارة أجانب من الفرنسيين ونقلت بعض أدواتها وحروفها إلى مطبعة الحكومة في الموصل حيث استعملت في طبع الجريدة الرسمية (الموصل) وظلت مستعملة إلى هذا اليوم مع تغير الزمان والحكام وزوال الحكم العثماني وحلول الحكم الوطني. وكان والي الموصل العثماني في زمن إعلان الحرب الكبرى سليمان نظيف بك الكاتب التركي الشهير.
ومع أن المبعث الدومنكي قد عاد إلى بعض نظامه في الموصل وأعيد تأسيس مدرسة الأباء وتشييد بنايتها بالمبالغ التي أعطتها حكومة الاحتلال الإنكليزية كتعويضات إلى المبعث تعويضا عما أخذ من بناية المدرسة وعمارة المطبعة للجادة فالمطبعة ما زالت مبعثرة وقد
استردوا الموجود من أدواتها وآلاتها غير ما نهب وشتت. ولما يعد تنظيمها وفتحها للشغل فخسرت بخرابها البلاد أداة نافعة في النهضة والعمران.
مطبوعاتها:
أولا - (الكتب المقدسة والدينية والتقوية وسير القديسين ونحوها)
١ - (الكتاب المقدس) في أربعة أجزاء تعريب السيد اقليمس يوسف
стр. 1824
داود السرياني مطران دمشق بقطع الربع (سنة ١٨٧١ - ١٨٧٧ صفحاته ٢٥٠٧)
٢ - (الكتاب المقدس) طبعة أخرى في مجلدات (١٨٧٤ - ١٨٧٧ ص٣٨٠٦)
٣ - (العهد الجديد) طبعة متقنة مع تصاوير (ص٧٤٤)
٤ - (مزامير داود) (١٨٩٢ ص٣١٣)
٥ - (الأناجيل المقدسة الأربعة) بقطع صغير (١٨٩٢ ص٥١٨)
٦ - (قصص الرسل) (١٨٩٣ ص١٦٦)
٧ - رسائل مار بولس الرسول) (١٨٩٩ ص٥٦٧)
٨ - (الدرة النفيسة في بيان حقيقة الكنيسة) للبطريرك اغناطيوس بهنام الثاني السرياني (١٨٦٧ ص٣٢٢)
стр. 1825
٩ - (رسالة المقدمة والنتيجة في حقيقة عقد الخطبة والزيجة) للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (١٨٧٤ ص٧٦)
١٠ - (مختصر صغير في التعليم المسيحي) طبع طبعات متعددة بقطع صغير ص٤٨)
١١ - (مختصر التعليم المسيحي) (طبع ٦ مرات ص١٩١)
١٢ - (خلاصة التعليم المسيحي) - التعليم المنسوب إلى السيد امانتون - عربه المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (١٨٦٣ ص٢٣ و٢٥٤)
١٣ - (التراجم السنية للأعياد المارانية) لايليا الثالث البطريرك النسطوري المعروف بابي الحليم الحديثي عني بطبعه وشرحه المطران ميخائيل نعمو الكلداني (بقطع الثمن ١٨٧٣ ص٣١٣) وقد طبع بعد ذلك طبعة جديدة.
١٤ - (الخطب الباهرة والمواعظ الزاجرة) للأب بولس سنيري اليسوعي تعريب قديم للمطران السيد اقلميس يوسف داود السرياني (١٨٧٠ ص٩٠٧ وطبع ثانية ١٨٨١
ص٩١٣)
١٥ - (المواعظ السديدة الأدبية في تثقيف المسيحي في طريقته الدينية)
стр. 1826
للأب سنيري اليسوعي (جزءان ١٨٩٣ ص٤٧٥ و٤٥٦)
١٦ - (نبذة من القوانين منقولة من المجامع المقدسة) لفائدة الاكليروس السرياني الموصلي (١٨٧٢ ص٤٩ وطبع مجددا ص٣٢)
١٧ - (كلندار السنة الأبرشية الموصل السريانية) تأليف البطريرك اغناطيوس بهنام الثاني السرياني (١٨٧٧ ص٢٥٤)
١٨ - (كلندار حسب طقس الكنيسة السريانية الانطاكية (١٨٨٧ ص١٤٤)
١٩ - (سيرة القديسين) للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (١٨٧٣ و١٨٩٠ جزءان ص١٦٥٠).
٢٠ - (سيرة أشهر شهداء المشرق) (١٩٠٠ ص٤٥٢)
٢١ - (سيرة مار فرنسيس لاسيسي السرافي عربه عن الإيطالية أحد الأباء الكبوشيين (١٨٦٤ ص٤٠٠)
٢٢ - (سيرة مار عبد الأحد منشئ رهبانية الواعظين) للأب لافي الدومنكي (١٨٦٦ ص٢٨٢)
٢٣ - (الزهرات المقدسة المقطوفة من جنة مار عبد الأحد) (١٨٦٧ ص٤٥٢)
٢٤ - (سيرة القديسة تريزة) (١٨٦٧ ص٦٢٠)
٢٥ - (سيرة مار افرام) جمعها أحد الأباء السريان الكاثوليك (١٨٨٣ ص١١٨)
٢٦ - (اسطاخيوس القائد الروماني) (١٩٠٠ ص٢٣٤)
٢٧ - (تحفة الزهور الذكية للنفوس العابدة المسيحية (عن طبعة رومية ١٨٦١ ص٥٢٢)
٢٨ - (زوادة النفس التقية في طريق الحياة المسيحية) (طبع رابعة ١٨٨٧ ص٣٦٢)
٢٩ - (الحرب الروحية) تعريب الأب بطرس فروماج اليسوعي (١٨٦٨ ص١٤٠٨)
٣٠ - (تأملات يومية للقديس الفولس ليكوري) ترجمة جديدة للمطران
стр. 1827
السيد اقليمس يوسف داود السرياني (١٨٦٠ ص٢٤٠)
٣١ - (الواسطة العظيمة للخلاص) للقديس ليكوري (عدا الطبعة الرومانية ١٨٧٠
ص٣٥٢)
٣٢ - (المنتخبات الكنبيسية في السيرة القدسية) تعريب الخوري عبد الأحد جرجي (١٨٩٨ - ١٩٠٠ في ٣ أجزاء ص١١٦٠ وطبع المجلدان ال ٤ و٥ في ١٩٠٢ - ١٩٠٣ ص ٢٦٩ و٣٣٩)
٣٣ - (مجموع تساعيات لأفضل أعياد السنة) لأحد الآباء الكبوشيين (١٨٦٩ ص٣٨٠)
٣٤ - (الكينارة الصهيونية لتسبيح العزة الالاهية) جمعه ونقحه المطران يوسف داود (١٨٦٤ ص٤٢٥ ثم ١٨٩١ ص٣٧٢)
٣٥ - (شرح مختصر في الرهبنة الثالثة الدومنكية) (ص١٦)
٣٦ - (ملخص أخبار الرهبنة الثالثة) (١٩٠٠ ص٢٦٠)
٣٧ - (رياضة درب الصليب) (١٨١١ ص٤٨)
٣٨ - (مختصر رياضة درب الصليب) (ص٣٢)
٣٩ - تروض في آلام يسوع المسيح لكل جمعة من الصوم الكبير (١٨٦٣ - ص١٩)
٤٠ - (زيارة القربان الأقدس وزيارة مريم العذراء) للقديس ليغوري تعريب جديد للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (١٨٦٩ - ١٨٧٦ ص٣٢٠)
٤١ - (شهر قلب يسوع الأقدس) (طبعة ثانية ١٨٨٣ ص٤٦٢)
٤٢ - (فرض مريم العذراء الصغير بحسب الطقس الدومنكي (١٨٦٤ ص١٦٨ ثم ١٨٨٩ ص٢٠٧)
٤٣ - (فرض السيدة الصغير بحسب الطقس الروماني (ص١٦٥)
٤٤ - (المتعبد لمريم) للأب بولس سنيري اليسوعي عربه الأب بطرس فروماج ونقحه المطران يوسف داود (١٨٧٠ ص٢٦١ ثم ١٨٩٦)
٤٥ - (الشهر المريمي) (١٨٩٢ ص٢٥١)
стр. 1828
٤٦ - (النزهة في الورود) يمثل ظهور السيدة في لورد عربه عن الفرنسية القس يوسف جرجس السرياني (١٨٩٣ ص٢٦٠) وهو اليوم مطران حارستا
٤٧ - (مصحف الوردية المقدسة) (١٨٦٧ ص٣٥٢)
٤٨ - (شرح مختصر في أخوية الوردية) (طبعة ثانية ١٨٨٣ ص٤٨)
٤٩ - (عبادة الوردية المؤبدة) (١٨٨٠ ص٨٤)
٥٠ - (طريقة سهلة للتأمل في أسرار الوردية المقدسة) (طبعة ثانية ١٨٨٥ ص٦٤)
٥١ - (دستور الوردية المقدسة) (١٩٠٠ ص٦١)
٥٢ - (ثوب سيدتنا ذات الكرمل) (١٨٨١ ص ٣٠ ثم كرر طبعه)
٥٣ - (ثلاثة ينابيع نعم للأنفس المسيحية) (١٨٨٠ ص٩٦)
٥٤ - (إكليل البتول الطاهرة مريم) للمطران السيد أدي شير ابرهينا الكلداني (١٩٠٤ ص٥٧)
стр. 1829
٥٥ - (كتاب المتعبدين لقلب يسوع الأقدس) (١٩٠٦ ص٣٩٦)
٥٦ - (كلندار الأعياد والتذكارات والصيامات حسب الطقس الكلداني) (ص١٦)
٥٧ - (مجموع صلوات اعتيادية) (ص١٧٥)
٥٨ - (فرض الموتى حسب الطقس اللاتيني) (ص٥٢)
٥٩ - (تأملات لكل أيام الشهر) للأب موزاريلي اليسوعي (ص٢٥٠)
٦٠ - (مجموع تسعيات) ترجمة لأحد الأباء الكبوشيين من ماردين (ص٣٧٧)
٦١ - (أخوية اسم الله واسم يسوع) (ص٢٢)
٦٢ - (أخوية الوردية المقدسة) (ص٤٨)
٦٣ - (طريقة جيدة للتأمل في أسرار الوردية المقدسة (ص ٤٠)
٦٤ - (أخوية زنار مار توما الاكويني) (ص١٦)
٦٥ - (خمسة مزامير القديس بوناونتورا إكراما لمريم العذراء) (ص١٦)
٦٦ - (ملخص أخبار الرهبنة الثالثة التوبئية) (ص٢٦٠)
٦٧ - (الدليل الأمين للمشتركين بأخوية سيدتنا لقلب يسوع الأقدس
стр. 1830
(ص٨٠)
٦٨ - (قوانين أخوية الحبل بلا دنس) (ص ١٦٠)
٦٩ - (قرارات ورسائل وأناجيل حسب الطقس الكلداني (٣ أجزاء ص١١٦ و١٠٨ و١٢٠)
٧٠ - (ثلاث وأربعون ترنيمة تقوية مأخوذة من الكينارة الصهيونية) (ص٧٤)
٧١ - (سيرة بعض الطوباويين والأتقياء الدومنكيين (ص١٢٣)
٧٢ - (استشهاد مار ترسيسيوس) (ص١١٩)
رفائيل بطي
استدراك
طلب كاتب المقالة في تمهيده لبحثه أن ينتقد الأدباء المحققون مقالاته ويرشدوه إلى مواضع الخطأ فيها ويكملوا النواقص التي يفوته ذكرها، وها قد بعث رزوق عيسى بعد اطلاعه على القسم الأول من المقالة المنشورة في الجزء الماضي بهذا الاستدراك:
سيدي صاحب مجلة لغة العرب المحترم
طالعت ما كتبه الأديب رفائيل أفندي بطي في الجزء الثالث من مجلة لغة العرب بعنوان (تاريخ الطباعة العراقية) والذي لفت نظري قول الكاتب:
(وفي هذه السنة عينها (١٨٥٦) جلب إلى كربلاء أحد أكابر الفرس مطبعة حجرية لا يذكر الناس من نتاجها إلاَّ سفرا بقي بكرا وحيدا) وقد فاته ذكر أول مطبعة حجرية تأسست في الكاظمية وطبع فيها (دوحة الوزراء في تاريخ وقائع الزورآء) تأليف الشيخ رسول أفندي الكركوكي وقد تولى طبع هذا الكتاب مرزا محمد باقر التفليسي بخطه عام ١٢٣٧هـ ١٨٢١م فمن هنا يظهر أن أول مطبعة حجرية نصبت في الكاظمية كانت قبل اكثر من مئة سنة.
رزوق عيسى
стр. 1831
مشاهير العراق
في القرن الثالث عشر ونصف القرن الرابع عشر
كان القرن الثالث عشر ثم هذا القرن الذي نحن فيه من احفل القرون التي مرت على العراق بعد سقوط الدولة العباسية بنوابغ الأدباء، وأكابر العلماء، وأمثال النبلاء؛ وقد مضى ردح من الزمن ولم أر من عني بتأليف كتاب يتكفل بشرح سيرهم ويوفيهم حقهم على اختلاف صنوفهم ومشاربهم - فحملني الكلف باجتلاء عرائس المأثور من المنظوم والمنثور. وسير العظماء والمشاهير على تأليف كتاب جامع مانع يضم بين دفتيه تراجم من نبغ في هذين القرنين في العراق من مشاهير العلماء، ومجيدي الشعراء، وأخبار الأعيان والأمراء، وعظماء التجار والأغنياء، ومبرزي القراء والمغنين الظرفاء. . . الخ وظللت زمنا أتسقط أخبارهم من مختلف المصادر، واسأل عنهم من لقيت من الشيوخ الثقات حتى توفر لدي منها (رقائق تحسد رقتها أنفاس النسيم، وقلائد تروع حالية العذارى فتلمس جانب العقد النظيم).
وقد احب حضرة الأستاذ الكرملي أن انشر في كل جزء من (لغة العرب) نموذجا من ذلك يكون تحفة لقرائها، ومرجعا للباحثين عن تاريخ العراق. وهاأنا ذا محقق بغيته:
نموذج من تراجم الظرفاء
الملا طعمة بن عبد الوهاب
١ - كان في بغداد من نوادر الإعصار يذكرك إذا سمعت أخباره أبا نواس في نوادره وغرائبه.
وهو ربيب الشيخ محمد سعيد الطبقجلي مفتي بغداد وجده صبيا يبكي عند
стр. 1832
باب جامع الحيدرية ضالا فسأله عن اسمه فقال: (طعمة) وعن أبيه فقال: (عبد الوهاب) فأخذه إلى داره وعني بتربيته وتهذيبه ووكل به من علمه القرآن الكريم فحفظه حفظا متقنا، وتعلم الخط فجوده، ودرس اللغة العربية وشدا الأدب، وأتقن صناعة التجليد، وحذق ضروب الغناء والضرب على الكمنجة حتى اصبح في فنونه أعجوبة الدهر.
وكان مفرط الذكاء مجيدا في تقليد الحركات والحكايات والأصوات منقطع النظير في السباحة؛ يتصرف فيها تصرفا عجيبا ويأتي فيها ضروبا لا يكاد يقدر عليها إنسان فكان تارة يعوم على سطح الماء منتصبا حتى لكأنه جالس على كرسي أو فراش وثير ويضع على فخذه نارجيلة يدخن بها ذاهبا آئبا يمينا وشمالا. وتارة يقطع دجلة منكسا رأسه لا يبين منه سوى عجزه خارجا إلى غير ذلك مما يفتن الألباب من عجائب الألعاب.
ومن نوادره قصة مشهورة يذكرها الشيوخ فيما يذكرون في مجالسهم من النوادر والغرائب، وذلك أنه قبل أن يبقل عذاره ويطر شاربه صنع من الصوف لحية وشاربا ووضعهما في موضعهما من وجهه ولبس عمامة هندية كأنها العش، وهيأ له من حمل أمامه الفانوس (المصباح) وقت العشاء في الصيف فأستأذن على مربيه المفتي وكان مجلسه غاصا بأصحابه الفضلاء والأعيان قائلا: أنه من حكماء الهند وأطبائها فأذن له فلما دخل نهض المفتي واستقبله وجذبه إلى الصدر ورحب به وقد خفي عليه أمره فأخذ طعمة يتكلم بلهجة هندي تعلم العربية واظهر أن له اليد الطولى في الطب والحكمة، وكان في المفتي وفي كثير من جلسائه أمراض لا تخفى عليه لكثرة خدمته لهم ووقوفه على خافيهم وباديهم، فصار كل واحد منهم يتقدم إليه فيجس نبضه ويفحصه فحص الطبيب الحاذق فيخبره بما فيه ويصف له ما يناسبه من العقاقير حتى بهرهم وأخذتهم الدهشة من حذقه ومعرفته. فلما أستأذن للوداع شيعه المفتي وجماعته معجبين به راغبين إليه في الاجتماع به كثيرا حتى
إذا بلغ السلم انحدر مسرعا كالبرق فضحك الخدام ضحكا عاليا سمعه المفتي وأصحابه في السطح فسألوا عن السبب فأخبروهم بالأمر فاستغرقوا في الضحك واعجبوا بنكتته.
стр. 1833
وقد بدل اسمه أخيرا باسم (ناجح) فقال فيه الأديب محمد فهمي العمري على سبيل الممازحة:
هنئت يا (ناجح) في هذا اللقب ... اسما سما جميع أسماء العرب
يا لك من اسم إذا سمعته ... يهزني من حسن لفظه الطرب
لازلت يا (ناجح) تسمو في الورى ... باسمك هذا رتبا فوق رتب
تفاؤلا بالخير في نجاحكم ... به دعاك الناس يا أبا العجب
لم تر عيني كاتبا بين الورى ... كناجح أن خط يوما أو كتب
وأن تغنى اسكت ابن معبد ... وأخجل الحبر أبن هاني أن خطب
أجارك الله من اسم قد غدا ... في قبحه كأنه داء الجرب
لا بارك الله بطعمة بلى ... بارك عز شأنه في ذا اللقب
وجن طعمة في آخر عمره وتوفي سنة ١٣١٥هـ في بيت آل جابر أفندي في الحلة، وقد بلغني أن لديهم مجموعة من شعره ولم يصلني منه إلاَّ شيء قليل أوردته هنا؛
قال وقد سرقوا حذاءه وتركوا له عوضا عنه حذاء طويلا يفضل عن قدمه:
قطع الله يمينا ... سرقت مني حذائي
عوضتني بحذاء ... نصفه يمشي ورائي
ويروى (عوضتني فلك جسر. . . الخ). وقال يهجو بيتا من بيوتات بغداد:
بسوء الفعل يا أبناء دلّة ... تركتم كل قلب فيه علة
فما فيكم فتى يرعى ذماما ... ولا حر يرى حق الاخلة
ترديتم ثياب اللؤم طبعا ... وصرتم في البرايا شر ملة
فما شهد الزمان لكم بفضل ... ولا ذكرت لكم في الخير خصلة
إذا طرق الضيوف لكم فناء ... طلبتم من نساء الحي بوله
لتطفوا نار موقدكم سريعا ... مخافة أن يحوم الضيف حوله
стр. 1834
متى ترحم قلوبكم فقيرا ... متى تسمح كفكم ببصلة
متى جدتم على عاف بشيء ... يساوي قدره في الناس نملة
فمن يرجو شرابا من سراب ... كمن يرجو ندى من آل دلّة
فقبح حيكم من حي قوم ... متى ما حرك النباح ذيله
لكم في السؤ أخبار تجلت ... كعين الشمس لم تحتج أدله
جراحات السنان لكم طباع ... لها لسع أباد الجسم كله
فصور شخصهم قبرا بأرض ... بها الأموات أضحت مضمحلة
ولا تأسف على قوم لئام ... تبين لؤمهم عند الاجله
ولا تغتظ من الاردا ودعه ... ودع في. . . . ستين جزله
وقال يمدح السيد عارف حكمة ابن العلامة السيد عبد الله الالوسي يوم كان (مدير المال) في السماوة، وقد وجدته بخط شيخنا العالم الجليل السيد علي علاء الدين الالوسي عليه رحمة الله:
زان السماوة عارف بوجوده ... فحكت به روضا زها بورده
أو ما ترى أرجاءها بأريجه ... طابت وأزهر روضها بوجوده
بوفوده أنحاؤها قد أشرقت ... قد أشرقت أنحاؤها بوفوده
شهم سما الأقران فضلا ياله ... فضل يحار العقل في تقليده
ما خاب من وافاه يطلب نيله ... كم معدم أحياه وابل جوده
ورث المكارم كابرا عن كابر ... والفضل عن آبائه وجدوده
لما مضى أسلافه خلق الندى ... فسعى وايم الله في تجديده
وكذا الوفا لما وهت أركانه ... أضحى شديد العزم في تشييده
اكرم به من أريحي دأبه ... بذل الندى لعدوه وودوده
لازال في فلك السعادة كوكب ... يبدي السنا لقريبه وبعيده
محمد بهجة الأثري
стр. 1835
دفع المراق في كلام أهل العراق
لهجتهم في الأسماء الثلاثية:
كل ما كان من الأسماء الثلاثية ساكن الوسط، ولم يكن مضافا إلى ضمير المفرد متكلما كان أو مخاطبا أو غائبا، جعلوا وسطه متحركا في كلامهم، غير أن هذه الحركة تختلف باختلاف حركة الحرف الأول من الأسماء فأن كان الحرف الأول مضموما جعلوا الحرف الثاني مضموما أيضا، كقولهم في قفل قفل، وفي شغل شغل، وفي خبز خبز، وفي حكم حكم وفي جرم جرم، وفي شكر شكر وفي كفر كفر، وفي مهر مهر. هذا هو الغالب في كلامهم. وأما قولهم في حسن بكسرتين وكذلك في جبن جبن وفي دهن دهن فشاذ أو هو على توهمهم أن أصله فعل بكسر فسكون.
وأن كان الحرف الأول من الاسم مكسورا، جعلوا ثانيه مكسورا أيضا، كقولهم في حمل حمل، وفي حبر حبر، وفي حلم حلم، وفي فكر فكر، وفي ذكر ذكر، وفي كذب جذب، وفي شبر شبر، وفي تبن تبن.
وإن كان الحرف الأول من الاسم مفتوحا، جروا في حركة ثانية على ثلاثة وجوه: الاول أن يجعلوه مفتوحا أيضاً كقولهم في بحر بحر، وفي دهر دهر، وفي مهر مهر الثاني أن يجعلوه مضموما؛ كقولهم: في تمر تمر، وفي خمر خمر، وفي جمر جمر، وفي قلب كلب، وفي قبر كبر، وفي حرف حرف، وفي صبر صبر، الثالث أن يجعلوه مكسورا كقولهم في نجم نجم،
стр. 1836
وفي كلب جلب، وفي أرض أرض، وفي كرد جرد، وفي فرد فرد، وفي برد برد، وفي شمع شمع، وفي دمع دمع.
ويتحصل من هذا: أن الاسم الثلاثي الساكن الوسط، إن كان مضموم الأول ضموا ثانيه، وإن كان مكسور الأول كسروا ثانيه، وكانت هذه الحركة من قبيل حركة الاتباع؛ وإن كان مفتوح الأول جروا في حركة ثانيه على ثلاثة وجوه؛ الضم والفتح والكسر؛ وإن هذا أعنى تحريكهم الحرف الثاني إذا كان الاسم غير مضاف إلى ضمير المفرد، سواء كان متكلما أو غائبا أو مخاطبا. وأما إذا كان مضافا إلى أحد هذه الضمائر فإنهم يبقون ثانيه ساكنا ولا يحركونه بخلاف ما إذا كان مضافا إلى ضمير الجمع من المتكلم والمخاطب والغائب فانهم
حينئذ يحركونه أيضاً على الوجه الذي ذكرناه.
وأما إذا كان الاسم الثلاثي متحرك الوسط وكان مفتوح الاول والثاني فانهم يجرون فيه على ثلاثة اوجه: الأول أن يبقوه على حاله بلا تحريف ولا تغيير كالخبر والطرب والكرب والذهب والحطب والعجب والشعر وغير ذلك؛ الثاني: أن يحرفوه بجعل فتحته الأولى ضمة كقولهم في القمر كمر، وفي الكبر كبر (لهذا الشجر المعروف). وفي الطبر طبر، وفي صفر صفر، وفي ثفر ثفر وفي هذا الأخير تحريفان: إبدالهم الثاء المثلثة تاء مثناة وجعلهم فتحته الأولى ضمة، الثالث أن يحرفوه بجعل فتحته الأولى كسرة كقولهم في الجمل جمل، وفي الخشب خشب، وفي الكفن جفن، وفي الشجر شجر، وفي القدح جدح
لهجتهم في فعيل وفعيلة
كل ما كان على فعيل وفعيلة من الأسماء والصفات جرت ألسنتهم في الأعم
стр. 1837
الأغلب بكسر أوله كقولهم طويل وطويلة وجريم وجريمة وشعير وشعيرة وسمين وسمينة وكصيف وكصيفة وربيع وربيعة وجريب وجريبة. وكقولهم عبد المجيد؛ وعبد الرحيم؛ والشيخ سعيد؛ وهذا المال صار نهيبة؛ وبيت أم كصيبة؛ وعندها من الغزل وشيعة؛ وجاب الماي من الشريعة؛ وفلان نسيب فلان (أي صهره)؛ وعساهم بالكطيعة؛ ونام على السرير؛ وفلان ركب البعير؛ وفلان يخاف من الصفير؛ وهذا جبير وهي جبيرة؛ وصغير وصغيرة؛ ونخلت الطحين؛ إلى غير ذلك. وهذا هو الشائع في كلامهم. وهناك من الكلمات التي هي على وزن فعيل مالا تجري ألسنتهم بكسر أوله بل بالفتح كعريض وغريق وحبيب وغير ذلك. والعمدة في هذا الباب على السماع.
لهجتهم في فعال
كل ما كان من الأسماء والصفات على فعال بالضم؛ أو على فعال بالفتح؛ أو على فعال بالكسر؛ جرت ألسنتهم في الحرف الاول منه بكسرة غير محسوسة بحيث يظن السامع أن أول الكلمة ساكن غير متحرك. وقد سمينا هذه الحركة ب (الحركة الضئيلة) ولولا أن الابتداء بالساكن متعذر في اللهجة العربية لحكمت على أول هذه الكلمات بالسكون؛ إلا أنه في الحقيقة غير ساكن بالمرة كما يظهر للمتأمل عندما يسمع كلامهم؛ فإنه يلوح له عند
نطقهم بمثل هذه الكلمات جزء ضئيل من حركة الكسر يصح أن يعد عشر الكسرة وذلك
стр. 1838
في مثل؛ غراب وكتاب وعذار وحساب وغبار وتراب وجراب وعليه قولهم وهو من أمثالهم: (غراب يكول الغراب وجهك اسود).
وهذا إذا لم تقع هذه الأسماء في أثناء الكلام ولم تدخل عليها الألف واللام؛ أما إذا دخلت عليها الألف واللام فان الحرف الأول منها يكون حينئذ ساكنا سكونا ظاهرا بنقل الكسرة منه إلى ما قبله اعني اللام من أداة التعريف كقولهم وهو من أمثالهم أيضا: (ضرط وزانها وضاع الحساب) بكسر لام التعريف وسكون الحاء من حساب؛ وكذلك إذا وقعت الكلمات المذكورة في أثناء الكلام فإنها حينئذ يظهر سكون أوائلها بنقل الكسرة الضئيلة منها إلى ما قبلها كقولهم للفرسين يجريان في السباق وقد تقدم أحدهما شيئا قليلاً؛ (جن إذن وعذار) بكسر واو العطف وسكون العين من عذار. وكقولهم وهو من أمثالهم أيضا: (جوز معدود بجراب مشدود).
وهذه الكسرة الضئيلة تقع في أوائل الجموع التي هي على فعال أو فعول كرجال وجبال ونعاج وحمول وخيول وهموم وغير ذلك. وإذا وقعت هذه الجموع في أثناء الكلام ظهر السكون في أولها بنقل الكسرة منه إلى ما قبله وعليه قول شاعرهم صاحب العتابة: (أبات الليل وهمومي علي) بكسر واو العطف وسكون الهاء من همومي، وكقول الآخر في عتابته أيضا؛ (خدودك شمس وعيوني حربها)؛ أما الخاء من خدود فمكسورة كسرة ضئيلة تشبه السكون لأن كلمة خدود واقعة في ابتداء الكلام لا في أثنائه؛ وأما العين من عيوني فساكنة سكونا ظاهرا؛ لكونها واقعة في أثناء الكلام فنقلت كسرتها الضئيلة إلى الواو التي قبلها.
وكذلك إذا دخلت الألف واللام على هذه الجموع ظهر السكون في أولها بنقل الكسرة منه إلى اللام. كقولهم وهو من اغانيهم؛ (خليتني يا شوك كركي بالجبال) بكسر لام التعريف وسكون الجيم من جبال.
معروف الرصافي
стр. 1839
استفتاء
ما رأي صاحب لغة العرب في الألفاظ العربية التالية وفي ما يقابلها في الفرنسية:
١ - السلى (وزان فتى)
٢ - الفاقياء (وزان قاصعاء)
٣ - السابيآء.
٤ - الحولاء (كنفساء وعنبآء)
٥ - الصاءة أو الصاة (كالساحة أو السحاة)
٦ - السخد (كقفل)
٧ - المشيمة (ككريمة)
عثرت في أثناء مطالعتي في بعض المجلات والكتب الطبية العربية الحديثة على الفقرات التالية حول النفاس: (ربما كانت الحامل مصابة بارتكاز المشيمة (؟) المعيب. . . فقبل إتمام مدة الحبل (؟). . . وفي آخر دورته الثالثة (؟). . . فتح الفقاء. . . وسال المائع الامنيوسي (؟). . . وبعد وفاتها والكشف على الميت (؟) شوهد في الوريد الفخذي آثار صمامة (؟). . . وما دون ذلك. . .)
فان اعترف الرأي العام من باب البديهيات أن اللغة العربية المدونة في المعاجم ليست واحدة بل هي مجموع لغات باد معظمها وربما لم يبق من المتكلمين بها اليوم إلاَّ النزر القليل؛ فرأيي الشخصي هو أن لابد للرأي العام نفسه أن يقرر تقريرا خاليا من كل تردد وتلكؤ فيخصص بكل معنى لفظا واحدا؛ ولا يتخذ الألفاظ المترادفة في المصطلحات العلمية إلاَّ من بعد أن تتوفر لديه الكلم اللازمة لكل معنى ولو كان دقيقا. تلك قاعدة مطلقة لابد من الجري عليها في كل لغة لحسن التفاهم؛ مهما تعاقبت العصور واختلفت الأمم وتفرعت القبائل.
أن جهل هذه الفروق في عهدنا هذا؛ أو قل؛ إهمال الوقوف على هذه
стр. 1840
الفروق في اغلب كتب اللغة وعدم اهتمام بعض الكتبة بها؛ كان من أهم الدواعي إلى وضع الألفاظ العربية الفنية؛ ولاسيما الطبية منها. وهذا ما حدا بالأطباء إلى أن يستعملوا مثلا السخد (وزان
قفل). والمشيمة، والسلى، والحولاء بمعنى واحد. أو يكاد. وعندهم الفاقئاه والسابياه شيء واحد. والصاءة والحولاء بمعنى واحد.
ولو أعملنا الفكرة في كل من هذه الكلم ودققنا النظر في الأحوال التي وردت أو في تلك الأحوال التي شوهد فيها الجنين والرحم وملحقاته عند الولادة؛ ونقبنا عن أولئك الذين دونوا هذه الحالات الخلقية (الفسيولوجية) من حيث مقدرتهم وسلطتهم في العلم واللغة حين وقوفهم عليها أو تحريهم إياها واتصالها بهم. ودرس كيفية ذلك الاتصال؛ لرأينا بدون شك انهم كانوا على غير ما نقلت عنهم المعاجم؛ أو قل؛ لما رأينا في تلك الدواوين الغوامض والألغاز والشبهات على ما نشاهدها اليوم. ذلك أمر دفع أطباء هذا العهد إلى التردد في قبول ما نقله الأقدمون، وبذل الجهد لسد الثلمة التي كانوا في غنى عنها لوضع مصطلحاتهم لو كان في تلك المصنفات أحكام الوضع، وإتقان النقل، وإيضاح المبهمات. إذن عملهم اليوم هو نتيجة انحراف المدونين عن صراط التلقي والتصحيح والتقليد والاجتهاد.
لا جرم. أن كلا من كتبة العصر لم يضع لفظا إلاَّ واستند إلى أحد كتب اللغة أو إلى أحد الأطباء الأقدمين أو الباحثين في العلوم الطبية؛ توصلا إلى سد تلك الفجوة؛ فجوة الحاجة. - وعليه أني لا أتصدى للغويين في موقفي هذا إلا بالتي هي احسن لأني أراني ممن لم يؤتوا السلطة للإقدام على هذا العمل ولكن ذلك لا يمنعني من القول أنى لا أجد في معاجمهم ما احتاج إليه من الثقة والضمان لأعول عليه في ما يعود إلى الفروع الفنية؛ ولا سيما إلى ما يعود إلى الفروع الطبية منها؛ لأنني لم اعهد فيهم ذوي إلمام باللغة والفن معا للركون إلى آرائهم وأحكامهم.
هذا من جهة؛ وأما من الجهة الأخرى فإني كثيرا ما وجدت وشاهدت
стр. 1841
تناقضا غريبا في تفسيرهم لبعض المصطلحات والاوضاع؛ وهم كلهم لم يزالوا في نظر القوم من الثقات وذوي الكلمة المسموعة في اللغة.
يقول أحد أقطاب اللغة مثلا؛ أن الصاة أو الصاءة هي الماء يكون في المشيمة وقال آخر عن السخد هو ماء يخرج مع الولد أي أن الصاءة والسخد بمعنى واحد لكن الاول يقول عن المشيمة أنها غشاء ولد الإنسان؛ والثاني يعتبر السابياء مشيمة مع شيء من التردد؛ ولذا يزيد على قوله الأول؛ ولعلها جليدة رقيقة على انف الطفل أن لم تكشف عند الولادة مات.
أما اللغويون المحدثون فلم يزيدوا كلام الأقدمين جلاء ولذا كان كلام هؤلاء وأولئك على وجه واحد من الإبهام والاعجام.
ثم أرى المحدثين لم يتفقوا على وضع الألفاظ اتفاقا مجمعا عليه. أرى بعضهم يسمي ال بال (إبعاد أو الجر عن المركز) وقرأت لآخر إنها (الإدارة) ثم جاءنا الكرملي وقال: هي (الانتباذ) ولعله اصاب؛ لكن أي ن هو الاتفاق. أما رأيي الخاص فهو أني لا أرى مانعا من أن اسميها: (الطحر) (بطاء مفتوحة يليها حاء وفي الأخر راء) لا بل ارجح هذا المصطلح على سواه لما بينه وبين مدلول الكلمة الفرنجية من العلاقات الشديدة معنى ومبنى وسيأتي عنها في مقال غير هذا.
إذن ما هذا التبلبل؛ بل ما هذا التذبذب؛ لا بل قل؛ كل هذا جهل للشيء المقصود جهلا لا ينكر؛ أو لا اقل من انه اختلاف وتشاق في وضع الألفاظ لما يعرفونه حق المعرفة أو يدعون معرفته على هذه الصورة فكيف بهم لو أرادوا وضع ألفاظ لما لا يعرفون جد المعرفة حقيقته الأصلية من الأشياء التي ليست في بلادهم ولم يروها؟
أما الأطباء الأقدمون ومنهم الشيخ الرئيس ابن سينا الزعيم الأكبر لأبناء اسكولاب والإمام الرازي والجراح الشهير ابن القف النصراني والزهراوي وبختيشوع ويبريل إلى غيرهم. فمع إعجابي بهم؛ فإنهم تفردوا كما تفرد أطباؤنا
اليوم بوضع المصطلحات الطبية؛ أو قل باتخاذها من غير أن يتواطؤوا على وضعها ويوحدوها. ولم يبرهن أحدهم على رجحان أوضاعه على أوضاع
стр. 1842
صاحبه؛ فقال أحدهم مثلا: أسقطت المرأة؛ وقال الثاني: أجهضت؛ فجاء الثالث فقال: لا بل طرحت؛ ثم زاد الرابع مرادفا آخر وقال: دحقت. وهم كلهم أبناء عصر واحد أو يكادون من حيث الطب العربي. فأين وجه التعليل يا قوم؟ وإلى أين المفر يا أبناء عدنان وقحطان؟ افنلهو بجمع الألفاظ ونحن نتعلم الطب؟ أم نقضي الأعمار في تعلم مفردات اللغة؟ ثم هل نعترف بمعنى واحد لهذه الألفاظ التي افرغوا سيلها علينا؛ أم نقول أنها حروف وردت في لغة قوم دون قوم؛ أو في لغة قبيلة دون أخرى ولكل قوم وقبيل ألفاظ خاصة بها. أو نتخذها ألفاظا مختلفة لها معان خاصة بها ولكن غابت دقائق معانيها وفروق تراكيبها عن أصحاب المعاجم. ثم لما جهلوا ما فيها من دقائق تلك الفروق أفرغوها في قالب معنى واحد فقالوا ما
قالوا؟ - تلك أسئلة قد يعسر الجواب عنها جوابا شافيا. وأن كان بعضهم تمحلوا لها حلا سلوا به أنفسهم.
وهناك من الشطط الذي لا يغتفر، وهو ما ورد بعكس الحالة المذكورة أي تعبيرهم بكلمة واحدة عن أشياء مختلفة لا علاقة لها بعضها ببعض، حينما تعد اللغة العربية من أغنى اللغات السامية. مثال ذلك أن الكعب عند معظمهم العظم الناشز فوق القدم؛ وهو عند آخر: العظمان الناشزان من جانبيها. وهناك ثالث يخالف الأولين ويقول: كل مفصل للعظام هو كعب. . . إلى غر ما جاء في دواوينهم. ولا تظن أن للكعب هذه المزية من وروده بجميع المعاني أو بمعان عديدة بل هناك غيره. دونك الكعبرة مثلا فإنها تعني الكوع. وتعني الورك الضخم، وتعني اصل الرأس (انظر كيف انتقلنا من الورك إلى الرأس مع أن الواحد واقع في شمالي الجسم والأخر في جنوبيه) فما اعظم هذه الفروق وما ابعد الواحد عن الآخر في معناه ومبناه وسكناه!
ومما زاد اللغة العربية عجمة مخلوطة بغرابة ظاهرة تصرف الأتراك فيها فكانت نهضتهم العلمية والقومية بلية علينا فوق بلايانا فلقد شيدوا على دعائم آدابنا ولغتنا، معاجمهم ومؤلفاتهم ومدوناتهم، واستنبطوا من لساننا مفردات علمية وضعوها على غير وجوهها غير ملتفتين إلى قاعدة معقولة إذ (تركوها)
стр. 1843
أي صبغوها بصبغ تركي متبعين أهواءهم ومقاصدهم، ومتأثرين الإفرنج لا العرب في ما فعلوه في هذا المعنى. فجاءت كلمهم مستهجنة لا تمت إلى لغة بنسب فهي أن قلت: إنها عربية أو افرنسية أو إنكليزية أو لاتينية أو يونانية فأنت غير واهم، ففيها شيء من هذه اللغات كلها. فجاز لك أن تسميها بما تشاء.
وأنت تعلم أن أبناء الغرب نحتوا ألفاظهم من اللاتينية أو اليونانية فهم يجرون على صراط سوي في نظرهم. والترك يدعون هذا المدعى عينه في نظرهم. إذن هم والإفرنج في رقي في مصطلحاتهم لأنها وإن كانت غريبة عن لسانهم ومشوهة الوضع. إلاَّ انهم ادمجوها بلغتهم كل الإدماج وادخلوها في آدابهم وفنونهم؛ وأصبحت اليوم تركية، كما أصبحت مصطلحات الفرنسيين فرنسية وأوضاع الإيطاليين إيطالية إلى غيرهم. ولهذا ترى كتب هؤلاء الأقوام مشحونة مفردات جديدة لم تكن في لسانهم قبل تبحرهم في العمران.
ولكن هل إمعان الترك في حضارتهم وتصرفهم في لغات العرب وضوابطهم وآدابهم يزكي
عمل المحدثين من كتاب العرب في أخذهم تلك المصطلحات عنهم وإدخالهم في كلامهم وهي على ما هي عليه من التشويه الشنيع والتضليل الفظيع بحجة شيوعها وتداولها بين الناس؟ - ذلك عذر اقبح من ذنب ولا اقبله لنفوسهم.
آتي الآن إلى الموضوع الذي ارصدت له هذا المقال:
١ - السلى
من الألفاظ التي اختلف الكتبة في وضعها تعبيرهم بلفظ واحد عن اغشية البيضة المسماة عند الافرنسيين
أن هذه الأغشية هي عبارة عن ثلاث طبقات وهي: داخلية ومتوسطة وخارجية وهي متصلة بعضها ببعض بأنسجة ليفية وحشوية فالخارجية منها لاصقة بعضد الرحم الداخلي (أي بجدارها كما يقول بعضهم) حتى ساعة الولادة، فحينئذ تنفصل عنها وتغادرها بعد خروج الوليد منها ومعها مجموع الأغشية وسيأتي ذكرها عند البحث عن الطبقة الداخلية بعيد هذا.
стр. 1844
والراجح عندي أن يطلق اسم (السلى) على هذه الأغشية الثلاثة. كل مرة أريد بها غشاء من أغشيتها من غير أن يفرق بين دور ودور من أدوار الحبل الثلاثة أعني الإبط والضبن والحضن. ولاسيما طالما تكون تلك الأغشية في الرحم.
يؤيد هذه التسمية ما ورد عنها في بعض كتب اللغة إن السلى إذا انقطع في البطن هلكت الأم وهلك الولد. والمبادئ الطبية الحديثة تؤيد هذه الفكرة (النظرية) إذ قد ثبت أن السلى حينما ينخزع قبل أوانه أو في أوانه ويسيل المائع الامنيوسي منه، تأخذ العضلة الرحمية في التقلص والانقباض فيستحيل على الجنين البقاء في داخل الرحم لأنه يكون بعد ذلك أشبه شيء بجسم غريب في الموضع المذكور؛ فلابد للرحم حينئذ من أن تنبذه عاجلا أو آجلا.
وفي مادة (سلى) اللغوية صلة معنوية بفعل (سلا) ومنه قولهم سلا الجذع أي نزع سلاءه وهو شوكه. وأنت تعلم أن وظيفة السلى للجنين ليست سوى المحافظة عليه من الخطر الذي يأتيه من خارج بما أعطي من الوسائط الآتية: (مرونة الأنسجة) أو الحيوية (إفراز المائع الامنيوسي) فكأني به ينزع سلاء العضلة الرحمية (بالانقباض والتقلص) أو يدفع
الشدائد والصدمات الخارجية من رضوض وغيرها. تلك التي يحتمل وقوعها على البطن فتلقي الجنين منها.
وهناك رابطة معنوية أخرى لا يستهان بها تربط المعنى العلمي بالمعنى اللغوي: أن السلى في اللغة مصدر سلي عنه أي طابت نفسه به. فمن ينكر كم تطيب غريزة الجنين حينما يكون في داخل سلاه مصونا من كل أذى في الداخل وفي الخارج. وكذلك قل عن الأم فلابد من أنها تسلو حينما تشعر بأن جنينها في مأمن حصين من كل أذى مرض أو تعرض وما ذاك المأمن سوى هذا السكن.
٢ - الفاقئآء
أما الكلمة الثانية فهي الفاقئآء: فقد جاء عنها في أحد المعاجم اللغوية أنها السابياء التي تنفقئ عن رأس الجنين عند الولادة. وقد قيل عنها أيضاً أنها جليدة رقيقة على أنفه أن لم تكشف عنه مات.
стр. 1845
قلنا: أننا في حاجة كبيرة إلى مثل هذا اللفظ الثمين؛ لكن ليس بالمعنى المزدوج الذي ورد في المعجم، إذ في ذلك من الإبهام ما يخرجنا عن تتبع الحقائق بوجوهها العلمية. أننا الآن في الطب في مندوحة عن المرادفات بل حاجتنا إلى معنى مستقل بنفسه غير موجود في لفظ آخر؛ والحال انك تعلم أن السلى في الدور الأخير من الحبل ينبسط انبساطا صريحا عند مستوى عنق الرحم متأثرا من عامل الضغط الشديد الآتي من قبل رأس الجنين أو ينبسط عند قسمها القائم على العنق فيظهر قسم السلى بوضعه هذا بشكل جراب مستطيل في العنق ويتخلل أحيانا المهبل إذ هو النذير بحلول موعد الوضع؛ فينفقئ من شدة الضغط الحاصل في الداخل؛ وأحيانا يضطر الطبيب إلى بزله أو قل إلى فقئه حينما لا يتغلب الضغط من الداخل على صلابة السلى.
ولهذا أرى من الأرجح أن تطلق لفظة (فاقئاه) على القسم الأسفل من السلى وذلك القسم الذي لا يرى إلا في الأيام أو الساعات الأخيرة من دور الحبل أو أن شئت فقل في قسم السلى المعد للفقء الخلقي (بكسر الخاء أي الفسيولوجي) أو الجراحي. يقابله في اصطلاح أطباء الفرنسيين ما معناه جراب المياه:
٣ - السابيآء
جئنا الآن إلى ما يسميه الإفرنج امنيوس وهو إحدى طبقات السلى وهي طبقته الثالثة من الداخل التي فيها الجنين. وعندي أنها لو تسمى في لساننا بالسابيآء لوفت بالمطلوب.
ذهب بعضهم إلى أن السابيآء هي المشيمة التي تخرج مع الولد، فلا محل لهذه الفكرة (النظرية)؛ لأن هذا التعريف مبهم إبهام المشيمة الذي تقدم تفسيره؛ إذ لا السابيآء ولا المشيمة ولا أي عضو آخر من الأعضاء الوقتية من أعضاء الرحم يبقى فيها بعد الوضع؛ بل يغادرها جميعها حين مغادرة الجنين للرحم أو بعد مغادرته لها حالا.
وقال آخرون: (السابيآء جليدة رقيقة تكون على أنف الجنين فإن لم تكشف عند الولادة مات) لعل أصحاب هذا القول قد أصابوا ظاهر الحقيقة حينما كانوا
стр. 1846
يرمون إلى كبدها. أما نحن فلا نوافقهم عليه لأننا قلنا عن السلى لأنه مجموع الأغشية الثلاثة، أغشية البيضة؛ فحينما ينخزع السلى لسبب ما طبيعيا كان أم عرضيا؛ يتم ذلك بهيئة شق أو شقوق متعددة ولكن من غير أن تنفصل أجزاؤه بعضها عن بعض. وهذا ما يقع غالبا؛ كما أنه قد ينخرع وتنفصل جذمة (قطعة) من الجذل لا غير، فيخرج الوليد وعلى وجهه تلك الجذمة التي ينبغي رفعها حالا عن وجهه لئلا تكون له مانعا تمنع عنه الهواء الذي يحتاج إليه للتنفس حالما يسر أو قبل أن يسر. ولما كانت الجليدات الرقيقة التي ترى أحيانا على وجه الوليد وهي في موضوعنا هذا جذمة السلى غير معروفة المصدر إذ قد تكون جذمة من المشيمة أو جذمة من الطبقة الوسطى أو جذمة من الطبقة الداخلية أو جذمة من الطبقات الثلاث معا أي الجذمة السلوية فقط؛ نرى أنه من الأرجح أن لا تطلق كلمة (سابياء) إلاَّ على الغشاء الداخلي بأسره لا على جذمة من الجذم. وحينئذ تقابل كلمة الفرنسية. أما إذا ثبت أن الجذمة كانت قطعة من قطع أحد الأغشية الثلاثة فقط فتنعت حينئذ (بالجذمة السابياوية) أو (المشيمية) أو (الوسطى) إلى أن يتاح لنا وضع لفظ خاص بهذا الغشاء الأخير أو بكل غشاء من هذه الأغشية الثلاثة.
ومما يحملنا على اتخاذ هذه الكلمة للمعنى الذي نريده هو اصل المادة اللغوية نفسها. فالسابياء مشتقة من مادة (سبى يسبي سباء) وهلا يكون الجنين في أثناء حياته في الرحم إلاَّ كالسبي في السابياء لأنها اقرب الطبقات الثلاث السلوية إليه ولا يقيه في سبيه إلاَّ هي وذلك بواسطة المائع السابياوي أو الامنيوسي الذي تفرزه ذلك السائل الذي سماه بعضهم
السخد مع أن السخد هو غير هذا السائل كما سترى.
على أن بعض المحدثين قلد جماعة من الأتراك في التسمية فنعتوه بالمائع (الرهلي) أو (الرهل) (بالتحريك) مع أن هذا مردود وان كان في الحرف ما يدل على الاسترخاء وعدم الصلابة لأن الجسم المائع لا يعني الرخو أو عديم الصلابة والفرق بين المائع والرخو ظاهر لكل ذي عينين.
ومنهم من قال إن الرهل هنا موافق لهذا السائل لأن الرهل في اللغة السحاب
стр. 1847
الرقيق الذي يشبه الندى.
قلنا: ولعل هؤلاء كانوا اقرب إلى الصواب من غيرهم إليها لولا أن كلمة (الحولاء) موجودة في لساننا وهي عندنا اصلح من غيرها للدلالة على ما نريد به، لأسباب لغوية وخلقية وتشريحية وموضعية، ودونك موجزها:
٤ - الحولاء
١ - قال اللغويون: حال حولا: تم. وبغير هذا المائع لا يتيسر للجنين أن يتم نموه وتطوره في الرحم بدرجة صحيحة)
٢ - وقالوا: حال المشي حولا: تغير من الاستواء إلى العوج. وفي هذا المائع (أي الحولاء) يتغير سير الجنين من حالة الاستواء التي كان عليها في الأشهر الخمسة الأولى إلى حالة العوج وهي وضع الجنين في الرحم في الأشهر الأربعة الأخيرة.
٣ - وقالوا: حال حولا إلى مكان آخر: انقلب. وبغير هذا المائع لا يتيسر للجنين أن ينقلب في داخل الرحم، ولاسيما في الشهر الأخير، إذ يستقر الرأس عند عنق الرحم بعد أن كان قبيل ذلك العهد بجوار قعر الرحم أو في أحد جانبيه.
٤ - وقالوا: تحول: تحرك. قلنا ولا تتاح الحركة للجنين بدون المائع والجنين لا يجس أو يشعر به بدونه.
٥ - وقالوا: حال حولا: حجز حجزا ومنه الحول وهو الحاجز. قلنا: وهذا السائل هو الحاجز أو الوسيط المنيع بين الجنين والسلى لتخفيف الصدمة من الخارج، أو لحجزها عنه كل الحجز مهما كان مصدرها.
٦ - وقالوا: الحائل: المتغير اللون. قلنا: ولون هذا المائع يتغير بتغير المواد الممزوجة به
من بول وغيره. تلك المواد التي يبرزها الجنين وهو في بطن أمه.
هذا ما نراه وإذا صح إطلاق هذا اللفظ على المائع الامنيوسي فلابد من التأمل في مصير كلمة:
стр. 1848
٥ - الصآة أو الصاءة
فالصآة أو الصاءة على ما ورد في كتب اللغة هي الماء الذي في المشيمة والمرجح أن المراد بالصاءة مقدار المائع الامنيوسي الموجود في الفاقئآء وحدها وعلى هذا الوجه نكون قد عينا بصورة واضحة ووافية معنى السلى وما فيه من مائع وهو السابياء وعرفنا ما هي الفاقئاء وما تحويه من الصاءة وهو قسم من السابياء لا غير.
٦ - السخد
وعلى سبيل القياس ترجم الأتراك - وفي مقدمتهم الدكتور يوسف رامي اللبناني أستاذ فن التشريح في الآستانة وواضع اغلب مصطلحات الطب عندهم - كلمة (بالمشيمة) وذهب مذهبه اغلب الأطباء المحدثين من طلاب الجامعة التركية أو من المغرمين بآثار الأستاذ المشار إليه؛ غير أنني لا أوافقهم على هذا اللفظ عند البحث عنها في لغة الضاد.
الذي أراه أن المشيمة (وهي عندي اسم وقد تحتمل أن تكون مؤنث مشيم المشتقة مادتها من اصل كلمة شامة فيكون معنى المشيمة التي عليها شامات) أحرى بان تقابل كلمة الإفرنجية، أي الطبقة الثالثة الخارجية التي يتركب منها السلى. والدليل على ذلك إننا لو تأملنا تأمل مشرح في وجه هذه الطبقة الخارجي لرأينا عليها حليمات دقيقة ناتئة، وربما كانت ذات زغب، ولما لم يكن في وسع السلف الأقدمين أن يميزوه آنئذ برؤية العين بين الشامات وبين النتوءات نعتوها بالمشيمة. وهذا ليس بالأمر الغريب، فان بعض العرب المولدين بل العرب الأقدمين أيضاً لم يزالوا يستعملون حتى هذا العهد كلمة (شامة) في مكان (الخال) - ويا ليتهم أطلقوا كلمة (خالية) على المشيمة، أي على هذه الطبقة الثالثة الخارجية، لكانوا اقرب إلى الصواب، لان (الخالة) هي شامة ناتئة على سطح الجلد؛ وأما الشامة فلا تتعدى مستواه السطحي.
стр. 1849
٧ - المشيمة
بقي علينا قول الغويين أن المشيمة هي (غشاء ولد الإنسان يخرج معه عند الولادة) فهو قول لا يخلو من بعض الحقيقة، فانهم اكتفوا بالتعبير عن مجموع الأغشية (بالمشيمة) وهي إحدى طبقات أغشية البيضة لا غير. وذلك لأنها الطبقة السطحية التي تقع تحت البصر دون غيرها عند خروجها مع الطفل وقد يحتمل أن العرب لم يكونوا واقفين في ذلك العهد على أقسام أغشية البيضة كلها، كما عرفنا إياها اليوم علماء التشريح.
وعليه يجدر بنا أن نضع للبلاسنتة اسما غير المشيمة ولعل اسم (السخد) هو الموافق لها كل الموافقة، أنني لا اجهل أن بعض رصفائي سموا (سخدا) السائل الذي في أغشية البيضة استنادا إلى ما ورد في بعض المعاجم القائلة: (السخد ماء أصفر غليظ يخرج مع الولد). بيد أننا نقول: لا يخرج الماء كله مع الولد على ما هو مقرر عند أصحاب الفن. إنما يخرج بعض منه قبله وهو (الفاقئاء) وقد مر بك ذكره، وبعض منه يخرج معه والبعض الآخر بعده وهو الصاءة، وقد يبطيء الولد أحيانا ساعات عديدة في داخل الرحم بعد خزع الأغشية وخروج الماء بكليته ونفاده.
وقال آخرون: بل السخد هنة كالكبد والطحال مجتمعة تكون في السلى، وربما لعب بها الصبيان.
قلنا: هذا القول هو اقرب إلى الصحة من غيره إليها، لان السخد أي البلاسنتة تشبه في خارجها كتلة ثخينة رخوة وتكاد تكون مستديرة وهي معلقة من وسطها بحبل أجوف (وهو الحبل السري) ويجوز بل يصح، بعد أن يسر الوليد وتلقى مع الحبل، أن تكون ألعوبة لصبيان ذلك العهد المبارك!
وجاء في كتب متن اللغة قولهم: المسخد (وزان مقدم) وهو المسفر والثقيل والمورم. والحال أن من ينظر إلى هذا العضو بعد أن ينفصل من الرحم ويفقد جانبا عظيما من الدم المتشبع منه، يره أشبه شيء بقطعة رخوة مورمة وثقيلة ومصفرة إذن لا يستغرب إطلاق كلمة (سخد) عليها حتى قبل فقدها
стр. 1850
ذلك الدم المعد لارواء الطفل وتغذيته حين قيامها بمهمتها المعلومة في بطن الرحم.
ويرى بعضهم أن كلمة (السخد) لا تخلو من بعض العلاقة (بالسختة) التي معناها الشديد والصلب، بل لعل السخد تصحيف السخت. والحق يقال أن السخد هو اصلب أنسجة
أعضاء الرحم الوقتية التي تتطور في أثناء الحبل وتزول بزواله.
فالآن ما رأي صاحب لغة العرب في هذه الألفاظ وله الشكر منا سلفا.
المخلص الدكتور حنا الخياط
جواب الاستفتاء
١ - السلى: لم نجد في الدواوين اللغوية العربية كلمة تقابل غشاء البيضة أي تقابل ما يسميه الإفرنج أما السلى فليس به على ما تتبعناه. والذي ذكرناه في معجمنا العربي الإفرنجي والفرنجي العربي الخطيين أن السلى هو ما يسميه الفرنسيون أو - وبالإنكليزية وباللاتينية وباليونانية أو وهو اسم لما يبقى في الرحم من مشيمة وسخد وسابياء وغشاء ساقط بعد خروج الولد، ثم يطرح بعده - والمادة مشتقة من اصل ممات في لغة الضاد وحي في اللغة الأخت الارمية، من سلى يسلي أي نبذ ونفى، فيكون معناه: الرذالة والنفاية وهو ما يوافق المعنى المطلوب.
أما ما ذهب إليه الدكتور الصديق من الاشتقاق فخياليا اكثر منه حقيقيا أو لغويا. على أنه قد يصح أن يطلق السلى على ما يسمى بغشاء البيضة لأن صاحب لسان العرب يقول في مادة ح ول: الحولاء. . . وقيل: جلدة تأتي بعد الولد في السلى الاول أهـ. فهذا كلام يشير إلى أن هناك غير سلى واحد. فإذا
стр. 1851
كان ثان وثالث اتضح أن الكلام عن طبقات السلى، وحينئذ لا يكون هذا إلاَّ غشاء البيضة على ما قاله الطبيب البحاثة.
٢ - الفاقياء (ولا تقل الفاقئاء كما في بعض كتب اللغة الحديثة، لأن الفاقئاء هي الأصل والفاقياء هي ما صارت إليه بعد القلب)، ويقال لها الفقء يوافق لما سماه الإفرنج والإنكليز واللاتين قالوا: هي قطعة من غشاء الجنين يدفعها الوليد أمامه وتكون على وجهه حين خروجه، وذلك إذا كانت شديدة القواء.
ومن مرادفاتها عند العرب القضاة (وهي كجمع قاض إلا أنها مفردة من مادة قضى) والمسكة والماسكة والفقأة. قال ابن الأعرابي: الفقأة جلدة رقيقة تكون على الأنف، فإن لم تكشفها مات الولد أهـ. وأما ما يوافق جراب الماء عند العرب فهو في رأينا الحولاء كما سترى.
٣ - السابياء. هي التي وصلنا إليها نحن أيضاً في تحقيقنا عن هذه اللفظة قبل عدة سنوات، واتبعناه في معجمينا المذكورين. أما ما في كتب اللغة الفرنسية العربية وبالعكس؛ أو ما في الكتب الإنكليزية وبالعكس؛ أو ما في كتب الطب المترجمة إلى العربية فهو غلط ظاهر. - والكلمة مشتقة من اصل حي في الارمية ممات في العربية، معناه الوسخة والقذرة والودكة والدسمة (وكلها بكسر العين). أما ما ذهب إليه الصديق الطبيب النطاسي
من الاشتقاق فلا نوافقه عليه البتة، فهو من الخياليات الشعرية، لا من الحقائق المثبتة.
٤ - الحولاء: ذهب الخدن البحاثة إلى أن الحولاء هو السائل الامنيوسي ونحن لا نرى رأيه؛ لأن اللغويين ذكروا بصريح العبارة إنها جلدة (أي جراب) فيها ماء بل قال في اللسان: (الحولاء غلاف أخضر (أي غض أو رخو: لا أخضر اللون كما يتوهمه بعضهم) كأنه دلو عظيمة مملوءة ماء وتنفقئ حين تقع إلى الأرض، ثم يخرج السلى فيه القرنتان ثم يخرج بعد ذلك بيوم أو يومين الصاة. . . ونزلوا في مثل حولاء الناقة. وفي
стр. 1852
مثل: حولاء السلى. يريدون بذلك الخصب والماء، لأن الحولاء ملأى ماء ريا) أهـ
فهذا كلام كثر ما يوافقه (جراب المياه) المعروف عند الإفرنج هذا فضلا عن أن الحولاء تقارب الارمية (حولا) ومعناها الكهف والغار، وما الجراب إلاَّ كهفا وغارا إذا ما وجد في داخل ظرف كبير كالبطن مثلا.
أما الاشتقاق الذي ذكره البحاثة فنعتبره خياليا وشعريا لا نصيب له من الحقيقة إلاَّ المشابهة في الحروف. وأما ما يوافق السائل الامنيوسي فهو النخط (كقفل) قال في اللسان: يقال للسخد وهو الماء الذي في المشيمة النخط فإذا أصفر فهو الصفق والصفر (وكلاهما كسبب) والصفار. أهـ
٥ - الصاءة أو الصآة: هي حقيقة ما يقابلها عند أطباء الفرنسيين ما معناه:
٦ - أكثر ورود السخد في كتب العرب بمعنى الماء الذي يكون على رأس الولد. هذا هو معناه المشهور كلما ذكروه. على أن بعضهم أورد له معنى لم يذكر لأي لفظة وهو قولهم: السخد هنة كالكبد أو الطحال مجتمعة تكون في السلى وربما لعب بها الصبيان (اللسان بحرفه) فهذا الكلام لا يوافق إلاَّ لما يسميه الإفرنج وقد سماها الإفرنج بهذا الاسم ومعناه (الحلوى) لان للبلاسنتة هيئة مستديرة كهيئة الحلوى التي يصنعونها في بلادهم وهي إسفنجية القوام. وليس للعرب لفظة أخرى لها هذا المعنى أو مثله. وأما أن الاكثرين قالوا إنها المشيمة، فالغلط ظاهر لا يحتاج إلى أن يشار إليه؛ إذ لم يذكر لها العرب معنى كالذي ذكروا للسخد. ولهذا يحسن بنا أن نخصص لفظة السخد للبلاسنتة كما احسن انتقاءها الدكتور البحاثة. ونبقي غيرها لغيرها.
ومن العجب أن المعربين الأقدمين الفصحاء عربوا كلمة بالمشيمة أو المشيمية ومعناها (شبه المشيمة) تكون في العين وهي الطبقة الموجودة بين الصلبة والشبكة. والحال أن اللفظة الإفرنجية مركبة من اليونانية التي من الواجب علينا أن نسميها (مشيمة) ومعناها الأصلي الغشاء. ومن
стр. 1853
ومعناها شبه أو مماثل. إذن كيف قالوا في الكلمة الواحدة مشيمة وذلك للعين، وكيف خالفوها مرة ثانية فسموا البلاسنتة مشيمة وهي غير الأولى؟ فالخطأ واضح صريح. والجري على اصطلاح الأقدمين هو الصحيح ومخالفة المحدثين لهم مذموم على كل حال.
أما اشتقاق المشيمة فهو من شام الشيء في الشيء أي ادخله وخبأه فيه ومنه الشيام للكناش. وقد ذكرنا مثل هذا للحولاء وأنها سميت كذلك لأنها تدل على الكهف والغار فهي إذن من هذا القبيل. وعليه يكون معنى الألفاظ المطلوبة هكذا:
١ - السلى -
٢ - الفاقياء
٣ - السابياء
٤ - الحولاء
٥ - الصاءة أو الصاة
٦ - السخد (كقفل)
٧ - المشيمة
٨ - النخط (كقفل)
٩ - غشاء البيضة
стр. 1854
فوائد لغوية
عره وحزه!
عند الإنكليز كلمتان يتلفظون بهما في أفراحهم وعرض جنودهم، حربيين كانوا أو بحريين، وإذا سألتهم عنهما لا يعرفون من حقيقتهما شيئا. ودونك تاريخهما:
العرب كانت إذا اجتمعت في معاركهم والتفت الساق بالساق تسمع فيهم من يقول: عره، حزه! (ويلفظون عره بضم العين وتشديد الراء المفتوحة وضم الهاء الأخيرة إلا أنهم يسكنونها غالبا في الوقف كان يأمر الواحد أخاه بالعر وهو إصابة العدو بالضرر) ثم يقول للحال: حزه (وتضبط ضبط الأولى، ومعناها بقطع الرأس لأن حزه قطعه) ومحصل الكلمتين؛ عر عدوك (أي أصبه بشر، لا بل اقطع رأسه وهو الأهون لنا.
هذا ما كان يجري في معاركهم الدامية، بل ما يجري في عهدنا هذا في
стр. 1855
بعض أنحاء العراق، وكنا قد حضرنا بعضها.
ثم انتقلت هذه الألفاظ من العرب إلى الترك. ولما كان السلطان يحضر عرض جنوده ولاسيما المماليك منهم (أي الينكشرية) كانوا يصرخون في آخر العرض: عره. حزه! كأنهم يتصورون انهم يؤمرون بعد قليل بذبح العدو فيشجع وأحدهم صاحبه على أي قاع الضرر بالعدو أو على قطع رأسه. ولما كان الترك مجاورين للروس تعلم هؤلاء منهم هذا الصراخ في الحرب ثم تلقاه عن الروس مجاوروهم الألمان سنة ١٨١٣ وعنهم الفرنسيون فالإنكليز؛ واليوم اكثر الناس استعمالا للكلمتين؛ عره! حزه! أبناء بريطانية الكبرى.
ومن الغريب أن الملوك ورجال السياسة يهتفون بأحد هذين اللفظين أو بكليهما عند شرب النخب وهم يريدون بذلك أن (يحيى) الذي يهتفون له، غير عالمين أنهم يدعون عليه بالضرر والقتل.
وقت استعمال هذين اللفظين
يتلفظ بهما أو بأحدهما بكل ما أوتي الجندي من الشدة في الصوت عند الهجوم على العدو بألواح السلاح أي بالسلاح غير الناري.
ويصرخ به أيضاً البحريون في بعض الحفلات عند زيارة رئيس الدولة لهم فيكون ذلك الهتاف بمنزلة شهادة على حبهم له. أو عند زيارة رئيس أسطول غريب صديق لدولتهم. واليوم تستعمل هذه اللفظة أو هاتان اللفظتان في جميع الأفراح والأعراس بل عند اجتماع الأصدقاء للشرب. فتكون من قبيل الدعاء بالشر عند العرب والمراد به الدعاء بالخير ومثله قول العامة؛ يخرب بيتك! وهم يطلبون من الله أن يعمر بيته!
أما أن مثل هذا التعبير وارد في كلام الأقدمين فهو أشهر من أن يذكر فقد قال ابن الأعرابي؛ إذا قيل: قتله الله! لا يكون إلاَّ شتما، وإذا قيل: قاتله الله يكون تعجبا، ومثله ما لا عد له لكثرته، كقولهم: تربت يداه! وثكلته أمه! وهوت أمه! كل ذلك يستعمل على طريق التعجب واستعظام القول فيه) أهـ ولهذا قال بعض الشعراء:
اسب إذا أجدت القول ظلما ... كذاك يقال للرجل المجيد
قلنا: فقولهم: عره! وحزه! هو من هذا الباب. ومن أراد التوسع في هذا الموضوع فعليه بمراجعة مادة ت وب في التاج ففيه مجزأة.
стр. 1856
أسئلة وأجوبة
الضراوة
سألنا أحد الأدباء من بغداد قال: ذكرت لغة العرب في جزءها الأخير (١٥٤: ٤) أن الضراوة هي العادة المكتسبة من المداومة على الشيء أو من كثرة مزاولته إياه ونحن لا نوافقها عليه إذ هي ليست بمعنى الفرنسية بل هي بمعنى (العدوة ولزوم الشر) على حد ما جاء في (كتاب كليلة ودمنة المطبوع طبعة جديدة مدرسية مبنية على قدم نسخة مخطوطة مؤرخة وقد أبرزتها بحلتها البديعة مطبعة الأباء اليسوعيين في بيروت في الباب الثالث وهو باب البوم والغربان إذ جاء في ص١٧٤ منه: (واشد من ذلك كله في نفسي ضراوتهن ثم علمهن بمكانكن وجرأتهن عليكم مثل الذي ذقتم منهن. . .)
فقد جاء في آخر الكتاب أي في معجم الألفاظ في ص٣٠٣ ما نصه: (ضراه: أغراه وهيجه. - الضراوة العداوة ولزوم الشر.) أهـ وهذا كله يفسد رأي ما ذهب إليه صاحب لغة العرب. فكيف الجمع بين هذين القولين؟
قلنا: شارح اللفظة واهم ووهمه بين لكل ذي عينين، إذ ليس في كتب اللغة ما يؤيد رأيه، بل ولا في كتب الأدب كلها جمعاء. قال في لسان العرب في مادة ضري؛ ضري به ضرا وضراوة؛ نهج به. وقد ضريت بهذا الأمر
стр. 1857
ضراوة. . . وقد ضراه (بالتفعيل) بذلك الأمر. . . وأصله من الضراوة وهي الدربة والعادة. . . يقال ضري الشي بالشيء: إذا اعتاده فلا يكاد يصبر عنه. أهـ ولم نجد لها في أي كتاب كان معنى العداوة أو الشر أو لزومه وفي الحديث: أن للإسلام ضراوة أي عادة ولهجا به لا يصبر عنه، على ما جاء في النهاية لابن الأثير ونقله عنه صاحب اللسان والتاج وغيرهما.
فالضراوة الواردة في كليلة ودمنة معناها: الدربة والعادة كما فسرناها في أول كلامنا. ومن له نص يخالف هذه النصوص فليأتنا به ونحن أول من يذعن للحق إذا ما ظهر.
المتقن
وسألنا آخر قال: للإفرنج لفظة يريدون بها جماعة الأساتذة التي تعلم في المدرسة الجامعة
دروسا تعود إلى موضوع واحد عام ويسمونها فاكلتة فيقولون: فاكلتة الطب وفاكلتة الحقوق وفاكلتة الآداب وفاكلتة العلوم. أو إن شئت فقل: ما يسمى فرع الجامعة الذي يعنى بتدريس شعبة خاصة من شعبها. فلقد رأينا كل بلد عربي اللسان يدخل هذا الفرع من التدريس يسميها باسم جديد فما رأيكم فيها؟
قلنا: سمت الجامعة الأميركية هذه الشعبة بالفرع فقالت: فرع الطب وفرع الفلسفة واللاهوت إلى غيرها. وسمت الكلية اليسوعية هذه الشعبة بالمكتب فقالت: مكتب الطب ومكتب الحقوق ومكتب التجارة. أما أهل دمشق فسموها بالمعهد. فقالوا: معهد الطب ومعهد الحقوق. والبغداديون سموها بالكلية فقالوا: كلية الحقوق وكلية الزراعة وكلية الطب. وسماها الأمير شكيب ارسلان بالدار فقال دار الآداب إلى غيرها. وفي كل هذا من الخبط والخلط ما يوقع سوء الفهم للألفاظ. فالكلية لفظة حديثة يقابلها بالفرنسية والجامعة يقابلها كجامعة مصر والجامعة الأميركية وجامعة كنبرج وجامعة اكسفرد. والمكتب والكتاب: موضع تعليم الكتاب وبالإفرنجية فلا يصحان لكلمة والمدرسة العالية هي بالإنكليزية وبالفرنسية
стр. 1858
والمعهد وضع لما يسميه الفرنسيون وإن كان يأتي بمعان أخرى.
فلم يبق لنا إلاَّ أن نضع اسما جديدا لكلمة فاكلتة واحسن ما يؤدي هذا المعنى (متقن) كمصحف (أي بضم الميم وإسكان التاء وفتح القاف وفي الآخر نون) ويجمع على متاقن كمصاحف ومخادع جمع مصحف ومخدع. ومتقن اسم مكان من أتقن الشيء إذا احكمه. والمتعلم لا يدخل تلك المدارس إلاَّ ليحكم درس العلم الذي يتفرغ له. وجماعة معلمي المتقن هم (التقنون) جمع تقن (بكسر الاول أو بفتح فكسر) وكل منهم تقن. قال في اللسان: رجل تقن وتقن: متقن للأشياء حاذق. ورجل تقن (بكسر الأول) هو الحاضر المنطق والجواب. أهـ. ومعلمو المتاقن هم كذلك.
الكهربا والكهربية لا الكهرباء والكهربائية
جاء في جريدة الفضيلة في صحيفتها ٥٥ في الصفحة ٢ ما هذا نصه:
ما قول. . . الأب أنستاس ماري الكرملي في كلمة الكهرباء، هل هي مذكرة أم مؤنثة. وهل يجوز أن يقال (الكهربائية) للدلالة على القوة الكهربائية الخفية التي نستعملها في دفع الترام وسائر المحركات. وإذا كانت هذه الكلمة مذكرة فما هو الفرق بينها وبين كلمة
الكهرباء المستعملة للدلالة على الحجر الأصفر الثمين وهل كلمة الكهرباء عربية الأصل؟
الكهرباء والصواب كهربا (بدون مد) ولا عبرة بعلامة التأنيث هنا؛ (فهي كزكريآء وعاديآء وارميآء وكلها أسماء رجال). وكذلك خليفة وراوية (لمن يروي الشعر) وعلامة فهي كلم مذكرة أيضا. لأنها وضعت للذكور. وأما الكهربائية والصواب الكهربية فهي غير الكهرباء، فالكهربية: خاصية تكون في بعض الأجسام تجذب إليها في بعض الأحوال الأجسام الخفيفة التي تقرب منها وينقدح من الاحتكاك بها شرارة وإذا قويت أحدثت هزة عصب في الحيوانات. فقولك الكهربية معناها الخاصية الكهربائية فاستغنوا عن الموصوف بالصفة ثم اعتبروها اسما على ما هو معروف في مثل هذه المعاني كالوطنية والقومية والشعوبية بمعنى محبة الوطن وروح القوم ومحبة الشعوب (مع كراهية للعرب) على ما هو مشهور في معاني هذه الألفاظ.
والكلمة كهربية مشتقة من الكهربا وهو صمغ متحجر (لا حجر) صلب
стр. 1859
متكسر شبيه بالشفاف أو يكاد يكون شفافا يختلف لونه بين الأصفر الفاقع والأحمر الياقوتي. والمشهور في العراق الأصفر الفاقع. وفي هذا الصمغ المتحجر خاصية جذب الأجسام اللطيفة ولهذا سميت تلك الخاصية الكهربية نسبة إليه كما أن الكلمة الإفرنجية (الكتريسيتية) مشتقة من (إلكترون) ومعناها الكهربا، فالاشتقاق واحد في اللغتين.
والكهربا يكتب بدون مد ويقال في النسبة إليه كهربية بحذف الألف على ما هو معروف ومقرر في كتب النحاة لان ما آخره بألف مقصورة ينسب إليه بحذف الألف فيقال في النسبة إلى مصطفى (بالقصر) مصطفي بتشديد الياء. أما أن. أن الكهربا مقصور لا ممدود فظاهر من كلام صاحب التاج. قال في مستدرك مادة كهكب: (ومما يستدرك عليه: الكهرب، ويقال الكهربا مقصورا لهذا الأصفر المعروف. ذكره ابن الكتبي والحكيم داود. وله منافع وخواص وهي فارسية واصلها (كاه ربا) أي جاذب التبن. قال شيخنا: وتركه المصنف تقصيرا، مع ذكره لما ليس من كلام العرب) أهـ
أما كيف سرى هذا الغلط (أي كهربائية لا كهربية إلى لغتنا). فهو لأن الذين ترجموا كتب الأجانب إلى لغتنا في مستهل القرن التاسع عشر كانوا أغرابا أو أعرابا لم يحكموا درس القواعد العربية. ولهذا يحسن بنا أن نعود إلى الفصيح ونقول كهربية لا كهربائية. فإن
الأولى أخف وارشق واصح قياسا.
وعليه لا يجوز ان يستعمل الكاتب الكهربية في موضع الكهرب أو الكهربا والذين استعملوها هم من أحداث كتبة العراق الذين لا يميزون بين الحمل والجمل وكيف يكون الكهربا أو الكهرب (وهو الصمغ المتحجر) كهربية وهي خاصية تكون في ذلك الصمغ؛ والخاصية غير الجوهر كما لا يخفى.
وفي الكهرب والكهربا أو الكهربان لغات منها: ما ذكرها صاحب التاج في مستدرك مادة كهم، قال: ومما يستدرك عليه، الكهرم كجعفر. والكهرمان هو الكهرب والكهربان لهذا الأصفر المعروف. أهـ ومنها ما ذكرها غيره؛ من ذلك: الكهروا (أي بفتح الكاف وإسكان الهاء وضم الراء وفتح الواو يليها ألف مقصورة) وقد ذكرها صاحب معجم أوصاف بلدان العرب العلامة دي خوي الهولندي الشهير نقلا عن السلف.
стр. 1860
باب المشارفة والانتقاد
١٢ - الإصابة
مجلة أدبية علمية انتقادية تصدر في كل أسبوع مرة، يرأس تحريرها صاحبها جميل صدقي الزهاوي، بدل الاشتراك خمس ربيات وللخارج ثماني ربيات صدر جزءها الاول في ٨ صفحات بحجم هذه المجلة يوم الجمعة في ١٠ أيلول ١٩٢٦.
وقد قال صديقنا في سبب إصدارها: (إنا قد ألفينا العربية في العراق لا تستغني في حالها الحاضر عمن يقوم أودها بالتنبيه على ما يقع من الخطأ في كثير من القصيد والمقالات مما ينشر في صحفه. ولا ينحصر هذا الخطأ في اللفظ بل يتجاوزه إلى المعنى الذي هو كل المراد من اللفظ). على أننا نتمنى ان تخلو تلك الصفحات من أغلاط الطبع ونتمنى لها العمر الطويل الهنيء ليستفيد منها القريب والبعيد وينتصر الأدب الحديث على الطراز القديم البالي. وهو لا يكون إلاَّ مكبوة!
١٣ - الخليقة ونظامها
بقلم أمين الغريب صاحب مجلة الحارس البيروتية في ١١٩ صفحة
قلم الغريب سلس منقاد، لا يطالع القارئ ما يخطه إلاَّ ويرجع عنه حافل الوطاب. وقد وقفنا على ها المصنف فوجدناه من احسن ما لذ وطاب؛ على أننا نأخذ عليه تساهله في مجاراة العوام في بعض الألفاظ كقوله الفرنسوي (ص٦) وأشهرها (فيها)؛ وتل بالحري (فيها) واكتشف السيارات الأربع (ص٧) والصحيح؛ الفرنسي، وشهرها (بلا ألف)، بل قل، وكشف السيارات الأربعة، لأن مفردها السيار بلا هاء بمعنى الجرم السماوي. - وأوهامه في المصطلحات العلمية اكثر؛ فالرخمة ليست بالشوحة. والشوحة هي الحدأة (ص
следующие страницы →