Полный текст (6 158 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ووطاويطه وأعداء النور والعمران والوطن اخذوا يفتلون في الذروة والغارب حتى بناية المدرسة إلى يومنا هذا، بل ربما إلى يوم النشر والحشر وعلى هذا الوجه تضرر الطلبة اشد التضرر من سوء تصرف بعض أهل النزغات نزغات هي شيطانية ليس إلا. . .
فإلى متى يا قوم هذا التخاذل؟ وإلى متى هذه الكراهية كراعية النور والتمتع بأشعته
المنعشة؟ لكن:
شر الجهالة ما كنت على كبر ... تسود الشيب مثل الحبر في الورق
وايسر الجهل ما يرتد صاحبه ... عنه كمن هب منتاشاً من الغرق
وهل يجهل هؤلاء الأعداء أعداء الإنسانية والألفة والوطن ما قال الشاعر:
إذا رمت يوماً أن تميت قبيلةً، ... فبث بها روح التعصب والجهل
وهل أطفأ الأنوار واستعبد الورى ... سوى الجهل أن الجهل مجلبة الخذل
جماعة من أكابر إيران في بغداد
منذ أوائل الشهر الحالي اخذ بعض أكابر إيران يفدون إلى بغداد ومنهم: (الأمير الأفخم) وهو الذي كان حاكماً على همذان وهو الذي طلب من حكومته بلسان البرق في عهد ولايته ١٥ ألف تومان ولما حصل على المبلغ لحق سالار الدولة، وهو صاحب (أزار اللؤلؤ) الذي نهب من داره حين فراره من همذان إلى العراق. وقد رأى هذا الأزرار يباع في سوق بغداد بيد أحد اليهود بقيمة بخسة فلم يسترجعه الأمير استنكافاً منه. وقد قدم معه ابناه (احتشام الدولة، وحسام ولاة الملك).
стр. 247
وهم يقيمون اليوم في قضاء الكاظمية مع ستين شخصاً من حاشيتهم
ومن القادمين (عضد السلطان) وهو أخو الشاه المخلوع محمد علي شاه وكان حاكماً على كرمنشاه من قبل أخيه سالار الدولة، وقد نزل ضيفاً على الشابندر أو الفضيلة الإيرانية. ومن بعد زيارة قبور الأئمة يرجع إلى إيران ما يقال.
ومن الوافدين إلى الزوراء أيضاً (الخطيب السيد اكبر شاه) وهو من اعظم أعوان (سالار الدولة) والذي احدث الأحداث في كرمنشاه فصارت سبباً لدخول سالار فيها. ومن بعد أن نزعتها الدولة من يده التجأ إلى القنصلية الروسية ثم فر إلى هذه الديار.
وهناك غير هؤلاء مما يطول ذكره.
السيد هبة الدين الشهرستاني صاحب مجلة العلم
نشر حضرة السيد رسالة في تحريم نقل (بعض) الجنائز ولاسيما الجنائز التي يتضرر منها الناس لما صارت إليه من الفساد والانحلال، فسبب نشر هذه الرسالة بين القوم حزبين:
حزب انتصر لحضرة السيد الأستاذ وحزب قام عليه معادياً له. والذي شاهدناه أن الغلبة هي إلى اليوم بجانب صاحب مجلة العلم. ونحن نتمنى أن يزول روح الخلاف والشقاق بين الوطنيين وان يهتموا بما يعود فيه خير العموم. إذ هذه الأحوال المضطربة مما تحط بشأنهم.
مكتب الإناث الإسرائيليات في بغداد
نهار الثلاثاء ١٤ ت٢ جرت حفلة افتتاح هذه المدرسة بحضور
стр. 248
والي الولاية احمد جمال بك واغلب موظفي العسكرية والملكية والوجهاء. وقد قضى البناءون أربع سنوات في تشييد هذا المعهد الحسن البناء وصرف عليه بانيه واحداً وعشرين ألف ليرة عثمانية وهذا المحسن العظيم هو العازار خضوري أفندي وقد جعل البناء على اسم قرينته (لورا) فعسى أن تكون هذه المدرسة سبب ترقٍ للإسرائيليات.
قتل وسرقة في خان المخزوم
دخل جماعة من السفلة ليلة السبت ٢٥ تشرين ٢ خان المخزوم الواقع في السوق الكبيرة وبعد أن خنقوا الحارس سرقوا شيئاً غير زهيد من حلى ومصوغات من دكان الصائغ شاول يونة اليهودي. وقد شاع أن هذه الفعلة المنكرة قد دبرت برأي (وضحاء) زوجة المقتول المطلقة. وكان قد راجعها قبل يوم.
اعتذار
كثرت المواضيع في هذا الشهر فأصدرنا المجلة في ثلاث ملازم ولم نستوف الأبحاث حقها والأبواب قرعها. فنمتاح القراء عذراً والعفو من شيم الكرام.
стр. 249
العدد ٧ - بتاريخ: ٠١ - ٠١ - ١٩١٢
هيت ومعادنها
١ - (تمهيد البحث ونظرة عامة في هبة العراق من سبات
الغفلة)
مما يستدل به العارفون على نهضة الأمة من رقادها: وجود حركة فكرية تدفع بعض الأفراد إلى البحث عن طريق الحياة المؤدية إلى سعادتها الحقيقية المتوجهة إليها، سواء كان ذلك البحث والتنقيب نشدا لاستمداد حياتها من الخارج، كتقليد أمة أخرى في أعمالها الجليلة، ومآثرها الخطيرة واكتساب ما عندها من العلوم والفنون، - وسواء كان ذلك البحث طلباً لآثار هذه الأمة نفسها وتاريخ آباءها وأجدادها السابقين، الذين خلدوا ذكرهم بما وصلوا
стр. 250
إليه من الوقوف على أسرار الكون، وهتك أستارها، وقوف يدل على ما كان لهم من اليد الطولي في العلم والعمل. - اجل: انك أن رأيت هذا كله فاعلم رعاك الله، أن الحياة تجري في روق تلك الأمة وان تلك الحياة هي حياة مادية وأدبية وعلمية معاً.
وغير خفي على قراء (لغة العرب) أن العراق هو مهبط الأمم الكبيرة، ومنبع العلوم الغزيرة، في سالف القرون الغابرة، والعصور الدابرة، ففي العراق كان بناة القصور الشاهقة، ومشيدو الصروح السامقة؛ في العراق كان أصحاب الحدائق المعلقة، والجنان ذوات الأشجار الباسقة؛ في العراق كان سباق الأقوام إلى العلوم المتنوعة؛ في العراق نشأ حملة الأقلام الرائعة؛ في العراق ظهر اعظم الرجال وأشهر الملوك؛ في العراق بدا أولوا العزائم والأعمال وخيرة أهل السلوك.
كيف لا وقد كان في هذه الديار من الملوك من إذا سمعنا التاريخ يروى لنا أعمالهم، ويورد على أسماعنا أخبارهم وسيرهم، نقول: أن هذه إلا حديث خرافة أو من أساطير وأقاصيص الأولين، أذلا تعن ليال، ولا يخطر على الأفكار منها خيال. ومع ذلك فإننا إن أوغلنا في البحث عن حقيقتها، لا نصدر عن مواردها أو مشارعها إلا رواء، بل ومتضلعين منها.
ثم إننا لو فتشنا عن هذه الأخبار والأعمال تفتيش متتبع الحقائق ومتوخيها، وتحدينا ما فيها من العبر المعجزات، والأنباء البينات،
стр. 251
لعدنا وبيدنا من حقائق التاريخ الصادقة، وأستار أسرار الحياة المتفتقة، ما يغنينا عن مد يد العوز إلى الغرب، أو عن طرقه هذا الطرق الملحف، ولصدرنا عنها وصدورنا مفعمة علماً وخبراً وخبراً، وجيوبنا مملوءة لجيناً بل
نضاراً لا بل درراً.
هذا وأني لا أريد أن اذكر هنا شيئاً قد أثبته التاريخ إثبات الشمس في رائعة النهار، وقد علمه الخاص والعام بل الكبار والصغار، واجمع عليه علماء الاجتماع، وفحول الباحثين في جميع الاصقاع، بل الذي أريد أن اسطره على صفحات (لغة العرب) من حين إلى حين آخر هو ما اعلمه عن بلادي وآثارها ومعادنها وما فيها من المرافق والخيرات، مما علمته بنفسي، أو نقبت عنه بذاتي ومما خفي أو يخفى على كثيرين من القراء، أو مما كنت أجهله فأحفيت في نشد ضالتي حتى توصلت إليها بوسائل شتى ووسائط متنوعة.
ذلك ليثبت لدى العالم اجمع مزية هذه البلاد الطيبة وفضلها على سواها، وليعلم الطامعون في ديارنا أن فيها رجالاً يذيقونهم الأمرين، قبل أن تدنسها أيديهم بالإشارة إليها، وان فيها اسوداً يصدونهم عن هجماتهم، ويقفون سداً حصيناً دون أطماعهم. ويمنعونهم عن الانتفاع بمرافق ديارهم وربوعهم، - بل ليعلموا أن وصية أولئك الأباء الاماجد مغروسة في نفوس الأبناء الأباة، وان الزمان يظهرها عن قريب.
على أن القول لا يفيد إذا كان مجمل التعبير، فلهذا أردنا أن نبين
стр. 252
اليوم غنى إحدى بلداننا وثروتها الطبيعية، وما قد أودعته أحشاؤها من الكنوز المدفونة وهي بلدة (هيت) فأقول:
٢ - موقع هيت وحدودها
هيت من مدن العراق الواقعة على ضفة الفرات اليمنى، وهي اليوم (ناحية) تابعة لقضاء الرمادي التابع لولاية بغداد. - يحدها من الشمال (بغداد)، ومن الجنوب (قلعة الرمادي)، ومن الشرق (وادي الفرات)، ومن الغرب (وادي الأسد). - وهي تبعد ١٦٠ كيلو مترا عن بغداد في الدرجة ٤٠ والدقيقة ٣٢ طولا من الشرق وفي الدرجة ٣٣ والدقيقة ٣٨ عرضا من الشمال.
٣ - اسمها
ذهب لغويونا مذاهب شتى في اسم هذه البلدة ومعانيه. قال ياقوت في معجمه: هيت بالكسر، وآخره تاء، مثناة. قال ابن السكيت: سميت هيت هيت، لأنها في هوة من الأرض. انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. قال رؤية:
في ظلمات تحتهن هيت
أي هوة من الأرض، وقال أبو بكر: سميت هيت لأنها في هوة من الأرض. والأصل فيها: (هوت) فصارت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها. وهذا مذهب أهل اللغة والنحو.
(قلنا: ويرد هذا: أن الذين وضعوا اسم هيت لم يكونوا من العرب حتى تؤول هذه اللفظة جريا على أصول اللغة العربية، بل كانوا من الأعاجم
стр. 253
الأقدمين)
وذكر أهل الأثر: إنها سميت باسم بأنها وهو: هيت بن السنيدي ويقال: البلندي، بن مالك بن دعر بن بويب بن عنقا بن مدين بن إبراهيم عم. (قلنا: ولم نجد إلى اليوم في التاريخ ذكر هذا الباني، فلعل الآثار التي هي مدفونة اليوم تبوح لنا باسمه وبعصره في العصور المقبلة!!!)
وأما الحقيقة. فهي أن اسم هيت القديم هو (ايس فقلب العرب الهمزة هاء على لغة لهم كما قالوا في أراق: هراق وفي النأي: النهي، وفي هنئت ولا تنكأ: هنئت ولا تنكه. وجعلوا السين التطرفة تاء جريا على لغة ثانية لهم يسمونها الوتم كما قالوا في الناس: النات. وفي المسلئب: المتلئب وفي السوس (أي الأصل): التوس، وقد سماها الأقدمون أيضاً (ايوبوليس ومعناها (مدينة أيا) بتشديد الياء. و (أيا) من معبوداتهم. ويحتمل أن تكون (ايس) مقصورة من (ايوبوايس).
٤ - ذكرها في التاريخ القديم
هيت من المدن القديمة وقد كانت عصر الكلدانيين والآشوريين، ولعلها كانت قبلهم بكثير، وكان البابليون يجلبون منها القار. قال هيرودوتس المؤرخ الشهير: (على مسافة ثمانية أيام من بابل مدينة (ايس) وهي راكبة جدولاً اسمه كاسمها، ويدفع مياهه في الفرات، وتجر مياهه شيئاً كثيراً من القير، ومنه جمعوا ما احتاجوا إليه لبناء
стр. 254
أسوار المدينة)
فهذه الكلمات الوجيزة تفيدنا فائدة عظمى وهي: أن البابليين لما بنوا أسوار مدينتهم بنوها بالقير، لعلمهم أن المياه التي تكثر في سقي الفراتين تدأب في العبث بالأبنية بل وبأسسها فتنقضها وتلاشيها، ولهذا اتخذوا القير لكي لا يعمل الماء فيها. وهذا النص يدلنا أيضاً على أن البابليين كانوا يجمعون القار من على وجه الفرات الذي كان يشق مدينتهم، وما كانوا
أبداً يتكلفون عناء في نقله أو جلبه كما هو الأمر في هذا العهد. لان في ذلك الزمن كان يوجد جدول أو نهر اسمه (هيت) يدفع مياهه في الفرات وكان القير مخلوطاً بمائه. وأما اليوم فان ذاك الجدول قد دفن ولم يبق له اثر، ولهذا لم يعد يأتي القير محمولاً على ظهر الفرات كما كان يأتي سابقاً، لان عيون القارة بعيدة اليوم عنه.
٥ - سكانها
يبلغ اليوم عدد سكان هيت خمسة آلاف نسمة من العرب والأعراب المختلفي النسب، فالقسم الكبير منهم يرجع أصلهم إلى الدليم (مصغرة) والقسم الآخر ينتمي إلى سادات قريش، وفيه من ينتسب إلى عشيرة عقيل، وما بقى خليط من الأقوام الغريبة المستعربة إلا انه تضمهم جامعة واحدة هي جامعة الكرم وحسن الأخلاق والأقدام والثبات والآباء. ولا بدع في ذلك فانهم من سلالة أولئك الأجواد الأمجاد (العرب) الذين يفتخر التاريخ ذكرهم.
إبراهيم حلمي: من طلبة المكتب الإعدادي الملكي.
стр. 255
المنحوت العامي واللفظ الدخيل في لغة بغداد
كانت الألفاظ العامية جلها، ألم اقل كلها، فصيحة صحيحة في عصر من العصور، ثم طرأ عليها ما طرأ على موجودات الكون من زيادة ونقصان، وإبدالٍ وتغيير، وتقديم وتأخير، وتصحيف وتحريف، وقلب وحذف، ونقل ونحت، وما شاكل ذلك شيء كثير مالا يقع تحت الحصر والعد، حتى اصبح الخوض في هذا البحث من اصعب المباحث اللغوية، لما يقتضي له من الدقة النظر وأعمال الروية.
ولما كان الجزء الأوفر والأعظم من لغتنا العامية مركباً من كلمات منحوتة ومقلوبة ومحرفة ومصحفة الخ فلا أرى بداً من التلميح والإشارة إلى بعضها لخطورتها وعلاقتها الكلية في موضع كتابي (المعجم) الذي امامي، فاقول:
النحت
إن النحت في العربية هو: عبارة عن جعل كلمتين كلمةً واحدةً وذلك يضم بعض حروف إحداهما إلى بعض حروف الأخرى في الألفاظ التي يكثر استعمالهم لها. وقد ورد على السنة عوامنا شيء كثير، من ذلك قولهم: (اشبيك) في أي شيء بك، (ومنو) في من هو، (وشنو) في أي شيء هو، (ومحد) في ما أحد، (واشعبالك) في أي شيء عرا بالك، أو أي شيء على بالك، (واشجالك) في أي شيء جاء لك، (ولحد) في لا أحد، (واشكان) في أي شيء كان، (ويابا) في يااباه، (ويما) في يا أماه، (وبشبيا) في بي شيء بها،
стр. 256
(واشبيها) في أي شيء بها، (وليش) في لاي شيء، (وبيش) في بأي شيء، وقس عليها. وقد جاء أيضاً مثل ذلك في كلام أسلافنا في لا حول ولا قوة إلا بالله.
أما النحت في اللغات الأوربية فعلى نوعين: أحدهما كما في العربية لا يفرق عنها بشيء، ومصداقاً لقولي خذ الإنكليزية مثلاً، تر شيئاً كثيراً مما ذكرت، فان أهلها يقولون في وفي في في في وهكذا قل عن الافرنسية والألمانية والإيطالية والنمسوية والأسبانية الخ
أما النوع الثاني، فيختلف عن الأول اختلافاً لا مثيل له في العربية الفصحى، ولاسيما في أول عهدها، ولا أظن انه يوجد منها كلمة واحدة في لغتنا، اللهم إلا بعد زمان العباسيين، حينما أخذت اللغة العربية تنحط انحطاطاً بيناً، وابتدأت عقارب الفساد والركاكة تدب في
جسمها، وسرت إلى شرايينها وأعماق قلبها، وهذا النوع يسمى بالإنكليزية وبالفرنسوية أيضاً وسميناه في العربية باللفظ الهجين.
стр. 257
إن لفظة مركبة من كلمتين وهما: اللاتينية أي سبب وجيه الإنكليزية، أي، بلا، فيكون معنى اللفظتين: (بلا سبب أو داعٍ). ولفظة من الإنكليزية أي أكل، اللاتينية أي صالح، فيكون معناهما (صالحاً للأكل) من اليونانية، أو الفرساوية، أي رد ودفع، اللاتينية أي شمس، فيكون المعنى من تركيبهما رادة الشمس أي مظلة أو شمسية، وقس على ذلك كثيراً من الكلمات وقد ورد شيء على هذا النحو في العربية ولكنه قليل جداً بالنسبة إلى اللغات الأوربية، من ذلك قولنا: (شمعدان) فان لفظة شمعة عربية ودان أداة تلحق الأسماء الفارسية فتفيد الظرفية. وهكذا قل سكردان، وبخوردان، وما كان من هذا الباب مثل كلمة شاه بلوط من شاه الفارسية أي ملك أو كبير وبلوط العربية بمعناها المشهور، وعلمدار، وتحصيلدار، وسلاحدار؛ وقلمدان، وبيرقدار، وسردار، وبازيدار، وخبردار، وباش كاتب، ودفتردار، وهذه اللفظة الأخيرة يونانية وفارسية، وقد جاء مثل ذلك على لسان العوام كقولهم: خدمتكار وبعضهم يقول خزمتكار (أي خادم)،
стр. 258
وعقلسز (جاهل)، وبيذمام والبض يقول بيذمان (أي بدون ذمام أو بدون وفاء)، وبداصل أو اصلسز (أي بدون شرف أو اصل كريم)، وبيذات (سيئ الذات)، وبيكار (أي بلا عمل) الخ.
أما القلب فهو عبارة تقديم بعض حروف الكلمة على بعضها أو تأخيرها على أخواتها، نحو: خشاف في خفاش، وأجا في جاء ولبق في لقب، وخفس في خسف. وطاف في طفا، وبغبغ في غبغب، وجضع في ضجع، ومعلقة في ملعقة، وكصب في قبض، وهنا قد وقع الإبدال والقلب معاً. فتأمل. وقد ورد من ذلك في اللغة الفصحى شيء كثير، ويعرف بالاشتقاق. وقد قالوا في تعريفه: هو أن تجد بين كلمتين تناسباً في اللفظ والمعنى دون الترتيب، كجذب وجبذ، وذبح وبذح، ويقال له الاشتقاق الكبير؛ وإما إذا كان بينهما تناسب في المخرج والمعنى، كنعق ونهق؛ فيقال له الاشتقاق الأكبر.
الإبدال
أما الإبدال: فهو أن تقيم بعض الحروف مقام حروف أخرى. كقول العوام: مرد في مرث، وجاسم في قاسم، وعنجاص في انجاص واللية في الالية، والعطر في الإطار، وعنبار في
أنبار. ومثل ذلك في العربية الفصحى شيء كثار.
الدخيل
إنني قد تكلمت في ما تقدم عن الكلام العامي وبينت بوجيز العبارة اصله وفرعه معاً، وأريد الآن أن ابحث عن الدخيل أيضاً بحيث يكون
стр. 259
هذا البحث جامعاً، خالياً من الإسهاب المخل والتقصير الممل. فأقول إن الداعي إلى استعمالنا الألفاظ الأعجمية هو اختلاطنا بالأعاجم ومشاركتنا إياهم في عالم التجارة والصناعة والعلم والأدب، ودرسنا لغاتهم على أنواعها، وتداول كثير من مفرداتها في مخاطباتنا اليومية. وقد عد أحدهم ذلك من أكبر الوسائل وأقوى الذرائع على انتشار الألفاظ الأعجمية بيننا.
أما سبب تهافت أقوامنا على إدخال تلك الألفاظ الغريبة لغتنا العربية فهو افتقار هذه اللغة إليها، ولاسيما في الأمور المستحدثة أو المستنبطة في هذه العصور الأخيرة. وبعض الألفاظ ادمج في كلامنا العامي لعدم وفوقنا التام على ألفاظ لغتنا الشريفة. وكثير منها فشا قسراً بين أظهرنا، على انه يوجد في العربية ألفاظ تكفينا مؤونة الاستعارة من غيرها من اللغات الأجنبية، وإنما استعملها كبار حملة الأقلام رغماً عنهم لشيوعها الفاحش بين العوام، ألفاظ التقوطها من أفواه غرباء اللسان وحافظوا عليها محافظتهم على إنسان عينهم، كأنها كنز ثمين لابد من ذخره، حتى انك لو خاطبتهم بغيرها من الألفاظ العربية الفصحى لنظروا إليك شزراً، وأجابوك بكل تهكم واستهزاء وسلقوك بالسنة حداد ظناً منهم انك تضحك عليهم بإلقائك على مسامعهم الكلمات الصحيحة الاصل، والقويمة المنشأ، والحق معهم لأنهم لا يفهمون ما تكلمهم به، لان تلك العبارات عباراتهم المستهجنة هي التي أصبحت السيدة المالكة فؤادنا، والحاكمة على لساننا، والمتداولة في أنديتنا
стр. 260
وملاهينا، ومدارسنا، وقهواتنا هذا فضلاً عن إن جلب البضائع والمصنوعات والآلات والأدوات الإفرنجية التي نتخذها في منازلنا ومعاملنا وتكاد لا تخلو بقعة في مديتنا منها، ساعدت أيضاً على شيوع الألفاظ الغريبة بيننا شيوعاً يذكر. بل وقد دفعنا حبنا لها المفرط أن اتخذناها هي وأسماءها الإفرنجية غير ملتفتين إلى ألفاظ تقوم مقامها وغير مكترثين لها، من ذلك مثلاً كلمة (شمندوفير) الفرنسية للسكة الحديدية مع إننا نقدر نستغني عنها بكلمتين هما بمعناهما أي سكة الحديد وكقول بعضهم (الترين) وهو القطار أو الرتل والجمع ارتال وهكذا قل عن
(فاكالس) فما ضرنا يا ترى لو قلنا عوضها (عطلة) أو (فراغ) وكقول كثيرين من البغاددة (كلاص) الإنكليزية وهم يريدون بها القدح وكقولهم كونيا ويونانية وقد استعمل السلف بمعناها كلمة كوس الفارسية وتجمع على كوسات ويراد بها مقياس الزاوية وهي التي سماها فصحاء العرب بالإمام. إلى غير هذه الألفاظ مما يجئ ذكره في موطنه إن شاء الله تعالى.
رزوق عيسى
سفرة إلى كربلاء ونواحيها والحلة ونواحيهما
وكويرش هذه من المدن القديمة. وقد وجد
стр. 261
فيها الألمانيون من الآثار العادية شيئاً
كثيراً. وكان فيها أحد العلماء الألمانيين العارفي الآشورية وهو الدكتور مايستر، فكان يقرأ العاديات ويحل طلاسمها ويفكك قيودها ويقيد مندرجاتها في صحفه قبل أن يبعث بها إلى دار التحف الشاهانية في الأستانة العلية.
وقد جاء ذكر كوبرش أو كيرس أو كيرس في كتاب المجامع النسطورية الذي تولى طبعه ج. ب. شابو، في الصفحة ٣٢١ وهذا تعريبه: (انتعش يومئذٍ ضعف البطريق مار آبا محب المسيح، وحالما وقع الصلح في المدائن (سلوقية وطيسفون) زايل المدينة كيرس دار الملك (ومقر الاكاسرة في أيام الصيف) الواقعة في كورة فيروز سابور من ديار العرب. وكان نزولنا في دار الأستاذ الدكتور الألماني (روبر كولدواي) رئيس مهندسي في بابل. وفي كويرش عدة أمكنة قديمة، وبيوت خربة، وقصور عادية، تنشئ كلها بقدم تلك الحاضرة ويختلف
стр. 262
طرز بنائها باختلاف الأمم والأجيال التي احتلتها: أبنية كلدانية، وآشورية، وساسانية، وعربية. ومن جملة ما شاهدناه فيها: أسد كبير منحوت من الصخر، إلا إن وجهه قد تشوه لكثرة ما مر عليه من طوارئ الجو وأحداث الزمان. ومما يدهش الناظر هناك دور المدينة، وبيوتها المنقلبة، وجدرانها الشامخة الذاهبة صعداً في السماء، وسراديبها الغائرة، هناك يرى جب يزعم انه الجب الذي القي فيه دانيال النبي، وفيه درك تنزل بك إلى قعره، هناك يرى على الحيطان رسوم كثيرة، وصور حيوانات مختلفة، إلا إن الزمان قد طمس محاسنها، وشوه بدائعها وروائعها لتقادم عهدها. ويحسن بي هنا أن اترك الأب لويس الرملي يتكلم عوضاً عني، لأنه زار هذه الأنقاض قبلي واحسن وصفها
فقال:
عمانوئيل فتح الله عمانوئيل
مضبوط
стр. 263
باب المشارفة والانتقاد
كثرت لدينا هدايا الأدباء من جرائد ومجلات وكتب وكلهم يحبون أن نشارفها أو ننقدها أو يخيروننا بين مشارفتها وانتقادها. على أن المجلة قليلة الصفحات، صغيرة الحجم، لا تحتمل أن تطيل النفس في انتقاد الكتاب الواحد إلا إذا كان ذا شأن وخطر يجتني منه القراء الفوائد الجمة، أو إذا كان التصنيف لأحد مشاهير الكتاب ويتوقع انتشاره بين ظهراني القوم، فنحرص حينئذ على نقده لئلا يشفو الوهم فيهم وتتأصل جذوره في العقول فيصعب بعدئذ استئصالها.
بيد أننا أن كنا لا نخصص عدة صفحات لنقد الكتاب الواحد فإننا لا نغضي الطرف عنه كل الإغضاء تعريفا له عند من يجهله أو يريده الحصول عليه. وها نحن نسرد أسماء بعض الكتب الواردة علينا إشعارا لأصحابها بوصولها وسوف ننقدها عند سفوح الفرصة الواحد تلو الآخر حسب بلوغها إلينا:
١ - العقد المتلألئ. ٢ - مناظرة الحاتمي والمتنبي. ٣ - إتمام المتون ٤ - المجازات النبوية. ٥ - شواهد القطر. ٦ - ذخيرة الأصغرين. ٧ - كتاب الذهب. ٨ - تاريخ آداب اللغة العربية. ٩ - العلم الموروث في إثبات الحدوث. ١٠ - طلستوى. ١١ - إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق. ١٢ - الفوز بالمراد في تاريخ بغداد. ١٣ - قرة العين في تاريخ الجزيرة والعراق والنهرين. وغيرها كما سيأتي بيان أسمائها في أوقاتها المرهونة.
стр. 264
العقد المتلألئ في حساب اللآلئ
(تأليف صالح سليمان بن صالح الدخيل من أهالي القصيم في نجد (وهو اليوم صاحب جريدة الرياض في بغداد) يتضمن بيان معرفة كيفية تكون اللؤلؤ والصدف وأنواع ألوانه وقيمة وحساب أوزانه وبيان كيفية الغواص في الخليج (الفارسي) وسيلان وغيره) (كدا). - حقوق الطبع محفوظة للمؤلف. - طبع في مطبع الترقي في بمبي). - وليس في ذكر سنة الطبع. - بقطع ١٨ وعدد صفحاته ١٤٠ وقيمته قرنك ونصف في بغداد.
هو كتاب جليل لا يستغني عنه من يريد التعاطي بتجارة اللآلئ لاسيما في خليج فارس. وفيه من اصطلاحات أهل الفن في هذا العصر ما يحرص عليه التاجر واللغوي والغريب الوطن لفهم رطيني الغواصين. وقد ذكر عدد من السفن التي ترصد لهذه الغاية وسمى البلاد
التي ترجع إليها فإذا هي على هذا الوجه:
١٠٠ سفينة من الكويت٤٠٠ سفينة من أبو ضبير٣٠٠ سفينة من البحرين ١٠٠ سفينة من دلما ٢٠٠ سفينة من قطر ١٣٠٠ سفينة من بقية القرى ٣٠ سفينة من لنجة وفارس ٣١٦٠ المجموع ٨٠ سفينة من دبي ٥٠٠ سفينة من الشارقة ١٥٠ سفينة من أم التمور
стр. 265
وعدد غواصي كل سفينة يختلف بين أربعين إلى ١٥٠ رجلاً. ولكل أمير حق يستوفيه من كل سفينة، قدره حصة غواص واحد. وحصة الغواص هي ضعف حصة السياب. ولرب السفينة شئ معلوم من الكسب مذكور في قوانين سنت لهم في هذا الموضوع. ووقت الغوص يكون في إبان الهجيرة (وفي الأصل عند هوجرة الحر وهو من اصطلاح النجديين) ومدته ثلاثة أشهر، وغور الماء في محل الغوص يبلغ ١٥ إلى ٢٠ قامة وقد يتكفلون لعمله هذا الشاق أتعاباً فادحة، إلا انه إذا كان الهواء رائقا والبحر رهواً هادئا لا يلاقون كلفة في غوصهم وقد يتضرر الغواصون بآفة في أجسامهم أو يفقدون حياة بعض أعضائهم بل منهم من يعتريه الخبل فيظن فيه العوام انه صار واحدا من الجان. إلى آخر ما هناك من التفاصيل الغربية التي يتطال إليها الأديب للوقوف على ما يجهل فيعود بفائدة جزيلة بعد الاطلاع عليه.
والكتاب مطبوع على الحجر وفيه أغلاط طبع كثيرة لم تصحح. هذا فضلا عن ركاكة العبارة في بعض المواطن وتتالى اللحن في كل صفحة تقريباً. إلا أن هذا كله هو على حد ما قيل: الفرس الأصيل لا يعيبه جلاله.
مناظرة الحاتمي والمتنبي
هي رسالة في المناظرة (بين أبي علي محمد بن الحسين الحاتمي وأبي الطيب المتنبي. رواية أبي عبد الله الحسين بن محمود الحسين
стр. 266
البغدادي) طبعت في بغداد بمطبعة الآداب سنة ١٣٢٧ وهي في ٤٠ صفحة بقطع الثمن.
والرسالة فريدة في بابها وتقسم قسمين: في القسم الأول منها ذكر ما جرى بين الإمامين اللغويين من تجاذب أطراف الكلام في أسرار اللغة، وفي القسم الثاني ذكر ما أخذه المتنبي من المعاني الفلسفية والمنطقية وأودعها شعره. وكل بأسلوب رائق، وقالب شائق، لا يأخذ بمطالعتها الأديب إلا ويأتي على آخرها، لحسن عبارتها وتداخل حلقات روايتها، إلا أن
فيها بعض أغلاط الطبع لا تخفى على المطالع.
المسامرات
(جريدة تصدر في يوم الأحد من كل أسبوع موقتاً). وهي تنشر في بيروت. برز عددها الأول في ٢٨ ذي القعدة سنة ١٣٢٩ - ١٩ تشرين الثاني سنة ١٩١١ لصاحبها احمد حرب. بدل اشتراكها في الجهات ريال مجيدي وربع وفي الخارج ٨ فرنكات.
المنير
(جريدة عربية أسبوعية صاحبها ومديرها احمد جودت كاظم) وهي تصدر في البصرة. بدل اشتراكها في البصرة والبلاد العثمانية ٤٠ غرشا، وفي البلاد الأجنبية ١٢ فرنكاً. وصل إلينا العدد ٥ فألفيناه حافلا بالمقالات المفيدة. وقد صدر العدد المذكور في ٢ ذي الحجة سنة ١٣٢٩، ونتمنى لها الرواج ونود أن تكثر من درج المقالات التي يكون مبحثها عن خليج فارس والثغور التي فيه وعن بلاد العرب، لان
стр. 267
أنظار الأجانب قد تحولت إلى تلك الأرجاء واقل إهمال في هذا الصدد يؤدي إلى إخطار عديدة.
دار السلام تقويمي
من احسن مطابع بغداد على الاتفاق مطبعة دار السلام، فان ما تبرزه من المنشورات المختلفة يرفل بحلة الحسن والوشي والنظام. وها قد أصدرت الآن (رزنامة) سمتها بالاسم المذكور باللغة التركية. وفيها ذكر أيام السنة الهجرية والمالية والعبرانية والإفرنجية وبحرف جميل وعلى كاغد فاخر. وقيمتها خمسة قروش صاغ. وإننا لنخيرها على كثير من الرزنامات التي تصدر في بيروت وديار مصر، لما فيها من الدقة في الفوائد الجزيلة المذكورة في بويب لها عنونته باسم (المواسم) فنحث القراء والتجار وبيوت العلم على اقتنائها.
فوائد
الفنر والفرن
وكلاهما وزان سبب هو اسم الفانوس المتخذ من الكاغد على لغة البغدادين من العوام. وقد
ذكر لنا غير واحد أن البعض يستعمله إلى يومنا هذا ومنهم عند خروجهم من مجالس الأنس والطرب. واللغة المشهورة فيه هي الفنر وقد يصحفها البعض بالنقل فيقول الفرن. وأما الفانوس فيخصونه بالذي تتخذ من الزجاج المركب في الصفيح. وقد دخل استعمال الفانوس عن طريق الهند فانه كان يؤتى بأمثاله
стр. 268
صغارا فتباع ببغداد باثمان حسنة فاخذ حينئذٍ البغداديون باصطناع أمثالها صغاراً وكباراً.
وأما وضع المناوير في بغداد فكان في شتاء سنة ١٨٧٥ في ذلك الوقت أيضاً أقيم حراس الليل (أو النواطير) في عدة محلات المدينة.
الخازر لا الحازر ولا الجار
كتبنا في الصفحة ٤٧ نقلا عن تاريخ ابن خلدون أن من المنتفق من يسكن بين الحازر والزاب. وصحيح الرواية هو على ما نبهنا عليه حضرة الشماس فرنسيس اوغسطين جبران: بين الخازر والزاب. والخازر تكتب بالخاء المنقوطة الفوقية بعدها ألف ثم زاء منقوطة ثم راء مهملة. والاسم معروف إلى اليوم كمعرفة الزاب، وهو نهر بين أربيل والموصل كما أشار إليه ياقوت الحموي في معجمه.
شرح مقامات الحريري للمطرزي
كثيرون هم الذين شرحوا مقامات الحريري، لما حوت من الألفاظ العربية الغربية الجمة حفظاً تتسق فيها المعاني اتساقاً يسهل حفظها على من يريد استظهارها وليس كما يتوهم السواد الأعظم إنها آية الإنشاء يحتذي مثالها. لان احسن الكلام أقربه إلى الطبع وأنفذه إلى القلب، إلا ترى انه لا يروقك الزهر الصناعي مثل الزهر الطبيعي، فبلاغة الحريري في مقاماته بلاغة صناعية يظهر التكلف في كل حرف من حروفها بخلاف كلام الجاحظ مثلا ففيه من النفس العالي ما يزري
стр. 269
باللآلئ وفيه من الفصاحة والبلاغة ما ينفذ إلى الجنان قبل ولوجه الأذان. ولكون مقامات الحريري أصبحت بمنزلة ديوان لغة جامع لمفرداتها تصدى كثير من الكتاب لحل معضلها وفتح مغلقها وفض طلاسمها، ومن جملتهم المطرزي فقد قال عن شرحه صاحب كشف الظنون. . . والإمام أبو الفتح ناصر بن عبد السيد المطرزي النحوي شرحها أيضاً وسماء (الإفصاح) ذكر في أوله علمي المعاني والبيان وقواعد البديع
وتوفي سنة ٦١٠. أوله: الحمد لله المحمود على جميع الآلاء الخ
والنسخة التي بيدنا هي لأسكندر أفندي داود مسيح وهي بخط قديم وقد جاء في آخرها: (وقع الفراغ من إتمامه، وفتح اكمامه، في شهور سنة ثلاث وستين وخمسمائة وفي الحواشي عدة تعاليق علقها بعض العلماء الأعلام وقد وقع الكتاب بيد جماعة لنفاسة النسخة كما يشاهد ذلك من تواقيعهم وختومهم واسماهم الموشحة بها والكاغد حسن ثخين والكتابة واضحة سهلة القراءة ولا تخلو كلمة من ضبط ما يحتاج إلى ضبطه بالحركات والشكلات. والمؤلف يتصدى لشرح مقامة مقامة بدون أن يسرد نصها على التمام.
طول النسخة ٢٣ سنتيمتراً في عرض ١٧ وفيها ١٩٦ ورقة أو قائمة أي فيها ٣٩٢ صفحة. وفي كل منها ١٩ سطراً. وطوال المكتوب من الصفحة ١٨ سنتيمتراً في عرض ١٢ غير أن الذي يشين هذه النسخة النادرة اختلاف الكتابة فيها، فأن الأوراق الأول والقوائم الأواخر
стр. 270
من خط واحد وأما اوراق الوسط بل اغلب الأوراق فهي بيد الكاتب الأصلي وهي اقدم عهداً من الصفحات الصدر والعجز التي هي أيضاً قديمة. وعلى كل حال فان النسخة حسنة مقروءة على الأئمة تصلح أن تكون أماً لبنات تطبع عليها طبعاً متقناً. عسى أن يتصدى لها أحد الأدباء فيبرزها بطراز الطبع الموشى والله الميسر.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - سير البريد بين بغداد والشام وأوربة
كان يدوم سير البريد الذي يجري بين بغداد وديار الإفرنج مدة ٢٨ يوماً إذا سار سيراً حثيثاً. وأما اليوم فان الدولة العثمانية قد اشترطت شروطا جديدة منذ شهر ونيف على أحد أصحاب البرد لتكون المدة بين الزوراء وباريس ولوندرة وهامبورغ تختلف بين ١٧ و٢١ يوما لا أزيد. وقد أقام المتعهد المذكور دواب مستريحة بين مرحلة ومرحلة فأصبحت المدة بين دار السلام وحلب ٨ أيام ومنها إلى دمشق الشام يوم ومنها إلى بيروت يوم ومنها إلى أوربا ٤ أو ٥ أيام. وسوف تحافظ إدارة البريد على إدامة هذا النظام وتحسين أمورها بما في وسعها. حقق الله المساعي.
٢ - مكتب الحقوق على حاله
كان في نية حضرة والينا جمال بك أن يلغى مكتب الحقوق في بغداد بوسائط تهون هذه الضربة على أهل هذه المدينة، لكن لما رأى في
стр. 271
العرب من المدافعة التي لا تنكر وانه يخلف هذا الإلغاء سوء عقبى، عدل عن فكره الاول، واليوم يجري المكتب على مألوف عادته.
٣ - الشيخ خزعل والإنكليز في البريم
وقعت سارية علم (دقل بيرق) قنصل دولة الإنكليز في المحمرة لتقادمها وكانت قائمة على سطح القنصلية فأمر الجري (القنصل) أن يعاد نصبها لكن في أرض بستان القنصلية. فلما سمع بهذا الأمر حضرة سمو الأمير الشيخ خزعل، وكان ماراً بزورقه أمام القنصلية، منع هذا النصب في المحل المذكور، ونقدم بإقامة الدقل في موطنه السابق أي على سطح القنصلية، ثم وضع حراساً يحافظون على إجراء امره، اما القنصل الإنكليزي فلم ير في الأمر مانعا فأعاده إلى معهده الأول. وحضرة الأمير في اتفاق تام مع الأجانب وموظفي الحكومة العثمانية وليس هناك ما يعبث بالراحة والأمن أو يقلل محبته في القلوب.
٤ - تعاضد أمراء العرب في إعانة الدولة العثمانية
المع الأمير الشيخ مبارك ابن الصباح إلى الدار العلية بنية بأنه مستعد
стр. 272
لان ينجد جند الدولة
المحارب بستين ألفاً من أبناء العشائر المنتمية إليه وأرسل لهذه الغاية ٣٠٠٠ ليرة إعانة للدولة. فشكر جلالة السلطان حضرة الأمير وانعم عليه بوسام يليق بشأنه.
стр. 273
وجمع أهل البحرين عشرة آلاف ليرة، وأمير راس الخيمة ثلاثة آلاف ليرة، وشيخ الشارجة ألفي ليرة، وابن دلموك ألفي ليرة أيضاً وشيخ آخر ألفي ليرة أخرى. وقد اخذ أهل ساحل عمان بجمع الإعانات ويقدر العارفون مبلغ ما يتحصل من أمراء العرب بخمسين ألف ليرة عثمانية. وعدد المقاتلة بمائة وعشرين ألفاً. بارك الله في سعاة الخير.
٥ - المجتهدون والعلماء في النجف وفتاويهم بخصوص
الحرب
لما سمع أهل النجف بدخول روسية بلاد إيران عقد مجتهدوها وعلماؤها مجالس شتى وعطلوا الدروس والجماعة، وذهب عبد العزيز بك قائم مقام النجف إلى (حجة الإسلام السيد محمد كاظم اليزدي) وطلب منه فتوى مفصلة مفيدة للحكومتين العثمانية والايرانية، فافتاه حضرة السيد المذكور، وهذا تعريب الفتوى بحروفها وأغلاطها نقلاً عن الزهور في عددها ١٤٩ الصادر في ١٥ ذي الحجة ١٣٢٩
стр. 274
(اليوم لما هجمت الدول الأوربية على الممالك الإسلامية من كل جهة، فمن جهة هجمت إيطاليا على طرابلس الغرب. ومن جهة أخرى الروسيا بتوسط عساكرها اشتغلت شمال ايران، والإنجليزي أتت جنوده إلى جنوب إيران، وهذا موجب لمخاطرة واضمحلال الإسلام، فلهذا يجب على عموم المسلمين من العرب والعجم أن يهيئوا أنفسهم إلى دفاع الكفر عن الممالك الإسلامية، وان لا يقصروا ولا يبخلوا في بذل أنفسهم وأموالهم في جلب الأسباب التي يكون بها إخراج عساكر إيطاليا عن طرابلس الغرب، وإخراج عساكر الروسيا والإنجليز من شمال وجنوب إيران، التي هي من أهم الفرائض الإسلامية حتى تبقى المملكتان العثمانية والإيرانية مصونتان محفوظتان (كذا) بعون الله من هاجم الصليبيين (كذا) حرر يوم الانين خامس ذي الحجة الحرام سنة ١٣٢٩
حرره الاحقر: محمد كاظم الطباطبائي
وقد المع أيضاً علماء النجف إلى الإيرانيين ومسلمي الهند ما هذا حرفه أيضاً:
(إلى الإيرانيين ومسلمي الهند عامةً. - إن هجوم روسيا على ايران، وإيطاليا على طرابلس الغرب موجب لذهاب الإسلام واضمحلال الشريعة الطاهرة والقرآن، فيجب على كافة المسلمين أن يجتمعوا ويطالبوا من دولهم المتبوعة، رفع هذه التعديات الغير القانونية من روسيا وإيطاليا، وليحرموا السكون والراحة على
стр. 275
أنفسهم ما لم تكشف هذه النغمة والغائلة العظمى، وليعدوا هذه النهضة منهم تجاه المعتدين على البلاد الإسلامية جهاداً في سبيل الله كالجهاد في بدر وحنين.
(محمد كاظم الخراساني)
(عبد الله المازندراني) (شيخ الشريعة الأصفهاني)
(إسماعيل بن صدر الدين العاملي). اهـ)
وقد شاع بين الناس إن علماء النجف وكربلاء وسامراء يجتمعون في أواخر شهر ذي الحجة في الكاظمية لينظروا في مسألة إيران ويتخذوا الوسائل اللازمة لإيقاف رحى الحرب الطاحنة في طرابلس الغرب وللمحافظة على استقلال إيران لكن لم يتحقق الأمر لوفاة الملا الخراساني.
٦ - السكة الحديدية في السواد أي في الجزيرة والعراق
روى (المصباح الأغر) (من جرائد بغداد) أن الحكومة أوقفت أعمال مشروع السكك الحديدية الألمانية في الجزيرة ريثما تترضى الحكومة الألمانية الدولة العلية. ولعلها فعلت الآن. لان الأشغال المذكورة لم تنقطع في العراق البتة منذ الابتداء بها.
٧ - وفاة حجة الإسلام الملا محمد كاظم الخراساني
المع من النجف صاحب مجلة العلم هبة الدين الشهرستاني النبأ الآتي نصه:
نعزي عموم الملمين والإيرانيين والعثمانيين، بوفاة اعظم رجال الإسلام، حضرة حجة الإسلام، الشيخ ملا كاظم الخراساني ليلة الثلاثاء
стр. 276
(١٢ ك١) بكيد الأعداء ليمنعوه عن هجرته إلى إيران مع الطلبة والأهالي لدفاع الروس عنها فبتنا أيتاماً، ليتنا فديناه بأرواحنا) اهـ.
٨ - وفاة سعدون باشا
توفى الشيخ سعدون باشا رئيس عشائر المنتفق في حلب الشهباء في أوائل شهر كانون الأول.
٩ - شركة بواخر وطنية على الفراتين
أنشئت شركة بواخر وطنية في أواخر الشهر الماضي بعنوان (شركة تجارة مراكب البصرة) لكي تسير على نهري الفرات ودجلة، وقد أتت منها باخرتان في أوائل هذا الشهر فيهما أموال وركاب قادمة من البصرة فنتمنى لها النجاح.
١٠ - سباق الخيل
جرى سباق الخيل نهار الثلاثاء ٥ ك١ بحضور والي الولاية وآمر الموقع وكبار المدينة ووجهائها وكان المجلي سليمان البحر أحد الإعراب صاحب فرس دفع له بها سابقاً ناظم باشا مائتي ليرة فلم يبيعها وكان الرهان ٢٥ ليرة. إلا أن صاحبها أركضها بعد السباق فوقع منها ودقت عنق حجره فماتت بعد قليل أما هو فقام سالماً، حفظه الله.
١١ - شريف مكة
جمع شريف مكة مائتي جندي برئاسة أحد أنجاله ليذهبوا إلى القصيم في نجد. وأمر جميع القبائل المنقادة له من عتبة وغيرها أن تنضم إلى هذا الجمع لأنه قد عقد الني على أن يذهب بنفسه إلى تلك الديار
стр. 277
بعد انقضاء أيام الحج. وقد أرسل إلى الأمير ابن الرشيد يخبره بأنه يجتمع به، ولهذا ضرب الأمير موعداً على أحد الموارد التي هي بين المدينة وحائل.
ملخص عن الرياض
١٢ - مصالحة عجمي بك السعدون وحمود بك السويط
سار عجمي بك السعدون إلى ابن الرشيد، وما وصل إليه إلا وحضر حمود بك السويط رئيس عشيرة الضفير، فاصلح الأمير ما بينهما، والآن هما على وشك الوصول إلى ديارهما.
ثم برز بعد ذلك الأمير ابن الرشيد بجيوشه إلى الضفير، وشمر، وحرب، ومن والاهم طالباً منهم أن يجتمعوا به هناك.
(عنها)
١٣ - أعمال ابن السعود
بعد أن غزا ابن السعود قبيلة (عتبة) ذهب فنزل بلاد القصيم وأبدل أميرهم محمد ابن جلوي بأمير آخر. ثم توجه قاصداً الرياض دار إمارته ليجم نفسه حيناً من الزمن ويعدها لأمر ذي بالٍ.
(عنها)
١٤ - الإنكليز في أبي شهر (بوشهر أو بوشير من ثغور بلاد
إيران) في خليج فارس
أفاد مكاتب الرياض إن الإنكليز انزلوا ٦٠٠ فارس و٤٠٠ راجل من جنود الهنود في أبي شهر، وقد استقبلهم بعض الجنود الإيرانية وسار الجميع قاصدين شيراز.
١٥ - شيخ عشيرة شمر الجديد
عين والى ولاية بغداد حميدي بك ابن فرحان الجرباء شيخاً لعشيرة
стр. 278
شمر بدلاً من أخيه مجول، الذي تبين عجزه عن حفظ الأمن في دياره. ولما طرق سمع مجول ذلك أمر بعض العشائر من اتباعه وتعرف (بالمثلوثة) (ومعنى المثلوثة عندهم أخلاط من الناس من عشائر متفرقة) بان ينهبوا ويسلبوا كل من عارضهم في طريقهم وقد حصل بعض ذلك سيما في طريق بغداد وسامراء. فعسى أن يحقق الشيخ الجديد صدق الأماني ويمنع رسم المرور بدياره وهو الرسم المعروف (بالخاوة)، ويترك الغزو ويحافظ على تأمين الطرق ويشوق عشائره إلى الفلاحة والزراعة ونزع الأسلحة على أسباب الرقى والحضارة والتمدن.
(عنها)
١٦ - إطلاق سراح النوري شيخ عشيرة الرولة
بلغ الرياض أن قد عقدت النية على إطلاق سراح النوري من سجنه في دمشق بشرط أن يدفع ٤٠٠٠ ليرة. وقد جمعت عشيرته الرولة ٥٠٠ بعير لتباع في هذا السبيل فعسى أن يكون ذلك من باب العقاب والتأديب لا من باب الرشوة والبرطيل.
١٧ - التدريس في المكاتب باللغة العربية
خطت الحكومة الدستورية خطوة عظيمة في إلزام الطلبة بتحصيل مبادئ العلوم باللغة العربية بشرط المحافظة على التدريس باللسان العثماني، فان هذا القانون من أدل التباشير على انبلاج صبح الرقي والتبسط في العمران والحضارة.
١٨ - انكسار الفلوس الفارسية والإنكليزية في بغداد
نهار الخميس ١٤ ك١ ناد المنادي في الأسواق والطرق أن
стр. 279
المعاملة بدراهم بلاد العجم لا تقبل. ولم يعلم السبب. ولا يخفى ما في هذه المناداة من الأضرار: ١ لان اغلب الدراهم الفارسية التي يتعامل بها هي من النقود الصغيرة التي تختلف قيمتها بين السنتيم والفرنك. ولا تتجاوزه ٢ً لان بدل للشاهيات (وهي بارات العجم) في نقود الدولة العثمانية. فكيف المعاملة بالورق (أي دراهم زهيدة السعر كالبارات) لاوجود له. ٣ً إن الفقراء والأوساط من الناس يملكون شيئاً كثيراً من هذا الورق فكيف يبقى عندهم بلا ثمن ولاعوض، افليس من هذا الأضرار الفادحة التي تحل بالأمة. وهناك من هذه البلايا. ولهذا رجعت المعاملة بتلك الدراهم بعد أسبوعين من هذه المناداة.
١٩ - تشييد دار لإدارة البرق والبريد
في نحو ظهر نهار السبت ١٦ك١ تألب الناس على اختلاف طبقاتهم في حفلة يرأسها والي الولاية ومدير البرق والبريد ووضع الحجر الأول للدار الجديدة التي تبنى لإدارة البرق والبريد فنتمنى إتمامها على احسن وجه وطرز وامتن أساس وبناء.
٢٠ - مكتب جديد للتعاهد الإسرائيلي في خانقين
أنشأ اليهود في خانقين مدرسة جديدة راجعة إدارتها إلى (التعاهد الإسرائيلي) فنقل له الخواجا الياهو روبين من حاجياته ما حمل على ثمانية عشر بعيراً بدون أجرة، حباً بنشر المعارف.
٢١ - نهضة العلم في الكويت
اتصل بالرياض أن حضرة الأمير والشيخ الكبير مبارك باشا الصباح
стр. 280
عقد النية على إنشاء
مدرسة عالية علمية راقية في الكويت، وعندما ابرز هذا الفكر لكبار الكويت قدر العارفون نفقاتها بمائة ألف ربية (أي بمائتي ألف فرنك) فتبرع للحال الإخوان محمد وزيد الخالد بخمسة آلاف ربية، ومثلهما إبراهيم ابن مضفر، وكذلك فعل هلال المطيري وحسين بن علي وأخوه شملان، وقد اصبح المجموع الآن أربعين ألف ربية، والبقية يجود بها الأمير الجليل. وعن قريب يشرع ببنائها. حقق الله الآمال، وبارك الله بهمة هؤلاء الرجال. الذين يحسنون تحري الأعمال، بوضع المال، إلى ما به خير المآل.
٢٢ - عشيرة البوعاينة وعشيرة الفتلة
علمت الرياض إن أبناء عشيرة البوعاينة المقيمين في أنحاء الشامية والزارعين عند الشيخ عليوي الرخيص من شيوخ أعراب الحجارة قد عزموا على الرجوع إلى أراضيهم السابقة. والحال إن هؤلاء الإعراب كانوا قد قتلوا (في سنة ١٩٠٧) ٣٥ إعرابياً من عشيرة الفتلة. وكانت الحكومة قد أرسلت في ذلك الحين جماعة من الجند معقودة اللواء لقائم المقام عبد الجبار بك وللبيكباشي محمود أفندي لتأديب أولئك المخلين بالراحة. فما كان من أولئك الأغرار إلا أن قابلوا الجند بما في مكنتهم ورفعوا الأسلحة عليهم فحينئذ هدمت تلك الجنود قلاعهم ومقاتيلهم، فهرب العصاة مولين الأدبار.
стр. 281
ولما كان من عادة العرب المطالبة بالدم أن كان من باب الآثار وان كان من باب الدية أو الفصل. ودم أولئك القتلى لو يفصل بوجه من الوجوه، فحضورهم في ذلك الموطن يسبب القلاقل والفتن التي تجر إلى ما لا تحمد عقباه. اصلح الله الأمور.
٢٣ - زرع مقاطعة البغيلة ورئيس عشائر عفك
صممت الحكومة على تسليم أراضي مقاطعة البغيلة لعهدة الشيخ الحاج مهدي الفاضل رئيس عشائر عفك لتزرع وتؤكد عيشة إعرابه ويؤمن شر بطالة منهم.
стр. 282
مريم
معربة عن الفرنسوية عن الرسائل البانية
في سنة ١٢١٤هـ (١٧٩٩) كان في الناصرة رجل نصراني اسمه يوسف. وكان قد تزوج امرأة كنعانية اسمها مرتا. فبارك الله اقترانهما وولدت مرتا بعد سنيين ابنة حسناء تخجل البدر بطلعتها البهية. ولم يجد لها أبوها من الأسماء ما يذكر هذا الجمال البديع، والمنظر السنيع، إلا (مريم) تلك العذراء التي قضت بضعة أعوام في هذه البليدة عينها فسماها باسمها. فحق أن يقال عن كل من هتين المريمين:
ولو كانت النساء كمثل هذى ... لفضلت النساء على الرجال
نشأت مريم بين أترابها وهي بينهن كالبدر بين الكواكب الزاهرة، لان جمالها لم يكن إلا أمراً لا شأن له بالنسبة إلى ما اتصفت به من الأوصاف التي تجعل الابنة في مقام رفيع من الخطوة عند الناس بحسن الآداب وتوخى الفضائل والمبرات، حتى ناهزت السنة الثانية عشرة من عمرها، ففقهها الأب انطونيو رئيس دير الرهبان الفرنسيين أصول الدين واعدها للتناول الأول.
في أثناء تعليمها مبادئ الديانة لاحظ رئيس دير اللاتين ذكاء هذه الابنة ما يميزها عن سائر أترابها. فعرض على والديها أن يعلمها القراءة والكتابة. ففرحا بهذه البشرى فرحا لا مزيد عليه. وأما مريم فكادت تطير من فرحها لما عرفت ما نواه أبواها ومرشدها. لأنها كانت تقول لمن يسمعها: ما اسعد حظي إذا تمكنت من مطالعة
стр. 283
الإنجيل الجليل كلما أمكنني ذلك. وما اعظم فرحي حينما اتبع الكاهن عند تلاوته التنزيل العزيز ولما سمع كلام الله وقت القداس في الكنيسة التي هي بيعة مريم ومحل تبشيرها بأجل البشائر.
ما مضت ثمانية أشهر على ابتدائها بالدرس إلا وأتقنت مريم اللغة العربية والإيطالية والأسبانية قراءة وكتابة. فهل بعد هذا الدليل الواضح ما يبقى شكاً في توقد فؤاد هذه الغادة الغيداء الغريبة الذكاء.
وان خفيت كانت لعينيك قرةً ... وان تبد يوماً لم يعمك عارها
من الخفرات البيض لم تر شقوة ... وفي الحسب المحض الرفيع نجارها
فلما رأى الأب انطونيو هذه الابنة تتلقف من فيه العلم تلقفاً، أوقفها على وقائع التاريخ
وعلى علم تقويم البلدان وتخطيطها فشدت شيئاً منهما. وكانت كلما تعلمت بعض العلوم يتسع لعينيها أفق المعارف وتنبسط تخوم أفكارها وتمتد إلى ابعد الأصقاع. والخلاصة أنها كانت تزيد علماً وفضيلة كلما تقدمت سناً. لان الغاية الصمدانية كانت قد جادت عليها بعوارف العقل والذكاء فزاد فؤادها توقدا المثابرة على الدرس وتعاطي أطراف العلوم. ولما بلغت السنة الخامسة عشرة من عمرها أصبحت ابنة يوسف خوداً من أشهر الخود بمضاء ذكائها وصدق اطلاعها على جل معارف القوم.
ذلك هو وصف مجمل ما ازدان به عقلها الثاقب وأما محاسنها الظاهرة فلا يصورها قلم ولو كنت مصورا ماهراً أو كاتباً جليلاً.
стр. 284
على انه مالا يدرك كله، لا يترك جله. فكان قوامها خوط بان. في قراح من أرض لبنان. وشعرها الأسود الفاحم، يفحم كل شاعر ناظم:
اضفيرتان على بياض خدودها ... أو في كتاب الحسن سلسلتان
أو ليلتا العيدين أقبلتا معا ... أو من قصائدهم معلقتان
وكان ثغرها عبارة عن نضدين من اللآلئ الغوالي. يزيد ماءهما بريقاً بريمان من الأرجوان. أما محياها فكان آية في حسن التقطيع كأنه بيضة غضة، أو بيضة في روضة، ولونه لون السنبل إذا نضج. وكان ثوبها الأزرق. يشبها حسناً. كيف وقد:
ليست حسيناء الغوير بنفسجاً ... يا ربنا صنها عن المعيان
قد حل لون في لون الهوى ال ... عذرى بالإفرنج والسريان
وكان يجللها أزار يبرزها للناس قمراً من الأقمار، لا سكناً من سكان هذه الديار. وأما آدابها فكانت أيضاً من هذا الطراز العالي البديع فإنها كانت حليمة، وديعة كالحمامة، رقيقة الشعور والقلب، تغض من طرفها إذا مشت، ومن صوتها إذا تكلمت. وإذا جدت عليها بقطرة من الندى، كانت لك اشكر من بروقة. وهي مع ذلك في ابعد غاية من السذاجة وفي أعلى مقام من الطهر والعفاف. وهذه المناقب والخصال الحميدة كانت تزيدها حسناً وبهاءً. ولهذا كان إذا نظرها الناظر يظن انه يرى ملكا من النور، أو غادة من حور القصور. وكل الناس كانوا يقدرونها حق قدرها لهذه المحاسن الفريدة التي تحلت بها، إلا هي فإنها كانت تجهل نفسها.
стр. 285
وهل احتاج بعد هذا التفصيل المجمل إلى أن أقول لك إن أهل الناصرة من مسلمين
ونصارى كانوا يعزونها اعظم الإعزاز، ويحبونها الحب العذري، فوق ما يدور في الخلد.
وكان يوسف ومرتا يشكران العناية الإلهية على كونها جادت عليهما بهذه الخريدة الفريدة، بل يتيمة الدهر الوحيدة، وكانا يطلبان إلى الله أن يصونها من كل شائبة لتكون سعيدة في الدارين.
وكان من عادة مريم الغادة أن تجمع في بيت أهلها أترابها الناصريات، وتفقههن أصول الدين على الأسلوب الذي تلقته من الأب انطونيو. وكانت تفعل هذا الفعل عن طيبة خاطر وبغيرة تتقد اتقاداً. وكانت تفيدهم اعظم فائدة، لما كانت تلقيه عليهم من الشروح لتؤيد بها تلك الأصول الدينية في القلوب الغضة، وكل ذلك يخرج من فمها عفواً بدون تعمل أو تصنع لأنها كانت تتكلم عن كثرة حبها لله لا غير. وكانت تلك النفوس الناشئة تتقلى تلك الإفادات تلقى الوردة العطشى لندى الصباح. وتفعل فيها الفعل المكين.
ولو رأيت مريم بين أترابها لقلت هذه أرزة لبنان بين سائر أشجار الجنان. إذ إنها كانت تقضى معظم نهارها في تعليم بنات الناصرة الخياطة والتطريز، ومطالعة الكتاب العزيز، وخدمة كنيسة القديسة مريم. ومما كان يطيب لها مناجاة العذراء في مصلاها في مغارة البشارة، حتى ما كانت ترى إلا هناك كلما دخلت تلك البيعة، لان هناك ظهر ملاك الرب لابنة يواكيم ليبشرها بأنها تلد للعالم مخلص الأمم ولهذا لم ير ذلك
следующие страницы →