Полный текст (6 158 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ولما كان من عادة العرب المطالبة بالدم أن كان من باب الآثار وان كان من باب الدية أو الفصل. ودم أولئك القتلى لو يفصل بوجه من الوجوه، فحضورهم في ذلك الموطن يسبب القلاقل والفتن التي تجر إلى ما لا تحمد عقباه. اصلح الله الأمور.
٢٣ - زرع مقاطعة البغيلة ورئيس عشائر عفك
صممت الحكومة على تسليم أراضي مقاطعة البغيلة لعهدة الشيخ الحاج مهدي الفاضل رئيس عشائر عفك لتزرع وتؤكد عيشة إعرابه ويؤمن شر بطالة منهم.
стр. 282
مريم
معربة عن الفرنسوية عن الرسائل البانية
في سنة ١٢١٤هـ (١٧٩٩) كان في الناصرة رجل نصراني اسمه يوسف. وكان قد تزوج امرأة كنعانية اسمها مرتا. فبارك الله اقترانهما وولدت مرتا بعد سنيين ابنة حسناء تخجل البدر بطلعتها البهية. ولم يجد لها أبوها من الأسماء ما يذكر هذا الجمال البديع، والمنظر السنيع، إلا (مريم) تلك العذراء التي قضت بضعة أعوام في هذه البليدة عينها فسماها باسمها. فحق أن يقال عن كل من هتين المريمين:
ولو كانت النساء كمثل هذى ... لفضلت النساء على الرجال
نشأت مريم بين أترابها وهي بينهن كالبدر بين الكواكب الزاهرة، لان جمالها لم يكن إلا أمراً لا شأن له بالنسبة إلى ما اتصفت به من الأوصاف التي تجعل الابنة في مقام رفيع من الخطوة عند الناس بحسن الآداب وتوخى الفضائل والمبرات، حتى ناهزت السنة الثانية عشرة من عمرها، ففقهها الأب انطونيو رئيس دير الرهبان الفرنسيين أصول الدين واعدها للتناول الأول.
في أثناء تعليمها مبادئ الديانة لاحظ رئيس دير اللاتين ذكاء هذه الابنة ما يميزها عن سائر أترابها. فعرض على والديها أن يعلمها القراءة والكتابة. ففرحا بهذه البشرى فرحا لا مزيد عليه. وأما مريم فكادت تطير من فرحها لما عرفت ما نواه أبواها ومرشدها. لأنها كانت تقول لمن يسمعها: ما اسعد حظي إذا تمكنت من مطالعة
стр. 283
الإنجيل الجليل كلما أمكنني ذلك. وما اعظم فرحي حينما اتبع الكاهن عند تلاوته التنزيل العزيز ولما سمع كلام الله وقت القداس في الكنيسة التي هي بيعة مريم ومحل تبشيرها بأجل البشائر.
ما مضت ثمانية أشهر على ابتدائها بالدرس إلا وأتقنت مريم اللغة العربية والإيطالية والأسبانية قراءة وكتابة. فهل بعد هذا الدليل الواضح ما يبقى شكاً في توقد فؤاد هذه الغادة الغيداء الغريبة الذكاء.
وان خفيت كانت لعينيك قرةً ... وان تبد يوماً لم يعمك عارها
من الخفرات البيض لم تر شقوة ... وفي الحسب المحض الرفيع نجارها
فلما رأى الأب انطونيو هذه الابنة تتلقف من فيه العلم تلقفاً، أوقفها على وقائع التاريخ
وعلى علم تقويم البلدان وتخطيطها فشدت شيئاً منهما. وكانت كلما تعلمت بعض العلوم يتسع لعينيها أفق المعارف وتنبسط تخوم أفكارها وتمتد إلى ابعد الأصقاع. والخلاصة أنها كانت تزيد علماً وفضيلة كلما تقدمت سناً. لان الغاية الصمدانية كانت قد جادت عليها بعوارف العقل والذكاء فزاد فؤادها توقدا المثابرة على الدرس وتعاطي أطراف العلوم. ولما بلغت السنة الخامسة عشرة من عمرها أصبحت ابنة يوسف خوداً من أشهر الخود بمضاء ذكائها وصدق اطلاعها على جل معارف القوم.
ذلك هو وصف مجمل ما ازدان به عقلها الثاقب وأما محاسنها الظاهرة فلا يصورها قلم ولو كنت مصورا ماهراً أو كاتباً جليلاً.
стр. 284
على انه مالا يدرك كله، لا يترك جله. فكان قوامها خوط بان. في قراح من أرض لبنان. وشعرها الأسود الفاحم، يفحم كل شاعر ناظم:
اضفيرتان على بياض خدودها ... أو في كتاب الحسن سلسلتان
أو ليلتا العيدين أقبلتا معا ... أو من قصائدهم معلقتان
وكان ثغرها عبارة عن نضدين من اللآلئ الغوالي. يزيد ماءهما بريقاً بريمان من الأرجوان. أما محياها فكان آية في حسن التقطيع كأنه بيضة غضة، أو بيضة في روضة، ولونه لون السنبل إذا نضج. وكان ثوبها الأزرق. يشبها حسناً. كيف وقد:
ليست حسيناء الغوير بنفسجاً ... يا ربنا صنها عن المعيان
قد حل لون في لون الهوى ال ... عذرى بالإفرنج والسريان
وكان يجللها أزار يبرزها للناس قمراً من الأقمار، لا سكناً من سكان هذه الديار. وأما آدابها فكانت أيضاً من هذا الطراز العالي البديع فإنها كانت حليمة، وديعة كالحمامة، رقيقة الشعور والقلب، تغض من طرفها إذا مشت، ومن صوتها إذا تكلمت. وإذا جدت عليها بقطرة من الندى، كانت لك اشكر من بروقة. وهي مع ذلك في ابعد غاية من السذاجة وفي أعلى مقام من الطهر والعفاف. وهذه المناقب والخصال الحميدة كانت تزيدها حسناً وبهاءً. ولهذا كان إذا نظرها الناظر يظن انه يرى ملكا من النور، أو غادة من حور القصور. وكل الناس كانوا يقدرونها حق قدرها لهذه المحاسن الفريدة التي تحلت بها، إلا هي فإنها كانت تجهل نفسها.
стр. 285
وهل احتاج بعد هذا التفصيل المجمل إلى أن أقول لك إن أهل الناصرة من مسلمين
ونصارى كانوا يعزونها اعظم الإعزاز، ويحبونها الحب العذري، فوق ما يدور في الخلد.
وكان يوسف ومرتا يشكران العناية الإلهية على كونها جادت عليهما بهذه الخريدة الفريدة، بل يتيمة الدهر الوحيدة، وكانا يطلبان إلى الله أن يصونها من كل شائبة لتكون سعيدة في الدارين.
وكان من عادة مريم الغادة أن تجمع في بيت أهلها أترابها الناصريات، وتفقههن أصول الدين على الأسلوب الذي تلقته من الأب انطونيو. وكانت تفعل هذا الفعل عن طيبة خاطر وبغيرة تتقد اتقاداً. وكانت تفيدهم اعظم فائدة، لما كانت تلقيه عليهم من الشروح لتؤيد بها تلك الأصول الدينية في القلوب الغضة، وكل ذلك يخرج من فمها عفواً بدون تعمل أو تصنع لأنها كانت تتكلم عن كثرة حبها لله لا غير. وكانت تلك النفوس الناشئة تتقلى تلك الإفادات تلقى الوردة العطشى لندى الصباح. وتفعل فيها الفعل المكين.
ولو رأيت مريم بين أترابها لقلت هذه أرزة لبنان بين سائر أشجار الجنان. إذ إنها كانت تقضى معظم نهارها في تعليم بنات الناصرة الخياطة والتطريز، ومطالعة الكتاب العزيز، وخدمة كنيسة القديسة مريم. ومما كان يطيب لها مناجاة العذراء في مصلاها في مغارة البشارة، حتى ما كانت ترى إلا هناك كلما دخلت تلك البيعة، لان هناك ظهر ملاك الرب لابنة يواكيم ليبشرها بأنها تلد للعالم مخلص الأمم ولهذا لم ير ذلك
стр. 286
الموطن مزيناً مثلما كان يرى في عهد تردد الغادة إليه ولا سيما أنها تتعهد فيه النظافة فوق مألوف العادة.
ومن جملة ما كان يذكر لهذه الابنة الصالحة في هذا المعبد إنها كانت طرزت ستراً ابيض بقى مدة طويلة حول دمية العذراء مريم الموضوعة على اليكل، وكانت أواني البلور الموضوعة على المذبح مملوءة أزهاراً وأوراداً وأنواع الرياحين، تقطفها بيديها الرخصتين على منعطف هضبات الناصرة بينما كانت ترنم بصوتها الشجي أنواع الترانيم العذبة، ونور القناديل الضئيل يخيل للسامعات أترابها إنهن يغردن معها تغريد الهزار، عند منبثق الأنوار. واغلب تلك الألحان الشجية كانت طلبة العذراء وسائر الأناشيد التي يدور موضوعها على محاسن العذراء مريم وفضائلها. وكان كل من سمع صوتها الزجل ويشاهد محاسنها الفتانة يندفع إلى أن يقول رغماً عنه ما سمع يقال عن سميتها العذراء الحسناء: يا نجم الصبح، ووردة سرية، ومرآة العدل، وهيكل الحكمة، ادعى لنا.
ونحن لا نريد أبداً أن نقيم مناسبة بين هذه الابنة الأبية، وبين سميتها العذراء النبية. فكلما نقوله هو من باب الخيال، بالنسبة إلى المثال. أو من باب الصورة إلى الحقيقة وهل من مناسبة بين ابنة خاملة الذكر فقيرة حقيرة وبين تلك البكر التي سحقت برجلها الطاهرة رأس الحية الجهنمية وأعادت مجد ابن آدم الساقط إلى سابق عزه، وسامق فخره. هل من مقابلة بين هي كالزهرة ابنة اليوم الذابلة الزائلة
стр. 287
وبين تلك الزهرة التي يضوع منها روح الحياة الخالدة. هل من مفاضلة بين غادة لا تعرف إلا في قرية وبين عذراء طبقت الدنيا شهرتها وردد اسمها الأقوام وارتفع عرشها في أعلى السماء. من هي مريم ابنة يوسف بالنسبة إلى مريم ابنة يواكيم. ابنة يوسف فقيرة حقيرة. وابنة يواكيم غنية ثرية. وعن كنز فضيلة كلتيهما أتكلم لا عن كنز الأموال الفانية. ابنة يواكيم رمزها القمر، لان القمر يسلى بأنواره الذهبية من يغوص في البحار الفكرية أو يغرق في لجج الأحزان المضنية، ابنة يواكيم رمزها الزهرة، ذلك النجم الذي يشع ضياء يجلو صدى القلب وينعش الفؤاد. ابنة يواكيم رمزها الشمس لأنها بنور هداها ومحياها تطرد ظلمات الضلال إلى حيث لا رجوع منه.
نعم وان لم يكن مناسبة بين الزهرتين الزاهرتين، إلا أننا نقول انه يوجد بعض الشبه بينهما: فابنة يوسف ولدت كما ولدت مريم العذراء في وادي الناصرة. وكانت تقضي أيامها كالبتول الأم في البيع والكنائس متذكرة في عملها هذا تلك التي قد تسمت باسمها الكريم العظيم. - أن ذوق ابنة يوسف وأشغالها وعوائدها تنظر إلى مثل تلك الأعمال التي كانت تأتيها ابنة يواكيم. هذا فضلاً عن إن جمال هذه الابنة وسناءها وبهاءها وخفرها يذكرنا محاسن تلك البتول التي قيل عنها: إنها بهية تبهر الأعين والتي قال عنها القديس ديونيسيوس الاريوباجي: إنني لولا علمي انه لا يوجد إلا اله واحد لسجدت للعذراء سجودي لمعبودة.
стр. 288
أصفر الحصاد ست عشرة مرة على جبال الجليل وفي أوديته منذ ولدت مريم بنت يوسف وبعد ذلك جاء الطاعون تلك الطلعة الكبرى التي تحفر القبور في بلادنا الشرقية وتجرف النفوس جرفاً وتلقيها في المدافن الفاغرة أفواهها. ومن جملة من أخذه سيل الموت أو إحتزه سيفه أم مريم. فكانت هذه الوفاة بمنزلة صاعقة نزلت على هذه المظلومة لأنها كانت تحب
والدتها محبة لا توصف بعد هيامها بالله وبالعذراء مريم. بيد أنها لما كانت متمسكة بعروة الدين الوثقى كل التمسك سلمت أمرها بيد خالقها متكلة على عنايته، وعلى أن أمها انتقل من دار الفرار، إلى دار القرار، وقد فازت بالنعيم المقيم.
وبعد أن مضى على هذا الحادث المشؤوم ستة أشهر وتصرمت ثلاث ليال بعد عيد جميع القديسين تذكرت مريم أهوال الموت وفظائعه، وتجددت قروح قلبها المصاب بأنواع الآلام، لان في تلك الأيام، تتذكر النصرانية جميع موتاها وتستمطر البركات على قبورهم. ومن غريب الاتفاق إن وجه السماء الصاحي السافر في اغلب بلادنا الشرقية امتقع لونه، وتغضن جبينه، واكفهر سحابه، وتثاقل ضبابه. فضاق الأفق على منفسحه، واحتجبت الشمس كأنها لم تكن شارقة. ومما زاد في هذا المنظر حزناً وكآبة تناثر أوراق الأشجار. وسكوت الأطيار. وهبوب الأرياح. بين الادواح. هبوباً تتلاعب فيه الأوراق اليابسة. وتسمعك أصواتها المائتة كأنها حفيف الأفعى أو سحيق الملعى.
لها تابع
стр. 289
العدد ٨ - بتاريخ: ٠١ - ٠٢ - ١٩١٢
الحفر والتنقيب في أطلال بابل
تمهيد
أول ما يشتاق إليه المتطال إلى معرفة أخبار التاريخ ودقائقه إذا ما ألقى عصاه في بابل العظمى، هو الوقوف على مصير قصر يخت نصر الملك (نبو كدر أصر) ذلك القصر الشهير الذي بنى في نحو سنة ٦٠٠ قبل ظهور المسيح، والذي خطت على أحد حيطانه أنامل لم تر، تلك الكلم الثلاث السرية الغامضة التعبير التي قامت الملك وأقعدته، لا بل أقامت وأقعدت جميع أشراف مملكته وكل من ينتمي إليه. فهذا الشوق هو الذي
стр. 290
دفعنا حال قدومنا إلى استطلاع طلع تلك الإطلال لنشاهد ما فيها بأعيننا.
تنبيه عام
وأول كل شيء يجب علينا حفظه قبل أن نتغلغل في البحث ونستقصي في ذكر التفاصيل المختلفة هوان نعلم مرة واحدة استغناءً عن التكرار أن ما تطلق عليه اسم (اخرية) هو عبارة عن أسس الأبنية القديمة التي ندعوها بأسمائها وقد كشفها قبيل بضع سنوات علماء المانيون راسخو القدم في التاريخ وقراءة الآثار العادية وقد أتوا إلى هذه الديار حباً بالوقوف على صحيح الأخبار وإفادة لأبناء وطنهم المشهورين بالحرص على العلوم باختلاف أنواع مواضيعها.
فما نورده إذاً مأخوذ عن أوثق المصادر وقد تلقفناه في مواطن التاريخ عينها من أفواه الذين أوقفوا قواهم وحياتهم خيرا للعلم تحت شمس وقادة تصهر الأدمغة صهرا ونذيبها ذوباً كل ذلك ليعيدوا تاريخ تلك الحاضرة الشهيرة إلى نصابه الأول.
اجل، أن الأبنية نفسها التي كانت قائمة على أديم الأرض هدمت منذ عهد عهيد، ليستخرج منها الأجر فاستخرج منها شيء لا يتصوره العاقل لكثرته وبنيت به أبنية، ليتها لم تبن ولم تكن، إذ نقلت أولا تلك الأنقاض إلى سبوقية (على ما رواه جلة المؤرخين) وذلك في عهد خلف إسكندر ذي القرنين ثم إلى طيسفون (المعروفة اليوم باسم سلمان باك وهو سلمان الفارسي وعند الإفرنج باسم اكتيسيفون الراكبة
стр. 291
دجلة ومنها إلى بغداد، إذ وجد الناقبون ولا يزل يجدون في بغداد أبنية قد شيدت قواعدها وأسسها باجر عليه كتابات وخطوط آشورية أو مسمارية مصدرها أو مأخذها مدينة بابل الشهيرة ولعل القارئ يستغرب قولنا هذا فنقول
له: إذا علمت السبب، بطل العجب. ولا تستغرب هذا النقل من مدينة إلى مدينة أخرى، لأنك إذا أغرت في العراق، وانجدت، واسهلت وأحزنت، وصعدت وحدرت، لاتعثر فيه على حجارة للبناء كما تعثر في سائر الديار، وعليه فالعثور على آجر هو إليك اقرب من حبل الوريد يعد بمنزلة العثور على كنز دفين، أو علق ثمين ولذلك جميع عمائر هذه الديار من قديمة وحديثة مبنية كلها بالأجر الذي يسميه العراقيون (الطابوق أو الطاباق) بتفخيم الألف الثانية. يدخل في تلك الأبنية مع الطابوق الخشب بأقدار وافرة وفي بعض الأحايين لا ترى أجراً في تلك المشيدات، بل ليناً لندرة الوقود وفي هذه البلاد ولغلاء أسعار الخشب. فيتخذ حينئذ الوطنيون الشمس بمنزلة الوقود. لكن ما كان اللبن لا يصبر على طوارئ الجو صبر الأجر فتتهور الأبنية في زمن وجيز. هذا فضلاً عن أن البناء باللبن لا يستعمله إلا المتحضرة من الإعراب المجارة للمدن أو المنبثة في أرياضها وأرجائها. وأما المنازل القوراء، والقصور الفيحاء، والأبنية الشاهقة، والمعاهد العمومية العالية فلا تشاد إلا بالطاباق الحسن المتخذ من صلصال أرض بغداد والمشوي في مواف منتشرة في حوالي الحواضر والقرى. ومما لا ينكر أن ما يشوي اليوم من الأجر هو دون ما كان يشوى سابقاً أن من جهة الشيء، وان من جهة الصلابة والصبر على مساوئ الزمان وفتكاته ومما يفوق آجر جميع هذه الديار جميع هذه الديار هو طاباق
стр. 292
بابل لان الأقدمين كانوا قد جادوا عن يد ندية ليكون لهم معدات من احسن معدات البناء ولهذا لما أراد سلوقوس بناء مدينته المسماة باسمه (أي سلوقية على عدوة دجلة نثل كنانة وسعه لينقل معدات بابل الجليلة إلى مدينته الجديدة، فنجح كما نجح في نقل أهاليها أيضاً إلى حاضرته هذه.
وأما الوسائط التي اتخذت لنقل تلك الأنقاض فكانت في ذلك العهد كما هي اليوم (السفن) من النوع المألوف الذي نشاهده وهي مصنوعة صنعاً بدون إحكام ولا هندام؛ ومقيرة من الخارج بدون إتقان وهي تنحدر انحداراً ناصبة الأشرعة وسائرة سيراً متئداً متبعة جرى الماء، وإذا أريد اصعادها جرها الرجال بالفلوس والحبال المتينة جراً بزهق الارواح، على حد ما يرى اليوم بدون أدنى تغيير. ولما كان هذا النقل لا يكلف مبالغ باهظة استسهله الأقدمون والمحدوثون وجروا عليه جرياً مطرداً، سنة الله في خلقه ولن تجد لسن الله تبديلا.
هذا ولولا وقوف بعض العقبات في وجه المخربين لما بقى اليوم في ديار العراق حجر من حجارة الأقدمين وبعض هذه العقاب فراغ أيديهم من معاول وآلات هادمة تنسف الأبنية من أسسها ولهذا افلت من أيديهم ما افلت، وما ذلك إلا لان ربك أراد أن يثبت لك حقائق كنت تنكرها كل الكير، لو لم تقع على آثارها اليوم، تلك الآثار الناطقة بسابق وجودها.
قصر بخت نصر
لقد حان لنا الآن أن ننظر إلى ما بقى من قصر نبو كدر أصر (بخت
стр. 293
قصر) الذي كشف اليوم عنه الناقبون كل ما كان يغشاه من النبائث والنثائل، والأنقاض والاردام، التي تراكمت عليه منذ قرون مديدة عديدة، وقد أميطت عنها بنفقات لاتقدر، وباتعاب لاتعبر، ولاتسطر؛ كل ذلك على أصول مقررة في هذه الصناعة الحديثة الوضع بحيث لو يتلف شيء من كل ما كانوا يبحثون عنه.
والبناية واسعة الأرجاء، رحبة الأبهاء، على هيئة مربع مستطيل، وفيها أربعة قصور مبنية في زواياه الأربع يجمعها كلها سور في غاية الثخن. قيدانا زيارتنا في القسم الشمالي الغربي وهو دون سائر الأقسام حفظاً، إذ لا يوجد منه إلا بعض إطلال حيطان منها ساجدة راكعة، ومنها قد ألقيت على ظهرها نجداً برقيم أو كنز يجده في بطنها أحد المتطالين إلى الغرائب التاريخية أو الدفائن العادية ومهما يكن من أمراً غاية صرع هذه الجدران وجندلتها، فهذا الهدف من القصر يعد اقدم من سائر ما هناك من الأبنية ويظن انه يرتقي على الأقل (نبويل أصر) والد (نو كدر أصر) الكبير مؤسس مملكة بابل الحقيقي.
ولم نقف كثيراً على هذه الدوارس المواثل لقلة جدواها، فانتقلنا إلى القسم الشمال الشرقي، وهو احسن منه حالاً ومشهور بأسد موجود عليه، وقد قطع ونحت في الحجر الاصم، كبير الجثة، أكبر مما هو عليه في الحقيقة، ويرى تحت أرجله عدو صريع مقهور، وكان هذا الليث الغضنفر مستلقياً مدفوناً في الارض، فلما وجد أمرت الحكومة العثمانية أن يقام على أرجله فأنهضه المسيو موجيل مهندس ولاية بغداد الفرنسوي، ونصبه على أحد تلك
стр. 294
الحيطان وهو جدار محفوظ احسن الحفظ بالنسبة إلى سائر الأسوار ويشرف على تلك الاخربة كلها. أما نحت هذا الأسد فهو وان لم يكن متقناً أتم الإتقان إلا أن سمت هذا السبع حسن أي حسن حتى انه يخال الناظر إليه أنه يرى عظمة بابل السابقة السامقة التي يمثلها
أبدع تمثيل ملك الحيوانات هذا، ويصورها لأهل عصرنا هذا كما تصورها أهل تلك القرون الخالية.
وفي زاوية هذا الصرح المنيع تبتدئ الجادة السلطانية التي كانت تؤدي السائر فيها إلى عدوة الفرات التي تتشطط الجهة الشرقية من القصر الثالث الذي يسميه اليوم المهندسون (قصر الجنوب الشرقي) وهذه الجادة عريضة بعرض طرقنا الإفرنجية العمومية ومحدودة بحائطين عظيمين هائلين، وقارعتها مفروشة بطبقة قير ثخينة وعليها آجر عريض تكسير وجهه المربع خمسون سنتيمتراً وثخنه اثنا عشر سنتيمتراً.
وفي وسط الجادة بين القصرين قصر الشمال الشرقي وقصر الجنوب الشرقي.
الأب لويس الكرملي
إعراب الشرارات
ذكر حضرة الكاتب الألمعي سليمان أفندي الدخيل هؤلاء الإعراب في مقالته (بعض الإعراب غير المنسوبة) ص٣٠٩ ووعدنا القراء أن نوافيهم معرفتنا لهؤلاء الأقوام فنقول:
стр. 295
١. عددهم ومحل وجودهم ووصف بلادهم
الذي سمعناه نحن عن عدد هؤلاء الأقوام انه يتردد بين الستين والثمانيين ألف نسمة، يأوون جميعهم إلى خيم يحيكونها من وبر الجمال ويضربونها في الديار الواقعة بين مواب (متصرفية معان الحالية) والبلقاء شرقاً بين خليج الفارس غراباً وشمالاً إلى غرب. واسم تلك الديار (ارض السرحان وارض الصوان والحماد)
أما أراضي السرحان (والسرحان بكسر فسكون) فأكثرها سوداء مثل حلك الغراب، بركانية الأصل والتركيب، كلها حرار، وسميت بأراضي السرحان والسرحان هو الذئب والأسد لان الإعراب يتوهمون أن الذئاب والأسود تكثر فيه وتفتك بالمسافرين.
وأما أراضي الصوان فبعضها حرار وبعضها عبلاء وحمراء قليلاً. وسميت بأراضي الصوان لكثرته هناك. وهي متوفرة الحصى واسعة الأكتاف مترامية الأطراف وأكثرها سهول وحزون. لأنه يرى فيها هضاب وتلال. ويبلغ طولها من شمال إلى الجنوب نحو خمسة أيام على الهجين، وعرضها من الشرق إلى الغرب نحو مسير ثلاثة أيام. وتبعد عن الكرك شرقاً نحو ستة أيام على ذلك السير، ونحو ذلك من مادبا. ومادبا قرية نصرانية في سهول البلقاء.
وأما الحماد (وزان سحاب) فهو أرض واسعة واقعة في جنوبي تدمر ممتدة من وادي الفرات إلى جبال حوران عرضاً. وأما طولاً فلا يعرف
стр. 296
له قرار متفق عليه. وقيل: أن تحت اسم الحماد ينطوي أراضي أو وادي السرحان وأراضي الصوان، لان الحماد صقع تكسير سطح اكثر من خمسمائة ألف كيلومتر مربع وهو عبارة عن كل شنخوبة جزيرة العرب من الشمال أي بين جبال عبر الأردن وجبال ديار أدوم والحرار غرباً، وبين جبل شمر جنوباً، وسهول الفرات شرقاً وشمالاً، والحماد هو الذي يسميه بعضهم (بادية العرب) وفريق منهم (بادية الشام) وارض العراق (شولاً) وهذا الصقع وان كان عبارة عن فلواتٍ وفدافد، إلا أن أدنى مطر يسقط عليها ينبتها كلأ ووافراً ترعاه ماشية الإعرابي ومن ذلك
اسمه الحماد لمحمدة ارضه، وحسنه.
٢ - زرعهم وطعامهم
قد رأيت أن هذه الأراضي فلوات قاحلة لا زرع فيها من زرع ابن آدم، بل أن ما ينبت فيها بعض الأنبتة الضعيفة من جنس الحشائش ولاسيما نوع منها يتغذون بحبوبه اسمه (السمح) بفتح وسكون. وتلك الحبوب تشبه السمسم أو الخشخاش بلونها وقدرها. ونوع آخر اسمه الدخن (بضم فسكون) وحبته صغيرة جدا تشبه حبة القريص ولونها أحمر جداً. وهو غير الدخن المعروف بهذا الاسم في العراق. فمن حبوب هذين النبتين يتقوم طعام الشرارات إذ يطحنونها ويتخذون منها أقراصاً ثم يخبزونها. وهم يظنون أن من يأكل خبز الحنطة أربعين سنة تنهكه الأمراض وتتمزعه الأسقام ولهذا يسمونه (خبز الأوجاع) ويكرهونه اشد الكراهية حتى انهم لا يبقونه عندهم في البيت لاعتقادهم أن مجرد وجوده فيه مجلبة للأضرار والأدواء على أصحاب الديار. وهم يرون انهم إذا حرموا حب السمح أو الدخن
стр. 297
فالأحسن لهم أن يأكلوا خبز الشعير. بيد أنني شاهدت فقراء منهم يأكلون خبز الحنطة بشوق وارتياح كما يأكله غيرهم من أعراب سائر القبائل والعشائر.
ومن أطعمتهم نوع من العجر النباتية اسمها التمر (وزان سكر) تشبه البطاطة وهي تجيء عفواً في الصحراء في شرقي معان.
وفي الجوف أنواع النخل إلا أن الشرارات لا يذوقون تمرها لأنها راجعة إلى ملاكين آخرين، ولهذا فليس لهم شيء يذكر سوى ما يقتنونه من غنمهم ومواشيهم. وإذا وقع في بلادهم الجراد فرحوا اعظم الفرح لأنهم يفضلونه على سائر الأطعمة والألوان.
وفي أراضيهم تنبت أنواع الحمض والأشواك كالعاقول وغيره فتكون طعام الجمال.
وهم يكثرون من شرب لبن النوق حتى انه كثيراً ما يتفق لهم انهم يبقون أياماً عديدة بدون آكل وشرب ماء لاعتمادهم على جرعة من اللبن المذكور.
وفي ديار الشرارات ملح كثير وهو يغزر في بقعة اسمها (ارض السيار) بتشديد الياء. وهناك كثير من الإعراب يحملون منه الأقدار العظيمة فيذهبون به إلى سائر قبائل وعشائر البوادي المبثوثة في ديار مؤاب وسهول البلقاء وحزون السلط. وقد شاهدت هذا الملح فوجدته احسن بكثير من ملح جبل أسدم الواقع في الزاوية الجنوبية الغربية من البحر
الميت.
стр. 298
٣ - المطر
المطر القليل في تلك الأرجاء، ألا أن الضباب يكثر عندهم في أيام الشتاء ومثله الندى والسدى فيقوم ذلك كله مقام الأمطار الغزار. على انه يرى فيها عدة ينابيع وعيون ماء شديدة الاندفاع وفي بعض أراضيها من المياه المخزونة ما يكفيك أدنى حفر لتقع على حائر وافر الماء.
٤ - حيواناتهم
مال هؤلاء الرجال: الحمر والهجان والجمال. وقد سمعت بعضهم يقول أن بعض اتتاتتئم (تلد ولدين) وعندهم عدد غير يسير من جياد الخيل العراب. ولهم أيضاً شئ من البغال. يسمون بلسانهم البغل الذي أبوه حصان وأمه أتان (سيسي) وتجمع على سياسي وكلا اللفظيين بتشديد الياء ويقوم مقام السرج عندهم ضرب من الجلال يتخذ من الجلد يعلقون به ركابات بسيطة يسوونها من قشر الحمض ويضفرونها ضفراً أو يبرمونها برماً ويعلقون بالطرف الأسفل من كل جهةٍ من جهتي الراكب عودة مستديرة
стр. 299
أو كالمستديرة يقطعنها من الحمض فيتخذونها بمنزلة الركابات التي نتخذها نحن لخيلنا.
أما سائمنهم فهي البقر والغنم وهي قليلة عندهم. ولبغض هذه الغنم أربعة أو ستة قرون وهي وان تكن نادرة فانك لا تشاهد مثلها في الديار المجاورة للمدن.
٥ - لباسهم
يلبس رجال الشرارات مئزراً من جلد الجمال يسترون به عورتهم. والشيوخ منهم يستشعرون شعاراً من وبر الجمال يستر جسدهم من فوق إلى اسفل. وأما نساؤهم فلباسهن كلباس الرجال إلا أن مآزرهن مزركشة الأهداب والذباذب.
٦ - نقودهم
هؤلاء الأعراب لا يعرفون من النقود إلا المجيدي. وهم يقيسون كل الدراهم من كبيرة وصغيرة على هذا النقد. فربما اخذوا ما ليس بمجيدي واعتبروه مجيدياً لكونه بقدره. وفي المعاملات التي هي أدنى من مجيدي يقولون: نصف مجيدي وربع مجيدي ونصف ربع
المجيدي. وما عدا ذلك لا يعرفون شيئاً.
٧ - القراءة والكتابة عندهم
لا تجد فيهم من يحسن القراءة والكتابة بل ولا من يميز حرفاً من حرف. وإذا اضطر أحدهم في معاملاته إلى التعبير عن أفكاره اتخذ الرسول كتاباً ناطقاً وأنفذه صاحبه.
стр. 300
٨ - أخلاقهم وعوائدهم
هؤلاء الإعراب أشداء في الحرب، بارعون في الغزو، يكثرون شن الغارات على من جاورهم، ولديهم من وسائل جوب القفار وقطع الفلوات والفيافي ما ليس في مكنه سائر أهل البادية المجاورين لنهر الأردن والبحر الميت هذا عندهم الذلول (الهجين السهل الانقياد) السريع السير الذي يستعينون به على قضاء حوائجهم. وشن الغارات على أعدائهم.
أما سائر عوائدهم وأخلاقهم فهي كعوائد وأخلاق سائر أعراب البادية ما عدا الزواج فانه يختلف عندهم بعض الاختلاف.
هذا ما علق بالذهن الفاتر، وهو فوق كل علم عليم.
الكسوف والخسوف في سنة ١٩١٦
يكون في السنة المقبلة كسوفان وخسوفان: فالخسوف الأول يكون في نهار الاثنين والثلاثاء ١ - ٢ نيسان (- ١٣ - ١٤ ربيع الثاني ١٣٣٠) ويكون جزئياً أو حلقياً ويدخل:
في الظليل في مساء ١ نيسان في الساعة ٨ و ٥٥ دقيقة على الحساب المتوسط من ساعة أوربة الوسطى.
وفي الظل١٠و٢٦
ويكون وسطه١١ و ١٤
ويخرج من الظل في صباح ٢ نيسان ٠٣
ويخرج من الظليل ١ و، ٣٤
стр. 301
ويكون كبر الخسوف ١٨٨، ٠ من قطر القمر.
ويكون كسوف القمر نهار الأربعاء ١٧ نيسان - (٢٩ ربيع الثاني) ولا يرى إلا قليلاً ويكون حلقياً. ويبتدئ في النيرول وسويسرة في الساعة ١١ و ٥٤ دقيقة (أي قبيل الظهر) ويبلغ وسطه في الساعة ١ و ١٧ دقيقة وينتهي في الساعة ٢ و ٣٩ ويبلغ كبيره ٨٣٠، ٠ من قطر الشمس.
ويكون الخسوف الثاني نهار الخميس ٢٦ أيلول (٤ شوال) ويكون حلقياً. ولا يرى في جنوبي أوربة.
ويكون الكسوف الثاني نهار الخميس ١٠ت ١ (٢٨ شوال) يكون تاماً لكن لا يرى في جنوبي أوربة.
نهر فسقس
وهو حمشا ومدينة أوبي أو اوابيس وهي باحمشا
من الألفاظ التي أعيى تحقيقها العلماء فسقس (وزان هدهد) وهو اسم نهر بلاد أشور القديمة. ومعنى فسقس بلغة اليونان المعا أو اسفل البطن أو الربيض (وهو مجتمع الحوايا في البطن). ولاشك أن النهر المذكور الموجود في بلاد آشورية أو ارمياً لم يكن باليونانية في اصل وضعه بل كان لفظاً آشوريا وارمياً، فنقله اليونان إلى لغتهم بمعناه لا بلفظه لصعوبة نطقهم بالكلمة الأصلية. ومن ثم وجب البحث عن لفظة ارمية تعنى هذا المعنى وتكون في الوقت عينه واردة باسم نهر يدفع مياهه في الفرات وفي الموطن الذي عينه له المؤرخون أوصاف البلدان الأقدمون. والحال لا يوجد حرف يجمع في نفسه هذه الشروط كلها إلا كلمة (حومشا) (وتلفظ بضم الحاء
стр. 302
وإسكان الواو والميم وفتح الشين بعدها ألف) ثم تصروه تسهيلاً للفظ فقالوا فيه حمشا. فيكون هذا رفسقس شيئاً واحداً.
ثم أن الأقدمين من مؤرخي اليونان قالوا ما مخلصه: أن عند مصب نهر قسقس في الفرات بلداً اسمه أوبي (أو اوبيس) ولم يعرف ما كان يقابل هذه اللفظة اليونانية أيضاً عند أهل تلك الديار في السابق الإعصار. والذي تحققناه اليوم أن اوبيس أو هي باحمشا. وأنت تعلم أن (با) أو (ب) في الارمية مقطوعة من بيت أي ودار ومدينة. وتكون هذه اللفظة بصحتها أو حرف منها رأساً لألفاظ كثيرة تدل على مدن أو قرى. من ذلك: بيت لحم، وبيت زبدي أو بازبدي، وبادرايا، وباعذري، وبا جرمي، وبيلاب أو بيت لافط أو بيلاقط، وبانهدرا، وبعقوبا) الخ. فتكون باحشما من هذا القبيل ومن المدن المبنية على نهر حمشا. قال ياقوت: باحمشا بسكون الميم والشين معجمية، قرية بين أوانا (وتسمى اليوم وأنا) والحظيرة (وكذلك اسمها اليوم) وكانت بها وقعة للمطلب. . .) اهـ. وتعرف اليوم باحمشا باسم (بوحمشة) وهي عبارة عن نهر في أرضه تلول، وهي قريبة من الدجيل أو السميكة (مصغرتان). فاحفظ ذلك تصب أن شاء الله ملخص عن حديث جرى بين الدكتور هرتسفلد والشيخ كاظم الدجيلي.
أصل لفظة الرزق
المشهور بين اللغويين أن لفظة الرزق عربية فصيحة. ولم يخطر ببال أحد إنها من اصل أعجمي. أما نصوص اللغويين على صحة هذه اللفظة
стр. 303
وعربيتها المحظة فاكثر من أن تحصى ومن أراد التحقيق فليطلبها في مظانها
على إني اذهب إلى أنها من اصل فارسي. وقبل أن تقف على هذا الأصل عليك أن تعلم أن المراد من الرزق في كلام الفصحاء والعوام هو (قوت اليوم) سواء كان هذا القوت لأبناء آدم أو لأبناء الحيوان على اختلاف طبقات القبليين. ومنه: (وكلوا من رزقه - إلا على الله رزقها - يأتيها رزقها رغداً - وعلى المولود له رزقهن - أن الله هو الرزاق)
فإذا أعلمت ذلك فلا يبعد من أن يكون هذا اللفظ مشتقاً من لفظة (روزه) الفارسية ومعناها (القوت اليومي) وروزه مأخوذة من روز أي يوم. وأنت خبير بان ما يكون آخره بالهاء في الفارسية يعرب بالقاف أو الجيم أو السكاف بالعربية كجردق وجرموق وخندق وديباج ودورق ودلق ودانق ودهلج والأصل فيها: جرد، وسرموزه، وخنده وديباه ودوره ودله ودانه ودهنة. وعليه قالوا: روزق في روزه ثم خففت فقيل (رزق). ولما ادخلوها في لغتهم شنقوا منها ألفاظاً أخرى وتصرفوا بها تصرفهم بالألفاظ العربية فقالوا: رزق وارتزق واسترزق والرزاق ولرزقه والمرزق والمرزوق إلى أخر ما هناك.
نرسيسيان
الترجمان الأول في القنصلية الإنكليزية في بغداد
стр. 304
(لغة العرب) وممن ذهب إلى هذا الرأي أيضاً السيد أدي شير رئيس أساقفة سعرد الكلساني (الألفاظ الفارسية المعربة) ص٧٢. وهو رأي محتمل كما انه يحتمل أن يكون عربياً صرفاً مشتقاً من الزق يقال: زق الطائر فرخه: أطعمه بمنقاره. ويفعل الطائر هذا الفعل كل يوم إلى أن ينهض أو يقوى فرخه. فإطعام الله عبيده كل يوم هو من هذا الباب لأنه تعالى بمنزلة الأب الشفيق على أبنائه. هكذا تصور العرب أمر الرزق بالنسبة إلى الرازق. وان قلت من أين أتت الراء المثبتة في أول اللفظة. قلنا: قد أثبتنا في إحدى المجلات العلمية التي تنشر في بيروت أن اصل الألفاظ العربية كلها ثنائي كما اتفق عليه جمهور اللغويين في عهدنا هذا. ثم زيدت حروف في أوائل اللفظة أو أواسطها أو أواخرها كلما احتاج
الواضع إلى معنى جديد وأراد أن يحدثه في اللفظ الثنائي. فزادوا هنا الراء في الأول لان الراء تفيد التكرير والإعادة فكان الواضع أراد في قوله: رزق الله عبده: (زقه مكررا عمله يوما بعد يوم).
وزيادة الراء في الأول حقيقة لا تنكر. من ذلك مثلا: رجس الماء قدره بالمرجاس واصله: جسه. ورمث الشيء: مسحه بيده واصله: مثه. والرحامس بضم الأول وكسر الميم: الجري الشجاع. وهو مشتق من الحماسة.
وزيادة الراء في الوسط واردة أيضاً في العربية منها: العربرب في العبرب (وهو السماق) وقدر عربربية في عبربية. والخرنوص في الخنوص. وشرطا النهر، هما شطاه. والجحمرش في الجحمش.
стр. 305
وكذلك معروفة زيادة الراء في الآخر، من ذلك: شمخر في شمخ، وبحثر في بحث، وفجر الشيء في فجه، والبحريت في البحت. إلى آخر ما ورد في لسانهم وهو كثير لا يحصى.
وأما زقه فعربية قحة لأنها مشتقة من حكاية صوت الزق. - والقارئ مخير في اتباع الرأي الذي يستحسنه أو يلذ له وهو فوق كل علم عليم.
التنهس
(وهو البركندان أو المرفع) والتنحس (وهو القطاعة)
سألنا بعضهم: هل كان المرفع معروفاً عند العرب النصارى سابقا وما كان اسمه عندهم؟ - ثم ما كان اسم الانقطاع عن أكل اللحم عندهم المعروف اليوم باسم القطاعة؟
قلنا: كان المرفع معروفاً سابقا باسم التنهس. والكلمة لم يذكرها أصحاب المعاجم اللغوية، إلا أن موفق الدين أبا محمد عبد اللطيف البغدادي ذكرها في ذيل الفصيح لثعلب ص١٠٥ قال: العوام نقول: تنهس النصارى والمسلمون، إذا أكلوا اللحم واكثروا منه قبيل صومهم. ووجهه ظاهر. لان العرب تقول: تنحس النصارى: إذا تركوا اللحم. والعامة تقول: تنهسوا: إذا أكلوه. وأيام التنهيس هي أيام في أواخر شعبان يغتنم فيها أكل اللحم في النهار. وهذا سائغ لأنه من النهس وهو أكل اللحم بشره وخطف. لأنهم يأكلونه أكل مودع. اه
فنرى مما تقدم أن التنهس أو أيام التنهيس يقابل ما يسميه أهل الشام
стр. 306
وديار مصر: المرفع، وأهل العراق، بركندان. والتنحس هو القطاعة.
أما المرفع فلفظة ليست بقديمة إذ لا وجود لها في دواوين اللغة ولا في كتب نصارى العرب نهى إذاً محدثة. ويرتقي دخولها في اللغة إلى المائة السادسة عشرة على ما يبين لنا، وقد دخلت عند قدوم المرسلين الإيطاليين إلى ديار الشام ومصر. فعربوا كلمة بكلمة مرفع تعريباً معنوياً أي من باب النقل، ومرفع اسم زمان من رفع ويراد به قرب زمان رفع اللحم. وعليه فعندنا أن الفرنسوية ماخوذة من الإيطاليين. وهؤلاء نحتوها من حرفين لاتينيين وهما أي رفع اللحم. ويشهد على صحة ذلك: أن أهل ميلان يسمون المرفع وان مولدي اللاتين يقولون
وهذا ينفي قول من يزعم أن مأخوذة من وأي وداع اللحم أو أي بلع اللحم، لكثرة ابتلاع الناس للحم في تلك المدة. فهذه الآراء الأخيرة هي عندنا في منتهى السخف.
أما أهل العراق والجزيرة أي أهل السواد من نصارى العرب فلا يعرفون لفظة المرفع. والمستعمل عندهم كلمة بركندان بالكاف الفارسية (أي وقد اختلف في اصلها. فقال قوم: إنها من اللغة الأرمنية منحوتة من أي حسن وجيد. وكنتان أي قصف، فيكون محصل معناها. القصف الحسن. وذهب قوم إلى إنها فارسية الأصل مركبة من (باده) أي خمر
(وخوردن) أي شرب ومؤداها شرب الخمر، لان القصف لا يخلوا من شربها ثم صحف ونحت. بيد أني
стр. 307
أرى أن اصلها من (بركردن) الفارسية المستعملة في اللغة التركية ايضا، ومعناها: الاستئصال والرفع، فيكون محصلها نفس مؤدي لفظة مرفع.
بقي علينا أن نوضح سبب تسمية التنحس بهذا الاسم. والذي نراه في اصله هو انه مشتق من تنحس الرجل: إذا جاع، لان من يأكل الأطعمة الخالية من اللحم يجوع بسرعة لسهولة هضمها وخفتها على المعدة، على أني اجنح اكثر الجنوح إلى أن تنحس هنا بمعنى تجنب النحس المتولد من أكل اللحم. لأنك تعلم أن أكل النصارى للحم في الأيام المحرم إلا كل فيها من مخالفات الشريعة، ومخالفة السنن من الأمور المشؤومة التي تجر الويلات على صاحبها.
ولعلك تقول: لم يأت قط تفعل بمعنى نفي الشيء عن صاحبه أو إلقائه عنه حتى يكون هذا من ذلك - قلنا: قد وردت بضعة أفعال من هذا القبيل ولا يبعد أن تكون هذه العصا من تلك العصبة، فقد جاء عندهم تنجس بمعنى القي عنه النجاسة بان أتى فعلا يخرج به من النجاسة إلى الطهارة. وتأثم، إذا فعل فعلا يخرج به من الإثم. ومثلهما: تحرج وتحنث وتحنف وتحوب. وعليه، فتكون تنحس بمعنى خرج من النحس بامتناعه عن أكل اللحم. احفظ ذلك كله تصب أن شاء الله تعالى.
خبايا الزوايا في الرجال من البقايا
للعلامة المحقق، والفهامة المدقق: الشهاب احمد الخفاجي المصري، تغمده الله برحمته، أمين أمين) هذا هو نقل النص الموجود في الصفحة
стр. 308
الأولى من كتاب خط في التراجم للخفاجي المشهور، موجود في دير المبعث في بغداد. طوله ١٩ سنتيمتراً في عرض ١٢، فيه ١٧٢ ورقة وفي كل صفحة ٢٩ سطراً دقيق الحرف حسن الخط، وقد ضبطت ألفاظه في المواطن التي تحتاج إلى ضبط، والعناوين كلها مكتوبة بالأحمر. وقد وصف صاحب كشف الظنون هذا الكتاب النفيس فقال:
مجلد لأديب العصر شهاب الدين احمد الخفاجي المصري المتوفى سنة ١٠٦٩ (٠ - ١٦٥٨م)، أوله: (حمداً لك اللهم يطوق جيد البلاغة نظم عقوده الخ. ذكر فيه أدباء عصره من شيوخه وشيوخ أبيه كصاحب الذخيرة، وقلائد العقيان، واليتيمة، والدمية، وعقود الجمان. ورتبه على خمسة أقسام:
الأول في رجل الشام (وهو في نسختنا من ص١١ - ٦٥)
الثاني في رجال الحجاز (وهو في نسختنا في ص٦٥)
الثالث في رجال مصر (وهو في نسختنا في ص٨٠)
الرابع في رجال المغرب (وهو في نسختنا في ص١٢٦)
стр. 309
الخامس في رجال الروم وهو في نسختنا في ص١٤٤
الخاتمة، في نظم المؤلف ونثره وهو تأليف لطيف يدل على مهارة مؤلفه في الأدب اهـ كلام الحاج خليفة وفي الصفحات الاول إشعار خارجة عن نص الكتاب وهي بأقلام مختلفة والشعراء شتى. ومن جملة ما ورد في إحدى الصفحات ما هذا نصه:
(ومما كتبه المرحوم سلطان سليم خان على جدار تكية القادرية الواقعة على نهر العاصي لما دخل حماة حين ذهابه لفتح مصر القاهرة.
بنو الكيلان (كذا) طبتم في مقام ... أرى من دونه السبع الطباقا
أطاع لديكم العاصي ولما ... تشرف بالجوار حلا وراقا
وقد يبلغ عدد المترجمين من علما الشام وشعرائها ٤٧، ومن أعيان مكة ١٩ ومن مشاهير مصر ٦٢، ومن نوابغ أهل المغرب ١٤، ومن فضلاء وأدباء ديلر الروم ٣ فيكون مجموع التراجم ١٤٥ وفي الختام أرجوزة طويلة للمؤلف سماها (بذوات الأمثال) وفيها ٦٢٧ بيتا
وكلها من روائع، الحكم، وبدائع الكلم: أولها.
الشكر روض قد زها أنوارا ... ما كل نور يعقد الثمار
فالشكر لله على الأنعام ... يختال في ملابس الدوام
وختامها:
والدهر نجار له حانوت ... ينحت فيه المهد والتابوت
لا شيء كالقلب انفساحاً وسعه ... فكل شيء في الوجود وسعه
стр. 310
فلا تضيقه بهم قد نزل ... وما لغير الله فيه من محل
فاشرحه بالفوز اللطيف القدسي ... وصير البسط أنيس النفس
إن فيه عيباً لا يغتفر، وهو أن المؤلف قد جرى في وضع كتابه يجري بعض من تقدمه من شيوخه وشيوخ أبيه، كصاحب الذخيرة، وقلائد العقيان، واليتيمة، والدمية أي انه يترجم الشاعر بعبارات مسجعة منمقة بدون أن يذكر سنة ولادته ولا مسقط رأسه ولا يوم وفاته ولا محل دفنه وهذه كلها من الأمور التي لا يستغني عنها. وكذلك لا يقول شيئاً عن مؤلفات المترجم ولا ما يبين علو كعبه في الفضل والعلم ليميزه عمن سواه.
ومن عيوبه أيضاً انه يصف الشاعر بأوصاف علمه يمكن أن تصح في مئات من أهل النظم والأدب بدون فرق جزيل. فانظر مثلا ما يقول في تقي الدين بن معروف: (ص٨٠)
(سماء نضل معروف. وغيث كرم ومعروف. رياض علمه أريضه. وساحة مجده عريضة. إذا لمس اليراع سجد في محراب طرسه شكرا، وماد بمدام مدامه سكرا. فكم بليل حبره المسكي الأنفاس، يد بيضاء بيض الله بها وجه القرطاس، تخبران المانوية تكذب. وله في علم النجوم مرتبة دونها الثريا إذا رامها سواه. قالت أعوذ بالرحمن منك أن كنت تقيا. فلا زال ينم بأسرار السما، إذ صعدها بخطوات أفكاره وسما، حتى كأنه اتخذ جداولها له سلماً. . . .) إلى آخر هذه السجعات التي لا تزيدنا علما بالمترجم ولا تميزه عمن سواه.
стр. 311
وليس في نسختنا تاريخ كتابتها، لكنها قديمة ولعلها من عصر المؤلف وورقها حسن من أجود النوع، وفي هذا القدر كفاية لمن يريد أن يتولى نشر هذا الكتاب أو مقابلة نسخة طبع عليه، والسلام.
باب المشارفة والانتقاد
١ - تمام المتون، في شرح رسالة ابن زيدون.
للعلامة صلاح الدين خليل بن ايبك الصفدي. طبع في مطبعة الولاية في ٣٢١ صفحة بقطع الثمن سنة ١٣٢٧. وقد عني بنشره محمد رشيد أفندي الصفار أحد كتاب جريدة (بغداد) سابقاً. وصاحب صحيفة (الزهور) البغدادية حالاً. وبعد أن بيع في أوائل طبعه بعشرين قرشاً صاغاً يباع اليوم بخمسة غروش صاغ لا غير حباً بتعميم نشره.
كل أديب من أدباء العرب يعرف ما لأبي الوليد احمد بن عبد الله المخزومي الخضرمي الأندلسي القرطبي المشهور بابن زيدون المتوفى سنة ٤٦٣هـ (- ٩ت١ سنة ١٣٣٠م) من الإنشاء العالي النفس والاطلاع على آداب العرب وأمثلهم وأخبارهم وآثارهم وله عدة تأليف منها التاريخ المسمى باسمه. والرسالة التي كتبها إلى الوزير أبي عامر بن عبدوس وشرحها جمال الدين أبو عبد الله محمد بن محمد نباتة الشاعر المشهور المتوفى سنة ٧٦٨. وسمى هذا الشرح سرح العيون، في شرح رسالة ابن ء ؤزيدون؟
стр. 312
والرسالة التي كتبها إلى أبي الوليد بن جهور وشرحها ابن أبيك وهي التي طبعت في بغداد على كاغد حسن، لكن الطبع غير جلي. وقد نشر محمد رشدي أفندي الحكيم الدمشقي في مجلة المقتبس ٦: ٥٤٢ شيئاً كثاراً من المتن نقلاً عن النسخة المخطوطة الموجودة في خزانة السيد عبد الباقي الحسني الجزائري والمكتوبة سنة ١٢٥٦هـ. ومن يقابل بين نسختي المتن ير بينهما فرقا يذكر.
وكنا نود أن ينشر متولو الكتب القديمة اختلاف الروايات أو النسخ، وان يميز المتن عن الشرح بشكلين من الحروف: المتن بحرف ضخم والشرح بحرف أدق. وان ينبه على المواطن المغلوطة بقواهم: (كذا) حتى يفهم القارئ أن هذا الغلط من النسخة الأصلية لا من الطبع. والظاهر من نسخ هذه الرسالة وشرحها أنها كثيرة الأغلاط دسها جهلة النساج لقلة بضاعتهم في الأدب. وكأن ذلك لم يكف لمسخ هذا السفر الجليل فقد ورد في طبعها أغلاط أخرى أتى بها الصفافون ولم تصحح. والأمل أن يصححها ناشرها كما وعد. حرصاً على كنوز السلف الأدبية. وضناً بفرائدها من الامتهان.
٢ - المجازات النبوية
إليك ما كتب في صدر هذا الكتاب لتعريفه: (كتاب للشريف الموسوي السيد راضي، ذي الحسين، فصيح قريش وناطقة الأدباء، وقدام العلماء، والمبرز على سائر البلغاء، أبي الحسن محمد بن أبي احمد النقيب الطاهر، ذي المناقب، الحسين بن موسى الابرش بن محمد بن موسى أبو (كذا)
стр. 313
صبحة ابن إبراهيم الأصغر المرتضى بن موسى الكاظم، عليه آلاف التحية والسلام، وعلى آبائه الأئمة الكرام. (ولو قيل: للشريف الموسوي لكفى، لشهرة الكاتب البليغ). - طبع في مطبعة الآداب، على نفقة جلالة السيد العالم الفاضل، والحبر الكامل، اشرف الحاج جناب السيد محمد نجل حجة الإسلام والمسلمين السيد سيد حسن صدر الدين، دام ظله العالي آمين. حق الطبع محفوظ. (ولو بقي في الصفحة بياض لما اكتفى الطابع بهذا الكلام، بل لزاد عليه حتى يثير في صدر القارئ دفين السام.)
الكتاب بقطع الثمن وعلى ورق حسن وعدد صفحاته ٢٨٧ إلا انه كثير أغلاط الطبع التي تشوه محاسن هذا السفر البليغ كما هو شان جميع ما يطبع في حاضرنا لقرب عهد أبناء وطننا بهذه الصناعة الشريفة. وليس في آخره إصلاح الغلط. فمما ورد في ص٢ وأخفانها
(أي وأجفانها) وجاء في ص٣ وعرنينين (والأصح وعرينين) لقوله بعد ذلك: لم اسبق إلى قرع بابهما. وجاء: (بتوفيق لله). والأصح (بتوفيق الله). وجاء: لم يبق من الفضل إلا الدماء (والأصح الذماء) بذال معجمة. وورد أن يفوثني والأصح أن يفوتني فهذه خمسة أغلاط في الصفحتين فما القول فيما يتلو من الصفحات
وكنا نود أن تكون العبارة المشتملة على المجاز أو على الأثر بحرف يمتاز عن حرف الشرح وان تقع في سطر لا يتصل بما قبله أو بما بعده إراحة للفكر والنظر. وإلا فالكتاب على ما تراه عبارة عن جملة واحدة تبتدئ بالسطر الاول وتنتهي في آخر سطر من الوجه الآخر. ولا يخفي ما في ذلك
стр. 314
من الارتباك والتشويش المخالف لأصول الطبع في عصرنا هذا. والأمل أن يصلح هذا الخلل وما ضاهاه في الطبعة الثانية تقريباً لمنافعه.
٣ - شواهد القطر
(كتاب شواهد القطر وحاشيته، للفاضل الكامل، والعالم العامل، الشيخ عبد الرحيم ابن الشيخ محمد ابن الشيخ عبد الرحمن السويدي الشافعي البغدادي العباسي)
(قام بطبعه خدمة للعلم أفقر الورى إلى الملك الوهاب محمود بن عبد الوهاب. حقوق الطبع محفوظة للطابع. طبع بمطبعة الآداب في بغداد سنة ١٣٢٩) في ٣١٥ صفحة بقطع الثمن الكبير.
كتاب قطر الندى، وبل الصدى، لابن هشام الأنصاري من اشهر الكتب النحوية وهو اشهر من القمر. وقد عني بشرحه وتعليق حواشٍ عليه جماعة من النحاة في كل عصر من العصور، فشروحه إذا لا تعد وكذلك حواشيه. وممن اهتم بشرحه علماء بغداد في جميع الأزمنة ولا تخلو أسرة من اسر مدينة السلام إلا وفيها من تصدى للتأليف في الموضوع المذكور مع أن الشروح أصبحت اكثر من أن تذكر أو تحصر.
والكتاب المطبوع في مطبعة الآداب هو العلامة السويدي المشهور. وهو لا يمتاز بشيء عما صنف في هذا الباب. فكنا نود أن نرى ما يطبع اليوم واضح الأبواب. مقسم الفصول، وان لا يكون السفر من أوله إلى آخره عبارة عن فصل واحد يبتدئ بأول سطر وينتهي في السطر الأخير. تلك الفصول في تلك العصور الخالية
стр. 315
وتوفيرا للدراهم. وأما اليوم فان طلبة العلم يحبون أن يصرفوا شيئاً من مالهم ضنا بالوقت، وحبا بأخذ العلم بسرعة. وهذا لا يكون إلا بتسهيل وسائل التلقين والتلقي، ومن جملتها هذه الذرائع التي أشرنا أليها. فالأمل أن تكون الطبعة الثانية واقية بالمقصود، بمنة تعالى وكرمه.
٤ - ذخيرة الأصغرين (الجزء الاول)
طبع بمطبعة ماربولس في حريصا (لبنان) سنة ١٩١١ في ٣٠٨ صفحات بقطع الثمن. وهو كتاب مختارات جمعها سيادة الحبر الجليل والكاتب المجيد جرمانوس معقد مطران اللاذقية من أقوال بعض أعاظم الكتبة الأقدمين كصاحب الأغاني، وابن المقفع، وابن خلدون، والمحدثين كاليازجية ولا سيما الشيخ إبراهيم اليازجي.
وهو سفر يصلح لان يكون مصحفاً بأيدي الطلبة لحسن طبعه وتهذيب عبارته وضبطها بالشكل الكامل، إلا انه ورد في الصفحة ٣٤ عبارة لا توافق الغاية التي توخاها سيادته من وضع هذا الكتاب وهي تعميم نفعه بين جميع الطلبة على اختلاف مللهم ونحلهم. فعسى أن يكون الجزء الثاني أوفى بالمراد.
٥ - كتاب الذهب، لتهذيب أحداث العرب (الجزء الاول)
طبع بمطبعة الآباء الدومنيكيين في الموصل سنة ١٩١١ في ٨٠ صفحة تأليف سليم أفندي حسون، احد معلمي مكتب الآباء الدومنيكيين والغاية من وضعه: (إتحاف أحداث العرب بكتاب قراءة عصري جديد يلذ لهم ويفيدهم) على أن هذه الكتب التي توضع في أيدي أحداث الطلبة من
стр. 316
أبناء اللغة لا تكون مفيدة ما لم تكن مهذبة العبارة غاية التهذيب، حتى تنشأ في المتعلم ملكة الكتابة، وان تكون الألفاظ مضبوطة ضبطاً صحيحاً وقد وقع في هذا الكتاب شيء كثير يخالف هذه السنن كقوله ص٣٦ حوش الدجاج والأصح حير الدجاج وكقوله أيضاً: بنظر نظرة الحائر وضبط نون نظرة بالفتح، والأصح بالكسر، وكقوله وهو يعطي الأوامر والنوهي، والاصح يأمر وينهى. فنأمل أن يكون الجزء التالي أوفى بالمقصود من ضوء هذا
كيش وهس اليوم تل الاحيمر
(تل الاحيمر) راجع إلى لواء أو سنجق الديوانية، الذي هو من ملحقات قيم مقامية الحلة. وهو واقع على بعد ٢٠ كليو متراً من الشمال الشرقي من الحلة. وقد زارته البعثة الفرنسوية في سنة ١٨٥٣ التي كان زعيمها جول اوير وذلك عند عودتها من بابل قافلةً إلى بغداد بعد أن حفرت في هذه المدينة العظمى حفراً هو الحفر الاول الذي أجراه الأوربيون في حاضرة ديار بابل.
وكان أولئك العلماء رأوا في ذلك الصقع ثلاث طوائف من التلال الطائفة الأولى: تلال الغرب ويسميها أهل تلك الديار. (تل الخزنة) وقد وجدوا فيها بعض الرقم أو الآجر المكتوب. والطائفة الثانية: تلال الوسط ويسميها الأعراب (الاحيمر) (تصغير الأحمر) وهيئته هيئة هرم، ويظن انه البرج ذو الطبقات، وقد وجدوا فيه آجرة من نبو كر أصر.
стр. 317
والطائفة الثالثة (تلال الشرق) وهي تشمل على عدة أطلال تدل على إنها كانت دوراً ومنازل في سابق العهد، ما عدا التلال الكثيرة المنبثة في حواليها، وبناء غريباً بصورة نعل فرس مستطيل الشكل. ويطلق البدو عليها اسم (البندر).
وممن زار هذه الاخربة قبل البعثة العلمية الرحالة الإنكليزي كير بورتر الشهير وتتفق أوصافه لهذه الاخربة مع أوصاف اوبر وتوما.
والاحيمر هذا هو كيش بكسر الكاف بعدها ياء ساكنة وفي الآخر شين مثلثة أما أن أطلال الاحيمر هي كيش في سابق العهد، فقد كان قد ذهب إلى هذا الرأي العلامة ويسباخ من باب الرجم إلا أن الباحث النقاب ثورو دانجين بين بأدلة قاطعة ناصعة في سنة ١٩٠٨ أن الاحيمر هو كيش، وقد أوضحت بعده أنا أيضاً هذه الحقيقة بحجج لا تقبل الشك والريب مأخوذة من نصوص جديدة عثرت عليها في السنة المنصرمة في الرقم والكتابات القديمة المسمارية الخط.
كانت كيش من اقدم مدن ديار بابل، وكانت من جملة بلاد مملكة أكد (وزان شمر) (وكانت مملكة سامية) مقابلة لمملكة سومر (وكانت سومرية). ومما وجد بخصوص تاريخ كيش ما وقعوا عليه في تلو (بفتح التاء واللام المشددة المفتوحة والواو الساكنة) من الآثار وهي جملة أسلحة كانت لملك من ملوك كيش اسمه مي سليم - وقد اشتهر بعد ذلك في ما اكتشف في الأسانيد التي وصلت إلينا، بكونه سعى في إصلاح ذات البين
стр. 318
بين اثنين من
أصحاب اقطاعاته وهما: حاكم لجش وهي المسماة اليوم تلو وحاكم (أُمَّا) (بضم الهمزة في الاول بعدها ميم مشددة مفتوحة وفي الآخر ألف مقصورة) وهي التي تسمى اليوم جوخى ويلفظها بعض أعراب المنتفق بوخى.
ومن أخبار ملوك كيش انهم ناوأوا حكام تلو. وقد أبقى أحد هؤلاء الحكام وهو المسمى: أي أن ناتوم - نصبا يعرف بنصب النسور وهو محفوظ اليوم في قصر اللوثر في باريس محفور عليه صورة لملك كيش وقد فاز به الحاكم المذكور وانتصر عليه.
وبقيت كيش مدة قرن كرسي المملكة في عهد الملوك اورومش ومانشتوسو ووشروجين ومن أسماء ملوكها ما وجد في رقيم نشره في السنة الماضية الأثري العلامة الأب شيل الدومنيكي وقدمه إلى ندوة علماء الآثار الفرنسوية، وفيه مختصر تاريخ خمس دول. وهذا الرقيم وجده الأعراب في الاحيمر عند تنقيبهم فيه عن الآثار العادية.
ومن بعد أن خمل ذكر كيش مدة عاد فنبه في عهد حمورابي معاصر إبراهيم الخليل، (وحمورابي هذا هو المعروف في التوراة باسم امرافيل على ما أثبته النقاب الأب شيل الدومنبكي وهو موحد المملكة البابلية) فلما اتضح لهذا الملك الغيور ثبوت شهرة كيش وخاف من أن تضره بنوع من الأنواع آلي على تخريبها فاكتسحها وضعضعها. ومن ذاك الحين خبت نارها، واندرست آثارها.
ومما وجد في كيش (الاحيمر) كتابات تثبت وجود مدرسة للكتبة
стр. 319
في سابق الزمن كما كان مثلها في سيارة (وهي اليوم أبو حبة) وهناك كان الكتاب يمارسون الخط والمشتق والإنشاء والترسل وكتابة الوثائق والحجج وما كان من هذا الباب قبل أن يتخذوا لهم تلك الصناعة مهنة لهم.
فهل بعد ذكر هذه الأمور المقررة من يشك بالفوائد التي تنجم للباحث إذا ما نقب في الاحيمر عن الآثار العادية التي يعثر عليها. فلهذه الغاية عينها اتفقت دولة فرنسة مع الدولة العلية فعينتني في هذه البعثة العلمية التي أتوسم فيها النجاح للتاريخ ومحببة والسلام.
دجنوياك
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
أشتاء بغداد
اغلب ما يشتد البرد في بغداد في شهري كانون فينزل إلى درجة السادسة أو الثامنة تحت الصفر، وأما هذه السنة فلم ينزل إلى الصفر، وابرد يوم كان عندنا هو الذي فيه نزلت الحرارة إلى الدرجة الثانية فوق الصفر ولهذا لم يكن عندنا إلا وبيع لما كان هذا الربيع غير مألوف في مثل هذين الشهرين كثرت الأمراض ولا سيما أنواع الحميات والأدواء المتولدة من الرطوبة كالرثية (وجع المفاصل) والنقرس والنزلة والزكام ولا يخلوا أسبوع إلا ويموت فيه واحد أو اثنان من النصارى. فما القول في المسلمين واليهود وهم اكثر عدداً من أولئك.
стр. 320
٢ - المسرة (التلفون) بين بغداد والكاظمية
وضع التلفون بين بغداد والكاظمية في نحو أوائل شهر كانون الاول وعن قريب يقام بين بغداد وخراسان.
٣ - عشائر البوشبل وحسن آغا
كانت العساكر العثمانية تحافظ على حسون آغا لمنع الأعراب من الهجوم عليه. فلما ذهبت عنه ولم يبق بجانب الاغا إلا قراب ثمانين من الجند سارت عشائر البوشبل تريد احتلال أراضيها السابقة وقد انقسمت قسمين: القسم الواحد يجمع أن آل صادق والثاني آل دهيم (كزبير)
فأما آل صادق فعبروا من (أبي تبن). وأما آل دهيم فانهم عبروا من (الهبش) ولما اجتمع القبيلان سارا على بني زريق (كزبير) وهم أعمام حسن آغا وحمى الوطيس وانجلت المعركة عن استيلاء آل البوشبل على القلاع وإخراج من فيها وأما حسن آغا فقد هرب إلى معسكر الجند فتعقبه الأعراب ولما اصبحوا على قاب قوسين من الفتك به خرجت العساكر على المعتدين فوقع بين الجمعين إطلاق نار أماتت طائفة من المتخاصمين
وفي تلك الأثناء سمع سلمان الظاهر أحد رؤساء عشيرة الخزاعل دوى البنادق فخرج للمحاجزة واخذ حسن اغا إلى بيته فسكنت ثائرة الفتنة.
وكانت العشائر الشبلية هدمت جميع القلاع التي بنتها الحكومة لحسن آغا بدون أن تخاف عساكر الدولة لا بل لبثت واقفة أمامها بقلب كأنه قد من جلمود إلى أن جاء طابور النجف فناجزها كل المناجزة وحينئذ وقفت عن
следующие страницы →