Полный текст (6 158 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
بمنطقة ومنحدر إلى الركبة.
أما رأسه فان لم يكن مكشوفا فهو مغطى بعرقية بسيطة وإذناه مطلقتان وشعره مجزوز
وركبتاه ورجلاه مكشوفات.
يتبادر إلى الذهن لدى رؤية هذا المشهد انه مشهد حفلة مأتم مصري إلا أن الثياب وهيئة الأشخاص وطرز الأشياء الأخرى تظهر عليها الخصائص الآشورية، فضلا عن أن الرقيم الذي يدلنا على أن هذه الحفلات هي من حفلات الموتى. والبائن أن الشخصين المصورين في هذين النصبين كانا من فئة الأحبار والفرق بين الاثنين أن هيئة الأول هيئة شاب وسمت الثاني يدل على الشيخوخة ويؤيده نص الرقيم عينه. هذا وان كانت المشابهة للآشوريات ظاهرة غاية الظهور إلا أن كليرمون كانوا يرى أن العهد الذي يمكن أن يرقى إليه بالنصبين هو العهد الاشوري، أي القرن السادس (ق. م) الذي فيه دالت دولة السلالة السرجونية. ولنا في منطوق الرقيم ما يؤيد التحقيق الأثري، فان أسماء الآلهة المدرجة فيه هي من مصاف آلهة الزون الآشوري. ويضيف العلامة المذكورة إلى قوله انه إذا أردنا الزيادة في التخصيص لاق بنا إبداء الرأي بان النصبين من العهد البابلي الثاني أو الحديث. وهو الفترة الواقعة بين سقوط السرجونيين وظهور كورش أي من سنة ٦٢٥ إلى سنة ٥٣٨ ق. م وبنوع أخص في زمن آخر ملوك بابل وهو نبونيد الذي عاش بين ٥٥٥ و ٥٣٥ ق. م.
الأب أ. س مرمرجي الدمنكي
أحد أساتذة المعهد الكتابي والأثري الفرنسي في القدس الشريف دخل حكومة العراق ونفقاتها
بلغ دخل حكومة العراق في تموز الماضي ٤. ٤٠٠. ٦٦٨ ربية، وبلغت نفقاتها في ذلك الشهر ٣. ٩٥٦. ٤١٥ ربية، وبلغ مجموع الدخل منذ ابتداء السنة المالية إلى آخر تموز ١٦. ٨٩٠. ٤٦٩ ربية، وبلغ مجموع النفقات في هذه المدة ١٥. ٩٦٦. ٤٥٦ ربية.
стр. 2627
(صورة)
من ينظر إلى هذه الصورة. يتحقق أن صاحبها، هو صاحب الشعر المبتكر، البديع المعاني، الطريف الأسلوب، ناقل أفكار الغرب، إلى ديار العرب: الدكتور احمد زكي أبو شادي وهو في الخامسة والثلاثين من عمره.
من رسم الأستاذ الفنان عنايت الله إبراهيم النقاش المصري الشهير في مصر القاهرة.
стр. 2628
الحب الضرير
إذا هب نسيم الربيع، طاب الهواء، وانبتت الأرض فابتسم
ثغرها عن أزاهير شتى، وفاح عطرها وانبث في جنباتها. تلك
هي صورة شعر أبي شادي؛ فانك لا تسمع كلماته إلا تحس
بنسيم شعره يدب في فكرك، فيجول في خفاياه أو زواياه
ويحيي كل دفين فيها. فلله دره من شاعر مفلق، وساحر فاتن!
(ل. ع)
سلام عليك زمان (الشباب) ... على أمل (الحب) والملتقى!
نكبت بعمر الجوى والفراق ... فلما التقينا حرمت اللقا!
كأن لم تكن فترة للوصول ... نسيت بها الخطر المحدقا!
عناء جديد، وقلب وحيد ... يقطعه الدهر ما فرقا
وصفو تولى كموت (الربيع) ... وقد شوق الروح ما شوقا
فيا جزعي للفؤاد العميد ... يعود إلى نفيه مرهقا
ويفضي بآلامه للنظيم ... فيجري به دمه مهرقا!
ويحسده في الشقاء الخلي ... ويحسبه الشاعر المفلقا!
نشأت على (الحب) منذ الصبا ... ودمت وإن شيب المفرقا
وأوذيت من اجله في الحياة ... وما زلت أرعى له الموثقا
أدين له بمعاني (الجمال) ... وكم ألهم الأمل الريقا
وكنت أراه الشفاء الأكيد ... لروحي فأصبح لي مغرقا
وكنت أراه الهدى والندى ... فضل وعشت به مخفقا!
فؤادي الحزين العصي المنى ... تشجع! وعش في الأسى مشرقا!
стр. 2629
لئن خانك (الحظ) طول الشباب ... كما خانك (الحب) مستغرقا
فلا تنس أنك ملك الجمال ... وقد ملأ (العالم) المطلقا
فنح أن تشأ من هموم (الغرام) ... فكم كان في ظلمه محرقا
وذب أن تشأ (للوفاء) المضاع ... فلن يستعاد ولن يشفقا
ولم ما استطعت فلن تنتهي ... بلومك (للحظ) في مرتقى
إذا كنت ألف (الغرام) الضرير ... فماذا تفيد المنى والرقى؟!
تشجع فؤادي! تشجع! فكم ... تذوقت عمرا صنوف الشقا
وقد سامك (الدهر) شتى العذاب ... فكنت به الساخر المشفقا!
فلا تلق حزمك يوم الأسى ... وقد خذل (الحب) فيك (التقى)
تناس المنى والوصال القصير ... وعهدا يظل لك المقلقا
وخل الهوى وبنات الهوى ... ولذ (بالطبيعة) مستوثقا
حياتك (للكون) وهو الأمين ... فناج السنا الشائق الشيقا
خفوقك نبض بشعر (الجمال) ... وكم رف مبتسما رائقا
فعش (للجمال) الشريف العزيز ... فما الكون في حسنه ضيقا
تسمع خرير المياه الشجي ... يغني أغاني الهوى والبقا
وحصباءها وهي تصغي إليه ... ببشر وتوشك أن تنطقا!
وراقب تودد (زهر) نضير ... إليك و (طيرا) له زقزقا
وراقصة (النحل) بين الاشع ... ة، و (الروض) من أنسها صفقا
وحالية من جموع (النخيل) ... تعاف الهموم فلن تطرقا!
ولا تنس موجا لبحر دؤوب ... يحاكي المفكر والأحمقا!
فيمضي بعسكره في هجوم ... ويرجع في خيبة محنقا!
ويلبث طورا يناغي الرمال ... فيغنم منها الذي نسقا!
ويصفو فيحظى بشكر (الحسان) ... و (بالحسن) يكسبه رونقا!
стр. 2630
وكم من جمال عزيز طروب ... يراه البصير الذي حققا
وملك (السماء) بآياته ... حياة حوت سرنا الأعمقا
إذا شئت مزقت هذا الستار ... فشمت بعقلك ما مزقا
وإن عشت طوع الهوى والشجون ... فأنت الضرير الذي ما ارتقى
جمال (الحياة) حياة (الجمال) ... وفي الكون ما يشبع المنطقا
فودع هموم (الغرام) الضرير ... وناج (السنا) الباسم المونقا
حياتك أولى بحسن (الخلود) ... أضاء (الوجود) ولن يخلقا
وخفقك أجدى لبث (الصلاح) ... فلا كنت أن لم تمت موبقا!
ولا تبتئس لخداع (الحياة) ... ونل أنت ناموسها الأصدقا
وكن للضحية قبل الغني ... مة كالنجم ضحى متى أشرقا!
وحسبك غنما بان (الممات) ... يساوي المتوج والمملقا!
وأنك بعض لهذا (الوجود) ... وفي مجده مجدك المنتقى!
وداعا إذا يا دموع (الشباب) ... ويا من فتنت بها مغرقا
جدير بقلبي العظيم الهوى ... بحب العظائم أن يخفقا
تجشمت منك ضروب العذاب ... وآن لعزمي أن يشرقا
وقد عشت عبدا حزين الفؤاد ... وها آن للعبد أن يعتقا!
الإسكندرية: أحمد زكي أبو شادي
القفتان
من غريب أغلاط تاج العروس انه صحف كلمة قفتان المشهورة بصورة قفنان بنون بعد الفاء. وليس ذلك من خطأ الطبع لأنه ذكرها في مادة ق ف ن. قال: القفنان؛ ما يخلفه الملك على خلاص وزرائه من التشاريف. رومية، وفي هذا الكلام وهم آخر وهو قوله رومية وهي فارسية الأصل من خفتان.
стр. 2631
الخرز ومعتقداته
الخرز اصلها - الخرز العراقية - أسطورتها - فحصها - الدعاء لها - أسماء الخرز العراقية
كان العربي الوثني ينحت من الصخور والأحجار تماثيل على شكل إنسان حينا، وحينا على هيئة حيوان، فيتخذها آلهة له، ويسجد لها، ويقدم إليها القرابين والنذور خشية بأسها، وبغية ترضيها. ظل على هذا الدأب دهرا طويلا فاختمرت هذه الفكرة في الرجل، وتغلغلت هذه العقيدة الوثنية في المرأة العربية حتى خيل إليها أن في هذه الأحجار والصخور والحصى والخرز قوة تقيها الشرور والآلام والأوجاع وان فيها نفعا يدر عليها وعلى آلها إخلاف البركات والخيرات. وان منها ما تؤثر في قلب الرجل حتى تجعل المرأة حبيبة في عين بعلها.
فهناك بين ثغور المغاور والكهوف وسفوح الجبال وثنايا الأودية أنواع من الخرز قد اثر فيها وهج الشمس فاكتست ألوانا وأصباغا تضاهي ألوان الزهر وأصباغ الورد، وقد القي في روع المرأة الجاهلية أن فيها ما يضمن لها حياتها وحب زوجها فالتقطتها من الأرض وثقبتها وعلقتها في عنقها أو جملتها على أضلاعها وتحت طيات ثيابها معمولة على سرها الكمين ومعتمدة على قوتها الفائقة.
ولما ظهر الإسلام نال العربي والعربية تهذيبا وتفقها وتنورا فارتفعت تلك الأوهام التي ربضت في دماغ العربي أحقابا طوالا وزالت أدران الخرافات من الرؤوس واعتقدت العربية بان الضرر والنفع والألم والمسرة والثروة والفقر وكل شيء بيد الله القدير المهيمن على الكون وما التماثيل والهياكل والصخور والخرز إلا تراب جامد لا نفع فيه ولا ضرر فضربت ما كان عليها من الخرز
стр. 2632
عرض الحائط وظهر الأرض إلا أن ضعيفات التقوى والأيمان منهن ظللن عاكفات على حملها دائبات على اقتنائها والاعتقاد بالشيء أن لم يكن أيمانا بالفعل فأيمانا باطمئنان العاطفة. ومن الصعب سلب الأيمان من الصدور.
الخرز التي تستعملها النسوة في العراق
والنساء العراقيات - حتى المهذبات منهن - قويات الاعتقاد شديدات التمسك بالخرز يبذلن
الذهب الوهاج في اقتنائها ويتهالكن على الحصول عليها. وفي العراق سماسرة من المشعوذين الدجالين من النساء والرجال يتاجرون في الخرز ولا سيما القابلات واللواتي يقرأن منقبة المولد النبوي ويتلون فاجعة الحسين وينحن في المآتم والمناحات فهؤلاء قد اثرين وحصل لديهن المال الوفير ولهن مهارة وحذق خاص في التسلط على عقول النساء وإقناعهن بفوائد الخرز واعرف في بغداد امرأة غنية سليلة بيت أرستقراطي قد ابتاعت خرزة بعشرة جنيهات وكانت فرحة جذلة بها.
والمتزوجة تحملها لتبقي حب زوجها لها وأما البكر فلتكون جميلة في أعين الناس وليسرع أمر زواجها والعزباء لتقتنص لها بعلا جديدا وليس الاعتقاد بالخرز مقصورا على النساء وحسب ففي العراق رجال كثيرون يحذون حذو النساء.
وقد حدثني أستاذي الشاعر الفيلسوف جميل صدقي أفندي الزهاوي حفظه الله عن رجل جاء إليه ذات يوم - وكان من كبار رجال الجيش في العهد العثماني - وكلمه بلهجة المتوسل قائلا:
(علمت يا مولاي أن لكم سلطانا على الجان أفلا تسألون الجان الذين هم طوع إشارتكم والمؤتمرون بأمركم عن هذه الخرزة؟ وأنكم بفعلكم هذا تطوقونني بإحسانكم)
قال الأستاذ: فاعتراني الدهش فأخذت أقنعه بان هذا سخف وجهل وحذار أن يسمع (القومندان) بطلبك هذا فتنال إهانة وسخطا من أمرائك ولما لم استطع أن أقنعه تركني غضبان مدمدما وكانت شهرة هذا الأحمق في بغداد (بونجوقلي اشك) أي (الحمار المعتقد بالخرز).
стр. 2633
أسطورة أصل الخرزة
وأسطورة الخرزة هي أن النساء يعتقدن أن الذئب يأكل التراب ثلاثة أشهر ويشرب الماء ثلاثة أشهر ويبلع الهواء ثلاثة أشهر والأشهر الثلاثة الأخيرة لتمام كمال السنة يأكل فيها بنات الجان والذئب يعدو في الفيافي باحثا عن بنات الجان فإذا صادفنه انقلبن في الحال خرزة فلا يبقى في وسعه أن ياكلهن ولا يبقى في وسعهن أن ينقلبن بنات كما كن. والمرأة إذا حملت الخرزة في الوقت الكروه قذفت الحب في قلب زوجها مستعينة بآلها، ذلك فضلا عن سلطانها.
فحص الخرز
والخرزة تابعة للفحص وكيفية فحصها هي أن تعطى إلى بكر تضعها تحت وسادتها في ليلتي الجمعة والاثنين فتقص في الصباح ما رأته في ليلتها من الرؤى والأحلام فإذا شاهدت بنتا علم إنها تصلح للبنات وإذا شاهدت امرأة علم إنها تصلح للمتزوجات إلى غير ذلك.
الدعاء للخرز لتبقى محافظة على قوتها
يتحتم على كل من تملك الخرز أن تستعد في الليلة السابعة والعشرين من شهر رجب في كل سنة فتغتسل وتتطيب ثم تأخذ ورق السذاب وورق الحناء وتضع الكل في إناء تسكب عليه ماء الورد ثم تتلو عليه (ياسين المغربي) وياسين المغربي دعاء فيه سورة ياسين وبعد الفراغ من هذا الدعاء تصلي ركعتين لوجه الله ثم تترك الخرز تحت بطون الكواكب (أي تحت السماء) حتى مطلع الفجر والتي لا تقوم بهذه المهمة تخسر خرزاتها إذ إنها تفقد قوتها.
أسماء الخرز العراقية
مثلها: أم الدولة خابت وأم الخرز ما خابت أو أم الدولة بارت وأم الخرز ما بارت
السلطانية: هي خرزة طويلة مستطيلة تكون ذات لون أحمر أو أصفر والتي تحملها تكون ذات سيطرة على زوجها كما يفهم من اسمها.
السلوة: تكون سوداء وتستعملها المرأة لتنزع من قلب زوجها محبة ضرتها أما استعمالها فيكون بان تحكها المرأة بالماء وتلطخ به رأس زوجها.
стр. 2634
الدامغة: على شكلين بيضاء وحمراء تقتني المرأة البيضاء منهما إذا كانت بشرة زوجها بيضاء والحمراء الغامقة إذا كانت بشرته سمراء وتستعمل لأجل (دفع الرجل) أي أن الزوجة تصبح مطلقة الأمر تفعل في البيت ما تشاء لا أمر يأمر عليها ولا ناهي ينهيها.
الحمارية: يعتقد الناس إنها تطلع (كالدمل) في رقبة حمير (اصفهان).
الطحانات: (بشد الحاء) خرزتان لونهما اسود وهما بشكل رحى صغيرة وفي كل واحدة ثقب تشد بها المرأة خيطا فتحملها على نفسها.
الدملج: (وازن زبرج) تكون حمراء رقطاء وشكلها يشبه حجر العقيق والمتزوجات يحملنها ورقيتها (يخطب ما يملج) أي (يخطب ولا يتزوج).
الصيني: خضراء غامقة ورقيتها؛ (كل وكت يحاجيني) أي (كل وقت يكلمني).
السليماني: سوداء وفيها خط أصفر أو رمادي والتي تحملها تسلم من العاهات والآلام.
الشكل: (بكاف فارسية) كبيرة لونها ابيض وذات دوائر متعددة والتي تحملها تكون أمينة من زوجها.
البهكة: (بكاف فارسية)، حمراء وفيها نقط بيضاء تحميها من أصابها (برص). والبرص تسميه العامة (بهك) أي بهق.
المخفاية: حمراء وبيضاء كبيرة صقيلة تستعمل إذا ظهرت (عقدة) في إبط الرجل أو المرأة أو في بطنهما أو في عنقهما فتحك بها العقدة أو تدلك فتزيلها.
الكور: (بكاف فارسية) مضمومة طويلة بطول البنان بيضاء ممزوجة بحمرة رقيتها: (الكور للي تشيلها متبور) أي من تحمل الكور لا تبور.
اسمع وطيع: تلتقط من سواحل الإبحار بيضاء حلزونية والتي تحملها تعتقد أن زوجها يسمعها ويطيعها.
أحمد حامد آل الصراف
لغة العرب: - كنا نود أن نعرف أصول بعض تلك الألفاظ لنهتدي إلى الأمة التي أدخلتها في العراق، لكننا لم نتوفق. أما أصل البعض الآخر فعربي صريح لاشك فيه.
стр. 2635
مقتطفات من كتاب الحوادث الجامعة لابن الفوطي
تتمة
ذكر نقل المستنصر بالله من مدفنه بدار الخلافة إلى الترب بالرصافة
في ليلة جمعة حادي عشر شعبان أرادوا نقله فهبت ريح منعت من ذلك. فقال جمال الدين أبو الحسن المخرمي ارتجالا:
تحركت الرياح الهوج لما ... أريد بكعبة الجود ارتحالا؟
وقالت من يعلمني سخاء ... أهب به ويغمركم نوالا
فقلت لها: خليفة المرجى ... إمام العصر فانقلبت شمالا
فنقل في ليلة السبت ثاني عشريه إلى موضع كان قد أعده لنفسه مدفنا وبنى عليه قبة. وكانت صورة نقله أن تقدم إلى كافة الزعماء ما عدا أصحاب المشاد والى المماليك وكافة مشايخ الربط والصوفية والفقهاء والمدرسين ما عدا مدرسي المستنصرية والنظامية بالتوجه على طريقة مشرعة الرصافة وتقدم إلى من عداهم أن يقصدوا دار الخلافة بغير الطريق وان يرفع القضاة والمدرسون الطرحات والعدول الطيالسة وأرباب العز عزرهم وأصحاب المشاد مشادهم ويركب الزعماء بالأقبية البيض والسرابيش وأرباب الدولة كل واحد منهم بقميص ابيض وبقيار ابيض مسكن وغاشية قند (؟) فركبوا وقصدوا دار الوزارة ما عدا مجاهد الدين الدويدار الصغير وعلاء الدين الدويدار الكبير وأستاذ الدار مؤيد الدين محمد بن العلقمي. فلما تكمل من عدا هؤلاء في دار الوزارة تقدم إليهم يقصد دار الخلافة والدخول بباب عليان إلى صحر (صحن؟) السلام فمضوا هناك قبل غروب الشمس. وأما الوزير ابن الناقد فانه خرج في محفة ودخل من باب البانمي
стр. 2636
(؟) (لعلها القائمي) ثم قصد هؤلاء كلهم دجلة فخرج الصندوق الذي فيه الخليفة فلما عاينوه قبلوا الأرض وأعلنوا بالبكاء. ثم حط في شبارة طويلة يجذف فيها خمسة عشر ملاحا في صدرها قبة مجللة بسجاف أطلس اسود ونزل فيها الشرابي وأستاذ الدار وابن درة المعمار فوقفوا بين الصندوق ولم ينزل الوزير لعجزه عن القيام. ونزل جميع أرباب الدولة والأمراء في سفن قياما بين أيديهم شموع كبيرة. فلما وصلوا مشرعة الرصافة رفع الصندوق على الرؤوس
وامتد الناس كلهم بين يديه إلى التربة فدفن ﵀ في الموضع الذي أعده ثم فرقت الربعة الشريفة وقرأت. . . (هذه النقاط في الأصل المهدى) وأهديت له وانصرف الناس قبيل نصف الليل ثم ترددوا إلى الترب يوم الأحد ويوم الاثنين (و) في كل يوم تقرأ الختمة ويتكلم (جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي) ويدعو العدل شمس الدين علي بن النسابة ونقيب النقباء ونائبه.
في شعبان تقدم إلى (جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي) أن يجلس بالوعظ بباب بدر ورتب العدل شمس الدين علي بن النيار شيخا لرباط الحريم.
سنة ٦٤١ (١٢٤٣ م) فيها تقدم الخليفة إلى (جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي) المحتسب. . .
وفيها نفذ (محيي الدين يوسف بن الجوزي) رسولا إلى ملك الروم كيخسرو بن كيقباذ فاجتمع به في إنطاكية فلما عاد حكى أشياء غريبة منها أن النساء يتعممن كالرجال والرجال يلبسون السراقوجات. . .
سنة ٦٤٢ (١٢٤٤ م) في هذه السنة سير الملك الصالح أيوب. . . عسكرا إلى مدينة دمشق فنزلوا عليها. . . وكان الملك الصالح إسماعيل. . . صاحب دمشق فيها فضج. . . فراسل ابن عمه الملك الصالح أيوب. . . فأسفرت القاعدة على أن يتفرد الملك الصالح إسماعيل بملك باعلبك (بعلبك) ويمضي بأهله إليها فأجاب إلى ذلك وخرج ليلا وأرسل الملك الصالح أيوب إلى الخليفة عبد الرحمن ابن عصرون يخبره بذلك فأرسل الخليفة إليه التقليد والخلع مع (جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي) الواعظ مدرس الحنابلة بالمدرسة المستنصرية فتوجه ابن
стр. 2637
عصرون صحبته.
سنة ٦٤٤ (١٢٤٦ م) وفيها وقع الشروع في عمارة مسناة دار على شاطئ دجلة في بستان الصراة المنتقل إلى الخليفة من البهلوان ابن الأمير فلك الدين محمد بن سنقر وتولى العمل في ذلك أستاذ الدار (محيي الدين يوسف بن الجوزي) فسأل في بعض الأيام المشاهر عن اسمه فقال: (خالد) فقال:
نظرت إلى الخلد الشريف بفكرتي ... فبشرني أن الخليفة خالد
إذ الاسم معناه الخلود حقيقة ... وأكده اسم المشاهر خالد
سنة ٦٤٥ (١٢٤٧ م) فيها احضر مدرسو المستنصرية إلى دار الوزير وتقدم إليهم أن لا يذكروا شيئا من تصانيفهم ولا يلزموا الفقهاء بحفظ شيء منها بل يذكروا كلام المشايخ تأدبا معهم وتبركا بهم وأجاب (جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي) مدرس الحنابلة بالسمع والطاعة. . .
سنة ٦٥٣ (١٢٥٥ م) ذكر ولاية (ابن الجوزي) أستاذ الدار. في تاسع ربيع الأول مضى صلاح الدين عمر بن جلدك إلى (محيي الدين يوسف بن الجوزي) وهو في منزله بباب الازج فاستدعاه فركب - وقد رفع الطرحة - إلى الدار المقبلة لباب الفردوس المرسومة بسكنى الأستاذ دارية وأجلسه في المنصب من غير أن يخلع عليه وشافهه بالولاية ودخل الناس إليه مهنئين له وركب من الغد في جمع عظيم إلى دار الوزير فجلس عند مؤيد الدين نائب الوزارة ساعة ثم عاد إلى داره.
وفيها رتب (جمال الدين عبد الرحمن الجوزي) مدرسا لطائفة الحنابلة بالمدرسة المستنصرية وخلع عليه وأعطي بغلة وتقدم إلى صاحب الديوان فخر الدين بن المخرمي وجميع أرباب المناصب بالحضور إلى المدرسة فحضروا ورتب (أخوه شرف الدين عبد الله) محتسبا عليه. وخلع عليه من غير أن يشهد عند القاضي. ولم يعلم أن محتسبا تولى غير شاهد سواه.
وقد نظم عز الدين أبو الحسن علي ابن إسامة العلوي قصيدة يهنئ بها أستاذ الدار مما تجدد لولديه. يقول فيها:
مولاي (محيي الدين) يا مولى به ... كل البرية في الحقيقة يقتدي
стр. 2638
أنت المهنا بالذي قد خول ... (ولداك) أم نفس العلى والسؤدد
وهل البشارة للمراتب والذي ... ولياه أم لك يا كريم المحتد
قد قلت حين رأيت كلا منكما ... كالبدر في جنح الظلام الأسود
هذان ما خطبا المراتب إنما ... خطبتهما المناقب لم تجحد (؟)
وهما من القوم الالى خدماتهم ... شرفا تصير لسيد عن سيد
ولانت مولانا المليك من الورى ... وهما أحق بمسند ومسند
انتم لدين محمد شيدتم ... علما به وكذاك مذهب احمد
فالله يجزي الخير كلا منكم ... عن احمد وعن النبي محمد
وكذاك يرعاكم بعين عناية ... ويمدكم منه بعمر سرمد
سنة ٦٥٣ (١٢٥٥ م) وفيها فتحت المدرسة البشيرية بالجانب الغربي من بغداد وتجاه قطفتا التي أمرت ببنائها حظية الخليفة المستعصم أم ولده أبي نصر المعروفة بباب بشير وجعلتها وقفا على المذاهب الأربعة على قاعدة المدرسة المستنصرية ووقفت عليها وقوفا كثيرة قبل فراغها. وكان فتحها يوم الخميس ثالث عشري جمادى الآخرة وحضر الخليفة وأولاده فجلسوا في وسطها وحضر الوزير وأرباب المناصب ومشايخ الربط والمدرسون وكان المدرس بها سراج الدين النهرقلي أقضي القضاة (وشرف الدين عبد الله بن أستاذ الدار محيي الدين بن الجوزي) ونور الدين محمد بن العربي الخوارزمي الحنفي وعلم الدين احمد بن الشرمساحي المالكي. وعملت وظيفة عظيمة وخلع على المدرسين المذكورين وعلى الناظر بها ونواب العمارة والفراشين وخدم القبة وأنشدت الأشعار وكان يوما مشهودا. وكانت وفاة البشرية في السنة الماضية على ما ذكرنا.
سنة ٦٥٦ (١٢٥٨ م). . . ثم عين على بعض الأمراء فدخل (هولاكو) بغداد ومعه جماعة ونائب أستاذ الدار (ابن الجوزي) وجاءوا إلى أعمام الخليفة وأنسابه الذين كانوا في دار الصخر (؟) ودار الشجرة فكانوا يطلبون واحدا بعد آخر فيخرج بأولاده وجواريه فيحمل إلى مقبرة الخلال التي تجاه المنظرة فيقتل
стр. 2639
فقتلوا جميعهم عن أخرهم. ثم قتل مجاهد الدين ايبك الدويدار الصغير وأمير الحاج فلك الدين محمد بن علاء الدين الطبرسي الدويدار الكبير وشهاب الدين سليمان شاه بن برجم وفلك الدين محمد بن قيران الظاهري وقطب الدين سنجر البكلكي - الذي كان شحنة بغداد وحج بالناس عدة سنين - وعز الدين ابقرا شحنة بغداد أيضاً (ومحيي الدين ابن الجوزي أستاذ الدار وولده جمال الدين عبد الرحمن وأخوه شرف الدين عبد الله وأخوه تاج الدين عبد الكريم) وشيخ الشيوخ صدر الدين علي بن النيار وشرف الدين عبد الله ابن أخيه وبهاء الدين داود ابن المختار والنقيب الطاهر شمس الدين علي بن المختار وشرف الدين محمد بن طاووس وتقي الدين عبد الرحمن ابن الطبال وكيل الخليفة.
وأمر بحمل راس الدويدار وابن الدويدار الكبير وسليمان شاه إلى الموصل فحملت وعلقت
بظاهر سور البلد ووضع السيف في أهل بغداد يوم الاثنين خامس صفر وما زالوا في قتل ونهب واسر وتعذيب الناس بأنواع العذاب واستخراج الأموال منهم باليم العقاب مدة أربعين يوما فقتلوا الرجال والنساء والصبيان والأطفال. فلم يبق من أهل البلد ومن التجأ إليهم من أهل السواد إلا القليل ما عدا النصارى فانهم عين لهم شحاني حرسوا بيوتهم والتجأ إليهم خلق كثير من المسلمين فسلموا عندهم. وكان ببغداد جماعة من التجار الذين يسافرون إلى خراسان وغيرها قد تعلقوا من قبل على أمراء المغول وكتب لهم فرامين فلما فتحت بغداد خرجوا إلى الأمراء وعادوا (و) معهم من يحرس بيوتهم. والتجأ أيضاً إليهم جماعة من جيرانهم وغيرهم فسلموا وكذلك دار الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي - فانه سلم بها خلق كثير - ودار صاحب الديوان ابن الدامغاني
стр. 2640
ودار صاحب الباب ابن الدوامي. وما عدا هذه الأماكن فانه لم يسلم فيه أحد إلا من كان في الآبار والقنوات. واحرق معظم البلد وجامع الخليفة وما يجاوره. واستولى الخراب على البلد وكانت القتلى في الدروب والأسواق كالتلول ووقعت الأمطار عليهم ووطأتهم الخيول فاستحالت صورتهم وصاروا عبرة لمن يرى.
ثم نودي بالأمان فخرج من تخلف وقد تغيرت ألوانهم وذهلت عقولهم لما شاهدوا من الأهوال التي لا يعبر عنها بلسان وهم كالموتى إذا خرجوا من القبور يوم النشور من الخوف والجوع والبرد.
وأما أهل الحلة والكوفة فانهم انتزحوا إلى البطائح بأولادهم وما قدروا عليه من أموالهم وحضر أكابرهم من العلويين والفقهاء مع مجد الدين ابن طاووس العلوي إلى حضرة السلطان وسألوا حقن دمائهم فأجاب سؤالهم وعين لهم شحنة فعادوا إلى بلادهم وأرسلوا إلى من في البطائح من الناس يعرفونهم ذلك فحضروا بأهلهم وأموالهم وجمعوا مالا عظيما وحملوه إلى السلطان فتصدق عليهم بنفوسهم. اه
نتيجة بحثي
ويبين لنا مما ذكر أن مؤلف كتاب مناقب بغداد هو - على الأرجح - أبو الفرج، عبد الرحمن، جمال الدين بن محيي الدين، يوسف، أبي محمد بن أبي الفرج عبد الرحمن، جمال الدين، ابن الجوزي وقد قتل المؤلف في بغداد على ما رأينا.
إن الشواهد التي أتيت بها بقصد تعريف ابن الجوزي مصنف المناقب وما أتيت بغير ذلك جاءت نموذجا من الكتاب الذي ارتأى عنه الأثري في نقده (نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق) لغنيمة ما قوله بحرفه:
(ومما يؤخذ عليه (على غنيمة) أيضاً انه نقل في مواضيع عديدة حكايات مزخرفة بادية عليها أمارات الوضع عن كتاب مخطوط لمؤلف مجهول واسمه (تاريخ العراق في عهد المغول) ولا نعرف كيف جاز له الاعتماد عليه وهو لا يعرف مؤلفه). اهـ (مجلة الحرية البغدادية ٢ (١٩٢٥): ٢٨٨)
وبعد أن شك الأثري في أن المناقب لغير ابن الجوزي المتوفي في سنة ٥٩٧هـ وجاء في تضاعيف الكتاب ما لا يقبله العقل من أمر عدد الحمامات فليسمح لي
стр. 2641
أن أقول: أني لا أظن أن هناك مانعا من الاعتماد على هذا المخطوط الفذ وقد نقل عنه من رآه من الكتاب وفيهم احمد تيمور باشا. وقد أكون مخطئا في ظني فلأهل التدقيق والتمحيص البت في منزلة الكتاب بعد وقوفهم على المنشور منه هنا وفي المجلات التي ذكرتها ولا سيما بعد أن بان انه لابن الفوطي على الأرجح وقد قال صاحب فوات الوفيات عنه (الشيخ الإمام المحث المؤرخ. . .) وفي الكلمة التي يقولها المتتبعون يخدمون التاريخ والحقيقة وهما الغاية المتوخاة.
بغداد: ٢٥ أيار سنة ١٩٢٧
يعقوب نعوم سركيس
الوفاء الحي
من نظم الدكتور أبي شادي
مرئية تلحينية لساكن الجنان سعد باشا نظمت لتنشدها المطربة ملك:
مجد (سعد) ما تناهت ... في ممسات دولته
عاش في خلد وعاشت ... في وفاء أمته
(سعد) روح سوف يبقى ... في العصور الأبدية
ينشر الحب ويرقى ... بالنفوس البشرية
كلنا نشدو به ... كلنا نبكي عليه
العلى من دأبه ... والندى من راحتيه
كلنا تكوين (سعد) ... في ثبات وأمل
أي مجد غير مجد ... يلهم الناس العمل؟!
عاش نبراسا عظيما ... ومثالا للأبوة
كان بالروح كريما ... كان في خلق النبوة!
في سبيل (النيل) ضحى ... في سبيل الحق عانى
واهبا (للنيل) سمحا ... عمره المحسود شانا
اندبيه يا معالي ... قدسيه يا (فنون)
كل محمود وغال ... حين ينساه يهون
وهو حي ليس ينسى!
стр. 2642
تحقيق مواقع بعض المواضع القديمة
في كتب تقديم البلدان، مواضع وأماكن كثيرة، نظن أنها قد درست وأمحت آثارها، لبعدها عن العمران، وصعوبة الوصول إليها، ومن هذه المواضع، اذرح، والجرباء، والحميمة، وهي من البلاد التي حدثت بها حوادث ذات شأن في التاريخ الإسلامي.
وقد أتيح لي أن أعلم بعض أمرها اليوم، وهي واقفة في إمارة الشرق العربي التي أنشئت في شرقي عبر الاردن، فرأيت أن أشرك القراء في ذلك فأقول:
اذرح
يقول ياقوت في معجمه: (اذرح اسم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة، ثم من نواحي البلقاء وعمان (وزان جبار) مجاورة لأرض الحجاز). قال ابن الوضاح: هي من فلسطين وهو غلط منه. وإنما هي قبلي فلسطين من ناحية الشراة. وفي كتاب مسلم بن الحجاج: بين اذرح وجرباء ثلاثة أيام. وحدثني الأمير شرف الدين يعقوب بن الحسن الهذباني،
стр. 2643
قبيل من الأكراد، ينزلون في نواحي الموصل قال: رأيت اذرح والجرباء غير مرة وبينهما ميل واحد واقل لان الواقف في هذه ينظر هذه.
قال ياقوت وبأذرح إلى الجرباء كان أمر الحكمين بين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري وقيل بدومة الجندل والصحيح (اذرح والجرباء واستشهد على ذلك بأبيات شعر لذي الرمة والأسود بن الهيثم في مدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الاشعري وكعب بن جعيل في مدح عمرو بن العاص وختم كلامه بقوله: وفتحت اذرح والجرباء في حياة رسول الله ﷺ سنة تسع وصولح أهل اذرح على مائة دينار جزية.
هذا ملخص ما قاله ياقوت عن اذرح وفي كتب السيرة النبوية نسخة الكتاب الذي أعطاه الرسول إلى أهلها وأهل جرباء وكانوا يهودا وهذا نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا كتاب من محمد النبي لأهل اذرح وجرباء انهم آمنون بأمان الله وأمان محمد وان عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة والله كفيل بالنصح والإحسان للمسلمين).
قلنا وقد ذكر اذرح الاخطل في قصيدته التي مدح بها عبد الله بن معاوية إذ يقول:
وأبوك صاحب يوم اذرح إذ أبى ... الحكمان غير تهايب وضرار
стр. 2644
لما تبحثت الضغائن بينهم ... أفضى وسار بجحفل جرار
وأهل إذ غنظ العدو بفيلق ... تحت الاشاء عريضة الآثار
حتى رأوه بجنب مسكن معلما ... والخيل جاذبة على الإقتار
واذرح اليوم من الطلول الدوارس ولكن أبنيتها لا تزال قائمة الجدران مترامية الأطراف على بعد خمس ساعات من الشوبك إلى الجنوب وأربع ساعات ونصف ساعة من معان إلى الشمال وثلاث ساعات من وادي موسى إلى الشرق ونصف ساعة من الجرباء إلى الغرب يملكها حمد بن جازي شيخ مشايخ قبيلة الحويطات، ومياهها متدفقة بغزارة وتزرع فيها الزروع المختلفة وفيها خفير وقد اتخذها (السيد مصطفى وهبي التل) حاكم الشوبك ووادي موسى التابعة لإمارة الشرق العربي مربعا لموظفي الحكومة ربيع سنة ١٣٤٥هـ ١٩٢٦م.
حيفا: عبد الله مخلص
قضاء الكوير
صدرت الإرادة الملوكية بتحويل ناحية الكوير قضاء. واعلم أن مركز هذا القضاء مهم لأنه واقع على ملتقى خطوط المتصلات الرئيسية بين الموصل واربل وكركوك.
وقصبة الكوير نفسها قائمة على نهر الزاب الأكبر؛ يحيط بها قبائل عربية وكردية، يعنى اغلبهم بالزراعة ورعاية السوائم.
стр. 2645
غادة بابل
٣ - هب بيروس من رقاده وهو يكد الفكرة في إيجاد الحيل واختراع سبل الخدع للإيقاع بشمشو تخلصا منه وفقا للخطط التي وضعتها له نتو أمة السوء والخيانة الظاهرة. فمر بالهيكل ودخل القسم المخصص بتسجيل العقود فرأى التجار والزراع والصيارفة والملاكين والرعاة والسماسرة متألبين جماعات جماعات أمام الكهنة الكتبة لتسجيل عقود البيع والشراء والرهن والكفالة والقرض والإيجار والمرابحة وغيرها. وكان الكتبة يدونون هذه العقود على رقم من طين يخطونها عليها بقلم من حديد بالخط المسماري يوقع عليها المتعاقدون أو يختمونها بختوم ويشهد عليهم شهود وبين المتعاقدين رجال ونساء.
فهناك من كان يسلف الدراهم على الحصاد المقبل على الحنطة والشعير والذرة والسمسم والقطن والتمر والصوف بربا يتراوح بين عشرين بالمائة وثلاثة وثلاثين وثلث بالمائة. أما ربا قروض الدراهم فيتراوح بين خمسة ونصف بالمائة وخمسة وعشرين بالمائة. وبين الناس من كان يعقد الشركات للقيام بالتجارة مع بلاد أشور ونائري وماذي وعيلام وفنيقية ومصر. ومن كان يؤجر داره ومخزنه ومحراثه وثوره وحقله ومرجه. ومن كان يبيع أموالا منقولة وغير منقولة أو يبيع العبيد والأسرى بل حتى الأولاد.
وكان الوسطاء والسماسرة يتفننون في إقناع المتعاقدين ويبذلون جهودهم لتسوية كل الاختلافات التي قد تحول دون إتمام بعض العقود. فتقوم أحيانا ضجة عظيمة بين البائع والشاري أو الراهن والمرتهن أو المؤجر والمستأجر ويتدخل في أمرهم الحاضرون لحسم النزاع وكثير ما يخرج الاختلاف عن نطاق المفاوضة إلى العياط والتنابذ في الكلام والسب والشتم. ويحاول كل
стр. 2646
واحد أن يقص على السامعين أحاديث طويلة عريضة ليقنعهم انه محق وان خصمه مجحف بحقوقه يريد ظلمه.
وكان بين المتعاقدين أجيبي الصراف الشهير بثروته وعقوده العظيمة فتقدم إلى الكاهن المسجل ومعه رجل آخر واخذ يملي على الكاهن شروط عقد عظيم يتضمن مواد عديدة:
١ - قرض عشرين جورا من الحنطة بفائدة تسعين (كا) على كل (جور).
٢ - قرض أحد عشر (جورا) من التمر بفائدة اعتيادية على كل (جور).
٣ - مبياع عشرة (جانات) من أرض الزراعة بقيمة خمسة وعشرين شاقلا فضة.
٤ - قرض (منا) من الفضة بفائدة شاقل واحد عن كل خمسة شاقلات.
فهنا حدث اختلاف بين الصراف والتاجر المعاقد على بعض شروط هذا العقد ومهما حاول بعض الحاضرين إزالة ذات البين منهما بقيت الحالة متوترة وفتق الخصومة لم يرتق بل زاد اتساعا. فتقدم بيروس وتظاهر بأنه رسول اله الصلح والسلام ومرهم لتضميد جروح النزاع والخصام. اخذ أجيبي على جانب وخاطبه بصوت خافت وهو يحرك يديه ويقطب حاجبيه ويغمز بعينيه فهز أجيبي رأسه وحناه قانعا بما أوحاه إليه الكاهن بيروس. ثم تقدم بيروس من التاجر الآخر وهامس في أذنيه ببعض الألفاظ. والجمع ينظر إلى النتيجة وإذا بالطرفين قد رضيا بفسخ العقد وإلغائه عن طيب خاطر. فدهش الناظرون من الكاهن للباقته وقوة تأثيره في الخصمين وتحدث بذلك أهل المدينة.
دار الكلام بين بيروس وبين أجيبي عن قرض دراهم لشمشو وعقد شركة
стр. 2647
معه للتجارة والمقايضة بين بابل وأشور وبلاد نائري. فسخر بيروس بلاغته وبيانه وعلمه وثقافته وأفانين خدعه وأساليب مينه لإقناع أجيبي صاحبه وحمله على هذا فكان تارة يطري مقدرة شمشو الشاب وأمانته ونزاهته وطورا يفيض كلاما في وصف الربح المنتظر من هذه التجارة ويسرد أمثالا عديدة ويعدد أسماء تجار بدءوا بأسفارهم إلى البلاد الغريبة برؤوس أموال قليلة فوافقتهم ريح الحظوظ وكسبوا مكاسب طائلة وهم اليوم من أصحاب الثروات العظيمة والأملاك الواسعة والعقارات المترامية الأطراف. ثم يرجع مرة فيكلمه عن الضمان الذي يأخذه عن شمشو عن المال الذي يقرضه وعن الربا الذي يتقاضاه منه عن الدين ألم تنجح التجارة. وقصارى الكلام زين له العمل وأظهره رابحا من جميع الوجوه.
ولما توسم فيه أمارات التردد زاد كلامه قائلا: (أن حدثتك نفسك بخوف يا أجيبي وخشيت عواقب عملك فما لك إلا أن تدخل الهيكل الآن وتستشير الإله. فدخل كلاهما واخذ بيروس قنينة فيها زيت مقدس وبعد أن قام بفرائض الدين صب بعض قطرات من ذلك الزيت في حوض ماء واخذ ينظر في الأشكال التي أحدثتها تلك القطرات وصور انتشارها على وجه الماء فتحقق حسن العاقبة فأفضى به إلى أجيبي وهداه عن حسن المآل. فما كان من صرافنا
إلا النزول على إرادة الكاهن الكلداني.
فسر بيروس كل السرور لقطعه الخطوط الأولى من سبيل تدبيره الشيطاني وذهب لساعته إلى شمشو واظهر له من عواطف الحب والإخلاص ما حمله على الاعتقاد أن الرجل يبذل مساعيه ويسخر ما لديه من الحول والقوة لتشييد صرح مستقبله على أسس مكينة. وبعد أن ساد السكوت بينهما هنيهة قال بيروس: لماذا لا تتعاطى التجارة؟
شمشو - أنت تعلم إنني خسرت خسارة عظيمة بفقداني غلات أراضي في سنة الغرق إذ فاض الفرات وسالت المياه في المزارع والحقول وجرف السيل كل ما كان في طريقه من نبات وحيوان وإنسان وخرب الجداول والترع وطماها بالغريل. ولم تقف نكبتي عند هذا الحد بل أن الفرات خرج
стр. 2648
من عقيقه وغير مجراه فأصبح اليوم بعيدا عن الأراضي التي ورثتها من أبي وبعد أن كانت مشهورة بخصبها وسهولة ريها غنية بغلاتها صارت قاعا بلقعا وخرابا يبابا ينعق فيها البوم والغراب. فلا مال لي لأحياء تلك الأراضي وجر المياه إليها. ولا عندي منه ما يكفيني لاستعين به على التجارة.
بيروس - لقد فاوضت بهذا الأمر أجيبي الصراف وحسنت له عواقبه. فتردد عن قرضك المال اللازم لتجارتك. بيد أني أقنعه بان تعقد شركة بينكما بشروط تقررانها. فتذهب ببضائع وتجارة إلى بلاد أشور ونائري.
شمشو - إلى بلاد نائري؟ هذه شقة بعيدة وأسفار محفوفة بالمخاطر والأهوال فلست من المجازفين بالحياة. إنما أوافق على المتاجرة بين بابل وأشور فقط فهل يرضى أجيبي بذلك؟
بيروس - لست سمسارا وما توسطي بهذا الأمر إلا لخيرك. فما الذي يوقفك عن السفر إلى بلاد نائري. هذه طريق تجارية يسير فيها تجار بلاد أشور فتدر عليهم بالخيرات والأرباح. فإذا قمت برحلتين بين بابل ونائري اربح مالا وافرا يغنيك عن الشركة مع أجيبي. (وقف قليلا عن الكلام وهو مطرق، ثم استأنف حديثه قائلا): وماذا تفكر فيك حتراء بنت ذلك الصراف إذ ترى شابا في مقتبل العمر قوي البنية يخشى السفر إلى بلاد نائري إلا تقول فيك انه جبان رعديد؟
شمشو - ومن أين تعلم ذلك حتراء؟ وما لفظ اسم حتراء إلا اضطربت شفتاه مرتعشتين كأنهما وتران تحت ريشة المطرب.
بيروس - كانت تسمع حديثي مع أبيها. وإذا رجعت إليه بهذا الجواب صغرت في عينيها فتحدث بالموضوع بنات المدينة وهو أمر لا أرضاه لك ويثقل علي شيوعه بين القوم.
شمشو - فشكر شمشو عناية الكاهن به الأبوية ورضي باقتراحه ووعده بملاقاة الصراف في القريب العاجل لتدوين العقد. وتوادعا على هذه الغاية وكل
стр. 2649
منهما فرح بهذه الصفقة التي يظنها رابحة له: بيروس يعلل النفس بالأماني الطيبة للتخلص من حبيب حبيبته وشمشو يعتقد أن هذا التدبير يقربه من حتراء وبيتها ويمهد له العقبات للزواج منها.
كان اليوم التالي موعد الملاقاة بين أجيبي وشمشو فتم الاتفاق بينهما وتوجها إلى الهيكل لتسجيل العقد أمام (المشيكم وهذا نصه:
شمشو بن نجبو قبض عشرين منا فضة بفائدة شاقل واحد عن سبعة شواقل من أجيبي الصراف للتجارة مع بلاد أشور ونائري والربح مناصفة بين المتاقدين.
سن اربام بن جزنشاك؛ ننار ميدو بن اروماكل؛ ازاك أنينا بن لول ننشبور.
شهود.
أمام المشكيم شراني بن سابو.
في اليوم الخامس والعشرين من شهراداررو وهي السنة الأولى للملك شمش موجين.
وختم هذا كل من المتعاقدين والشهود بختوم، أحدها من العقيق على شكل اسطوانة مثقوبة من الطرف الواحد إلى الطرف الآخر وقد نظمت في خيط. والثاني من اللازورد والآخر من اليشب والآخر من حجر دم الأخوين أما ازاك لول ننشبور فلم يكن عنده خاتم فأتى ووضع علامة راس ظفر إصبعه في صفحة العقد عوضا عن الختم.
وكان على خاتم العقيق اسم أجيبي وعليه صورتا الاهين متقابلين الواحدة بازاء الأخرى وقد مد كل منهما يدا لتقبض على أنبوب يمص به شرابا من قدح وضع على مائدة مرتفعة. وكانت هاتان الصورتان صورة اله القمر (سن) ورفيقته ننجل. وكانت صورة الإله شمش مع اتباعه الإلهة منقوشة على خاتم شمشو مع اسمه واسم أبيه. وكانت صورة البطل جلجمش يصارع أسدا محفورة على خاتم أحد الشهود وصورة خلائق مجنحة أمام شجرة الحياة على خاتم الشاهد الثاني.
стр. 2650
شاع خبر هذا العقد وتحدث به الناس في الأندية والبيوت واتت الجارات وأخبرت ريماة
وابنتها شميرام بقرب سفر شمشو الدمكار فبقيت شميرام بين مصدقة ومكذبة هذا النبأ الذي ثقل وقعه على إذنيها وقلبها وحسبت له ألف حساب وكانت تنتظر بصبر جميل قدوم ابن عمتها لتقف على جلية الأمر ولما استبطأته دعت نجيتها نتو وقالت لها اذهبي إلى بيت عمتي وأتيني بالخبر اليقين عن سفر شمشو إلى بلاد أشور ونائري، وإذا رأيت ابن عمتي ادعيه ألي. فذهبت نتو وعرجت في طريقها على بيت بيروس فلاقاها الكاهن وهو مستبشر بنجاح الدسيسة وأكد لها حقيقة الأمر وأوصاها بكتمان السر ووعدها بالهيل والهيلمان وأعطاها نباتا تجله وقال لها: دسي هذا النبات المقدس السحري خلسة في الزاد الذي تعده سيدتك لابن عمتها. ففي هذا النبات قوة سحرية تقصي قلب شمشو عن حب شميرام إلى الأبد لا بل تولد فيه بغضا يفوق التصور فينظر إليها نظرة عداء وحقد. ولكن تتلاشى هذه القوة إذا ما اطلع أحد غيرك على الأمر وتحنق الإلهة والأرواح عليك آنئذ لإفشاء هذا السر العظيم فتبطش بك وتنتقم منك. ويكون انتقامها لهذه الخطيئة عظيما لا تنفعك فيه الأدعية والتعاويذ والصلوات والتقاسيم والبكاء والنحيب والضحايا والقرابين لان الإلهة بأجمعها تغتاظ منك: يغتاظ منك الثالوث الأعظم (انو) و (بل) و (ايا). والثالوث الثاني (شمش) و (سن) و (ادد)، وكذلك مردخ واشتر ونرجل ونبو وتشميت ونسكو وكل الإلهة المعروفة وغير المعروفة وتتفق الأرواح المؤذية على صب جامات الغضب الآلام والشرور عليك وتحل عليك
стр. 2651
الأمراض والأوصاب وتعذبك الشياطين أشكو وتيعو واخازو ولباسو ونمتار والو وشيدو وجالو والأرواح السبعة، ويفزعك ليلو وليلتو بظهورهما لك في الليل.
فلما سمعت نتو هذا الوعيد ارتعدت فرائصها وجمد الدم في عروقها فقالت للكاهن مالي وهذا المركب الخشن. ولم اقدم على أمر فيه من المخاطر والأهوال ما يسحقني سحقا فخذ نباتك ودعني وشأني، وخلصني من تبعة هذا العمل.
وكان قصد بيروس من هذا التهويل أن يحمل نتو على كتمان السر ليس إلا، ولما انس منها هذا الخوف والذعر خفف من لهجته واخذ يصف لها الخيرات التي تنالها إذا ما نجحت في مهمتها، ووعدها بالتحرير من ربقة الرق وبتزويجها وبالأموال الطائلة واستمطار بركات الإلهة والالاهات وبالصحة والعمر الطويل فرضخت لطلبه وهرولت مسرعة إلى بيت شمشو وسألته عن سفره متجاهلة كل ما عرفته من بيروس وأوقفته على رغبة بنت خاله
وقالت له: أن شميرام بانتظارك ورجعت إلى سيدتها تحقق لها صحة ما سمعته من جاراتها عن أمر سفر شمشو.
أخذت شميرام تملخ في الهواجس وتفكر في مصير هذا الاتفاق الجديد بين ابن عمتها ووالد حتراء رقيبتها في الحب وحارت في التكهن بما خبأته لها الليالي من العجائب والغرائب سواء ربح شمشو أو خسر في تجارته، لأنه أن رجع إلى بابل رابحا طمع بمصاهرته أجيبي لا محالة وتذللت العقبات القائمة في سبيل
стр. 2652
زواجه بحتراء. وان رجع يتعثر بأذيال الخيبة وبقيت أموال الصراف في ذمته فيكون الأمر على شقين آنئذ فأما يغضب منه أجيبي ويستحكم التنابذ بينهما وأما يرضخ لتزويجه من ابنته ليستعين به على الأشغال والتجارة مع البلاد النائية!! وعلى كل ففي هذا العقد الجديد نظر لأنه فتح بابا لتوثيق عرى الوصل بين القلبين. ووضع أساسا لبناء هيكل الحب يضحي عليه بقلبي!!
ولكن أما لي سبيل إلى أن أشوش على شمشو هذا العقد وامنعه من التعامل مع أجيبي فاحمل والدي على أن يدفع إليه مبلغا من المال يستعين به على قضاء وطر تجارته في بابل ويشتغل بين ظهرانينا ويكون في غنى عن تجشم مخاطر السفر وهجراني إلى الأبد وان لم أتوصل إلى ذلك كله آمالي طريقة أخرى اضرب بها هذا العقد بيد سرية أو قل بآيات سحرية. اليد السرية! الآيات السحرية! أوهام وشعوذة!. . أوابد وخرافات.! وجر مغانم للكهنة والسحرة والمنجمين!! إلا إني أجربها فان نجحت كون رمية من غير رام وان أخفقت فإني لست معتقدة بها والغريق يتشبث بحبال القمر. . .
دخل في هذه المطاوي شلمان كرادو على ابنته شميرام فنظرت إليه فرأته باسما فاستبشرت خيرا وقالت له: أما سمعت يا والدي بسفر ابن عمتي وتجارته الجديدة واتفاقه مع أجيبي الصراف.
فأجابها نعم! وهذا الشاب يعرض بنفسه للأخطار ولا يشاورني.
شميرام - لعل له عذرا. لأنه شاب وقد سدت في وجهه أبواب الرزق. ولكن علينا أن نعاونه إكراما لعمتي التي ماتت وتركت ابنها في عهدتك يا أبتي.
الوالد - لو طلب مني مالا لما توقفت من إعطائه له من غير منة ولكنه متكبر يحسب في الطلب مني ذلا. ومع امتعاضي منه تريني حاضرا لإسعافه بان الغي العقد مع أجيبي.
شميرام شميرام - هل توافق أن أقول له ذلك أن جاء لزيارتنا اليوم؟
الوالد - نعم.
وبعد هنيهة جاء شمشو فرحبت به شميرام وإمها وجلستا تحدثانه عن سفره وأعربتا عن أسفهما لنوى الفراق. ثم قالت شميرام أن والدي لا يرتاح
стр. 2653
إلى هذا السفر فلو عدلت عنه أمدك بالمال اللازم للتجارة بين شمالي بابل وجنوبيها أو لتعمير أراضي آبائك وفتح الترع والجداول فيها واتخاذ الزراعة مهنة لك. هل أنت فاعل يا شمشو؟ فلم يحر جوابا بل اطرق واجما كأن على رأسه الطير. فكررت السؤال عليه. فأجابها: ما كتب كتب والرجل لا يرجع القهقرى بعد أن صمم على أمر من الأمور وإلا كان صبيا لا يعتد به وبأقواله.
فغصت شميرام بريقها. وعلت وجهها صفرة الامتعاض. وسكتت طويلا ثم التفتت إلى والدتها وقالت لها أن والدي اعلم الناس بطبع ابن أخته. . وتركت شمشو وذهبت متشاغلة في أطراف البيت. وهي تقول مالي إلا طريقة واحدة لإرجاع ابن عمتي عن رأيه ما لي إلا السحر. ليظهر السحر علمهم. ولتظهر الآلهة قدرتها. وقد علمت أن الساحرة (زخنتم) قديرة على أسر قلوب الشباب بطلاسم ولها مواد فتانة وأدعية نافذة التأثير وقطع من الصوف أو الثياب تدس بين ثياب الشاب فتغويه وتسلط عليه جنة الشغف والحب. سأزور هذه العابدة في محبسها الملاصق للهيكل وأتذرع بعلمها ووساتطها لاسود على قلب شمشو العنيد. . .
لله در من قال: (مصائب قوم عند قوم فوائد.) فما اصدق هذا الكلام على العقد الذي تم بين شمشو وأجيبي وبينما كانت شميرام تنظر إليه نظرة متشائم وتوجس منه شرا كانت حتراء تعلن به أطيب الآمال وتلوح لها منه تباشير خير وبوادر فرج. إذ تعتقد انه توطئة نجاح لزواج. ورسخ في ذهنها هذا الاعتقاد بعد أن استشارت المنجمين ومفسري الأحلام. فأكدوا لها تحقيق غايتها. ولا سيما إنها واقفة على شغف شمشو بها واتت كل الأحوال ملائمة لرغائب قلبها.
بيد أن أحد السحرة الذين استشارتهم حتراء أفزعها بنبوءاته وتكهناته عن الأهوال والبلايا التي يصادفها حبيبها في سفره هذا وأوصاها بان تزوده بالطلاسم والرقى والتعاويذ.
فأخذت طلسما وهو تمثال من الشبه (البرنز) جسمه جسم كلب، ورجلاه
стр. 2654
رجلا عقاب، وذراعاه مسلحتان بمخالب أسد، وذنبه ذنب عقرب، ورأسه جمجمة صقل (هيكل عظام)
وله قرنا عنزة وعلى ظهره أربعة أجنحة كبيرة مبسوطة تلك هي صورة شيطان ريح الجنوب الغربي. التي تقي الإنسان من الأرواح الخبيثة إذا ما علقت على باب البيت أو نوافذه.
وأخذت له بعض الأحجار المختلفة الألوان المعروفة بقوتها السحرية في بابل والتي تحفظ من النوائب والبلايا. إذا ما نظمت في خيط ولبست في العنق.
وأرسلت هذه التعاويذ إلى حبيبها خلسة وأوصته بالاحتفاظ بها وباتخاذها طلسما. فاحتفى بها لأنه رأى فيها ذخر قوة السحر والوقاية وذخر قوة الحب وذكرى الحبيبة.
يوسف غنيمة
إلى سعد
من نظم شوقي بك
مرئية تلحينية لينشدها المطرب محمد عبد الوهاب، (وهى إلى العامية اقرب منها إلى اللغة الفصحى):
أنا انتهيْت انتو ابتدو ... يالله الهِمَمْ يالله العمل
أتعلموا واتوحدوا ... تبلغوا روحي الأمل
يا (سعد) فين نور جبينك ... وفين فصاحة لسانك
الحزن مالي عرينك ... والشرق قومه عشانك
آه من الموت آه ... سل الأسد من عرينه
العدل كان في حماه ... والحق كان في يمينه
قل لِلْعَدُو في وصفنا ... إحْنَا الشَّبُولْ بعد الأسد
الائتلاف في صفنا ... ما فيش خلاف ما فيش حسد
لغة العرب: - ناسف على أن قريحة شوقي بك قذفت بمثل هذه الأبيات المسبوكة سبكا عاميا فإنها تصم اسمه وصمة لا يزيلها مر الدهور. وهو بخلاف ما ينظمه احمد زكي بك أبو شادي فانه يفر من العامية هربه من البرص والجرب.
стр. 2655
فوائد لغوية
١ - الضاد والظاء
الضاد والظاء حرفا هجاء للعرب خاصة. ويعدهما علماء التجويد من حروف الاستعلاء والإخفاء.
والضاد حرف مستطيل مخرجه من طرف اللسان إلى ما يلي الأضراس ومخرجه من الجانب الأيسر اكثر من الأيمن وهي منفردة بهذا المخرج لا يشاركها فيه حرف ما.
والظاء من الحروف اللثوية التي مخرجها طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا ويشاركها بهذا المخرج الثاء والذال.
وقد نقل عن أبي عمرو بن العلاء والشيخ بهاء الدين العاملي صاحب الكشكول القول باتحاد مخرجهما.
وكان ابن الإعرابي يقول: جائز في كلام العرب أن يعاقب بين الضاد والظاء فلا يخطأ من جعل هذه في موضع هذه.
٢ - الكتب المؤلفة في الضاد والظاء
١ - كتاب الغيبة في الضاد والظاء لناصر الدين سعيد بن مبارك المعروف بابن الدهان النحوي.
٢ - كتاب الضاد والظاء لأبي الحسن علي بن يوسف القفطي.
٣ - كتاب الاعتضاد في الظاء والضاد لمحمد بن عبد الله المشتهر بابن مالك
стр. 2656
صاحب الألفية المنظومة في النحو.
٤ - كتاب الفرق بين الضاد والظاء لمحمد بن علي الحلي المعروف بابن حميدة النحوي.
٥ - كتاب الضاد والظاء لمحمد بن جعفر القزاز القيرواني التميمي.
٦ - رسالة الارتضاء في الضاد والظاء لمحمد بن يوسف الجياني الأندلسي المكتني بابي حيان النحوي.
٧ - رسالة زينة الفضلاء في الفرق بين الضاد والظاء لعبد الرحمن بن محمد المعروف بابن الانباري.
٨ - رسالة المواد في كيفية النطق بالضاد لعيسى بن عبد العزيز اللخمي الإسكندري.
٩ - رسالة لأبي الفتح احمد بن مطرف بن اسحق المصري.
١٠ - رسالة للشيخ علي المنصوري.
١١ - رسالة للشيخ علي المقدسي.
وقد جمع فريق من الكتبة المواد الظائية وذكروها استطرادا في مؤلفاتهم كالقلقشندي في صبح الأعشى وغيره.
وللشيخ طه الراوي البغدادي مقالة نافعة رتبها على ترتيب حروف المعجم وذكر فيها ما يهم ذكره من المواد ذوات الظاء أدرجت في مجلة دار المعلمين البغدادية (١: ١٢٨ إلى ١٣٤).
وللحريري منظومة موجزة أوردها في المقامة السادسة والأربعين المعروفة بالحمصية فيها كثير من الكلم الظائية نستغني عن ذكرها لشهرتها. فلتراجع في محلها.
سبزوار (إيران): محمد مهدي العلوي
الأفصح من كلام العرب
السراة من الألفاظ الرحالة
نسمي الألفاظ المتنقلة من لغة إلى لغة، ومن بلد إلى بلد، (الألفاظ
стр. 2657
الرحالة). وهذه الألفاظ كثيرة تكاد لا تحصى؛ ومما نريد أن نذكره اليوم (السراة) من مادة س رو. قال ياقوت في معجم البلدان: السراة. . . عند (سيبويه): اسم مفرد موضوع للجمع كنفر ورهط وليس بجمع مكسر (لسري). وسراة الفرس وغيره: أعلى متنه والجمع سروات. وكذا يجمع هذا الجبل بما يتصل به. . . وقال الأصمعي: الطود جبل مشرف على عرفة ينقاد إلى صنعاء يقال له السراة، وإنما سمي بذلك لعلوه. . . وهو الجبل الذي فيه طرف الطائف إلى بلاد أرمينية. وفي كتاب الحازمي: السراة: الجبال والأرض الحاجزة بين تهامة واليمن ولها سعة وهي باليمن أخص. اهـ. فيؤخذ من هذه النصوص: أن السراة هي ما نسميها اليوم بسلسلة الجبال؛ بما أن السراة عند السلف هي جبال تمتد من الطائف إلى أرمينية.
ولما دخل العرب بلاد الأندلس سموا كل سلسلة جبال بالسراة. فنقلها الاسبانيون إلى لسانهم بصورة ومعناها: سلسلة جبال؛ إلا انهم يقولون: أن سيارة معناها المنشار او أسنانه. ولما كانت سلسلة الجبال تشبه المنشار الكبير صح التعبير عنها بسيارة أي بالمنشار.
ثم جاء خلف سلفنا الأولين فنقلوا السراة عن الأسبانيين وهذا داب الخلف في كثير من الأمور فانه يخلف (أي يرد إلى الوراء) ما جاء به أجدادهم. فقالوا (شارة) في سيارة المحولة عن السراة. ثم قالوا في سراة وادي الرامة ما لفظه بالأسبانية: والخلف قال: (شارة وادي الرامة) (راجع دائرة المعارف في مادة أسبانية: جبالها) وقالوا في سراة الثلج: (جبل الشارات) (دائرة المعارف في المحل المذكور).
ومما زاد الطين بلة والطنبور نغمة، أن خلف الخلف صحف كلمة (شارة) التي لم يفهم معناها بصورة (بشارة) فقال: (جبل البشارة والفتح) وهو يريد (سراة الفتح) أو كما يقول بعضهم: شارة الفتح وبالأسبانية قال شمس الدين الدمشقي في كتابه نخبة الدهر، في عجائب البر والبحر، (في ص ٢٣ من طبعة بطرسبرج) ثم يتلوه (يتلو جبل الدرن) في الامتداد: جبل البشارة (كذا) والفتح، الفارق بين غرب جزيرة
стр. 2658
الأندلس وبين مشرقها من أول الجزيرة إلى آخرها، ومنه شعبة تتصل بالبحر الشمالي إلى بحر ورنك والصقالبة
والكلابية.) اه
فانظر بعد هذا كيف تتبدل الألفاظ وتنتقل من صورة إلى صورة على حد ما يرى مثل هذا التحول في كل موجود على الأرض.
ونقلت السراة عندنا بلغة الشراة بالشين المعجمة وهي صقع مشهور بجباله يسميه الإفرنج وهناك غير هذه التصحيفات والروايات واللغات ولعلنا نعود إليها يوما.
غلط في الجمع عام في المعاجم الحديثة
يجري مؤلفو معاجم اللغة العربية الحديثة على آثار محيط المحيط فيتدهورون في مهاوية ويدهورون الغير فيها. ومن أشنعها قول البستاني يقال: رجل صنيع اليدين أي حاذق في الصنعة. وقوم صنعي (وضبطها كحبلى) الأيدي وصنعي الأيدي (كمعزى) وصنعي الأيدي (بضمتين ففتح) وصنعي الأيدي (بفتح الحروف الثلاثة الأولى) وأصناع الايدي، أي حذاق في الصنعة. اهـ.
- والصواب هو كما جاء في القاموس: رجل صنع اليد (بالتحريك) وصناع اليد (كثمان)، من قوم صنعي الأيدي بضمة وبضمتين وبفتحتين وبكسرة، وأصناع الأيدي، وحكى: رجال ونسوة صنع بضمتين. اهـ.
وأول من كبا هذه الكبوة فريتغ فعثر وراءه البستاني لأنه يتأثره في جميع حسناته وسيئاته، ثم جاء الشرتوني فاقر هذا الغلط. وبعد ذلك جاء صاحب معجم الطالب، والمنجد، والمعتمد، إلى غيرهم. وجميعهم يجرون جري الأول. فصدق فيهم قول السلف: نزو الفرار استجهل الفرارا)
وقد قلنا مرارا: أن صاحب محيط المحيط جعل كتابه فلكا شحنه أغلاطا فجاء بعده كل من ألف في اللغة ولم يكن مهيأ للتصنيف فنقل الغلط عمن تقدمه من غير أن يتحقق بنفسه تلك الهفوات فكانت الطامة الكبرى على اللغة وعلى من يتلقاها من تصانيفهم المشؤومة.
ولهذا قلنا مرارا إننا في حاجة إلى مراجعة الأمهات ووضع ديوان لغة يعتمد فيه عليها وان ينبه على مزالق اللغويين العصريين التي لا تزال تتسع وتفسد تراث أجدادنا عوضا عن أن تدفعنا إلى أن نحرص عليه ونذود عن حياضه لنكون احسن خلف لأطيب سلف.
стр. 2659
باب المكاتبة والمذاكرة
لمحة في (نظرة العلوي)
- جواب على ما جاء في ٥: ٣٦٧ من مجلتنا -
قال العلوي: (ليس النارجيلة فارسية). مع إنها أشهر من كفر إبليس بأنها فارسية. وقد ذكرها صاحب برهان قاطع وفرهنك. وفيها لغة أخرى وهي ناركيل وباذنج وجوز هندي ورانج. وقد ذكر فرنسيس جونصن في معجمه الكبير الفارسي العربي الإنكليزي المطبوع في سنة ١٨٥٢ في لندن ما هذا معناه: (النارجيلة أنبوبة فارسية تتخذ لشرب الدخان مارا بالماء.) فالظاهر أن حضرة العلوي ليس واقفا على جميع ما في المعاجم الفارسية، أو لعل المعجم الذي بيده صغير، أو لعل الديوان الذي بيده لا يفسر الألفاظ التي كانت معروفة قبل نحو مائة سنة.
وأما (القليان) التي ذكرها فهي تركية الأصل ويقال فيها (غليان) بفتح الأول وقليون (كليمون وهكذا يتلفظ بها العراقيون) بفتح الأول وإسكان الثاني، كما ذكرها فرهنك. أما قليون بكسر الأول فهو في اصلها التركي وقد وردت هذه الحروف في برهان قاطع وبهار عجم وفرهنك. والشاميون يسمونه غليون ويريدون به ما يسميه العراقيون بالسبيل وبالإفرنجية وأما الترك والهنود والإيرانيون فيريدون بالقليون النارجيلة أو ما كان منها صغيرا لطيف الحجم والشكل وبالإنكليزية -
والكليد بفتح الكاف وكسرها هو بالفارسية المفتاح، وهو من أصل يوناني من وعربه سلفنا بصورة اقليد والعامة إذا ضمت كلمة كليد إلى دار قالت كليتدار والفصحاء يقولون كليددار أو كليدار.
وقول المعترض: (إن صاحب روضات الجنات كتب اسم هذا الكتاب
стр. 2660
نقلا عن (وفيات الأعيان لابن خلكان): مخاطبات الإخوان بالشعر) فيه نظر. أن صاحب روضات الجنات ذكر اسم المخاطبات في ص ٤٤٧، لكن لا نظن أن نقله صحيح، لأننا راجعنا وفيات الأعيان لابن خلكان (١: ٢٥٨) فوجدناه يقول: (كتاب مكاتبات الإخوان) لا مخاطبات. وعندنا من هذا السفر الجليل نسختان خطيتان قديمتان وكلتاهما تذكر (مكاتبات). فلا جرم
أن الميرزا محمد باقر الموسوي الخونساري واهم في كتابه روضات الجنات. ولا سيما لأنك تجد الخطأ باديا في جميع التراجم: خطأ كتابة الاعلام، وكتابة الألفاظ، ورسم الألفاظ إلى غير ذلك. أو ليس هو القائل في ترجمة ابن المعتز انه (دفن في جراب بازاء داره) والصواب في خراب (بالخاء المنقوطة لا بالجيم)، فأين الواحد من الآخر. والخونساري كتب ابن الواقعة بين اسم الأب وابنه بألف والصواب بغير ألف وكتب في ترجمة ابن المعتز أهل البيت هكذا: (اهلبيت) إلى غير هذه الأوهام. فليس بحجة يعتمد عليه ولا سيما لأننا نراه يسب ابن المعتز في مطلع كلامه عنه. والمسبة لا تجدي فتيلا في مثل هذه المواطن ولا سيما لأنه جاء بعده بمئات من السنين فشتمه له لا يهديه أن كان ضالا، ولا يدنيه من الصواب أن كان مخطئا في ما ادعى به من الحق.
نقد كتاب أعلام العراق
تتمة
٤ - ضعف المحاكمة
جاء في الصفحة ١٢٢ قول المؤلف في معرض مناظرة جرت بينه وبين ملحد: (سألت ذات يوم أحدهم: ما دليلك على نفي الصانع؟). ولا يخفى على كل من له المام بآداب المناظرة أن طلب الدليل إنما يوجه إلى المثبت لا إلى النافي. والظاهر أن الأثري خلا بملحد غبي فناظره إذ لو كان للملحد بصيص من الفهم لرد عليه سؤاله وقال له ما دليلك أنت على وجوده؟!
٥ - التمويه
قال في ص ٤٦: (وكان السيد عبد الله الالوسي شافعي المذهب، فلما تقلد القضاء قلد مذهب أبي حنيفة) ثم قال: (وله بذلك أسوة بمن تقدمه من
стр. 2661
أكابر العلماء) وعلى ذلك علق في الحاشية أسماء طائفة من العلماء تحولوا عن مذاهبهم لباعث اجتهادي لا لباعث منصبي، فكيف تم القياس؟ أفمن الإنصاف أن يقرن المجمع العلمي الدمشقي مثل هذا المؤلف بالإمام (ابن القيم)؟!! راجع مجلة المجمع العلمي العربي (٧: ٢٨٢).
٦ - قلة الانتباه
قال في ص ١٤١ (. . . ومن وافق الإمام ابن تيمية والمصلح الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، كالمفسر الالوسي. . .) فادعى هنا سلفية المفسر: ولا أريد أن احكم هنا بسلب ولا ايجاب، لكني انقل عبارة صاحب التعليم والإرشاد في وصف التفسير، ثم أفوض الحكم إلى من يعرفون معنى المذهب السلفي معرفة صحيحة وتلخيص عبارة التعليم والإرشاد المنقولة في الأعلام ص ٢٩: (اخذ الالوسي تفسيره من الرازي وأضاف إليه شيئا من أقوال سلف المفسرين دون تمييز بين ما قوى سنده وما وهى - وليس هذا من شأن السلفيين الحقيقيين - وأضاف إليه جملة كبيرة من تفاسير المتصوفة التي صرفوا بها القرآن عن ظاهره - وهذه أشنع من الأولى - فجمع بين الطرق الثلاثة - انظر ما غرضه من ذلك؟. . .)
وأضيف أنا إلى عبارة التعليم والإرشاد: أن المفسر شد الرحال إلى الآستانة لتقديم تفسيره إلى أعداء السلفيين وخصومهم الألداء فتأمل!!!
٧ - التمحل
قال في ص ٩٩: (استمر السيد شكري على الطريقة العوجاء مدة من الزمن حتى برقت له بارقة اليقين. . .) ثم قال: (ولكنه ووا أسفاه لم يستطع يومئذ أن يجاهر بآرائه بل اضطر إلى المجاملة وتستر تحت ستار التقية) فوصف شيخه بالتقية مع أن التقية والمذهب السلفي لا يجتمعان! ثم قال (ومن آيات ذلك شرحه منظومة ركيكة للصيادي في مدح الرفاعي وقدمه إلى عبد الحميد. . .) اهـ. ملخصا.
أقول: أن المرحوم شكريا لا يخلو أما أن شرح القصيدة قبل انتباهه لمذهب السلف أو بعده فان كان قبل انتباهه فهو معذور وعفا الله عما سلف إذن على م اعتذر بالتقية؟ وان كان بعد انتباهه فهناك الويل والثبور! إذ كيف ساغ له مصادمة
стр. 2662
مذهب السلف وهو متلبس به؟ فانظر ما رأى أهل المذهب في ذلك؟!
وما اكتفى الأثري بهذه الجناية التي جناها على أستاذه حتى قال في حاشية الكتاب: (نهج الأستاذ في كتابه شرح القصيدة الرفاعية نهجا أدبيا - مع انه وصفها آنفا بالركاكة! - وليس فيه من أمارات التقنية إلا كونه شرحا على منظومة الصيادي وإلا كونه مقدما إلى عبد الحميد) فما معنى الاستثناء ههنا؟ وهل بقي شيء حتى يستثنى؟ وما وراء عبادان
قرية! ثم قال في الحاشية أيضا: (وفي الكتاب تأييد قصة مد اليد وهي من زيادات الصيادي وليست من الأستاذ كما ذكر لي هو. . .) اهـ المقصود ملخصا.
وههنا أفوض الحكم إلى الناقد البصير! افبعد مثل هذا الخبط يسوغ للمجمع أن يقول في الأثري: (وهو مع كونه ابن لبون استطاع أن يبذ البزل المصاولين)؟!
٨ - عدم التحاشي عما يمس العواطف
جاء في ص ٩٩: (تلك القصة الخرافية التي يعدها الرفاعيون (الحمقى) من خوارق الكرامات) وما ادري كيف طوعت للأثري نفسه أن يصف الرفاعيين بالحمقى مع أن هذه الطريقة لم تسلم منها الأسرة الالوسية ونسي انه في معرض شرح أستاذه للقصيدة الرفاعية! فأي جناية جنى الأثري على أساتذته! وأي شعوذة روج على بعض المغفلين؟! وقد كان في وسعه أن يطوي كلمة (الحمقى) تأدبا لأنه سلاطة اللسان لا تؤدي إلى خير. . .!؟
ومن ذلك قوله عند ذكر القصائد التي ألقيت في حفلة التأبين ص١٠٩: (وتشاعر آخر شيعي لا يستحق أن اذكر اسمه لأنه جاء بشعره متسولا) فانظر هل ثم ضرورة إلى ذكر حادثة المتسول الشيعي؟ وهل لها قيمة تاريخية؟ ولكن بعد كل هذا نجد المجمع العلمي يقول (ولم نجد في كل ما كتبه المؤلف أثرا لغلواء الشباب. . .) مع أن أمثال هذه المناكير لا تصدر عن فكرة شابة!
٩ - لهجة القرون البائدة
جدير بالمؤلف العصري أن لا يدرج في تأليفه ما يبعث الحزازات من
стр. 2663
مكامنها ويوقد نار الضغينة بين الطوائف الساعية إلى التآلف والتآخي وجدير بتلك المبادئ السقيمة أن تهدم بأطراف اليراع إذا لم يمكن هدمها بالفؤوس والمعاول.
فقد جاء في ص١٢٨: (ثم زحف إلى النصرانية والمجوسية فدك عروشهما) وكان في وسعه أن يقول: زحف إلى الروم وفارس. . .
وفي ص ١٤٢ عند تعداد مؤلفات الشيخ: (السادس - صب العذاب على من سب الأصحاب رد على الشيعة) وحالتنا الراهنة في غنى عن كشف النقاب عن هذه الذكريات المؤلمة.
١٠ - التعصب الذميم
ومما يأخذ بيد ما سبق قوله في ص١٣٥: (عرضت على الأستاذ يوما رسالة عنوانها (لغة الجرائد) من وضع رجل نصراني يدعى إبراهيم اليازجي) فانظر ما فحوى قوله (من وضع رجل نصراني يدعى إبراهيم اليازجي)؟ وهو ممن خدم اللغة العربية فله بذلك فضل خدمته، ولا يحط من منزلته كونه مسيحيا لان العربية غير مقصورة على المسلمين بل هي مشاع بين العرب أجمعين.
وجاء في ص١٤٧: (. . . بين فيه سرقات اليازجي وركاكة أسلوبه الذي يفوقه كثير من النصارى على أسلوب الحريري).
١١ - أهانته لأهل وطنه
قال في ص١٨٥: (إن الشيخ لم يجد في بغداد طلابا مستعدين وصار في أواخر أيامه لا يدرس أحدا ولا يجتبي تلميذا ما لم يسبر غوره! إلى أن قال: (ونحن نشكر لحضرة الأستاذ حسن ظنه بنا - هكذا بضمير الجمع -) اهـ المقصود.
والظاهر أن الأثري كان يراسل السيد رشيد رضا بهذا النقص إذ جاء في رسالته المدرجة في ص١٨٥: (ولعل عذر الشيخ انه لم يجد في بغداد طلابا مستعدين ولذلك لم ير له غير تلميذ واحد يرجى أن يكون خلفا صالحا له. . .) وهي مطابقة لعبارة الأثري المنقولة آنفا لفظا ومعنى وذلك لعمري من الخزي الفاضح!!!
стр. 2664
١٢ - السذاجة التاريخية
اعني بها كون المؤرخ خاطب ليل غير مختمر الروية يطمئن إلى كل ما يصادفه في الأوراق المبعثرة! وما يدور على السنة الدهماء دون غربلة ولا تمحيص غير حاسب للقراء حسابا كقوله في ص٢٢ ملخصا: (حفظ صاحب التفسير الآجرومية وألفية ابن مالك وقرأ غاية الاختصار في فقه الشافعية وحفظ في علم الفرائض المنظومة الرحبية كل ذلك عند والده وقبل أن يبلغ السابعة من عمره ثم لم يزل يقرأ عنده حتى استوفى الغرض من علم العربية وحصل طرفا جليلا من فقهي الحنفية والشافعية وأحاط خبرا ببعض المسائل المنطقية والكتب الحديثية ولما بلغ العاشرة من عمره أذن له بالأخذ عن غيره) فهل سمع
القارئ نبأ اعجب من هذا؟
١٣ - عدم التنزه عن البذاءة
جدير بكتاب عصري تحمل تلاميذ بعض المدارس الرسمية على اقتنائه! وتتبع المظان الأدبية فيه! أن يكون منزها عن البذاءة وما يدنس أدمغتهم الغضة وان النفس لتتقزز من نقل العبارة المدرجة في (أعلام العراق) ص٣٧ س١٠ وهي منقولة من مقامات الالوسي فراجعها أن شئت.
١٤ - الجور في الحكم
قال في ص٤٣: (ونسب إليه - أي صاحب التفسير - بعضهم - يعني إبراهيم حلمي العمر - هذه الأبيات الأربعة:
ارض إذا مرت بها ريح الصبا الخ مع إنها من قصيدة لابن عنين في مدح الملك العادل) ثم قال: (ومن الغريب أن أبا الثناء تمثل بهذه الأبيات وأضاف إليها أبياتا أخرى من عنده في مدح السلطان عبد المجيد ولم ينبه عليها) ثم قال (فجاء هذا الكتاب - يعني إبراهيم حلمي - فظنها له فنحله إياها إلى آخر ما قال في حق الكاتب الموما إليه).
أنا لا احب التدخل في هذه القضية بمنزلة راد أو حكم لان صاحب المقالة غير عاجز عن الرد على الأثري وان اختار السكوت! بل احب أن أتدخل بمنزلة مستفت - ولا حرج على المستفتي - فأقول موجها خطابي إلى الأدباء المنصفين: - صورة الاستفتاء -
стр. 2665
(زيد حبر مقالة في ترجمة أحد العلماء النابغين وتعرض في مقالته لذكر ما ينسب إلى المترجم (بالفتح) من الشعر فنقل من بعض مؤلفاته نبذة من قصيدة عزاها المؤلف إلى نفسه إلا إنها كانت تتضمن بضعة أبيات لغيره ولم يشعر زيد أن للأبيات صاحبا آخر لان صاحب القصيدة لم ينبه عليها فحول أي الرجلين تحوم الشبهة؟! ثم أن التضمين أمحدود بشطر أو بيت أم ليس له حد؟ فيجوز للشاعر أن يضمن قصيدته نصف قصيدة لشاعر آخر دون التنبيه عليها! أفتونا مأجورين!) فما أغنى أصحابنا الالوسيين المحترمين عن تأليف مثل هذا الكتاب في عصر الكهربية وأشعة رونتجن!
١٥ - التناقض
قال في ترجمة المرحوم السيد عبد الله الالوسي ص٤٤ (اخذ عن أبيه وما زال عاكفا على المطالعة حتى أصبح علما من (أعلام العراق) يركن إليه في حل المشكلات. . .) ثم عقب ذلك بقوله (وبعد وفاة والده احب أن يعزز مادته ويضطلع في الفنون التي لم يدرسها فركن إلى أحد المشاهير فلم يجد عنده ما يشفي فاعرض عنه) وعقب هذه العبارة بقوله (ثم جلس للتدريس فقصده رواد العلم وعشاق الأدب واستفادوا من علمه الجم وأدبه الغض) اهـ. ملخصا.
فادعى في الفقرة الأولى انه أصبح علما من (أعلام العراق) وفي الثانية انه احتاج إلى تكميل علومه على بعض المشاهير فاعرض عنه وفي الثالثة انه جلس للتدريس واستفاد من علمه الجم كثيرون فهل رأيتم مثل هذا اللون من التناقض؟
وأدهى من ذلك انه قال فيما بعد: (إن الموما إليه أصابته الفاقة فشد الرحل قاصدا الآستانة ولكن قطع عليه الطريق وسلب فرجع إلى بغداد) ثم قال (وبقي في حيرة من أمره إذ كان يمقت التزلف إلى الحكام والتربع في مناصب الحكومة) إذن كيف شد الرحل إلى الآستانة؟ وعلى م شده؟
وقال في أول صفحة ٤٦ (إن الموما إليه عرض عليه القضاء مرارا فاعرض عنه ورعا وزهدا) وفي آخر الصفحة قال (كان الموما إليه في عنفوان شبابه شافعي المذهب فلما تقلد القضاء قلد مذهب أبي حنيفة) وقد مر بك آنفا ما مر فتدبر!
следующие страницы →