Полный текст (6 158 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
أكابر العلماء) وعلى ذلك علق في الحاشية أسماء طائفة من العلماء تحولوا عن مذاهبهم لباعث اجتهادي لا لباعث منصبي، فكيف تم القياس؟ أفمن الإنصاف أن يقرن المجمع العلمي الدمشقي مثل هذا المؤلف بالإمام (ابن القيم)؟!! راجع مجلة المجمع العلمي العربي (٧: ٢٨٢).
٦ - قلة الانتباه
قال في ص ١٤١ (. . . ومن وافق الإمام ابن تيمية والمصلح الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، كالمفسر الالوسي. . .) فادعى هنا سلفية المفسر: ولا أريد أن احكم هنا بسلب ولا ايجاب، لكني انقل عبارة صاحب التعليم والإرشاد في وصف التفسير، ثم أفوض الحكم إلى من يعرفون معنى المذهب السلفي معرفة صحيحة وتلخيص عبارة التعليم والإرشاد المنقولة في الأعلام ص ٢٩: (اخذ الالوسي تفسيره من الرازي وأضاف إليه شيئا من أقوال سلف المفسرين دون تمييز بين ما قوى سنده وما وهى - وليس هذا من شأن السلفيين الحقيقيين - وأضاف إليه جملة كبيرة من تفاسير المتصوفة التي صرفوا بها القرآن عن ظاهره - وهذه أشنع من الأولى - فجمع بين الطرق الثلاثة - انظر ما غرضه من ذلك؟. . .)
وأضيف أنا إلى عبارة التعليم والإرشاد: أن المفسر شد الرحال إلى الآستانة لتقديم تفسيره إلى أعداء السلفيين وخصومهم الألداء فتأمل!!!
٧ - التمحل
قال في ص ٩٩: (استمر السيد شكري على الطريقة العوجاء مدة من الزمن حتى برقت له بارقة اليقين. . .) ثم قال: (ولكنه ووا أسفاه لم يستطع يومئذ أن يجاهر بآرائه بل اضطر إلى المجاملة وتستر تحت ستار التقية) فوصف شيخه بالتقية مع أن التقية والمذهب السلفي لا يجتمعان! ثم قال (ومن آيات ذلك شرحه منظومة ركيكة للصيادي في مدح الرفاعي وقدمه إلى عبد الحميد. . .) اهـ. ملخصا.
أقول: أن المرحوم شكريا لا يخلو أما أن شرح القصيدة قبل انتباهه لمذهب السلف أو بعده فان كان قبل انتباهه فهو معذور وعفا الله عما سلف إذن على م اعتذر بالتقية؟ وان كان بعد انتباهه فهناك الويل والثبور! إذ كيف ساغ له مصادمة
стр. 2662
مذهب السلف وهو متلبس به؟ فانظر ما رأى أهل المذهب في ذلك؟!
وما اكتفى الأثري بهذه الجناية التي جناها على أستاذه حتى قال في حاشية الكتاب: (نهج الأستاذ في كتابه شرح القصيدة الرفاعية نهجا أدبيا - مع انه وصفها آنفا بالركاكة! - وليس فيه من أمارات التقنية إلا كونه شرحا على منظومة الصيادي وإلا كونه مقدما إلى عبد الحميد) فما معنى الاستثناء ههنا؟ وهل بقي شيء حتى يستثنى؟ وما وراء عبادان
قرية! ثم قال في الحاشية أيضا: (وفي الكتاب تأييد قصة مد اليد وهي من زيادات الصيادي وليست من الأستاذ كما ذكر لي هو. . .) اهـ المقصود ملخصا.
وههنا أفوض الحكم إلى الناقد البصير! افبعد مثل هذا الخبط يسوغ للمجمع أن يقول في الأثري: (وهو مع كونه ابن لبون استطاع أن يبذ البزل المصاولين)؟!
٨ - عدم التحاشي عما يمس العواطف
جاء في ص ٩٩: (تلك القصة الخرافية التي يعدها الرفاعيون (الحمقى) من خوارق الكرامات) وما ادري كيف طوعت للأثري نفسه أن يصف الرفاعيين بالحمقى مع أن هذه الطريقة لم تسلم منها الأسرة الالوسية ونسي انه في معرض شرح أستاذه للقصيدة الرفاعية! فأي جناية جنى الأثري على أساتذته! وأي شعوذة روج على بعض المغفلين؟! وقد كان في وسعه أن يطوي كلمة (الحمقى) تأدبا لأنه سلاطة اللسان لا تؤدي إلى خير. . .!؟
ومن ذلك قوله عند ذكر القصائد التي ألقيت في حفلة التأبين ص١٠٩: (وتشاعر آخر شيعي لا يستحق أن اذكر اسمه لأنه جاء بشعره متسولا) فانظر هل ثم ضرورة إلى ذكر حادثة المتسول الشيعي؟ وهل لها قيمة تاريخية؟ ولكن بعد كل هذا نجد المجمع العلمي يقول (ولم نجد في كل ما كتبه المؤلف أثرا لغلواء الشباب. . .) مع أن أمثال هذه المناكير لا تصدر عن فكرة شابة!
٩ - لهجة القرون البائدة
جدير بالمؤلف العصري أن لا يدرج في تأليفه ما يبعث الحزازات من
стр. 2663
مكامنها ويوقد نار الضغينة بين الطوائف الساعية إلى التآلف والتآخي وجدير بتلك المبادئ السقيمة أن تهدم بأطراف اليراع إذا لم يمكن هدمها بالفؤوس والمعاول.
فقد جاء في ص١٢٨: (ثم زحف إلى النصرانية والمجوسية فدك عروشهما) وكان في وسعه أن يقول: زحف إلى الروم وفارس. . .
وفي ص ١٤٢ عند تعداد مؤلفات الشيخ: (السادس - صب العذاب على من سب الأصحاب رد على الشيعة) وحالتنا الراهنة في غنى عن كشف النقاب عن هذه الذكريات المؤلمة.
١٠ - التعصب الذميم
ومما يأخذ بيد ما سبق قوله في ص١٣٥: (عرضت على الأستاذ يوما رسالة عنوانها (لغة الجرائد) من وضع رجل نصراني يدعى إبراهيم اليازجي) فانظر ما فحوى قوله (من وضع رجل نصراني يدعى إبراهيم اليازجي)؟ وهو ممن خدم اللغة العربية فله بذلك فضل خدمته، ولا يحط من منزلته كونه مسيحيا لان العربية غير مقصورة على المسلمين بل هي مشاع بين العرب أجمعين.
وجاء في ص١٤٧: (. . . بين فيه سرقات اليازجي وركاكة أسلوبه الذي يفوقه كثير من النصارى على أسلوب الحريري).
١١ - أهانته لأهل وطنه
قال في ص١٨٥: (إن الشيخ لم يجد في بغداد طلابا مستعدين وصار في أواخر أيامه لا يدرس أحدا ولا يجتبي تلميذا ما لم يسبر غوره! إلى أن قال: (ونحن نشكر لحضرة الأستاذ حسن ظنه بنا - هكذا بضمير الجمع -) اهـ المقصود.
والظاهر أن الأثري كان يراسل السيد رشيد رضا بهذا النقص إذ جاء في رسالته المدرجة في ص١٨٥: (ولعل عذر الشيخ انه لم يجد في بغداد طلابا مستعدين ولذلك لم ير له غير تلميذ واحد يرجى أن يكون خلفا صالحا له. . .) وهي مطابقة لعبارة الأثري المنقولة آنفا لفظا ومعنى وذلك لعمري من الخزي الفاضح!!!
стр. 2664
١٢ - السذاجة التاريخية
اعني بها كون المؤرخ خاطب ليل غير مختمر الروية يطمئن إلى كل ما يصادفه في الأوراق المبعثرة! وما يدور على السنة الدهماء دون غربلة ولا تمحيص غير حاسب للقراء حسابا كقوله في ص٢٢ ملخصا: (حفظ صاحب التفسير الآجرومية وألفية ابن مالك وقرأ غاية الاختصار في فقه الشافعية وحفظ في علم الفرائض المنظومة الرحبية كل ذلك عند والده وقبل أن يبلغ السابعة من عمره ثم لم يزل يقرأ عنده حتى استوفى الغرض من علم العربية وحصل طرفا جليلا من فقهي الحنفية والشافعية وأحاط خبرا ببعض المسائل المنطقية والكتب الحديثية ولما بلغ العاشرة من عمره أذن له بالأخذ عن غيره) فهل سمع
القارئ نبأ اعجب من هذا؟
١٣ - عدم التنزه عن البذاءة
جدير بكتاب عصري تحمل تلاميذ بعض المدارس الرسمية على اقتنائه! وتتبع المظان الأدبية فيه! أن يكون منزها عن البذاءة وما يدنس أدمغتهم الغضة وان النفس لتتقزز من نقل العبارة المدرجة في (أعلام العراق) ص٣٧ س١٠ وهي منقولة من مقامات الالوسي فراجعها أن شئت.
١٤ - الجور في الحكم
قال في ص٤٣: (ونسب إليه - أي صاحب التفسير - بعضهم - يعني إبراهيم حلمي العمر - هذه الأبيات الأربعة:
ارض إذا مرت بها ريح الصبا الخ مع إنها من قصيدة لابن عنين في مدح الملك العادل) ثم قال: (ومن الغريب أن أبا الثناء تمثل بهذه الأبيات وأضاف إليها أبياتا أخرى من عنده في مدح السلطان عبد المجيد ولم ينبه عليها) ثم قال (فجاء هذا الكتاب - يعني إبراهيم حلمي - فظنها له فنحله إياها إلى آخر ما قال في حق الكاتب الموما إليه).
أنا لا احب التدخل في هذه القضية بمنزلة راد أو حكم لان صاحب المقالة غير عاجز عن الرد على الأثري وان اختار السكوت! بل احب أن أتدخل بمنزلة مستفت - ولا حرج على المستفتي - فأقول موجها خطابي إلى الأدباء المنصفين: - صورة الاستفتاء -
стр. 2665
(زيد حبر مقالة في ترجمة أحد العلماء النابغين وتعرض في مقالته لذكر ما ينسب إلى المترجم (بالفتح) من الشعر فنقل من بعض مؤلفاته نبذة من قصيدة عزاها المؤلف إلى نفسه إلا إنها كانت تتضمن بضعة أبيات لغيره ولم يشعر زيد أن للأبيات صاحبا آخر لان صاحب القصيدة لم ينبه عليها فحول أي الرجلين تحوم الشبهة؟! ثم أن التضمين أمحدود بشطر أو بيت أم ليس له حد؟ فيجوز للشاعر أن يضمن قصيدته نصف قصيدة لشاعر آخر دون التنبيه عليها! أفتونا مأجورين!) فما أغنى أصحابنا الالوسيين المحترمين عن تأليف مثل هذا الكتاب في عصر الكهربية وأشعة رونتجن!
١٥ - التناقض
قال في ترجمة المرحوم السيد عبد الله الالوسي ص٤٤ (اخذ عن أبيه وما زال عاكفا على المطالعة حتى أصبح علما من (أعلام العراق) يركن إليه في حل المشكلات. . .) ثم عقب ذلك بقوله (وبعد وفاة والده احب أن يعزز مادته ويضطلع في الفنون التي لم يدرسها فركن إلى أحد المشاهير فلم يجد عنده ما يشفي فاعرض عنه) وعقب هذه العبارة بقوله (ثم جلس للتدريس فقصده رواد العلم وعشاق الأدب واستفادوا من علمه الجم وأدبه الغض) اهـ. ملخصا.
فادعى في الفقرة الأولى انه أصبح علما من (أعلام العراق) وفي الثانية انه احتاج إلى تكميل علومه على بعض المشاهير فاعرض عنه وفي الثالثة انه جلس للتدريس واستفاد من علمه الجم كثيرون فهل رأيتم مثل هذا اللون من التناقض؟
وأدهى من ذلك انه قال فيما بعد: (إن الموما إليه أصابته الفاقة فشد الرحل قاصدا الآستانة ولكن قطع عليه الطريق وسلب فرجع إلى بغداد) ثم قال (وبقي في حيرة من أمره إذ كان يمقت التزلف إلى الحكام والتربع في مناصب الحكومة) إذن كيف شد الرحل إلى الآستانة؟ وعلى م شده؟
وقال في أول صفحة ٤٦ (إن الموما إليه عرض عليه القضاء مرارا فاعرض عنه ورعا وزهدا) وفي آخر الصفحة قال (كان الموما إليه في عنفوان شبابه شافعي المذهب فلما تقلد القضاء قلد مذهب أبي حنيفة) وقد مر بك آنفا ما مر فتدبر!
стр. 2666
١٦ - الولوع بالتبجح
كثيرا ما يرتاح الأثري إلى تلقيب شيخه ب (الأستاذ الإمام) أسوة بالسيد (رشيد رضا)!! استغلالا لهذا اللقب الضخم ولعل ذلك الغاية القصوى من تأليف الكتاب! - والى التعبير عن نفسه بضمير الجمع لغير ما داع كقوله (خزانتنا الأثرية) يعني خزانته الخاصة! وكقوله (سمينا الشيخ بهجة البيطار) تلذذا باسمه! ولو كان في تشابه الأسماء منفعة لنفعتني مشابهة اسمي لاسم شيخه وجد شيخه! - ولكن على رسلك أيها القارئ فان الأمور لابد أن ترجع إلى حقائقها! وقد سئم القلم الجري قبل أن يقضي لبانته إذ كان ما طوى اكثر مما نشر!
محمود الملاح
النصيرية في العراق
ذكر لنا أحد الثقات أن في (تل أعفر) الواقعة بين سنجار والموصل نصيرية، فهم إذن معروفون في العراق، إذ وجدنا لهم ذكرا في عانة أيضاً (راجع مجلتنا ٥: ٣٦٨ و٣٦٩) ومن الغريب أن الذين بحثوا عن أصحاب الأديان والنحل في ديارنا هذه لم يذكروا النصيرية فيها ولا أشاروا إلى وجودهم ولو من طرف خفي.
وبهذا الصدد نذكر ما قال لنا الثقة المذكورة عن
مصير سليمان الأذني
احسن كتاب وضع في النصيرية فكان منهلا اختلف إليه المحققون هو المسمى (الباكورة السليمانية في كشف أسرار الديانة النصيرية) تأليف سليمان أفندي الاذني طبع في بيروت في المطبعة الوطنية إلا انه لم يذكر فيه اسم المطبعة ولا تاريخ الطبع فيها خوفا من أن تتلفها النصيرية بغضة وانتقاما.
وقد قال لنا الثقة أن الرجل المذكور ولد نصيريا في مدينة إنطاكية ثم اسلم فتهود، وفي الآخر تنصر فألف كتابه المذكور. على انه صبأ في الآخر إلى مذهبه الذي ولد فيه، فظن إخوانه انه يفعل هذا الفعل دهاء منه ليتوصل إلى ما لم يتوصل إليه في سنيه الأولى، فنصبوا له أحبولة أسقطوه فيها ثم اغتالوه ولم يذكر لي تاريخ الاغتيال.
стр. 2667
أسئلة واجوبة
السلطان واللاعب بالإبر
الموصل - م. م. س - قرأت في جريدة الزمان البغدادية في عددها ال ١٩ البارز في ٤ ت١ من هذه السنة ١٩٢٧، هذه الحكاية:
(جيء يوما برجل إلى أحد السلاطين ليقوم أمامه بعمل مدهش وكان بيده مقدار كبير من الإبر، فألقى إبرة إلى الأرض بمهارة وهو واقف على قدميه (كذا)، فأنخرزت (كذا بحرفه) الإبرة في الأرض قائمة، ثم ألقى إبرة ثانية فدخل رأسها في خرم الإبرة الأول وهي قائمة (كذا). وهكذا (بحرفه) حتى نصب عمودا طويلا من الإبر (بحرفه). فتعجب السلطان من دقته ومهارته (بحرفه)، وأراد أن يكافئه (كذا) فأمر بان يجلد عشرين جلدة على قفاه (كذا). فاستغرب الحاضرون (كذا) وسألوه عن سبب هذه المكافأة (كذا) الغريبة. فقال: لأنه صرف ذكاءه فيما لا يفيد ولا ينفع. انتهى.)
فهل يمكنكم أن تذكروا لنا اسم هذا السلطان وفي أي عصر كان وفي أي بلد وجد. ثم ما كان اسم ذيالك الرجل الماهر ومن لي بلد كان، والى أي قوم ينتسب؟ ولكم الشطر سلفا.
ج - نعجب من سؤالكم هذا، وكان الأجدر بكم أن تسألوه من صاحب (الزمان) أو ممن سمى نفسه (كشاف) أو (مغربل) أو (طحان). والذي نعلمه أن هذه الحكاية ملفقة من أولها إلى آخرها وكذبها يرشح من كل كلمة من كلمها. لأسباب منها:
١ - عدم ذكر أسماء السلطان والرجل الماهر والبلاد التي وقعت فيها الحكاية والقومية التي ينتسب إليها كل من الملك والصانع الماهر.
٢ - محالية وقوع الأمر. وهل يمكنكم أن تتصوروا وقوع إبرة في خرم إبرة أخرى وتقف قائمة عليها ولا تقع وقوعا أفقيا؟ وهل يمكن أن يتصور
стр. 2668
حاكي الحكاية ما كتبه، وما نطق به. وهل يستطيع هو أو غيره أن يعمل هذا العمل وان تعمده تعمدا وادخل بيديه الإبرة الواحدة في خرم الإبرة الأخرى؟
٣ - تركيب العبارة سقيم وسقمها ظاهر مما أوردتموه. ووضعتم بعد بعض الكلم كلمة (كذا) أو (بحرفه) فهذا الإنشاء الركيك يدل على أن صاحبه ليس بعربي. وقد سألنا عنه فقيل لنا
انه (ارمني من ماردين) شدا العربية وبعض الإنكليزية ولهذا لم يتقن معرفة بعض الألفاظ فكان يجب عليه أن يقول في موضع انخرزت: انغرزت، وأن يكتفي بقوله (وهو واقف) لان وقوف الرجل لا يكون إلا على رجليه. ولا نفهم كيف تدخل إبرة في خرم إبرة وتكون مع ذلك قائمة. ولا نتصور هذا الأمر ولا يمكن تصوره. وان يزيد على قوله: (وهكذا): وهكذا جرى في عمله. وقوله: (نصب عمودا طويلا) لا معنى له. والصواب خطا من الإبر معرجا قائم الوزايا إذ العمود لا يكون إلا شيئا قائما قياما مستقيما ولبس هناك ما يشبه العمود. - وقوله: من دقته ومهارته. صوابه من دقة عمله ومهارته. - وقوله: يكافئه هي في غير موطنها والصواب (يعاقبه) لان ما فعل به الملك هو عقاب لا مكافأة؛ إذ عاقبه على إضاعة وقته سدى. - وقوله: (فأمر بان يجلد عشرين جلدة على قفاه.) هو من الأمور المضحكة. وذلك أن عوام (ماردين من الأرمن) يريدون بالقفا خلف الإنسان أو مؤخره. أما فصحاء لغتنا وعوام بغداد فيريدون بالقفا مؤخر العنق. فهل تتصور أنت يا أيها السائل أن يجلد المرء بالمقرعة على قفاه أي على مؤخرة عنقه. فان كنت تتصور ذلك فنحن لا نتمكن منه. - وقوله: (فاستغرب الحاضرون) ناقص، وكان عليه أن يقول: فاستغرب الحاضرون هذه المعاملة أو هذا العقاب.
٤ - لو فرضنا (محالا) أن هذه الواقعة حدثت، فهل يمكن للعاقل (ولا أتعرض هنا للمجنون أو للمعتوه) أن يتصور وجود ملك وصلت به الحماقة إلى هذه الدرجة حتى انه عاقب رجلا اتفق جميع الحاضرين على الإعجاب بعمله. وكيف يمكن أن يقال أن فلانا أضاع عمره سدى في حين انه حقق (أمرا محالا) أفلا تدل مهارته على انه عرف سنن الموازنة والثقل وقوتي الدفع والجذب، وسائر فروع الطبيعيات والرياضيات؟ حتى فعل مالا يمكن أن يقع البتة - أفلا
стр. 2669
يرى من سرد هذه الحكاية أن الذي أوردها مصاب بسهولة التصديق. وتصديق أمر لا يمكن أن يقع أبدا ولهذا ما سمعنا بأحد قرأ تلك الحكاية الباردة إلا اخذ يقول في نفسه: ما عسى أن تكون حال عقل قاصها؟ وإذا وجد في التاريخ مثل ذلك الملك أفلا يكون جنونه جنونا مطبقا. أو لكونه كان ملكا واتى أمرا منكرا عد عاقلا. فالمجنون كل المجنون هو ذلك الملك لا سواه.
أوضاع جديدة
العمارة - السيد م. ن. ك - قرأت في جريدة الزمان البغدادية في عددها التاسع عشر أنكم وضعتم ألفاظا بمعان جديدة ذكرها من سمى نفسه: (كشاف). فهل هي حقيقة لكم؟ ودونكم إياها على ما جاءت في الجريدة المذكورة:
تقن يعني أستاذ
متبقر - مجمع علمي
محفى - جمعية
متقن - مدرسة
كتوم - سكرتير أو كاتب سر
فيزياء - علم الطبيعة
فسقى - خريج
هلك - جيولوجيا الخ
مزقة - موسيقى
فسلجة - فيزيولوجيا
ج - نحن نستغرب سؤالكم منا وكان الأجدر أن توجهوه إلى كاتب المقالة وتسألوه أين ذكرنا تلك الألفاظ بالمعاني التي يشير إليها. وحينئذ تستغنون عنا. ومع ذلك نقول: وضعنا (تقن) بمعنى مدرس أحد العلوم التي تدرس في المتقن، وأردنا بالمتقن فرعا من فروع الجامعة يدرس فيها بحيث يتقن المتعلم الفرع الذي يتفرغ له. كمتقن الطب والحقوق والهندسة إلى غيرها. ووضعناها لان ليس لنا لفظة تدل على هذا الاصطلاح الجديد. طالعوا في هذا المعنى ما كتبناه في مجلتنا (٤: ٢٣٣ وما يليها)
стр. 2670
ومتبقر ليست لنا. والمحفى هو المجمع العلمي وقد كتبنا في مجلتنا ما لا حاجة إلى إعادته (لغة العرب ٤: ٣٠٦). - والكتوم من وضع اللغويين في معاجمهم القديمة والحديثة فحولنا إليها الأنظار في سؤال وجواب أدرجناهما في جريدة العالم العربي. - والفيزياء من وضع العربي الصميم السيد عز الدين علم الدين ونحن خالفناه في استعمالها (لغة العرب ٤: ٥٠٦ وما يليها). - وفسقى من وضع رجل اسمه عبد المسيح وزيريان (من أرمن ماردين) وقد تصور إنها لنا لأننا قلنا في كلام لنا ورد في لغة العرب (٥: ١٩٢) وهو من سيئ الوضع
ومن عدم تفهم الرجل كلامنا وهو معذور لأنه غريب اللغة. - أما الهلك فهو علم الهلك وهو واضح من استعمال اللفظة بالمعنى الذي هو أشهر من غيره أي علم طبقات الأرض وهو أوفى من قولهم (علم الجيولوجية أو علم طبقات الأرض). - ولم نقل مزقة بمعنى موسيقى بل مزيقة. فلتراجع (لغة العرب ٥: ٩٧). وفسلجة ليست من وضعنا بل من وضع صديقنا السيد عز الدين علم الدين. ونحن لم نوافقه عليها. ووضعنا بازاء الفسيولوجية علم الخلقة (لغة العرب ٤: ٤٨٠).
فترون من هذا كله أن المفتئت مدفوع بعامل نجهل نعته، إذ كل النعوت - مهما كانت - تعظمه. ولهذا ندعه ينعت نفسه بما يشاء وننتظره أن يلقب نفسه بما يهوى لنتابعه فيه.
مصطلحات (قانون تسجيل النفوس)
بغداد - السيد م. خ - قرأت في (قانون تسجيل النفوس) العراقي في ص٢٦ أن الاوطراقجي كلمة تركية معناها الهدومي أفهذا صحيح؟ وماذا يقال لهما باللغات الثلاثة التركية والعربية والفرنسية؟
ج - لا يعرف الأتراك كلمة (اوطراقجي) في لغتهم إذ لم نجدها في أكبر معاجمهم، والذي نعرفه أن الاوطراقجي من وضع أهل بغداد ويراد به بائع الكراسي والمقاعد وحقائب السفر وأنواع أثاث البيت كالكؤوس والفؤوس
стр. 2671
والقدور وبكلمة واحدة: هو بائع خرثي البيت أي أثاث البيت غير الثمين، والكلمة من التركية (اوطراق) أو (اوتوراق) أي المقام والمقعد وأناء البول والبراز، فحول معناها البغداديون إلى كل أداة تتخذ لراحة أهل البيت كما ذكرنا. ثم كسعوها ب (جي) فصارت تركية الصورة بغدادية الوضع والمعنى.
وأما الهدومي فمعناها (بائع الثياب الرثة) وهو مما يؤخذ بالقياس حينما نحتاج إلى مثل هذا الوضع؛ لكن العوام والخواص واللغويين يجهلونها. هذا فضلا عن إنها لا تقابل كلمة (الاوتراقجي) الذي لا يبيع الثياب الرثة فقط، بل يبيع معها الأدوات التي يعتمل بها وأنواع الخرثي غير الثمين الذي يستعمل في البيوت.
والذي عندنا أن (الاوتراقجي أو الاطراقجي أو الاوطراقجي) يقابلها في لساننا الفصيح السقاط (كشداد). قال في لسان العرب: (قال الليث: جمع سقط البيت إسقاط نحو الإبرة والفاس والقدر ونحوها. . . وبائعة السقاط) وذكر صاحب تاج العروس بهذا المعنى
السقطي (كحلبي) قال: ومنه (سري بن المغلس السقطي يكنى أبا الحسن)
والاوطراقجي يسمى بالتركية جرجيجي (والجيمان الأوليان فارسيتان منقوطتان بثلاث من تحت) وبالفارسية -
ذكر كل ذلك شمس الدين سامي في كتابه (رسملى قاموس فرانسوي. فرانسزجه دن تركجه يه لغت كتابي) في الطبعة الثالثة ص٣٣٦. وترى من هذا كله أن واضع (قانون تسجيل النفوس العراقي) مخطئ في ما فصل ونقل.
المذمر
مصر - ن. ق - للإفرنج لفظة تدل على صورة الإنسان إلى كاهله أو إلى عنقه وما حولها إلى الذفرى. ويسمون ذلك فهل تعرفون كلمة تقابلها كل المقابلة؟
ج - هي المذمر (كمعظم) قال الأصمعي: المذمر هو الكاهل والعنق وما حوله إلى الذفري. اهـ. وبعض العصريين سماه (صورة نصفية) وهي في كلمتين لا يمكن أن ينسب إليهما. وارتأى آخر أن يقال سماوة وهي غير موافقة للإفرنجية.
стр. 2672
باب المشارفة والانتقاد
٦٨ - دروس في صناعة الإنشاء
الجزء الأول: تصنيف أبي قيس عز الدين آل علم الدين التنوخي
مطبعة الفرات. بغداد سنة ١٩٢٧ في ١٦٨ ص بقطع الثمن
قررت وزارة المعارف تدريسه في دار المعلمين والمدارس الثانوية
لا يعرف نفع هذا التأليف إلا من وقف عليه. وهو وان وضع لأبناء المدارس، إلا أن الكتبة على أنواعهم يحتاجون إليه، لأنه يطلعهم على صورة التعبير عن أفكارهم بأسلوب يفيد القراء ويمكنهم من أن يكتبوا عن طريقة الأقدمين ليتخذوا طريقة العصريين الطافحة بالفوائد الجمة.
قد يختلف الطلبة إلى المدارس مدة سنين ليدرسوا علوم اللسان، وان أريد منهم إنشاء اسطر أو عبارة من فكرهم ظهر عجزهم وافتضح جهلهم أما متدبر هذا التأليف فلا يأتي عليه إلا يعرف كيف تدون الأفكار وتعرض على أبناء اللغة.
وقد رأينا فيه بعض هفوات مخالفة للغة كما إننا لمحنا فيه ألفاظا حققنا نحن جوهرها وكاشفنا المؤلف بها، فلم ينسبها إلينا ولعل ذلك وقع من باب الذهول من ذلك حقيقة الكسع حاشية صفحة ٣٣ والشبث ح ص٣٤ والصفرد ح ص٤٥ والتعليقات ح ص٥٠ والبسط ح ص٥٥ إلى غيرها.
وذكر اللونيات بمعنى وهذه الكلمة لا توافق اللفظ الفرنجي والسلف عرفها باسم تفاوت اللون، على انهم كانوا يستغنون عن المضاف اليه، حين يكون هناك دليل فيقولون: (التفاوت) - ونقل إلى قوله رتيب ومؤنثها رتيبة. وفسرها في الحاشية بقوله: الأمور الرتيبية ما جاءت على وتيرة واحدة مع أن اللفظة الافرنسية تعني: (ذا نغم واحد) أو (لحن واحد) أو أن شئت فقل: ما لا تطريب فيه ولا لحن ثم توسعوا فيه فأطلقوه على كل ما لا تغير فيه من كل شيء ويكون على نسق واحد ويقابله عندنا السمع ومصدره السماحة
стр. 2673
والسموحة إلا أن المصدر الأخير أوفق لنا لان الأول اشتهر بمعنى الجود والكرم. أما أن السمح هو هذا الذي نريده فواضح من كلام عمر بن عبد العزيز للمؤذن: (أذن أذانا سمحا)
أي من غير تطريب ولا لحن (عن المغرب) وعود سمح لا عقدة فيه.
وفي الكتاب مصطلحات حديثة لا نوافقه عليها وصيغ عربية غير فصيحة، كما أن فيه أغلاط طبع جمة لم تصلح في الآخر، أن في الفرنسية وان في العربية. ومثل هذه التصانيف التي توضع في أيدي الطلبة تفلية احسن تفلية لكي لا يبقى فيها مثل هذه الهفوات. ولعلنا نعود إلى البحث أو نعهد به إلى نقادة خبير.
٦٩ - مرقاة المترجم
للصفوف العالية في اللغتين الفرنسية والعربية، تأليف الأب يوسف علوان اللعازري، المواضيع الأدبية والخطابية، الجزء الثالث والرابع في ١٩٢ ص بقطع ١٦، كتاب المعلم طبع في المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة ١٩٢٧.
نشاط الأب الأستاذ يوسف علوان اللعازري من اعجب ما شاهدناه. ففي مدة وجيزة أتم كتابه الفذ الذي تكلمنا عنه مرارا في مجلتنا (٤: ٢٤ و٢٩٥ و٣٦٣ و٣٦٤ و٥: ٣١١) والآن أتحفنا حضرته الجزأين الثالث والرابع المخصصين بالمعلم فوجدناهما كالتاج الذي يزين مفرق الأجزاء كلها. وإننا لنعجب من سبك عباراته أن عربية وان فرنسية فإنها جامعة بين السلس من الألفاظ وبين أرطبها جدة وطلاوة. فلا جرم أن أجزاء هذا الكتاب كله هي من احسن المصنفات التي الفت في هذا الموضوع، ولابد من أن يقبل على اتخاذه جميع المدارس التي تعنى بتلقين اللغتين العربية والفرنسية، فإنها لا تجد اليوم بين أيديها ما يدلها على أقوم طريق وأخصره لتلقي تينك اللغتين. ومن فوائده انه جمع اقرب الطرق إلى أقصرها إلى أسهلها إلى أوثقها. وكفى بذلك شهادة على حسنه وتفوقه على سائر ما صنف في هذا البحث.
على إننا لا ننكر انه وقع فيه بعض أغلاط لم تصحح في الآخر فقد جاء في
стр. 2674
ص١٢ قوله: الذكر الحنون. ولم يجئ الحنون في لغتنا إلا وصفا مؤنثا للناس والبهائم. والأحسن أن يقال هنا: الذكر المحبوب - وفيها: أن القديس لويس وهنريكس. . . ونحن نفضل أن تروى الأعلام على ما يرويها أهل البلاد وان يقال هنري. أما لو كان المسمى رومانيا فكنا نستحسن أن يقال: هنريكس - وفي ص١٥: لأبدي لك خالص تعلقي. . ونسي الطابع كلمة (بك) بعد تعلقي. - وفيها:. . وأنت متمتع بنضارة الصحة ودوام الرغد. قلنا: ودوام الرغد
من الألفاظ المبتذلة التي لا تصح أبدا. والأحسن أن يقال: وطول الرغد. - وترى في هذه الأمثلة أن هذه الهفوات هي مما تفتفر، بل لا تعد شيئا بالنسبة إلى ما تضمن هذا الكتاب الصغير من الفوائد الجليلة، ولا سيما ما تضمنه من روائع الامثال، وبدائع الأقوال، وأحاسن المواضيع، أن نثرا وان شعرا.
٧٠ - سعد
لأحمد زكي أبي شادي
طبع في المطبعة السلفية في مصر القاهرة في ٣١ ص بقطع ١٢
قصيدتان إحداهما عنوانها (مأتم أمة) وقد أدرجناها في مجلتنا (٥: ٣٣١) فاعجب بها كل من وقف عليها. والثانية (التراث الخالد) وقد نظمت لذكرى الأربعين من وفاة زعيم الأمة المصرية وهي لا تقل عن أختها حنا ومبنى. وكلتاهما من القصائد الخالدة التي تذكر كلما ذكر شعر العصر وبدائعه.
٧١ - تاريخ مدينة زحلة
تأليف عيسى إسكندر المعلوف في ٢٩٨ ص بقطع الثمن الصغير، طبع بمطبعة (زحلة الفتاة) في زحلة (لبنان) سنة ١٩١١.
صديقنا السيد عيسى أشهر من أن يذكر. واختصاصه بالتاريخيات لا يحتاج إلى تعريف. فتأليفه ومقالاته العديدة تشهد بما له من القدح المعلى في هذا الموضوع. بل نقول: أن طلب إلينا أبناء الغرب رجلا عربي اللغة متضلعا من التاريخ ذكرنا له من جماعة مشاهيرنا صاحب تاريخ مدينة زحلة. والواقف على ما بين دفتي هذا التصنيف الحسن يشهد له بالسبق في هذا الميدان كما نعترف له به.
стр. 2675
٧٢ - العصور
مجلة انتقادية في الأدب والعلم والسياسة، محررها وصاحب امتيازها: إسماعيل مظهر، إدارة المجلة بشارع الخليج المصري (ميدان غمرة) رقم ٦٧٠ بمصر.
بينما نرى الإفرنج يسعون في البحث عن الروح وخلود النفس ويغيرون أفكارهم بخصوص ماهيتها نشاهد اليوم عندنا ما يخالف هذا السعي. يقوم إسماعيل مظهر في مصر
لينزع الثمالة الباقية في صدور الشرقيين ثمالة الاعتقاد بالأديان، والدفاع عنها وعن محاسنها ومكارمها فيقول لنا في صدر مجلته بمنزلة آية سعيه: (حرر فكرك من كل التقاليد والأساطير الموروثة (ولا جرم انه يريد بذلك تقاليد الدين وما يسميه أساطير) حتى لا تجد صعوبة ما، في رفض رأي من الآراء. أو مذهب من المذاهب، اطمأنت إليه نفسك، وسكن إليه عقلك، إذا انكشف لك من الحقائق ما يناقضه) وقد عمل صاحب (العصور) بما صدر به مجلته ونشر مقالات هو وأعوانه لهدم كل معتقد ومذهب ودين.
لكن مهلا يا صاح! أن الهدم ميسور، أما البناء فشاق. افتعلم بما أشبهك؟ - أشبهك برجل غني قد ابتنى له قصرا آوى إليه هو والمنتمون إليه وهم فيه آمنون على نفوسهم مطمئنون إلى ما ورثوه من أجدادهم من هذا الصرح المنيع وما فيه من المرافق: وبينما هم كذلك جاءهم واحد وقال لهم: إنكم في بناء متداع وان كانت عيونكم تشاهد الخلاف. ثم قال لهم: والأحسن أن اهدمه لتسكنوا في صرح ممرد. قالوا: أين لنا ما تعدنا به؟ إننا لا نهجر قصرنا ما لم نره بعيوننا. فلم يقنع بما سمع واخذ ينسف ذلك القصر حتى لم يبق فيه حجرا على حجر، وأصبح سكانه المساكين يقاسون طوارئ الجو وتقلبات الهواء من برد إلى حر ومن مطر مدرار إلى صحو شمسه تلفح الأجسام حتى مات أكثرهم، فعلم الفيلسوف حينئذ انه اخطأ في ما توهمه.
فيا أيها الأديب الفاضل: جئنا بدين أو مذهب تطمئن إليه نفوسنا ثم تعال واهدم ما نحن عليه من معتقد آبائنا وتقاليدهم وما تسميه أنت أساطيرهم. أن الآراء التي تبسطها في جزأك الأول البارز في أول سبتمبر يقوض كل بناء
стр. 2676
وينسف كل معتقد وهل يمكننا أن نبقى بلا رأي ولا مذهب ريثما (ينكشف لنا من الحقائق ما يناقضه) ومن يقول لنا: أن ما تأتي به هو الحقيقة، وقد تلونت هذه الحقيقة في نظر العلماء والحكماء والفلاسفة على ممر الدهور؟
وكاتبه الأستاذ محمد خليل اظهر في مقالته (الأمير جم وقصته) من ضعف البصر في التاريخ ما يخجل طلبة المدارس. أفكان يصعب عليه أن يطالع في (معلمة الإسلام) التي يعنى بنشر مقالاتها علماء كبار راسخو القدم في تاريخ الشرق وإخباره، ليقف على الحقيقة وعلى وجه تصوير الحقائق وسردها؟ إلى متى إذن نرسف بقيودنا الوهمية ولا نضارع
علماء الغرب في تحقيق الوقائع وإيرادها على ما وقعت من غير أن نحشوها سما وتعصبا، رياء وخبثا، طعنا ولوما؟
هذا من جهة جوهر المقالات بوجه عام، وأما تعريب بعض الألفاظ الأجنبية وسبك العبارة العربية فيحتاجان إلى إصلاح كبير. فانك لا تطالع صفحة من تلك المقالات إلا تتعثر بما فيها من الغلط الكثير وخطأ الطبع المتكرر ووطء لسان العرب بالمنسم والخف.
على إننا نقول: أن لرأي الكاتب ورفاقه مستحسنين ومهوسين؛ ولا جرم انهم يصادفون من يزمر لهم ويطبل، لان التحرر من الأديان، ومكارم الأخلاق، وطيب الأدب، وحسن المعاملة، هي كلها من قبيل المواءمة (الموضة) في هذا العصر ولهذا لا نستغرب نجاح هذه المجلة عند قوم دون قوم.
٧٣ - دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف
تأليف عيسى المعلوف، طبع في بعبدا (لبنان) سنة ١٩٠٨ في ٧٤٩ ص بقطع الثمن.
عنوان هذا الكتاب يوهم القارئ، لأنه يظن انه يطالع سفرا لا يفيد إلا أسرة المعلوف الكبرى المنتشرة في بلاد الله الواسعة، ولهذا لا يقتنيه؛ إلا أن الأمر على خلاف ما يتوهمه. أن هذا التأليف هو (كتاب تاريخي اجتماعي عمومي يحتوي على وصف الوقائع والعادات والأخلاق والشؤون العمرانية وأصول الأسر الشرقية وفروعها ومشاهيرها ومواطنها ومباحث علمية وجغرافية وإحصائية مذيل بخمسة فهارس) الأول - للمواد والفصول. والثاني - لأهم
стр. 2677
المباحث في المتن والحواشي. والثالث - لأهم حوادث المعلوفين ووقائعهم. والرابع - للأسر التي ذكرت في هوامش واستدراكات الدواني على حروف المعجم. الخامس - للأعلام المكانية.
فأنت ترى من هذا الوصف نفاسة هذا السفر الجليل، وكان المؤلف - حرسه الله - أهدانا منه نسخة في يوم إبرازه للناس، ولما علم إنها سرقت مع ما سرق من خزانتنا يوم سقوط بغداد (في ٧ آذار سنة ١٩١٧) أتحفنا هذه النسخة الثانية مع تاريخ زحلة ونحن نشكر له هذه اليد البيضاء ونتمنى أن يوفق الله له أحد الاجواد يأخذ على نفسه طبع كتاب (الأسر الشرقية) فان أبناء العصر في حاجة ماسة إليه لما حوى من الفوائد التاريخية التي لا ترى في مصنف سواه. والكتاب (دواني القطوف) يدل دلالة صريحة أن المؤلف ابن بجدتها،
ويجدر بكل شرقي أن يقتنيه لما فيه من المباحث المتنوعة المتعلقة بالألفة والعمران والاجتماع لا يتخيل الإنسان انه يراها فيه.
٧٤ - نصيحة ملكة
(لا ذكر لمحل طبعها)
ثلاث رسائل، يقال إنها لماري ملكة رومانية في مدح البهائية. والظاهر من كاتبتها إنها لم تطلع إلا على ظواهر هذا المذهب، لان صاحبه كان يدعي انه جاء لتوحيد الأديان. والذي يحاول تحقيق هذه الدعوى الحدد كالجامع بين النور والظلمة.
٧٥ - البرهان
جريدة أسبوعية اجتماعية فكاهية مصورة، صاحب امتيازها محمد ناجي صالح؛ ومديرها المسؤول مكي جميل المحامي ومدير إدارتها محمد سعيد.
صدرت (البرهان) لتسد مسد (مرآة العراق) التي كانت قد برزت في السنة الماضية فخرج من إعدادها ٣٠ ثم احتجبت وفي ٢٣ تموز من هذه السنة صدر العدد الأول من البرهان وفيها مقالات أدبية شائقة تدل على وقوف كتابها وقوفا
стр. 2678
مكينا على الحركة الفكرية العراقية، بل على الحركة الفكرية العربية وقد طالعنا فيها عدة مقالات نقد. فوجدنا صاحبها ممن يحسن التصرف في القلم (ويضع الهناء موضع النقب) وكفى بهذه المعرفة مقاما عليا لهذه الصحيفة الوضاءة.
٧٦ - الحياة المصورة
جريدة جامعة مصورة تظهر في دمشق (سورية)، صاحب امتيازها ورئيسها كاظم الشمعة. مديرها المسؤول محمد شريف الاسطه.
وافانا العدد ٢ من هذه الجريدة فيها ٧ تصاوير وعدة نبذ متفرقة وورقها ورق جيد صقيل يسبب أغلاطا جمة لان صلابته تكسر ما في الحرف الرصاصي من الرخاوة فقد جاء فيها: المرأة بين الشد والجزر، فللمرأة وحدها لها الحق، ولبعضهن رجاحة في العقل ولا نستأثر. . . في الآراء، وزائدا عن حياضك ونظن أن الصواب هو: بين المد والجزر، فللمرأة وحدها الحق، ولبعضهن رجاحة، ولا نستأثر. . . بالآراء، وذائدا عن حياضك. وعسى أن
يحكم طبعها بعد هذا العدد لكي لا يعثر القارئ في كل صفحة من صفحاتها.
٧٧ - سليمان البستاني لاغناطيوس كراتشقوفسكي
رسالة لطيفة روسية العبارة وضعها صديقنا كراتشقوفسكي للإشادة بذكر أحد كتاب العرب في ديارنا وهو العلامة سليمان البستاني فلقد احسن ترجمته التي وقعت في ١٤ صفحة بقطع الثمن الكبير ونال استحسان الجميع بصنعه هذا.
٧٨ - وصف محراب تكية مزخرفة الزجاج والثريات
للمؤلف المذكور
يتتبع صديقنا الروسي كل بحث يعلي شان الناطقين بالضاد في عيون أبناء الغرب. وهذه الرسالة في ١٥ صفحة بقطع الثمن الصغير مع صورة زجاجية بديعة مخطوطة ومزخرفة وقد بحث عن صاحبها فأجاد في التحقيق والتدقيق ورفع لواء جديدا للصناعة العربية. عامله الله بالحسنى!.
стр. 2679
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - مجلس الأمة في دورته الثالثة
في غرة تشرين الثاني فتح مجلس الأمة دورته الثالثة، فاجتمع الأعيان والنواب في قاعة النيابة وكان عددهم ٩٤ عضوا.
وحضر الاجتماع قائد القوات الجوية البريطانية متولي أعمال المعتمد السامي وكالة ومعه كبار الموظفين البريطانيين وقنصل أميركة وألمانية وتركية وكبار دواوين الحكومة وأرباب الصحافة إلى غيرهم. وفي الساعة العاشرة ونصف دخل جلالة الملك علي رافد مليك العراق بزي الأشراف (بعمامة بيضاء حجازية وجبة سوداء وخنجر في المنطقة) وحوله الوزراء والحاشية الملكية وسائر كبار الموظفين وبعد السلام قرء خطاب العرش. وفيه نظرة عامة في الأمور المهمة التي طرأت بعد الاجتماع الأخير من تعديل المعاهدة والاتفاقيات وتحديد تخوم العراق الشمالية من جهة الجمهورية التركية وصلات ديارنا بالممالك الخارجية والديون العامة والأمور الداخلية إلى غيرها من الإفادات الجمة.
واجتمع الأعيان وكانوا ستة عشر فانتخبوا لهم زعيما رئيسهم السابق يوسف السويدي إذ نال اثني عشر نخبة (أي صوتا). واجتمع النواب في مجلسهم فنال عبد المحسن السعدون إحدى وخمسين نخبة وكان أيضاً رئيسهم في الدورة الأخيرة.
وحالما تم الانتخاب انتصب رشيد عالي الكيلاني وكيل رئيس الوزراء وتلا الإرادة الملوكية الصادرة بتأجيل مجلس الأمة مدة ٤٥ يوما ابتداء من ٢ تشرين الثاني من هذه السنة ١٩٢٧ وكذلك قرأ الهاشمي وزير المالية في مجلس الأعيان تلك الإرادة الملوكية لمثل هذه الغاية ثم انتثر العقد المجتمع
٢ - قنصل تركية
وصل إلى العاصمة في ٢٢ تشرين أول من هذه السنة (١٩٢٧) حضرة طلعت قايا بك قنصل الجمهورية التركية العام.
стр. 2680
٣ - سجون جديدة في العراق
فتح في أول تشرين الأول من هذه السنة ٩٢٧ سجن في الرمادي، وفتح آخر في ١٥ منه في الديوانية، وفي أول تشرين الثاني فتح ثالث في كربلاء.
٤ - مكائن حياكة في السجن
خصصت مديرية سجون العراق العامة ٧٦. ٥٠٠ ربية بجلب مكائن حياكة للسجون.
٥ - تسجيل النفوس
شرعت دائرة تسجيل النفوس بالتقييد منذ غرة تشرين الأول. وقد أنشئ لهذه الغاية نحو سبعين لجنة انبثت في أنحاء شتى وأعضاؤها دئبون في عملهم لإنجاز عد النفوس عدا عاما بالسرعة والضبط اللازمين وعلى الأسلوب العصري الحديث.
٦ - ناظم القنطرة البيضاء
تعنى دائرة الري بإقامة ناظم في القنطرة البيضاء على نهر الحسينية (كربلا) ويزعم المهندسون أن هذا الناظم - إذا تم على الطريقة الفنية المقررة - تؤثر في المستنقعات فيعمل في إزالتها. وبعد ذلك تتوزع المياه على الحقول والزروع بصورة منتظمة غاية الانتظام.
٧ - إحصاء الماشية في الحلة
بلغ ما أحصي من المواشي في لواء الحلة من غرة شباط إلى غاية حزيران ٣١٥. ١٧٠ رأسا من الضان و ٤٤. ٧١٠ رأسا من المعزى، و ٤١٤٠ بعيرا و ٢٧٢١ جاموسا
٨ - دخل سكك الحديد العراقية
بلغ ريع سكك حديد العراق في الأسبوع المنتهي في ١٦ تموز من هذه السنة ١٩٢٧ نحو ١٤١. ٤٤٢ ربية يقابلها ١٣٨. ٩٧١ ربية في مثل هذا الأسبوع من السنة الماضية.
وبلغ دخل سكك الحديد العراقية في الأسبوع المنتهي في ١٠ أيلول سنة ١٩٢٧ نحو ١٧٥. ٨٦٩ ربية يقابلها في مثل هذا الأسبوع من السنة الفائتة ١٨٦. ٩٩٦ ربية.
٩ - عشيرة إسماعيل غريري
غادرت عشيرة إسماعيل غريري ديارها انتجاعا للكلا في فصل الصيف فنزلت أراضي إيران. ولما حاولت العودة إلى لواء السليمانية وطنها الأصلي، طلبت منها الحكومة الإيرانية أداء الضرائب. ولما أبت العشيرة أن تدفع ما أجبرت عليه، وقعت مناوشة بينها وبين جنود إيران انجلت عن جرح بعض الجنود وبعض رجال العشيرة.
стр. 2681
١٠ - المجازون من المدرسة الثانوية
احتفلت المدرسة الثانوية في بغداد في ٣١ آب بإعطاء الشهادات للذين أتموا تحصيلهم فيها. وقد ألقى مدير المدرسة خطبة ذكر فيها تاريخ تحسن التعليم فيها فقال ما هذا بعضه:
كان عدد الطلبة في السنة الأولى (١٩١٩ - ١٩٢٠) ثمانية طلاب، فبلغ في السنة الثانية خمسين، وزاد في السنة الثالثة حتى بلغ أربعة وستين، وبلغوا في السنة الرابعة مائة واثنين وأربعين. أما في سنة (١٩٢٥ - ١٩٢٦) وهي السنة الخامسة فقد بلغ المجموع ثلاثمائة وسبعة وتسعين طالبا. وبلغ السنة السادسة وهي السنة الأخيرة (١٩٢٦ - ١٩٢٧) أربعمائة واثنين وثمانين. أما المجازون فقد بلغ عددهم في السنة الأولى ثمانية، وفي السنة الثانية ثلاثة عشر، وفي الثالثة ثلاثين. وفي الرابعة ثلاثة وثلاثين، منهم ستة عشر طالبا من القسم الأدبي وسبعة عشر من القسم العلمي.
١١ - عودة الأمير غازي إلى لندن
بارحنا سمو الأمير غازي صباح ١٢ أيلول عائدا إلى لندن ليتم دروسه وقد صحبه الشيخ كاظم الدجيلي.
١٢ - العراق يكافح أمراض الحيوانات
في باريس عاصمة فرنسية ديوان يعنى بمكافحة أمراض الحيوانات. ومن الدول التي اشتركت في هذه الدائرة العراق وقد سنت حكومتنا لائحة قانونية بذلك صدقها مجلس الوزراء.
١٣ - الشقاق في الإسرائيليين البغداديين
في حاضرتنا نهضة إسرائيلية جليلة لا تنكر، وللطائفة مجلسان يسمى الواحد بالمجلس
الروحاني والآخر بالجسماني (كذا، أي الدنيوي) وكلا المجلسين يدير بالاتفاق هذه النهضة. وللموسويين مدارس للذكور والإناث، يتردد إليها ألوف من الطلاب منها: مدرسة الاتحاد الإسرائيلي والتعاون والوطنية والمدراش إلى غيرها من الكتاتيب. وكلها بيد هذه الجمعية وهي تجري في عملها على نظام قديم منحته ولها حقوق نالتها بعد السعي العظيم وهي وتخولها وضع ضرائب على أبناء الطائفة لتنفقها في سبيل إنجاح مشاريعها الخيرية.
وفي الأيام الواقعة بين أيام آب وأيلول نشأ خلاف بين ما يسمونه الحاخام باشي (أي كبير الربانيين) وبين المجلسين الديني والدنيوي أي الجسماني والروحاني. يدعي الصير (وهو اسم الحاخام باشي
стр. 2682
عند فصحاء سلفنا) بان انتخاب أخطاء: هذين المجلسين لم يتم على أصول النظام الداخلي ولهذا يعدهم غير شرعيين، ويدعم دعواه هذه بأدلة وبراهين ينقضها الأخطاء المقاومون له الذين نجحوا في خلعه وإبداله بآخر.
١٤ - ديوان وزارة العدلية
تم بناء ديوان وزارة العدلية على طرز بديع وشرع في إنشاء بناية فرعية له في الجهة المناوحة لدجلة.
١٥ - ناحيتان جديدتان
صدرت الإرادة الملكية بإنشاء ناحيتين جديدتين في قضاء الزيبار، التابع للواء الموصل، باسم (الشيروان) و (بيره كبيرة).
١٦ - انقطاع الهيضة
لم تحدث إصابة في البصرة منذ ٩ أيلول ومن أدل دلائل عناية إدارة الصحة بالنفوس أن الهيضة وصلت بغداد ثم أزيلت وأوشك ظلها يتقلص من ربوعنا بفضل التدابير الصحية التي اتخذتها للوقاية منها.
١٧ - بين القاهرة والبصرة وبغداد
تتبدل أوقات الأسفار الجوية بين القاهرة والبصرة منذ ١٥ تشرين الأول من هذه السنة ١٩٢٧ فتنهض الطيارات من مصر الجديدة (هليوبوليس) صباح كل خميس، فتصل بغداد مساء، بعد أن كانت تطير منها عصر الأربعاء وتصل بغداد عصر الخميس. وتغادر
الطيارات بغداد صباح الأحد عوضا عن السبت، فتصل مصر الجديدة مساء الأحد، أي أن السفر بين بغداد والقاهرة يكون في نهار واحد لا غير.
١٨ - إيران تحشد قواها في لورستان
من أنباء إيران في شهر أيلول أن حكومتها تقيم على حشد الجند في لرستان أو (لورستان). والشائع أن في نيتها مهاجمة عشائر اللر الذين يسلبون وينهبون في جوار خرم آباد وبروجرد منذ عدة أشهر. وغاية إيران أن تقضي قضاء حاسما على العصاة الذين عاثوا في الديار الإيرانية فسادا. وقد سار جلالة شاه إيران إلى أذربيجان ليطلع بنفسه على الأحوال العسكرية هناك وكذلك في كردستان الإيرانية وقد عبأت فيها جنودا كثيرة لقمع الثورة التي كانت قد نشبت فيها.
١٩ - المحاكم الشرعية في الحجاز
اصدر جلالة ابن سعود مرسوما بشان المحاكم الشرعية يقضي بعدم التقييد بمجلة الأحكام (الحنفية) في إبراز الأحكام، وبان تكون هذه الأحكام موافقة لجميع المذاهب من غير أن تقيد بمذهب جلالته وهو المذهب الحنبلي.
стр. 2683
العدد ٥٢ - بتاريخ: ١٠ - ١٠ - ١٩٢٧
حريم دار الخلافة وباب التمر في التاريخ
وعدت في (٣٤١: ٥ ح) بعقد كلام (عن باب التمر بالمشروعة) في الجانب الشرقي من بغداد والآن ابر في وعدي.
لا يبعد أن يذهب القارئ الكريم إلى ضياع هذا الاسم التاريخي لعفو تلك الآثار واندراسها لكني أظن انه بقي ذكر لذلك الاسم. ولتعريف هذا الموضوع لابد من البحث عن دار الخلافة وحريمها قبل الدخول في الموضوع. قال معجم البلدان:
(الحريم. . . وبذلك سمي دار الخلافة ببغداد ويكون بمقدار ثلث بغداد وهو في وسطها ودور العامة محيطة به. وله سور يتحيز به ابتداؤه من دجلة وانتهاؤه إلى دجلة كهيئة نصف دائرة وله عدة أبواب:
١ - أولها من جهة الغرب (باب الغربة) وهو قرب دجلة جدا.
стр. 2684
٢ - ثم (باب سوق التمر) وهو شاهق البناء واغلق في أول أيام الناصر لدين الله بن المستضيئ واستمر غلقه إلى الآن.
٣ - ثم باب البدرية.
٤ - ثم باب النوبي وعنده باب العتبة التي تقبلها الرسل والملوك إذا قدموا بغداد.
٥ - ثم باب العامة وهو باب عمومية.
٦ - ثم يمتد قرابة ميل ليس فيه باب إلا باب بستان قرب المنظرة التي تنحر تحتها الضحايا.
٧ - ثم باب المراتب. بينه وبين دجلة نحو غلوتي سهم في شرقي الحريم. وجميع ما يشتمل عليه السور من دور العامة ومحالها و (جامع القصر) - وهو الذي تقام فيه الجمعة ببغداد - يسمى الحريم. وبين هذا الحريم المشتمل على منازل الرعية وخاص دار الخلافة التي لا يشركه فيه أحد. سور آخر يشتمل على دور الخلافة وبساتين ومنازل نحو مدينة كبيرة) اهـ.
وفي المشترك قوله: (حريم دار الخلافة ببغداد وهو مقدار ثلث مدينة السلام بغداد وعليه سور (ابتداؤه) من دجلة (وانتهاؤه) إلى دجلة كهيئة الهلال أو نصف دائرة وله أبواب:
١ - أولها باب الغربة على دجلة.
стр. 2685
٢ - ثم باب سوق التمر باب شاهق البناء واغلق في أول أيام الناصر (أبي احمد العباس) واستمر غلقه إلى الآن.
٣ - ثم باب البدرية.
٤ - ثم باب النوبي وفيه العتبة التي تقبلها الرسل والملوك (وغيرهم) إذا قدموا بغداد (وهي قطعة من عمود رخام ابيض مطروحة أمام هذا الباب طولا).
٥ - ثم باب العامة ويقال له باب عمورية (بين هذين البابين محال يسكنها عامة الناس بينهم وبين دار الخلافة سور آخر فيه عدة أبواب منها:
باب الدوامات، وباب عليان، وباب الحرم وغير ذلك)
٦ - ثم يمتد (السور من باب العامة) نحو ميل لا باب فيه إلا باب بستان (في آخر المأمونية) تحت المنظرة التي تنحر تحتها الضحايا في الأعياد.
٧ - ثم باب المراتب بينه وبين دجلة (من جهة باب الازج) نحو رميتي سهم (وهو من ناحية الشرق) وجميع ما يشتمل عليه السور يسمى (حريم دار الخلافة. فيه محال وأسواق (وخانقاهات) ودور كثيرة للرعية كأكبر مدينة. وبين منازل الرعية وبين دجلة سور آخر دونه دور الخلافة لا يشركه
стр. 2686
فيه شي من منازل غيره) اه.
وفي مراصد الاطلاع. (الحريم. . . فمنه حريم دار الخلافة ببغداد وهو في وسطها عليه سور دائر يتحيز به يبتدئ من دجلة وينتهي إليها ثلاثة أضالع ورابعها دجلة وله أبواب وفي بعضه مساكن للناس يقطع بينه وبين دار الخلافة حائط ممتد يفصل ما بينهما) اه.
وجاء في رحلة ابن جبير وكان في بغداد في سنة ٥٨٠هـ (١١٨٤ م) ما قوله في ص ٢٢٠ من طبعة ليدن:
(ثم شاهدنا. . . مجلس. . . الإمام الأوحد جمال الدين أبي الفضائل بن علي الجوزي بازاء داره على الشط بالجانب الشرقي وفي آخره على اتصال من قصور الخليفة وبمقربة من باب البصلية آخر أبواب الجانب الشرقي. . .)
وفي ص ٢٢٦ (. . . ودور الخليفة مع آخرها (آخر الشرقية) وهي تقع في نحو الربع أو أزيد لان جميع العباسيين في تلك الديار معتقلين (كذا). . . وللخليفة من تلك الديار جزء
كبير قد اتخذ فيها المناظر المشرفة والقصور الرائقة والبساتين الأنيقة. . .)
وفي ص ٢٢٨ (والشرقية حفيلة بالأسواق. . . وبها من الجوامع ثلاثة كل يجمع فيها: جامع الخليفة متصل بداره وهو جامع كبير. . . وجامع السلطان. . . وهو خارج البلد. . . وجامع الرصافة بينه وبين جامع السلطان المذكور مسافة نحو الميل.)
وفي ص ٢٢٩: (وللشرقية (وللجانب الشرقي) أربعة أبواب. فأولها وهو في أعلى الشط باب السلطان ثم باب الظفرية ثم يليه باب الحلبة ثم باب البصيلة. هذه الأبواب التي في السور المحيط بها من أتعلى الشط إلى أسفله. هو ينعطف عليها كنصف دائرة مستطيلة) اه.
وجاء في معجم البلدان في مادة بأقداري: (. . . أبا زرعة ابن المقدسي وكان خياطا يسكن القرية بدار الخلافة) وفيه في مادة القرية إنها محلة في حريم
стр. 2687
دار الخلافة وهي كبيرة فيها مال وسوق. وفي المشترك في هذه المادة أيضاً أن القرية في حريم دار الخلافة وان مؤلفة سكنها. وفي مراصد الاطلاع القرية تصغير قرية محلتان ببغداد أحدهما في حريم دار الخلافة وهي كبيرة فيها محال وأسواق.
وفي تاريخ أبي الفداء (٣: ١٧٠) في حوادث سنة ٦٤٠هـ (١٢٤٢ م) ما قوله في وفاة المستنصر: (وهو الذي بنى المدرسة المسماة بالمستنصرية على شط دجلة من الجانب الشرقي مما يلي دار الخلافة) اه.
باب الغربة هي شريعة المصبغة الحالية
وإذا عرفنا من آبي الفداء أن المستنصرية مما يلي دار الخلافة، ومن ياقوت والمراصد أن القرية في حريم دار الخلافة، وان أول أبواب الحريم من جهة الغرب باب الغربة وانه قرب دجلة جدا يمكنني القول عن القرية أنها سوق راس القرية ومحلة راس القرية الحاليتين. وتعليل إدخال رأس على القرية انه كان يطلق على رأسها ثم أتطلق عليها أو على جزء كبير منها من باب تسمية الكل باسم الجزء ونستنتج من ذلك كله - والمستنصرية قائمة إلى يومنا - أن باب الغربة هو في المشرعة التي نسميها اليوم بشريعة المصبغة وان عندها يبدأ حريم دار الخلافة.
стр. 2688
ولما كان حريم دار الخلافة على شكل نصف دائرة بمقدار ثلث بغداد وان فيه جامع القصر وهو اليوم جامع سوق الغزل وحواليه فلا بد من وصول رأس نصف الدائرة المستطيل
الأسفل عند دجلة في نحو شريعة المربعة الحالية أو فيها.
ويزيدنا ثقة بهذا الرأي وهو انتهاء حريم دار الخلافة في نحو شريعة المربعة أو نحوها ما عرفناه من ابن جبير بقوله أن دار ابن الجوزي (المتوفي في سنة ٥٩٧هـ) على اتصال من قصور الخليفة وبمقربة من باب البصيلة آخر
стр. 2689
الأبواب. وسبب تعييني شريعة المربعة - والمسافة بينها وبين شريعة المصبغة نحو كيلومتر - لما مر بنا من اتساع حريم دار الخلافة ودور الخليفة وغير ذلك. ولما جاء عن مرقد ابن الجوزي الذي قالت عنه سالنامة ولاية بغداد لسنة ١٣١٨هـ (١٩٠٠م) ص٣٧١ انه رواية في بستان اكربوزي وعلى
стр. 2690
رواية أخرى في مقبرة الإمام احمد بن حنبل. ولعل ارجح الروايتين الأولى لأنه لا يبعد أن البستان كان دار ابن الجوزي فدفن فيها. ورأيت مجلدا من كتاب صفوة الصفوة لابن الجوزي كتب في سنة ٦٠٣هـ (١٢٠٦ - ١٢٠٧م) أي بعد وفاته بست سنوات وفي آخره بقلم متأخر لكنه قديم أيضاً أن قبر المؤلف (. . . الواقعة على شاطئ دجلة) وقد أكلت الأرضة مكان كلمتين في الكتاب المخطوط وقد استعضت عنهما بالنقط ولعل إحدى الكلمتين كانت (داره).
شريعة خان التمر
حكيت عن الماضي البعيد توطئة لما بعده وإلى الحال الحاضرة.
في جانبنا الشرقي مشرعة تسمى اليوم (شريعة خان التمر) ويطلق عليها بعضهم شريعة مناحيم دانييل أو بيت دانييل لان لهم على جانبها الجنوبي دارا عامرة بنوها قبل نحو نصف قرن على طراز إفرنجي وهي ذات مسناة على دجلة.
وعلى هذه الشريعة على جانبها الشمالي عرصة تباع فيها أعواد القواق (الحور) لسقف الدور ولغير ذلك يتصل بها خان متداع معروف بخان الدفتردار. والعرصة والخان تحدهما دجلة وللعرصة باب عليها وليس للخان باب عليها. وكان نصف الخان وقفا وفي نحو سنة ١٩٢٠ اشترت الأوقاف النصف الثاني فهو اليوم كله وقف تستغله وزارة الأوقاف (بنت الأوقاف منذ عهد قريب دكاكين في جبهته المستجدة الواقعة بين السوق الذي كان فيه بابه وبين دجلة فالدكاكين تمتد من الشرق إلى الغرب) وكان الخان المذكور متصلا بخان آخر يذخر فيه التمر في عهدنا وبابه في شريعة المصبغة يبعد عن دجلة نحو ثلاثين مترا. ولم
يهمل ذكره جيمس فيلكس جونس في تقرير رفعه إلى
стр. 2691
حكومته عن ولاية بغداد بتاريخ ٩ نيسان سنة ١٨٥٥ (ص٣١٨ من مجموعة تقاريره)
وتلاصق خان التمر المذكور أيضاً قهوة ذات مسناة لها طبقتان وتعرف القهوة اليوم بقهوة المصبغة أو قهوة الشط فهي محدودة بدجلة من جهة الغرب ومن جهة الشمال بشريعة المصبغة التي قلنا انه كان عندها باب الغربة في العصر العباس.
هذا ما كان من أمر الخان والقهوة حتى الربع الاول من سنة ١٩١٦ ثم فتحت الجادة العامة التي تشق المدينة من الجنوب إلى الشمال بتوسيع طرق وأسواق وبخرق دور ووسع السوق الضيق في عرضه ذو المنعطفات وهو الأتي من الركن الشمالي الغربي لجامع مرجان إلى السوق الذي فيه خان الدفتردار وذلك لإيصال الجادة العامة بدجلة على خط مستقيم في عرض وسيع. فمر هذا الفرع المتشعب من الجادة وهو يحاد من جهة الجنوب خان الاورتمة وبابه الجنوبي دون أن يمسهما بأذى ويحاد من جهة الجنوب خان بكر المعروف
стр. 2692
أيضاً بخان الخضيري بعد أن اخذ منه ما استوجبه أمر التوسيع - حتى وصل هذا الفرع إلى خاني الباشا الواقعين في شماله فاخذ منهما ما أريد. وابقي في جنوبه خان البرزللي على حاله ثم وصل (هذا الفرع) باب خان الدفتردار فقطعه وخرق الخان وما هو متصل به من جهته الشمالية فبرزت دجلة أمامه فاستجدت مشرعة واجتمع في طول نحو سبعين مترا ثلاث مشرعات: شريعة المصبغة في الشمال وشريعة خان التمر في الجنوب وبينهما الشريعة التي استجدت.
ومما جاء عما نبحث فيه ما قاله اوليا جلبي في رحلته (٤: ٤٢٠) في تعداده الخانات: (خورمالي خان) (خورما: تمر) بقرب محكمة القاضي. ومن البديهي انه يريد بها ما نعرفه اليوم بالمحكمة الشرعية. وقد ذكرها الشيخ عبد الله السويدي في موضعها الحالي في كتابه النفحة المسكية في الرحلة المكية (١١٥٧هـ - ١١٥٨ - ١٧٤٤م - ١٧٤٥) قال: كنت بالمدرسة الاصفهانية المسماة اليوم المدرسة الاحسائية وهي على شاطئ دجلة الشرقي على يسار محكمة القاضي.) اهـ
стр. 2693
ولما كان تعريف أوليا جلبي لموضع الخان يوافق كل الموافقة لتلك الأنحاء التي ذكرناها ولا تبعد شريعة خان التمر الحالية ما يزيد على ستين مترا عن شمال باب المحكمة فوجود
خان التمر في عهد أوليا جلبي وبقاؤه باسمه إلى عهدنا في موضعه أمر صريح ولا يبعد أن بقي اسم (باب التمر) التاريخي في الشريعة الحالية حتى عهد أوليا جلبي كما حفظ هذا الاسم منذ عهد الرحالة حتى يومنا هذا.
وإذا يقال أن تسمية هذه الشريعة بشريعة خان التمر هي من باب المصادفة والاتفاق قلنا لو صح قولهم فانه نعم المصادفة في هذا الاسم الحلو ولا سيما انه من أهم محصولاتنا الأرضية وأشهاها.
بغداد ١٢ تشرين الاول سنة ١٩٢٧
يعقوب نعوم سركيس
في سجن الثورة
أبيات قالها السيد محمد رضا الصافي النجفي في سجن الحلة عقب الثورة، وخمسها أخوه السيد أحمد الصافي النجفي:
إننا في سوى العلى ما رغبنا ... نملا الكون رهبة أن غضبنا
ما جزعنا للسجن يوم غلبنا ... إن من رام مثل ما قد طلبنا
لا يبالي أن سبق للسجن سوقا
نحن قوم عن العلى ما قعدنا ... حيثما دار كوكب العز درنا
وإذا جار حادث الدهر جرنا ... رخصت عندنا النفوس فثرنا
بطلب العز لا لانا لنبقى
قد خلقنا دون الورى أحرارا ... وامتلكنا التيجان والأمصار
وجعلنا لنا المعالي شعارا ... ولقد سامنا العدو اختبارا
فرآنا نستسبق الموت سبقا
إن ذلي موتي وعزي حياتي ... ما انثنت للعدو يوما قناتي
أنا فرع من دوحة المكرمات ... أنا من أسرة كرام أباة
لا يرون الحياة في الذل أبقى
أنا لما أسرت لم ابد ضعفا ... لا ولم ارج من عدوي عطفا
ولقد قلت والردى بي حفا ... شرع أن يكون موتي حتفا
أو أراني يكون موتي شنقا
стр. 2694
أخبار ملوك قدماء العرب
من بني هود
كنت في شهر أيلول من سنة ١٩٢٧ في باريس ترويحا للنفس وارتيادا للأدب. فتسنى لي أن أذهب إلى خزانتها الكبرى. المعروفة (بخزانة الأمة) فرأيت فيها كتابا مخطوطا قديما مرسوما ب (أخبار ملوك قدماء العرب من بني هود) المنسوب إلى الأصمعي. وقد رسم حروفه اللغوي الذائع الشهرة أبو يوسف يعقوب بن السكيت وأتم نسخه في ٦ صفر سنة ٢٤٣هـ أي قبل وفاته بسنة وكان قد أمر بقتله الخليفة المتوكل.
قلم الكتاب كوفي وقد زيدت الحركات بعد أن خط وهو مع ذلك سهل القراءة. والنسخة محفوظة احسن حفظ وهي مكتوبة على الرق ويبدو لمن ينعم النظر في سطورها، أن بعض المواطن قد حكت لتقويم الكتابة وإخراجها على احسن وجه. وقطع النسخة كبير كما أن الحروف كبيرة.
وبين جملة الأخبار المسرودة في هذا السفر الجليل، قصة بلقيس وهي في ٥٢ صفحة. والوجه الاول الأخير من الكتاب أبيضان. وقد جاء في آخره: (يتلوه كتاب الخيل) إلا أن هذا الكتاب لا يرى في النسخة المذكورة ولعله نزع منها. وصاحب هذه النسخة كان المسيو هنري بونيون قنصل فرنسة في بغداد وهو الذي أهداه إلى الخزانة المذكورة.
٦ تشرين الاول سنة ١٩٢٧
بكنهام (إنكلترا): ف. كرنكو
(لغة العرب): - نتوقع أن يتولى الصديق نفسه طبع الكتاب المذكور فانه عظيم الفائدة لمقام مؤلفه وناسخه ولا سيما لما حواه من الفوائد التاريخية.
زلزلة في البصرة
شعر البصريون في نحو الساعة السادسة من مساء الثاني عشر من تشرين الثاني من هذه السنة ١٩٢٧ بزلزلة خفيفة لم تدم إلا هنيهة من الزمن ولم تحدث أضرارا
стр. 2695
السفن والمراكب في بغداد
في عهد العباسيين
منذ قامت بغداد في جوار الفرات، وتوسدت ضفتي دجلة بعد أن نازعت دمشق أعنة السلطة واستقلت دونها بعرش الخلافة وسرير الملك، تعددت فيها السفن والمراكب وتنوعت في شطوطها الزوارق والقوارب، لاحتياج السكان إليها في الجانبين الشرقي والغربي للعبور من جهة إلى أخرى؛ فضلا عن الخروج للتفرج والتنزه، وارتياد أماكن القصف واللهو. فاتخذها كل ذي سعة وتنافس القوم في اقتنائها على اختلاف في أشكالها وضروبها. وتباين في أوضاعها ورسومها، قال البشاري: (والناس ببغداد يذهبون ويجيئون ويعبرون في السفن وترى لهم جلبة وضوضاء وثلثا طيب بغداد في ذلك الشط) (احسن التقاسيم ص١٢٤).
ولذلك اقبل المرتزقون على الملاحة وتزاحموا عليها حتى اصبحوا أمة لوحدهم بقضهم وقضيضهم. ولما اعرس المأمون ببوران قال الشابشتي (كان يجري في جملة الجرايات في كل يوم على نيف وثلاثين ألف ملاح) (برلين كتاب الديارات ع٨٣٢١ ص٦٨) وكفى بهذا القول دليلا على ما بلغت إليه الملاحة في ذلك العصر.
ولما استفحل الملك وتدفقت سيول الثروة على بغداد فأصبحت (أم الدنيا وسيدة البلاد) (مراصد الاطلاع ١: ١٦٣) عمد أهل الترف والبذخ إلى هذه السفن فتفننوا في بنائها وإتقانها وأبدعوا ما شاءت أبهة السلطان وبطر الغني في تطويرها وتزيينها فأخرجوها على صور شتى وحاكوا بها خلقة الحيوان والطير كالليث والفيل والعقاب والغراب والجراد والدلفين. وقد حفظ لنا أبو نواس بعض هذه الأسماء فقال يمدح الأمين:
ألا ترى ما أعطي الأمين ... أعطي ما لم تره العيون
стр. 2696
ولم تكن تظنه الظنون ... الليث والعقاب والدلفين
ولكن لشؤم الطالع الذي تولى تاريخ الصناعات في الشرق العربي لم ينته إلينا في ما بأيدينا من كتب الأدب والتاريخ شيء من صنعة هذه المراكب وتفصيل عمارتها مع ما كان لها وقتئذ من الخطورة وجلالة الخطب وتعدد دور الصناعة لها في الإبلة ومصر وعكا وصور.
فلابد لنا من الاكتفاء ببعض الإشارات التي نلمحها في الشعر لذلك العهد وان كانت لا تدل على كبير أمر. وقد وجدت لجانب منها ذكرا لا يخلو من بعض الفائدة في شعر أبي نؤاس مرآة البيئة العباسية وهو قوله يمدح الأمين وصف به حراقتي الليث والعقاب:
سخر الله للامين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب
فإذا ما ركابه سار برا ... سار في الماء راكبا ليث غاب
أتسد باسط ذراعيه يعدو ... أهرت الشدق كالح الأنياب
لا يعانيه باللجام ولا السوط (م) ... ولا غمز رجله في الركاب
عجب الناس إذ رأوك على صو ... رة ليث يمر مر السحاب
سبحوا إذ رأوك سرت عليه ... كيف لو أبصروك فوق العقاب
ذات زور ومنسر وجناحي ... ن تشق العباب بعد العباب
تسبق الطير في السماء إذا ما (م) ... استعجلوها لجيئة وذهاب
وقال يمدحه أيضاً:
قد ركب الدلفين بدر الدجى ... مقتحما في الماء قد لججا
لم تر عيني مثله مركبا ... احسن أن سار وان عرجا
إذا استحثته مجاذيفه ... أعنق فوق الماء أو هملجا
قال الاصبهاني راوي الديوان قال أبو هفان (اتخذ محمد (الأمين) الدلفين والغرابية والجرادية والكوثرية) (ص٦٧١ - ٧٧١)
ومما يزيد في نكاية هذا الداء، داء سكوت الكتبة والمؤرخين عن كل ما يتعلق بالمهن والصناعات والحرف والتجارات، أنه لم يتصد أحد من المشتغلين باللغة لأفراد رسالة أو مقالة يستوعب فيها كل أسماء المراكب والسفن وأدواتها
стр. 2697
المتخذة في الإسلام مع شدة الافتقار إلى مثلها اليوم لتفهم بعض المتون والأخبار. ولو شاء بعض رواد الآثار العربية تتبع ألفاظها المحدثة حتى في مظانها من المعاجم وكتب الدخيل والمعرب والمولد لفاته منها جانب غير يسير يراه مذكورا في بعض كتب التواريخ والبلدان والأدب على غير صحة ولا ضبط. وقد سرد منها البشاري وحده نيفا وثلاثين اسما غلب التحريف والخفاء على أكثرها ولكنه لم ينص على موضع استعمال كل منها (احسن التقاسيم ص٣١ - ٣٢)
فلا بأس إذن أن انقل هنا ما يحضرني منها مما مر بي أثناء مطالعتي مقتصرا فيه على ما كان في بغداد وحدها في ما عدا ما تقدم ذكره منها وهي:
الحراقة، والطيار، والشذاة، والشذاءة، والشذاوة، والزبزب، والسميرية والسمارية، والزلال، والشبارة، والحديدي.
ومما يدل تسميها على عراقيتها (الواسطية) نسبة إلى واسط ذكرها البشاري ولاشك إنها كانت ترد أحيانا بغداد. ويلحق بها المراكب الخيطية كانت تعمل بالابلة ويركب فيها إلى الصين (كتاب البلدان لليعقوبي ص٣٦٠). وهنالك أسماء آخر لم أتثبتها أو لم تتصل بنا. وكل هذا الذي نقلته منها صحيح اللفظ مضبوطه ولدي شواهد عليه لا أرى حاجة إلى إيرادها لعدم الخلاف فيها ما خلا (الحديدي) نبه عليه صاحب السعادة احمد باشا تيمور في مقالته الممتعة في تفسير الألفاظ العباسية. قال وهو نوع من السفن ولم اقف على وصفه ولا اعلم أن كان صحيح اللفظ أو محرفا (مجلة المجمع العربي ٢٤٦: ١٩٢٣) فاستدركه عليه حضرة الأب انستاس قال وأظن الصحيح هو الجدي (المجلة المذكورة ص٣٨٢) ولذلك استميح حضرة الأب عفوا في نقل بعض الشواهد على صحة لفظ الحديدي كما حكاه التنوخي في نشوار المحاضرة (ص٢٠٦)
قال محمد بن عبد الملك الهمداني في الجزء الاول من تكملة تاريخ الطبري (نسخة خزانة باريس ع ١٤٦٩)
لما صار ابن رائق بالمدائن أمره الراضي بالانحدار إلى واسط وأضافها إلى أعماله من البصرة وغيرها فكان ابن ياقوت برامهرمز. عازما على التوجه إلى اصبهان
стр. 2698
(فكوتب بالاصعاد فالتقى ابن ياقوت في طيارة وابن رائق في حديدية فسلم كل واحد منهما على صاحبه إيماء من غير قيام) (ص٥٦)
وقال بعد ذلك:
(ودخل البريدي بغداد. . . لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة ٣٢٩. . . وكان معه من الزبازب، والطيارات، والحديديات، والشذاءات ما لا يحصى) (ص٧٩)
وقال أيضاً في حوادث سنة ٣٦٤:
(وراسل عضد الدولة الطائع لله بابي محمد بن معروف حتى استعاده ودخل إلى بغداد في
حديدي جلس على سطحه وخرج عضد الدولة في طياره فتلقاه قريبا من قطيعه أم جعفر وصعد الحديدي وقبل البساط ويد الطائع لله) (١٤٣)
وممن ذكر الحديدي أيضاً غير مرة ابن الفوطي في تاريخه المحفوظ في الخزانة التيمورية ومن العبث الإطالة بنقله. فيكون قد توارد ثلاثة من العلماء والمؤرخين على استعمال هذا اللفظ: التنوخي، والهمداني، وابن الفوطي. ومثل هذا الإجماع كاف في مقام الاستشهاد. ولعل الحديدي سمي كذلك لدخول الحديد في بنائه.
وقد يسبق إلى الظن أن اتخاذ السفن في بغداد كان مباحا وطلقا لمن شاء كيف شاء ولم تكن قط حسبة عليه كسائر الصناعات والحرف. ولكن يؤخذ من شهادة الشابشتي أن بناء المراكب كان مقيدا محصورا ليس في جملته فقط بل في تحديد طوله وعرضه. وهو قوله:
(اشتهى بعض ولد الرشيد التفرج والتنزه في الماء فأراد أن يبني زلالا يجلس فيه فمنعه اسحق (ابن إبراهيم الطاهري خليفة السلطان ببغداد) وقال هذا شيء لا نحب أن نعمل مثله إلا بأمر أمير المؤمنين وإذنه فكتب إلى المعتصم يستأذنه في ذلك فخرج الأمر إلى اسحق بإطلاقه له. فكتب اسحق: (ورد علي كتاب من أمير المؤمنين بإطلاق بناء زلال لم يحد لي طوله ولا عرضه فوقفت أمره إلى أن استطلع الرأي في ذلك (فكتب إليه يحمده على احتياطه ويحد له ذرع الزلال) (الديارات ص ١٤ - ١٥)
стр. 2699
وهذا من أدل الدلائل على ما كانت عليه رسوم الولاية ونظام المعيشة والصناعات في الصدر الاول من العصر العباسي من الاحتياط والضبط وقلة الفوضى في أوقات الدعة والسكون وهو ما يبعث على التحسر والأسف أن لا يكون تعرض أحد من السلف لتدوين خصائص هذه الحضارة الباهرة التي تفردت بها على ضفافي دجلة والنيل الدولتان العباسية في بغداد والفاطمية في مصر.
افالون (فرنسة): حبيب الزيات
(لغة العرب): - من يطلع على هذه المقالة يقدر علم الكاتب. وهو من الراسخي القدم في التحقيق والتدقيق. ونحن نشكره على هذه المقالة البديعة ونستزيده في هذا الموضوع وأشباهه. أما المركب المسمى (الحديدي) فلقد أصاب حضرته المحن. وكنا نحن قد وجدنا (الجدي) في كتاب خطي كان عندنا يقول صاحبه ما هذا حرفة. قال أبو القاسم يحتاج أن
تعرف ألوان المراكب من السفن، والسميريات، والمراكب العماليات، والزبازب، والطيارات، والشذوات، والبرمات، والحراقات، والزلالات، والمالست (كذا)، والكمندوريات، والبالوع، والطبطاب، والخيطيات، والجدي، والجاسوس، والورحيات، والقوارب، والشلملي، والزو. اه
وكنا قد ظننا أن (الجدي) هي من الروايات الصحيحة، لمشابهة هذا الاسم لاسم الحيوان المعروف، لكننا نرى الآن أن الحديدي هو الصحيح ولم يبقى شك في هذه التسمية بعد أن ذكر لنا الكاتب المحقق الشهادات العديدة التي أورد نصها.
(استدراك بخصوص آل قشعم)
قلت في هذه المجلة (١٣٩: ٥) أن أول ذكر عرفته عن آل قشعم في العراق لا يتعدى العقد الثاني من القرن الحادي عشر وفاتني أن كلشن خلفا الذي نقلت عنه الخبر كان قد ذكرهم قبل ذلك. وهذا تعريب ما فيه:
ولما دخلت سنة ٩٥٣ (١٥٤٦م) سار الوالي الوزير (اياس باشا والي بغداد قاصدا البصرة) فزار بطريقه الروضة الرضية لفاتح خيبر (علي بن أبي طالب) لاستحصال الاستعداد للفتح والظفر ثم حرك الوالي ركابه إلى البصرة بعد أن اتلف شيخ آل قشعم الذي كان قد سلك طريق الطغيان مؤذيا الناس في تلك الأنحاء. . .) اهـ
يعقوب نعوم سركيس
стр. 2700
الأيام في المعتقدات
طبع الإنسان على (الحاجة) وهي وسيلة البقاء وعلة الحياة والحاجة رهينة وقت وزمن؛ لذلك اضطر الإنسان منذ القديم أن يحدد زمنه، فسمى الوقت الذي يجري من طلوع الشمس حتى غروبها يوما، وسمى ذلك اليوم باسم خاص ثم توسعت أعماله وكثرت شؤونه وتوفرت حاجاته فاتخذ السنة رأسا ومبدأ لأعماله وأشغاله، وبها قاس الأعمار وكتب التواريخ، ودون الوثائق.
ثم قسم السنة إلى اثني عشر شهرا وسمى كل شهر باسم خاص وقسم الأشهر إلى أسابيع ثم إلى أيام وهذه إلى ساعات فدقائق. . .
وقد جاء في التوراة وفي سفر الخلق - أن الله جل وعلا خلق العالم في ستة أيام واستراح يوم السبت (الشباث) من عناء العمل. وقد أيد القرآن الكريم التوراة في ذلك فقد جاء فيه انه خلق الأرض والسموات في ستة أيام إلا انه لم يذكر انه استراح يوم السبت. وأسماء الأيام كانت معروفة لدى الشمريين والاكديين ثم لدى الارميين ثم اقتبس اليهود أسماء الأيام والأشهر من هؤلاء وورد ذكرها في شريعتهم.
والتشاؤم من الأيام والشهور قديم جدا ويظهر أن التشاؤم من بعض الأيام والشهور كان شائعا بين عرب الجاهلية. نفهم ذلك من حديثين نقلا عن الرسول ﷺ الاول (لا تعادوا الأيام فتعاديكم) والثاني (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولاصفر) ومن المحتمل أن قد جاءهم هذا التشاؤم والاعتقاد بكثير من الخرافات والأساطير من الأمم التي جاورتهم كالرومان والفرس والأقباط والأحباش وعلى الأخص من اليهود الذين انتشروا في الجزيرة واختلطوا بالعرب وهم اكثر الأمم أساطير واعتقادا بالخرافات و (التلمود) وهو من اكبر كتبهم الدينية حجما مشحون عجائب وغرائب.
следующие страницы →