← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

ولم تكن تظنه الظنون ... الليث والعقاب والدلفين ولكن لشؤم الطالع الذي تولى تاريخ الصناعات في الشرق العربي لم ينته إلينا في ما بأيدينا من كتب الأدب والتاريخ شيء من صنعة هذه المراكب وتفصيل عمارتها مع ما كان لها وقتئذ من الخطورة وجلالة الخطب وتعدد دور الصناعة لها في الإبلة ومصر وعكا وصور. فلابد لنا من الاكتفاء ببعض الإشارات التي نلمحها في الشعر لذلك العهد وان كانت لا تدل على كبير أمر. وقد وجدت لجانب منها ذكرا لا يخلو من بعض الفائدة في شعر أبي نؤاس مرآة البيئة العباسية وهو قوله يمدح الأمين وصف به حراقتي الليث والعقاب: سخر الله للامين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سار برا ... سار في الماء راكبا ليث غاب أتسد باسط ذراعيه يعدو ... أهرت الشدق كالح الأنياب لا يعانيه باللجام ولا السوط (م) ... ولا غمز رجله في الركاب عجب الناس إذ رأوك على صو ... رة ليث يمر مر السحاب سبحوا إذ رأوك سرت عليه ... كيف لو أبصروك فوق العقاب ذات زور ومنسر وجناحي ... ن تشق العباب بعد العباب تسبق الطير في السماء إذا ما (م) ... استعجلوها لجيئة وذهاب وقال يمدحه أيضاً: قد ركب الدلفين بدر الدجى ... مقتحما في الماء قد لججا لم تر عيني مثله مركبا ... احسن أن سار وان عرجا إذا استحثته مجاذيفه ... أعنق فوق الماء أو هملجا قال الاصبهاني راوي الديوان قال أبو هفان (اتخذ محمد (الأمين) الدلفين والغرابية والجرادية والكوثرية) (ص٦٧١ - ٧٧١) ومما يزيد في نكاية هذا الداء، داء سكوت الكتبة والمؤرخين عن كل ما يتعلق بالمهن والصناعات والحرف والتجارات، أنه لم يتصد أحد من المشتغلين باللغة لأفراد رسالة أو مقالة يستوعب فيها كل أسماء المراكب والسفن وأدواتها

стр. 2697

المتخذة في الإسلام مع شدة الافتقار إلى مثلها اليوم لتفهم بعض المتون والأخبار. ولو شاء بعض رواد الآثار العربية تتبع ألفاظها المحدثة حتى في مظانها من المعاجم وكتب الدخيل والمعرب والمولد لفاته منها جانب غير يسير يراه مذكورا في بعض كتب التواريخ والبلدان والأدب على غير صحة ولا ضبط. وقد سرد منها البشاري وحده نيفا وثلاثين اسما غلب التحريف والخفاء على أكثرها ولكنه لم ينص على موضع استعمال كل منها (احسن التقاسيم ص٣١ - ٣٢) فلا بأس إذن أن انقل هنا ما يحضرني منها مما مر بي أثناء مطالعتي مقتصرا فيه على ما كان في بغداد وحدها في ما عدا ما تقدم ذكره منها وهي: الحراقة، والطيار، والشذاة، والشذاءة، والشذاوة، والزبزب، والسميرية والسمارية، والزلال، والشبارة، والحديدي. ومما يدل تسميها على عراقيتها (الواسطية) نسبة إلى واسط ذكرها البشاري ولاشك إنها كانت ترد أحيانا بغداد. ويلحق بها المراكب الخيطية كانت تعمل بالابلة ويركب فيها إلى الصين (كتاب البلدان لليعقوبي ص٣٦٠). وهنالك أسماء آخر لم أتثبتها أو لم تتصل بنا. وكل هذا الذي نقلته منها صحيح اللفظ مضبوطه ولدي شواهد عليه لا أرى حاجة إلى إيرادها لعدم الخلاف فيها ما خلا (الحديدي) نبه عليه صاحب السعادة احمد باشا تيمور في مقالته الممتعة في تفسير الألفاظ العباسية. قال وهو نوع من السفن ولم اقف على وصفه ولا اعلم أن كان صحيح اللفظ أو محرفا (مجلة المجمع العربي ٢٤٦: ١٩٢٣) فاستدركه عليه حضرة الأب انستاس قال وأظن الصحيح هو الجدي (المجلة المذكورة ص٣٨٢) ولذلك استميح حضرة الأب عفوا في نقل بعض الشواهد على صحة لفظ الحديدي كما حكاه التنوخي في نشوار المحاضرة (ص٢٠٦) قال محمد بن عبد الملك الهمداني في الجزء الاول من تكملة تاريخ الطبري (نسخة خزانة باريس ع ١٤٦٩) لما صار ابن رائق بالمدائن أمره الراضي بالانحدار إلى واسط وأضافها إلى أعماله من البصرة وغيرها فكان ابن ياقوت برامهرمز. عازما على التوجه إلى اصبهان

стр. 2698

(فكوتب بالاصعاد فالتقى ابن ياقوت في طيارة وابن رائق في حديدية فسلم كل واحد منهما على صاحبه إيماء من غير قيام) (ص٥٦) وقال بعد ذلك: (ودخل البريدي بغداد. . . لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة ٣٢٩. . . وكان معه من الزبازب، والطيارات، والحديديات، والشذاءات ما لا يحصى) (ص٧٩) وقال أيضاً في حوادث سنة ٣٦٤: (وراسل عضد الدولة الطائع لله بابي محمد بن معروف حتى استعاده ودخل إلى بغداد في حديدي جلس على سطحه وخرج عضد الدولة في طياره فتلقاه قريبا من قطيعه أم جعفر وصعد الحديدي وقبل البساط ويد الطائع لله) (١٤٣) وممن ذكر الحديدي أيضاً غير مرة ابن الفوطي في تاريخه المحفوظ في الخزانة التيمورية ومن العبث الإطالة بنقله. فيكون قد توارد ثلاثة من العلماء والمؤرخين على استعمال هذا اللفظ: التنوخي، والهمداني، وابن الفوطي. ومثل هذا الإجماع كاف في مقام الاستشهاد. ولعل الحديدي سمي كذلك لدخول الحديد في بنائه. وقد يسبق إلى الظن أن اتخاذ السفن في بغداد كان مباحا وطلقا لمن شاء كيف شاء ولم تكن قط حسبة عليه كسائر الصناعات والحرف. ولكن يؤخذ من شهادة الشابشتي أن بناء المراكب كان مقيدا محصورا ليس في جملته فقط بل في تحديد طوله وعرضه. وهو قوله: (اشتهى بعض ولد الرشيد التفرج والتنزه في الماء فأراد أن يبني زلالا يجلس فيه فمنعه اسحق (ابن إبراهيم الطاهري خليفة السلطان ببغداد) وقال هذا شيء لا نحب أن نعمل مثله إلا بأمر أمير المؤمنين وإذنه فكتب إلى المعتصم يستأذنه في ذلك فخرج الأمر إلى اسحق بإطلاقه له. فكتب اسحق: (ورد علي كتاب من أمير المؤمنين بإطلاق بناء زلال لم يحد لي طوله ولا عرضه فوقفت أمره إلى أن استطلع الرأي في ذلك (فكتب إليه يحمده على احتياطه ويحد له ذرع الزلال) (الديارات ص ١٤ - ١٥)

стр. 2699

وهذا من أدل الدلائل على ما كانت عليه رسوم الولاية ونظام المعيشة والصناعات في الصدر الاول من العصر العباسي من الاحتياط والضبط وقلة الفوضى في أوقات الدعة والسكون وهو ما يبعث على التحسر والأسف أن لا يكون تعرض أحد من السلف لتدوين خصائص هذه الحضارة الباهرة التي تفردت بها على ضفافي دجلة والنيل الدولتان العباسية في بغداد والفاطمية في مصر. افالون (فرنسة): حبيب الزيات (لغة العرب): - من يطلع على هذه المقالة يقدر علم الكاتب. وهو من الراسخي القدم في التحقيق والتدقيق. ونحن نشكره على هذه المقالة البديعة ونستزيده في هذا الموضوع وأشباهه. أما المركب المسمى (الحديدي) فلقد أصاب حضرته المحن. وكنا نحن قد وجدنا (الجدي) في كتاب خطي كان عندنا يقول صاحبه ما هذا حرفة. قال أبو القاسم يحتاج أن تعرف ألوان المراكب من السفن، والسميريات، والمراكب العماليات، والزبازب، والطيارات، والشذوات، والبرمات، والحراقات، والزلالات، والمالست (كذا)، والكمندوريات، والبالوع، والطبطاب، والخيطيات، والجدي، والجاسوس، والورحيات، والقوارب، والشلملي، والزو. اه وكنا قد ظننا أن (الجدي) هي من الروايات الصحيحة، لمشابهة هذا الاسم لاسم الحيوان المعروف، لكننا نرى الآن أن الحديدي هو الصحيح ولم يبقى شك في هذه التسمية بعد أن ذكر لنا الكاتب المحقق الشهادات العديدة التي أورد نصها. (استدراك بخصوص آل قشعم) قلت في هذه المجلة (١٣٩: ٥) أن أول ذكر عرفته عن آل قشعم في العراق لا يتعدى العقد الثاني من القرن الحادي عشر وفاتني أن كلشن خلفا الذي نقلت عنه الخبر كان قد ذكرهم قبل ذلك. وهذا تعريب ما فيه: ولما دخلت سنة ٩٥٣ (١٥٤٦م) سار الوالي الوزير (اياس باشا والي بغداد قاصدا البصرة) فزار بطريقه الروضة الرضية لفاتح خيبر (علي بن أبي طالب) لاستحصال الاستعداد للفتح والظفر ثم حرك الوالي ركابه إلى البصرة بعد أن اتلف شيخ آل قشعم الذي كان قد سلك طريق الطغيان مؤذيا الناس في تلك الأنحاء. . .) اهـ يعقوب نعوم سركيس

стр. 2700

الأيام في المعتقدات طبع الإنسان على (الحاجة) وهي وسيلة البقاء وعلة الحياة والحاجة رهينة وقت وزمن؛ لذلك اضطر الإنسان منذ القديم أن يحدد زمنه، فسمى الوقت الذي يجري من طلوع الشمس حتى غروبها يوما، وسمى ذلك اليوم باسم خاص ثم توسعت أعماله وكثرت شؤونه وتوفرت حاجاته فاتخذ السنة رأسا ومبدأ لأعماله وأشغاله، وبها قاس الأعمار وكتب التواريخ، ودون الوثائق. ثم قسم السنة إلى اثني عشر شهرا وسمى كل شهر باسم خاص وقسم الأشهر إلى أسابيع ثم إلى أيام وهذه إلى ساعات فدقائق. . . وقد جاء في التوراة وفي سفر الخلق - أن الله جل وعلا خلق العالم في ستة أيام واستراح يوم السبت (الشباث) من عناء العمل. وقد أيد القرآن الكريم التوراة في ذلك فقد جاء فيه انه خلق الأرض والسموات في ستة أيام إلا انه لم يذكر انه استراح يوم السبت. وأسماء الأيام كانت معروفة لدى الشمريين والاكديين ثم لدى الارميين ثم اقتبس اليهود أسماء الأيام والأشهر من هؤلاء وورد ذكرها في شريعتهم. والتشاؤم من الأيام والشهور قديم جدا ويظهر أن التشاؤم من بعض الأيام والشهور كان شائعا بين عرب الجاهلية. نفهم ذلك من حديثين نقلا عن الرسول ﷺ الاول (لا تعادوا الأيام فتعاديكم) والثاني (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولاصفر) ومن المحتمل أن قد جاءهم هذا التشاؤم والاعتقاد بكثير من الخرافات والأساطير من الأمم التي جاورتهم كالرومان والفرس والأقباط والأحباش وعلى الأخص من اليهود الذين انتشروا في الجزيرة واختلطوا بالعرب وهم اكثر الأمم أساطير واعتقادا بالخرافات و (التلمود) وهو من اكبر كتبهم الدينية حجما مشحون عجائب وغرائب.

стр. 2701

أما أسماء الأيام والشهور الشائعة والمتداولة بين المسلمين قاطبة فإنها حدثت أخيرا وذلك بعد صدر الإسلام وأسماء الأيام والأشهر في الجاهلية هي كما يلي: الأحد. الاثنين. الثلاثاء. الأربعاء. الخميس. الجمعة. السبت اوهد. أهون. جبار. دبار. مونس. عروبه. شيار وقد جمعها الشاعر ببيتين: علمت بان أموت وان موتي ... باوهد أو باهون أو جبار أو التالي دبار أو يوافي ... بمؤنس أو عروبة أو شيار الأشهر: المحرم. صفر. ربيع الاول. ربيع الثاني. جمادى الأولى. جمادي الآخرة. مؤتمر. ناجر. جوان. وبصان. ربى. ايدة رجب. شعبان. رمضان. شوال. ذو القعدة. ذو الحجة الأصم. عادل. ناتق. واغل. ورنة. برك والعوام من العراقيين رجالا كانوا أو نساء يتشاءمون من بعض الأيام فيحجمون عن إتيان عمل في بعضها جلبا للخير فتراهم يرغبون في السفر يوم الاثنين ويأخذون الدم (الحجامة) يوم الثلاثاء ويقضون حوائجهم يوم الخميس إلى غير ذلك وحجتهم فيما يزعمون أبيات ينسبونها لأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب وهي شائعة على أفواه العامة: لنعم اليوم يوم السبت حقا ... لصيد أن أدت بلا امتراء وفي الأحد البناء لان فيه ... تبدى الله في خلق السماء وفي الاثنين أن سافرت فيه ... ستظفر بالنجاح وبالثراء ومن يرد الحجامة فالثلاثا ... ففي ساعاته سفك الدماء وان شرب امرؤ يوم دواء ... فنعم اليوم يوم الأربعاء وفي يوم الخميس قضاء حاج ... ففيه الله يأذن بالدعاء وفي الجمعات تزويج وعرس ... ولذات الرجال مع النساء وهذا العلم لم يعلمه إلا ... نبي أو وصي الأنبياء

стр. 2702

واعرف كثيرين من الناس لا يتعممون وهم قعود ولا يلبسون سراويلهم وهم قيام ولا يأكلون السمك يوم السبت ويعزون ذلك إلى قول ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو: (ما تسبتسمكت قط ولا تعمقددت قط ولا تسرولقمت قط فمن أين جاءني هذا البلاء. ومن نظر نظرة لبيب إلى هذه الأبيات الركيكة المتفسخة وهذه الألفاظ المنحوتة من حجر صم الجبال علم أن عليا وهو إمام الفصاحة لأجل من أن يكلف نفسه نظم أبيات مشلولة المعنى والتركيب مثل التي ذكرناها. وأما الألفاظ فلا اشك إنها من دس الإعجام فإنهم رأوا باب النحت في كتب الأدب فنحتوا وما كفاهم ذلك حتى نسبوها إلى أبلغ وأفصح الناطقين بالعربية بلا مدافع. السبت لا يؤكل السمك فيه خشية الفقر والعوز: والنساء يتشاءمن من الذهاب إلى الحمام فيه إلا (الثيب) فإنها تكون (نفاق) أي انه لا بد وان تتزوج والتي هي ذات (بعل) تكون (طلاق) أي انه لا بد من يطلقها زوجها و (البكر) تكون (عواق) أي أنها لا تحصل على بعل. والصيد فيه محمود. الأحد النساء لا يغزلن ليلة الاحد، والمثل السائر على أفواه النساء في منع الغزل ليلة الأحد هو (يا غازلات الأحد ما نهاجن أحد) أي أيتها الغازلات في ليلة الأحد أما نهاكن أحد؟ لا تخاط الأثواب يوم الأحد ومن تجرأ على ذلك أصابه مرض عضال. يستحسن السفر في مساء الأحد والبناء والتعمير. الاثنين يستحسن تقليم الأظافير فيه وقص الشعر وحلق الأذقان وشراء الأثواب

стр. 2703

وخياطتها والذهاب إلى الحمام واخذ (الخيرة) أي - الاستخارة - وتكون على شكلين أما بالسبحة أو بفتح المصحف الشريف. ويستحسن فيه الذهاب إلى الطبيب وخطبة العروس والحجامة - أي اخذ الدم والسفر أيضاً. الثلاثاء لا يجوز خياطة الأثواب والسراويل وغيرها فيه ومن اقدم على ذلك إصابته إحدى الدواهي الثلاث (حريق أو غريق أو موت) ويستحسن فيه اخذ الدم من الجسد وهو المعروف (بالحجامة) الأربعاء لا يعاد المريض يوم الأربعاء في صباحه ولا في مساء اليوم الذي قبله أي مساء الثلاثاء ويعتقدون انهم إذا عادوه يوم الأربعاء ثم مات طالبهم بدمه. يستحسن أكل السمك يوم الأربعاء ومن واظب على أكله أربعين مرة في كل يوم أربعاء هطلت عليه سحاب النعم وتفتحت في وجهه أبواب الرزق والبركة. ولا يذهب النساء إلى الحمام يوم الأربعاء كما لا يذهبن يوم السبت ويعتقدن أن التي تذهب إلى الحمام يوم الأربعاء لابد وان تصاب بنزلة في الرأس. ويستحسن فيه شرب الدواء. الخميس لا يستحسن السفر يوم الخميس مساء ولا في صباح الجمعة والحكمة في ذلك هي لئلا تفوت صلاة الجمعة وهي صلاة مقدسة كغيرها وذلك اتباعا للآية الشريفة (وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله. . . . الآية. . .) وإذا حل ضيف في بيت أحدهم وأراد السفر ليلة الجمعة يمنعه الذين أضافوه لأنهم يعتقدون أن (الرزق) يأتي من الله في ليلة من ليالي الجمع وربما كانت تلك الليلة هي التي يسافر فيها الضيف فيكون قد اخذ الرزق معه ويستحسن فيه قضاء الحوائج وشراء الأشياء. الجمعة السفر مكروه يوم الجمعة لئلا تفوت صلاة الجمعة ويستحب فيه الذهاب إلى الحمام وقص الشعر وتقليم الأظافير وزيارة الأصدقاء والأحبة وقضاء الدين والتزويج وعقد خطبة النكاح وإقامة أفراح العرس.

стр. 2704

الأشهر الأشهر المحترمة والمقدسة عند العوام من المسلمين هي الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان والثالث معظم ومبجل اكثر من كل الشهور لان فيه انزل القرآن الكريم (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن. . . الآية) ولان الله فرض فيه الصوم كله على المسلمين. ومن المسلمين المتقشفين من يصوم هذه الأشهر الثلاثة ويلي شهر رمضان حرمة، شهر ذي الحجة (شهر عيد الأضحى) وقد فرض الله فيه على المسلمين المستطيعين الحج إلى بيته واشام الشهور وانحسها شهر (صفر) ولتشاؤم العرب منه أضافوه إلى الخير فقالوا صفر الخير ليرتفع التطير منه ويعتقد العوام ولاسيما النساء منهم أن كسرت سن النبي فيه وعلله البعض بأنه أول شهر الحل وفيه يرتفع الحرم وقد جرت العادة أن يتصدق العوام على الفقراء في أول يوم من صفر. المحرم وهو شهر حزن ومأتم عند المسلمين كافة وفي اليوم العاشر منه حدثت فاجعة الحسين وآله وذويه وفي اليوم السابع عشر منه جرح الإمام علي أمير المؤمنين ويصوم بعض المسلمين في الأيام العشرة الأولى منه. صفر هو انحس الشهور في الجاهلية والإسلام والعوام يعتقدون أن الأمراض والعاهات والآلام تنزل فيه وان لابد أن يحدث فيه حادث جلل أو مصاب كبير لذلك تراهم يتسارعون في التصدق على الفقراء في أول يوم منه. اليوم الثالث عشر من صفر تعتبر العامة هذا اليوم من الأيام النحسة فيخرج النساء والأطفال وكثير من الرجال إلى الارباض والحدائق والجنان المحيطة بالمدينة ويقضون ذلك اليوم كله في سرور وطرب وهذه العادة جارية في (كربلا) واغلب مدن الفرات. (جنبرسوري) آخر أربعاء في صفر جنبر سوري كلمتان فارسيتان اصلهما (جهار شنبة سوء) أي يوم أربعاء السوء وهو آخر أربعاء من شهر صفر وهو يوم شؤم ونحس عند جميع عامة العراق فإذا اصبح الناس في ذلك اليوم خرجوا جميعا إلى البساتين والحدائق رجالا

стр. 2705

ونساء وأطفالا وقضوا يومهم بالأنس والحبور ومثله السائر على أفواه النساء (جنبر سوري اخذي ازارج ودوري) أي (جنبر سوري خذي إزارك ودوري) ليلة أول يوم من ربيع الاول يودع العوام في هذه الليلة شهر (صفر) المشؤوم وفي مساء تلك الليلة تتطيب النساء ويتزين ويأخذ كل بيت جرة ماء صغيرة (تنكة) فيضعون فيها ملحا وفلسا نحاسيا وقليلا من الماء فيخرج واد من البيت إلى أعلى السطح ويرمي الجرة على قارعة الطريق أو الزقاق وعندما تقع على الأرض وتتحطم يقف النساء والأطفال في البيت ويصفقون قائلين (طلع صفر خش ربيع يا محمد يا شفيع) أي (خرج صفر ودخل ربيع يا محمد يا شفيع) وفي الصباح تهنئ النساء بعضهن بعضا لخروجهن هن وبعولتهن وآلهن من صفر آمنين سالمين. والعرب المجاورون للمدائن يشعلون سعف النخيل ويدورون ويدخلون في الأكواخ في البيوت الحقيرة من الطين ويزعمون انهم بذلك يطردون شهر صفر! أحمد حامد الصراف (لغة العرب): - أن لهذا البحث أصولا قديمة عند البابليين تلذ للقراء مقابلتها ببعض هذه الأوابد التي هي لا قوام بائدين من العراق. البليج بليج السفينة (والبليج وزان سكين) على ما في محيط المحيط للبستاني: (عود طويل تدفع به. معرب بيله بالفارسية) اهـ. قلنا: لم نجد في ديوان من دواوين اللغة العربية هذا المعنى. أما الكلمة الفارسية التي ذكرها فتعني مقذاف السفينة ولا يمكن أن تنقل بصورة بليج بل بصورة (بيلج) والسلف لم ينطق بها. أما البليج فقد ذكرها صاحب (عجائب الهند) بمعنى الغرفة في السفينة ومؤلف كتاب عجائب الهند من أبناء المائة العاشرة للميلاد. والكلمة من اللغة الماليزية من (بيلق) (وزان زبرج) بمعنى غرفة أو مسكن أو خيمة. فانظر كيف أن صاحب محيط المحيط يؤول الألفاظ وكيف تنتقل إلى سائر الدواوين اللغوية اعتمادا عليه وعلى هذا الوجه تفسد لغتنا الحسناء. وما ذلك إلا لأنه ينقل عن فريتغ بلا روية.

стр. 2706

تحقيق بعض أعلام مدن قديمة - تتمة - الجرباء يقول ياقوت الجرباء موضع من أعمال عمان بالبلقاء من ارض الشام قرب جبال الشراة من ناحية الحجاز وهي قرية من اذرح وبينهما كان أمر الحكمين بين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري وروي جربى بالقصر ثم قال: جربى من بلاد الشام كان أهلها يهودا كتب لهم رسول الله ﷺ لما قدم يحنة بن روبة صاحب ايلة بقوم منهم من أهل اذرح يطلبون الأمان كتابا على أن يؤدوا الجزية وقد روي بالمد وقد تقدم. والجرباء اليوم ماءه على يسار اذرح وبجانبها تل ربما كان أنقاض بنايات قديمة ويرى الواقف على هذا التل اذرح أمامه وبجانب التل آثار بناء ربما كانت قلعة أو مخفر. الحميمة (بالتصغير) يقول ياقوت الحميمة بلد من ارض السراة من أعمال عمان في أطراف الشام كان منزل بني العباس ويقولون في مادة الشراة ومن بعض نواحيه القرية المعروفة بالحميمة التي كان يسكنها ولد علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب في أيام بني مروان. ويقول الاصبهاني في ترجمة عيسى بن موسى

стр. 2707

الهاشمي انه ولد ونشأ بالحميمة وكان من فحول أهله وشجعانهم وذوي النجدة والرأي والبأس والسؤدد منهم ثم قال: (استدعى عيسى بن موسى مولاه عبد الرحمن بن مالك ليلا من داره وهو بالحيرة وقال له سمعت الليلة في داري شيئا ما دخل سمعي قط إلا ليلة بالحميمة والليلة فانظر ما هو فدخلت استقري الصوت فوجدته في المطبخ فإذا الطباخون قد اجتمعوا وعندهم رجل من أهل الحيرة يغنيهم بالعود فكسرت العود وأخرجت الرجل وعدت إليه فأخبرته فحلف لي انه ما سمعه قط إلا تلك الليلة بالحميمة وليلته هذه). والحميمة اليوم أنقاض قرية كبيرة تشابه في مبانيها وأشكالها اذرح كل المشابهة وفيها مياه خربت مجاريها وقنيها فاستحالت إلى مستنقعات وبطائح ويوصل إليها من طريق معان إلى العقبة بعد أن تجتاز بئر أبي الأسل بساعة يأتي رأس النقب وهو منتهى الشراة (٧) ومن هناك تأخذ بالانحدار إلى مضيق سلسلة جبال العقبة وفي هذه النزلة عن يسارك على بعد قليل تبدو لك الحميمة ملاصقة لحدود حسمى وتمتد حسمى من تبوك إلى أول التيه ومن العقبة إلى رأس النقب. ولا يسكن الحميمة اليوم ساكن ويملكها صياح أبو نوير من الحويطات هذا ما علمته من أمر هذه المواضع الثلاثة التاريخية وفوق كل ذي علم عليم. حيفا: عبد الله مخلص

стр. 2708

السليفانية - زارني في اليوم ١٧ من شهر آذار من سنة ١٩١٨ رجل غريب الصورة واللباس وجرى لي معه حديث يفيد من يحب الوقوف على أحوال الناس وأخلاقهم وأجيالهم. وأنا اكتب هنا ما دار بيني وبينه من الكلام: الغريب: جئت لا تعرف بك لأني سمعت باسمك فاشتقت إلى مجالستك. هل يمكنني أن اعرف اسمك ومقدمك وقومك؟ غ - اسمي جتو بن حمو، كردي من السليفانية وقد قدمت إلى هذه الديار للبيع والشراء. وأجبرني الشرطي على مواجهة المس بل وهي التي أرسلتني إليك من بعد أن كلمتني نحو ساعة وسألتني أسئلة مختلفة لتقف على كنهي وسبب وجودي هنا؛ ثم قالت لي اذهب إلى الأب انستاس مع هذا الرجل وهكذا اهتديت إليك وإلى مقرك. أن كنت كرديا فكيف تتكلم العربية؟ غ - معاطاتي لأشغال البيع والشراء أدت بي إلى الذهاب إلى الموصل وأنحائها وتعلمت بعض العربية وبعض التلكيفية. أين موقع بلادكم؟ غ - نحن في سهل محاط بالجبال وهذا السهل يمتد من السميل (وزان قبيط) إلى بيشابور، أو أن شئت فقل: من (ثم الكلي) - (وهو مبدأ الطريق من زاخو أو الجزيرة (جزيرة عمر) إلى الموصل). و (ثم الكلي) واد واسع اتخذ طريقا لأصحاب القوافل. - كم عدد قراكم ونفوسكم؟ غ - تبلغ قرانا اكثر من مائة. وعدد أهل القرية الواحدة يختلف بين ٢٠ إلى ٤٠ إلى ٦٠ نسمة فيكون مجمل نفوسنا يتراوح بين خمسة آلاف وستة آلاف نسمة.

стр. 2709

- ما لغتكم؟ غ - الكردية. وكثير منا يعرف العربية وربما وجد بيننا من يعرف قليلا من السريانية العامية. - ما ديانتكم؟ غ - الإسلام وجميعنا سنيون على مذهب أبي حنيفة. - ما صناعتكم؟ غ - الزراعة ورعاية المواشي. ونزرع الحنطة والشعير والرز والسمسم والدخن والماش والعدس إلى غيرها. - هل انتم من اصل كردي صميم؟ غ - أني سمعت أقوالا متضاربة في أصلنا. فقد سمعت جدي يقول انه سمع من والده ووالده نقل عما سمع عن شيوخ كثيرين: أن أصلنا نصارى ولسنا من أهالي هذه البلاد، بل جئنا إليها من أنحاء ديار الشام ولهذا ترى في دم بعضنا الدم العربي وفي آخرين الدم الإفرنجي وفي كثيرين الدم الكردي وفي جماعة الدم الكلداني. فنحن خليط من عناصر شتى كنا في الأصل نصارى ثم اهتدينا إلى الإسلام قبل نحو ثلاثمائة أو أربعمائة سنة حين تسلط الأتراك على هذه الديار. هل بينكم نصارى؟ غ - من يقل (سليفاني) ينف عن نفسه أي دين كان والحمد لله إلا انك ترى في جوارنا نصارى عديدين لكنهم لا يسكنون قرانا. فأهل بيشابور نصارى كلدان وكذلك ترى نصارى كثيرين في زاخو والجزيرة وهم يترددون إلينا ثم يرجعون إلى مواطنهم. أرى ملبوسكم لا يشبه ملبوس سائر الناس. فما أسماء ملابسكم هذه؟ غ - ملبوسنا يسمى الشل والشبك. أما الشل فهو هذا الذي نلبسه على قسم جسدنا الأعلى. وهو يشبه الستري ينحدر من الكتفين إلى الحقوين. وأما الشبك (وتلفظ بشين مثلثة مفتوحة وباء مثلثة تحتية أو باء فارسية مشدودة مضمومة وفي الآخر كاف) فهو نوع من السروال الواسع عريض الأسفل من جهة الرجلين وكل من الشل والشبك متخذ من

стр. 2710

الصوف الخالص ومن عمل ايدينا؛ لاننا لا نشتري شيئا غريبا يدخل في لباسنا ولابد من الصوف لان بلادنا باردة - ونلبس في راسنا الطاقية وهي كما تراها (راجع وصفها في مجلتنا ٢: ٢٨٢ وما يليها) ونلف عليها اليشماغ (راجع مجلتنا ٢: ٥٠٨ وما يليها). أما كبارنا فيشدون العقل برؤوسهم (واحدها عقال) وبأرجلهم يلبسون الأحذية. ومنهم من يحتذي الجاروخ (راجع لغة العرب ٣: ٢٣٧) ويسميه بعضهم كالك أما الحذاء فاسمه عندنا بيلاف ونساؤنا يلبسن ثياب سائر الكرديات. - هل عندكم من يتعاطى قطع الطرق أو ما كان من هذا القبيل؟ غ - الأشرار موجودون في كل بلد وأمة. فقد قتل واحد منا عدة رجال في ليلة عرس قبل نحو خمس سنوات. - هل عندكم من يحسن القراءة والكتابة؟ غ - ربما وجد واحد أو اثنان في القرية الواحدة. والآن تهتم الحكومة بفتح المدارس لتعميم العلم في القرى الكبيرة. هذا معظم ما استفدته من جتو بن حمو. وفي هذه الأيام تعرفت بنصراني كان يتعاطى البيع والشراء مع هذا الجيل فسألته مثل هذه الأسئلة لأرى موقعها من الصحة فلم أر فرقا بين ما سمعت من السليفاني وبين ما سمعت من النصراني ثم ذكر لي هذا الأخير أن السليفانية قد يقطعون الطرق إذا ضاقت بهم الحال. فقد قتلوا قصابين نصرانيين صبيا وأباه سنة ١٩١٩ ليأخذوا ما عليهما من الدراهم وكانت شيئا كثيرا إذ ذهبا إلى ديار السليفانية ليشتريا بقرا وغنما. وهم كثيرا ما يتعرضون للذين يترددون بين زاخو والسميل في مكان يعرف باسم (مروني) فقد سلبوا قافلة نصرانية من تلكيف. وكان اسم السارق الكبير أو اسم العقيد (عبوش بن عبدي غزالة) وكان اسم رئيس القافلة (كرومي جبو) فشكاهم وحصل ماله كله. وهجم عسكر الحكومة العراقية على بيت عبوش فهرب هذا بعيدا عن دياره مدة خمس سنوات وبيعت جميع عروضه في أسواق زاخو.

стр. 2711

وفي سنة ١٩٢٥ قتلوا مسيحيا بين (قرقورة) وبين (بات القوس) - لان النصراني أبى أن يبيع ثيابا (أقمشة) بالدين. ويسمون هذا النوع من الثياب بروك رأينا في أصلهم قول جتو أن اصل جيله خليط من نصارى عرب ومن دخلاء الإفرنج قول يؤيده معنى كلمة سليفانية. فهي عندنا منسوبة إلى سليفانا وهي تصحيف صليفانا ومعناها في اللغة الارمية الصليبي لان الباء تلفظ في لسان الكرد قاء مثلثة كالحرف الإفرنجي ولهذا نعتقد بصحة قول الرجل أي أن اصل جيله من النصارى أو انهم طائفة من (الصليب) وهم بقايا من عرب سورية كانوا نصارى في الأصل ثم نكبوا نكبات شتى فأقاموا في البادية وانضم إليهم إفناء بعض القبائل الأخرى أو بعض نفايات الإفرنج فصاروا إلى ما هم عليه اليوم، فاسمهم يدل علمانهم كانوا نصارى في القديم. الابلة الابلة: (بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى، في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة. وهي اقدم من البصرة، لان البصرة مصرت في أيام عمر بن الخطاب (رض) وكانت الابلة حينئذ مدينة فيها مسالح من قبل كسرى وقائد) (ياقوت) والاسم قديم كان معروفا في المائة الرابعة قبل المسيح، وقد ذكره نيارخس الرحالة بصورة ابلجس وقد ذكر عن هذه المدينة أنها مستودع بياعات خليج فارس: وقد وهم ارتليوس في ظنه أنها (تردن أو تردم أو تدمر) أي البصرة في هذا العهد.

стр. 2712

غادة بابل ٤ - شقت الشمس أهاب الظلام وأرسلت أشعتها على قصور بابل وهياكلها زجنات الفرات ومزارع دجلة فهب البابليون من النوم للعبادة والأعمال من تجارة وزراعة وصناعة وتثقيف العقول في المدارس إلا شميرام فإنها تأخرت في فراشها ذلك اليوم لأنها قضت ليلها حتى الهزيع الأخير منه بين الهواجس والآلام والأشباح: فكانت تارة (تستلقي على فراشها الوثير وتسند رأسها إلى ذراعها المزينة بأساور الذهب مفكرة بشمشو، وطورا تضيق نفسها فتترك غرفة النوم وتناجي النجوم وتسامر الكواكب وترقب حركاتها في أفلاكها وترصد الأبراج والأجرام السماوية وتتذكر ما قرأته عن مفاعيلها في الألواح (وحي بل) المدونة منذ عهد شركسنشاري ملك أجد. ولم يزر الكرى أجفانها إلا بعد عناء شديد نهك قواها وأذاقها مضض السهاد والأرق وكان نومها أشبه شيء بإنخطاف الروح أو بغيبوبة عن الشعور. أتت أمها وأيقظتها فانتبهت مذعورة وكأن لسان حالها ينشد: كليني لهم يا اميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب ثم ذهبت إلى الهيكل لاستشارة العرافة الشهيرة (زخنتم) الواقفة على علم الغيب والقادرة على اسر القلوب بسلاسل الحب وبكتابة الرقي. فتوجهت توا إلى دار العابدات الحبيسات الملاصقة للهيكل فرأتهن عاكفات على أعمالهن. وهن خمس فرق. لكل فرقة منهن منزلة وعمل. ولهن أنظمة خاصة بهن وتباح لهن التجارة ولا مانع لهن من عقد العقود. وهذه هي فرقهن (انتو) الأخت المقدسة، (اشيباتو) الكاهنة، (زيكرو) السرية المقدسة، (قدشتو) المرأة المنذورة، (زرمشيتو) عذراء الهيكل.

стр. 2713

بعد أن سلمت عليهن أخذتها إحداهن إلى (الانتو) زخنتم وهي امرأة عجوز أرعشها الكبر وتقوست قناتها واشتعل رأسها شيبا درداء متغضنة الجلد قحلته. فأخذت شميرام تقص عليها حديث لشمشو وإعراضه عنها وتعلقه بغيرها من بنات بابل وطلبت منها أن تسخر علمها فتسأل الآلهة أن تأسر قلبه بحبها وتقصيه عن عشيقته الأخرى. فأطرقت زخنتم طويلا وأخذت تتمتم ألفاظا سحرية كأنها تناجي الأرواح أو الإله ثم سألتها عن اسمها واسم عشيقها ويومي ولادتهما ورجعت إلى رقيم أخذته من رقم كانت بجانبها ورأت فيه بعض الخطوط وحساب ولادة القمر وقرانات النجوم والبروج وسمت الشمس ثم التفتت إلى شميرام وقالت لها: حبيبك رجل عنيد، شديد المراس، ولكنه صريع العشق قد ساد حب غيرك على قلبه وليس من الهين نزع هذا الحب المستحكم في كل جوارحه. وسيلاقي من جرائك الأمرين وتلتف حواليه البلايا من يد سحرية قوية إلا انه لا يتوصل إلى الزواج من حبيبته، بل تموت كمدا والما ويبقى هو بلا زواج عهدا طويلا ثم يأخذك مسيرا بالأقدار غير مخير وتعيشين معه آمنة مطمئنة سعيدة حتى الموت. صمتت زخنتم وأخذتها رعشة وغارت عيناها وهي تنفث وتزفر وقد زبد شدقها وانتفخت أوداجها ثم همدت تلك الوقدة منها وقبعت في جلدها وظلت شاخصة بنظرها كأنها تقرأ كتابة سحرية تخطها يد سحرية على لوح الأقدار ثم استأنفت تكهنها قائلة دون رغباتك بنيتي أسرار وعقبات وأهوال. ألم تشفع بك الآلهة وترأف بك تهدم آمالك ويضوي شبابك وتقصف أيامك. فاسترضي الآلهة بالنذر والقرابين. ثم اعزم لك واكتب رقية تعالي غدا تجديها مجهزة لأني اليوم قلقة البال حزينة للفاجعة التي نزلت بإحدى الحبيسات اللواتي ساقتها الأرواح الخبيثة إلى حانة فشربت مسكرا متخذا من عصير التمر مسكرا وآخر من الشعير ودفعت الثمن فضة عوضا عن أن تدفعه شعيرا فأنقصت البائعة سعر المسكر فحكم العدل على الحبيسة أن تحرق حية قصاصا لها على اجترائها على الدخول إلى الحانة وحكمت على البائعة، لقبولها الفضة عوض الشعير ولإنقاصها ثمن المسكر، بإلقائها

стр. 2714

في الماء. على ما جاء في شرائع ملكنا حموربي العظيم. وقد ألقيت الأخت المقدسة في الأتون واحترقت. وقد اثر فينا هذا القصاص كل التأثير وألقى الرعب في قلوبنا. فهمت شميرام بالانصراف إلا أن العرافة زخنتم أوقفتها وقالت لها لا تنسي النذر فاذهبي الآن به إلى مخزن القرابين في الهيكل. وها انك ترين على الباب إحدى السراري المقدسة (زيكرو) فتأخذك إلى ذلك المخزن. فأخذتها السرية المقدسة وسارتا جنبا إلى جنب في تلك الدار فوصلتا إلى باب غرفة فتثاقلت عنده السرية وقالت لشميرام ألا تتوقعين إلى مشاهد الخدر الإلهي حيث ينحدر الإله ليلا فيقدس العذراء التي يختارها من بنات بابل. وكانت شميرام تتلظى شوقا إلى زيارة ذلك الخدر الإلهي الذي تتحدث به الألسنة في بابل. فدخلتاه ودهشت شميرام لما رأت فيه من الأثاث الفخم والرياش الزاهر الزاهي. هناك أريكة من الفضة المرصعة بالعاج تمثل صيد الخنازير في مستنقعات الفرات الأدنى وأرجلها تمثل اسود جاثمة ومسرجة من الفلز وفيها قطع متدليات من اللازورد والعقيق. وجام من الذهب الإبريز قد نقش عليه صورة عقاب ناتئة تنقض على طائر تفترسه. وقارورة من الصلبي القاتم متقن الصنع مصورة فيه أشكال هندسية. وسرير من خشب الأرز المجلوب من لبنان وعليه فراش وثير كبير من حرير ملون ألوانا زاهرة وعليه وسادات ونمارق من صنع (صور) مزخرفة مرقشة. وإلى جانب السرير خوان من ذهب). وكانت السرية المقدسة تحدث شميرام عن العرائس الإلهية أو السراري المقدسة بالتلميح والتلويح لما كان يخامرها من الشك والارتياب من أمر زيارة الآلهة ولما كانت قد اطلعت عليه من تدليس الكهان وحيلهم وقالت لها أريد أن آخذك إلى الهيكل ذهاب من النفق السري فالدهليز الخفي الذي يفضي إلى المقدس. ورفعت طنفسة من تحت السرير فنزلتا سلما ذات ثلاث مراق في ظلام حالك وبعد أن سارتا قليلا لم تشاهد شميرام نفسها إلا في المقدس فعرجتا على دار المؤن والقرابين.

стр. 2715

وما أدراك ما دار القرابين؟ هي دار يتجمع فيها من الصقع كله البر والشعير والذرة والسمسم والمواشي والأنعام والدجاج وأنواع الطير من حمام ويمام وغيرهما بل هناك العسل والزبد والخمر والدبس والتمر والفواكه والأحجار الكريمة والمعادن الثمينة والأنسجة الغالية ومن هذا الدخل ما يأتي من عقارات الهيكل ومنه من الزكاة ومنه من النذور. فيرتع الكهان ورجال الدين في بحبوحة هذا النعيم باسم الآلهة وعلى حساب الأرواح. ويستغلون بهذه الحال تعب الفلاح وربح التاجر وجهود الملاك ودموع البائس وتنهدات الأرملة فلم ترتح شميرام إلى مظاهر الوثنية وفريات الكهان وشعوذتهم وحدثتها نفسها الثائرة بان تقلع عن الشغف بشمشو وتدع المقادير تجري في أعنتها كأن شعلة نور اتقدت في ذهنها وروح إيمان جديد هبط على قلبها فتملصت من السرية المقدسة بدهاء موطنة النفس على أن لا تعود إلى جنون الهوى واسر الجوى وقيود العرافين ومهازئ السحرة. لندع شميرام في وحدتها هادئة البال بعد أن ألقت عنها هموم العشق ومؤثرات السحر ونعد إلى شمشو فانه بعد أن اقترض المال من أجيبي نزل أسواق بابل واخذ يبتاع البضاعات والتجارات ويوصي النساجين بأنسجة تروج في بلاد أشور ونائري. ومن التجارات التمر والقصب من بابل والعطور والتوابل والجواهر التي كان يحملها التجار الفنيقيون من بلاد العرب والهند والأنسجة الأرجوانية التي تأتي من صور وأنسجة بابل من القطن والكتان والصوف وكانت أرضها حمراء عليها نقوش زرقاء أو أرضها زرقاء عليها نقوش حمراء منها مسيحة (مقلمة) ومنها محققة ومنها مربعة. ومنها منثور عليها شبه حب الحمص أو أقراص متجمعة حول قلب الدائرة. وبعض التحف النادرة التي ابتاعها من بعض التجار القادمين من مصر. وحزم جماله واعد العدة للسفر. وشد الرحال وكرى دواب السفر من صاحب القافلة فمكان دأبه الترحال بالبغال والجمال والحمير بين بابل وأشور وأرسل إليه الأهل والأصدقاء بزاد السفر هدية. وفي مقدمة المهدين خالد سلمان كرادو. وتمكنت الأمة نتو من دس الحشيش الذي أعطاها إياه الكاهن بيروس في الحلوى المتخذة من الدقيق والتمر ولم يطلع على هذه الفعلة الشنعاء أحد

стр. 2716

من أهل البيت لا ريماة ولا ابنتها شميرام. قبيل اليوم المضروب للسفر جاء بيروس لزيارة شمشو مودعا إياه وقال له في مطاوي الكلام: لي ابن دعي قد تبنيته. ولم يكن له أب ولا أم ولم يعرف له والدا ولا والدة و (لم يكن له ذكر إلا في البئر. وقد دخل العالم في الطرق) وقد اختطفته من أفواه الكلاب وأنقذته من مناقير الغربان وعلمته في اخمصيه بخاتم الشاهد وعهدت به إلى مرضعة وتعهدت لها مدة ثلاثة أعوام بالدقيق والزيت والثياب وبعد انتهاء عهد الرضاع تبنيته وربيته ليكون لي ابنا فسجلته كذلك. وقد بلغ اليوم سن المراهقة وارغب في أن تأخذه معك في السفر ليتدرب على أعمال التجارة ويحسن خدمتك ولا أظنك إلا فاعلا. فلبى شمشو طلبه وأعرب عن سروره لتمكنه من القيام بمثل هذه الخدمة ووعده بأنه يدرب ابنه على أعمال التجارة احسن تدريب. وكأن بيروس لم يثق من نجاح مساعيه في إهلاك شمشو بالحشيش السام الذي حمل نتو على دسه في الزاد فزاد في الطين بلة بأن أوصى ابنه إذا مات شمشو في الطريق بان يستولي على أمواله. وإذا سلم من المخاطر وترك تخوم بلاد أثور حيا أن يغتاله ليلا في الطريق بدعوى أن شذاذا هجموا عليه وقتلوه شر قتلة. في مساء ذلك اليوم علم شمشو أن سفر القافلة تأخر إلى بضعة أيام للقيام بشعائر الدين والاحتفال بعيد رأس السنة (اكيتو) الذي يبتدئ في اليوم الاول من شهر نيسانو ويمتد عشرة أيام. وهو من الأعياد الكبرى عند القوم لا بل يفوق جميعها عظمة وبهاء مثل عيد الحصاد المحتفل به في الشهر السابع من السنة وغيرهما. وكان البابليون في تلك السنة قد أعدو العدد ليكون الاحتفال بهذا العيد شائقا تتجلى فيه مظاهر الفرح والسرور بأتم مظاهرها وأسنى غررها لأنهم تنفسوا الصعداء بملكهم الجديد شمشو موجين بن اسرحدون ملك أثور والذي أمه

стр. 2717

نكعة البابلية. لما انسوا فيه من حب الاستقلال والجنوح إلى تحرير بابل من قيود عبودية أثور وميله إلى بسط أجنحة العمران على مدن بابل وسهولها وفرحوا بانتهاء إعادة بناء بابل بعد أن خربها جده سنحاريب ملك أثور لأنه كان قد استأصل المدينة والهياكل وخربها واحرقها بالنار ودمر الجدران والأسوار ومعابد الآلهة والزقورات المبنية بالأجر وباللبن وملأ قضاة ارحتا من أنقاضها) وكان من دواعي ابتهاجهم في تلك السنة إعادة تمثال الإله مردوخ من بلاد أشور قبل بضعة اشهر وكان قد احتفظ به الآشوريون منذ أن سلبه من بابل سنحاريب وانقطعت الملوكية منها وتعطلت الشعائر القائمة على أن يتقدم الملك من هذا الإله ويأخذ يده ويستمد العون منه في مثل هذا اليوم وقصارى القول كانت قد تضافرت كل الأسباب ليكون عيد (اكيتو) في هذه السنة مستجمع شروط الآبهة المسرات. خرج الملك شمشو موجن في صباح العيد لابسا لباس مجده ومزينا بالحلي والجواهر. وكان قوام حلته: ثوب طويل متدل إلى أخمص القدمين من كتان رفيع نسج في معامل بورسيبا مطرز تطريزا متقنا وفيه حواش وأهداب قد حبس عند الخصر بمنطقة تتدلى خيوطها حتى القدمين وفي آخر تلك الخيوط عثاكيل (شرابات) كبيرة وفوق هذا الثوب دثار من الصوف يكاد يكون بطول الاول مفتوح المقدم وموشى ومصبوغ أصباغا براقة وفيه صور بشر وحيوانات وأزهار ورسوم أخرى ولا سيما على الصدر فانك كنت تشاهد رسوم جماعات من البشر أو الحيوانات. وفي الثوب حواش وعثاكيل (بساكيل) متدليات. وكان على رأسه تاج مخروط الشكل مزين بالأزهار ومرصع بالحجارة الكريمة على بساط من حرير والتاج مطوي ثلاث طيات أو متخذ من ثلاث قطع تتلى منه ذؤابتان على ظهره تكادان تصلان إلى قدميه. وكان جيده وذراعاه عارية حتى المرفق. وفي جيده اكثر من قلادة واحدة ذات أشكال لطيفة وفي ذراعيه سواعد. وفي معصميه اسورة جميعها متقنة

стр. 2718

الصنع تدل على ذوق عال وجمال رائع وكان خشل السواعد والاسورة على صور رؤوس اسود ومنها أعلى صور رؤوس حيوانات أخرى وفي أواسط بعض الاسورة نجوم وفي أواسط غيرها صور ورد منزلة فيها حجارة كريمة. وفي أذنيه قرطان ثمينان. وكان متقلدا سيفا وخنجرين ومتكئا على قوس وفي إحدى يديه سهمان وفي رجليه خفان نعلاهما من جلد يغشيهما من فوق غشاء يغطي العقب وطرفي القدم ويبقى عسيبها وأصابعها مكشوفة وفي هذا الغطاء سفائف تتصل بها ابازيم. والسفائف ملفوفة لفين على العسيب تشتبك في أعلى القدم وتلتف حول الإبهام ثم بينه وبين السبابة. وألوان الجلد تختلف في الخف. فالجلد الذي يغطي العقب احمر أما معظم الخف فاسود بحواشي حمراء والسفائف سوداء. وكانت لحيته طويلة معفوة عفوا فنيا (أي مسرحة تسريحا فنيا) وقد نظمت اللآلئ في شعرها فأكسبت الوجه جلالا وهيبة. ويخيل إلى من يراها وهي على ذلك التنسيق العجيب إنها غير طبيعية بل من عمل مهرة الصناع في بابل. فتقدم بموكبه الحافل إلى الهيكل. وعلى مركبته وفوق رأسه المظلة وحاشيته من الخصيان والأمراء والوزراء ووراء موكبه الجماهير الغفيرة من رعيته للاشتراك معه بشعائر الدين. فدخلوا هيكل (اسجيلا) المرصد للإله مردوخ وانضم إليهم الكهنة والكاهنات من كل الطبقات. وبين طبقات الكهنة (شنجو مخو) (أو راس الكهنة) و (الزمرو) أي (المزمرون) و (البشيشو) (المدهون بالزيت المقدس. و (الشئيلو) (مفسرو الأحلام) والمعزمون. و (الكالو (والللارو والنارو)) وهم (الموسيقيون) و (البارو) (العرافون) وغيرهم ومن طبقات الكاهنات التي تضاهي بعض وظائفهن وظائف الرجال المار ذكرهم وبينهن المنشدات لمراثي الندامة. في هذا المهرجان العظيم تقدم الملك من تمثال الإله مردوخ بعد أن لبس قلادة مقدسة رمزية قدمها إليه رئيس الكهنة وهي من قطع تمثل الشمس والقمر والكواكب، وعمرة مقرنة وقهوبة (أي خطافا ذا ثلاث شوكات) وبسط ذراعيه

стр. 2719

إلى الإله مردوخ بكل جلال واحترام ثم وضع يده في يد الإله واستمد منه الأيد الإلهي وتلا صلاة خشوعية أودعها نفسه وشعبه في حماية مردوخ. وابتهل إليه أن يبارك غلات الزرع وينصره على الأعداء ويمنح البابليين الظفر ويدفع عنهم البلايا والأمراض والقحط فاخذ المرتلون ينشدون ترنيمة مردوخ وبينهم النساء فعلت الأصوات الرخيمة عنان السماء وعزفت الآلات الموسيقية وحمل تمثال الإله ورفيقته (سربنيت) وشرع الجمع يطوف بهما في جادة الطواف (ايبور شابو) ثم التقى الجمع بفرقة من الكهنة والمتعبدين حاملين تمثال الإله (نبو) الذي آتى به من بور سيبا لزيارة أبيه الإله مردوخ في (اسجيلا) بمناسبة راس السنة. فبلغت الحماسة اشدها عند ملاقاة الأسرة الإلهية وفاض بحر العاطفة الدينية عند القوم حتى بلغ سيلها الزبى. وبعد أن انتهى الجمع من الطواف عادوا إلى هيكل (اسجيلا) ونحروا الضحايا والقرابين هدية لزواج الإله مردوخ وقرينته سربنيت ذلك الزواج الإلهي الذي يعتقد البابليون انه يتم في مثل هذا اليوم. وكانت الضحايا كثيرة حتى فاضت دماؤها وجرت انهارا. وما عتم أن أعلن الملك شمشو موجين اسم السنة الجديدة بموجب عادة البلاد. فكانت تسمى تارة باسم نصر أحرزه الملك وطورا باسم ترعة فتحها ومرة باسم رئيس كهنة أقامه إلى غيرها. وما كاد يفوه الملك باسم السنة الجديدة حتى سار رجال البريد إلى أطراف المملكة وضربوا في مناكب الأرض ينقلون اسم السنة إليها. وفي هذه الأيام أيام الأعياد العشرة كنت ترى الهياكل غاصة بالمتعبدين النادمين على خطاياهم وآثامهم يطلبون الغفران من الآلهة بتوسط الكهنة وبأدعية مؤثرة في القلوب حتى فاض بحر النحاس بماء الإراقة. وما بحر النحاس إلا جرن أو حوض كبير من النحاس يحفظ فيه ماء الإراقة لكي يستعطفوا أولئك الآلهة ويستجلبوا رضاهم عليهم. حتى إذا ما عقدوا اجتماعهم في هذا العيد في (ندوة الأقدار المقدسة) برئاسة مردوخ ونبو كتوم الندوة يكون حكم الآلهة

стр. 2720

الذي لا مرد لقضائه لسعادة النادمين ورفاه عيشهم وتمتعهم بالصحة والهناء ولاستمطار الخيرات والبركات عليهم. وكان مسك الختام لهذا العيد حفلة أقيمت في اليوم العاشر اشترك فيها جميع البابليين فافتتحوه بالشعائر الدينية والطواف المقدس وقضوه بالأفراح والمسرات والزيارات. وكانت أيام العيد العشرة فرصة سانحة لالتقاء الشبان بالشابات في الهياكل أو مفترق الطرق أو الزيارات شأن كل الاجتماعات العامة في العالم. فمر شمشو في اليوم العاشر أمام هيكل الآلهة اشتر ورأى حشدا من الناس قد اجتمعوا ينظرون إلى النساء اللواتي كن جالسات في دار ذلك الهيكل مكللات بتيجان من فتيل الغزل وهناك طرقات مقسمة بحبال ممدودة على الأرض فيتمشى فيها الرجال الغرباء لينتخبوا لنفوسهم ما احبوا من النساء وإذا دخلت المرأة هذا المحل لا تعود إلى بيتها قبل أن يعطيها أحد الغرباء دراهم ويأخذها خارج الهيكل ليقضي منها مأربا وحينما يضع الدراهم على ركبتيها يقول لها (بجاه الآلهة مليتا (أي اشتر)). وكانت تلك العادة سنة عند البابليين إذ تفرض على كل امرأة ولدت في بلادهم أن تذهب مرة في حياتها إلى هيكل اشتر لتسلم نفسها إلى رجل غريب. والنساء المتكبرات اللواتي يأنفن من الاختلاط بغيرهن كن يحملن إلى الهيكل على مركبات مغطاة وهناك يجلسن وحولهن خدمهن. والمرأة التي تلقى لها الدراهم لا تجيز لها الشريعة أن تتمنع من الذهاب مع الرجل الذي ألقى لها الدراهم مهما كانت منزلة ذلك الرجل. وكانت الجميلات الرشيقات القد يجدن سريعا من يلقي لهن الدراهم ويأخذهن معه فيلتفتن إلى الدميمات ويعيرنهن. وقد يحدث للمرأة الدميمة أن تبقى في الهيكل ثلاث أو أربع سنوات بلا جدوى صابرة على هذه البلوى. وبعد أن يقضي من المرأة مأرب بموجب تلك السنة تعود إلى بيتها ولا يتمكن الرجل الغريب التقرب منها ثانية ولو فدى كل ماله في سبيل الحصول عليها. تقدم شمشو فرأى شميرام وحتراء واقفتين فاستغرب اجتماع الضدين فاقترب منهما وسمع شميرام تنتقد تلك العادة الشائنة وتستهجن تلك السنة

стр. 2721

المعيبة لها: ديدنك يا بنت الخال الخروج على الدين والاستياء من جميع التقاليد والسنن فلم لا تكونين مثل حتراء حليمة وديعة مسالمة؟ شميرام - تثور نفسي من كل معوج لا يتفق والعقل السليم والآداب الصحيحة. فالحلم في غير موطنه ضعف، والوداعة في غير محلها خطل والمسالمة في غير وقتها جبن. ثم تبسمت وقالت له: ما ألومك، يا شمشو، لأن الهوى يعمي ويصم. ثم تفرقا. يوسف غنيمة كوريش كوريش هو اسم بابل الحالي، وبابل هو الاسم القديم. وإنما سميت كوريش باسم كورش الملك الفارسي مصغرا للدلالة على التكبير أو التحبيب. وهو الذي ثل عرش إشتياج ملك ماذية في سنة ٥٥٠ ق. م. وهدم مملكة الكلدانيين في سنة ٥٣٩ ق. م، فدخل بابل في شهر تشرين الاول من تلك السنة، ومن ذيالك الحين عرفت بابل بكويرش (مصغرة إلى يومنا هذا). كيل موضع واقع في شمالي جمجمال (بجيمين فارسيتين)، وهو غزير النفط واسع النطاق، ونفطه من احسن الأصناف ونقي كل النقاء حتى انك لا تجد ما يشبهه في الصفاء. ويؤكد أصحاب الخبرة انه افضل من النفط الروسي في الاحتراق مع أن أهالي ذلك الصقع يصفونه على طريقتهم القدمى، فكيف لو صفي على الأسلوب الروسي الحديث؟ نمرود شهرة نفط هذا الموطن دون شهرة نفط سائر الأنحاء ولونه اسود أو يكاد. وينز في ارض طول ميدانها ٨٠٠ متر، ثم يتحدر في دجلة.

стр. 2722

فوائد لغوية لا تقل البحر الأبيض بل بحر الروم أو بحر الشام كثر ذكر البحر الأبيض في جرائدنا العراقية ومنها ما زادت على (الأبيض) قولها: المتوسط، فصار البحر الأبيض المتوسط. وكل ذلك غير معروف عند سلفنا. والذي عرفوه هو (بحر الروم) أو (البحر الرومي) أو بحر الشام على أن المترجمين في أوائل القرن الماضي، نقلوا عن الإفرنجية معناها فقالوا البحر المتوسط لأنه يتوسط العالم القديم أي آسية وأفريقية وأوربة. فرضينا بذلك لان الأقدمين من آبائنا نقلوا معاني بعض الكلم الأجنبية إلى لغتنا نقلا معنويا. أما (البحر الأبيض) فليس له ذكر في كتب مؤلفينا الأقدمين. طالع ياقوت وأبا الفداء والمسعودي واليعقوبي وابن خلدون وغيرهم، فانك لا تجد للبحر الأبيض ذكرا. نعم للإفرنج (بحر ابيض) يتخلج من الاقيانوس الجامد الشمالي في شمالي روسية. وقد عرفه المعاصرون باللفظيين اللذين ذكرناهما. لكن لم يريدوا به البحر الرومي، كما يظنه بعض المغفلين. أما من أين أتانا هذا الوهم، فهو من ناقلي مصنفات الترك إلى لغتنا. فان جيراننا المذكورين يسمون بحر الروم (بحر سفيد) أو (آق دكيز) وكلاهما يعني (البحر الأبيض) الاول مركب من (بحر) العربية و (سفيد) الفارسية بمعنى الأبيض والثانية من (آق) أي ابيض و (دكيز) أي بحر وكلاهما في التركية. وقد بحثنا عن سبب هذه التسمية في قاموس الأعلام لشمس الدين سامي فراشري فلم نجد لها شرحا كما لا يعرفها سائر الأقوام المنبتة على سواحله. افنجد بين القراء من يذكر لنا ذلك معتمدا في كلامه على مصنفات الأولين وان كانوا أجانب؟ أما رأينا الخاص فهو أن الأتراك سموا بحر الروم بالبحر الأبيض من باب

стр. 2723

تسمية الكل باسم الجزء. فانهم سموا في الاول بحر الجزائر اليونانية بالبحر الأبيض وهو المعروف ببحر (ايجي) وسبب هذه التسمية أن هناك جزرا عديدة كلسية المادة جرداء تبدو بيضاء للعين بعد ظهور الشمس؛ ثم توسعوا بعد ذلك في التسمية فأطلقوها على البحر كله. أما ما ذكره الأب بلو اليسوعي في معجمه الفرنسي العربي من أسمائه عند العرب هو البحر الأبيض فخطأ صريح ومثله وهم يوسف حبيش والنجاري وغيرهم من أصحاب المعاجم الإفرنجية العربية أو العربية الإفرنجية. أغلاط المعاجم في جمع مسناة المسناة شائعة عندنا ومعروفة عند الكبار والصغار بمعنى كما أن جمعها مشهور عند الجميع وهو مسنيات؛ لكن إذا بحثت عم هذا الجمع في محيط المحيط ذكره لك بصورة مسنوات (كذا) ثم زاد على هذا الوهم قوله: (وهو شاذ والقياس مسنيات) فرسخ في أذهان الكتاب انه مسنوات. وقد وصل هذا الوهم إلى البستاني من فريتغ. ثم سرى من محيط المحيط إلى جميع المعاجم اللغوية الحديثة. وفي مقدمتهم اقرب الموارد فانه ذكر في مادة س ن وما هذا حرفه: المسناة العرم، وهو ما يبنى في وجه السيل والجمع مسنوات. وهو شاذ والقياس: مسنيات. وفي الأساس: (عقدوا مسناة ومسنيات لحبس الماء) اه. فهل رأيت بعد هذا الجهل جهلا ادهى؟ فقد نقل عن صاحب الأساس أن جمع مسناة مسنيات ومع ذلك يقول: جمعه مسنوات وهو شاذ. والحال انك لو بحثت عن هذا الجمع في جميع الكتب العربية فانك لا ترى له أثرا. فأصحاب القاموس والتاج ولسان العرب لم يذكروه لأنه مقيس؛ اما الذي ذكره فهو الزمخشري في كتابيه الأساس ومقدمة الأدب. وجاء بعد الشرتوني الأب بلو اليسوعي في معجمه العربي الفرنسي والأب حواء اليسوعي في معجمه العربي الإنكليزي والأب لويس معلوف اليسوعي في منجده وجرجي شاهين عطية في معتمده، وياله من معتمد! - ولو تتبعنا جميع من وقع في هذه الهاوية البعيدة القعر برأينا غيرهم. وبهذا القدر مجزأة لمن يريد أن يحقق جهل لغويينا المتأخرين وخلوهم من معرفة أوائل قواعد الصرف والنحو!

стр. 2724

باب المكاتبة والمذاكرة الشعر في مصر لقد جاء نقدكم لفوضى الأدب في مصر بمناسبة تعليقكم على رثاء أبي شادي للفقيد الجليل الدكتور يعقوب صروف (راجع ص٢٨٣ ج٥ س٥) - من اسطع الأدلة على حاجة الأدباء في العالم العربي إلى مجلتكم القيمة، لان هذه الشجاعة الأدبية العظيمة المحمودة التي تضيء بها سبيل المهتدين من اندر النوادر في هذا العالم العربي المنكوب (بالمحسوبية) والمحاباة والمجاملة إلى درجة مزرية بالأخلاق والشرف. وبين الأدباء في مصر من يدهشهم تعالي أدباء العراق عنهم، ناسين أن هذا لا يرجع إلى كبرياء وغطرسة في الطبع، ولا إلى غرور ممقوت، وإنما يرجع إلى سبب خلقي معقول: فان الكثير من الصحف والمجلات المصرية تستهويه المجاملات، ويدين في باب الأدب عامة والشعر خاصة إلى نفوذ شوقي بك. وهو من نعلم جميعا في غناه غير المكتسب، وهو من أصبحنا ندرك أن حظه الأدبي في هذه الدنيا الطنطنة باسمه على حساب غيره، لا ليقال انه شاعر العالم العربي فقط بل شاعر العالم اجمع، وإلى هذه الغاية تتجه جميع حركاته وسكناته وروحاته وغدواته، وهكذا جعل أساطين الأدب ولا سيما المستشرقين يضحكون منه ومنا!!. . يترفع إذن أدباء العراق بحق عن المشاركة في هذه السخافات ويؤلمهم أن يروا رجال الشعر في مصر من طائفة المحافظين عقبة كأداء في طريق المجددين المخلصين وان يروا نفرا ممن ينتسبون إلى التجديد يحسدون ويحاربون من هم على شاكلتهم ومن هم أولى بتعضيدهم ومؤازرتهم! وكل هذه الأحوال الشاذة الغريبة التي لا مثيل لها بهذه الدرجة في قطر عربي آخر مما يؤدي إلى

стр. 2725

هذا التنافر، وإلى السخرية أحيانا من حالة الشعر والشعراء في مصر، ويشارك العراقيين في هذه السخرية من أحوال الديار المصرية أدباء المهجر على الأخص. لنترك الحكيم زكي أبا شادي جانبا ولننظر إلى حالة غيره من الأدباء المجددين النابهين في مصر، لأنه إذا كان لأبي شادي من ثقته بعقيدته الأدبية ومن إيمانه بفكره ومبادئه ورسالته الإصلاحية ما يزجيه إلى الإنتاج المفيد والإنجاب المتواصل رغم ما يلاقيه من مقاومة، فهناك كثيرون من الأدباء الناشئين الصالحين يقتل مواهبهم اليأس وجمود الجمهور وتخرب الصحف التي تقفل أنهارها في وجوههم، وهكذا يخسر الأدب العصري خسارة كبيرة من ضياع إنتاجهم، ولا تغنينا فتيلا الطنطنة بذكر شوقي وحافظ والكاشف وإضرابهم من الشعراء المحافظين. . . فالدفاع عن مواهب هؤلاء الناشئين الالباء فرض واجب على (لغة العرب) وعلى غيرها من المجلات الإصلاحية النزيهة. ومن عجائب القدر - على ذكر كتابتكم عن أبي شادي - أن وفاة زعيم النيل الكبير سعد زغلول باشا أنطقت في مصر جميع الشعراء المطبوعين والصانعين والمقلدين والناظمين العاثرين، فكان المجددون من الشعراء المصريين اسبق إلى أداء هذا الواجب القومي الأدبي من غيرهم، وكانوا أوفر عاطفة واصدق إحساسا واغرز مادة كما دلت على ذلك قصائدهم التي نشرتها الصحف المصرية فلما جاءت حفلات الأربعين لم تنشر هذه الصحف لكبار الشعراء المحافظين شيئا باهرا على الإطلاق. . . وقد نظم أبو شادي وحده طائفة من الأناشيد التلحينية والقصيد في رثاء سعد وبينها مرثيته الحائية المتناقلة التي نظمها يوم الوفاة متأججة بالعاطفة القوية وكذلك قصيدة ذكرى الأربعين، فلم يجيء شوقي بك بمعنى يبرز به معاني أبي شادي في منظوماته بل لم يتعفف كما لم يتعفف أمثاله عن الاقتباس الكثير من معانيها ومراميها، ورغم هذا لم تخجل صحيفة (الأهرام) - أحد السنة شوقي بك المعروفة - من تصديرها بمقدمة كلها شعوذة وتهريج. . . ولا شك في أن شوقي بك - في أقصى ضميره - يعلم عجزه هذا، لأنه أولا لم يرث سعدا باخلاص، وثانيا قد حاول انه يستر ضعفه هذا بستار من اللغة كأنما نود أن نقرأ في شعره منظومة (مقامات الحريري) لا صورة فنية خالدة

стр. 2726

للعاطفة الوطنية الحية والحسرة البالغة والألم الصادق، وبدأ - عافاه الله - قصيدته بهذا البيت العجيب: شيعوا الشمس ومالوا بضحاها ... وانحنى الشرق عليها فبكاها! وليس هذا من براعة الاستهلال في شيء بل العكس، وما يظن فيه مراعاة للنظير إنما هو مراعاة للسخف، لان هذا البيت في مستهل القصيدة لا يناسب مجاهدا مثل سعد زغلول ولا يدرك سامعه انه رثاء لسعد بل قد يحسبه رثاء لإحدى النساء العظيمات أو لإحدى الملكات المحسنات، وكان الأولى به أن يترك هذا الوصف المؤنث إلى موقف آخر في القصيدة يكون انسب من هذا، ولكن ذهنه الكليل أدركه الكبر كما أفسده جنون الشهرة، فعثر في أول النظم. . . وخير ما في مقدمة قصيدته بعد ذلك المطلع المخجل منظور فيه إلى قول أبي شادي: صبغت به حمر الورود وضرجت ... بدم بذلت مدامع لاقاح! وتشبعت بجميل حبك غضة ... فتجاذبت بأريجها الفياح! والقصيدة في جملتها خالية من كل جديد ولم تبلغ حتى منزلة قصيدة حافظ بك إبراهيم بين المحافظين دع عنك قصيدة عباس محمود العقاد أو قصيدة محمود عماد بين المجددين، وبعد هذا ينتقد شوقي شعر العقاد بأنه جاف كثير الثرثرة لا حياة فيه ولا حلاوة له، ويعطف على شعر الجارم الذي جاءت مرثيته في ذكرى الأربعين خالية من كل طريف مقصورة على ألفاظ مرصوفة وعلى جملة من المعاني القديمة، وإذ شاء التجديد النسبي اقتبسه من نظم غيره مثل قوله: وعقيدة لو هزت الاجبال من ... ذعر لما اهتزت مع الاجبال! فانه مأخوذ من قول أبي شادي منذ سنين: تخر الراسيات ولا سبيل ... إلى هدم الكريم من اعتقاد! وبعد كل هذا يعجب أولئك السادة المحافظون لتجنب معظم أدباء العرب - وفي مقدمتهم أدباء العراق - الاشتراك في المهازل الشوقية والمجاملات الفارغة

стр. 2727

التي لم يربح منها الأدب الصحيح أية غنيمة، بل كانت عاملا من عوامل التأخر الفكري وإساءة إلى نهضة الشعر في مصر وإلى كرامته. . . وقد تعمد بعضهم أن يرد على مثل هذا النقد بتصغير فضل شعراء العراق زورا وبهتانا، ويكفي في مقام الرد البليغ أن نقول: أن لأولئك الشعراء العراقيين (ذاتية) عظيمة ومبادئ محمودة وإيثار شريفا وغيره أدبية صادقة يخدمون بها الأدب للأدب لا للشهرة ولا للمجد الشخصي الزائف، وحسبهم ذلك منزلة واعتبار. وليس في هذه الكلمة الصريحة الخالصة ما يؤلم اللبيب البصير فصديق المرء من صدقه لا من صدقه كما قال حكيم العرب، وسلام على من اتبع الهدى فعرف قدر نفسه. مصر: جهينة بين القديم والحديث ما يزال حديث بعض الأدباء المحافظين - المرضى بالرغبة الدائمة في هدم كل جديد - المقارنة السخيفة بين نظيم شوقي ومن على شاكلته وبين شعر الطبقة الناشئة المجددة من شعراء العربية كايليا أبي ماضي وبشارة الخوري واحمد زكي أبي شادي ومحمود عماد وعباس محمود العقاد وجبران خليل جبران وامثالهم، محاولين دائما الحط من منزلة الأخيرين دون ما خجل رغم آثارهم الحية الغنية عن التنويه بها. ومن اعجب غرائبهم ادعاؤهم - حبا في الإيقاع والإساءة - أن هؤلاء الذين ينتسبون إلى التجديد مفلسون، ينقل بعضهم عن كتابة البعض الآخر بغير اعتراف ولا استحياء، وان من شواهد ذلك قصيدة العقاد في سعد باشا التي عارض بها قصيدة أبي شادي في (ذكرى الأربعين) بحرا ووزنا فقد شاركه في معان بل في ألفاظ كثيرة، ولم يتعفف العقاد عن الاقتباس من مقدمة أبي شادي النثرية لرسالته الموسومة (سعد)، وان من يتصرف هذا التصرف أولى به أن لا ينقد غيره، وان كلتا القصيدتين (قصيدة أبي شادي وقصيدة العقاد) لا قيمة لها من الوجهة الأدبية بصفة عامة، ولا من الوجهة الشعرية بصفة خاصة، إلى آخر هذا الهراء. . . ويكفي ردا على مثل هذا اللفظ - الذي هو من قبيل التخلص والدفاع

стр. 2728

العاثر عن طريق الإحالة - أن نقول: دعونا أيها الإخوان الأفاضل، بل أيها الإخوان الأفاضل، بل أيها السادة الجهابذة، من المقارنات ما بين المجددين أنفسهم، فلن يشق على القراء أن يطلعوا ويحكموا، وتذكروا أن هذا ليس موضوع الخلاف ما بيننا. وإنما الخلاف محصور في إنكم تريدون أن يبنى الأدب على التهليل والدجل والتحزب والتضليل والمناداة بألقاب توزعونها على الشعراء والأدباء المحافظين المغرورين محتكرين لهم تقريبا وسائل النشر، ونحن نريد أن يبنى الأدب على الإنتاج المفيد والإخلاص والغيرة المثمرة والنظرات الصائبة دون مراعاة جنس أو سن أو دين أو اسم، وان تحترم حرية النشر حتى يستفيد الأدب من وراء هذه الحرية. فهل تصرون بعد هذا على أنكم أهل الإصابة وإننا نحن الواهمون المخطئون؟! مصر الجديدة: جهيزة التفاوت في اللون والامت كتب إلينا أحد أدباء البصرة يقول: استحسنت وضع كلمة التفاوت (في اللون) للإفرنجية لكن للأوربيين معنى آخر معقود بناصية تلك اللفظة نفسها وهو: الاختلاف في الشيء الواحد. فيقولون مثلا: ولهم مثل هذا المعنى أي الاختلاف الدقيق في سير الأصوات والنغمات. فما اللفظ الموافق حينئذ؟ قلنا: كما أن الإفرنج استعملوا كلمتهم للدلالة على ما أشرتم إليه، كذلك يكون استعمالنا للفظة التي ذكرناها، فنتخذ التفاوت لجميع تلك المعاني. على انه كان للسلف لفظة أخرى تؤدي احسن التأدية لما تشيرون إليه وهي (الامت) (بفتح فسكون). قال في القاموس: الامت الاختلاف في الشيء. والجمع أمات (بالكسر) وأموت (بضمتين) وكذا قال صاحب لسان العرب وأصحاب سائر الدواوين اللغوية من أقدمين ومحدثين. وأما اللوين (مصغر اللون) فليس له أدنى صلة بالكلمة الإفرنجية التي يجري الكلام عليها. واللغويون الغربيون الذين نقلوا الألفاظ العربية إلى لغاتهم ذكروا الامت في لغتهم بلفظ يؤدي الحرف العربي وان لم يذكروه بالكلمة المعهودة التي أشرنا إليها، غير انهم أصابوا المرمى. وكذا ذكرها شمس الدين سامي إلا أنها وردت مصحفة بالنون أي ذكرت بصورة (أنات) والصواب (أمات).

стр. 2729

أسئلة وأجوبة الملوكية. مهم. متصلات. رئيسية. الكوير نفسها س - نخشيوان (ارمينية الروسية) ث. ج - قرأت في مجلتكم (٥: ٤١٠) هذه الكلمات وهي: الإرادة الملوكية، هذا القضاء مهم، خطوط المتصلات الرئيسية، قصبة الكوير نفسها، وهي في نظري أغلاط لا تغتفر، وكان يجب أن يقال: الإرادة الملكية، هذا القضاء ذو شأن، خطوط المواصلات الأصلية، قصبة الكوير عينها، لان نفسها في هذا الباب تستعمل للعاقل فقط، أما لغير العاقل فتستعمل (عين). فما عذركم؟ ج - راجع بخصوص الملوكي نسبة إلى الملك لغتنا (٥: ٢٣٨) ومهم يؤنث فيقال مهمة ذكرها صاحب تاج العروس في أول مستدركه على مادة هـ م م - والمتصل اسم مكان يؤخذ قياسا من اتصل وإذا قلت (مواصلة) لم يكن فيه المعنى المطلوب هنا - والرئيسي نسبة إلى الرئيس وقد وردت في كلام الأقدمين والمحدثين. ومن يبدلها بكلمة (الأصلي) كمن يبدل رأسه برجله - وقولنا (قصبة الكوير نفسها) كقولك قصبة الكوير عينها، لا فرق في ذلك: قال ابن مالك في الفيته: بالنفس أو بالعين الاسم أكدا ... مع ضمير طابق المؤكدا قال ابنه يشرح هذا البيت: (اعلم أن التوكيد نوعان: لفظي ومعنوي. فأما اللفظي فسيأتي ذكره وأما المعنوي فهو التابع الرافع احتمال تقدير إضافة إلى المتبوع أو إرادة الخصوص بما ظاهره العموم. ويجيء في الغرض الاول بلفظ النفس أو العين مضامين إلى ضمير المؤكد مطابقا له في الأفراد والتذكير وفروعهما. تقول: جاء زيد نفسه فترفع بذكر النفس احتمال كون الجائي رسول زيد أو خبره أو نحو ذلك، ويصير

стр. 2730

به الكلام نصا على ما هو الظاهر منه. وكذا إذا قلت: لقيت زيدا عينه. اهـ المقصود من إيراده. فيتضح من هذا أن سبب جهلك أسرار اللغة العربية هو أخذك لغتنا عن رجل روسي ولسانه المألوف هو الأرمني فمثل هذا الرجل لا يستطيع أن يفيدك فائدة نحوي من أبناء لغتنا. فلا تسرع في تغليط الناس، بل اتئد في الحكم. تحية واحتراما. انعم النظر وأمعن النظر. أمر مستحيل وأمر محال. أما بعد أن. . . أما بعد فان. . . بغداد: جريدة البرهان العدد ٨ ١ - يستعمل الكتاب في الدوائر الرسمية: (تحية واحتراما) في أول الرسالة فما وجه هذا النصب؟ ٢ - أيهما اصح: (انعم النظر أو أمعن النظر)؟ ٣ - أيقال (أمر مستحيل أم أمر محال)؟ ٤ - أيقال (أما بعد أن. . . أم أما بعد فان. . .)؟ ج - ١ - تنصب تحية واحتراما على تقدير محذوف أي أحييك تحية واحترمك احترما. ٢ - انعم النظر أدور على أقلام الكتاب من أمعن النظر. قال في التاج في مادة ن ع م: ومنه (أي من انعم بمعنى زاد) قولهم: انعم النظر في الشيء: إذا أطال الفكرة فيه. قال شيخنا: وقيل هو مقلوب أمعن. اه ٣ - المستحيل كالمحال لا فرق في معناهما. يجب أن يقال: أما بعد فان. . . لان (أما) هنا حرف تفصيل وإذا كانت كذلك يتلقى مفصلها بالفاء كما هو مذكور في كتب أهل هذه الصناعة. الظلم والمظلم باريس - ي. م. م - كيف نسمي بالعربية وكيف يقال ج - معنى (فريسك) الفرنسية صورة منقوشة على حائط حديث الطلاء وتلك النقوش محلولة في ماء الكلس وهذا ما سمى (بالظلم) في لغتنا (وزان حرب) والحائط المزوق بهذه الصفة يسمى (مظلما). وقد وجد كثير من هذه (الظلوم) في قصور سامراء ووصفها الشعراء. واللغويون لم يشيروا إلى هذا المعنى إلا من طرف خفي. قال في اللسان بيت مظلم، كمعظم،: مزوق، كأن النصارى وضعت فيه أشياء في غير مواضعها (كذا) اهـ. ولم يذكروا الظلم إلا أن هذا يؤخذ بالقياس، إذا عدم السماع.

стр. 2731

باب المشارفة والانتقاد دروس في صناعة الإنشاء كنا قد ذكرنا في مجلتنا (٥: ٤٣٩) أننا ربما نعود إلى البحث عن صناعة الإنشاء ونعهد به إلى نقادة خبير، ولما وجدنا أن هذا الكتاب يوضع في أيدي الطلبة وان فيه بعض الأوهام لابد من إصلاحها في طبعة ثانية، طلبنا إلى صديقنا النقادة السيد محمود الملاح أن يلقي نظرة عليه، ولا سيما أن القراء رأوا في حضرته إصابة المرمى في نقده مع نزاهته؛ فلبى الموما إليه طلبنا، وجاد علينا بنظراته الصائبة، وها نحن أولاء ندرج هنا مقدمة ما كتبه إلينا، وفي جزء قادم نوافي القراء بتتمة الموضوع. قال حرسه الله: مقدمة حياة المجتمع قائمة على أركان شتى رأسها الأدب وبقاء هذه الحياة منوط بسلامة تلك الأركان من الأدواء ولا سلامة لها إذا لم تعاهد بالإصلاح والمعالجة. الانتقاد افضل علاج فهو من عزائم الأمور واوجب ما يكون في الأمة الضعيفة فمتى وجدنا شعل النقد مشبوبة في آكام أمة فلنوقن بأنها متعلقة من الحياة بسبب ومتى وجدنا مواقده خامدة فيها فلننفض أيدينا من نجاحها نفض الأنامل من تراب الميت. كل شيء في مجتمعنا مريض فهو محتاج إلى علاج وما علاجه سوى الانتقاد حتى أن الانتقاد نفسه محتاج إلى نفسه! فان طريقته عندنا لم تزل سقيمة واهنة إذ لا يكاد تجد نقدا خاليا من الشوائب كأنها أمر فطري لا نستطيع أن نتملص منه وان بذلنا الجهد في مقاومته. اجمل انتقاد نصادفه بين أظهرنا ما كان سالم الأديم من ندوب الشتم الصريح والسبب في أن انتقاداتنا غير سالمة خصال مشطورة بين الناقد والمنقود:

стр. 2732

كأن يكون الأثر المنقود مشتملا على تبجح وأنانية وخدع للجمهور وغش للحقيقة وركوب للصعب والذلول في سبيل الفخفخة فيضطر الناقد أن يدجج قلمه بشيء من خصائص الفؤوس والمعاول ليسخره في تحطيم بعض الهياكل الفارغة التي بنيت في الهواء ولم تشتمل إلا على هواء. أو أن يكون الناقد شرس الطبع لا يريد وجه الحقيقة بل هدفه الأقصى تبكيت خصمه وإفحامه والتشهير به على أي وجه كان وهو فيما بين ذلك يحاول اقتناص صيت مزور وان لطم جبين الحق ووطئ بأظلاف الباطل وهي لعمري خطة شنعاء يمقتها ذوو النفوس الشريفة التي لا يهنأ لها عيش والباطل نصب أعينها. قلت آنفا أن الانتقاد افضل علاج ولا يفوتنا أن نقول انه تشخيص في وقت واحد وإذ كان منطويا على هاتين الخصلتين الكريمتين فخليق به أن يكون صريحا ونزيها فإذا كانت الصراحة ناقصة كان التشخيص ناقصا وإذا كانت النزاهة مفقودة كان الدواء مشوبا بمواد تعوق عقاقيره عن النجوع. إن من الظلم السكوت على ما لا يصح السكوت عليه! وان النجاح منا لفي مناط العيوق إذا اتخذنا المداهنة دينا والمحاباة ديدنا والتبصبص شعارا وحب الذات كعبة تطوف بها حجيج آمالنا واخلق بأمة هذا منهاج رجالها وأدبائها ومربيها أن يكون نصيبها الفشل في المواقف التي لا يثبت فيها إلا الجد والحقيقة. ومن أمراضنا الجبن والخور وضعف النفس فترى بعضنا إذا اخرج للناس كتابا مثلا أهداه إلى من يخشى صولته مضمنا عبارة الإهداء ضربا من التملق وطأطأة الرأس ليكف عن نفسه عاديته. وإذا بلغه أن نقادة يحاول الكتابة حول أثره سقط في يده وعاذ بكل معاذ! تفاديا من الحملات المتوقعة وفي ظني أن اكثر من يقلق النقد طيور أفئدتهم قصار الباع وعبيد الشهرة الذين يبنون صروح شهرتهم على جروف هائرة. أما أهل الجد والحقيقة فانهم يتقبلون النقد بصدور رحبة لأنه أما أن يكون سديدا فيقبلون على خططهم فيصلحونها وأما أن يكون طائشا فهم اقدر على رده إلى نحر صاحبه.

стр. 2733

إن من الأوهام السائدة اعتبار معاهد التخرج ميزانا والاصطلاحات الرسمية مقياسا والتغافل عن أن بين المنابت تفاوتا في الطيب والزكاء (والبلد الطيب يخرج نباته بأذن ربه) الآية. . . ومن نقص التربية مناصبة أرباب النقد النزيه العداء وإيقاد نيران الدعايات الزائفة عليهم والتشبث بكل سفساف! وأولى بمثل هؤلاء قرع الحجة بالحجة ومقابلة السلاح بمثله لم يكن ثمة حجة مكافئة ولا سلاح مماثل كان التسليم أشبه بالمروءة ولا غضاضة في التسليم للحق والخضوع بين يدي الحجج الدامغة. أي ذنب للناقد؟ والمنقود هو الجاني! بمجازفته وتغريره وركوبه للشطط. أما أن للحق سورة لذاعة فالذنب معطوف على طبيعة الحق - أن صحت نسبة الذنب إليه - ولا تثريب على الناقد إلا من حيث أعمال قلمه في إنعاش الحق العاثر. إلا ليقولوا ما شاءوا! وليدعوا أني احمل بين جوانحي حزازات وإنما أنا اثأر وانتقم! فالحزازات لم تزل محمولة والثأر لم يزل مشروعا ولكن العدل والعدوان هما المعيار وهما (مركز الثقل) في الأحكام فمن ثأر وهو عادل فحر انتصر لنفسه ومن جار عن غير حقد وحزازة كان ظالما وجاهلا في وقت واحد. إن الانتقاد إذا توفرت شروطه كان خدمة جلى تستحق مناصرة العقلاء لها وقدروها حق قدرها وما كان على هذه السنة فليس من الأنصاف معاكسته ووضع العقبات في طريقه. وعلى هذه الشريطة صممت على نقد كتاب صناعة الإنشاء (للأستاذ أبي قيس عز الدين آل علم الدين التنوخي أحد أعضاء المجمع العلمي العربي في دمشق وعضو المجمع اللغوي في العراق) والموكول إليه تهذيب الإنشاء في ثانوية العاصمة. محمود الملاح ٧٩ - العناية بالنخيل في مصر والسودان منذ أن اخذ الأميركيون يعنون بالنخيل، نشروا كتبا شتى عن النخل وغرسه حتى أنها لو جمعت لأربت على ما آلفه سلفنا في هذا الموضوع عشرات

стр. 2734

بل مئات. وما ذلك إلا لان الغربيين لا يتصدون لأمر إلا يوفونه حقه من التحقيق. بين يدينا رسالة في ٧٢ صفحة بقطع الثمن الصغير ألفها سيلس سي. ماسن البستاني وقد استوفى البحث عن نخيل مصر والسودان وطرز غرسها والعناية بها مع عدة تصاوير تمثل الرجال الذين تفرغوا لهذا الفن من فنون الزراعة مع أشكال أنواع التمر إلى غير ذلك من الفوائد. ٨٠ - الهندسة المستوية تأليف جورج وينتوورث ودافيد اوجين سميث نقله إلى العربية (علي) مدرس الرياضيات في ثانوية بغداد الجزء الاول طبع في ١٩٦ص بقطع الثمن الصغير في مطبعة دار السلام في بغداد هذا من اجل الكتب الهندسية التي يعتمد عليها في المدارس الثانوية الأمريكية. نقل هذا الجزء إلى لغتنا حضرة (علي بك) أحد أساتذة الرياضيات في ثانوية العاصمة بناء على تقرير وزارة المعارف الجلية الاستفادة منه في مدارسها. وقد عني بملاحظة عبارته (الأستاذ محمود الملاح) وكفى السفر تنويها أن يتولى تصحيحه هذا الأستاذ ليترقرق فيه ماء الفصاحة ويطمئن إليه الطلبة من كل جهة. وقد أجلنا فيه نظرة مجملة فألفينا بينه وبين سائر المطبوعات التي لم تعرض على مصحح بارع تقن بونا بعيدا. فنحن نشكر للمعرب وللمصحح يدهما البيضاء في ضمن شكرنا لوزارة المعارف الجليلة وعنايتها وتنشيطها أملين أن يقوم الموما أليهما بتعريب الجزء الثاني لتعم الفائدة المتوخاة وهو ولي التوفيق. ٨١ - الحكمة مجلة دينية تاريخية أخبارية، يصدرها دير مار مرقس للسريان الأرثوذكس باورشليم مرة في الشهر، صاحب امتياز ومديرها المسؤول فورلس المطران ميخائيل انطون ومحررها فؤاد جقي. وصل إلينا الجزء الاول من السنة الثانية من هذه المجلة التي كان قد صدر منها الجزء الاول قبل الحرب وهي تصدر في ٤٨ صفحة إلا أن هذا الجزء عد ممتازا

стр. 2735

فصدر في ٦٤ص فعسى أن صاحبها لا يحرمنا فوائد تاريخ طائفته وما يتعلق بها ليكون لها فائدة التخصص بباب من الأبواب لا يرى في سائر المجلات. ٨٢ - إيران مجلة يصدرها محفى العلوم في دولة اتحاد الجمهور السوفييتية الاشتراكية في لننغراد، في ٢٦٠ص بقطع الثمن الصغير. من يطالع الصحف السياسية ويقف على ما يجري في الجمهوريات الروسية يتصور أن لا عناية هناك للعلوم والفنون والمعارف العصرية. على أن ذلك وهم فظيع لان هذه الجمهوريات محافظة على خططها العلمية التي خطتها لنفسها قبل الحرب. والدليل على ذلك ما ينشر من الصحف والكتب في تلك الديار. وهذه المجلة شاهد جديد على سير العلوم وتقدمها فيها؛ إذ نجد فيها ١٤ مقالة هي حقيقة ١٤ رسالة في مباحث شتى تتعلق كلها ببلاد إيران. فهل في جارتنا مجلة تضاهيها علما وتحقيقا وتدقيقا؟ - ذلك ما نود أن يكون لها. ٨٣ - التعليم المسيحي الكبير ٨٤ - مختصر التعليم المسيحي ٨٥ - التعليم المسيحي الصغير للمدارس الشرقية، بقلم الأب يوسف علوان اللعازري، طبعت طبعة ثانية منقحة في المطبعة الكاثوليكية في بيروت في سنة ١٩٢٧ الأب يوسف علوان اللعازري شعلة نار متقدة لا يعرف السكون ولا الراحة. فهذا تأليف أخرى من قلمه وضعها في معرفة أصول الدين المسيحي. قسم الاول منها إلى قسمين: ووضع في القسم الواحد النص العربي وفي القسم الآخر النص الفرنسي والأول في ١٢٣ صفحة في كل لغة أي انه كله في ٢٤٦ صفحة بقطع ١٦ وقع في ٥٢٥ سؤالا وجوابا. ومن عرف جميع هذه المزايا عرف انه من الكتب الواجب اتخاذها في مدارس المسيحيين لما فيه من الفائدة المزدوجة. واختصر هذا الكتاب بنصيه في ٥١ بالمقطع المذكور واختصر هذا الأخير في ١٠٤ص بقطع ٢٤ وليس فيه إلا النص العربي وعبارة جميع هذه الكتب
следующие страницы →