← Джавами‘

Джавами‘ · id 36540

مجلة لغة العرب العراقية

أنستاس الكرملي

Полный текст (6 158 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أبناء اللغة لا تكون مفيدة ما لم تكن مهذبة العبارة غاية التهذيب، حتى تنشأ في المتعلم ملكة الكتابة، وان تكون الألفاظ مضبوطة ضبطاً صحيحاً وقد وقع في هذا الكتاب شيء كثير يخالف هذه السنن كقوله ص٣٦ حوش الدجاج والأصح حير الدجاج وكقوله أيضاً: بنظر نظرة الحائر وضبط نون نظرة بالفتح، والأصح بالكسر، وكقوله وهو يعطي الأوامر والنوهي، والاصح يأمر وينهى. فنأمل أن يكون الجزء التالي أوفى بالمقصود من ضوء هذا كيش وهس اليوم تل الاحيمر (تل الاحيمر) راجع إلى لواء أو سنجق الديوانية، الذي هو من ملحقات قيم مقامية الحلة. وهو واقع على بعد ٢٠ كليو متراً من الشمال الشرقي من الحلة. وقد زارته البعثة الفرنسوية في سنة ١٨٥٣ التي كان زعيمها جول اوير وذلك عند عودتها من بابل قافلةً إلى بغداد بعد أن حفرت في هذه المدينة العظمى حفراً هو الحفر الاول الذي أجراه الأوربيون في حاضرة ديار بابل. وكان أولئك العلماء رأوا في ذلك الصقع ثلاث طوائف من التلال الطائفة الأولى: تلال الغرب ويسميها أهل تلك الديار. (تل الخزنة) وقد وجدوا فيها بعض الرقم أو الآجر المكتوب. والطائفة الثانية: تلال الوسط ويسميها الأعراب (الاحيمر) (تصغير الأحمر) وهيئته هيئة هرم، ويظن انه البرج ذو الطبقات، وقد وجدوا فيه آجرة من نبو كر أصر.

стр. 317

والطائفة الثالثة (تلال الشرق) وهي تشمل على عدة أطلال تدل على إنها كانت دوراً ومنازل في سابق العهد، ما عدا التلال الكثيرة المنبثة في حواليها، وبناء غريباً بصورة نعل فرس مستطيل الشكل. ويطلق البدو عليها اسم (البندر). وممن زار هذه الاخربة قبل البعثة العلمية الرحالة الإنكليزي كير بورتر الشهير وتتفق أوصافه لهذه الاخربة مع أوصاف اوبر وتوما. والاحيمر هذا هو كيش بكسر الكاف بعدها ياء ساكنة وفي الآخر شين مثلثة أما أن أطلال الاحيمر هي كيش في سابق العهد، فقد كان قد ذهب إلى هذا الرأي العلامة ويسباخ من باب الرجم إلا أن الباحث النقاب ثورو دانجين بين بأدلة قاطعة ناصعة في سنة ١٩٠٨ أن الاحيمر هو كيش، وقد أوضحت بعده أنا أيضاً هذه الحقيقة بحجج لا تقبل الشك والريب مأخوذة من نصوص جديدة عثرت عليها في السنة المنصرمة في الرقم والكتابات القديمة المسمارية الخط. كانت كيش من اقدم مدن ديار بابل، وكانت من جملة بلاد مملكة أكد (وزان شمر) (وكانت مملكة سامية) مقابلة لمملكة سومر (وكانت سومرية). ومما وجد بخصوص تاريخ كيش ما وقعوا عليه في تلو (بفتح التاء واللام المشددة المفتوحة والواو الساكنة) من الآثار وهي جملة أسلحة كانت لملك من ملوك كيش اسمه مي سليم - وقد اشتهر بعد ذلك في ما اكتشف في الأسانيد التي وصلت إلينا، بكونه سعى في إصلاح ذات البين

стр. 318

بين اثنين من أصحاب اقطاعاته وهما: حاكم لجش وهي المسماة اليوم تلو وحاكم (أُمَّا) (بضم الهمزة في الاول بعدها ميم مشددة مفتوحة وفي الآخر ألف مقصورة) وهي التي تسمى اليوم جوخى ويلفظها بعض أعراب المنتفق بوخى. ومن أخبار ملوك كيش انهم ناوأوا حكام تلو. وقد أبقى أحد هؤلاء الحكام وهو المسمى: أي أن ناتوم - نصبا يعرف بنصب النسور وهو محفوظ اليوم في قصر اللوثر في باريس محفور عليه صورة لملك كيش وقد فاز به الحاكم المذكور وانتصر عليه. وبقيت كيش مدة قرن كرسي المملكة في عهد الملوك اورومش ومانشتوسو ووشروجين ومن أسماء ملوكها ما وجد في رقيم نشره في السنة الماضية الأثري العلامة الأب شيل الدومنيكي وقدمه إلى ندوة علماء الآثار الفرنسوية، وفيه مختصر تاريخ خمس دول. وهذا الرقيم وجده الأعراب في الاحيمر عند تنقيبهم فيه عن الآثار العادية. ومن بعد أن خمل ذكر كيش مدة عاد فنبه في عهد حمورابي معاصر إبراهيم الخليل، (وحمورابي هذا هو المعروف في التوراة باسم امرافيل على ما أثبته النقاب الأب شيل الدومنبكي وهو موحد المملكة البابلية) فلما اتضح لهذا الملك الغيور ثبوت شهرة كيش وخاف من أن تضره بنوع من الأنواع آلي على تخريبها فاكتسحها وضعضعها. ومن ذاك الحين خبت نارها، واندرست آثارها. ومما وجد في كيش (الاحيمر) كتابات تثبت وجود مدرسة للكتبة

стр. 319

في سابق الزمن كما كان مثلها في سيارة (وهي اليوم أبو حبة) وهناك كان الكتاب يمارسون الخط والمشتق والإنشاء والترسل وكتابة الوثائق والحجج وما كان من هذا الباب قبل أن يتخذوا لهم تلك الصناعة مهنة لهم. فهل بعد ذكر هذه الأمور المقررة من يشك بالفوائد التي تنجم للباحث إذا ما نقب في الاحيمر عن الآثار العادية التي يعثر عليها. فلهذه الغاية عينها اتفقت دولة فرنسة مع الدولة العلية فعينتني في هذه البعثة العلمية التي أتوسم فيها النجاح للتاريخ ومحببة والسلام. دجنوياك تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره أشتاء بغداد اغلب ما يشتد البرد في بغداد في شهري كانون فينزل إلى درجة السادسة أو الثامنة تحت الصفر، وأما هذه السنة فلم ينزل إلى الصفر، وابرد يوم كان عندنا هو الذي فيه نزلت الحرارة إلى الدرجة الثانية فوق الصفر ولهذا لم يكن عندنا إلا وبيع لما كان هذا الربيع غير مألوف في مثل هذين الشهرين كثرت الأمراض ولا سيما أنواع الحميات والأدواء المتولدة من الرطوبة كالرثية (وجع المفاصل) والنقرس والنزلة والزكام ولا يخلوا أسبوع إلا ويموت فيه واحد أو اثنان من النصارى. فما القول في المسلمين واليهود وهم اكثر عدداً من أولئك.

стр. 320

٢ - المسرة (التلفون) بين بغداد والكاظمية وضع التلفون بين بغداد والكاظمية في نحو أوائل شهر كانون الاول وعن قريب يقام بين بغداد وخراسان. ٣ - عشائر البوشبل وحسن آغا كانت العساكر العثمانية تحافظ على حسون آغا لمنع الأعراب من الهجوم عليه. فلما ذهبت عنه ولم يبق بجانب الاغا إلا قراب ثمانين من الجند سارت عشائر البوشبل تريد احتلال أراضيها السابقة وقد انقسمت قسمين: القسم الواحد يجمع أن آل صادق والثاني آل دهيم (كزبير) فأما آل صادق فعبروا من (أبي تبن). وأما آل دهيم فانهم عبروا من (الهبش) ولما اجتمع القبيلان سارا على بني زريق (كزبير) وهم أعمام حسن آغا وحمى الوطيس وانجلت المعركة عن استيلاء آل البوشبل على القلاع وإخراج من فيها وأما حسن آغا فقد هرب إلى معسكر الجند فتعقبه الأعراب ولما اصبحوا على قاب قوسين من الفتك به خرجت العساكر على المعتدين فوقع بين الجمعين إطلاق نار أماتت طائفة من المتخاصمين وفي تلك الأثناء سمع سلمان الظاهر أحد رؤساء عشيرة الخزاعل دوى البنادق فخرج للمحاجزة واخذ حسن اغا إلى بيته فسكنت ثائرة الفتنة. وكانت العشائر الشبلية هدمت جميع القلاع التي بنتها الحكومة لحسن آغا بدون أن تخاف عساكر الدولة لا بل لبثت واقفة أمامها بقلب كأنه قد من جلمود إلى أن جاء طابور النجف فناجزها كل المناجزة وحينئذ وقفت عن

стр. 321

الإمعان في القتال. والظاهر أن الأمور لم تنته إلى هذا الحد، فان عشائر البوشبل تبلغ عشرة آلاف رجل من حملة السلاح وهي تريد الرجوع إلى أراضيها فإذا دفعوا عنها يصرون على أن يطالبوا بها الحكومة إلى أن يحصلوا عليها. وان لم يفد الإلحاح يلجئون إلى القوة. ومن ثم يضطرب حبل الأمن في تلك الأرجاء. هذا فضلاً عن أن العشائر إذا علمت إنها محرومة من أراضيها أو أن لا ديار لها وهي قد آذت الحكومة فلا يسعها إلا ارتكاب الموبقات والمنكرات حملا لأهل الحل والعقد على توخي الصلح والسلم إنهاء للمعضلات. (ملخص عن الرياض) ٤ - أشقياء الاحساء كثر الأشقياء في هذه الأيام في الاحساء وجوارها وعاثوا فيها عيث الذئب الامعط في الغنم. من ذلك أن رؤساء العجمان اخذوا من ذي النون الموصلي (المصلاوي) ثلاثمائة بعير، ولم يستطع أن يسترجع منها إلا خمسين بعيراً، لتراخي الحكومة في القبض على شؤون تلك الديار. وحاول الأمير عبد العزيز باشا السعود إرجاعها إلا أن الأعراب اثبتوا إنها أصبحت في قبضة الرؤساء رجال الحكومة. فتأسف الأمير على وقوع مثل هذه الأمور في هذا العهد. (عنها ببعض التصرف) ٥ - نهر الحسينية جرى الماء في نهر الحسينية (كربلا) بعد أن كاد أهالي تلك الأنحاء

стр. 322

يموتون عطشا. ٦ - علماء النجف ومجتهدوه وفد إلى الكاظمية عصر نهار الاثنين ٨ك٢ علماء النجف ومجتهدوه وهم: آية الله المازندراني مع جم غفير من طلبة العلم. وقدم نهر الثلاثاء الشيخ باقر القمي حجة الإسلام السيد علي التبريزي المشهور بالداماد، والشيخ عبد الهادي شليلة، وشيخ الشريعة الأصفهاني، والسيد مصطفى الكاشاني، والسيد آغا القزويني، والشيخ محمد حسين القمشي، والسيد محمد علي الشاه عبد العظيمي. وقدم من كربلاء السيد محمد الكاشاني والسيد إسماعيل الصدر والشيخ حسين، ومن مجتهدي الحلة السيد محمد القزويني. وجاء من سامراء حجة الإسلام الميرزا محمد تقي الشيرازي. ٧ - قدوم عالمين فرنسويين للتنقيب في الاحيمر مساء نهار الخميس ١١ك٢ قدم على الباخرة (خليفة) عالمان فرنسويان وهما الابيل دجنوياك والأديب المسيو دروين الاول مستشرق كبير ويحسن اللغة المسمارية قراءة وكتابة ويفهم معانيها والثاني راز (عارف بأصول البناء وتزينه وقد قدما لينقبا في الاحيمر التي كانت تسمى قديماً (كيش) اوكيشو وقد مر الكلام عنها في هذا الجزء. ٨ - أشقياء من عشيرة الصائح وأعراب التومان سرق بعض الأشقياء من عشيرة الصائح ١٦٧ رأساً من الشياه من أعراب عنزة القاطنين في ارض الجزيرة وحالما وصل الخبر إلى مدير ناحية تكريت هجم هذا

стр. 323

الهمام على اللصوص بينما كانوا يستعدون للهرب وكانوا مقيمين في شريعة القائم التي تبعد نصف ساعة عن تكريت قاصين عبور نهر دجلة. ولمل اصبح المدير على قاب قوسين منهم رمى هؤلاء العماريط أسلحتهم وامتطوا خيلهم وفروا وتركوا كل ما نهبوه من أعراب عنزة فسبق إلى دار الحكومة. وبعد يومين سرقت شرذمة أخرى من العشيرة المذكورة ٢٩ رأسا من الغنم وثلاثة من الحمر قلما درى بأمرهم المدير وقع له ولهم ما وقع له ومع رفقائهم المذكورين وسلبت جماعة من عشيرة التومان وهي من سكن (حويجة العبيد رجلا من قضاء عانة اسمه السيد احمد الراوي ٨٣ رأساً من الشاه فاستردها أيضاً المدير المذكور. فمثل هذا يجب أن يكون أرباب الحكومة لأن الأمور لتي أتاها وان كانت لا تعد شيئاً بالنسبة إلى الأعمال العظيمة إلا إنها تدل على نفس عظيمة فعسى أن يكون المتوظفين مثله. (ملخص عن الزهور البغدادية) ٩ - البريد العثماني والبريد الإنكليزي مضت طائفة من الشهر الماضي واغلب أيام هذا الشهر والبريد

стр. 324

العثماني لم ينقل ألينا جرائد البلاد العثمانية ولا صحف الديار الغربية ولم نقف على السبب إلى الآن. أما الرسائل فقد جاءنا بعضها في ميعادها. فإلى متى يسود في بلادنا الارتباك والتشويش والاضطراب؟ أما البريد الإنكليزي فهو في غاية الانتظام ولولا إياه لأصبحنا في بلاد لا تتصل بديار خلق الله البتة. ١٠ - اللقالق وسائر الطير القواطع في ديار العراق اللقالق في العراق من الطيور القواطع، تأتينا في أواخر ك٢، أو أوائل شباط وتهجر ديارنا في أوائل أيلول. أما هذه السنة فإننا رأيناها منذ ت٢ فتفاءلنا بسرعة عودها ألينا وبربيع لا يسبقه شتاء بارد. وهكذا كان الآمر. وما قلناه عن اللقالق نقوله عن سائر الطير القواطع كالسنونو والحدأة وبعض أنواع الغراب وغيرها، فإنها كلها قدمت قبل أوانها المعهود لتبشرنا بربيع طويل وأمطار غزيرة وخيرات متدفقة. ١١ - عشائر آل غزالات وآل إبراهيم هجمتا على عشيرة آل نبهان في اليوم ٢٥ من شهر رمضان من السنة الماضية (١٥ أيلول ١٩١١) وفي أثناء الهجوم قتل الأعراب المعتدون من عشيرة آل نبهان ١٢ رجلاً وامرأتين واخذوا قلعتين واحرقوا ما يقرب من أربعين داراً ونهبوا من المواشي شيئاً مذكوراً وحاصروا القلعة التي يأوي إليها عيالهم وأطفالهم من ١٥ إلى ٢١ من الشهر المذكور. ولما زحف عليهم جند الدولة أمر

стр. 325

حضرة قائدهم أن يرجع الضباط المنهوبات لأصحابها فأرجعت واخذ المعتدين إلى قضاء (أبي صخير) وقبض على جماعة من العشيرتين الهاجمتين أي على ملاح آل طغيش، والسيد علوان، وشعلان، وعبد آل صفوق، ورباط ومعهم شيخ آل نبهان وولده فسلموا كلهم إلى قضاء أبي صخير وأوقفوا هناك. ومن بعد أيام قلائل أطلقتهم الحكومة جميعهم إلا آل نبهان وولده فابقوا محفوظين. وزيادة على ذلك أمرت الحكومة بإخراج آل نبهان من أراضي (أم سباع) وإعطائها إلى حسن آغا. فلما صدر الأمر بذلك امتثلت تلك العشيرة الأمر وانتقلت من أرضها التي عمرتها بأيديها وجدها وكدها واحتلت دارا خربة هي وعيالها ومن يلوذ بها. والأمل أن الحكومة تستجلي الأمر وتؤدي لكل ذي حق حقه. لان الأمور بقيت معلقة بهذه الصورة الآن. الحقوق جريدة يومية تنشر في دار السلام إلا إنها تصدر الآن أسبوعية وهي (محبة للحقيقة وخادمة للحق) اغلب مندرجاتها باللغة التركية وفيها ما يقارب العمود باللغة العربية صدر عددها الأول في ٢٨ محرم ١٣٣٣٠ الموافق ١٨ كانون الثاني سنة ١٩١٢ وهي تطبع في مطبعة الشابندر وصاحبها ومديرها المسؤول اصغر زاده معروف أفندي ومحررها معروف أفندي المضحكات جريدة هزلية فكاهية تصدر في بغداد مرة في الأسبوع موقتا وقد برز

стр. 326

عددها الاول في ٨ صفر ١٣٣٠ الموافق ٢٣ كانون الثاني ١٩١٢ لصاحبها ومديرها م. لطفي. المعاجم العامية في اللغة العربية إني لست أول من تصدى لجمع الألفاظ العامية والدخيلة والتقاطها من أفواه العموم وتدوينها بطون الكتب والقواميس بل قد سبقني إلى هذا الموضوع الحيوي كثيرون من الأدباء. أما المؤلفات التي وصلت يدي إليها فهي ثلاثة: الأول، هو المعجم الموسوم بالدليل، إلى مرادف العامي والدخيل، تأليف اللغوي الفاضل رشيد أفندي عطية اللبناني وهو أكبرها حجماً وأدقها بحثاً وأغزرها مادة وفيه ما ينيف على ألف لفظة مع ما يرادفها من الكلمات العربية الفصحى وكان الفراغ من تأليفه في ٣٠ نيسان سنة ١٨٩٨ وقد جاء في الصحيفة ٣٤١ منه ما يأتي: (إن هذا الباب من التأليف في لغتنا لم يطرقه أحد بعد من الأدباء سوى الطيب الذكر الشيخ خليل شقيق علامتنا اللغوي الفاضل الطائر الشهرة الشيخ إبراهيم اليازجي. ولسوء الحظ انقض عليه طائر الموت فاختطفه قبل إنجازه ولم يتيسر لنا وجود شيء مما كتب في هذا الموضوع لنستعين به على الخوض في هذا الميدان) فيكون حسب رواية هذا الأديب أم حضرته أول من ألف في هذا الموضوع الجليل. والثاني هو: أصول الكلمات العامية تأليف حسن أفندي توفيق وهي الرسالة الأولى التي برزت في سنة ١٨٩٨ تقع في ٤٦ صحيفة وقد وعد

стр. 327

صاحبها انه سيشففعها بثانية وثالثة وهلم جراً ولكن لم يقم بوعده فلربما ثبطه عن سعيه تراكم الأشغال وهاك بعض ما ورد في المقدمة: (وقد اختلست أوقات الراح التي سمحت بها الأشغال للقيام بهذا الموضوع الوعر الطريق وبعد زمن ليس بالقليل وجدتني قد وقفت على كثير من أصول هذه الكلمات. إلى أن بعضها يحتاج إلى زيادة التحقيق والتدقيق كان بودي لو انشرها جميعاً في كتاب ضخم بعد تتبع كل الكلمات إلا أن كثير من الأخوان والطلاب رغبوا إلى أن انشرها تباعا في رسائل متتالية تعجيلاً بالفائدة وتسهيلاً للتداول. ولم يسعني سوى إيثاري رغبتهم وإبلاغهم أمنيتهم، فأنفذت هذه الرسالة الأولى في جامعة لأصول (مائة) كلمة مرتبة على حروف المعجم علها تكون داعية للشبان ولناشئة المدارس إلى تقويم ألسنتهم وباعثة لهمهم الأخوان للبحث معي في هذا الموضوع الذي يكاد تقصر دونه همة الفرد الواحد.) والثالث هو: الدوائر السريانية، في لبنان وسورية صدر عام ١٩٢٠ بقلم القس الفاضل يوسف حبيقة الماروني وهو الجزء الأول عدد صفحاته نحو ١٣٠ وقد وعد مؤلفه انه سيردفه بغيره ولكنه لم يقم بما قال والأسباب أجهلها. واليك ما ورد في مقدمة المؤلف: (فان أصاب كتابنا هذا عند حفدة العلم انعطافاً عليه ولاسيما حضرات الأعلام المستشرقين أتينا غير هذه نعدها أما على هذه الطريقة أو على سواها لأن إقبال الأدباء على ثمرات الأقلام يزيدها استدراراً وانتجاعهم رياض الأدب يحث من وليها ركاب الجد وراء تعهدها بما يزيدها رونقاً ورواءً)

стр. 328

فقد ظهر مما تقدم أن بعض أدباء سوريا ومصر ألفوا بعض كتب في العامي والدخيل. أما أدباء العراق فلا أظن أن أحداً منهم كتب شيئاً من هذا القبيل. لأني بحثت ملياً ونقبت لعلى اظفر بتأليف قديم أم حديث في لغة ديارنا لاستعين به على الإقدام في هذا الميدان فذهبت أتعابي أدراج الرياح ولم احصل على طائل. بيد أني وجدت داود أفندي فتو الصيدلي قد أخذ بتأليف معجم عربي إنكليزي يشتمل على لغة اغلب أهالي العراق وهو على وشك إنجازه وتمثيله للطبع فعساه وافياً بالمطلوب يمنه تعالى وكرمه رزوق عيسى (لغة العرب) أن جماعةً من المستشرقين كتبوا عن لغة العراق ولا سيما عن لغة بغداد، لكنهم لو يؤلفوا كتاباً قائماً برأسه في الألفاظ والمفردات. ومم خاض عباب هذا الموضوع أحد أبناء بغداد من النصارى وهو القس جبرائيل أوساني الكلدانى وقد نشر مقالة طويلة في هذا البحث أدرجها في مجلة أميركية اسمها (مجلة اللجنة الأميركية الشرقية) في سنتها الثانية والعشرين التي صدرت في سنة ١٩٠١ في الصفحة ٩٧ وما يليها وعنوان المقالة: (اللغة العامية البغدادية) والمستشرقون الذين طرقوا باب هذا البحث هم: الدكتور ماينر والدكتور يحيى الدانمركي وغيرهما.

стр. 329

العدد ٩ - بتاريخ: ٠١ - ٠٣ - ١٩١٢ السيد صالح القزويني تمهيد شعراء العراق في القرن الثالث عشر للهجرة، أو القرن الثامن عشر للميلاد، كثيرون واغلبهم من المكثرين. ومع توفر عددهم لا تكاد ترى لهم تراجم مدونة. وما ذلك إلا لضعف همم رجال ذلك العصر، أو لاشتهار أولئك الشعراء في عهد معاصريهم، فظنوا أن شهرتهم تنتقل خلفاً عن سلف. وما خالوا أن ما لا يدون في بطون الكتب والأسفار، لا يصبر على تتالى الإعصار. وممن برز

стр. 330

في حلبة الشعر السيد صالح ابن السيد مهدي ابن السيد رضى ابن السيد محمد علي الحسيني الشهير بالقزويني، من مقدمي شعراء العراق الامامية، واحد نوابغ دار السلام في القرن الماضي ٢ - نسبه وولادته وأول نشأته ولد في النجف نهار الخميس في اليوم ١٧ من شهر رجب من سنة ١٢٠٨ (١٩ شباط سنة ١٧٩٣) وما كاد يترعرع إلا ومال إلى الشعر كل الميل وكانت نفسه كبيرة نتوق إلى الأعالي وتميل إلى الأمور الدينية السامية. ولما كان مسقط رأسه مدينة العلم والدين معاً ساعده منشأه على إنماء شواغره وتوجيهها احسن متجه ولهذا اصبح وهو صغير السن متقد الخاطر قوي الحافظة بعيد الهمة صادق اللهجة متضلعاً من العلوم الدينية والدنيوية معاً. ولما راهق اخذ يتلقن مبادئ العلوم من بعض مشايخ أهل بلدته حتى بلغ اشده فأخذ الفقه والتفسير والمعاني والبيان والمنطق وغيرها من العلوم العقلية والنقلية عن الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر (في الفقه) وكان هذا من مشاهير عصره في قطر العراق ولاسيما في النجف إلا أن السيد صالحاً اشتهر بشعره الرائق الرقيق المترقرق حتى اقر بالسباق أئمة عصره من قاص ودان. ٣ - (خلقه وخلقه) كان السيد صالح حسن الصورة ابيض اللون مشرب حمرة بهي الطلعة طويل الرقبة ممتلئها أزج الحاجبين أفنى الأنف صغير الأذنين

стр. 331

أنجل العينين أزرقها واسع الجبهة بارزها اسود الشعر في صباه بين الوجنتين طويل الحية كثها خفيف الشاربين متوسط الفم رقيق الشفتين العسهما طويل الذراعين خثن الكفين لطيف البنان طويل النجاد خشن العظام ريان الأعضاء لاسمينا بدينا ولا ضعيفا نحيفاً. وأما خلقه فكان كثير الأدب حسن السلوك ومما كان يشاهد فيه وهو أمر نادر في أبناء الإمامة البشاشة فانه كان طليق المحيا يهش بمن يلاقيه وكان مع ذلك على جانب عظيم من التؤدة والوقار لا تكاد تنظر إليه إلا ويجذب قلبك بمحاسن سمته لما طبع عليه من كرم الخصال والمزايا الشريفة وكان من عادته أن لا يرد سائلا أبداً أن استجداه أن في الطريق وان في المجالس العامة. وكان مضيافا يحب إكرام زائريه في أقصى الغاية فان داره كانت تقسم إلى قسمين البهو وهو (الدوة خانة أو الديوان خانة) وكان يستقبل فيه الضيوف ويعدون بالعشرات كل يوم والحرم وهو البيت المعد للسكنى. وكان ينتاب مجلسه الشعراء والعلماء والأدباء والفضلاء على اختلاف مراتبهم وطبقاتهم وإذا جرى الحديث بحضوره لم يجسر أحد أن يخلط به ما يخالف أصول الآداب أو الدين أو يشتم منه رائحة العداوات لأنه كان يضع له حداً لا يتعداه أحد كما أنه كان يزع الحضور وزعاً فت منتهى الأدب والرقة واللطافة إذا احتاج الأمر إلى ذلك ولما كان عمله هذا بارزاً بأحسن صورة من المجاملة

стр. 332

فما كنت ترى أحداً يمتعض منه البتة. ٣ - (شعره) قال الشعر منذ حداثته ونظم القصائد الطويلة النفس العامرة الإثبات وقد أبدع في الوصف حتى يصح أن يقال فيه إنه كان شاعراً ساحراً وقد وضع ديواناً قائماً برأسه اسمه الدرر الغروية في العترة المصطفوية. موضوعه مديح نبي المسلمين والأئمة الأثني العشر والديوان يشتمل على أربع عشرة قصيدة في مدح كل من نسبت إليه. وأبيات كل قصيدة تزيد على المائتين والقصائد كلها تشتمل على ما يناهز ثلاثة آلاف بيت. وله ديوان ثانٍ كبير الحجم موضوع نظمه يختلف بين مديح وثناء ووصفٍ وردٍ وحكمٍ وعلمٍ ونسب وغزل ورثاء إلى آخر ما هناك لأنه طرق جميع أبواب الشعر وقد انشد اغلب قصائده في أيام غضاضة أهابه ومقتبل شبابه ثم مازال يقال من النظم ويجرد المواضيع من كل ما لا يناسب تقدم العمر حتى انقطع عنه بتة عند تجاوز سن الكهولة لأنه كان يعتبر الشعر منقصة وشأن الإنسان في كماله أن لا يتجنب الآثام فقط بل أن يتحاشى النقائص أيضاً ولهذا فطم نفسه عما تحن إليه. حتى تفرغ للعلم كل التفرغ والمراد بالعلم علم الدين بفروعه وكان لا يمدح في شعرهِ إلا أهل البيت والأحباب والجلساء والعلماء ومن يحق له أن يمدح. . .

стр. 333

٤ - (انتقالهِ إلى بغداد وزواجه وأولاده ووفاته) إن السيد صالح لم يقم طول عمرهِ في النجف يل صعد إلى بغداد في سنة ١٢٥٩هـ (١٨٤٣م) وكان قد تزوج في النجف ابنة أستاذه ومعلمه الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر المذكور ولما جاء بغداد تزوج ابنة الحاج محمد علي الشهير بالصفار. وولد له ستة بنين وست بنات. أما البنون فهم ١: السيد مهدي وكان عالماً فاضلاً ٢: السيد راضي وكان شاعراً مجيداً ماهراً بالتخميس كان إذا خمس قصيدة زاد الأصل حسناً ورونقاً وبهاءً بما يحيطه من درر نظمه ولفظه الرائع وقد أعقب أبناؤهم السيد محمود والسيد جواد والسيد أحمد وقد توفوا هم وأبوهم ٣: السيد باقر وقد توفي ٤: السيد حسون ٥: السيد علي وهما حيان يرزقان. وقد توفي السيد صالح القزويني في بغداد نهار الجمعة بعد الظهر ٥ ربيع الأول من سنة ١٣٠١هـ (٤ كانون الثاني ١٨٨٣م) وكان عمره زهاء ٩٣ سنة ثم نقلت جثته ودفنت في النجف. قصر بخت نصر (تلو) وفي وسط هذه الجادة بين القصرين قصر الشمال الشرقي وقصر الجنوب الشرقي رتاج (باب عظيم واسع) مزدوج يرى إلى

стр. 334

يومنا هذا وهو محفوظ احسن الحفظ. على أن الذي يستوقف طائر بصر الناظر الحائر وخاطر المتجول الزائر ويثير فيه عواطف العجب العجاب هو نقشان بارزان منقوشان في الآجر نقشاً دقيقاً محكماً متقناً بديعاً رائعاً يأخذ بمجامع القلوب ويسحر الألباب ويفتنها فتناً يرى في كل نقش من هذين النقشين الرائعين ثور أو حيوان خرافي كالثور، لسانه لسان حية نضناض، ومخالبه مخالب يبر هزبر، وذنبه ذنب عقرب شائل، وعنقه عنق تمساح مراوغ. ومن ينظر هذين الحيوانين الغريبين العجيبين البارزي النقش لا يتمالك عن أن يحكم حكماً صائباً: أن الأقدمين كانوا قد أمعنوا كل الإمعان في هذه الصناعة، وقد بلغوا منها أقصى الغاية وابعد المرمى. وأما الحيطان الخارجة عن هذه الجادة، فالظاهر من كلام المؤرخين إنها كانت مزينة بأسد من آجر مطلية بطلاء اصفر كالميناء (أي القيشاني أو الكاشاني) على ارض بيضاء.

стр. 335

وقبل أن ننزع في قوس البحث ونتعهد القسم الأخير من هذا الصرح الممرد وهو اجمل قسم فيه. نغادر هنيهةً هذه الأطلال الناطقة بلسانها الأعجم افصح نطق لنعبر الجادة العظمى ونزور دوارس هيكل الزهرة، وهذا الهيكل يشتمل على فناءٍ صغير ومقدس ومشكاة (روزنة اورشن) كان يضع فيها تمثال هذه المعبودة، وكان التمثال من الذهب الإبريز، وكان قد عقد عليها قبة من الذهب الخالص أيضاً إلا إنها لم تكن عالية. هذا ما نقله إلينا الرواة وثقات المؤرخين ووجد مسطرا في الرقم المكتشفة في تلك الأنحاء. فإذا علمت هذا تصور الآن تألق تلك القبب المتلألئة حينما تشرق عليها الشمس أو تفيض عليها صيب أنوارهما عند تكبدها السماء في بلاد كبلاد الشرق الرائقة الهواء الشفافة الأثير، الناعمة الأديم. وفي قصر طوله من أربعمائة إلى ستمائة مثر في عرض ثلاثمائة متر، وقد تدفقت فيه جميع أعاجيب الكون والطبيعة، وغرائب الصناعة البديعة ومحاسن الزهو الرائعة السنيعة. وأما مجدل الجنوب الغربي متصل بمجدل الجنوب الشرقي بأبنية فخمة ضخمة، قوراء غراء، مقسومة إلى ردهات وغرف متعددة، وفي هذا الصرح الممرد، وجدت الردهة الكبيرة، ردهة العرش، التي لو كان يجمع فيها هذا الطاغية مجلسه العظيم، ويعقد فيه تلك المقاصد بل المطامع، التي كان غرض مرماها إخضاع الدنيا كلها

стр. 336

إلى صولجان، فهذه الردهة هي والفناء الداخلي الذي بين يديها محفوظان احسن الحفظ حتى أن الرائي يستطيع أن يشاهد مشاهدة صادقة الطوابيق (الآجر) المفروشة فيهما فوقفنا في هذا المعهد وقوفاً طويلاً لسرح فيه طائر النظر، ونطلقه على القرون الماضية الخالية المنقرضة فيذهب ويحلق في عالم الخيال، ويستحضر تلك الأمم البائدة، من حاضرة وبادية، ويحييها بلمح البصر، ويبعث فيها دبيب الحياة ومظاهرها، ومحاسنها ومساوئها ويشاهد ما كان يصدر من أصحابها. ثم نعيده إلى الأيام الحاضرة وهو حاسر نقض، فينبئنا بلسان فصيح عن أمور لا يسع إيرادها القلم، لان ذلك اللسان لسان الفكر، لا لسان الفم. ومما صوره لنا هذا الطائر الخيالي مشهد الوليمة الشهيرة التي أولمها بلعشصر آخر ملوك بابل ويرويها لنا التنزيل العزيز بتفاصيل تريك الأمور بصورتها وحقيقتها، بل تجعلك كأنك واحد من أولئك المدعوين إليها. ولقد نشر لنا الخيال تلك الحقائق التاريخية من دفائنها أي نشور، حتى إننا رفعنا لننظر إلى الحائط الذي كتبت عليه تلك الألفاظ العجيبة، أو الغريبة، أو السرية، والسحرية، أو المطلسمة، بل الأولى والأصح الإلهية إذ خطتها أنامل يهوه، فلم نرها، فتأكدنا إننا من أهل الغفلة، لا من أهل اليقظة، ومن أهل الذهول، لا من منتبهي العقول. وإننا في عالم الخيال، لا في عالم المثال. فيالها من الألفاظ، وما هي إلا ثلاثة! (منا، ثقل، فرس) هـ لكنها

стр. 337

من أهول ما كتب في الكتب، ومن اعجب ما دون في الصحف، ومن اذهل ما تحقق تأويله، كيف لا ومؤوله دانيال النبي الكبير. فإذا زدت على هذا كله أن الموقف هو الموطن الذي أولمت فيه تلك الوليمة المشوومة التي عقبها بعد قليل فتح كورش لبابل تحققت أن ما تولانا من الحرس واعتقال اللسان والدله مالا مزيد عليه وان كان الفاصل بيننا وبين أولئك الأقوام البائدة أعوام مديدة بل عصور عديدة. ولم نجسر أن نزور في هذا النهار اكثر مما زرنا، خوفاً من أن يكل غرب نشاطنا وتخور قوانا. ولذا رجعنا إلى مضيفنا نمشي الهوينا ونحن نفكر في تلك الممالك الضخمة التي أبادها ربك لكبريائها وغطرستها. وأما منزل القرى فانه مبنى كسائر أبنية هذه البلاد أي انه عبارة عن دار فيها فناء تطل عليه جميع الغرف والعلالي. وهي واسعة ذات رفاهة جديرة بساكنيها المهندسين والمنقبين الألمانيين. ومن حسنات هذه الدار إنها مبنية على عدوة الفرات، وقد تحول قليلاً عن عقيقه الأول الذي كان عليه في عهد غضارة بابل. هذا ووجود الأشجار، وتدفق الأنهار، وتجاوب الاطيار، في تلك المواطن الساحرة للأنظار وللأفكار، ذكرينا منفى اليهود إلى هذه الديار، فأخذنا كتاب صلواتنا، وجلسنا على شط هذا النهر الجليل، وأخذنا نتلو ذاك المزمور الذي مستهله: (على انهار بابل) والذي انشأ في هذه الأرجاء الغناء.

стр. 338

وفي تلك الأثناء كانت الشمس تنحدر في الأفق كل الانحدار، حتى غابت عن الأبصار، وراء رمال تلك القفار، فأجبرتنا جنود الظلام، على العودة إلى دار أولئك الكرام، وفي خلال تناولنا الطعام، أخذنا نتجاذب أطراف الكلام، ولم تخرج مواضيعها كلها عن أمور الخفر والتاريخ ووقائع الأيام. ولما اقبل وقت النوم شعرنا بحاجة عظيمة إليه استجماعاً لقوانا، لأننا كنا قد عزمنا على أن نسير على دوابنا ست ساعات لنزور ما هو واقع على طف الفرات، وهو ما يظنه البعض (وظنهم فائل) انه: (برج بابل)، وتسميه كتب التاريخ: (برج نمروذ) وتسميه العرب منذ سابق العهد إلى زمننا هذا: (برس) أو (برس نمروذ) وقد ورد ذكره في كتب الفتوحات كما سنذكره بعيد هذا. والرأي الراجح اليوم هو أن هذه الأنقاض هي بقايا (هيكل نيو) الذي يتكلم عنه اشعياء والذي كانت تفتخر به بابل. ومهما يكن من حقيقة الأمر فان الليلة كانت طيبة، وما كاد جبين الصباح الاغربيين إلا وسمعنا في جوارنا دويا مهماً هو جعجعة الجواريش وكانت النساء في أثناء الطحن يغنين غناء شجياً على نغم واحدٍ. وما سمعنا ذلك إلا وتذكرنا كلام

стр. 339

إعياء النبي القائل لبنات بابل اللواتي ربين في الترف والكسل: (انزلي واجلسي على التراب، أيتها البكر بنت بابل، اجلسي على الأرض، فانه لا عرش لك يا بنت الكلدانيين، ولا تدعين من بعد ناعمة مترفة، خذي الرحى واطحني الدقيق، اكشفي نقابك وشمري الذيل (اشعياء ٤٧: ١ - ٢) -. من العجب أم مر على كلام الرب قرون وعصور ولم نر ما يكذب ذاك العقاب الذي عاقب به تلك المدينة العظمى من جراء شعب الله. وكنا نتصور عند سماعنا تلك الجعجعة إننا نسمع دائما ذلك الوعيد يدوي في آذاننا، ولعل تلك النساء كن مولودات في أرض تلك المدينة القديمة بابل العظيمة. (الأب يوسف لويس الكرملي) بقايا قصور الخلفاء في مدينة سامراء تابع لما في الجزء الخامس ٥ - قصر الخليفة إذا جزت (بركة السباع) أو (أم البطوط) وأنت متوجه إلى الشمال الغربي، وقطعت مسافة لا تقل عن ٥٠٠ متر تقف على قصر يعرف اليوم عند أهل سامراء (بقصر الخليفة) والبعض

стр. 340

يسميه: (دار الخليفة) والمعنى واحد. وهو الذي مر ذكره في آخر مقالة الجزء الخامس. أما هيئة هذا القصر فتشبه بعض الشبه (إيوان كسرى) المشهور الواقع في شرقي بغداد في جانبها الشرقي على مسافة عشرين كيلومتراً تقريباً. ولا نعلم شيئا يعتمد عليه من أمر هذا القصر بوجه اكيد، ولا لمن هو، ولا أي خليفة كان ينزله كما نجهل الخليفة الذي ينسب إليه، والوقت الذي بني فيه، ونحن لم نعثر على ما يدلنا إلى غايتنا، لا كتابة ولا علامة، إذ الذي يشاهد هو بناء مرتفع ذاهب في السماء وقد افترش من الأرض مساحة تقارب كيلومترا، وهو ولاشك من آثار الخلفاء العباسيين الذين دوخوا العالم بمدنيتهم وحضارتهم، إذ لكل من نزل سامراء شيد فيها قصرا بل ربما قصورا، لا سيما المتوكل، فقد قال ياقوت في معجمه عند ذكره قصور سامراء: (وأراد الرشيد أيضاً بناءها (يعني سامراء) فبنى بحذائها سراً بازاء اثر عظيم قديم كان للاكاسرة. . . وكان الرشيد حفر؟ دها نهرا سماه (القاطول) (وهو الذي مر ذكره في الجزء الرابع من هذه المجلة) واتى الجند وبني عنده قصراً، ثم بنى المعتصم أيضاً هناك قصرا ووهبه لمولاه اشناس. . . ولم يبن أحد من الخلفاء سر من رأى من الأبنية الجليلة مثل ما بناه. فمن ذلك القصر المعروف (بالعروس)، انفق عليه ثلاثين ألف درهم، والقصر

стр. 341

(المختار) خمسة آلاف ألف درهم، (والوحيد) ألفى ألف درهم (والسيدان) عشرة آلاف درهم، و (البرج) عشرة آلاف ألف درهم، (والصبح) خمسة آلاف ألف درهم، (والمليح) خمسة آلاف ألف درهم، (وقصر بستان الايتاخية) عشرة آلاف ألف درهم، (والتل) علوه وسفله خمسة آلاف ألف درهم، (والجوسق) في ميدان الصخر خمسمائة ألف درهم،

стр. 342

(والمسجد الجامع) خمسة عشر ألف ألف درهم، (وهو الذي جاء وصفه في الجزء الخامس باسم مسجد الملوية)، وبركوارا (ويروى بركوان وهو خطاء) للمعتز ألف ألف درهم، (والقلائد) خمسين ألف دينار، وجعل فيها أبنية بمائة ألف دينار. (والفرد) في دجلة ألف ألف درهم، (والقصر بالمتوكلية) وهو الذي يقال له (الماحوزة خمسين ألف ألف درهم. (والبهو) خمسة وعشرين ألف ألف درهم، (واللؤلؤة خمسة آلاف ألف درهم. . . وكان المعتصم والواثق والمتوكل إذا بنى أحدهم قصراً أو غيره، أمر الشعراء أن يعلموا فيه شعراً فمن ذلك قول على بن الجهم في الجعفري الذي للمتوكل: ومازلت اسمع أن الملك ... تبني على قدر أقدارها واعلم أن عقول الرجال ... تقضى عليها بآثارها فلما رأينا بناء الإمام ... رأينا الخلافة في دارها بدائع لم ترها فارس ... ولا الروم في طول أعمارها وللروم مشيد الأولون ... وللفرس آثار أحرارها وكنا نحن لها نخوة ... فطامنت نخوة جبارها وأنشأت تحتج للمسلمين ... على ملحديها وكفارها صحون تسافر فيها العيون ... إذا ما تجلت لأبصارها وقبة ملك كأن النجوم ... تضيء إليها بأسرارها نظمن الفسافس نظم الحلي ... لعون النساء وإبكارها

стр. 343

لو أن سليمان أدت له ... شياطينه بعض أخبارها لا يقن أن بني هاشم ... تقدمها فضل أخطارها ولا تكاد ترى اليوم أثراً لهذه القصور التي ذكرها ياقوت بل ولا تسمع من أسمائها إلا ما ذكرناه أو سوف نذكره. ٢ - قصر الخليفة قصر ينبئك مرآه ورصانة بنائه وحسن وضعه عن مدنيةٍ لم تجئ في العصور التي تلت بناء ذلك الصرح. فهو إذن اثر عظيم من آثار العراق الخالدة. ونظن أن هذا القصر من أبنية المعتصم، ويؤيد ظننا قول اليعقوبي في كتاب البلدان وهذا نصه:. . . (ويمتد الشارع (أي الشارع الكبير وهو الأول) وفيه قطائع عامة إلى دار هارون بن المعتصم وهو الواثق. ) ثم باب دار العامة ودار الخليفة وهي دار العامة التي يجلس فيها يوم الاثنين والخميس:. . (ثم قال عن الشارع الثاني.،. (ويتصل ذلك (أي مجموع الإقطاعات) إلى باب البستان وقصور الخليفة.) اهـ والذي أقطع الاقطاعات وبنى القصور وكان صاحب دار العامة هو المعتصم بالله. ولعل هذا القصر من بقية قصور الخليفة وإنما لم يقولوا (قصور الخليفة) بالجمع لان من يراه اليوم وهو قصر واحد ظن انه إذا سماه بلفظ الجمع يخطأ، فلهذا يعدل عنه إلى المفرد تطبيقاً للكلام على حقيقة الواقع فيقول (قصر الخليفة) والجري على هذا السنن من مألوف عوائد أعراب العراق في تحريف الكلم عن مواضعها.

стр. 344

أو لعل ما يرى اليوم هو دار العامة لان بعض أهل سامراء يسميه اليوم (دار الخليفة) كما ذكرناه فويق هذا. وهذا الاسم يقرب أيضاً الظنون من الرأي الأول. وعلى كل فهو لابد أن يكون للمعتصم أو لولده المتوكل والله اعلم. ودونك الآن وصف هذا القصر على ما يرى اليوم: هو إيوان كبير كما أسلفنا القول في صدر هذه المقالة وعن جانبيه إيوانان آخران أصغر منه طولاً وعرضاً وارتفاعاً. ووجهه يقابل الشمال الغربي. أما طول الإيوان الكبير وهو الأوسط فيبلغ ١٣ متراً وعرضه ثمانية أمتار ونصفاً. وارتفاعه ٢٥ متراً. وفي آخره من داخله باب ينفذ إلى إيوانٍ صغير ليس له منفذ من الجهة الأخرى. أما عرض الباب المذكور فثلاثة أمتار ونصف ارتفاعه خمسة أمتار. وعرض الجدار الذي عليه طرفا عقد الإيوان الكبير فطول كل منهما خمسة أمتار ونصف. في أربعة أمتار ونصف متر عرضاً وعشرة أمتار علواً. وعرض الحائط الذي يقوم عليه طرفا العقد متران أيضاً. ولكل منهما من الداخل باب ينفذ إلى حجرة صغيرة. أما عرض الباب فمتران وارتفاعه ثلاثة أمتار ونصف مترٍ. أما بناء هذا الصرح الفخم فبالجص والأجر أو الطاباق الكلدانى، وبعض هذا الطاباق من نوع طاباق جامع الملوية، وقد فرش صحنه بالطاباق الكبير المذكور أي الكلداني وكل عقوده

стр. 345

مقوسة. وعن جانبيه فناءان طول كل منهما سبعة أمتار. أما الفناء الذي عن يمين الإيوان المقابل للشرق فقد سقط ثلثه وبقى منه ثلثان. والذي عن الشمال وهو المقابل للغرب فقد هدم ثلثاه ويلم منه ثلث واحد. ووراء الإيوان المذكور تجاه الجنوب الشرقي بناء قد بقى منه شيء وهو متصل به وما هذا الشيء الأرسمه. ويمتد إلى الشرق من وراء الإيوان مسافة ثمانية أمتار ونصف متر وحوله أنقاض جمة لا تكاد ترى موضع شبر من أرضها خالياً منها لتراكمها وتكاثرها. وفوق سطح الإيوان جاه الشرق أو قل تجاه الشمال الشرقي شرافة قد سقط معظمها وبقي منها ما يبلغ علوه زهاء ثلاثة أمتار في متر ونصف طولاً. والإيوان الكبير مائل بهيئته الأولى ولم يتلف منه إلا بعض الحجارة وبينه وبين الشط قراب كيلومتر. ٣ - سوراشناس على بعد نحو ١٣٠٠ متر من جهة الشمال الغربي من سامراء سور اشناس. هذا الاسم القديم معروف إلى هذا اليوم وهو مضاف إلى اشناس التركي قال اليعقوبي: (واقطع (أي المعتصم) اشناس وأصحابه الموضع المعروف (بالكرخ) وضم إليه عدة من قواد الأتراك والرجال وأمره أن يبنى المساجد والأسواق. . . ولما

стр. 346

اقطع اشناس التركي في آخر البناء مغرباً واقطع أصحابه معه وسمى الموضع (الكرخ) أمره أن لا يطاق لغريب من تاجر ولا غيره مجاورتهم ولا يطلق معاشرة المولدين. . . وقال ياقوت. . . ثم بنى المعتصم أيضاً قصراً وهبه لمولاه اشناس وانزل اشناس بمن ضم إليه كرخ سامراء وهو كرخ فيروز. . . ولم يبق منها (أي من سامراء) إلا الموضع الذي به سرداب القائم المهدى ومحلى أخرى بعيدة منها يقال لها كرخ سامراء. . .) أما السور فهو عبارة عن شرفات قاعات لا غير، وبناؤه باللبن والجص وساحته كلها عبارة عن تلول صغار وكبار ومساحته بقدر مساحة عيسى المار ذكره في الجزء الخامس، بل ربما يزيد عليه بقليل. وفي جوانبه الأربعة أنقاض كثيرة. وإذا جزته وأنت متجه إلى الشمال الغربي تقع بعد مسافة نحو (٥٠) متراً على طريق شبيه بالشارع عرضه زهاء عشرين متراً ويمتد إلى أبي دلف قراب خمسة كيلومترات إلا انه يتشعب من جانبيه مسالك وطرق كثيرة هي اليوم ضيقة تتفاوت مسافاتها في القرب والبعد عن سامراء.

стр. 347

٤ - أبو دلف إذا أمنعت في ذلك الشارع ينتهي بك إلى (أبي دلف) وهو عبارة عن مسجد له سور بالطاباق والجص على غرار سور (مسجد الملوية) بالطول والعرض، بل ربما يكبره بقليل. أما طاباقه فهو أكبر حجماً من طاباق مسجد الملوية وأقوى بناءً واحسن هندسةً. وقد سقط جانبان منه وبقي الجانبان الآخران. وفيه منارة بهيئة منارة مسجد الملوية إلا إنها ليست مفتولة بل مستديرة مستطيلة يبلغ محيط أسفلها نحو (١٣٠) متراً وأعلاها قراب (١٠) أمتار. وهي دون الملوية علواً بنحو (١٥) متراً والجامع قريب من دجلة بينه وبين الماء زهاء (٢٠) متراً وفوقه بنحو (٥٠) متراً صدر نهر (الرصاصي)، وقد كانت عليه في سابق العهد قنطرة عامرة مبنية بالجص والطاباق وقد تهدمت اليوم ولم يبق منها سوى الأثر. وحول أبي دلف شرقاً وغرباً أنقاض وتلول تفترش على أرض

стр. 348

تبلغ مسافتها نصف مسير نصف ساعة، ثم إذا جزت تلك الأنقاض وسرت في أرض تقارب مساحتها مساحة تلك الأرض التي غادرتها تقف في قرية الدور. كاظم الدجيلي غنى هيت وذكر معادنها ٦ - هوائها وماؤها وأرضها وزراعتها هوائها طيب ومناخها حسن وأرضها عذبة. وليس في العراق بلدة مشهورة بنقاوة هوائها وصفاء مائها وحسن تربتها مثل هيت. ولهذا اشتهر أهلها بالزراعة والحراثة منذ سابق العهد إلى يومنا هذا. لكن زراعة اليوم ليست كزراعة أمس في عهد العباسيين فهي لا تكاد تذكر بجنب ما كانت عليه في عصر غضارتها.

стр. 349

٧ - البلور يرى في نهر الفرات بين هيت وعانة بلور يستخرجه بالغطس بعض أهالي الأنحاء فيتزين به بناتهم ونساؤهم. ٨ - المغرة وفي غربي هيت على بعد نصف ساعة نوع من التراب اسمه المغرة ويسميها بعضهم (القرمز) وهو في بطن من الأرض تقدر مساحته بنحو نصف كيلومتر. ٩ - الكبريت في هيت وضاحيتها وجوارها عيون كبريت كثيرة وقد قدر بعض العارفين ريع ما يستخرج منه لو بذلت له الهمة بنحو خمسين ألف ليرة سنويا. لكن أصحاب الهمم؟ ١٠ - النورة في هيت نفسها وأطرافها نورة كثيرة منها ما هو على وجه الأرض ومنها ما هو مدفون في بطنها. واغلب ما تكون في الأرضيين المرتفعة حتى أن بضع عيالٍ قد اتخذت استخراجها وبيعها مهنة لها فتبيعها على نفقتها بدون معارضٍ. ١١ - الفحم الحجري على بعد كيلومترين من هيت في الجهة الشرقية منها مناجم فحم حجري وتقدر مساحة تلك الأرض بنحو عشرين كيلومتراً. حتى أن بعض العارفين يقول: لو اهتمت شركة بتعدين هذه المناجم

стр. 350

لأمكنها أن تستخرج منها اكثر مما يستخرجه الأمير كيون في اركلي من بر الأناضول. ١٢ - الملح في الجهة الجنوبية من هيت وعلى بعد ثلاثة كيلومترات منها ملح كثير مبذول. واغلب ما يكون في الأراضي المرتفعة وفي هيت عين ملح كبيرة تجرى في الشتاء بقوة ١٢ حصاناً وفي الصيف تنجمد فتستخرج الحكومة ملحها. ١٣ - الزيت الحجري على بعد كيلومتر من هيت وفي الجهة الجنوبية منها الزيت الحجري (البترول) بكثرة، وتقدر مسافة الأرض التي فيها هذا السائل النفيس بكيلومتر مربع. وهو شيء ليس بزهيد. وفي جانبها الشرقي عين أخرى على حافة الفرات اسمها (النفاطة) وهناك جماعة من العسكر تحافظ عليها وتستخرج منها النفط الأسود ليباع في الأسواق. ١٤ - البورق الورق كثير الوجود في هذه المدينة حتى أن الفقراء يبنون بيوتهم بحجارته فضلاً عن الأغنياء والموسرين. وهو يقطع من جبل محيط بهيت. ١٥ - عيون مياه معدنية على ربع ساعة من شرقي هيت عين تنبط ماء معدنياً حاراً

стр. 351

اسمها (العين الجرباء) يقصدها أهالي هيت والديار المجاورة لها ليستحموا بها إذا أصيبوا بالجرب أو بمرض من أمراض الجلد. وماؤها ملح ورائحته كريهة كسائر المياه المعدنية الكبريتية الجوهر. ١٦ - عيون القار في هت اكثر من عشر أعين يجري منها القير على أنواعه وأشهرها ثلاث وهي كبار والسبع الأخر صغار. فإحدى الكبار في جنوبي هيت والثانية في شرقيها والثالثة متوسطة بينهما. واليك تفصيل هذه العيون: ١ - عن (لطيف) (والكلمة مصغرة) تنبع قيراً نفيساً ٢ - عين (الذهبي) تفيض قيراً أيضاً، وعلى وجه الماء رغوة خفيف ذهبية اللون. ٣ - عين (دروبي) بضم الدال والراء وإسكان الواو وكسر الباء الموحدة ثم ياء مثناة) وتجرى قيراً حسناً، لكن رائحة هذه العيون لا تطاق. وهي على بعد عشرين دقيقة من البلدة، وينبط منها الماء مرتفعاً صعداً إلى علو متر ونصف متر عند اشتداده العظيم. ومع الماء يخرج الحمر (أي القير) كتلاً كتلاً بحجم البندقة أو أصغر، وكلما هدأت قوة الاندفاع لانسداد مسام العين حفرها صاحبها وتتبع آثارها في أعماق الأرض. والماء المنبجس منها عكر وله دوي عظيم يسمع على بعد خمس دقائق وحرارته واحدة صيف شتاء ولا تنقص كميته على مدار السنة، ويخرج من هذه العين

стр. 352

يومياً من أربعين إلى مائة حمل حمار من القير الفاخر. والقيم عليها يضمنها من الحكومة بعشرين قرشاً صاغاً عن أربع وعشرين ساعة. ٤ - عين (لائق) يغتسل فيها المرضى والزمني أصحاب العاهات الجلدية. ٥ - عين (معمورة) تسيل (قسطاً) وهو القير الذي يعلك ٦ - عين الملح وهي تفيض ماء ملحاً ومعه فصفور وقير. والماء سخن صيف شتاء. وعند خروجه من منبعه تسمع له بقبقة شبيهة ببقبقة الكوز. يسمعها من يدنو منها. وقد اهتم من يعنى باستخراج الملح منها بتحويل الماء عند خروجه إلى دبرات يقيم فيها مدة ستة أشهر اقل أو اكثر وبعد تبخر السائل منه يرسب الملح طبقات بعضها فوق بعض يكون ثخنها من سنتمترين إلى خمسة عشر سنتيمتراً، وهو ابيض اللون حسن الطعم تحمل منه سنوياً أحمال كثيرة تشحن بها السفن فتنزل بها إلى بغداد أو البلاد الراكبة الفراتين ولشدة ملوحته يضرب طعمه إلى المرارة ولهذا لا يستعمله البغداديون للطعام بل للصنائع فقط. وهذه العين نفسها تجري قيراً ومادة فصفورية فالقير يعوم على

стр. 353

وجه الماء كتلاً صغيرة يجمعها القيم عليها كلما كثرت وتجمعت. والعين مكشوفة على مساواة وجه الأرض مستديرة الشكل يبلغ قطرها متراً واحداً ولا يحيط بها إلا دائرة من التراب صدا للمياه النابعة كي لا تطفح عليها وتصب فيها من كل الجهات وللماء منفذ واحد غلظه غلظ الزند، ومنه يجري في ساقية مكشوفة ومنها إلى الدبرات والمشاور، - أما المواد الفصفورية فتراها سابحة على وجه الماء تنبعث منها تلك الرائحة المشهورة التي تغنيك عن وصفها وكنهها. وإذا كان الإنسان جاهلاً خواص الفصفور ومفاعيله في الجسم ولمس تلك المواد فانه يحترق لا محالة. كما جرى لبعض الهيتيين الذين يعترفون للسائح بان عين الملح تقذف ناراً طبيعية، ولهذا لا يجسر أحد على جمع تلك المواد الثمينة لأنهم يجهلون كيفية التقاطه ومنافعه العديدة في أمور الكيمياء. ٧ - عين (المرج) (وزان سبب) وهي تنبع قسطاً. ٨ - (العطاعط (وزان سباسب) وهي تفجر قيراً فقط ولا يبض منها قطرة ماء. ٩و١٠ عينا (الجرب) (وزان سبب) وهما عينان تفيدان أصحاب العاهات الجلدية. هذه العيون التي تحققت وجودها ومنافعها المعدنية، فهل من حاجة بعد هذه الحقائق المذكورة إلى القول أن هيت من أغنى مدن الدولة العثمانية ومع ذلك فلا ترى من يستغل أو يستثمر ما فيها من أسباب

стр. 354

الغنى والثروة ورقى البلاد، مع انك لوزرت إحدى مدن ديار الإفرنج ولها عين واحدة معدنية الماء أو فيها مادة مفيدة من نفط أو زيت حجري أو قير أو ملح أو كبريت أو فصفور أو نحوها لرأيت أصحابها الثروة يكترون (يضمنون) ما فيها من المرافق ومندفق الريع والإناء. وتحققت أن من عنى باستثمار ما في الطبيعة فالطبيعة تفيض عليه بالفواضل والنعم، عسى أن ييسر الله من يحقق هذه الأماني من أبناء الوطن. وإلا سبقنا الأجانب إلى تلقف ما في أيدينا لأننا لا نعرف قدره. والسلام على من سمع وعمل. إبراهيم حلمي من طلبة المكتب الإعدادي الملكي هل كان أعشى قيس نصرانياً ؟ سألنا سائل قال: قرأت في كتاب شعراء النصرانية للأب الفاضل لويس شيخو اليسوعي أن أعشى قيس كان نصرانياً إذ عده بين شعرائهم. ثم بحثت في كتابه عن دليل يؤيد هذا الرأي فلم أر فيه إلا قوله: وقال يذكر مدينة اورشليم (١: ٣٧٨) وقال يمدح بعض أكابر بيوتات النصارى ودياراتهم: (ص٣٧٢). وكعبة نجران حتم عليك ... م حتى تناخي بأبوابها نزور يزيداً وعبد المسيح ... وقيسا هم خير أربابها وقال يمدح يزيد وعبد المسيح أبني الديان (وكانا من النصارى) وقيل: يمدح السيد والعاقب أساقفة نجران: (ص٣٨٤) ألا سيدي نجران لا يوصينكما ... نجران فيما نابها واعتراكما. . .

стр. 355

وان أحلبت صهيون يوماً عليكما ... فان رحا الحرب الدكوك رحاكما فهل هذه الأقوال كافية ليستنتج انه كان نصرانيا؟ قلنا: ١ - لم نعثر في ما قرأناه على من صرح أن أعشى من باب إطلاق اللفظ أو من باب التغلب) كان يدين بالنصرانية. ٢ - لا يجوز لكاتب أن يستنتج أن فلانا نصراني لكونه مدح نصرانيا أو ذكر ألفاظاً نصرانية أو ذكر معتقدات النصارى فان لكل أديب فاضل من كل دين اطلاعا كافية على أصحاب سائر الأديان ومعتقداتهم. فمجرد الاطلاع على شئ لا ينتج قبوله أو القول أو القول به. وإلا فلم لا يقال أن الأعشى كان مسلما وقد مدح نبي المسلمين مدحا صريحا بقوله (وهو يكلم ناقته): فآليت لا أرثى لها من كلالة ... ولا من حفا حتى نزور محمدا تبى يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وانجدا متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله يدا (ثم سئل): أين أردت يا أبا نصر؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم. . . (عن الأغاني ٨: ٨٥ و٨٦) فهذا كلام واضح على انه كان يريد الإسلام. ٣ - لا يمكن أن قال أنه كان نصرانياً وقد سمى الصليب وثنا والنصراني لا يجسر على أن ما يسميه بهذا الاسم. أما انه سماه وثنا فظاهر من هذا البيت:
следующие страницы →